← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ويقال: فقالوا: سحر القمر - وقيل: فقالوا هذا سحر سحركم به ابن أبى كبشة، فانظروا السّفّار يأتوكم، فإن أخبروكم أنهم رأوا مثل ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به؛ فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم. فما قدم عليهم أحد من وجه من الوجوه إلاّ أخبرهم أنهم رأوا مثل ما رأوا، ونزلت ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) ويقال: انتهى أهل مكة إلى النبىّ ﷺ فقالوا: هل من آية نعرف بها أنك رسول الله؟ فهبط جبريل فقال: يا محمد قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيرون آية إن أسعفوا بها. فأخبرهم رسول الله ﷺ مقالة جبريل، فخرجوا ليلة أربع عشرة فانشقّ القمر نصفين، نصفا على الصّفا، ونصفا على المروة، فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها، ثم أعادوا النظر فنظروا، ثم مسحوا أعينهم، ثم نظروا فقالوا: يا محمد ما هذا إلاّ سحر ذاهب. فأنزل الله ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وقال المشركون للنبى ﷺ : أتضلل آباءك وأجدادك يا محمد؟! فأنزل الله ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ إلى قوله ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢)

стр. 282

وقال أبو جهل بن هشام لقريش: إن محمدا يزعم أنكم إن لم تطيعوه كان بكم منه ذبح. فقال رسول الله ﷺ : أنا أقول ذلك، وأنت من ذلك الذبح (١). وكانت أم جميل امرأة أبى لهب تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبى ﷺ ليعقره وأصحابه (٢). وتواصى نفر من بنى مخزوم منهم: أبو جهل/، والوليد بن المغيرة ليقتلوا النبىّ ﷺ ، فبينما هو قائم يصلى فلما سمعوا قراءته أرسلوا الوليد ليقتله، فانطلق حتى أتى المكان الذى كان النبى ﷺ يصلّى فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك، فأتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذى هو يصلى فيه سمعوا قراءته، فيذهبون إلى الصوت من خلفهم فينتهون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا؛ فذلك قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ (٣) إلى آخر الآية. وقالت قريش للنبى ﷺ : لا نؤمن لك حتى تحوّل لنا الصفا ذهبا، فإن تحوّل لنا الصفا ذهبا آمنا بك. فأتاه جبريل فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك إن شئت يصبح لهم

стр. 283

الصفا ذهبا، فإن لم يؤمنوا أنزلت عليهم العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية منازعة، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. فقال: لا بل افتح لهم باب التوبة والرحمة (١). وقيل: إن قريشا قالوا لرسول الله ﷺ : إن أصبح الصفا والمروة لنا ذهبا آمنّا بك وصدّقناك. فأوحى الله تعالى إليه: إن أحببت أن يصبح الصفا والمروة ذهبا فمن كفر بعد ذلك عذّبته عذابا لا أعذّبه أحدا من العالمين، وإن شئت أفتح له باب التوبة والرحمة. فقال رسول الله ﷺ : لا بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة (٢). ويقال: إن قريشا سألوا النبى ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحّى عنهم الجبال فيزرعوا فيها. فقال الله تعالى: إن شئت آتيناهم ما سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلك الذين من قبلهم، وإن شئت أن تستأنى بهم لعلنا نستحيى منهم. [قال: لا بل أستأنى بهم] (٣) فأنزل الله ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ (٤) الآية.

стр. 284

ولما كثرت أنواع الأذى من المشركين لرسول الله ﷺ استتر فى دار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومى، وهى التى تعرف الآن بدار الخيزران - بالصفا - وهى أم الخليفة الهادى والرشيد. وقال أبو طالب يحضّ النجاشىّ على حسن جوار من هاجر إليه من المسلمين إلى الحبشة، والدفع عنهم: - تعلم زعيم الناس أن محمدا … رسول كموسى والمسيح ابن مريم/ أتى بالهدى مثل الذى أتيا به … فكلّ بأمر الله هاد ومعصم (١) وإنكم تتلونه فى كتابكم … بصدق حديث لا حديث مرجّم وإنك ما يأتيك منا عصابة … بفضلك إلا أرفدوا بالتكرم ولما رأت قريش استقرار المسلمين بالحبشة، وأنهم قد أصابوا دارا وأمنا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشىّ رجلين جلدين فى أمر المسلمين ليخرجوهم من بلاده ويردّوهم عليهم، وأن يهدوا إليه هدايا مما يستطرف من متاع مكة - ومن أعجب ما يأتيهم منها الأدم - فجمعوا له أدما كثيرة، ومما أعدوا له فرسا وجبّة ديباج، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية على حدة. ثم بعثوا بذلك عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبى ربيعة المخزومى - ويقال عوض عبد الله بن أبى ربيعة. عمارة بن الوليد بن المغيرة - وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشىّ فيهم، ثم قدّما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما، وإن استطعتما أن يردهم عليكما قبل أن يكلّمهم فافعلا. وأمروهما أن يسرعا السير

стр. 285

قويا، فقدما على النجاشى، وفعلا ما أمرا به؛ فأبى النجاشىّ، وردّ عليهما هداياهما، وردّهما خائبين - فى خبر طويل - وكان حينئذ مشركا. ولما رجع عمرو بن العاص إلى مكة جلس فى بيته فلم يخرج إلى قريش، فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال عمرو: إن بنى أصحمة تزعم أن صاحبكم نبى (١). وفى هذه السنة ولد أسامة بن زيد (٢)، وأنس بن مالك (٣)، والمغيرة بن شعبة (٤)، وأبو موسى الأشعرى (٥)، وزيد بن خالد الجهنى (٦)، وحبيب بن مسلمة الفهرى (٧).

стр. 286

«السنة السادسة والأربعون من مولد النبى ﷺ » فيها - ويقال: فى السنة التى قبلها - أسلم حمزة بن عبد المطلب، وكان أعزّ فتى فى قريش وأشده شكيمة؛ فعزّ به رسول الله ﷺ ، وكفّت عنه قريش من أذاها قليلا. وسبب إسلام حمزة ﵁ أنّ أبا جهل مرّ واعترض رسول الله ﷺ وهو جالس عند الصفا فآذاه وسبّه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، فلم يكلّمه رسول الله ﷺ وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان فى مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك - ثم انصرف فعمد إلى نادى قريش عند الكعبة فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشّحا قوسه/راجعا من قنّص له - وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة - فلما مرّ بالمولاة قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك آنفا من أبى الحكم بن هشام!! وجده ها هنا جالسا فسبّه وآذاه، وبلغ منه، فلم يكلّمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب، فخرج سريعا فدخل المسجد، فرأى أبا جهل جالسا فى القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجّه بها شجّة منكرة، وقال: أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول؟! فردّ ذلك علىّ إن استطعت. وتم حمزة على إسلامه (١). ويقال: لمّا ضرب حمزة أبا جهل قامت رجال من قريش من

стр. 287

بنى مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت. فقال حمزة: وما يمنعنى وقد استبان لى، أنا أشهد أنه رسول الله، وأن الذى يقول حقّ، فو الله لا أنزع فامنعونى إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة؛ فإنى والله لقد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا. ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال: أنت سيد قريش، اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت. فأقبل على حمزة يؤنبه وقال: ما صنعت؟! [فقال حمزة:] (١) اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه فى قلبى وإلا فاجعل لى مما وقعت فيه مخرجا. فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخى، إنى قد وقعت فى أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلى على ما لا أدرى ما هو أرشد هو أم غىّ شديد؟ فحدثنى حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخى أن تحدثنى. فأقبل عليه رسول الله ﷺ فذكّره ووعظه، وخوّفه وبشّره، فألقى الله فى نفسه الإيمان بما قال رسول الله ﷺ ؛ فقال: أشهد إنك لصادق شهادة الصّدق، فأظهر يا ابن أخى دينك، فو الله ما أحب أن لى ما أظلت السماء وأنى على دينى الأوّل.

стр. 288

ولما أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن عمه حمزة سيمنعه، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالونه منه، وكان ممن أعز الله به الدين. وقال حمزة فى ذلك شعرا (١). ثم أسلم بعد حمزة بثلاثة أيام عمر بن الخطاب، وكان رجلا لا يرام ما وراء ظهره، وكان النبىّ ﷺ قال فى الليلة التى فى صبيحتها أسلم/عمر بن الخطاب: اللهم أعزّ الدين - أو الإسلام - بأحبّ هذين الرجلين إليك، أبى جهل بن هشام أو عمر ابن الخطاب. فأصبح عمر فجاء إلى رسول الله ﷺ ، ثم صلّى ظاهرا، واستجاب الله دعاء النبى ﷺ فيه، فامتنع به وبحمزة المؤمنون وعزّوا، وكان ابن مسعود يقول: ما كنا نقدر أن نصلّى عند الكعبة حتى أسلم عمر. وسبب إسلام عمر ﵁ فيه أربعة أقوال: - الأول: قال عمر بن الخطاب: كنت جالسا مع أبى جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة، فقام أبو جهل فقال: يا معشر قريش، إن محمدا قد شتم آلهتكم، وسفّه أحلامكم، وزعم أن من مضى من آبائكم يتهافتون فى النار تهافت الحمير؛ ألا من قتل محمدا فله علىّ مائة ناقة حمراء وسوداء، وألف أوقية من فضة. فقمت فقلت: يا أبا الحكم: آلضمان صحيح؟ قال: نعم، عاجل غير آجل.

стр. 289

فقلت: واللات والعزّى؟ قال أبو جهل: نعم يا عمر. فأخذ أبو جهل بيدى فأدخلنى الكعبة فأشهد علىّ هبل - وكان هبل عظيم أصنامهم، وكانوا إذا أرادوا سفرا أو حربا أو سلما أو نكاحا لم يفعلوا حتى يأتوا هبل فيستأمروه - فأشهد عليه هبل وتلك الأصنام، فخرجت متقلدا السيف متنكّبا كنانتى أريد النبى ﷺ ، ومررت على عجل وهم يريدون ذبحه (١)، فقمت [أنظر] (٢) إليه فإذا صائح يصيح من جوف العجل: يا آل ذريح، أمر نجيح، رجل يصيح، بلسان فصيح، يدعو إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمدا رسول الله. فقلت (٣): أن هذا لشأن ما يراد بهذا إلا لحالى (٣). ثم مررت بصنم (٤) فإذا هاتف يهتف فى فهم يقول: يا أيها الناس ذووا الأجسام … ما أنتم وطائش الأحلام ومسند الحكم إلى الأصنام … فكلكم أراه كالأنعام أما ترون ما أرى أمامى … من ساطع يجلو لدى الظلام قد لاح للناظر من تهام … حتى يرى البعار والبهامى أكرمه الرحمن من إمام … قد جاء بعد الكفر بالإسلام وبالصلاة والزكا والصيام … والبر والصلات بالأرحام ويذعر الناس عن الآثام (٥)

стр. 290

فقلت والله ما أراه إلا أن يراد بى، ثم مررت بهاتف الضمار (١) وهو يهتف من جوفه فقال: - / ترك الضمار وكان يعبد وحده … قبل (٢) الصلاة مع النبى محمد إن الذى ورث النبوة والهدى … بعد ابن مريم من قريش مهتدى سيقول من عبد الضمار ومثله … ليت الضمار ومثله لم يعبد فاصبر أبا حفص فإنك لا مرؤ … يأتيك عزّ غير عزّ بنى عدى لا تعجلنّ فأنت ناصر دينه … حقا يقينا باللسان وباليد وتظهر دين الله أن كنت مسلما … وتسطح بالسيف الصقيل المهند جماجم قوم لا يزال حلومها … عكوفا على أصنامها بالمربد (٣) قال عمر: فو الله لقد علمت أنه أرادنى، فجئت حتى دخلت على أختى وإذا خبّاب بن الأرتّ عندها وزوجها سعيد بن زيد، فلما رأونى ومعى السيف أنكروا، فقلت لهم: لا بأس عليكم، فدخلت، فقال خبّاب: يا عمر ويحك أسلم. فدعوت بالماء فأسبغت الوضوء، وسألتهم عن محمد. فقالوا: فى دار الأرقم بن أبى الأرقم. فأتيتهم فضربت عليهم الباب فخرج حمزة بن عبد المطلب، فلما رآنى والسيف صاح بى - وكان الرجل هيوبا - فصمتّ (٤)، فخرج إلىّ رسول الله ﷺ ، فلما رآنى ورأى ما فى وجهى عرف فقال:

стр. 291

أستجيب لى فيك يا عمر، أسلم. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فسرّ رسول الله ﷺ بذلك والمسلمون، فكنت رابع أربعين رجلا ممن أسلم، ونزلت على النبى ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقلت يا نبى الله اخرج فو الله لا يغلبنا المشركون أبدا. فخرجنا وكبّرنا حتى طاف النبىّ ﷺ ، ورجعت معه، فلم أزل أقاتل واحدا واحدا حتى أظهر الله الدين. الثانى: قا ابن عباس: سألت عمر بن الخطاب: لأى شئ سمّيت الفاروق؟ قال: لما أسلم حمزة قبلى بثلاثة أيام فإذا فلان بن فلان المخزومى فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتّبعت دين محمد؟! قال: إن فعلت فقد فعل من هو أعظم عليك حقا منى. قلت: من هو؟ قال: أختك وختنك. فانطلقت فوجدت الباب مغلقا وسمعت همهمة (٢)، ففتح الباب فدخلت، فقلت: ما هذا الذى أسمع منكم؟ قالوا: ما سمعت شيئا. فما زال الكلام بينى وبينهم حتى أخذت برأس ختنى فضربته ضربة وأدميته، فقامت إلىّ أختى فأخذت برأسى (٣) فقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك. فاستحييت حين رأيت الدم فجلست وقلت: أرونى هذا الكتاب.

стр. 292

فقالت أختى! إنه لا يمسّه إلا المطهرون، فإن كنت صادقا فقم واغتسل. فقمت فاغتسلت، فجئت فجلست؛ فأخرجوا إلى صحيفة فيها ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قلت أسماء طيبة طاهرة ﴿طه * * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ إلى قوله ﴿لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ (١) فتعظّمت فى صدرى، وقلت: أمن هذا فرّت قريش؟! ثم شرح الله صدرى إلى الإسلام فقلت ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ فما فى الأرض نسمة أحبّ إلى من رسول الله ﷺ ، قلت: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: عليك عهد الله وميثاقه أن تجبهه (٢) بشئ يكرهه؟ قال: نعم. قالت: فإنه فى دار الأرقم بن أبى الأرقم عند الصفا. فأتيت الدار - وحمزة فى أصحابه جلوس فى الدار، ورسول الله ﷺ فى البيت - فضربت الباب، فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. قال: افتحوا له؛ فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه. فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب. فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع (٣) ثيابه ثم نتره (٤) نترة، فما تمالك أن يقع على ركبتيه فى الأرض، فقال: ما أنت بمنته يا عمر؟ قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد

стр. 293

أن محمدا عبده ورسوله. فكبّر أهل الدار تكبيرة واحدة فسمعها أهل المسجد. فقلت يا رسول الله: ألسنا على الحقّ إن متنا وإن حيينا؟ قال ﷺ : بلى، والذى نفسى بيده إنكم على الحقّ إن متم وإن حييتم. قلت: ففيم الاختفاء؟ والذى بعثك بالحق لنخرجنّ. فأخرجناه فى صفّين حمزة فى أحدهما وأنا فى الآخر، له كديد (١) ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، فنظرت إلىّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها، فسمّانى رسول الله ﷺ من هذا الفاروق؛ أفرق بين الحق والباطل (٢). ورويت هذه القصة بمعنى آخر؛ قال عمر بن الخطاب لبعض أصحابه: أتحبون أن أعلمكم كيف كان إسلامى؟ قلنا: نعم. قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ ، فبينا أنا فى يوم حار شديد الحر بالهاجرة فى بعض طرق مكة إذ لقينى رجل من قريش فقال: أين تريد يا ابن الخطاب؟ فقلت: أريد هذا وآلهتى (٣). قال: عجبا لك يا ابن الخطاب، أنت تزعم أنك كذا وكذا وقد دخل عليك الأمر فى بيتك!! قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد

стр. 294

أسلمت. فرجعت مغضبا حتى قرعت الباب - وقد كان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل والرجلان/ممن لا شئ لهما يضمّهما إلى الرجل الذى فى يده السعة لينالا (١) من فضل طعامه، وقد كان ضمّ إلى زوج أختى رجلين - فلما قرعت الباب قيل من هذا؟ قلت: عمر بن الخطاب. فبادروا فاختفوا منى، وقد كانوا يقرءون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها، فقامت أختى تفتح الباب، فقلت: يا عدوة نفسها، أصبوت؟! وضربتها بشئ فى يدى على رأسها، فسال الدّم، فلما رأت الدم بكت وقالت: يا ابن الخطاب، ما كنت فاعلا فافعل، فقد صبوت. ودخلت حتى جلست على السرير، فنظرت إلى الصحيفة وسط البيت، فقلت: ما هذا؟ ناولينيها. فقالت: لست من أهلها؛ أنت لا تطهر من الجنابة، وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون. فما زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت منه، فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسى فتناولتها فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت منه، ثم رجعت إلى نفسى فقرأتها حتى بلغت ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية. فقلت:

стр. 295

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فخرجوا إلىّ متبادرين وكبّروا وقالوا: أبشر يا ابن الخطاب؛ فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: اللهم أعزّ دينك بأحبّ الرجلين إليك؛ إما أبو جهل بن هشام وإما عمر بن الخطاب. وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك، فأبشر. قلت فأخبرونى أين رسول الله ﷺ ؟ فلما عرفوا الصّدق منى قالوا: فى بيت فى أسفل الصفا. فخرجت حتى قرعت الباب عليهم، فقالوا: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب - وقد علموا من شدّتى على رسول الله ﷺ وما يعلمون بإسلامى - فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال (١) افتحوا له؛ إن يرد الله به خيرا يهده. ففتحوا لى الباب فأخذ رجلان بعضدى حتى أتيا بى النبىّ ﷺ فقال: خلّوا عنه. ثم أخذ بمجامع قميصى، ثم جذبنى إليه، ثم قال: أسلم يا ابن الخطاب، اللهم اهده. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فكبّر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة - وكانوا مستخفين - فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب (٢) ويضرب إلا رأيته ولا يصيبنى من ذلك شئ، فخرجت حتى جئت خالى - وكان شريفا - فقرعت الباب عليه، فقال: من هذا؟ فقلت: ابن الخطاب. فخرج إلىّ، فقلت: قد علمت أنى قد صبوت؟ قال: أو فعلت/؟ قلت: نعم. قال: لا

стр. 296

تفعل. فقلت: قد فعلت. فدخل وأجاف الباب دونى، فقلت: ما هذا بشئ. فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فنادينه فخرج إلىّ، فقلت مثل مقالتى لخالى، وقال مثل ما قال، وأجانى الباب دونى، فقلت فى نفسى: ما هذا بشئ؟ إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب. فقال لى رجل: أتحبّ أن يعلم بإسلامك؟ قلت: نعم. قال: فإذا جلس الناس فى الحجر فأت فلانا - لرجل لم يكن يكتم السر - فقل له فيما بينك وبينه إنى قد صبوت؛ فإنه قلّ ما يكتم السّر. فجئت - وقد اجتمع الناس فى الحجر - فقلت فيما بينى وبينه: إنى قد صبوت. قال: أو فعلت؟ قلت: نعم. فنادى بأعلى صوته إنّ ابن الخطاب قد صبأ. فبادر إلىّ أولئك الناس، فما زلت أضربهم ويضربوننى، واجتمع علىّ الناس حتى قال خالى: ما هذه الجماعة؟ قيل: عمر قد صبأ. فقام على الحجر فأشار بكمّه هكذا؟ ألا إنى قد أجرت ابن أختى. فتكشّفوا عنى. فكنت لا أشأ أن أرى رجلا من المسلمين يضرب ويضرب، فقلت: ما هذا بشئ حتى يصيبنى؛ فأتيت خالى فقلت: جوارك عليك ردّ. فقال: ما سبب ذلك؟ هل وصل إليك أحد بأذيّة؟ قلت: لا والله، إلا أنى اخترت جوار الله وجوار رسوله على جوار غيره. فما زلت أضرب وأضرب حتى أعزّ الله الإسلام (١).

стр. 297

الثالث: قال عمر بن الخطاب: كنت للإسلام مباعدا، وكنت صاحب خمر فى الجاهلية أحبّها (١) وأشربها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة (٢) عند دور آل عمر بن عائذ (٣) بن عمران بن مخزوم، فقلت ليلة أريد جلسائى فى مجلسنا ذلك، فلم أجد فيه منهم أحدا، فقلت: لو أنى جئت فلانا الخمّار - وكان بمكة رجل يبيع الخمر - لعلى أجد عنده خمرا فأشرب منها، فجئته فلم أجده، قلت لو جئت الكعبة فطفت بها سبعا أو سبعين، فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى - وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاّه بين الركنين الأسود واليمانى - فقلت حين رأيته: والله لو أنى استمعت إلى محمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: لئن دنوت لأسمع منه لأروّعنّه، فجئت الكعبة من قبل الحجر فدخلت عليه (٤) تحت ثيابها، فجعلت أمشى رويدا - ورسول الله ﷺ قائم يصلى يقرأ القرآن - حتى قمت فى قبلته وما بينى وبينه إلا ثياب الكعبة، فلما سمعت القرآن رقّ له قلبى، فبكيت

стр. 298

ودخلنى الإسلام/، فلم أزل قائما فى مكانى ذلك حتى قضى رسول الله ﷺ صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار بنى (١) أبى حسين، وكانت طريقه حتى يخرج إلى المسعى، ثم يشتد بين دار عباس بن عبد المطلب وبين دار ابن أزهر بن عوف الزّهرىّ، ثم على دار الأخنس بن شريق حتى يدخل بيته - وكان مسكنه فى الدار الرقطاء - فاتبعته حتى إذا كان بين دار العباس وبين دار ابن أزهر أدركته، فلما سمع حسّى وعرفنى ظنّ أنى إنما اتبعته لأوذيه فقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟ قلت: إنى أومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله. فحمدّ الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه وقال: قد هداك الله يا عمر. ثم مسح صدرى، ودعا لى بالثّبات، ثم انصرفت، ودخل بيته. الرابع: قال عمر بن الخطاب ضرب أختى المخاض فأخرجت من البيت، فدخلت فى أستار الكعبة فى ليلة قارّة، فجاء النبىّ ﷺ فدخل الحجر وأعلن بصلاته، فصلّى ما شاء الله ثم انصرف، فسمعت شيئا لم أسمع مثله، فخرجت فاتبعته، فقال: من هذا؟ قلت: عمر. قال يا عمر ما تتركنى ليلا ولا نهارا؟! فخشيت أن يدعو علىّ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا عمر استره. فقلت: والذى بعثك بالحق لأعلننّه كما أعلنت الشرك (٢).

стр. 299

قال الحافظ أبو نعيم: وهذه القصة وإن اختلف فيها بعض الألفاظ فقد اتفقت أن الذى أمال عمر إلى الإسلام ما قرع سمعه من القرآن وأخذ بقلبه. قال ابن عمر: إنى لفى سطح فرأيت الناس مجتمعين على رجل، وهم يقولون: صبأ عمر. فجأء العاص بن وائل - عليه قباء ديباج - فقال: إن كان عمر قد صبأ فمه، أنا له جار. فتفرّق الناس عنه، فعجبت من عزّه (١). وفيها - ويقال: فى أول السنة التى بعدها - كبر على قريش ما رأوه من عزّة النبى ﷺ بمن معه، وعزّة أصحابه بالحبشة، وفشوّ الإسلام فى القبائل - وكانوا اجتهدوا فى إخفاء ذلك النور، فأبى الله إلا أن يتمّ نوره - غضبوا على النبى ﷺ وعلى أصحابه. واشتد أذاهم؛ فاجتمعوا وائتمروا، وتعاقدوا وتعاهدوا بينهم على قطيعة الهاشميين والمطّلبيّين؛ ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يخالطوهم. وكتبوا ذلك فى صحيفة؛ كتبها منصور بن عكرمة بن هشام - ويقال: النّضر بن الحارث، وقيل: بغيض بن عامر بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصىّ - وعلّقوها فى جوف/الكعبة هلال المحرم سنة سبع (٢)؛ توكيدا للأمر على أنفسهم، فدعا رسول الله ﷺ على كاتب

стр. 300

الصحيفة، فشلّت يده. ثم غدت قريش على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم، واشتد البلاء عليهم، وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالا شديدا. ولما فعلت قريش ذلك انحاز رسول الله ﷺ وسائر بنى هاشم وبنى المطّلب - خلا أبا لهب - وبنو المطلب وولده فى الشّعب، وخرج اللعين أبو لهب وولده إلى قريش، فظاهرهم على بنى هاشم وبنى المطّلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادّة، فكانوا لا يقدرون على ذلك إلاّ من الموسم إلى الموسم، ولا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغ بهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم من وراء الشّعب يتضاغون من الجوع. فمن قريش من سرّه ذلك، ومنهم من ساءه، ولم يكن يصل إليهم شئ إلا سرّا؛ حتى إن المطعم بن عدىّ أدخل عليهم فى بعض الأيام ثلاثة أوقار من الطعام، وكان النبىّ ﷺ يشكر له ذلك، وكانت العير تأتى من الشام وعليها الحنطة إلى حكيم بن حزام بن خويلد فيوجهها نحو الشّعب، ثم يضرب أدبارها فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها من الحنطة. وكان هشام بن عمرو (١) بن ربيعة أوصل قريش لبنى هاشم حين حصروا فى الشّعب؛ أدخل عليهم فى ليلة ثلاثة أحمال طعام، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه فكلّموه فى ذلك فقال: إنى غير عائد لشئ تحالفتم عليه. ثم عاد الثانية وأدخل حملا أو حملين، فغالظته (٢) قريش وهمّوا به، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه؛ رجل وصل رحمه، أما إنى أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل.

стр. 301

ويقال: إن المشركين لما اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين (١) الجهد، واشتدّ عليهم البلاء، واجتمعت قريش فى مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية. فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بنى عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حميّة ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ واجتمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم، ألا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا فى مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق، لا يقبلوا/من بنى هاشم أبدا صلحا، ولا تأخذهم فيهم رأفة حتى يسلموه للقتل. فلبث بنو هاشم فى شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق؛ فلا يتركوا طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم فاشتروه؛ يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ . وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله ﷺ فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك من أراد مكرا به واغتياله، فإذا نوّم الناس أمر أحدا من بنيه، إو إخوته، أو بنى عمه فاضطجع على فراش رسول الله ﷺ ، وأمر رسول الله ﷺ أن يأتى بعض فرشهم فينام عليه (٢).

стр. 302

وفيها - ويقال: فى السنة التى بعدها - خرج أبو بكر الصديق ﵁ مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد (١) لقيه ابن الدّغنة (٢) - وهو سيد القارة (٣) - فقال: أين

стр. 303

تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجنى قومى، فأريد أن أسيح فى الأرض، وأعبد ربى. قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج؛ إنك لتكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحقّ؛ أنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدّغنة، فطاف ابن الدّغنة عشيّته فى أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكلّ، ويقرى الضيف، ويعين على نوائب الحق؟! فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وأنفذوه وأمّنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدّغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه فى داره، فليصلّ بها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ فى غير داره. ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن؛ فيتقصف (١) عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يتعجّبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين؛ فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربّه فى داره، وإنه قد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره، وأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا بهذا فانهه، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه فى داره فعل، وإن أبى إلا أن يفعل/ذلك فاسأله أن يردّ عليك ذمّتك؛ فإنا كرهنا أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرّين لأبى بكر بالاستعلان.

стр. 304

فأتى ابن الدغنة إلى أبى بكر فقال: قد علمت الذى عاقدت عليه لك، فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلىّ ذمّتى؛ فإنى لا أحب أن تسمع العرب أنى أخفرت فى رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإنى أردّ إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ورسوله (١) وفيها ولد عبد الله بن جعفر (٢) بالحبشة، وأبو أمامة صدىّ ابن عجلان (٣)، وسلمة بن الأكوع (٤). *** «السنة السابعة والأربعون من مولد النبى ﷺ » فيها قدم أبو الجيش (٥) أنس بن رافع، ومعه فتية من بنى عبد الأشهل - فيهم إياس بن معاذ - يلتمسون الحلف من قريش على

стр. 305

قومهم من الخزرج، فسمع بهم رسول الله ﷺ ، فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ قالوا:؟؟؟ قال: أنا رسول الله، بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى أن؟؟؟ ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علىّ كتابا، ثم ذكر لهم الإسلام. وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ - وكان غلاما حدثا -: أى قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أبو الجيش حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وانتهره، وقال: دعنا منك. فلعمرى لقد جئنا لغير هذا. فسكت، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرف القوم إلى المدينة ولم يتم لهم حلف، فمات إياس مسلما فيما يقال. *** «السنة الثامنة والأربعون من مولد النبى ﷺ » فيها - ويقال: فى التى بعدها، وقيل: فى التى بعد بعدها - نقض حكم الصحيفة التى كتبتها قريش فى قطيعة الهاشميّين والمطّلبيّين، وسبب ذلك على قولين: - أحدهما: أن الله تعالى أطلع نبيّه على أمر صحيفتهم، وأن الأرضة قد لحست ما فيها من القطيعة والظلم والجور والغدر، ولم تدع إلا اسم الله فقط، فذكر الرسول ﷺ ذلك لعمه أبى طالب، فقال: أحقّ ما تخبرنى به يا ابن أخى؟ قال: نعم والله. فذكر أبو طالب ذلك لإخوته وقال: والله ما كذبنى قطّ. فقالوا: ما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم، وتخرجوا إلى قريش فتذكروا ذلك لهم من قبل أن يبلغهم الخبر. فخرجوا حتى دخلوا المسجد، ثم أتوا

стр. 306

الحجر فجلسوا فيه، فقالت قريش: أخرجهم الجوع. فجاءوا إليهم فقال أبو طالب: إنّا قد جئنا/لأمر، فأجيبوا فيه. فقالوا: مرحبا بكم وأهلا. قال: إن ابن أخى قد أخبرنى - ولم يكذبنى قط - أن الله قد سلّط على صحيفتكم الأرضة فلحست (١) كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم، وبقى فيها كلّ ما ذكر الله به، فإن كان ابن أخى صادقا نزعتم عن سوء رأيكم، - ووالله لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا - وإن كان كاذبا دفعته إليكم فقتلتموه (٢)، أو استحييتموه إن شئتم. فقالوا: وأبيك لقد أنصفتنا وقد رضينا. فأرسلوا إلى الصحيفة. فلما فتحوها إذا هى كما قال رسول الله ﷺ ، فكبّر المسلمون، وانبعث وجوه المشركين، وسقط فى أيديهم، ثم نكسوا على رءوسهم، وقالوا: والله إن كان هذا إلا سحر من صاحبكم. فقال أبو طالب: قد تبيّن لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة، وأولى بالكذب والسّحر. فلم يراجعه أحد منهم وانصرفوا، ورجع أبو طالب وقومه إلى الشّعب. ويقال: إنه تلاوم رجال من بنى عبد مناف، ومن بنى قصى، ورجال سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بنى هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفّوا بالحق؛ واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر، والبراءة منه. وبعث الله تبارك

стр. 307

وتعالى على صحيفتهم التى المكر فيها برسول الله ﷺ الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق - ويقال: كانت معلقة فى سقف البيت - فلم تترك اسما لله إلا لحسته، وبقى ما كان فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم. وأطلع الله ﵎ رسوله ﷺ على الذى صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبى طالب، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبنى، فانطلق يمشى بعصابته من بنى عبد المطلب حتى أتى المسجد - وهو حافل من قريش - فلما رأوهم (١) عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك عليهم، وظنوا أنهم خرجوا من شدّة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ . فتكلم أبو طالب فى ذلك فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها، فأتوا بصحيفتكم التى عاهدتم عليها، فلعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح - وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فى الصحيفة قبل أن يأتوا بها - فأتوا بصحيفتهم - معجبين بها، لا يشكون أن الرسول مدفوع إليهم - فوضعوها بينهم وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم؛ فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد؛ جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم. فقال أبو طالب: إنما جئتكم لأعطيكم/أمرا لكم فيه نصف: إن ابن أخى قد أخبرنى - ولم يكذبنى قط - أن الله برئ من هذه الصحيفة التى فى أيديكم، ومحا كلّ اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيّانا، وتظاهركم علينا بالظلم؛ فإن

стр. 308

كان الحديث الذى قال ابن أخى كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذى قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذى تقول. ففتحوا الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذى قال أبو طالب قالوا: والله إن كان هذا قط إلا سحرا من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا لشرّ (١) ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ والمسلمين، وعلى رهطه، والقيام بما تعاهدوا عليه. فقال أولئك النّفر من بنى عبد المطلب: إنّ أولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، وإنّا نعلم أن الذى اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا؟! ولولا أنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهى فى أيديكم؛ طمس الله ما كان له فيها من اسم، وما كان فيها من بغى تركه، أفنحن السحرة أم أنتم؟! فقال - عند ذلك - النفر من بنى عبد مناف وبنى قصى ورجال من قريش ولدتهم نساء بنى هاشم، منهم أبو البخترىّ، والمطعم بن عدىّ، وزهير بن أبى أميّة بن المغيرة، وزمعة بن الأسود، وهشام بن عمرو - وكانت الصحيفة عنده، وهو من بنى عامر بن لؤى - فى رجال من أشرافهم ووجوههم: نحن براء مما فى هذه الصحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل (٢).

стр. 309

وأنشأ أبو طالب يقول: - ألا أبلغا عنى على ذات بيننا … لؤيّا وخصّا من لؤىّ بنى كعب ألم تعلموا أنّا وجدنا محمدا … نبيّا كموسى خطّ فى أوّل الكتب وأن عليه فى العباد محبة … ولا خير ممن خصّه الله بالحب وأن الذى لفّقتم (١) من كتابكم … لكم كائن نحسا (٢) كراغية السّقب فلا تتبعوا أمر الوشاه وتقطعوا … أواصرنا بعد المودة والقرب فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا … لعزّاء من عضّ الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف … وأيد أنزّت (٣) بالقساسيّة الشهب

стр. 310

بمعترك ضنك (١) ترى كسر القنا … به والنسور الطّخم (٢) يعكفن كالشّرب/ أليس أبونا هاشم شدّ أزره … وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب الثانى: أن هشام بن عمرو بن الحارث مشى إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاعون ولا يباع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟! أما إنى أحلف بالله لو كان أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوت (٣) إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. قال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد، ولو كان معى آخر لقمت فى نقضها حتى أنقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. فذهب إلى المطعم بن عدىّ فقال: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من عبد مناف وأنت موافق لقريش؟ قال: ويحك ماذا أصنع؟ إنما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال: أبغنا ثالثا. قال: قد وجدت. قال: من هو؟

стр. 311

قال: زهير. قال: أبغنا رابعا. فذهب إلى أبى البخترىّ بن هشام فقال له نحوا مما قال للمطّعم بن عدى. قال: فهل من أحد يمضى على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: زهير والمطعم وأنا معك. قال: أبغنا خامسا. فذهب إلى زمعة بن الأسود فكلّمه، وذكر له قرابتهم، فقال: وهل على ذلك معين؟ قال: نعم؛ فسمّى له القوم، فاتّعدوا خطم (١) الحجون ليلا بأعلى مكة، واجتمعوا هنالك، فتعاقدوا على القيام فى الصحيفة حتى ينقضوها، فقال زهير: أنا أبدؤكم فى الصحيفة. فلما أصبحوا غدوا على أنديتهم - وكانت قريش قد جاورت الكعبة، وكان شق الباب لبنى عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن اليمانى والأسود لبنى مخزوم وتيم وقبائل من قريش ضمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جمح وبنى سهم، وكان شقّ الحجر؛ وهو الحطيم لبنى عبد الدار ولبنى أسد بن عبد العزّى وبنى كعب - فغدا زهير فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، إنّا نأكل الطعام، ونشرب الشراب، ونلبس الثياب؛ وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم. والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة الظالمة. فقال أبو جهل: كذبت والله لا تشقّ. فقال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب؛ ما رضينا كتابتها حين كتبت. فقال أبو البخترىّ: صدق زمعة؛ لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقرّبه، فقال المطعم: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك؛ نبرأ إلى الله

стр. 312

منها ومما كتب فيها. وقال/هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال عدوّ الله أبو جهل: هذا أمر قضى بليل، وتشوور به بغير هذا المكان. فقام المطعم بن عدى إلى الصحيفة فشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلاّ ما كان من «باسمك اللهم». وأسلم يومئذ جمع كثير من الرجال والنساء، فلبس الرجال الذين تلاوموا السّلاح، ودخلوا على بنى هاشم الشّعب فأمروهم بالخروج إلى مساكنهم (١)؛ وقالوا: اخرجوا بنى أبينا وأمّنا، فو الله لا يوصل إليكم أبدا حتى نموت. فعادوا إلى منازلهم. وفيها فرح كفّار قريش - وشقّ على المسلمين - ما اتفق بين فارس والروم، وغلب فارس للروم؛ لأنّ فارس لم يكن لهم كتاب، وكانوا يجحدون البعث، ويعبدون الأصنام، وكان الرّوم أصحاب كتاب. فقال المشركون لأصحاب رسول الله ﷺ : إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، ونحن [وفارس] (٢) أميّون، وقد ظهر إخواننا من فارس على إخوانكم من الروم؛ فإن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم. ويقال، قال المشركون للمسلمين: الروم أهل كتاب وقد غلبهم الفرس وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذى أنزل على نبيّكم، فسنغلبكم كما غلب فارس الروم. فأنزل الله ﵎ ﴿الم *﴾

стр. 313

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١) فلما نزلت هذه الآية (٢) صدّق المسلمون ربّهم، وعرفوا أن الروم ستظهر على أهل فارس، فخرج بها أبو بكر الصديق إلى المشركين فقالوا: هذا كلام صاحبك. فقال: الله أنزل هذا. فقالوا لأبى بكر: نراهنك على أن الروم لا تغلب فارس. فقال أبو بكر: البضع ما بين الثلاث إلى السبع. فقالوا: الوسط من ذلك ستّ. فوضعوا الرهان - وكان عشر قلائص إلى عشر قلائص - فرجع أبو بكر إلى أصحابه فأخبرهم، فلاموه وقالوا: هلاّ أقررتها كما أقرّها الله؟ لو شاء أن يقول شيئا لقال. فخرج أبو بكر وقال: أزيدكم فى الخطر وأمدّكم فى الأجل إلى تسع سنين. فقهرهم أبو بكر وأخذ رهانهم، وظهرت الروم على فارس بعد تسع سنين ووافق التقاؤهم يوم بدر (٣). وفيها - أو فى التى بعدها - قدم ضماد الأزدى - من أزد شنوءة - مكّة معتمرا. قال ضماد: فجلست مجلسا فيه أبو جهل

стр. 314

وعتبة بن ربيعة وأميّة بن خلف، فقال أبو جهل: هذا الرجل الذى فرّق جماعتنا، وسفّه أحلامنا، وضلّل من مات منا، وعاب آلهتنا. فقال أميّة: الرجل مجنون غير شك. قال ضماد: فوقعت فى نفسى كلمته وقلت: إنى أعالج من الرّيح. فقمت من ذلك المجلس أطلب رسول الله ﷺ ، فلم أصادفه ذلك اليوم، حتى كان الغد فجئته فأجده/جالسا خلف المقام يصلى، فجلست حتى فرغ من صلاته، ثم جلست إليه فقلت: يا ابن عبد المطلب. فأقبل علىّ فقال: ما تشاء؟ فقلت: إنى أعالج من الرّيح، فإن أحببت عالجتك ولا يكثرن ما بك؛ فقد عالجت من كان به أشدّ مما بك فبرأ، وسمعت قومك يذكرون فيك خصالا سيّئة؛ من تسفيه أحلامهم، وتفريق جماعتهم، وتضليل من مات منهم، وعيب آلهتهم. فقلت: ما فعل هذا إلا رجل به جنّة. فقال رسول الله ﷺ : الحمد لله، أحمده واستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد. قال ضماد: فسمعت كلاما لم أسمع كلاما قط أحسن منه، فاستعدته الكلام، فأعاده علىّ ثلاث مرّات، فقلت: إلى ما تدعو؟ قال: إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له وتخلع الأوثان من رقبتك، وتشهد أنى رسول الله. قال: فماذا لى إن فعلت؟ قال: لك الجنة. قلت: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأخلع الأوثان من رقبتى، وأبرأ منها، وأشهد أنك عبد الله ورسوله. فأقمت مع رسول الله ﷺ حتى علّمت سورا كثيرة من القرآن، ثم رجعت إلى قومى.

стр. 315

ويقال إن ضمّادا كان يرقى من الريح، فسمع سفهاء من سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: لو أنى رأيت هذا الرجل لعلّ الله أن يشفيه على يدىّ. فلقيه فقال: يا محمد، إنى أرقى من هذه الرّيح، وإن الله يشفى على يدىّ من شاء، فهل لك … ؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد. فقال: أعد علىّ كلماتك هؤلاء. فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرّات، فقال: والله لقد سمعت قول الكهنة، وقول السّحرة، وقول الشعراء؛ فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، والله لقد بلغن قاموس (١) البحر، فهات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله ﷺ وقال له: وعلى قومك؟ فقال: وعلى قومى (٢). ***

стр. 316

«السنة التاسعة والأربعون من مولد النبى ﷺ » / فيها - أو فى التى بعدها - ولد عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما (١). *** «السنة الخمسون من مولد النبى ﷺ » فيها فى رمضان - ويقال: فى النصف من شوال، وقيل أوّل ذى القعدة، بعد أن تم للنبى ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد وعشرون يوما، أو ثمانية أيام - مات عمّه أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة. ولمّا مرض أرسل إلى النبى ﷺ وقال: ادع ربّك أن يشفينى، فإنّ ربك يطيعك، وابعث إلى بقطاف من قطاف الجنة. فأرسل إليه النبىّ ﷺ : يا عمّ، وأنت إن أطعت أطاعك. وكان أبو طالب مرض قبل ذلك فعاده النبىّ ﷺ (٢) فقال: ابن أخى ادع ربّك الذى بعثك أن يعافينى. فقال: اللهم اشف عمّى. فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال (٢). فقال يا ابن أخى: إن ربّك الذى تعبد ليطيعك. قال: وأنت يا عمّاه لئن أطعت الله ليطيعنّك.

стр. 317

ولما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده عبد الله بن أبى أميّة، وأبا جهل بن هشام، فقال رسول الله ﷺ : يا عم، قل لا إله إلا الله وحده أشهد لك بها عند الله - أو قل لا إله إلا الله أحاجّ لك بها عند الله - فقال له أبو جهل - لعنه الله - وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويقول: يا عمّ، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله. ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! حتى قال آخر كلمة تكلّم بها «على ملة عبد المطلب» فقال رسول الله ﷺ : لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك. فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ إلى قوله ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (١) ويقال: إن أبا طالب قال للنبى ﷺ : يا ابن أخى، والله لولا أرهب أن تقول قريش وهرنى (٢) الجزع فيكون سبّة عليك وعلى بنى أبيك لفعلت الذى تقول، وأقررت عينيك بها؛ لما أرى من شكرك ووجدك بى، ونصيحتك لى. ثم إن أبا طالب دعا بنى عبد

стр. 318

المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا. فقال رسول الله ﷺ : لم تأمرهم بها وتدعها لنفسك؟ فقال أبو طالب: أما إنك لو سألتنى الكلمة وأنا صحيح لتابعتك (١) على الذى تقول، ولكنى أكره أن أجزع عند الموت فترى قريش أنى أخذتها جزعا ورددتها فى صحتى. / ويقال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبىّ ﷺ فقال: يا عماه، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال: لولا أن تعيرنى قريش؛ يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٢) ويقال: لما مرض أبو طالب جاءت قريش، وجاء النبى ﷺ وعند رأس أبى طالب مجلس رجل - فقام أبو جهل كى يمنعه ذاك، وشكوه إلى أبى طالب. فقال: يا ابن أخى، ما تريد من قومك؟ قال: يا عمّ إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم (٣) بها العرب، وتؤدى إليهم الجزية العجم؛ كلمة واحدة. قال: ما هى؟ قال: لا إله إلا الله. فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب!! ونزل فيهم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٤)

стр. 319

ويقال: إن النبى ﷺ لما أتى أبا طالب فى مرضه قال له: أى عمّ، قل لا إله إلا الله استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فقال: يا ابن أخى، لولا أن تكون سبّة عليك وعلى أهل بيتك من بعدك (١)؛ يرون أنى قلتها جزعا حين نزل بى الموت. لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. فلما ثقل أبو طالب رئى يحرّك شفتيه، فأصغى إليه العباس ليستمع قوله، فرفع العباس عنه فقال: يا رسول الله. قد والله قال الكلمة التى سألته. فقال النبى ﷺ : لم أسمع. ولم يكن العباس يومئذ أسلم، وحين أسلم سأل النبى ﷺ عن حال أبى طالب فقال، ما فى الحديث الصحيح: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشئ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو فى ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار (٢). وذكر أبو طالب عند النبى ﷺ فقال: لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل فى ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلى منهما دماغه (٣). وقال النبى ﷺ : أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه (٤).

стр. 320

ولما مات أبو طالب جاء ابنه علىّ بن أبى طالب ﵁ إلى النبى ﷺ فقال: إن عمّك الشيخ الضالّ قد مات. فبكى رسول الله ﷺ . فقال: اذهب فاغسله وكفّنه وواره - غفر الله له ورحمه. فقال على: إنه مات مشركا. فقال النبى ﷺ : اذهب فوار أباك ولا/تحدثنّ شيئا حتى تأتينى. قال على: فأتيته فقلت له، فأمرنى فاغتسلت، ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن حمر النعم وسودها - ويقال: قال على: ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن ما على الأرض من شئ (١). ويقال: إن النبى ﷺ عاد من جنازة عمّه أبى طالب وقال: وصلت (٢) رحمك وجزاك الله خيرا يا عم. ويقال: إن النبى ﷺ لم يقم على قبره. وقال رسول الله ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فاستغفر له رسول الله ﷺ أيّاما، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٣)
следующие страницы →