← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فقال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت فداك أبى وأمى، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ثم انتقض عليه فكان سبب موته (١). فلما أصبح قال له النبى ﷺ : أين ثوبك يا أبا بكر؟ فأخبره بالذى صنع، فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم اجعل أبا بكر معى فى درجتى يوم القيامة، فأوحى الله إليه أن قد استجاب (٢). ويروى: لمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار (٣). فدخل واستبرأه، حتى إذا كان فى أعلاه ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة، فقال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الجحرة، فدخل فاستبرأ، ثم قال: انزل يا رسول الله. فنزل. ويروى: لما انتهيا إلى الغار دخل أبو بكر ثم قال: كما أنت يا رسول الله. فضرب برجله فأطار اليمام - يعنى الحمام الطورى - فطاف فلم ير شيئا. فقال: ادخل يا رسول الله. فدخل فإذا فى الغار جحر، فألقمه أبو بكر عقبه مخافة أن يخرج على رسول الله ﷺ منه شئ (٤).

стр. 387

ويروى: أن النبى ﷺ قال لأبى بكر وهما فى الغار: أنائم أنت؟ قال: لا، وقد رأيت صنيعك وقلقك (١) يا رسول الله فما بالك بأبى أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: جحر رأيته قد انهار، فخشيت أن يخرج منه هامة تؤذيك أو تؤذينى. فقال أبو بكر فأين هو؟ فأخبره، فسدّ الجحر، وألقمه عقبه. فقال رسول الله ﷺ : رحمك الله من صديق؛ صدّقتنى حين كذّبنى الناس، ونصرتنى حين خذلنى الناس، وآمنت بى حين كفر بنى الناس، وآنستنى فى وحشتى؛ فأى منّة لأحد على كمنتك (٢)؟! ولما دخل النبى ﷺ الغار واطمأنا فيه. أمر الله الرّاء (٣) فنبتت على بابه، والعنكبوت فنسجت على بابه عشّا، وحمامتين وحشيتين فعشّشتا على بابه وفرختا فيه. فالحمام الموجود اليوم من نسلهما (٤). ويروى: أن النبى ﷺ لما دخل الغار دعا بشجرة كانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار (٤). وطلبت قريش النبى ﷺ أشدّ الطلب فى كل/مكان؛ طلبوه

стр. 388

بأعلى مكة وأسفلها، وشقّ عليهم خروجه، وخرجوا لذلك، فجعلوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم، وأرسلوا من يطلبه فيما بعد عنهم، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به ويجعلون لهم الجعل العظيم، ونادوا بأعلى مكة وأسفلها: من قتل محمدا وأبا بكر. أو ردّهما أو أحدهما فله مائة من الإبل - ويقال: جعلوا لمن جاء بأحدهما أو قتله ديته - وبعثوا القافة يتبعون أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور - وهو كرز بن علقمة بن هلال الخزاعى - أثره هناك، فلم يزل يتبعه حتى انتهى إلى الغار، فرأى العنكبوت ناسجة على باب الغار، والحمام مفرخة فيه، فأيقن أن لا أحد فيه، فقال: انقطع الأثر؛ فإما صعد بصاحبكم إلى السماء أو غيض به فى الأرض. فانصرفوا، وقال بعضهم: ادخلوا الغار. فقال أميّة بن خلف: وما أربكم إلى الغار وعليه من نسج العنكبوت ما عليه؟ والله إنى لأرى هذا النسيج أقدم من ميلاد محمد. فنهى النبى ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت وقال: إنها جند من جنود الله. وأشفق أبو بكر واشتد خوفه عند ذلك (١). ولما أن صعدت قريش فوق الجبل، وسمع رسول الله ﷺ وأبو بكر أصواتهم فأشفق أبو بكر، وأقبل عليه الهمّ والحزن والخوف، فقال له رسول الله ﷺ : لا تحزن إنّ الله معنا. ودعا رسول الله ﷺ فنزلت عليه - أى على أبى بكر - سكينة من الله؛ لأن النبى ﷺ لم تزل السكينة معه (٢).

стр. 389

ويروى: أن فتيانا من قريش - من كل بطن رجل - أقبلوا بعصيّهم وهراويهم وسيوفهم حتى إذا كانوا من الغار مقدار أربعين ذراعا تعجّل رجل منهم لينظر فى الغار، فرأى الحمامتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه، فقالوا له: ما لك لم تنظر فى الغار؟ فقال: رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعلمت أنه ليس فيه أحد. فسمع النبى ﷺ ما قال، فعلم أن الله قد درأ عنه بهما. فدعا لهما النبى ﷺ وشمت عليهما وفرض جزاءهما، وانحدرن فى الحرم ففرخن، فأصل كل حمامة فى الحرم من فراخهما (١). وبال أميّة بن خلف عند باب الغار، حتى جرى بوله بين يدى النبى ﷺ /وأبى بكر، فأشفق أبو بكر أن يكونوا قد رأوه. فقال له النبى ﷺ : لا تحزن؛ فإنهم لو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عند البول، ولا تشاغلوا بشئ عن أخذنا. فقال الصديق للنبى ﷺ : لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع؟ فقال النبى ﷺ : لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من ها هنا. وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر - ولم يكن فيه شق - وانفتح للحين فيه باب واسع بقدرة الله تعالى، وهو فى صخرة جلمد صماء، مما لا يؤثر فيها المعاول: فأما لها الله إلى اليوم ظاهرة لا يشكّ من رآها أنها لو ردّت لسدّت المكان، ولا يختلف أحد أن ذلك الباب لو كان هنا لك حينئذ لرأته قريش جهارا، وبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله لو أنّ

стр. 390

أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه. فقال النبى ﷺ : يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما (١). وأقام رسول الله ﷺ وصاحبه الصديق فى الغار ثلاث ليال - وقيل: بضعة عشر يوما - يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر، وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، ويكون معهم فيسمع ما يأتمرون به، وما يقولون فى شأن رسول الله ﷺ وأبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر (٢). وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر يرعى منحة من غنم أبى بكر فى رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيحتلبان حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس؛ يفعل ذلك فى كل ليلة من الليالى الثلاث. وكان عامر بن فهيرة إذا غدا عبد الله بن أبى بكر من عند النبى ﷺ وأبى بكر إلى مكة أتبع أثره بالغنم حتى يعفى عليه، فيصبح فى رعيان الناس فلا يفطن له أحد (٣). وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما (٣).

стр. 391

قالت عائشة: لما خرج رسول الله ﷺ ، وخرج معه أبو بكر احتمل أبو بكر ماله كلّه - خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم - وانطلق بها معه، فدخل علينا جدّى أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: إنى والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت قلت: كلا يا أبتى؛ إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا. فأخذت أحجارا فوضعتها/فى كوّة من البيت كان أبى يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك على هذا المال. فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، فى هذا بلاغ لكم. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكنى أردت أن أسكن الشيخ بذلك (١). وقالت أسماء بنت أبى بكر: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام؛ فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قلت: لا أدرى - والله - أين أبى. فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشا خبيثا - فلطم خدّى لطمة طرح منها قرطى، ثم انصرف (٢). ولما أن كان النبى ﷺ وصاحبه أبو بكر فى الغار عطش أبو بكر عطشا شديدا، فشكا ذلك إلى النبى ﷺ ، فقال له النبى

стр. 392

ﷺ : اذهب إلى صدر الغار فاشرب. قال أبو بكر: فانطلقت إلى صدر الغار فشربت منه ماء أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأزكى رائحة من المسك، ثم عدت إلى النبى ﷺ فقال: شربت؟ قلت: نعم. قال: ألا أبشرك يا أبا بكر؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله أمر [الملك] (١) الموكل بأنهار الجنة: أن اخرق نهرا من جنة الفردوس إلى صدر الغار ليشرب أبو بكر. قال أبو بكر، فقلت: يا رسول الله، ولى عند الله هذه المنزلة؟ فقال النبى ﷺ : نعم وأفضل، والذى بعثنى بالحق نبيّا لا يدخل الجنة مبغضك، ولو كان له عمل سبعين نبيا (٢). ولما كان اليوم الثالث حانت من النبى ﷺ التفاتة إلى أعلى الغار، فنظر فيه كوة، ونظر فيها طيرا جاثما لا يأكل ولا يشرب، فعجب أبو بكر من ذلك وقال: وا عجبا لهذا الطير من أين مأكله ومشربه؟ اختلج هذا فى سرّ أبى بكر، فهبط جبريل على النبى ﷺ ونادى: يا محمد، العلىّ الأعلى يقرئك السلام، ويقول لك قد علمت ما اختلج فى سر أبى بكر، فقل له أن يكلم الطّير؛ فإنى قد أمرت الطير أن يتكلّم. فعندها قال النبى ﷺ : يا أبا بكر ما اختلج فى صدرك من أمر هذا الطير؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله عجبت من هذا الطير؛ لنا ثلاثة أيام فى هذا الغار وهو لا يأكل ولا يشرب ولا

стр. 393

يتحرك. قال النبى ﷺ : هذا جبريل يخبرنى عن ربى أن تكلّم الطير/فإنى أمرته أن يكلمك. فقال أبو بكر: أيها الطير. كلمنى بإذن الله ؛ فإنى عبد مملوك مثلك، فأخبرنى من أين مأكلك ومشربك؟ فبكى الطير حتى تساقطت دموعه على الأرض ثم تبسّم فقال: يا أبا بكر اسألنى عما شئت، ولا تسألنى عن هذا؛ فإنه شئ بينى وبين ربى ، لا أريد أن يطلع عليه سواه. فقال: إن كنت مأمورا بالطاعة فأخبرنى. فقال: يا أبا بكر والذى فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردّى بالعظمة. وسمّى نفسه الله؛ لقد خلقنى الله فى هذه الكوة قبل أن يخلق أباك آدم، وجعل مأكلى فى كلمات أتكلم بها فأشبع، ومشربى فى كلمات أتكلم بهن فأروى. قال: وما هى؟ قال: إذا جعت لعنت باغضك فأشبع، وإذا عطشت ترضيّت عمن يحبك فأروى. فبكى النبى ﷺ وقال: يا أبا بكر، ما يحبك إلا مؤمن تقىّ، وما يبغضك إلا منافق شقىّ. وأصاب يد أبى بكر وهو مع النبى ﷺ وهو فى الغار حجر فقال: - هل أنت إلا إصبع دميت … وفى سبيل الله ما لقيت (١)

стр. 394

ولما مضت ثلاث لرسول الله ﷺ وأبى بكر وهما فى الغار، وسكن عنهما الطلب، وهدأت عنهما الأصوات أتاهما صاحبهما الذى استأجراه ببعيريهما وبعير له، فخرجا من الغار سحر ليلة الاثنين لأربع خلون من ربيع الأول. وفيه نظر لما سبق أنه ﷺ خرج من مكة يوم الاثنين، فيكون على هذا ليلة الخميس لأربع ليال خلون من ربيع الأول؛ وفى ذلك خلاف (١). فلما قرّب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله ﷺ قدّم له أفضلهما ثم قال: اركب فداك أبى وأمى يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : إنى لا أركب بعيرا ليس لى. قال: فهى لك يا رسول بأبى أنت وأمى. قال: لا، ولكن ما الثمن الذى ابتعتها به؟ قال: كذا وكذا. قال: قد أخذتها بذلك. قال: هى لك يا رسول الله. فركبا - والناقة التى أخذها رسول الله ﷺ من أبى بكر هى ناقته التى تسمى الجدعاء وهى غير العضباء (٢).

стр. 395

وكانت أسماء بنت أبى بكر أتتهما بسفرة ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السّفرة فإذا ليس فيها عصام، فقالت لأبيها: لا أجد شيئا أربطه/إلاّ نطاقى. قال: فشقّيه باثنين، فعلقت السفرة بواحدة وانتطقت بالأخرى؛ لذلك قيل لها ذات النّطاقين (١). وانطلق النبى ﷺ وأبو بكر، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة خلفه ليخدمهما فى الطريق، وحمل أبو بكر معه جميع ماله - وهو ستة آلاف درهم - وسار عبد الله بن أريقط أمامهما على راحلته يهديهما الطريق، فجاز بهما أسفل مكة، ومضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان (٢)، ثم سلك بهما على أسفل أمج (٣)، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا (٤). قال أبو بكر: دلجنا من مكة ليلا فأحيينا (٥)

стр. 396

ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة وصلى (١) الطريق فلم يمرّ أحد، فضربت ببصرى هل نرى ظلا نأوى إليه، فإذا بصخرة فانتهيت إليها فإذا بقيّة ظل لها فنزلنا تحتها، فسويت للنبى ﷺ مكانا، وفرشت له فروة كانت معى، وقلت اضطجع يا رسول الله حتى أنفض لك ما حولك، فاضطجع، ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب، فإذا أنا براعى غنم معه سائمة يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذى أريد - يعنى الظل - فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش فسمّاه فعرفته، فقلت: هل فى غنمك من لبن؟ قال: نعم. فقلت: هل أنت حالب لى؟ قال: نعم. فأمرته فاعتقل شاة منها، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، وأمرته بنفض كفيه من الغبار، وقال هكذا فضرب إحدى يديه على الأخرى، ومعى إداوة على فمها خرقة، فحلب لى كثبة (٢) من اللبن، ومعى ماء للنبى ﷺ فى إداوة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، وكنت أكره أن أوقظ النبىّ ﷺ من نومه، فوافقته حين استيقظ فناولته الإداوة فقلت: اشرب يا رسول الله. فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن للرحيل يا أبا بكر؟ قلت: بلى يا رسول الله. فارتحلنا (٣) - ويقال إن أبا بكر هو القائل: هل آن الرحيل؟ فارتحلنا.

стр. 397

ومرّ النبى ﷺ وأبو بكر بعبد الله بن مسعود وهو يرعى غنما لعقبة بن أبى معيط، فقال النبى ﷺ : هل عندك لبن تسقينا؟ فقال: إنى مؤتمن؛ فلست بساقيكما. فقال: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قال: نعم. فأتاهما بها، /فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فمسحه ودعا بالبركة، فجعل الضرع يدر، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة - ويقال بقعب - فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقيا ابن مسعود، ثم قال للضرع: اقلص. فقلص (١). ومرّ النبى ﷺ وأبو بكر أيضا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن، فقال: والله ما عندى شاة تحلب، غير أن ها هنا عناقا حملت أوّل الشتاء. وقد أخدجت (٢)، وما بقى لها لبن. فقال النبى ﷺ : ائتنا بها. فاعتقلها النبى ﷺ ومسح ضرعها، ودعا الله. وجاء أبو بكر. بمجنّ فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب

стр. 398

فسقى الراعى، ثم حلب فشرب. فقال العبد: بالله من أنت، فو الله ما رأيت مثلك قط؟ قال: أو تراك تكتم علىّ حتى أخبرك؟ قال: نعم. قال: فإنى محمد رسول الله. قال: أنت الذى تزعم قريش أنه صابئ؟ قال: نعم: إنهم ليقولون ذلك. قال: فأشهد أنك نبى، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متّبعك. قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك؛ فإذا بلغك أنى قد ظهرت فأتنا. ومرّ رسول الله ﷺ فى طريقه بأم معبد عاتكة ابنة خالد - وهى بقديد - وكانت امرأة جلدة برزة تحتبى وتقعد بفناء الخيمة، وتطعم وتسقى، فسألوها: هل معها لحم أو لبن أو تمر يشترونه منها؟ فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون (١)، فقالت: والله لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة فى كسر (٢) الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ قالت: هذه شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: فهل بها من لبن؟ قالت: بأبى وأمى أنت إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح بيده ضرعها، وذكر اسم الله وقال: اللهم بارك لها فى شاتها. فتفاجّت (٣) عليه ودرّت واجترت، فدعا بإناء لها يربض (٤) الرهط

стр. 399

فحلب فيه ثجّا (١) حتى علاه الثمال (٢)، فسقاها فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا ثم شربوا عللا بعد نهل (٣) حتى أراضوا، ثم شرب آخرهم وقال: ساقى القوم آخرهم شربا، ثم حلب فيه ثانيا - عودا على بدء - حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، واستمرت تلك البركة/فيها، ثم بايعها وارتحل عنها. فقلّ ما لبث أن جاء زوجها أبو معبد أكثم بن الجون (٤) يسوق أعنزا حيالا عجافا، يتساوكن (٥) هزلا ما تساوقوا (٦)، مخّهن قليل لا نقى (٧) بهن. فلما رأى أبو معبد اللبن بالإناء - وما بالشاة من لبن - عجب وقال: من أين لكم هذا اللبن يا أم معبد، والشاة عازبة (٨) حيال، ولا حلوب فى البيت؟ فقالت: لا والله إلاّ أنه مرّ بنا رجل مبارك، من حاله كذا وكذا. قال: والله إنى لأراه صاحب قريش الذى يطلب، صفيه لى يا أم معبد. فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح

стр. 400

الوجه، لم تعبه ثجلة (١) ولم تزر به صعلة (٢)، وسيم قسيم فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف (٣) وفى صوته صحل (٤)، أحور أكحل، أزجّ (٥) أقرن (٦)، شديد سواد الشعر، فى عنقه سطع (٧)، وفى لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدّرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه (٨) من طول، ولا تقتحمه (٩) عين من قصر، غصن بين غصنين؛ فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود (١٠) محشود (١١)، لا عابس ولا مفند (١٢). فقال: هذا هو والله صاحب

стр. 401

قريش الذى يطلب، ولو صادفته لألتمسنّ أن أصحبه، ولأجهدنّ إن وجدت لذلك سبيلا (١). ويروى، قالت أم معبد: طلع علينا أربعة على راحلتين؟؟؟ فنزلوا بى، فجئت رسول الله ﷺ بشاة أريد أن أذبحها، فإذا هى ذات درّ، فأدنيتها منه فلمس ضرعها فقال: لا تذبحيها؟؟؟ أرسلتها وجئت بأخرى فذبحتها، فطبختها لهم، فتغدّى رسول الله ﷺ وأصحابه، وملأت سفرتهم منها ما وسعت سفرتهم، وبقى عندنا لحمها أو أكثره، وبقيت الشاة التى لمس رسول الله ﷺ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرّمادة زمان عمر بن الخطاب، وهى سنة ثمانى عشرة من الهجرة. وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا. وما فى الأرض لا قليل ولا كثير (٢). ومرّت قريش بأم معبد، وسألوها عن رسول الله ﷺ ووصفوه، فقالت: ما أدرى ما تقولون، غير أنه ضافنى حالب الحائل. فقالوا: ذاك الذى/نطلب. وكان أهل أم معبد يؤرّخون بيوم نزل الرجل المبارك (٣)

стр. 402

ولما ارتحل رسول الله ﷺ عن أم معبد تعرّض له سراقة بن مالك بن جعشم المدلجىّ. وكان لمّا خرج رسول الله ﷺ مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش مائة ناقة لمن ردّه عليهم. قال سراقة: فبينما أنا جالس فى نادى قومى أقبل رجل منّا حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مرّوا علىّ آنفا، إنى لأراهم محمدا وأصحابه. فأومأت إليه. يعنى أن اسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان يبتغون ضالّة لهم. قال: لعلّه. ثم سكت، فمكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتى، ثم أمرت بفرسى فقيّد لى إلى بطن الوادى، وأمرت بسلاحى من دبر حجرتى، ثم أخذت قداحى التى أستقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتى، ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها فخرج السّهم الذى أكره؛ «لا يضره (١)». وكنت أرجو أن أردّه على قريش فآخذ المائة الناقة، فركبت على أثره، فبينا فرسى يشتد بى إذ عثر بى فسقطت عنه، قلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» فأبيت إلا أن أتبعه فركبت فى أثره، فبينا فرسى يشتد عثر بى فسقطت عنه، فقلت: ما هذا؟ ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذى أكره «لا يضره» فأبيت إلا أن أتبعه فركبت فى أثره، فلما بدا لى القوم فرأيتهم عثر بى فرسى فذهبت يداه فى الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار؛ فعرفت حين رأيت ذلك أنه

стр. 403

قد منع منى وأنه ظاهر، فناديت القوم: أنا سراقة بن جعشم، أنظرونى أكلمكم، فو الله لا آذيتكم ولا يأتيكم منى شئ تكرهونه. فقال رسول الله ﷺ لأبى بكر: قل له: وما تبتغى منا؟ فقال لى ذلك أبو بكر. قلت: تكتب لى كتابا يكون آية بينى وبينك. قال: أكتب له يا أبا بكر. فكتب لى كتابا فى عظم - أو فى خرقة - ثم ألقاه إلىّ فأخذته فجعلته فى كنانتى، ثم رجعت فسكتّ فلم أذكر شيئا مما كان (¬*). ويروى قال سراقة: جاءنا رسل كفّار قريش يجعلون فى رسول الله ﷺ وفى أبى بكر دية كلّ واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينا، أنا جالس فى مجلس من مجالس قومى/بنى مدلج إذ أقبل رجل منهم (١) حتى وقف علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إنى قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه. قال سراقة فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقا بأعيننا، ثم قلّ ما لبست فى المجلس ساعة حتى قمت فدخلت بيتى، فأمرت جاريتى أن تخرج بفرسى فتهبطها من وراء أكمة فتحبسها علىّ، وأخذت رمحى: وخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجّه الأرض، وخفضت أعاليه، حتى أتيت فرسى فركبتها

стр. 404

فرفعتها تقرّب بى، حتى إذا دنوت منهم عثرت بى فرسى فخررت عنها، فقمت فأهويت بيدى إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أو لا أضرهم؟ فخرج الذى أكره «لا أضرهم» فركبت فرسى - وعصيت الأزلام - فرفعتها تقرّب بى حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات - ساخت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع فى السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذى أكره أن «لا أضرهم» فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسى حتى جئتهم، ووقع فى نفسى - حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم - أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ ، فقلت له: إنّ قومك قد جعلوا فيكما الدّية، وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم، وعرضتّ عليهم الزاد والمتاع. فلم يرزآنى شيئا، ولم يسألانى إلاّ أن قالا: أخف عنا. فسألته أن يكتب لى كتاب موادعة أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب فى رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله ﷺ (١). ويروى: أنه لما أدرك سراقة بن مالك بن جعشم النبى ﷺ قال أبو بكر: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا. فقال: لا تحزن

стр. 405

إنّ الله معنا. حتى إذا دنا فكان بينه وبينهم قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة قال أبو بكر: يا رسول الله هذا الطّلب قد لحقنا. وبكى أبو بكر، فقال النبى ﷺ : لم تبكى؟ قال: أما والله ما على نفسى أبكى، ولكن أبكى عليك. فدعا/رسول الله ﷺ فقال: اللهم اكفناه بما شئت. فساخت قوائم فرسه إلى بطنها فى أرض صلد، ووثب عنها وقال: يا محمد قد علمت أنّ هذا عملك، فادع الله أن ينجينى مما أنا فيه؛ فو الله لأعمين على من ورائى من الطّلب، وهذه كنانتى فخذ منها سهما؛ فإنك ستمر على إبلى وغنمى وغلمانى فى موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول الله ﷺ : لا حاجة لى فيها، ودعا له (١). فلما أراد أن يعود عنه قال: كيف بك يا سراقة إن سوّرت بسوارىّ كسرى؟ قال: كسرى بن هرمز؟ قال النبى ﷺ : نعم. وسأله سراقة أن يكتب له النبىّ ﷺ كتابا، فكتب له أبو بكر - ويقال بل كتبه له عامر بن فهيرة - فى أدم. ورجع يقول للناس: قد كفيتم ما ها هنا، ويردّ عنهم الطلب (٢). ويروى: لما تبعهم سراقة بن مالك قال أبو بكر: يا رسول الله أتينا. فقال رسول الله ﷺ : لا تحزن إنّ الله معنا. فدعا عليه

стр. 406

رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها، فقال: إنى قد علمت أنكما دعوتما علىّ، فادعوا الله لى، فالله لكما أن أردّ عنكما الطلب، فدعا الله فنجّى، فرجع لا يلقى أحدا إلا قال: قد كفيتم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا ردّه ووفىّ لهم (١). ولما سمع أبو جهل شأن سراقة وما يذكر من أمر رسول الله ﷺ وما رأى من أمر الفرس حين أصابه ما أصابه، وتخوّف أبو جهل سراقة أن يسلم حين رأى ما رأى فقال: بنى مدلج إنى أخاف سفيهكم … سراقة مستغو لنصر محمد عليكم به ألاّ يفرّق جمعكم … فيصبح شتّى بعد عزّ وسؤدد (٢) يظن سفيه الحىّ أن جاء سهمه … على واضح من سنّة الحقّ مهتد فأنّى يكون الحق ما قال إن غدا … ولم يأت بالحق المبين المسدد ولو أنه لم يأت يثرب هاربا … لأسحاه (٣) وقع المشرفى المهند ولكنه ولىّ غريبا بسخطة … إلى يثرب متأفّنا (٤) بعد مولد فقال سراقة يجيب أبا جهل/: - أبا حكم والله لو كنت شاهدا … لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأنّ محمدا … رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

стр. 407

عليك بكفّ القوم عنه فإننى … أرى أمره يوما ستبدوا معالمه بأمر تودّ النفس فيه بأنها … لو انّ جميع الناس طرّا تسالمه (١) ويروى أن أبا بكر الصديق قال فى دخوله الغار مع رسول الله ﷺ ، ومسيره معه حين سار، وفى طلب سراقة بن مالك بن جعشم إيّاهم: - قال النبىّ - ولم يجزع - يوقّرنى … ونحن فى سدفة من ظلمة الغار لا تخش شيئا فإنّ الله ثالثنا … وقد توكّل لى منه بإظهار وإنما كيد من تخشى بوادره … كيد الشياطين كادته لكفّار والله مهلكهم طرا بما كسبوا … وجاعل المنتهى منهم إلى النار وأنت مرتحل عنهم وتاركهم … إما (٢) غدّوا وإما مدلج سارى (٢) وهاجر أرضهم حتى يكون لنا … قوم عليهم ذوو عزّ وأنصار حتى إذا الليل وارتنا جوانبه … وسدّ من دون من نخشى بأستار سار الأريقط يهدينا وأينقه … ينعبن بالقرم نصبا تحت أكوار يعسفن عرض الثنايا بعد أطولها … وكلّ سهب رقاق الترب موّار حتى إذا قلت قد أنجدن عارضها … من مدلج فارس فى منصب وار

стр. 408

يردى به مشرف الأقطار معتزم … كالسيّد ذى اللّبدة المستأسد الضارى فقال كرّوا فقلنا إنّ كرّتنا … من دونها لك نصر الخالق البارى أن يخسف الأرض بالأحوى وفارسه … فانظر إلى أربع فى الأرض غوّار فهيل لمّا رأى أرساغ مقربه … قد سخن فى الأرض لم تحفر بمحفار فقال هل لكم أن تطلقوا فرسى … وتأخذوا موثقى فى نصح أسرار وأصرف الحىّ عنكم إن لقيتهم … وأن أعوّر منهم عين عوّار فادع الذى هو عنكم كيف عوقنا (١) … يطلق جوادى وأنتم خير أبرار فقال قولا رسول الله مبتهلا … يا ربّ إن كان منه غير إخفار فنجّه سالما من شرّ دعوتنا … ومهره مطلقا من كلم (٢) آثار/ فأظهر الله إذ يدعو حوافره … وفاز فارسه من هول أخطار ولقى النبى ﷺ الزّبير فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام إلى مكة، فكسا الزبير رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابا بيضا (٣). ولقى النبىّ ﷺ أيضا - أوس بن حجر الأسلمى، فحمله

стр. 409

على جمل، وبعث معه غلاما له يقال له مسعود بن هنيدة ليردّه إليه من المدينة (١). ولقى النبىّ ﷺ طلحة بن عبيد وقد قدم من الشام وخرج من المدينة عامدا إلى مكة لمّا ذكر له رسول الله ﷺ وأبو بكر. فخروجه إما متلقّيا لهما، وإما عامدا [عمرة] (٢) بمكة، ومعه ثياب من ثياب الشام اشتراها لأبى بكر، فلما لقيه أعطاه الثياب، فلبس رسول ﷺ منها وأبو بكر. وتلقى النبى ﷺ بريدة بن الحصيب فى سبعين راكبا من أهل بيته من بنى سهم (٣) فقال نبىّ الله: من أنت؟ قال: أنا بريدة. فالتفت إلى أبى بكر الصديق فقال: يا أبا بكر برد أمرنا وصلح. ثم قال: وممن أنت؟ قال: من أسلم. قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: سلمنا. قال: ممن؟ قال: من بنى سهم. قال: خرج سهمك [يا أبا بكر] (٤) فقال بريدة للنبى ﷺ : من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبد الله رسول الله. فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا

стр. 410

الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا - وكانوا نحو ثمانين بيتا - فصلى رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، فصلّوا خلفه، فلما أصبح قال بريدة للنبى ﷺ : لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء. فحل [بريدة] (١) عمامته ثم شدّها فى رمح ثم مشى بين يديه، فقال: يا نبى الله تنزل علىّ (٢). قال النبى ﷺ : إنّ ناقتى هذه مأمورة. ولما أن مضت ثلاث ليال - وأعمى الله على قريش خبر النبى ﷺ وصاحبه فلم يدروا أين توجّها - أصبح صوت بمكة عاليا بين السماء والأرض، يسمعونه ولا يدرون من يقوله، أقبل من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته ولا يرونه، حتى خرج بأعلا مكة وهو يقول/: - جزى الله ربّ الناس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتى أم معبد هما نزلا بالبرّ وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد فيالقصىّ ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجازى وسؤدد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلّبت … له بصريح ضرّة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب … تدرّ لها فى مصدر (٣) ثم مورد

стр. 411

فلما سمعوا قوله عرفوا حيث توجّه (١) رسول الله ﷺ ، وأن (٢) وجهتهم إلى المدينة، فأجدّ المسلمون على خيمتى أم معبد حتى لحقوا برسول لله ﷺ (٢). وأجاب حسان بن ثابت فقال: - لقد خاب قوم زال عنهم نبيّهم … وقدّس من يسرى إليهم ويغتدى ترحّل عن قوم فزالت عقولهم … وحلّ على قوم بنور مجدّد هداهم به بعد الضلالة ربّهم … وأرشدهم، من يتبع الحقّ يرشد وهل يستوى ضلاّل قوم تسفّهوا … عمى وهداة يقتدون بمهتد لقد نزلت منه على أهل يثرب … ركاب هدى حلّت عليهم بأسعد نبىّ يرى ما لا يرى الناس حوله … ويتلوا كتاب الله فى كلّ مشهد وإن قال فى يوم مقالة غائب … فتصديقها فى ضحوة اليوم أوغد ليهن أبا بكر سعادة جدّه … بصحبته، من يسعد الله يسعد ويهن بنى كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمسلمين بمرصد (٣) ولما بلغ جندب (٤) بن ضمرة الجندعى أن النبى ﷺ هاجر قال: لا عذر لى فى مقامى بمكة - وكان ضعيفا - فأمر أهله فأخرجوه إلى التنعيم فمات؛ فأنزل الله فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ﴾

стр. 412

﴿مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) الآية. فلما رأى ذلك من كان بمكة ممّن يطيق الخروج خرجوا، فبدر فى طلبهم أبو سفيان فى جماعة من المشركين فردّوهم وسجنوهم، فافتتن منه أناس. وأقام علىّ بعد النبى ﷺ بمكة ثلاث ليال، أدّى بها الودائع التى كانت/عند النبى ﷺ ، وقضى ديونه، ثم لحق بالنبى ﷺ ، وكان يمشى الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فأدرك النبى ﷺ بقباء (٢). ولما وصل النبىّ ﷺ إلى المدينة بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكّة ليقدما عليه ببناته؛ فاطمة، وأم كلثوم، وزينب، وزوجته سودة بنت زمعة وابنها، ومولاه أسامة بن زيد، وأمّه حاضنة النبى ﷺ أمّ أيمن بركة، وبعث معهما ببعيرين وخمسمائة درهم - أخذها من أبى بكر - يشتريان بها ما يحتاجان إليه. وبعث أبو بكر معهما عبد الله ابن الأريقط الدّيلى ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى عبد الله بن أبى بكر أن يحمل أهله، أمّ رومان، وعائشة، وأسماء. فاشترى زيد بالخمسمائة ثلاثة أبعرة بقديد، وقدم مكة فإذا طلحة بن عبيد الله يريد الهجرة، فقدما المدينة على رسول الله ﷺ بابنتيه فاطمة وأم كلثوم، وزوجته سودة، وأسامة بن زيد وأمّه أم أيمن - وحبس أبو العاص بن

стр. 413

الربيع امرأته زينب ابنة النبى ﷺ وخرج معهم عبد الله بن أبى بكر (١) بعيال أبيه - فيهم عائشة - فقدموا المدينة. ويروى: أن عبد الله بن أريقط لمّا رجع إلى مكة أخبر عبد الله بن أبى بكر (١) بمكان أبيه أبى بكر، فخرج عبد الله بعيال أبيه إليه، وصحبتهم طلخة بن عبيد الله، ومعهم أم رومان أم عائشة، وعبد الرحمن، حتى قدموا المدينة (٢). ولما خرج النبىّ ﷺ إلى المدينة همّ بالخروج على أثره صهيب ابن سنان، فصدّه فتيان من قريش، (٣) فجعل ليله يقوم لا يقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه - ولم يكن شاكيا - فناموا فخرج، فلحقه منهم (٣) ناس بعد ما سار بريدا ليردّوه. فقال لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقى من ذهب وتخلون سبيلى وتوفون (٤) لى؟ ففعلوا: فبعثهم إلى مكة فقال: احفروا تحت أسكفّة الباب فإن تحتها الأواقى، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلّتين. وخرج حتى قدم على رسول الله ﷺ قباء قبل أن يتحوّل منها، فلما رآنى قال: يا أبا يحيى ربح البيع - ثلاثا - فقلت: يا رسول الله ما سبقنى إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل ﵇.

стр. 414

ولما قدم النبىّ ﷺ المدينة أمر بالتاريخ فكتب من حين الهجرة، ويعرف بعام الأذن (١). والمشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من أرّخ، وجعل ذلك من المحرّم، وقيل: / (٢) يعلى بن أميّة إذ كان باليمن، ويروى: بل أرخ وفاته ﷺ (٢). والصحيح أنه من فعل عمر جعله فى سنة سبع عشرة - أو التى قبلها، أو التى بعدها - لمّا التبس عليه الأمر. ففى بعض التواريخ: واستشار الصحابة فى ذلك فأجمعوا على سنة الهجرة وبدءوها بالمحرم (٣). وفيها قدم مكة وفد همدان من اليمن مسلمين، وجاءوا لينطلقوا بالنبى ﷺ إلى اليمن، فوجدوا الأنصار قد خرجت به إلى المدينة، فنزلت همدان مكّة. وفيها مات من المشركين العاص بن وائل السهمى، والوليد بن المغيرة، ولما حضر الوليد بن المغيرة الموت جزع، فقال له أبو جهل:

стр. 415

يا عم ما يجزعك؟ قال: والله ما بى جزع الموت، ولكنى أخاف أن يظهر (١) ابن أبى كبشة بمكة. فقال أبو جهل: يا عم لا تخف أنا ضامن ألا يظهر. *** «السنة الثانية من الهجرة النبوية» فيها فى رجب قدم المجدّع (٢) فى الله أمير المؤمنين عبد الله بن جحش، وهو أوّل من لقّب أمير المؤمنين فى اثنى عشر مهاجرا - ويقال ثمانية - كل اثنين يعتقبان بعيرا من المدينة إلى نخلة - على ليلة من مكة - ترصد عيرا لقريش، فمرت بهم عير لهم من الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمىّ، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومى، وأخوه نوفل، والحكم بن كيسان المخزومى، فهابهم أهل العير وأنكروا أمرهم، فحلق عكّاشة بن محصن الأسدى رأسه، ثم وافى ليطمئن القوم، فقال المشركون: لا بأس؛ قوم عمّار، فأمنوا وقيّدوا ركابهم وسرّحوها. فاشتور المسلمون فى أمرهم، وكان آخر يوم من رجب - ويقال أول يوم من شعبان - فقال قائل منهم: هذه غرّة من عدو وغنم رزقتموه، ولا ندرى من الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلاّ من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه

стр. 416

لطمع أشفيتم عليه. فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا وقاتلوهم، فرمى واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين (١) التميمى اليربوعى عمرو بن الحضرمى بسهم فقتله، وشد القوم عليهم فأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، وأعجزهم نوفل ابن عبد الله بن المغيرة، واستاقوا العير - وكانت تحمل خمرا وأدما وزبيبا - حتى قدموا بها على النبى ﷺ ؛ فهى أوّل غنيمة كانت فى الإسلام. /ويقال بل عزل أمير الجيش الخمس وقسّم الباقى، فكان أول خمس خمّس، وأوّل غنيمة، وأوّل قتيل، وأوّل أسير كان فى الإسلام. فأوقف النبىّ ﷺ العير فلم يأخذ منها شيئا، وحبس الأسيرين، وقال لأصحابه: ما أمرتكم بالقتال فى الشهر الحرام. فسقط فى أيديهم، وعنّفهم المسلمون، وظنوا أن قد هلكوا. وقالت قريش قد استحلّ محمد سفك الدم، وأحل القتال فى الشهر الحرام فأنزل الله تعالى ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ (٢) وبعثت قريش إلى النبى ﷺ فى فداء أصحابهم، فقال: لن نفديهما حتى يعدم صاحبانا؛ يعنى سعد بن أبى وقّاص، وعتبة بن غزوان، وكانا زميلين فضلّ بعيرهما وأقاما يومين يبغيانه، فلم يشهدا نخلة، ثم قدما المدينة (٣) ففادى رسول الله ﷺ حينئذ الأسيرين (٣) [ووقّف] (٤) الغنيمة حتى يرجع من

стр. 417

بدر، فقسّمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كلّ قوم حقّهم. ويقال ودى النبىّ ﷺ عمرو بن الحضرمىّ، والصحيح أنه لم يده (١). *** وفيها تحيّن رسول الله ﷺ انصراف العير التى خرج من أجلها إلى العشيرة، وإقبالها من الشام، فبعث طلحة وسعيد بن زيد يتحسّسان (٢) خبرها، وندب أصحابه وقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرا فليركب معنا. فجعل رجال يستأذنونه فى ظهر لهم فى علو المدينة، فقال: لا، إلا من كان ظهره حاضرا. ويقال: إن النبىّ ﷺ أخبر أصحابه ما مع أبى سفيان من المال مع قلّة عدده، فخرج أقوام منهم لطلب الغنيمة، وقعد أخرون لم يظنّوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا. وخرج رسول الله ﷺ يوم السبت لاثنتى عشرة ليلة خلت من رمضان - وقيل: لثلاث خلون من رمضان - وخرجت معه الأنصار، ولم يكن غزا بأحد منهم قبلها، وقدّم عينا له على المشركين بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزّغباء. ولما بلغ أبا سفيان خروج رسول الله ﷺ ليأخذ ما معه استأجر ضمضم بن عمرو الغفارىّ فبعثه إلى مكة يستنفر قريشا لأجل أموالهم، فخرج ضمضم سريعا.

стр. 418

وكانت عاتكة/بنت عبد المطلب قد رأت - قبل قدوم ضمضم مكّة بثلاث ليال - رؤيا أفزعتها، فأخبرت بها أخاها العباس ابن عبد المطلب، وأمرته أن يكتم ذلك؛ قالت: رأيت راكبا على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: أن انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم فى ثلاث. فاجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هو حوله مثل (١) به بعيره على ظهر الكعبة يصرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم. ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت فما بقى بيت من بيوت مكّة ولا دار من دورها إلا دخلت فيها فلقة. فقال لها العباس: اكتميها. ثم لقى الوليد بن عتبة - وكان صديقا له - فذكرها له واستكتمه، ثم لقى الوليد أباه (٢) عتبة فذكرها له، ففشا الحديث حتى تحدّثت به قريش. قال العباس: فلقينى أبو جهل فقال: يا أبا الفضل متى حدثت فيكم هذه النبيّة؟ قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التى رأتها عاتكة، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى يتنبأ نساؤكم؟! وقد

стр. 419

زعمت عاتكة أنه قال: انفروا فى ثلاث، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يكن ما قالت حقّا فسيكون، وإن تمض هذه الثلاث ولم يكن من ذلك شئ فنكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب. قال العباس: فجحدت ذلك وأنكرت بأن تكون رأت شيئا، ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب حتى أتتنى فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لما سمعت؟! فقلت: قد والله فعلت ذلك، وأيّم الله لأتعرضن له فإن عاد كفيتكموه. قال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة - وأنا مغضب أرى أن قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه منه - فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إنى لأمشى نحوه أتعرّض له ليعود لبعض ما قال فأقع به إذ خرج نحو باب المسجد يشتدّ، فقلت فى نفسى: ما له لعنه الله، أكل هذا فرقا من أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفارى وهو يصرخ ببطن الوادى، وهو واقف على بعيره وقد جدّع أذنيه، وشقّ قميصه، وحول رحله وهو يقول: يا معشر قريش، يا آل لؤى بن غالب، اللّطيمة (١) اللّطيمة، أموالكم مع/أبى سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، والله ما أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر (٢).

стр. 420

فتجهّز الناس سريعا فى ثلاثة أيام - ويقال: فى يومين - ونفروا على الصعب والذلول، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن يكون كعير ابن الحضرمىّ؟! كلا والله ليعلمن غير ذلك. وأعان قويّهم ضعيفهم، وقام سهيل بن عمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدى، وحنظلة بن أبى سفيان، وعمرو بن أبى سفيان يحضّون الناس على الخروج، ومشى نوفل بن معاوية الدّيلى إلى أهل القوّة من قريش فكلّمهم فى بذل النفقة والحملان لمن خرج، فقال عبد الله بن ربيعة: هذه خمسمائة دينار، فضعها حيث رأيت. وأخذ من حويطب بن عبد العزّى مائتى دينار - أو ثلاثمائة دينار - قوّى بها السلاح والظهر، وحمل طعيمة بن عدى على عشرين بعيرا، وقوّاهم وخلفهم فى أهلهم بمعونة، وكان لا يتخلّف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثا. ومشوا إلى أبى لهب فأبى أن يخرج أو يبعث أحدا - ويقال: إنه بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان له عليه دين فقال: أخرج ودينى لك. فخرج عنه (١). وكان أمية بن خلف شيخا كبيرا فأجمع القعود لذلك، ولما قاله سعد بن معاذ لما نزل عليه بمكّة معتمرا، وخاصمه أبو جهل عند الطواف، وصار أميّة يقول له (٢): لا ترفع صوتك عليه (٣) فإنه

стр. 421

سيّد أهل الوادى - وكررّ ذلك [فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة فو الله لقد سمعت] (١)، محمدا قال لى: إنه قاتلك (١). قال: إيّاى؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد. وأخبر أمرأته بذلك، فلما كان الصريخ إلى بدر قالت له امرأته: أما تذكر ما قال لك أخوك اليثربىّ سعد بن معاذ؟ فأتاه عقبة بن أبى معيط وأبو جهل فعنّفاه، وقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادى: فسر معنا يوما أو يومين. وحمل عقبة مجمرة فيها نار [وبخور] (٢) فوضعها بين يديه، ثم قال: استجمر فإنما أنت من النساء. فقال له: قبّحك الله وقبّح ما جئت به. ثم تجهّز وقال لهما: ابتاعا لى أفضل بعير فى الوادى. فابتاغوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بنى قشير؛ فغنمه المسلمون وقتل هو كما سيأتى. وأبى عقبة بن أبى معيط أن يخرج؛ فإنه لما هاجر النبىّ ﷺ إلى المدينة قال وهو بمكة: - يا راكب الناقة القصوى مهاجرة … عما قليل ترانى راكب الفرس/ أعلّ رمحى فيكم ثم أنهله … والسيف يأخذ منكم كلّ ملتبس فلما بلغ النبىّ ﷺ قوله قال: اللهم كبّه لنحره واصرعه.

стр. 422

فقال له أصحابه: اخرج معنا. فقال: قد وعدنى هذا الرجل إن أخذنى خارجا من جبال مكة يضرب عنقى صبرا. فقالوا: لك جمل أحمر لا يذرى، فإن كانت الهزيمة طرت. فخرج معهم وقتل كما سيأتى. وأخذ عدّاس يخذّل شيبة وعتبة ابنى ربيعة والعاص بن منبّه ابن الحجّاج عن الخروج، وما كان أحد من قريش أكره للخروج من الحارث بن عامر، وكان من أبطالهم هو وأميّة بن خلف وابنه علىّ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وحكيم بن حزام، وأبو البخترىّ، والعاص ابن منبّه حتى بكّتهم أبو جهل بالجبن، وأعانه عقبة بن أبى معيط والنّضر بن الحارث بن كلدة، فأجمعوا المسير. وكان استقسم أميّة بن خلف وعتبة وشيبة وزمعة بن الأسود وعمير بن وهب وحكيم بن حزام عند هبل بالآمر والناهى من الأزلام، فخرج القدح النّاهى عن الخروج (١). ورأى ضمضم بن عمرو أنّ وادى مكّة يسيل دما ما بين أسفله وأعلاه (٢). ولما أجمعوا المسير ذكروا ما بينهم وبين (٣) كنانة قالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا فتبدّى لهم إبليس فى صورة خالد بن

стр. 423

جعشم (١) - وكان من أشراف كنانة - فقال: أنا جار لكم من كنانة. فخرجوا سراعا فى تجمّل عظيم، وحنق زائد على النبى ﷺ وأصحابه؛ لما يرون من أخذ عيرهم، وما أصابوا (٢) من قتل عمرو ابن الحضرمىّ، وأخذ العير التى كانت معه، ومعهم القيان والدفوف يغنّين فى كل منهل، وهم ينحرون الجزر ويطعمون الطعام من أتاهم، وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا، وقادوا مائة (٣) فرس عليها مائة درع سوى دروع فى المشاة، وكانت إبلهم سبعمائة بعير، وهم كما قال الله تعالى ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ﴾ (٤) ولما نزلوا مرّ الظهران (٥) رجعت بنو عدىّ منه، ونحر أبو جهل جزرا فكانت جزور منها بها حياة فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها (٦).

стр. 424

ولما نزلوا الجحفة رأى جهيم [بن الصلت] (١) بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى رأيت فيما يرى النائم، أو إنى لبين النائم واليقظان إذ رأيت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن/ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، وأميّة بن خلف، وأبو البخترى، وأبو الحكم، ونوفل بن خويلد فى رجال سمّاهم ممن قتل يومئذ من أشراف قريش. وأسر سهيل ابن عمرو، وفرّ الحارث بن هشام، وقائل يقول: والله إنى لأظنكم تخرجون إلى مصارعكم، ثم رآه كأنه ضرب فى لبّة بعيره، وأرسله فى العسكر؛ فما بقى حىّ من أحياء العرب، أو خباء من أخبية العسكر إلا أصابه بعض دمه - أو نضح دمه - فشاعت هذه الرؤيا فى العسكر فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضا نبىّ آخر من بنى عبد المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا. وأما ما كان من خبر أبى سفيان فإنه أسرع بالعير على طريق الساحل، فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم (٢) إنما جئتم لتمنعوا عيركم وأموالكم، وقد نجّاها الله فارجعوا. فأتاهم قيس بن امرئ القيس يأمرهم بالرجوع ويخبرهم أن قد نجت عيرهم فلا تجزروا (٣) أنفسكم أهل يثرب، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك (٢)، إنما

стр. 425

خرجتم لتمنعوا العير وأموالكم وقد نجّاها الله. فعالج قريشا فأبت الرجوع وردّوا القيان من الجحفة. وقال أبو جهل: لا والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، وتسمع العرب بنا فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا. فقال الأخنس بن شريق - واسمه أبىّ -: يا بنى زهرة قد نجىّ الله أموالكم فارجعوا ولا تسمعوا ما يقول هذا. فرجعوا، ولم يشهد بدرا أحد من بنى زهرة - وقال بعضهم: بل شهدها رجلان منهم هما عمّا مسلم بن شهاب بن عبد الله [الزّهرى] (١) وقتلا كافرين. ويقال: إنّ الأخنس بن شريق خلا بأبى جهل - لمّا تراءى الجمعان - فقال: أترى محمدا يكذب؟ فقال أبو جهل: كيف يكذب على الله وقد كنّا نسمّيه الأمين لأنّه ما كذب قطّ، ولكن إذا كانت فى بنى عبد مناف السّقاية والرّفادة والمشورة ثم تكون فيهم النّبوّة فأى شئ بقى لنا؟ فحينئذا تخنس الأخنس ببنى زهرة. ورجع مع من رجع طالب بن أبى طالب. وقال: لاهمّ إمّا يغزونّ طالب … فى عصبة محالف محارب فى مقنب من هذه المقانب … فليكن المسلوب غير السالب/ وليكن المغلوب غير الغالب (٢)
следующие страницы →