← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فقال رسول الله ﷺ : نعم. قال: فمن بين مصفّق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب - يزعم - وارتدّ نفر ممن كان أسلم؛ قالوا: أو تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ - وفى القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد - قال رسول الله ﷺ : فما زلت أنعت حتى التبس علىّ بعض النعت، فكربت كربا شديد ما كربت مثله قط، فرفعه الله أنظر إليه، ما يسألونى عن شئ إلا أنبأتهم به - ويقال فجئ بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل - أو عقال - فنعتّه وأنا أنظر إليه. فقال قوم: أما النعت فو الله لقد أصاب (١). وأخبرهم النبى ﷺ بالعير، وأنها تقدم نهار الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله فحبسها حتى قدمت العير كما وصف النبى ﷺ ، ولم تحتبس لأحد قبله سوى يوشع بن نون وداود ﵉ (٢). وقيل: لما كذّبت قريش النبىّ ﷺ حين أسرى به إلى بيت المقدس قام صلّى الله ﷺ فى الحجر، فجلّى الله له بيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه (٣).

стр. 352

وقيل: لمّا أسرى بالنبى ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدّث الناس بذلك، فارتدّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبى بكر فقالوا: هل لك فى صاحبك، يزعم أنه قد جاء بيت المقدس ثم رفع (١) إلى مكة فى ليلة واحدة. فقال أبو بكر: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأشهد - إن كان قال ذلك - لقد صدق. قالوا: وتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم، إنى لأصدّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء فى غدوة أو روحة. فلذلك سمى أبو بكر الصديق (٢). ويقال: إن النبى ﷺ لما أصبح/بمكة أخبرهم بالعجائب: إنى أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بى إلى السماء، ورأيت كذا. فقال أبو جهل: ألا تعجبون مما يقول محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس وأصبح فينا، وأحدنا يطرد مطيّته مدبرة شهرا ومقبلة شهرا، فهذا سير شهرين فى ليلة واحدة. فأخبرهم بعير لقريش: لما كان فى مصعدى رأيتها فى (٣) مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها (٣) عند العقبة. وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: تخبرنا بأشياء!! فقال

стр. 353

رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس؛ فأخبر كيف بناؤه وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم. فجاءه ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرنى كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل؟ فرفع لرسول الله بيت المقدس فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته [فقال:] (١) بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا. فقال الآخر: صدقت. فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال، أو نحو هذا من الكلام (٢). ولما أخبر ﷺ قومه بالرفقة والعلامة فى العير قالوا: فمتى تجئ؟ قال: يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولّى النهار ولم تجئ، فدعا النبىّ ﷺ فزيد له فى النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، ولم تردّ الشمس على أحد إلا على النبى ﷺ يومئذ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله تعالى فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم (٣). وقد قال مغلطاى فى السيرة النبوية المسماة بالإشارة: اختلف

стр. 354

العلماء فى تاريخ المعراج والإسراء، وهل كانا فى ليلة واحدة أم لا، وهل كان المعراج قبل الإسراء، وهل كانا أو أحدهما يقظة أو مناما، وهل كانا المعراج مرّة أو مرّات - والله أعلم. والصحيح أن الإسراء كان فى اليقظة بجسده، وأنه مرات متعددة، وأنه رأى ربه بعينى رأسه ﷺ (١). انتهى. وفيها رجع من المدينة إلى مكة مصعب بن عمير قبل بيعة العقبة الثانية (٢). وفيها لما حضر الحجّ مشى أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا بالمدينة بعضهم إلى بعض، وتواعدوا المسير إلى الحجّ، ولقاء/ رسول الله ﷺ ، وقال بعضهم لبعض: حتّى متى نترك النبى ﷺ يطرد فى جبال مكة ويخاف، والإسلام فاش يومئذ بالمدينة؟! فخرجوا وهم سبعون رجلا - يزيدون رجلا أو رجلين - وامرأتان - وقيل: ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، وقيل: خمسة وسبعون نفسا - وهم أهل العقبة الآخرة فى خمر (٣) قومهم، وكانوا خمسمائة، حتى

стр. 355

إذا كانوا بظاهر البيداء قال البراء بن معرور - وهو كبير القوم وسيّدهم -: يا هؤلاء تعلمون أنى قد رأيت رأيا والله ما أدرى توافقوننى عليه أم لا؟ فقالوا: وما هو يا أبا بشر؟ قال: إنى قد أردت أن أصلّى إلى هذه البنيّة ولا أجعلها منى بظهر. فقال له أصحابه: لا والله لا تفعل، والله ما بلغنا أن نبيّنا يصلى (١) إلى الشام. قال: فإنى والله لمصل إليها. فكان إذا حضرت الصلاة توجه إلى الكعبة، وتوجه أصحابه إلى الشام حتى قدموا مكة. فقال البراء لكعب بن مالك: يا ابن أخى، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت فى سفرى هذا؛ فلقد وجدت فى نفسى منه شيئا لخلافكم إيّاى. فخرجوا يسألون عن رسول الله ﷺ فلقيهم رجل بالأبطح، فقالا: هل تدلنا على محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟ فقال: وهل تعرفانه إن رأيتماه؟ فقالا: لا والله ما نعرفه - ولم يكونا رأيا رسول الله ﷺ فقال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب؟ فقالا: نعم - وقد كانا يعرفانه، كان يختلف إليهم بالتجارة - فقال: إذا دخلتما المسجد فانظرا العباس، فالرجل الذى معه هو. فدخلا المسجد فإذا رسول الله ﷺ والعباس بناحية المسجد جالسين، فسلّما ثم جلسا. فقال رسول الله ﷺ للعباس: هل؟؟؟ عرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك. قال كعب: فو الله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟ قال: نعم. فقال له البراء: يا رسول الله، إنى قد كنت رأيت فى سفرى هذا رأيا، وقد أحببت أن أسألك عنه؛ لتخبرنى عما صنعت فيه. قال: وما ذاك؟

стр. 356

قال رأيت ألاّ أجعل هذه البنيّة منى بظهر فصلّيت إليها. فقال رسول الله ﷺ : قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع إلى قبلة رسول الله ﷺ وصلّى إلى الشام (١). وواعدهم/رسول الله ﷺ منى ليلة النفر الأوسط أوسط أيام التشريق، عند هدوّ الرّجل، وألا ينبّهوا نائما، ولا ينتظروا غائبا، وأن يوافوه فى أصل العقبة فى الشّعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة - حيث المسجد اليوم - وكان مع الأنصار عبد الله ابن عمرو بن حرام أبو جابر، وإنه لعلى شركه - وكان المسلم من الأنصار يكتم إسلامه عمّن معه من المشركين من قومه - فأخذه المسلمون فقالوا له: يا أبا جابر، والله إنك سيّد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا لنرغب بك أن تموت على ما أنت عليه، فتكون لهذه النار غدا حطبا، وإن الله قد بعث رسولا يأمر بتوحيده وعبادته، وقد أسلم رجال من قومك، وقد واعدنا رسول الله ﷺ للبيعة. فأسلم وطهّر ثيابه وحضر معهم، وكان نقيبهم (٢). فلما كانت الليلة التى وعد الأنصار فيها رسول الله ﷺ ، ناموا أوّل الليل مع قومعم فى رحالهم، حتى إذا مضى ثلث الليل

стр. 357

واستثقل الناس من النوم، خرجوا من رحالهم لميعاد رسول الله ﷺ ، يتسلّلون تسلّل القطا: الرجل والرجلان والثلاثة، حتى إذا اجتمعوا فى الشعب عند العقبة، وهم سبعون رجلا ومعهم امرأتان من نسائهم: نسيبة بنت كعب أمّ عمارة (١)، وأسماء بنت عمرو بن عدىّ أمّ منيع (٢)، فاجتمعوا بالشّعب ينتظرون رسول الله ﷺ حتى جاء ومعه عمه العباس بن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه - وليس معه غيره، إلاّ أنه أحبّ أن يحضر مع ابن أخيه ويتوثّق له. ويقال: إن النبى ﷺ سبق الأنصار إلى ذلك الموقع، ومعه عمه العباس ليس معه غيره؛ أحب أن يحضر أمر ابن أخيه. وقيل: كان معهما أبو بكر وعلى، فأوقف العباس عليّا على فم الشّعب عينا له، وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر. فكان أوّل طالع على النبى ﷺ رافع بن مالك الزّرقى، ثم توافوا ومعهم المرأتان، فقال العباس: يا ابن أخى، ما أدرى هؤلاء القوم الذين جاءوك، إنى ذو معرفة بأهل يثرب!! فلما أن اجتمعوا نظر العباس فى وجوههم، قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. فلما جلس النبىّ ﷺ كان أوّل من تكلم العباس بن عبد المطلب؟ أخذ للنبى ﷺ العهد/عليهم فقال: يا معشر الخزرج - وإنما كانت العرب تسمى هذا الحى من الأنصار أوسها وخزرجها الخزرج - إن محمدا

стр. 358

منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومه ممن هو على مثل رأينا، وهو فى عزّ من قومه ومنعة فى بلده، وإنه قد أبى إلاّ الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له لما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه (١) فأنتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه فى عزّ ومنعة من قومه وبلده - قيل: إن كنتم تحسون من أنفسكم خذلانا فاتركوه فى قومه؛ فإنه فى منعة من عشيرته وقومه - ويقال: إن العباس قال: يا معشر الخزرج، إنكم قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمد من أعزّ الناس فى عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله ومن لم يكن منّا على قوله؛ منعة للحسب والشرف، وقد أبى محمدا (٢) الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصراء بالحرب واستقلال (٣) بعداوة العرب قاطبة. ترميكم عن قوس واحدة فارتئوا رأيكم، وائتمروا بينكم، ولا تفرّقوا إلاّ على ملأ منكم واجتماع؛ فإن أحسن الحديث أصدقه. فأجاب البراء بن معرور فقال: قد سمعنا ما قلت، وإنا والله لو كان فى أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق،

стр. 359

ونبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ ، فتكلّم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن، ودعا إلى الله، ورغّبهم فى الإسلام، وقال: أبايعكم على أن تمنعونى مما (١) تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذى بعثك بالحق نبيّا لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا (٢) فبايعنا يا رسول الله، فنحن - والله - أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر. ويقال: إن أبا الهيثم بن التّيهان كان أوّل من تكلّم، وأجاب إلى ما دعا إليه النبىّ ﷺ ، وصدّقه وقال: نقبله على مصيبة (٣) الأموال وقتل الأشراف. ويقال: إن أبا الهيثم اعترض القول والبراء يكلّم رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنّ بيننا وبين أقوام - يعنى اليهود - حبالا (٤)، وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسّم/رسول الله ﷺ ثم قال: بل

стр. 360

الدّم الدم والهدم الهدم، أنتم منى وأنا منكم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. فقال العباس - وهو آخذ بيد رسول الله ﷺ : اخفوا جرسكم - يعنى الصوت الخفى - فإن علينا عيونا، وقدّموا ذوى أسنانكم فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى رحالكم (١). فقال البراء: أبسط يدك يا رسول الله نبايعك. فقال رسول الله ﷺ : أخرجوا لى منكم اثنى عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم؛ فإنّ موسى أخذ من بنى إسرائيل اثنى عشر نقيبا، فلا يجدن أحد منكم فى نفسه أن يؤخذ غيره؛ فإنما يختار جبريل - فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فنقّبهم عليهم، فكان نقيب بنى النجار أسعد بن زرارة، ونقيب بنى سلمة البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ونقيب بنى ساعدة سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، ونقيب بنى زريق رافع بن مالك بن العجلان، ونقيب بنى الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع، ونقيب القوافل بنى عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت - وفى الأوس من بنى عبد الأشهل أسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التّيهان، وقيل عوض أبى الهيثم: رفاعة بن عبد المنذر - وكان نقيب بنى عمرو بن عوف سعد بن خيثمة. وقال النبى ﷺ للنقباء: أنتم كفلاء على قومكم بما فيهم كفلا (٢) ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومى.

стр. 361

فقال أسعد بن زرارة: نعم. فأخذ البراء بن معرور يد رسول الله ﷺ فضرب عليها، فكان أوّل من بايع - وقيل: أول من بايع أبو أمامة أسعد بن زرارة، ويقال: أبو الهيثم بن التّيهان؛ فبنو النجار يزعمون أن أسعد بن زرارة أوّل من ضرب على يده، وبنو عبد الأشهل يقولون: بل الهيثم بن التّيهان (١). ثم تتابع الناس وضرب جميعهم على يده، وبايعوه على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأسود والأحمر، وأن يرحل هو وأصحابه إليهم. فكانت أوّل آية أنزلت فى الإذن بالقتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (٢) الآية، ويقال ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (٣) ويروى: لما اجتمع الأنصار لبيعة النبىّ ﷺ /قال العباس بن عبادة (٤) بن نضلة أخو بنى سالم (٤): يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون رسول الله ﷺ ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الآن (٥)، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزى

стр. 362

الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون (١) أنكم مستضلعون وافون له بما عاهدتموه عليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة (١). قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن وفّينا؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه. فقال عاصم بن عمرو بن قتادة: والله ما قال العباس هذه المقالة إلا (٢) ليشد لرسول الله ﷺ العقد فى أعناقهم. وقال عبد الله ابن أبى بكر: والله ما قال العباس ذلك إلا (٢) ليؤخر بها أمر القوم تلك الليلة، رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبىّ بن سلول فيكون أقوى لهم. والله أعلم أى ذلك كان. ويروى: أن الأنصار قالوا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: تبايعونى على السّمع والطاعة فى النشاط والكسل، وعلى النفقة فى العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وعلى أن تقولوا فى (٣) الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصرونى وتمنعونى إذا قدمت عليكم يثرب؛ تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم،

стр. 363

ولكم الجنة. فأخذ بيد النبى ﷺ أسعد بن زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويدا يا أهل يثرب؛ فإنا لن نضرب إليه أكباد الإبل - أو قال: المطى - إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم منازعة العرب كافة، وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم تصبرون على عضّ السيوف إذا مستكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة؛ فخذوه وأجركم على الله. وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبنا فبيّنوه (١) فهو أعذر لكم عند الله. فقالوا: أمط يدك عنا يا أسعد بن زرارة؛ فوالله لا ندع (٢) هذه البيعة أبدا ولا نستقبلها. فقاموا رجلا رجلا يأخذ عليهم شرطه ويعطيهم على ذلك الجنة (٣) ويروى: أن النبى ﷺ لما أتاه الأنصار قال: ليتكلّم متكلّم ولا يطيل الخطبة؛ فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم - وهو أبو أمامة (٤) -: سل يا محمد لربّك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. قال: أسألكم لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسى ولأصحابى أن تؤوونا وتنصرونا

стр. 364

وتمنعونا بما منعتم منه أنفسكم. قالوا: فما لنا إذا فعلنا/ذلك؟ قال: لكم الجنة. قالوا: فلك ذلك. ويروى: أن النبىّ ﷺ لما أتاه الأنصار قال: أوجزوا فى الخطبة، فإنى أخاف عليكم كفّار قريش. فقالت الأنصار: يا رسول الله، سلنا لنفسك، وسلنا لربك، وسلنا لأصحابك، وأخبرنا الثواب على الله وعليك. قال: أسألكم لربى أن تؤمنوا بالله ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم أن تطيعونى أهدكم سبيل الرشاد، وأسألكم لى ولأصحابى أن تواسونا فى ذات أيديكم، وأن تمنعونا مما منعتم منه أنفسكم؛ فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعلىّ. فمدّوا أيديهم فبايعوه، فعند ذلك صرخ الشيطان من رأس العقبة بأعلى صوت سمع: يا أهل الجباجب (١)، هل لكم فى مذمّم والصبأة معه؛ قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ : ما يقول عدوّ الله؟ هذا أزبّ (٢) العقبة هذا ابن أزيب (٣)، اسمع أى عدو الله أما والله لأفرغن لك. ارفضّوا (٤) إلى رحالكم.

стр. 365

ويروى: لما بايعوا رسول الله ﷺ صرخ صارخ فى الجبل، وهو إبليس: يا معشر قريش إن [كان] (١) لكم فى محمد حاجة فأتوه بمكان كذا وكذا من الجبل، قد حالفه الذين يسكنون يثرب. فقال العباس بن عبادة بن نضلة أخو بنى سالم (٢): يا رسول الله والذى بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا - وما أحد عليه تلك الليلة سيف غيره - فقال رسول الله ﷺ : إنى لم أومر بذلك، ارجعوا إلى رحالكم. فرجعوا إلى رحالهم، فاضطجعوا على فراشهم (٣). ونزل جبريل فلم يبصره أحد من القوم غير حارثة بن النعمان، قال بعد ما فرغوا: يا رسول الله لقد رأيت رجلا عليه ثياب بيض - أنكرته - قائما على يمينك!! قال ﷺ : قد رأيته؟ قال: نعم. قال: رأيت خيرا؛ ذاك جبريل (٤). ولما صدروا من عند النبى ﷺ طابت نفسه ﷺ ؛ لما جعل الله له منعة، وقوما أهل حرب وعدّة ونجدة.

стр. 366

فلما أصبحوا غدت جلّة من قريش من أشرافهم، فيهم الحارث ابن هشام - فتى شاب وعليه نعلان له جديدان - حتى دخلوا شعب الأنصار - ويقال: حتى جاءوا الأنصار فى رحلهم - فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا/وإنه والله ما من حى أبغض إلينا من أن تنشب الحرب فيما بيننا وبينهم منكم. فانبعث من كان هناك من مشركى الأنصار يحلفون لهم بالله ما كان من هذا من شئ، وما فعلناه وما علمناه - وكان حاضرا أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام، وكعب بن مالك وهما صامتان لم يتكلما - فلما تثوّر القوم لينطلقوا قال كعب بن مالك كلمة - كأنه أشركهم فى الكلام -: يا أبا جابر أنت سيّد من ساداتنا وكهل من كهولنا، لا تستطيع أن تتخذ مثل نعلى هذا الفتى من قريش؟ فسمعه الفتى فخلع نعليه فرمى بهما إلى كعب بن مالك وقال: والله لتلبسنهما. فقال أبو جابر: مه، أحفظت - لعمر الله - الرجل: يقول أخجلته - أردد عليه نعليه. فقلت: والله لا أردهما [فأل - والله - صالح، لئن صدق الفأل] (١) إنى لأرجو أن أستلبه. ثم انصرفوا عنه. وأتوا عبد الله بن أبّى فسألوه وكلّموه فقال: إن هذا لأمر

стр. 367

جسيم، وما كان قومى ليتقوّلوا (١) علىّ مثل هذا، وما علمته، لو كنت بيثرب ما فعل هذا قومى حتى يؤامرونى. فانصرفوا عنه وتفرّق الناس من منى. ورحل البراء بن معرور، وتقدم إلى بطن يأجج (٢)، وتلاحق به أصحابه من المسلمين (٣). وفتشت قريش عن الخبر والبيعة فوجدوه حقا، فانطلقوا فى طلب القوم؛ فأدركوا سعد بن عبادة بأذاخر (٤)، والمنذر بن عمرو - وكانا من النقباء - فأما المنذر فأعجز القوم. وأما سعد فأخذوه وشدوا يديه إلى عنقه بنسع (٥) رحله، وجعلوا يضربونه ويجذبونه بجمته -

стр. 368

وكان ذا شعر كثير - ويصكونه ويلكزونه حتى أدخلوه مكة. فقال سعد: والله إنى لفى أيديهم إذ طلع على نفر من قريش، فيهم رجل أبيض وضئ شعشاع (١) حلو، قلت [فى نفسى] (٢): إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا منى رفع يده فلكمنى لكمة شديدة، قلت فى نفسى: والله ما عندهم بعد هذا (٣) خير. فو الله إنى لفى أيديهم يسحبوننى إذ أوى لى رجل منهم (٤) فقال: ويحك!! أما (٥) بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟ قلت: بلى والله، لقد [كنت] (٦) أجير لجبير بن مطعم تجارته، وأمنعه ممن يريد ظلمه ببلادى، وللحارث بن أميّة بن عبد شمس. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما. ففعلت، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما عند الكعبة، فقال لهما: إنّ رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح، وإنه ليهتف بكما يذكر (٧) أن بينه وبينكما جوارا. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن

стр. 369

عبادة. قالا: صدق، والله إن كان ليجير تجارتنا، ويمنع أن يظلمونا ببلده. فجاءا فخلّصاه من أيديهم، وخلّيا سبيله، وانطلق وفقدته الأنصار فأتمروا أن يكرّوا، فطلع عليهم فرح؟؟؟ جميعا إلى المدينة (١). / *** «السنة الرابعة والخمسون من مولد النبى ﷺ وهى السنة الأولى من الهجرة» فيها - أو فى آخر التى قبلها - لما شخص السبعون الذين بايعوا النبى ﷺ عند العقبة أشتدّ ذلك على قريش؛ لما يعلمون من (٢) الخزرج، ورأوا أنه قد صار للنبىّ ﷺ منعة ودار هجرة، فضيّقوا على المسلمين وآذوهم، وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم من الشتم والأذى والتناول ما لم يكونوا ينالونه أبدا، فشكا المسلمون ذلك إلى النبى ﷺ ، وسألوه الهجرة، فقالوا: إنه لم يؤذن لى فى ذلك بعد. ثم إن الله أوحى إليه: أىّ هذه الثلاث نزلت فهى دار هجرتك: المدينة أو البحرين أو قنّسرين. ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك بأيام مسرورا فقال: رأيت فى المنام أننى أهاجر من مكّة إلى

стр. 370

أرض بها نخل، فذهب وهلى (١) أنها اليمامة أو هجر فإذا هى يثرب (٢). ويروى أن النبى ﷺ قال: أريت دار هجرتكم سبخة بين ظهرانى حرّة (٣)، فإما أن تكون هجر، وإما أن تكون يثرب. وأمر النبى ﷺ من معه من المسلمين بمكة بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إنّ الله قد جعل لكم إخوانا، ودارا تأمنون بها؛ فمن أراد الخروج فليخرج فإن البلاد قريبة، وأنتم عارفون بها، وهى طريق عيركم إلى الشام. فجعلوا يتجهّزون ويترافقون ويتواسون بالمال والظهر، ويخفون ذلك، وخرجوا أرسالا يتراسلون؛ فخرج أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أمّ سلمة بنت أبى أميّة، وعامر بن ربيعة وامرأته أم عبد الله بنت أبى حثمة (٤) - ويروى أن أوّل ظعينة قدمت المدينة أم سلمة، ويقال: أم عبد الله - ومصعب بن عمير، ثم عمرو بن أم مكتوم الأعمى، ثم عمّار بن ياسر، وسعد بن أبى وقّاص، وعبد الله بن مسعود، وبلال، وعثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد الله بن جحش، وعثمان بن الشّريد.

стр. 371

فنزل أبو سلمة وعبد الله بن جحش فى بنى عمرو بن عوف. وعدا أبو سفيان بن حرب على دار بنى جحش - وهى دار أبان بن عثمان - عند الرّدم فتملّكها؛ إذ بقيت يبابا لا أحد بها، لأنهم هاجروا بنسائهم. ثم خرج عمر بن الخطاب، وعيّاش بن أبى ربيعة، وأبو عبيدة ابن الجرّاح، وسالم مولى أبى حذيفة فى عشرين راكبا، فنزلوا فى بنى عمرو بن عوف (١). قال عمر بن الخطاب: لما اجتمعنا للهجرة اتّعدت أنا وعيّاش ابن أبى ربيعة، /وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا: الميعاد بيننا التّناضب (٢) من أضاة بنى غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس، فليمض صاحباه. وأصبحت عندها أنا وعيّاش بن أبى ربيعة، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن. وقدمنا المدينة. فكنا نقول: ما الله بقابل من هؤلاء توبة؛ قوم عرفوا الله وآمنوا به، وصدّقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا وكانوا يقولونه لأنفسهم. فأنزل الله فيهم ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ (٣) الآية، فكتبتها

стр. 372

بيدى كتابا، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما قدمت علىّ خرجت بها إلى ذى طوى (١) فجعلت أصعّد بها وأصوّب لأفهمها، فقلت: اللهم فهّمنيها، فعرفت أنما أنزلت فينا بما كنا نقول فى أنفسنا - ويقال: فينا - فرجعت فجلست على بعيرى فلحقت برسول الله ﷺ (٢). فطلب أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، والعاص (٣) بن هشام عياش بن أبى ربيعة - وهو أخوهم لأمهم - فقدموا المدينة، وذكروا له حزن أمه وقالوا له: إنها حلفت أنها لا يظلّها سقف بيت، ولا يمس رأسها دهن حتى تراك، ولولا ذلك لم نطلبك؛ فنذكّرك الله فى أمّك - وكان بها رحيما، وكان يعلم من حبها إياه ورأفتها به - فصدّق قولهم، ورقّ لها. ولما ذكروا له منها (٤) أبى أن يتبعهم حتى عقد له الحارث بن هشام عقدا. فلما خرجا (٥) أوثقاه، فلم يزل هنا لك حتى خرج مع من خرج قبل فتح مكة.

стр. 373

وكان رسول الله ﷺ يدعو له بالخلاص. وخرج عبد الرحمن بن عوف فنزل على سعد بن الربيع فى بنى الحارث بن الخزرج، وخرج عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العّوام وطائفة أخرى. فأما طلحة فخرج إلى الشام. ثم تتابع أصحاب النبى ﷺ كذلك إلى المدينة أرسالا، ومكث ناس من الصحابة بمكة حتى قدموا بعد مقدم النبى ﷺ المدينة، منهم سعد بن أبى وقّاص - وقيل: بل قدم قبل قدوم النبى ﷺ (١). ولمّا نزل المسلمون على الأنصار فى دورهم آووهم وواسوهم ونصروهم. وكلبت قريش عليهم حين خرجوا، وحزنوا واغتاظوا. وفشا الإسلام بالمدينة. وأقام النبى ﷺ بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، وقال: لست بخارج حتى يأذن/لى ربى، ولم يتخلّف معه بمكة إلا أبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، أو معوّق محبوس، أو ضعيف عن الخروج، أو مريض (٢). وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن النبىّ ﷺ فى الهجرة، فيقول له رسول الله ﷺ : لا تعجل لعلّ الله أن يجعل لك صاحبا. فيطمع

стр. 374

أبو بكر بأن رسول الله ﷺ يعنى نفسه؛ فابتاع راحلتين بثمانمائة درهم من نعم بنى قشير، فحبسهما فى داره يعلفهما إعدادا لذلك (١). ويروى: أن أبا بكر استأذن النبى ﷺ أن يخرج مع من خرج فحبسه وقال: أنظرنى لعلّه أن يؤذن لى. فقال أبو بكر: تطمع أن يؤذن لك يا رسول الله؟ قال: نعم (٢). ويقال: إن أبا بكر تجهز مهاجرا قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : على رسلك؛ فإنى أرجو أن يؤذن لى. فقال أبو بكر لرسول الله ﷺ : هل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق الشجر أربعة أشهر (٣). فلما رأت قريش أن النبى ﷺ قد تربع، وصارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم - بذراريهم وأطفالهم - عرفوا أنهم (٤) قد نزلوا فى أباة فأصابوا منهم منعة (٤)، وأنهم أهل حلقة وبأس؛ فخافوا خروج

стр. 375

رسول الله ﷺ إليهم - وعرفوا أنه قد جمع لحربهم - فاجتمعوا فى دار النّدوة - وهى دار قصىّ بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها - يتشاورون فيما يصنعون فى أمر رسول الله ﷺ ، ولم يتخلّف منهم من أهل الحجى والرأى أحد. فممن اجتمع: من بنى عبد شمس: شيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب. ومن بنى نوفل [بن] (١) عبد مناف: [طعيمة بن عدى، وجبير بن مطعم، والحارث بن عامر بن نوفل] (١). ومن بنى عبد الدار [بن] (١) قصى: النّضر بن الحارث بن كلدة. ومن بنى أسد بن عبد العزّى: أبو البخترىّ بن هشام، وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام. ومن بنى مخزوم: أبو جهل. ومن بنى سهم: نبيه ومنبّه ابنا الحجاج. ومن بنى جمح: أميّة بن خلف. ويروى أن عدة الذين اجتمعوا بدار الندوة خمسة عشر رجلا، وقيل مائة رجل. فلما دخلوا الدّار اعترضهم الشيطان فى صورة رجل شيخ جليل جميل، مشتمل/الصماء، عليه بتّ (٢) له، فوقف على باب الدّار قال: أدخل؟ قالوا: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، سمع بالذى اجتمعتم له، وأراد أن يحضره معكم ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يعدمكم منه رأيا ونصحا. قالوا: أجل فادخل. فدخل معهم، فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما

стр. 376

كان، وإنا والله لا نأمنه على الوثوب علينا بمن قد اتّبعه من غيرنا؛ فأجمعوا رأيا واحدا فيه. فقال بعضهم (١): احبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا، ثم تربّصوا به ما أصاب أشباهه (٢) من الشعراء الذين كانوا قبله - زهيرا والنابغة ومن مضى منهم - من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم. فقال النجدىّ: لا والله ما هذا لكم برأى؛ والله لئن حبستموه - كما تقولون - ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره. فتشاوروا ثم قال قائل (٣) منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله لا نبالى إلى أين ذهب، ولا حيث وقع إذا غاب عنا، وفرغنا منه، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت. قال النجدىّ: لا والله ما هذا لكم برأى؛ ألم تروا إلى حسن حديثه، وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتى به؟! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحلّ على حىّ من العرب، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى

стр. 377

يطأكم بهم، فيأخذ أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد؛ دبّروا فيه رأيا غير هذا. قال أبو جهل بن هشام: والله إنّ لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش فتى شابا نهدا جلدا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما - ويقال: ثم تعطوهم شفارا صارمة - ثم يعمدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه فى القبائل جميعا فلم يقدر (١) بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولم يقووا على حرب قومهم جميعا، فإنما قصاراهم عند ذلك أن يأخذوا العقل، فتدونه. فقال النجدى: لله درّ هذا الفتى، القول ما قاله، هذا هو الرأى وإلا فلا شئ، ولا أرى لكم رأيا غيره. فأجمع رأيهم على ذلك وتفرقوا. فأتى جبريل النبى ﷺ /وأخبره بخبر القوم، وأنزل عليه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾

стр. 378

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (١) وأنزل عليه أيضا ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (٢) وأذن الله له بالهجرة، وأمره جبريل ألاّ يبيت على فراشه الذى كان يبيت عليه، وأمره بالهجرة، وأن يستصحب معه أبا بكر الصديق. قالت عائشة ﵂: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر أحد طرفى النهار، إمّا بكرة وإما عشيّا، حتى كان اليوم الذى أذن الله فيه لرسوله فى الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أتانا رسول الله ﷺ بالهاجرة فى ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال قائل (٣) لأبى بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنّعا، فقال أبو بكر: فدى له أبى وأمى، والله ما جاء رسول الله ﷺ فى هذه الساعة إلا لأمر حدث. فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له، فلما دخل تأخّر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله ﷺ وليس عند أبى بكر إلا أنا وأختى أسماء - فقال رسول الله ﷺ : أخرج عنى من عندك. فقال: يا رسول الله إنما هما ابنتاى - أو إنما هم أهلك - بأبى وأمى أنت، يا رسول الله، وما ذاك فداك أبى

стр. 379

وأمى؟ قال: أشعرت أن الله قد أذن لى فى الخروج والهجرة. فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت يا رسول الله. قال: الصحبة. فبكى أبو بكر - فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ - ثم قال: يا نبى الله إن هاتين راحلتاى. كنت أعددتهما لهذا، فخذ إحداهما. قال رسول الله ﷺ : بالثمن. قال أبو بكر: بالثمن. فأخذ النبى ﷺ إحداهما وهى القصواء - ويقال الجدعاء - وخلّف النبى ﷺ عليّا بمكة يخرج إليه بأهله، وأمره أن يؤدى عنه الودائع التى كانت عنده للناس - وكان رسول الله ﷺ ليس أحد بمكة عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يعلم من صدقه وأمانته - وأمر عليّا أن يقضى عنه/ديونا ويلحق به (١). واستأجر النبىّ ﷺ وأبو بكر عبد الله بن الأريقط - رجلا من بنى الدّيل بن بكر، وكان مشركا - يدلهما على الطريق، فأمناه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فكانت الراحلتان عنده يرعاهما لميعادهما (٢). فلما كان العتمة اجتمع على باب النبىّ ﷺ أبو جهل، والحكم بن أبى العاصى، وعقبة بن أبى معيط، والنّضر بن الحارث،

стр. 380

وأميّة بن خلف، وابن الغيطلة، وزمعة بن الأسود، وطعمة بن عدىّ، وأبو لهب، وعتبة (١) بن خلف، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج؛ فترصدوا النبى ﷺ حتى ينام، فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم دعا علىّ بن أبى طالب وأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجّى ببرد له أخضر - وكان رسول الله ﷺ ينام فى برده ذلك إذا نام - وقال النبى ﷺ لعلىّ: إن قريشا لم يفقدونى ما رأوك، ولا يخلص إليك شئ تكرهه منهم. وفيه نزلت ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ (٢) فكان أوّل من شرى نفسه، وفى ذلك يقول: - وقيت بنفسى خير من وطئ الحصى … ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به … فنجّاه ذو الطّول الإله من المكر (٣)

стр. 381

ولما أن اجتمعت قريش على باب رسول الله ﷺ قال أبو جهل: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا ذلك كان له منكم ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها (١). فخرج رسول الله ﷺ وهم جلوس على الباب - فأخذ حفنة من بطحاء - أو تراب - فى يده ثم قال: نعم أنا أقول ذلك، وأنت أحدهم. وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من «يس» ﴿يس * * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * * عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (٢) حتى فرغ من هؤلاء الآيات، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ومضى النبى ﷺ إلى حيث أراد أن يذهب (٣). فأتى قريشا آت ممّن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا: محمدا. فقال: خبتم وخسرتم؛ قد والله خرج عليكم ما ترك أحدا منكم إلا وقد وضع/على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما

стр. 382

ترون ما بكم؟! فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب فنفض التراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليّا على الفراش متسجيا (١) ببرد رسول الله ﷺ فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائم وعليه برده، فلم يبرحوا كذلك إلى أن أصبحوا، فقام على عن الفراش، فثاروا عليه فلما رأوه عليّا ردّ الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك؟ فقال: لا أدرى - أو قال: لا علم لى به - فعلموا عند ذلك أنه خرج فارا منهم. ويروى: قال لهم على: أمرتموه بالخروج فخرج. فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدّثنا، ولو خرج محمد لخرج علىّ معه. ويروى أنهم ضربوا عليّا وأخرجوه إلى المسجد فحبسوه ساعة، ثم إنهم تركوه (٢). ويروى: أن قريشا كانوا يرمون رسول الله ﷺ بالحجارة، فجعلوا يرمون عليّا بالحجارة كما كانوا يرمون النبى ﷺ ؛ فجعل على يتضوّر (٣)، فيلف رأسه فى الثوب، لا يخرجه حتى أصبح، ثم كشف عن رأسه فقالوا: إنك لئيم؛ كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك (٤).

стр. 383

ويروى: أن السبب المانع لقريش من الولوج على النبىّ ﷺ الدار مع قصر الجدار - وإنما جاءوا للفتك به - أنهم همّوا بالولوج عليه فصاحت المرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها للسبة فى العرب أن (١) يتحدث عنا أنّا نتسور الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمنا. فهذا الذى أقامهم بالباب حتى أصبحوا ينتظرون خروجه (٢). ولما خرج رسول الله ﷺ من بيته صار إلى بيت أبى بكر الصديق، فخرجا جميعا من خوخة (٣) فى ظهر دار أبى بكر، فى ليلة الاثنين مستهل ربيع الأول، ولم يعلم بخروجهما سوى علىّ وآل أبى بكر، (٤) ولم يرافق النبىّ ﷺ أحد من أصحابه غير أبى بكر. ثم عمد النبى ﷺ وأبو بكر (٤) نحو غار ثور بأسفل مكة فى ليلة الخميس غرّة ربيع الأول - ويقال قد بقى من صفر ثلاثة أيام (٥). ويروى: أن أبا بكر جاء وعلىّ نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبىّ الله ﷺ فقال: يا نبى الله. فقال له على: إن نبىّ الله قد انطلق

стр. 384

إلى/نحو بئر ميمون (١) فأدركه: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار (٢). وكان أبو بكر أمر ابنه عبد الله أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر من فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار. ولما توجه النبى ﷺ قبل الغار جعل أبو بكر يمشى مرّة أمام النبى ﷺ ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره، ففطن له رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا أبا بكر. ما أعرف هذا من فعلك؟ قال: يا رسول الله، أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرّة عن يمينك ومرة عن يسارك، لا آمن عليك. فقال: يا أبا بكر لو كان شئ أحببت أن يكون بك دونى؟ قال: نعم، والذى بعثك بالحق ما كانت لتكن من ملمّة إلا أحببت أن تكون بى دونك (٣). وانتهيا إلى الغار ليلا. ولم يصعد النبى ﷺ الغار حتى تقطّرت قدماه دما؛ لأنه لم يتعود الحفية ولا الرعية ولا الشقوة، وعادت قدما أبى بكر كأنهما صفوان (٤).

стр. 385

ويروى: أن رسول الله ﷺ مشى ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآهما أبو بكر أنهما قد حفيتا حمله على كاهله، وجعل يشتد به حتى أتى به فم الغار فأنزله، ثم قال: والذى بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله؛ فإن كان به شئ نزل بى قبلك. فدخل فلم ير شيئا، فحمله فأدخله، وكان فى الغار خرق فيه حيّات وأفاع، فخشى أبو بكر أن يخرج منهن شئ يؤذى رسول الله ﷺ ، فألقمه قدمه، فجعلن يضربنه ويلسعنه: الحيات والأفاعى، وجعلت دموعه تتحادر، ورسول الله ﷺ يقول: يا أبا بكر لا تحزن إنّ الله معنا. فأنزل الله سكينته طمأنينة بأبى بكر (١). ويروى: لما انتهى النبىّ ﷺ للغار قال أبو بكر: يا رسول الله - والله - لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه ثعبان أو حيّة أو شئ أصابنى دونك. قال: ادخل. فدخله فمسحه، وجعل يلتمس بيده، فكلما رأى جحرا شقّ ثوبه ثم ألقمه الجحر، حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، فبقى جحر فوضع عقبه عليه. ويقال: بقى منها اثنان فألقمهما رجليه - ثم قال لرسول الله ﷺ /: ادخل. فدخل رسول الله ﷺ ، ووضع رأسه فى حجره ونام، فلدغ أبو بكر فى رجله من الجحر، ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله ﷺ ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ فانتبه،

стр. 386

فقال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت فداك أبى وأمى، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ثم انتقض عليه فكان سبب موته (١). فلما أصبح قال له النبى ﷺ : أين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بالذى صنع، فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اجعل أبا بكر معى فى درجتى يوم القيامة، فأوحى الله إليه أن قد استجاب (٢). ويروى: لمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار (٣). فدخل واستبرأه، حتى إذا كان فى أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله. فنزل. ويروى: لما انتهيا إلى الغار دخل أبو بكر ثم قال: كما أنت يا رسول الله. فضرب برجله فأطار اليمام - يعنى الحمام الطورى - فطاف فلم ير شيئا. فقال: ادخل يا رسول الله. فدخل فإذا فى الغار جحر، فألقمه أبو بكر عقبه مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ منه شئ (٤).

стр. 387

ويروى: أن النبى ﷺ قال لأبى بكر وهما فى الغار: أنائم أنت؟ قال: لا، وقد رأيت صنيعك وقلقك (١) يا رسول الله فما بالك بأبى أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: جحر رأيته قد انهار، فخشيت أن يخرج منه هامة تؤذيك أو تؤذينى. فقال أبو بكر فأين هو؟ فأخبره، فسدّ الجحر، وألقمه عقبه. فقال رسول الله ﷺ : رحمك الله من صديق؛ صدّقتنى حين كذّبنى الناس، ونصرتنى حين خذلنى الناس، وآمنت بى حين كفر بنى الناس، وآنستنى فى وحشتى؛ فأى منّة لأحد على كمنتك (٢)؟! ولما دخل النبى ﷺ الغار واطمأنا فيه. أمر الله الرّاء (٣) فنبتت على بابه، والعنكبوت فنسجت على بابه عشّا، وحمامتين وحشيتين فعشّشتا على بابه وفرختا فيه. فالحمام الموجود اليوم من نسلهما (٤). ويروى: أن النبى ﷺ لما دخل الغار دعا بشجرة كانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار (٤). وطلبت قريش النبى ﷺ أشدّ الطلب فى كل/مكان؛ طلبوه

стр. 388

بأعلى مكة وأسفلها، وشقّ عليهم خروجه، وخرجوا لذلك، فجعلوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم، وأرسلوا من يطلبه فيما بعد عنهم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم، ونادوا بأعلى مكة وأسفلها: من قتل محمدا وأبا بكر. أو ردّهما أو أحدهما فله مائة من الإبل - ويقال: جعلوا لمن جاء بأحدهما أو قتله ديته - وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور - وهو كرز بن علقمة بن هلال الخزاعى - أثره هناك، فلم يزل يتبعه حتى انتهى إلى الغار، فرأى العنكبوت ناسجة على باب الغار، والحمام مفرخة فيه، فأيقن أن لا أحد فيه، فقال: انقطع الأثر؛ فإما صعد بصاحبكم إلى السماء أو غيض به فى الأرض. فانصرفوا، وقال بعضهم: ادخلوا الغار. فقال أميّة بن خلف: وما أربكم إلى الغار وعليه من نسج العنكبوت ما عليه؟ والله إنى لأرى هذا النسيج أقدم من ميلاد محمد. فنهى النبى ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت وقال: إنها جند من جنود الله. وأشفق أبو بكر واشتد خوفه عند ذلك (١). ولما أن صعدت قريش فوق الجبل، وسمع رسول الله ﷺ وأبو بكر أصواتهم فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والحزن والخوف، فقال له رسول الله ﷺ : لا تحزن إنّ الله معنا. ودعا رسول الله ﷺ فنزلت عليه - أى على أبى بكر - سكينة من الله؛ لأن النبى ﷺ لم تزل السكينة معه (٢).

стр. 389

ويروى: أن فتيانا من قريش - من كل بطن رجل - أقبلوا بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من الغار مقدار أربعين ذراعا تعجّل رجل منهم لينظر فى الغار، فرأى الحمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك لم تنظر فى الغار؟ فقال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعلمت أنه ليس فيه أحد. فسمع النبى ﷺ ما قال، فعلم أن الله قد درأ عنه بهما. فدعا لهما النبى ﷺ وشمت عليهما وفرض جزاءهما، وانحدرن فى الحرم ففرخن، فأصل كل حمامة فى الحرم من فراخهما (١). وبال أميّة بن خلف عند باب الغار، حتى جرى بوله بين يدى النبى ﷺ /وأبى بكر، فأشفق أبو بكر أن يكونوا قد رأوه. فقال له النبى ﷺ : لا تحزن؛ فإنهم لو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول، ولا تشاغلوا بشئ عن أخذنا. فقال الصديق للنبى ﷺ : لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال النبى ﷺ : لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من ها هنا. وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر - ولم يكن فيه شق - وانفتح للحين فيه باب واسع بقدرة الله تعالى، وهو فى صخرة جلمد صماء، مما لا يؤثر فيها المعاول: فأما لها الله إلى اليوم ظاهرة لا يشكّ من رآها أنها لو ردّت لسدّت المكان، ولا يختلف أحد أن ذلك الباب لو كان هنا لك حينئذ لرأته قريش جهارا، وبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله لو أنّ

стр. 390

أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال النبى ﷺ : يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما (١). وأقام رسول الله ﷺ وصاحبه الصديق فى الغار ثلاث ليال - وقيل: بضعة عشر يوما - يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، ويكون معهم فيسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن رسول الله ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر (٢). وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى منحة من غنم أبى بكر فى رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيحتلبان حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس؛ يفعل ذلك فى كل ليلة من الليالى الثلاث. وكان عامر بن فهيرة إذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عند النبى ﷺ وأبى بكر إلى مكة أتبع أثره بالغنم حتى يعفى عليه، فيصبح فى رعيان الناس فلا يفطن له أحد (٣). وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما (٣).
следующие страницы →