خلفه ويتّقى بيده، فقيل له: ما لك؟ قال: رأيت بينى وبينه خندقا من نار وهولا، ورأيت ملائكة ذوى أجنحة. فقال رسول الله ﷺ : أما لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا. وأنزل الله تعالى ﴿كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * * أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى﴾ إلى قوله ﴿إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ يعنى أبا جهل ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ قومه ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ الملائكة (١).
ومرّ أبو جهل بالنبى ﷺ وهو يصلى فقال: ألم أنهك عن أن تصلى يا محمد؟! لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى. فانتهره النبى ﷺ ، فقال جبريل ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب (٢).
قال عثمان بن عفان: كان رسول الله ﷺ يطوف بالبيت - ويده فى يد أبى بكر - وفى الحجر ثلاثة [نفر] (٣) جلوس: عقبة ابن أبى معيط، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، فمرّ رسول الله ﷺ فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره؛ فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ ، فدنوت منه حتى وسطته، فكان بينى وبين أبى بكر، وأدخل أصابعه فى أصابعى حتى طفنا جميعا. فلما حاذاهم قالوا:
والله لا نصالحك ما بلّ بحر صوفة - وأنت تنهانا أن نعبد ما كان
стр. 247
يعبد آباؤنا. فقال لهم رسول الله ﷺ : أنا على ذلك. ثم مضى عنهم، فصنعوا به فى الشوط الثالث مثل ذلك، حتى إذا كان فى الشوط الرابع ناهضوه، ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجمع ثوبه، فدفعته فى صدره فوقع على استه، ودفع أبو بكر أميّة بن خلف، ودفع رسول الله ﷺ عقبة بن أبى معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله ﷺ وهو واقف، ثم قال لهم: أما والله لا تنتهون حتى يحلّكم الله عذابه عاجلا. فو الله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل (١)، وهو يرتعد، فجعل رسول الله ﷺ يقول: بئس القوم أنتم لنبيّكم. ثم انصرف إلى بيته وتبعناه، فقال: أبشروا فإن الله مظهر دينه، ومتم كلمته، وناصر نبيه؛ إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلا. ثم انصرفنا إلى بيوتنا، فو الله لقد رأيتهم ذبحهم الله بأيدينا (٢).
وأتمرت قريش يوما وهم جلوس فى ظلّ الكعبة، ورسول الله ﷺ يصلى عند المقام/، فقام إليه عقبة بن أبى معيط فجعل رداءه فى عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطا، وتصايح الناس، فظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبعى رسول الله ﷺ من ورائه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ ، فقام فصلّى؛ فلما قضى صلاته مرّ بهم وهم
стр. 248
جلوس فقال: يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذّبح وأشار بيده إلى حلقه. فأخذت القوم كلهم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة (١) قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم راشدا فو الله ما كنت جهولا.
ويقال: إن رسول الله ﷺ كان يوما بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب النبى ﷺ ولوى بثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقتفى (٢) أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن رسول الله ﷺ ، وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم (٣).
وقالت ابنة الحكم: قلت لجدّى الحكم ما رأيت قوما أعجز منكم ولا أسوأ رأيا يا بنى أميّة فى رسول الله ﷺ . قال: لا تلومينا يا بنيّة إنى لا أحدثك إلا ما رأيت بعينىّ هاتين، قلنا: والله لا نزال نسمع قريشا تعلى أصواتها على رسول الله ﷺ فى هذا المسجد:
تواعدوا له حتى تأخذوه. فتواعدنا فجئنا إليه لنأخذه، فسمعنا صوتا
стр. 249
ما ظننا أنه بقى جبل بتهامة إلا تفتّت، فغشى علينا فما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله، ثم تواعدنا له ليلة أخرى، فلما جاء نهضنا إليه، فجاءت الصفا والمروة حتى التقت (١) إحداهما بالأخرى فحالتا بيننا وبينه، فو الله ما نفعنا ذلك حتى رزق الله الإسلام وأذن لنا فيه.
وقدم رجل من إراش يقال له كهل الأصغر بن عصام بن كهل الأكبر (٢) بإبل له مكّة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها، وأقبل الإراشىّ حتى وقف على نادى قريش - ورسول الله ﷺ جالس فى ناحية المسجد - فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى (٣) على أبى الحكم بن هشام؟ فإنى رجل غريب وابن سبيل، وقد غلبنى علىّ حقّى؛ فإنه ابتاع منى/ظهرا فمطلنى بثمنه وحبسنى به حتى شقّ علىّ، فمن رجل يقوم معى فيأخذ لى حقى منه؟ فقال أهل المجلس: ترى ذلك الجالس؟ انطلق إليه يأخذ لك حقك - وهم يستهزئون به لما يعلمون ما بينه وبين أبى جهل من العداوة - فأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله. إن أبا
стр. 250
الحكم بن هشام قد غلبنى على حق لى قبله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يعيننى عليه يأخذ لى حقى منه، فأشاروا إليك؛ فخذ لى حقى منه رحمك الله. قال: أنطلق إليه.
وقام رسول الله ﷺ معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن كان معهم: اتبعه، وانظر ماذا يصنع. وخرج رسول الله ﷺ حتى جاء أبا جهل فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟ قال: محمد بن عبد الله، فاخرج إلىّ. ففتح الباب وخرج وما فى وجهه [من] (١) رائحة (٢) وقد انتقع لونه، فقال له: أعط هذا الرجل حقه. قال:
نعم. فقال: لست أبرح أو تعطيه حقه. قال: نعم لا تبرح حتى أعطيه حقه الذى له. فدخل البيت فخرج إليه بحقه فدفعه إليه. ثم انصرف رسول الله ﷺ ، وقال للإراشى: الحق بشأنك. فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا؛ فقد - والله - أخذ لى حقى بأيسر الأمور، ثم انصرف وجاء الذى بعثوه معه، فقالوا: ويحك ماذا رأيت؟ قال: رأيت عجبا من العجب؛ ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا حقه قال: نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه. ثم لم يلبثوا أن جاء أبو جهل بن هشام فقالوا له: ويلك مالك، والله ما رأينا مثل ما صنعت، فو الله ما بعثنا الرجل إلى محمد إلاّ هازئين. فقال: ويحكم دعونى فو الله ما هو إلا أن
стр. 251
ضرب علىّ بابى وسمعت صوته فملئت منه رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته وقصرته (١) وأنيابه قط، فاتحا فاه، والله لو أبيت لأكلنى، فأعطيت الرجل حقه.
فقال القوم: ما هو إلاّ بعض سحره (٢).
ويقال: إن الإراشى خرج على أباعر له يحمل طعاما من الشام إلى مكة، فباع طعامه من أبى جهل، فمطله بحقه، فلما طال ذلك عليه أتى جماعة/من قريش فشكاه إليهم، فقالوا - وهم يهزؤون به: - عليك بذلك الجالس - يعنون النبىّ ﷺ فأتاه فشكاه إليه، وسأله أن يكلمه، فنهض معه حتى جاءه فدعاه فخرج، فقال له: أعط هذا حقه. قال: نعم الساعة. فأعطاه حقه، فلامته قريش فقالوا: كلمناك فأبيت وشفّعت محمدا!! فقال: رأيت معه (٣) بعيرا فاغرا فاه (٣)، والله لو لم أعطه لأكلنى.
ويقال إنّ رجلا كان له على أبى جهل دين فلم يعطه، فقيل له: ألا ندلّك على من يستخرج لك حقّك؟ قال: بلى. قالوا:
عليك بمحمد بن عبد الله. فأتاه، فجاء معه إلى أبى جهل فقال: أعطه حقه. قال نعم. فدخل البيت فأخرج دراهمه فأعطاه إيّاها. فقالوا لأبى جهل: فرقت من محمد كل هذا؟ قال: والذى نفسى بيده لقد
стр. 252
رأيت معه رجالا معهم حراب تلمع - أو قال تتلألأ - لو لم أعطه لخفت أن ينفح (١) بها بطنى.
وكان النبى ﷺ قائما يصلى عند البيت فى ظلّه - ورهط من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، وعقبة بن أبى معيط جلوس فى مجالسهم فى الحجر - فقال أبو جهل بن هشام: ألا تنظرون إلى هذا المرائى، أيّكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجئ به فيلقيه على ظهر محمد إذا سجد؟ وكانت جزورا قد نحرت بالأمس بأسفل مكة، فانبعث أشقى القوم عقبة بن أبى معيط - وكان أسفه قريش - فجاء به فنظر حتى إذا سجد النبىّ ﷺ وضعه على ظهره بين كتفيه، وثبت النبىّ ﷺ ساجدا لا يرفع رأسه، فجعلوا يضحكون حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى بنته فاطمة - وهى جويرية - فأقبلت تسعى حتى ألقته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبّهم، فلم يرجعوا إليها شيئا، فلما قضى النبىّ ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم - وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا - فقال: اللهم عليك بالملأ من قريش - ويقال: اللهم عليك بقريش - ثلاث مرات. فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وشقّ عليهم أن دعا عليهم، وخافوا دعوته، وكانوا يرون أن الدّعوة فى البلد مستجابة. ثم قال: اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأميّة بن خلف، وعقبة بن أبى معيط/، وعمارة
стр. 253
ابن الوليد (١). ثم قال لأبى جهل: والله لتنتهينّ أو لينزلنّ الله عليك قارعة، وقال لعتبة: يا ابن أبان ما أنت بمقصر عما ترى؟ فقال:
لا، حتى تدع ما أنت عليه. فقال: والله لتنتهينّ أو ليحلّن بك قارعة.
وخرج رسول الله ﷺ فلقيه أبو البخترىّ العاص بن هشام ابن أسد بن عبد العزّى بن قصىّ - وكان أقل الناس أذى للنبى ﷺ فأنكر وجهه، فسأله عن خبره فأخبره، وكان معه سوط فأتى أبا جهل فعلاه به، فتشاور بنو مخزوم وبنو أسد بن عبد العزى، فقال أبو جهل: ويلكم إنما يريد محمد أن يلقى بينكم العداوة (٢)، ووالله لئن رأيت محمدا يصلى لأطأن رقبته. فبلغه أنه يصلى، فأقبل مسرعا فقال: ألم أنهك يا محمد عن الصلاة؟! فانتهره رسول الله ﷺ ، فقال: أتنهرنى وتهدّدنى وأنا أعزّ أهل البطحاء!! فسمعه العاص بن عبد المطلب فقال: كذبت. فنزلت ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * * عَبْداً إِذا صَلّى﴾ يعنى أبا جهل ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى﴾ (٣) يعنى رسول الله ﷺ .
وقال أبو جهل: يا محمد، ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من أبنائنا ممن قد مات؛ فلست بأهون على الله من عيسى - فيما تزعم - فقد
стр. 254
كان عيسى يفعل ذلك. فقال: لم يقدرنى الله على ذلك. قال:
فسخّر لنا الريح تحملنا إلى الشام فى يوم وتردّنا فى يوم؛ فإن طول السفر يجهدنا، فلست بأهون على الله من سليمان بن داود؛ قد كان يأمر الريح فتغدو به مسيرة شهر، وتروح به مسيرة شهر.
فقال: لا أستطيع ذلك. فقال أبو جهل: فإن كنت غير فاعل شيئا مما سألناك فلا تذكر آلهتنا بسوء. فقال عبد الله بن أبى أميّة بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: فأرنا كرامتك على ربّك؛ فليكن لك بيت من زخرف، وجنّة من نخيل وعنب، تجرى فيها الأنهار، وفجّر لنا ينبوعا مكان زمزم فقد شقّ علينا المتح عليها، وإلا فأسقط السماء علينا كسفا. فقال: ليس هذا بيدى، هو بيد الذى خلقنى. قال: فارق إلى السماء فأتنا بكتاب نقرؤه ونحن ننظر إليك. فنزلت فيه الآيات من سورة الإسراء (١).
ولما نزلت ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * * طَعامُ الْأَثِيمِ * * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٢) قال أبو جهل: أنا أدعوكم يا معشر قريش بالزّقّوم. فدعا بزبد وتمر فقال: تزقّموا من هذا؛ فإنا لا نعلم زقّوما غيره. فبيّن الله أمرها فقال ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * * طَلْعُها/كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ (٣) فقالت قريش: شجرة تنبت فى النار؟! فكانت فتنة لهم. وجعل المستهزئون يضحكون.
стр. 255
ويقال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ (١) قال أبو جهل: ائتونا بزبد وتمر، وقال: تزقّموا فإن هذا هو الزّقّوم. فنزلت ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * * طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ (٢) يعنى أبا جهل. ونزلت ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٣)
قيل: لما نزلت آية الزّقّوم لم تعرفه قريش. قال أبو جهل: هذا الشّجر لا ينبت بأرضنا فمن منكم يعرفه؟ فقال رجل قدم من إفريقية: الزّقّوم - بلغة إفريقية: الزّبد والتّمر. فقال أبو جهل: يا جارية، هاتى تمرا وزبدا نزدقمه. فجعلوا يأكلون ويزقمون ويقولون:
أبهذا يخوّفنا محمد فى الآخرة؟! فبيّن الله فى آية أخرى الزّقّوم بقوله ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٣)
وقدم رجل من هذيل - يقال له عمرو - بغنم له فباعها، ورآه النبىّ ﷺ فأخبره بالحق ودعاه إليه، فقام إليه أبو جهل - وكان خفيفا حديد الوجه والنظر به حول - فقال: انظر ما دعاك إليه هذا الرجل، فإيّاك أن تركن إلى قوله فيه، أو تسمع منه شيئا؛ فإنه قد سفّه أحلامنا، وزعم أن من مات منا كافرا يدخل النار بعد الموت، وما أعجب ما يأتى به. قال: فما تخرجونه من أرضكم؟ قال: لئن خرج من بين أظهرنا فيسمع كلامه وحلاوة لسانه أحداث ليتبعنّه، ثم لا نأمن أن يكرّ علينا بهم. قال: فأين أسرته عنه؟ قال: إنما امتنع بأسرته.
стр. 256
وكان رسول الله ﷺ جالسا فى المسجد ومعه أبو بكر وسعد بن أبى وقّاص إذ أقبل رجل من زبيد وهو يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم المادة والجلب وأنتم تظلمون من دخل إليكم؟! وجعل يقف على الحلق [حلقة حلقة] (١) حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ وهو فى أصحابه - فقال له: من ظلمك؟ قال: أبو الحكم؛ طلب منى ثلاثة أجمال هى خيار إبلى، فلم أبعه إياها بالوكس (٢)، فليس يبتاعها منى أحد اتباعا لمرضاته؛ فقد أكسد سلعتى وظلمنى. فقال ﷺ :
وأين أجمالك؟ قال: هى بالحزورة. فابتاعها منه رسول الله ﷺ ، فباع منها جملين بالثمن الذى التمسه، ثم باع البعير الثالث وأعطى ثمنه أرامل بنى عبد المطلب - وأبو جهل جالس فى ناحية من السوق لا يتكلّم، ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى/منى ما تكره. فقال: لا أعود يا محمد. فلما انصرف رسول الله ﷺ أقبل عليه أميّة بن خلف ومن حضره من المشركين، فقالوا: لقد ذللت (٣) فى يدى محمد، كأنك تريد اتباعه. فقال: لا أتبعه والله أبدا، إنما كان انكسارى عنه لما رأيت من سحره؛ لقد رأيت عن يمينه وشماله رجالا معهم رماح يشرعونها إلىّ، لو خالفته لكان إياها (٤). فقالوا: هذا سحر منه.
стр. 257
وجاء أبو جهل فى عدة من المشركين يريدون رسول الله ﷺ بسوء، فخرج عليهم وهو يقول ﴿يس﴾ وجعل التراب على رءوسهم وهم لا يرونه، فلما انصرف أقبلوا ينفضون التراب عن رءوسهم ويتعجبون ويقولون: هذا سحر من سحر محمد (١).
وكان عقّبة بن أبى معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما فدعا عليه (٢) جيرانه: أهل مكة كلّهم، فكان يكثر مجالسة النبىّ ﷺ ويعجبه حديثه، ويغلب عليه الشقاء؛ فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاما، ثم دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه، فقال: ما أنا بالذى آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. قال: اطعم يا ابن أخى. قال: ما أنا بالذى أفعل حتى تقول. فشهد بذلك، فطعم من طعامه. فبلغ ذلك أبىّ بن خلف فأتاه فقال: أصبوت يا عقبة؟ - وكان خليله - فقال: لا والله ما صبوت ولكن دخل علىّ رجل فأبى أن يطعم من طعامى إلا أن أشهد له، فاستحيت أن يخرج من بيتى قبل أن يطعم فشهدتّ له فطعم.
قال: ما أنا بالذى أرضى عنك أبدا حتى تأتينّه فتبزق فى وجهه، وتطأ على عنقه. ففعل عقبة ذلك، وأخذ رحم [شاة] (٣) فألقاه بين كتفيه، فقال رسول الله ﷺ : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف (٤).
стр. 258
ويقال: إن عقبة بن أبى معيط كان يجلس مع النبى ﷺ بمكة لا يؤذيه، فكان رجلا حليما، وكانت قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لابن أبى معيط خليل غائب بالشام، فقالت قريش:
صبأ ابن أبى معيط، وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته: ما فعل محمد فيما كان عليه؟ فقالت: هو أشدّ ما كان أمرا. فقال:
ما فعل خليلى ابن أبى معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه ابن أبى معيط فحيّاه فلم يردّ عليه التحيّة، فقال:
ما لك لا تردّ علىّ تحيّتى؟ فقال: كيف أردّ عليك تحيّتك وقد صبوت؟! قال: وقد فعلتها قريش؟ قال: نعم. قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه فى مجلسه/فتبزق فى وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلم. فجاء إلى النبىّ ﷺ ففعل ما أمره به، فلم يزد النبىّ ﷺ على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال:
لئن وجدتك خارجا من جبال مكة لأضربن عنقك صبرا (١).
وكان أبى بن خلف يلقى رسول الله ﷺ فيقول: يا محمد، إن عندى فرسا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها. فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك إن شاء الله. ويقال: إن ذلك لما افتدى أبىّ بن خلف نفسه يوم بدر (٢).
стр. 259
واجتمع عتبة وشيبة، وأبو سفيان بن حرب، والنّضر بن الحارث، وأبو البخخترىّ، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أميّة، وأميّة بن خلف، والعاص بن وائل، ومنبّه ونبيه ابنا الحجاج بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلّموه وخاصموه حتى تعذروا فيه. فبعثوا إليه: إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم. فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا - وهو يظن أن قد بدا لقومه فى أمره بداء (١)، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعزّ عليه عنتهم - حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد إنّا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنّا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك؛ لقد شتمت الآباء، وعبت الدين. وشتمت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة، فما بقى من أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيّا - فربما كان ذلك؛ بذلنا لك أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك. فقال لهم رسول الله ﷺ : ما بى ما
стр. 260
تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثنى إليكم رسولا، وأنزل على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتكم رسالات ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله/حتى يحكم الله بينى وبينكم - أو كما قال ﷺ (١).
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك فإنك قد علمت ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقلّ ماء، ولا أشدّ عيشا منا؛ فسل لنا ربّك الذى بعثك بما بعثك به فليسيّر عنا هذه الجبال التى قد ضيّقت علينا، وليبسط علينا بلادنا، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصىّ بن كلاب؛ فإنه كان شيخ صدق، نسألهم عما تقول. أحقّ هو أم باطل؟ فإن صدّقوك، وصنعت ما سألناك صدّقناك، وعرفنا منزلتك من الله، (٢) وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول. فقال لهم ﷺ : ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثنى به (٢)، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظّكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردّوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم.
стр. 261
فقالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك، وسل ربّك أن يبعث معك من يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، واسأله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغى؛ فإنك تقوم بالأسواق [كما نقوم] (١) وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربّك إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال لهم رسول الله ﷺ : ما أنا بفاعل وما أنا بالذى يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثنى بشيرا ونذيرا - أو كما قال - فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم فى الدنيا والآخرة، وإن تردوه علىّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن يشأ (٢) فعل، فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل. فقال رسول الله ﷺ : ذلك إلى الله إن شاء [أن] (٣) يفعله بكم فعل.
قالوا: يا محمد، ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك بما هو صانع فى ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، وقد أعذرنا إليك يا محمد،
стр. 262
وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى تهلك (١) أو تهلكنا. فقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهى بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله ﷺ قام عنهم وقام معه عبد الله/ ابن أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وهو ابن عمته، هو لعاتكة بنت عبد المطلب - فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله - كما تقول - ويصدقوك ويتبعوك (٢) فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك بما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجّل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فو الله لا أومن أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلّما، ثم ترقى فيه، وأنا انظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتى معك بصكّ وأربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أنى مصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.
فلما قام عنهم رسول الله ﷺ قال أبو جهل: يا معشر قريش: إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا،
стр. 263
وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا؛ وإنى أعاهد الله لأجلسنّ له غدا بحجر ما أطيق حمله - أو كما قال - فإذا سجد فى صلاته فضخت به رأسه، فأسلمونى عند ذلك أو امنعونى، فلتصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم. قالوا: والله لا نسلمك لشئ أبدا فامض لما تريد (١).
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف، وجلس لرسول الله ﷺ ينتظره، وغدا رسول الله ﷺ كما كان يغدو، وكان رسول الله ﷺ بمكة وقبلته إلى الشام؛ فكان إذا صلى صلى بين الركنين اليمانى والأسود، وجعل الكعبة بينه وبين الشام. فقام رسول الله ﷺ يصلى - وقد قعدت (٢) قريش فى أنديتها ينتظرون ما أبو جهل فاعل - فلما سجد رسول الله ﷺ احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه، مرعوبا قد يبست يداه على الحجر، فقذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهمّ بى/أن يأكلنى - قال النبى ﷺ : ذاك جبريل، لو دنا منى (٣) لأخذه -
стр. 264
فلما قال لهم أبو جهل ذلك قام النضر بن الحارث فقال: يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله قط.
وكان النبى ﷺ يقرأ فى المسجد فيجهر بالقراءة حتى تأذّى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه فإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم، وإذا هم عمى لا يبصرون؛ فجاءوا إلى النبىّ ﷺ فقالوا:
ننشد الله والرحم يا محمد - ولم تكن بطن من بطون قريش إلاّ وللنبىّ ﷺ فيهم قرابة - فدعا النبى ﷺ حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت ﴿يس * * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) فلم يؤمن من أولئك النفر أحد (٢).
وقام رجل من بنى مخزوم إلى النبىّ ﷺ وفى يده فهر ليرمى رسول الله ﷺ ، فلما أتاه - وهو ساجد - رفع يده وفيها الفهر، فيبست يده على الحجر؛ فلم يستطع إرسال الفهر من يده، فرجع إلى أصحابه فقالوا: حنيت (٣) على الرجل!! قال: لم أفعل، ولكن هذا فى يدى لا أستطيع إرساله. فعجبوا من ذلك، فوجدوا أصابعه قد يبست على الفهر، فعالجوا أصابعه حتى خلّصوها، وقالوا: هذا شئ يراد.
стр. 265
واجتمعت قريش يوما فقالوا: لقد انتشر علينا أمر محمد، ثم فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا، وعاب ديننا؛ فلو التمستم رجلا عالما بالسّحر والكهانة والشعر فليأته فليكلمه، ولينظر ماذا يردّ عليه.
قالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: ائته يا أبا الوليد.
فقال عتبة: لقد سمعت بقول السحرة والكهانة والشعر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى علىّ إن كان كذلك. فأتاه عتبة فقال:
يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت، ثم قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت، ثم قال: أنت خير أم هاشم؟ فسكت، فقال:
فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التى عبت (١)، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، فبم تشتم آلهتنا، وتضلل آباءنا؟ ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك؛ فرّقت جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا فى العرب، حتى لقد طار فيهم أن فى قريش ساحرا، وأن فى قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى: أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى/، أيها الرجل إن كان ما بك إلاّ الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أىّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا، وإن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا ما تستغنى به أنت وعقبك من بعدك؛ حتى تكون أغنى قريش رجلا - ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم - فقال رسول الله
стр. 266
ﷺ : فرغت؟ قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم * * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * * بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ وقرأ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ (١) فقال عتبة: حسبك حسبك، ما عندك غير هذا؟ قال: لا.
فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ فقال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلّمونه إلا وقد كلّمته. قالوا: فهل أجابك؟ قال: نعم، [ثم] (٢) قال: لا والذى نصبها بنيّة ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه قال: أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك؛ يكلمك رجل بالعربية لا تدرى ما قال!! قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة (٣).
ويقال: إن عتبة لما قرأ عليه النبى ﷺ ، وبلغ ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ أمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكفّ عنه، ولم يخرج إلى أهله، واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صبا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، انطلقوا بنا إليه.
стр. 267
فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما خشينا (١) إلاّ أنك صبوت إلى محمد، وأعجبك أمره، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب وأقسم بالله لا يكلّم محمدا أبدا، وقال: لقد علمتم أنى من أكثر قريش مالا، ولكننى أتيته - فقصّ عليهم القصة - فأجابنى بشئ، والله ما هو سحر، ولا شعر، ولا كهانة؛ قرأ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم * * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * * بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ حتى بلغ ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢) فأمسكت بفيه، وناشدته الرحم أن يكفّ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.
ويقال: /إن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما - وحده - فى المسجد وقريش فى أنديتهم، فقال عتبة بن ربيعة: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأكلّمه: فاعرض عليه أمورا لعلّه يقبل منا بعضها ويكفّ عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد. فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث فيما قال له عتبة، وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك، حتى إذا فرغ قال رسول الله ﷺ :
أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع منى ما أقول. قال:
أفعل. قال رسول الله ﷺ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم * * تَنْزِيلٌ﴾
стр. 268
﴿مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما، يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال: سمعتت. قال: فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلس [إليهم] (١) قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قطّ، والله ما هو بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعونى واجعلوها بى، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه؛ فو الله ليكونن لقوله الذى سمعت [منه] (٢) نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. فقال: هذا رأيى لكم (٣) فاصنعوا ما بدا لكم.
ويقال: إن عتبة لما أتى أصحابه قال لهم: يا قوم أطيعونى فى هذا اليوم، واعصونى فيما بعده؛ فو الله لقد سمعت من هذا الرجل
стр. 269
كلاما ما سمعت أذناى - قط - كلاما مثله، وما دريت ما أردّ عليه (١).
واجتمع نفر من قريش - وقد حضر الموسم - فقال الوليد بن المغيرة - وكان ذا سنّ فيهم -: يا معشر قريش إنه حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب تقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا، ويردّ قولكم بعضه بعضا. قالوا: فافعل يا أبا عبد شمس فقم وأقم لنا رأيا نقل به. فقال: بل أنتم قولوا أسمع. قالوا:
نقول إنه كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن؛ لقد رأيت الكهّان فما هو بزمزمة (٢) /الكهّان ولا سجعهم. قالوا: فنقول إنه مجنون.
فقال: ما هو بمجنون؛ ولقد رأينا الجنون وعرفناه؛ فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قالوا: فنقول إنه شاعر. قال: ما هو بشاعر؛ لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه، ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر؛ لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده.
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن
стр. 270
أصله لعذق، وإن فرعه لجناة (١)، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلاّ عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا هو ساحر، جاء بقول يفرّق به بين المرء وبين ابنه، وبين المرء وبين أخيه، وبين المرء وبين زوجته، وبين المرء وعشيرته. فتفّرقوا عنه بذلك؛ فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلا حذّروه إيّاه، وذكروا لهم من أمره، فأنزل الله فى الوليد بن المغيرة ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إلى قوله ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٢) وأنزل الله فى النفر الذين كانوا معه ويصنّفون (٣) القول فى رسول الله ﷺ فيما جاء به ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أى أصنافا ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤) فجعل أولئك النّفر يقولون ذلك فى رسول الله ﷺ فيمن لقوه من الناس، وصدرت العرب فى ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها (٥).
قال الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ - وكان رجلا شريفا شاعرا لبيبا -: قدمت مكة - ورسول الله ﷺ بها - فمشى إلىّ رجال من قريش فقالوا لى: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذى
стр. 271
بين ظهرانينا قد عضل بنا، وفرّق جماعتنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين الرجل وبين ابنه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلّمه، ولا تسمع منه. فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت على ألاّ أسمع منه شيئا، ولا أكلمه؛ حتى حشوت أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا (١) - فرقا أن يبلغ منى قوله وأنا لا أريد أن أسمعه - فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله إلا أن يسمعنى بعض قوله؛ فسمعت كلاما حسنا، فقلت فى نفسى: وا ثكل أمى، والله إنى لرجل لبيب [شاعر] (٢) /ما يخفى علىّ الحسن من القبيح، فما يمنعنى من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذى يأتينى به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته، فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت:
يا محمد، إن قومك قالوا لى كذا وكذا، فو الله ما برحوا يخوفوننى حتى سددت أذنى بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا؛ فاعرض علىّ أمرك. فعرض علىّ الإسلام، وتلا القرآن، فو الله ما سمعت قولا قطّ أحسن، ولا أمرا أعدل منه.
فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبى الله إنى امرؤ
стр. 272
مطاع فى قومى، وراجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام؛ فادع الله أن يجعل لى آية تكون لى عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: اللهم اجعل له آية. فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر وقع نور بين عينىّ مثل المصباح، فقلت: اللهم فى غير وجهى؛ فإنى أخشى أن يظنّوا أنها مثلة وقعت فى وجهى لفراقى دينهم. فتحوّل فوقع فى رأس سوطى. فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور فى سوطى كالقنديل المعلّق، وأنا أنهبط (١) إليهم من الثّنيّة، حتى جئتهم فأصبحت فيهم.
فلما نزلت أتانى أبى - وكان شيخا كبيرا - فقلت إليك عنى يا أبت، فلست منك ولست منى. قال: ولمه أى بنى؟ قلت:
أسلمت وتابعت دين محمد. قال أبى: فدينى دينك. فاغتسل وطهّر ثيابه ثم جاء، وعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتنى صاحبتى، فقلت لها: إليك عنى؛ فلست منك ولست منى. قالت: لم بأبى أنت وأمّى؟ قلت: فرّق بينى وبينك الإسلام، أسلمت وتابعت دين محمد. قالت: فدينى دينك وأسلمت.
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطئوا علىّ.
ثم جئت رسول الله ﷺ فقلت: يا نبى الله، إنه قد غلبنى على دوس الزنا (٢)، فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسا،
стр. 273
فارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم. فرجعت فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة؟؟؟ قضى بدرا وأحدا والخندق، ثم قدمت عليه بمن قد أسلم من؟؟؟ وهو بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين رجلا من دوس؟؟؟. (١)
وبعث مشركو قريش النضر بن الحارث وعقبة بن؟؟؟ أبى العيط/ إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهما: سلاهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله؛ فإنهم أهل الكتاب الأوّل، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء. فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار اليهود عن رسول الله ﷺ ، ووصفا لهم أمره ببعض قوله، فقالت أحبار اليهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبىّ مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم؛ سلوه عن فتية ذهبوا فى الدّهر الأوّل، ما كان من أمرهم، فإنه كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وما كان بناؤه (٢)؟ وسلوه عن الروح ما هو؟
فأقبل النضر بن الحارث وعقبة حتى قدما مكة على قريش، فقالا: يا معشر قريش قد جئنا بفصل (٣) ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار اليهود أن نسأله عن أمور - وأخبروهم بها -
стр. 274
فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا - فسألوه عما أمروهم به - فقال رسول الله ﷺ : أخبركم بما سألتم عنه غدا - ولم يستثن - فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه فى ذلك وحيا، ولم يأته جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا لا يخبرنا بشئ مما سألناه عنه، حتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحى عنه، وشقّ عليه ما يتكلّم به أهل مكة.
ثم جاءه جبريل من عند الله بسورة أصحاب (١) الكهف، فيها معاتبته إيّاه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه فى أمر الفتية، والرّجل الطوّاف، والروح.
يقول الله تعالى ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢)
ويقال: إن رسول الله ﷺ افتتح السورة فقال ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ يعنى محمدا؛ إنك رسول منى تحقيقا لما سألوه من نبوته ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * * قَيِّماً﴾ أى معتدلا لا اختلاف فيه ﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ﴾ (٣) أى عاجل عقوبته فى الدنيا وعذابا فى الآخرة؛ أى من عند ربك الذى بعثك رسولا.
стр. 275
ومشى رجال من أشراف قريش، منهم: عتبة وشيبة وأبو جهل إلى أبى طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا، وآذانا فى نادينا ومسجدنا؛ فإمّا أن تكفّه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه/ - فإنك على ما نحن عليه من خلافه - فنكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردّهم ردّا جميلا. فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه.
ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتطاعنوا (١)، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، وحضّ بعضهم بعضا [عليه] (٢) حتى تمشّوا إلى أبى طالب مرّة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا. من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك فى هذا حتى يهلك أحد الفريقين. ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه، إلاّ أنه قال له: يا ابن أخى، إنّ قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا؛ فأبق علىّ وعلى
стр. 276
نفسك، ولا تحملنى من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.
فظنّ رسول الله ﷺ أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن القيام معه، فقال رسول الله ﷺ :
والله يا عمّاه لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. ثم بكى رسول الله ﷺ ، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخى. فأقبل، فقال: اذهب فقل ما أحببت؛ فو الله لا أسلمك لشئ أبدا. ثم قال أبو طالب: -
والله لن يصلوا إليك بجمعهم … حتى أوسّد فى التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك غضاضة … فكفى به دنيا لديك ودينا
ودعوتنى وزعمت أنك ناصح … فلقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه … من خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذارى سبّة … لوجدتنى سمحا بذاك ضنينا (١)
ويقال: لما أن جاءت قريش إلى أبى طالب وتكلّموا معه أرسل ابنه عقيلا إلى النبى ﷺ فقال له: انطلق فأتنى بمحمد. فانطلق عقيل فأخرجه من بيت صغير فجاء به فى الظهيرة فى شدّة الحرّ، فلما أتاهم قال أبو طالب: إن بنى عمك/هؤلاء قد زعموا أنك
стр. 277
تؤذيهم فى ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم. فحلّق رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس؟ قالوا: نعم.
قال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك [منكم] (١) على أن تستشعلوا منه شعلة. فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخى قط فارجعوا.
ويقال: إن قريشا بعثوا رجلا (٢) إلى أبى طالب فقال له: هؤلاء مشيخة قومك، يستأذنون عليك. قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيّدنا، فأنصفنا من ابن أخيك؛ فمره فليكفف عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه. فبعث إليه أبو طالب، فلما جاء قال: يا ابن أخى، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، وقد سألوا النّصفة: أن تكفّ عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: أى عم، أو لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ قال: وإلى ما تدعوهم؟ قال:
أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم.
قال أبو جهل: ما هى وأبيك فنعطينّكها (٣) وعشرا أمثالها. قال: فقولوا لا إله إلا الله. فتفرّقوا، وقالوا: لو سألتنا غير هذه؟ فقال: لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ما سألتكم [غيرها] (٤). فغضبوا وقاموا من عنده، وقالوا: والله لنشتمنّك وإلهك الذى يأمرك بهذا.
﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ (٥)
стр. 278
فلما عرفت قريش أنّ أبا طالب لا يخذل النبىّ ﷺ مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فقالوا:
يا أبا طالب: هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى فى قريش، فاحمله وخذه، وسلّم لنا ابن أخيك هذا الذى خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومه، وسفه أحلامنا فنقتله؛ فإنّما رجل كرجل (١).
فقال: والله لبئس ما تسوموننى، أتعطونى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه؟! هذا والله ما لا يكون أبدا.
ويقال: لما جاءت قريش بعمارة بن الوليد إلى أبى طالب قالوا:
قد عرفت حال عمارة فى قريش، ونحن ندفعه لك مكان محمد، وادفعه إلينا. قال: ما أنصفتمونى؛ أعطيكم ابن أخى تقتلونه وتعطونى ابن أخيكم أغذوه لكم؟! فقال المطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما نكرهه، فما أراك أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب لمطعم: والله ما أنصفونى، ولكنّك قد أجمعت خذلانى، ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك.
فحميت الحرب حينئذ وتنابذ القوم، /ووثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله منهم بعمّه أبى طالب، وقام أبو طالب فى بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله ﷺ ، والقيام دونه؛
стр. 279
فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفع عن رسول الله ﷺ إلا ما كان من أبى لهب - فلما رأى أبو طالب من قومه ما سرّه من جدّهم معه وحدبهم عليه جعل [يمدحهم ويذكر قديمهم و] (١) يذكر فضل رسول الله ﷺ فيهم (٢) ومكانه منهم ليسدّد (٣) لهم رأيهم، وقال أبو طالب: -
عجبت لظلم يا ابن شيبة حادث … وأحلام أقوام لديك سخاف
يقولون شايع من أراد محمدا … بسوء وقم فى أمره بخلاف
أضاميم إمّا حاسد ذو خيانة … وإمّا قريب منك غير مصاف
فلا تركبن الدهر منك ظلامة … وأنت أمرؤ من خير عبد مناف
فإن له قربى إليك وسيلة … وليس بذى حلف ولا بمضاف
ولكنه من هاشم فى صميمها … إلى أبحر فوق البحور طواف
فإن غضبت فيه قريش فقل لهم … بنى عمنّا ما قومكم بضعاف
وما قومكم بالقوم تغشون ظلمهم … وما نحن فيما ساءكم بخفاف (٤)
وقال: -
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا … ولمّا نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرّع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل
стр. 280
وينهض قوم نحوكم غير عزّل … ببيض حديث عهدها بالصيافل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل (١)
واجتمع نفر من قريش، منهم: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل ابن هشام، والعاص بن وائل، والعاص بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزّى، وزمعة بن الأسود، والنضر بن الحارث، ونظراؤهم كثير، فقالوا للنبى ﷺ : إن كنت صادقا فشقّ لنا القمر فرقتين. فقال لهم النبى ﷺ : إن فعلت تؤمنوا؟ قالوا: نعم - وكانت/ليلة بدر - فسأل رسول الله ﷺ الله أن يعطيه ما سألوا. فأمسى القمر قد انشقّ نصفا على أبى قبيس ونصفا على قعيقعان - ويقال: انشق شقتين شقة على أبى قبيس، وشقة على السويداء - وقيل: انشق فلقتين فلقة من دون الجبل، وفلقة خلف الجبل - ويقال: انشق فلقتين فلقة فوق الجبل وفلقة دونه - وقيل: انشقّ فلقتين فستر الجبل فلقة وصارت فلقة فوق الجبل، وقيل: انشقّ باثنتين حتى رئى بينهما حراء - وقيل: انشقّ فلقتين فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه - فقال النبى ﷺ : اشهد - أو قال: فاشهدوا - وأقام القمر نصفين قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليهما، ثم غاب القمر؛ فقالت قريش: هذا سحر مستمر -
стр. 281
ويقال: فقالوا: سحر القمر - وقيل: فقالوا هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، فانظروا السّفّار يأتوكم، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به؛ فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم. فما قدم عليهم أحد من وجه من الوجوه إلاّ أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا، ونزلت ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١)
ويقال: انتهى أهل مكة إلى النبىّ ﷺ فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبريل فقال: يا محمد قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيرون آية إن أسعفوا بها. فأخبرهم رسول الله ﷺ مقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة فانشقّ القمر نصفين، نصفا على الصّفا، ونصفا على المروة، فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا فقالوا: يا محمد ما هذا إلاّ سحر ذاهب. فأنزل الله ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
وقال المشركون للنبى ﷺ : أتضلل آباءك وأجدادك يا محمد؟! فأنزل الله ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢)
стр. 282
وقال أبو جهل بن هشام لقريش: إن محمدا يزعم أنكم إن لم تطيعوه كان بكم منه ذبح. فقال رسول الله ﷺ : أنا أقول ذلك، وأنت من ذلك الذبح (١).
وكانت أم جميل امرأة أبى لهب تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبى ﷺ ليعقره وأصحابه (٢).
وتواصى نفر من بنى مخزوم منهم: أبو جهل/، والوليد بن المغيرة ليقتلوا النبىّ ﷺ ، فبينما هو قائم يصلى فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذى كان النبى ﷺ يصلّى فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذى هو يصلى فيه سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت من خلفهم فينتهون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا؛ فذلك قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (٣) إلى آخر الآية.
وقالت قريش للنبى ﷺ : لا نؤمن لك حتى تحوّل لنا الصفا ذهبا، فإن تحوّل لنا الصفا ذهبا آمنا بك. فأتاه جبريل فقال:
يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك إن شئت يصبح لهم
стр. 283
الصفا ذهبا، فإن لم يؤمنوا أنزلت عليهم العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية منازعة، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. فقال: لا بل افتح لهم باب التوبة والرحمة (١).
وقيل: إن قريشا قالوا لرسول الله ﷺ : إن أصبح الصفا والمروة لنا ذهبا آمنّا بك وصدّقناك. فأوحى الله تعالى إليه: إن أحببت أن يصبح الصفا والمروة ذهبا فمن كفر بعد ذلك عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، وإن شئت أفتح له باب التوبة والرحمة. فقال رسول الله ﷺ : لا بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة (٢).
ويقال: إن قريشا سألوا النبى ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحّى عنهم الجبال فيزرعوا فيها. فقال الله تعالى: إن شئت آتيناهم ما سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم، وإن شئت أن تستأنى بهم لعلنا نستحيى منهم. [قال: لا بل أستأنى بهم] (٣) فأنزل الله ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ (٤) الآية.
стр. 284
ولما كثرت أنواع الأذى من المشركين لرسول الله ﷺ استتر فى دار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومى، وهى التى تعرف الآن بدار الخيزران - بالصفا - وهى أم الخليفة الهادى والرشيد.
وقال أبو طالب يحضّ النجاشىّ على حسن جوار من هاجر إليه من المسلمين إلى الحبشة، والدفع عنهم: -
تعلم زعيم الناس أن محمدا … رسول كموسى والمسيح ابن مريم/
أتى بالهدى مثل الذى أتيا به … فكلّ بأمر الله هاد ومعصم (١)
وإنكم تتلونه فى كتابكم … بصدق حديث لا حديث مرجّم
وإنك ما يأتيك منا عصابة … بفضلك إلا أرفدوا بالتكرم
ولما رأت قريش استقرار المسلمين بالحبشة، وأنهم قد أصابوا دارا وأمنا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشىّ رجلين جلدين فى أمر المسلمين ليخرجوهم من بلاده ويردّوهم عليهم، وأن يهدوا إليه هدايا مما يستطرف من متاع مكة - ومن أعجب ما يأتيهم منها الأدم - فجمعوا له أدما كثيرة، ومما أعدوا له فرسا وجبّة ديباج، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية على حدة. ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة المخزومى - ويقال عوض عبد الله بن أبى ربيعة. عمارة بن الوليد بن المغيرة - وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما:
ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشىّ فيهم، ثم قدّما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما، وإن استطعتما أن يردهم عليكما قبل أن يكلّمهم فافعلا. وأمروهما أن يسرعا السير
стр. 285
قويا، فقدما على النجاشى، وفعلا ما أمرا به؛ فأبى النجاشىّ، وردّ عليهما هداياهما، وردّهما خائبين - فى خبر طويل - وكان حينئذ مشركا.
ولما رجع عمرو بن العاص إلى مكة جلس فى بيته فلم يخرج إلى قريش، فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال عمرو: إن بنى أصحمة تزعم أن صاحبكم نبى (١).
وفى هذه السنة ولد أسامة بن زيد (٢)، وأنس بن مالك (٣)، والمغيرة بن شعبة (٤)، وأبو موسى الأشعرى (٥)، وزيد بن خالد الجهنى (٦)، وحبيب بن مسلمة الفهرى (٧).