← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

«السنة التاسعة والأربعون من مولد النبى ﷺ » / فيها - أو فى التى بعدها - ولد عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما (١). *** «السنة الخمسون من مولد النبى ﷺ » فيها فى رمضان - ويقال: فى النصف من شوال، وقيل أوّل ذى القعدة، بعد أن تم للنبى ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد وعشرون يوما، أو ثمانية أيام - مات عمّه أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة. ولمّا مرض أرسل إلى النبى ﷺ وقال: ادع ربّك أن يشفينى، فإنّ ربك يطيعك، وابعث إلى بقطاف من قطاف الجنة. فأرسل إليه النبىّ ﷺ : يا عمّ، وأنت إن أطعت أطاعك. وكان أبو طالب مرض قبل ذلك فعاده النبىّ ﷺ (٢) فقال: ابن أخى ادع ربّك الذى بعثك أن يعافينى. فقال: اللهم اشف عمّى. فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال (٢). فقال يا ابن أخى: إن ربّك الذى تعبد ليطيعك. قال: وأنت يا عمّاه لئن أطعت الله ليطيعنّك.

стр. 317

ولما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده عبد الله بن أبى أميّة، وأبا جهل بن هشام، فقال رسول الله ﷺ : يا عم، قل لا إله إلا الله وحده أشهد لك بها عند الله - أو قل لا إله إلا الله أحاجّ لك بها عند الله - فقال له أبو جهل - لعنه الله - وعبد الله بن أبى أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويقول: يا عمّ، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله. ويقولان: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟! حتى قال آخر كلمة تكلّم بها «على ملة عبد المطلب» فقال رسول الله ﷺ : لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك. فنزلت ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ إلى قوله ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ (١) ويقال: إن أبا طالب قال للنبى ﷺ : يا ابن أخى، والله لولا أرهب أن تقول قريش وهرنى (٢) الجزع فيكون سبّة عليك وعلى بنى أبيك لفعلت الذى تقول، وأقررت عينيك بها؛ لما أرى من شكرك ووجدك بى، ونصيحتك لى. ثم إن أبا طالب دعا بنى عبد

стр. 318

المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا. فقال رسول الله ﷺ : لم تأمرهم بها وتدعها لنفسك؟ فقال أبو طالب: أما إنك لو سألتنى الكلمة وأنا صحيح لتابعتك (١) على الذى تقول، ولكنى أكره أن أجزع عند الموت فترى قريش أنى أخذتها جزعا ورددتها فى صحتى. / ويقال: لما حضرت أبا طالب الوفاة أتاه النبىّ ﷺ فقال: يا عماه، قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة. فقال: لولا أن تعيرنى قريش؛ يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (٢) ويقال: لما مرض أبو طالب جاءت قريش، وجاء النبى ﷺ وعند رأس أبى طالب مجلس رجل - فقام أبو جهل كى يمنعه ذاك، وشكوه إلى أبى طالب. فقال: يا ابن أخى، ما تريد من قومك؟ قال: يا عمّ إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم (٣) بها العرب، وتؤدى إليهم الجزية العجم؛ كلمة واحدة. قال: ما هى؟ قال: لا إله إلا الله. فقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب!! ونزل فيهم ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٤)

стр. 319

ويقال: إن النبى ﷺ لما أتى أبا طالب فى مرضه قال له: أى عمّ، قل لا إله إلا الله استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فقال: يا ابن أخى، لولا أن تكون سبّة عليك وعلى أهل بيتك من بعدك (١)؛ يرون أنى قلتها جزعا حين نزل بى الموت. لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. فلما ثقل أبو طالب رئى يحرّك شفتيه، فأصغى إليه العباس ليستمع قوله، فرفع العباس عنه فقال: يا رسول الله. قد والله قال الكلمة التى سألته. فقال النبى ﷺ : لم أسمع. ولم يكن العباس يومئذ أسلم، وحين أسلم سأل النبى ﷺ عن حال أبى طالب فقال، ما فى الحديث الصحيح: يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشئ؛ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم، هو فى ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار (٢). وذكر أبو طالب عند النبى ﷺ فقال: لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيجعل فى ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه يغلى منهما دماغه (٣). وقال النبى ﷺ : أهون أهل النار عذابا أبو طالب، منتعل بنعلين يغلى منهما دماغه (٤).

стр. 320

ولما مات أبو طالب جاء ابنه علىّ بن أبى طالب ﵁ إلى النبى ﷺ فقال: إن عمّك الشيخ الضالّ قد مات. فبكى رسول الله ﷺ . فقال: اذهب فاغسله وكفّنه وواره - غفر الله له ورحمه. فقال على: إنه مات مشركا. فقال النبى ﷺ : اذهب فوار أباك ولا/تحدثنّ شيئا حتى تأتينى. قال على: فأتيته فقلت له، فأمرنى فاغتسلت، ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن حمر النعم وسودها - ويقال: قال على: ثم دعا لى بدعوات ما يسرنى أن لى بهن ما على الأرض من شئ (١). ويقال: إن النبى ﷺ عاد من جنازة عمّه أبى طالب وقال: وصلت (٢) رحمك وجزاك الله خيرا يا عم. ويقال: إن النبى ﷺ لم يقم على قبره. وقال رسول الله ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فاستغفر له رسول الله ﷺ أيّاما، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٣)

стр. 321

ولما مات أبو طالب عرض لرسول الله ﷺ سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابا، فرجع النبىّ ﷺ فأتت امرأة من بناته تسمح التراب عن وجهه وتبكى، فجعل يقول: أى بنيتى لا تبكى؛ فإن الله مانع أباك. ويقول بين ذلك: ما نالت منى قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب (١). ثم بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام - وقيل: بخمسة أيام، وقيل: بخمسة وثلاثين يوما، وقيل: بخمسة وخمسين يوما - ماتت خديجة بنت خويلد لعشر خلون من شهر رمضان (٢). وقال لها النبى ﷺ وهى فى مرضها الذى ماتت فيه -: يا لكره ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله لى فى الكره خيرا كثيرا، أما علمت أنّ الله قد زوّجنى معك فى الجنة مريم ابنة عمران، وكلثوم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ قالت: وقد فعل الله ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: بالرفاء والبنين. ودفنت بالحجون، ونزل النبى ﷺ فى حفرتها، ولم يكن يومئذ سنّة الجنازة الصلاة عليها (٣).

стр. 322

واجتمع على النبى ﷺ بموت أبى طالب وخديجة مصيبتان، وسمّاه عام الحزن؛ لأن أبا طالب كان يحميه عند خروجه من بيته ممن يؤذيه، وخديجة كانت تصدّقه إذا آوى إلى منزله، وتسلّيه عن كل ما يجرى عليه، وتقول: أنت رسول الله حقّا. فتناولت النبىّ ﷺ قريش، واجترأت عليه، ونالت منه ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه، ووصلوا منه إلى ما لم يكونوا يصلون إليه فى حياة/أبى طالب وخديجة، فلزم بيته وأبى الخروج. فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال: يا محمد، امض لما أردت، وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيّا فاضنعه، لا واللات والعزّى لا يوصل إليك حتى أموت (١). وسبّ ابن الغيطلة النبىّ ﷺ فأقبل عليه أبو لهب فنال منه، فولّى يصيح: يا معشر قريش صبأ أبو عتبة. فأقبلت قريش حتى وقفت على أبى لهب [وقالوا له: أفارقت دين عبد المطلب؟] (٢) فقال: ما فارقت دين عبد المطلب؛ ولكن أمنع ابن أخى أن يضام حتى يمضى لما يريد. فقالوا: قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم. فمكث رسول الله ﷺ كذلك أياما يذهب ويأتى لا يعترض له أحد من قريش، وهابوا أبا لهب؛ فجاء عتبة بن أبى معيط، وأبو جهل إلى أبى لهب فقالا له: أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك؟ فقال أبو لهب: يا محمد أين مدخل أبى؟ فقال: مع قومه. فخرج

стр. 323

إليهما أبو لهب فقال: قد سألته فقال: مع قومه. فقالا: يزعم أنه فى النار. فقال: يا محمد أيدخل عبد المطلب النار؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار. فقال أبو لهب: والله لا برحت لك عدوّا أبدا، وأنت تزعم أن عبد المطلب فى النار. واشتد عليه هو وسائر قريش (١). فأرسل الله تعالى إلى نبيّه ﷺ جبريل ﵇ فقال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردّوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. ثم ناداه ملك الجبال فسلّم عليه، ثم قال: يا محمد، إنّ الله قد سمع قول قومك، وأنا ملك الجبال، قد بعثنى إليك ربى لتأمرنى بما شئت؛ إن شئت نطبق عليهم الأخشبين (٢). فقال النبى ﷺ : بل أرجو لهم أن يخرج من أشرارهم - أو قال من أصلابهم - من يعبد الله ولا يشرك به شيئا (٣). وفيها فى رمضان - بعد موت خديجة بأيام - تزوّج النبى ﷺ عائشة بنت أبى بكر الصديق، ثم سودة بنت زمعة. ويقال إنه تزوج أوّلا سودة ثم بعدها بشهر عائشة.

стр. 324

قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص السلمية، امرأة عثمان بن مظعون: قلت: يا رسول الله، إنى أراك قد دخلتك خلّة لفقد خديجة. فقال: أجل؛ أمّ العيال، وربّة البيت. قلت: ألا أخطب عليك؟ قال: بلى؛ أما إنّكن معشر النساء أرفق بذلك. ثم قالت، قلت: إن شئت بكّرا وإن شئت ثيّبا. قال: فمن البكر؟ قلت: ابنة أحبّ الخلق إليك عائشة ابنة/أبى بكر. قال: ومن الثّيّب؟ قلت: سودة بنت زمعة (١)؛ قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول. قال: فاذهبى فاذكريهما علىّ. فدخلت بيت أبى بكر فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة!! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قالت: انتظرى أبا بكر حتى يأتى. فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر، ما أدخل الله عليك من الخير والبركة!! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلنى رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له؛ إنما هى ابنة أخيه. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ارجعى إليه فقولى له: أنا أخوك وأنت أخى فى الإسلام، وابنتك تصلح لى. فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظرى، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدىّ قد كان ذكرها على ابنه، فو الله ما وعد وعدا قطّ فأخلفه -

стр. 325

يعنى أبا بكر - فدخل أبو بكر على مطعم بن عدىّ - وعنده امرأته أمّ الفتى - فقال: ما تقول فى أمر هذه الجارية؟ فأقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين يا هذه؟ فأقبلت على أبى بكر فقالت: يا ابن أبى قحافة لعلّك تصبئ صاحبنا وتدخله فى دينك الذى أنت عليه إن تزوج إليك. فأقبل عليه أبو بكر فقال: ماذا تقول أنت؟ فقال: إنما نقول ما تسمع. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان فى نفسه من عدته التى وعده، فرجع فقال لخولة: ادعى لى رسول الله ﷺ فدعوته، فزوّجها إيّاه على اثنتى عشرة أوقية و؟؟؟ نش - وقيل على أربعمائة درهم - وعائشة يومئذ بنت ست سنين (١). ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقلت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة!! قالت: وما ذاك؟ قلت: أرسلنى رسول الله ﷺ أخطبك عليه. قالت: وددت أدخلى على أبى فاذكرى ذلك له - وكان شيخا كبيرا قد أدركته السن، وتخلّف عن الموسم. فدخلت عليه فحيّيته بتحيّة أهل الجاهلية فقلت: أنعم صباحا. فقال: من أنت؟ قلت: خولة بنت حكيم. فرحّب بها، وقال: ما شاء الله أن يقول، ثم قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلنى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب أخطب عليه سودة. فقال: كفء كريم، فماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها لى. فدعوتها فقال: أى بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد

стр. 326

الله بن عبد المطلب أرسل/يخطبك وهو كفء كريم، أتحبّين أن أزوّجكيه؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لى. فجاء رسول الله ﷺ فزوّجها إيّاه، وأصدقها أربعمائة درهم. فجاء أخوها عبد الله بن زمعة من الحجّ فجعل يحثى التراب على رأسه. فقال بعد ما أسلم: لعمرك إنى لسفيه يوم أحثى فى رأسى التراب أن تزوّج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة (١). وفيها اشتد البلاء على رسول الله ﷺ أشد مما كان، ففى ثالث شوال - ويقال: لليال بقين من شوال - بعد ثلاثة أشهر من موت أبى طالب وخديجة خرج النبىّ ﷺ ومعه زيد بن حارثة - إلى الطائف، فعمد إلى ثقيف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر هم سادة ثقيف يومئذ وأشرافهم، وهم إخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير (٢) بن عوف، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلّمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال له أحدهم: هو يمرط (٣) أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ - أو قال: أعجز الله أن يرسل غيرك - وقال الثالث: والله

стр. 327

لا أكلمك كلمة بعد مجلسك هذا أبدا؛ والله لئن كنت رسولا من الله - كما تقول - لأنت أعظم شرفا وحقّا وخطرا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله لأنت أشرّ من أن أكلمك. وتهزّءوا به. فقام رسول الله ﷺ وهو يئس من خير ثقيف، وفشا كلام الأخوة الثلاثة - فى قومهم - الذى راجعوا النبىّ ﷺ به. وأقام النبىّ ﷺ بالطائف شهرا - وقيل عشرة أيام - يدعوهم إلى الإسلام، لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلّمه؛ فلم يستجيبوا له، ولم يجد منهم خيرا، وخافوا على أحداثهم فقالوا: يا محمد، أخرج من بلدنا والحق بمحالك (١) من الأرض، وأغروا به سفهاءهم؛ فقاموا له صفّين على طريقه، فلما مرّ رسول الله ﷺ بين صفيهم جعلوا يسبّونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا كعبيه - وزيد يقيه بنفسه حتى لقد شجّ فى رأسه شجاجا - ويقال: إنهم جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه، واجتمع عليه الناس فخلص منهم ورجلاه تسيلان بالدماء. وألجئوه إلى حائط (٢) لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه/، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب فجلس إليه، وهو مكروب موجع تسيل رجلاه دما،

стр. 328

وابنا ربيعة ينظران إليه، ويرقّان لما لقى من سفهاء ثقيف، فلما رآهما كره مكانهما؛ لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله. فلما اطمأن قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوّتى، وقلّة حيلتى، وهوانى على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى، إلى بعيد يتجّهمنى، أم إلى عدو ملّكته أمرى (١)؟ إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى. أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بى غضبك، أو يحلّ على سخطك؛ لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. فلما رأى عتبة وشيبة ابنا ربيعة ما لقى تحرّك له رحمهما، فدعيا لهما غلاما نصرانيا من أهل نينوى يقال له عدّاس فقالا له: خد قطفا من هذا العنب، وضعه فى ذلك الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له: يأكل منه. ففعل، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ ، فلما وضع رسول الله ﷺ يده قال: بسم الله، ثم أكل. فنظر عدّاس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة. فقال له رسول الله ﷺ : ومن أى البلاد أنت؟ وما دينك؟ قال: أنا نصرانىّ، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال له رسول الله ﷺ : من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى؟ قال له عدّاس: وما يدريك ما يونس بن متّى؟ قال: ذاك أخى كان

стр. 329

نبيّا وأنا نبىّ - ويقال، فقال له النبى ﷺ وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربّه -: أنا رسول الله، والله أخبرنى خبر يونس بن متّى. فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس بن متّى أكبّ عدّاس على رسول الله ﷺ فقبّل رأسه ويديه ورجليه - وهما يسيلان الدماء. قال، يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما قالا له: ويلك يا عدّاس، مالك تقبّل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه، ولم نرك فعلته بأحد منا؟! فقال: يا سيدى، ما فى الأرض خير من هذا؛ لقد أخبرنى بأمر لا يعلمه إلا نبى - ويقال: فقال عداس: هذا رجل صالح؛ أخبرنى بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى/يونس بن متّى. فضحكا به وقالا له: لا يفتنك عن نصرانيتك؛ فإنه رجل خدّاع. ثم رجع النبىّ ﷺ إلى مكة وهو حزين، فلما كان بنخلة - وهى على مرحلة من مكّة - قام يصلّى من الليل، فصرف الله سبعة من جنّ نصيبين فاستمعوا له وهو يتلو سورة الجن، ولم يشعر بهم حتى نزل عليه ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (١) فآمنوا به.

стр. 330

وأقام رسول الله ﷺ بنخلة أيّاما، فقال له زيد: كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك؟ - يعنى قريشا - فقال ﷺ : يا زيد إنّ الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه (١). فلما انتهى النبىّ ﷺ إلى حراء أرسل رجلا من خزاعة (٢) إلى الأخنس بن شريق فقال له: هل أنت مجيرى حتى أبلّغ رسالة ربى؟ فقال الأخنس: إن الحليف لا يجير على الصريح. فأتى النبىّ ﷺ فأخبره قال: تعود؟ قال: نعم. قال: فأت سهيل بن عمرو فقل له إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيرى حتى أبلّغ رسالات ربى؟ فقال له ذلك، فقال: إن بنى عامر بن لؤى لا يجيرون على بنى كعب بن لؤى. فرجع إلى النبى ﷺ فأخبره، قال: تعود؟ قال: نعم. قال: فأت المطعم بن عدى فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيرى حتى أبلغ رسالات ربى؟ قال: نعم فليدخل. فرجع إليه وأخبره. ودعا المطعم بنيه وقومه وقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت؛ فإنى قد أجرت محمدا. فدخل ﷺ ومعه زيد بن حارثة لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذى القعدة حتى دخل المسجد، وانتهى إلى الركن فاستلمه، فقام المطعم بن عدى على راحلته فقال: يا معشر قريش، إنى قد أجرت محمدا فلا يهيجه (٣)

стр. 331

أحد منكم. فانتهى النبى ﷺ إلى الحجر فاستلمه، وصلّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدى وولده يطوفون به. ويقال: إن المطعم لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه، فدخلوا المسجد، فلما رأى أبو جهل المطعم قال: أمجير أم متابع؟ قال: بل مجير. قال: أجرنا من أجرت. فدخل النبىّ ﷺ مكّة وأقام بها (١). وفيها مات بمكة - وقيل بالحبشة - السكران بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ (٢). *** «السنة الحادية والخمسون من مولد النبى ﷺ » فيها كان النبى ﷺ يعرض نفسه على القبائل والناس بالموقف، فيقول/: هل من رجل يحملنى إلى قومه؛ فإن قريشا قد منعونى أن أبلّغ كلام ربى؟ فأتاه رجل من همدان فقال: أنا. فقال: وهل فى قومك منعة؟ وسأل من أين هو، فقال: من

стр. 332

همدان. ثم إن الرجل الهمدانى خشى أن يخفره قومه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: أجيئهم فأخبرهم، ثم ألقاك فى عام قابل؟ قال: نعم. فانطلق (١). وفيها - لما أراد الله إظهار دينه، وإعزاز نبيّه، وإنجاز موعده له - خرج رسول الله ﷺ فى الموسم، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة (٢) لقى رهطا من الخزرج ستة - ويقال ثمانية - وهم على قول من قال إنهم ثمانية: أسعد بن زرارة، ومعاذ بن عفراء، ومن بنى زريق ذكوان ورافع بن مالك بن العجلان، ومن بنى تميم عبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة - من حليف بنى عوف - بن عمرو، ومن بنى عبد الأشهل أبو الهيثم بن التّيّهان - حليف لهم من بلىّ، ومن عمرو بن عوف عويم بن ساعدة. وعلى قول من قال إنهم ستة: فمن بنى النجار أبو أمامة أسعد ابن زرارة، وعوف بن الحارث بن عفراء، ومن بنى زريق رافع بن مالك بن العجلان، ومن بنى سلمة قطبة بن عامر بن حديدة، ومن بنى حرام بن كعب عقبة بن عامر بن نابى، ومن عبيد بن عدى بن

стр. 333

سلمة جابر بن عبد الله بن رئاب (١). وهم يحلقون رءوسهم - ويقال: قد رموا الجمرة ثم انصرفوا عنها - فاعترضهم رسول الله ﷺ وقال: ممّن أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالى يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فأخبرهم خبره الذى اصطفاه الله به من كرامته ونبوّته، ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وكان مما صنع الله بهم فى الإسلام أن يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانت الأوس والخزرج أهل شرك وأصحاب أوثان، فكانوا إذا كان بينهم شئ قالت اليهود: إن نبيّا مبعوث (٢) الآن، قد أظلّ زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم (٣). فلما كلّم رسول الله ﷺ أولئك النّفر ودعاهم إلى الله أيقنوا به، واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا منه، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من صفته، فقال بعضهم لبعض: يا قوم، اعلموا والله أن هذا النبىّ الذى تتوعّدكم به/يهود. فأسرعوا الإجابة لله، وآمنوا

стр. 334

بنبيّه وصدّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام واتّبعوه، فقال لهم رسول الله ﷺ : تمنعون ظهرى حتى أبلّغ رسالة ربى. فقالوا: يا رسول الله، أما قد علمت الذى بين الأوس والخزرج من الاختلاف، وسفك الدماء، ونحن حرّاص على ما أرشدك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة وإنا نشير عليك برأينا: فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله؛ فلعلّ الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لهم أمرهم (١)، فإنّا اليوم متباغضون متباعدون، فإنك إن تقدم علينا ولن نصطلح (٢) لا يكون لنا جماعة (٣) عليك، ولكنّا نواعدك الموسم من العام القابل. فرضى بذلك رسول الله ﷺ . ويقال، قالوا: يا رسول الله إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشّرّ ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين، عسى أن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك. وقيل، قالوا: يا رسول الله إنما كانت بعاث (٤) عام الأول؛

стр. 335

يوم من أيامنا اقتتلنا به، فإن تقدم علينا ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام القابل. فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سرّا، وأخبروهم برسول الله ﷺ ، والذى بعثه الله به، وتلوا عليهم القرآن حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا وقد أسلم فيها ناس، وفشا الإسلام فيهم، ولم تبق دار من دورهم إلا وفيها ذكر النبى ﷺ (١). وفيها قال على بن أبى طالب: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل (٢) العرب خرج إلى منى - وأنا معه وأبو بكر - حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدّم أبو بكر، ووقفت أنا مع رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر مقدّما فى كل خير، وكان رجلا نسّابة، فسلّم وقال: ممّن القوم؟ فقالوا: من ربيعة. قال أبو بكر: فأى ربيعة أنتم؟ قالوا: ذهل الأكبر. قال أبو بكر: من هامتها أو من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى. فقال أبو بكر: وأى هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: من ذهل الأكبر. قال: فمنكم عوف الذى يقال له لا حر (٣) بوادى عوف؟ قالوا: لا. قال: فمنكم جسّاس ابن مرّة حامى الذّمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمنكم بسطام

стр. 336

ابن قيس أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك/وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: فمنكم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: فلستم من ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر. فقام: إليه غلام من بنى شيبان، يقال له دغفل (١) حين بقل عارضه (٢) فقال: - إنّ على سائلنا أن نسأله … والعبء لا نعرفه أو نجهله (٣) يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا، فمن الرجل؟ فقال أبو بكر: من قريش. فقال الفتى: بخ بخ، أهل الشرف والرئاسة، فمن أى قريش أنت؟ قال: من ولد تيم بن مرّة. فقال الفتى: أمكنت والله الرامى من سواء الثّغرة (٤)، فمنكم قصىّ الذى جمع القبائل من فهر، وكان يدعى مجمّعا؟ قال: لا. قال: فمنكم هاشم الذى هشم الثريد لقومه، فقيل فيه: - عمرو العلا هشم الثّريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف

стр. 337

قال: لا. قال: فمنكم شيبة الحمد عبد المطلب، مطعم طير السماء، الذى كأن وجهه القمر يضئ فى الليلة؟؟؟ الظلماء؟ قال: لا. قال: فمن أهل النّدوة أنت؟ قال:؟؟؟ أفمن أهل الحجاية أنت؟ قال: لا. قال: أفمن؟؟؟ الرّفادة أنت؟ قال: لا. قال: فأنت إذا من زمعات قريش. واجتذب أبو بكر زمام الناقة راجعا إلى رسول الله ﷺ ، فقال الغلام: - صادف درء السّيل درءا يدفعه … يهيّضه حينا وحينا يصدعه (١) أما والله لو ثبتّ لأخبرتك من قريش. فتبسّم رسول الله ﷺ . قال على فقلت: يا أبا بكر لقد وقعت من الأعرابى على باقعة (٢). قال: أجل يا أبا الحسن (٣)، ما من طامّة إلاّ وفوقها طامّة، والبلاء موكّل بالمنطق. ثم دفعنا إلى مجلس عليهم السكينة والوقار، فتقدّم أبو بكر فسلّم وقال: ممن القوم؟ فقالوا من شيبان بن ثعلبة. فالتفت

стр. 338

أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى هؤلاء غرر الناس، وفيهم (١) مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنّى ابن حارثة، والنّعمان بن شريك. وكان مفروق قد غلبهم كمالا (٢) ولسانا، وكانت له غديرتان (٣) تسقطان على تريبتيه، وكان أدنى القوم مجلسا [من أبى بكر ﵁] (٤)، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال مفروق: إنا لنزيد على ألف/، ولن تغلب الألف من قلّة. قال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروق: علينا الجهد ولكل قوم جدّ. فقال أبو بكر: وكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا لأشدّ ما يكون غضبا حين نلقاهم (٥) وأشد ما يكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح؛ والنصر من عند الله ، يديلنا مرّة ويديل علينا أخرى، لعلك أخو قريش. فقال أبو بكر: وقد بلغكم أنه رسول الله ﷺ ؟ فها هو ذا. قال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدّم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر يظلّه، فقال رسول الله ﷺ : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنى رسول الله، وإلى أن تؤوونى

стр. 339

وتنصرونى؟ فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله، وكذّبت رسله (١)، وامتنعت بالباطل عن الحق، والله هو الغنى الحميد. فقال مفروق بن عمرو: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؛ فو الله ما سمعت كلاما أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) قال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش؛ فو الله ما هذا من كلام أهل الأرض، ولو كان من كلام أهل الأرض لفهمناه؟ فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ﴾ (٣) الآية. فقال مفروق بن عمرو: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفكّ قوم كذّبوك، وظاهروا عليك - وكأنّه (٤) أحب أن يشركه فى الكلام هانئ بن قبيصة فقال -: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإنى أرى تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا، ليس له أوّل ولا آخر إنه زلل فى الرأى، وقلّة نظر فى العاقبة، وإنما تكون الزّلّة مع (٥) العجلة، ومن وراءنا قوم نكره أن نعقد عليهم

стр. 340

عقدا، ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر - وكأنه أحب أن يشرك المثنى بن حارثة فقال -: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا. فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة فى ترك ديننا ومتابعتك على دينك، وإنما نزلنا بين صريى (١) اليمامة والسّمامة. فقال رسول الله ﷺ /: وما هذان الصريان؟ فقال: أنهار كسرى ومياه العرب؛ فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول [وأما ما كان مما يلى مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول.] (٢) وإنما نزلنا على عهد أخذه كسرى علينا: ألا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا، فإنى أرى أن هذا الأمر الذى تدعونا إليه يا أخا قريش مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلى مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : ما أسأتم الرّدّ إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جوانبه؛ أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم وأموالهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم فلك ذلك.

стр. 341

وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * * وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (١) ثم نهض رسول الله ﷺ قائما على يدى أبى بكر وهو يقول: يا أبا بكر، أية أخلاق فى الجاهلية؟ ما أشرفها!! بها يدفع الله تعالى بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون (٢) فيما بينهم. فدفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ ، وكانوا صدقا صبرا، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وقد سرّ بما كان من أبى بكر ومعرفته بأنسابهم. *** «السنة الثانية والخمسون من مولد النبى ﷺ » فيها - بعد أن أتت على النبى ﷺ إحدى وخمسون سنة وتسعة أشهر - أتاه جبريل وميكائيل - وهو قائم فى بيته ظهرا يوم الجمعة، لسبعة عشر يوما خلون من شهر رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا - فقالا له: انطلق إلى ما كنت تسأل - وذلك أن النبى ﷺ كان يسأل أن يرى الجنة والنار - فذهبا به إلى ما بين زمزم والمقام، فأتى بالمعراج - وهو أحسن شئ منظرا - فعرجا به إلى السموات السبع سماء سماء (٣).

стр. 342

ويقال: إن النبى ﷺ قال: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل فوكز بين كتفىّ، فقمت معه إلى شجرة فيها مثل وكرى الطير، فقعد جبريل فى أحدهما وقعدت فى الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدّت الخافقين وأنا أقلب طرفى (١). ويقال: إن النبى ﷺ كان فى ملأ من أصحابه، فجاءه جبريل فنكث فى ظهره، فذهب به إلى الشجرة (٢). ويقال: إن النبى ﷺ قال: فرج سقف بيتى/وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدرى، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، ثم أفرغها فى صدرى ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء (٣). ويقال: إن النبى ﷺ كان فى بيت أم هانئ راقدا وقد صلّى العشاء الأخيرة (٤). وفيها - أو فى التى بعدها - سمعت قريش قائلا يقول فى الليل على أبى قبيس: - فإن يسلم السعدان يصبح محمد … بمكة لا يخشى خلاف المخالف

стр. 343

فلما أصبحوا قال أبو سفيان: من السعدان؟! سعد بن بكر، وسعد بن تميم، وسعد بن هذيم (١). فلما كانت الليلة الثانية سمعوه يقول: - أيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا … ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعى الهدى وتمنيّا … على الله فى الفردوس منية عارف فإن ثواب الله للطّالب الهدى … جنان من الفردوس ذات رفارف فلما أصبحوا قال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد ابن عبادة (٢). وفيها وافى الموسم - من الأنصار - اثنا عشر رجلا، وقيل أحد عشر رجلا، منهم تسعة من الخزرج وهم: أسعد بن زرارة، وابنا عفراء عوف ومعاذ (٣) ابنا الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر، وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وعبادة بن الصّامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم،

стр. 344

وثلاثة من الأوس وهم: أبو الهيثم مالك بن التّيّهان، وعويم بن ساعدة، والبراء بن معرور - وقيل عوض البراء عباس بن عبادة بن نضلة - فأسلموا. وقد كان مع النبى ﷺ حينئذ أبو بكر وعلى. فبايعوه عند العقبة على الإسلام - وهى البيعة الأولى - كبيعة النساء على ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصوه فى معروف، والسمع والطاعة فى العسر واليسر، والمنشط والمكره - وأسرّه علينا - وألا ينازعوا الأمر أهله، وأن يقولوا الحقّ أينما كان، لا يخافون فى الله لومة لائم. ثم قال النبى ﷺ : فإن وفّيتم بذلك فلكم الجنة، ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله ؛ إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه - ولم يكن فرض القتال يومئذ - ثم انصرفوا إلى المدينة، وبعث معهم النبى ﷺ /مصعب بن عمير، وعبد الله بن أم مكتوم ليعلّما من أسلم القرآن، ويدعوا إلى الله (١). ويقال: إنهم لمّا انصرفوا إلى بلادهم بعثوا إلى النبى ﷺ معاذ ابن عفراء، ورافع بن مالك فقالا: إنّ الإسلام فشا فينا، فآبعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن، ويفقهنا فى الإسلام، ويقيم فينا سنّته وشرائعه، ويؤمنا فى صلاتنا. فبعث إليهم مصعب بن عمير أخا عبد الدار بن قصىّ (٢). ***

стр. 345

«السنة الثالثة والخمسون من مولد النبى ﷺ » فيها فى ليلة السابع عشر من ربيع الأول - ويقال: فى ليلة السابع والعشرين من ربيع الآخر، ويقال غير ذلك - بينما النبى ﷺ فى الحطيم أو الحجر مضطجعا بين النائم واليقظان إذ أتاه آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة. فأخذه ﷺ ، فانطلق به فشق ما بين ثغرة نحره إلى مراقه؛ فاستخرج قلبه ثم أتى بطست من ذهب فيه ماء من ماء زمزم مملوء إيمانا وحكمة، فغسل قلبه ثم حشى ثم أعيد. ثم أتى بداية دون البغل وفوق الحمار أبيض، وهو البراق، مسرجا ملجما يضع خطوه عند أقصى طرفه، فى فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه، يضع حافرها فى منتهى طرفها. فلما دنا النبى ﷺ ليركبها شمست، فوضع جبريل يده على مفرقها ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع!! فو الله ما ركب عليك عبد لله قبل محمد أكرم على الله منه. ثم استحيت حتى ارفضت عرقا، ثم قرّت، فركبها حتى جاء بيت المقدس (١). ويقال، قال النبى ﷺ : صليت لأصحابى صلاة العتمة بمكة معتما، فأتانى جبريل بداية بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب. فاستصعبت (٢) علىّ فدارها (٣) بأذنها، ثم حملنى عليها، فانطلقت تهوى بنا ترفع (٤) حافرها حيث أدرك طرفها.

стр. 346

ويقال، إن النبى ﷺ قال: بينما أنا نائم عشاء فى المسجد الحرام إذ أتانى آت فأيقظنى فاستيقظت فلم أر شيئا، ثم عدت فى النوم، ثم أيقظنى فاستيقظت فلم أر شيئا، ثم عدت فى النوم، فأيقظنى فاستيقظت فلم أر شيئا، فإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصرى حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى شبهه بدوابكم هذه بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلى، يقع حافره مدّ بصره، فركبته (١). ومضى/ جبريل معه لا يفارقه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد به إبراهيم وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء، فأمّهم رسول الله ﷺ فصلّى بهم، ثم أتى بإناءين فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن، فأخذ رسول الله ﷺ إناء اللبن فشرب منه، وترك إناء الخمر. فقال له جبريل: هديت الفطرة وهديت أمتك، وحرّمت عليكم الخمر. وصعد به حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال ففتح لنا. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على آدم ﵇ فقلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالابن الصالح، والنبى الصالح.

стр. 347

ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتح لنا، وقالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على ابنى الخالة يحيى وعيسى ﵉، فسلمت عليهما، فقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. (١) ففتح لنا (١)، وقالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء، فأتيت على يوسف صلوات الله عليه. فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أخوك يوسف. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على إدريس صلوات الله عليه. فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك إدريس. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد.

стр. 348

قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على هارون صلوات الله عليه، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك هارون، فسلمت عليه فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على موسى فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبى/الصالح. فلما جاوزته بكى، فنودى: ما يبكيك؟ قال: يا رب، هذا غلام بعثته بعدى، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى. ثم انطلقنا حتى أتينا السماء السابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبا به ولنعم المجئ جاء. فأتيت على إبراهيم فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم. فسلمت عليه، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح. ثم رفع لنا البيت المعمور فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك حتى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما عليهم. ثم رفعت لنا سدرة المنتهى، فحدث نبى الله ﷺ : أن ورقها

стр. 349

مثل آذان الفيلة (١)، وأن نبقها مثل قلال هجر، وأنه رأى أربعة أنهار تخرج من أصلها؛ نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذه الأنهار يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. وأتيت بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن، فعرضا علىّ فاخترت اللبن، فقيل لى: أصبت، أصاب الله بك أمتك على الفطرة. وفرضت على خمسون صلاة كل يوم - أو قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم - فجئت حتى أتيت على موسى ﷺ ، فقال لى: بم (٢) أمرت؟ فقلت: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إنى قد بلوت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشدّ المعالجة، وإن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت، فحطّ عنى خمس صلوات، فما زلت اختلف بين ربى ﵎ وبين موسى ﷺ ، كلما أتيت قال لى مثل مقالته، حتى رجعت بخمس صلوات كل يوم، فلما أتيت على موسى ﷺ قال: بم (٢) أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. قال: إنى قد بلوت الناس قبلك، وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة وإن أمتك لا تطيق ذلك؛ فارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك. قلت: لقد رجعت إلى ربى

стр. 350

حتى استحيت، ولكن أرضى وأسلم، فنوديت - أو نادانى مناد -: أن قد أمضيت فريضتى، وخفّفت عن عبادى، وجعلت بكل حسنة عشر أمثالها (١). ثم عادا فى ليلتهما، فلما أصبح النبىّ ﷺ بمكة فظع بأمره، وعرف أن الناس تكذّبه، فقعد معتزلا حزينا، فمرّ به أبو جهل فجاء حتى جلس إليه، فقال له - كالمستهزئ -: هل كان من شئ؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم. قال: وما هو؟ قال: إنى أسرى بى الليلة. قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت/المقدس. قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟! قال: نعم. فلم ير (٢) أن يكذّبّه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه، قال: أرأيت إن دعوت إليك قومك أتحدثهم بما حدّثتنى به؟ قال رسول الله ﷺ : نعم. قال أبو جهل: يا معشر كعب بن لؤى هلموا. فانفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، فقال أبو جهل: حدّث قومك بما حدّثتنيه. فقال رسول الله ﷺ : إنى أسرى بى الليلة. قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس. قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟!

стр. 351

فقال رسول الله ﷺ : نعم. قال: فمن بين مصفّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب - يزعم - وارتدّ نفر ممن كان أسلم؛ قالوا: أو تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ - وفى القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد - قال رسول الله ﷺ : فما زلت أنعت حتى التبس علىّ بعض النعت، فكربت كربا شديد ما كربت مثله قط، فرفعه الله أنظر إليه، ما يسألونى عن شئ إلا أنبأتهم به - ويقال فجئ بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل - أو عقال - فنعتّه وأنا أنظر إليه. فقال قوم: أما النعت فو الله لقد أصاب (١). وأخبرهم النبى ﷺ بالعير، وأنها تقدم نهار الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله فحبسها حتى قدمت العير كما وصف النبى ﷺ ، ولم تحتبس لأحد قبله سوى يوشع بن نون وداود ﵉ (٢). وقيل: لما كذّبت قريش النبىّ ﷺ حين أسرى به إلى بيت المقدس قام صلّى الله ﷺ فى الحجر، فجلّى الله له بيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه (٣).

стр. 352

وقيل: لمّا أسرى بالنبى ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبى بكر فقالوا: هل لك فى صاحبك، يزعم أنه قد جاء بيت المقدس ثم رفع (١) إلى مكة فى ليلة واحدة. فقال أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأشهد - إن كان قال ذلك - لقد صدق. قالوا: وتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم، إنى لأصدّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء فى غدوة أو روحة. فلذلك سمى أبو بكر الصديق (٢). ويقال: إن النبى ﷺ لما أصبح/بمكة أخبرهم بالعجائب: إنى أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بى إلى السماء، ورأيت كذا. فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس وأصبح فينا، وأحدنا يطرد مطيّته مدبرة شهرا ومقبلة شهرا، فهذا سير شهرين فى ليلة واحدة. فأخبرهم بعير لقريش: لما كان فى مصعدى رأيتها فى (٣) مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها (٣) عند العقبة. وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: تخبرنا بأشياء!! فقال

стр. 353

رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس؛ فأخبر كيف بناؤه وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم. فجاءه ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرنى كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ فرفع لرسول الله بيت المقدس فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته [فقال:] (١) بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا. فقال الآخر: صدقت. فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال، أو نحو هذا من الكلام (٢). ولما أخبر ﷺ قومه بالرفقة والعلامة فى العير قالوا: فمتى تجئ؟ قال: يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولّى النهار ولم تجئ، فدعا النبىّ ﷺ فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، ولم تردّ الشمس على أحد إلا على النبى ﷺ يومئذ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله تعالى فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم (٣). وقد قال مغلطاى فى السيرة النبوية المسماة بالإشارة: اختلف

стр. 354

العلماء فى تاريخ المعراج والإسراء، وهل كانا فى ليلة واحدة أم لا، وهل كان المعراج قبل الإسراء، وهل كانا أو أحدهما يقظة أو مناما، وهل كانا المعراج مرّة أو مرّات - والله أعلم. والصحيح أن الإسراء كان فى اليقظة بجسده، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه بعينى رأسه ﷺ (١). انتهى. وفيها رجع من المدينة إلى مكة مصعب بن عمير قبل بيعة العقبة الثانية (٢). وفيها لما حضر الحجّ مشى أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا بالمدينة بعضهم إلى بعض، وتواعدوا المسير إلى الحجّ، ولقاء/ رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم لبعض: حتّى متى نترك النبى ﷺ يطرد فى جبال مكة ويخاف، والإسلام فاش يومئذ بالمدينة؟! فخرجوا وهم سبعون رجلا - يزيدون رجلا أو رجلين - وامرأتان - وقيل: ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وقيل: خمسة وسبعون نفسا - وهم أهل العقبة الآخرة فى خمر (٣) قومهم، وكانوا خمسمائة، حتى

стр. 355

إذا كانوا بظاهر البيداء قال البراء بن معرور - وهو كبير القوم وسيّدهم -: يا هؤلاء تعلمون أنى قد رأيت رأيا والله ما أدرى توافقوننى عليه أم لا؟ فقالوا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إنى قد أردت أن أصلّى إلى هذه البنيّة ولا أجعلها منى بظهر. فقال له أصحابه: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أن نبيّنا يصلى (١) إلى الشام. قال: فإنى والله لمصل إليها. فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة، وتوجه أصحابه إلى الشام حتى قدموا مكة. فقال البراء لكعب بن مالك: يا ابن أخى، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت فى سفرى هذا؛ فلقد وجدت فى نفسى منه شيئا لخلافكم إيّاى. فخرجوا يسألون عن رسول الله ﷺ فلقيهم رجل بالأبطح، فقالا: هل تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: وهل تعرفانه إن رأيتماه؟ فقالا: لا والله ما نعرفه - ولم يكونا رأيا رسول الله ﷺ فقال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ فقالا: نعم - وقد كانا يعرفانه، كان يختلف إليهم بالتجارة - فقال: إذا دخلتما المسجد فانظرا العباس، فالرجل الذى معه هو. فدخلا المسجد فإذا رسول الله ﷺ والعباس بناحية المسجد جالسين، فسلّما ثم جلسا. فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل؟؟؟ عرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال كعب: فو الله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال: نعم. فقال له البراء: يا رسول الله، إنى قد كنت رأيت فى سفرى هذا رأيا، وقد أحببت أن أسألك عنه؛ لتخبرنى عما صنعت فيه. قال: وما ذاك؟
следующие страницы →