سيّد أهل الوادى - وكررّ ذلك [فقال سعد: دعنا عنك يا أميّة فو الله لقد سمعت] (١)، محمدا قال لى: إنه قاتلك (١). قال:
إيّاى؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد. وأخبر أمرأته بذلك، فلما كان الصريخ إلى بدر قالت له امرأته: أما تذكر ما قال لك أخوك اليثربىّ سعد بن معاذ؟ فأتاه عقبة بن أبى معيط وأبو جهل فعنّفاه، وقال له أبو جهل: إنك من أشراف الوادى: فسر معنا يوما أو يومين. وحمل عقبة مجمرة فيها نار [وبخور] (٢) فوضعها بين يديه، ثم قال: استجمر فإنما أنت من النساء. فقال له: قبّحك الله وقبّح ما جئت به. ثم تجهّز وقال لهما: ابتاعا لى أفضل بعير فى الوادى. فابتاغوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بنى قشير؛ فغنمه المسلمون وقتل هو كما سيأتى.
وأبى عقبة بن أبى معيط أن يخرج؛ فإنه لما هاجر النبىّ ﷺ إلى المدينة قال وهو بمكة: -
يا راكب الناقة القصوى مهاجرة … عما قليل ترانى راكب الفرس/
أعلّ رمحى فيكم ثم أنهله … والسيف يأخذ منكم كلّ ملتبس
فلما بلغ النبىّ ﷺ قوله قال: اللهم كبّه لنحره واصرعه.
стр. 422
فقال له أصحابه: اخرج معنا. فقال: قد وعدنى هذا الرجل إن أخذنى خارجا من جبال مكة يضرب عنقى صبرا. فقالوا:
لك جمل أحمر لا يذرى، فإن كانت الهزيمة طرت. فخرج معهم وقتل كما سيأتى.
وأخذ عدّاس يخذّل شيبة وعتبة ابنى ربيعة والعاص بن منبّه ابن الحجّاج عن الخروج، وما كان أحد من قريش أكره للخروج من الحارث بن عامر، وكان من أبطالهم هو وأميّة بن خلف وابنه علىّ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وحكيم بن حزام، وأبو البخترىّ، والعاص ابن منبّه حتى بكّتهم أبو جهل بالجبن، وأعانه عقبة بن أبى معيط والنّضر بن الحارث بن كلدة، فأجمعوا المسير.
وكان استقسم أميّة بن خلف وعتبة وشيبة وزمعة بن الأسود وعمير بن وهب وحكيم بن حزام عند هبل بالآمر والناهى من الأزلام، فخرج القدح النّاهى عن الخروج (١).
ورأى ضمضم بن عمرو أنّ وادى مكّة يسيل دما ما بين أسفله وأعلاه (٢).
ولما أجمعوا المسير ذكروا ما بينهم وبين (٣) كنانة قالوا:
نخشى أن يأتونا من خلفنا فتبدّى لهم إبليس فى صورة خالد بن
стр. 423
جعشم (١) - وكان من أشراف كنانة - فقال: أنا جار لكم من كنانة. فخرجوا سراعا فى تجمّل عظيم، وحنق زائد على النبى ﷺ وأصحابه؛ لما يرون من أخذ عيرهم، وما أصابوا (٢) من قتل عمرو ابن الحضرمىّ، وأخذ العير التى كانت معه، ومعهم القيان والدفوف يغنّين فى كل منهل، وهم ينحرون الجزر ويطعمون الطعام من أتاهم، وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا، وقادوا مائة (٣) فرس عليها مائة درع سوى دروع فى المشاة، وكانت إبلهم سبعمائة بعير، وهم كما قال الله تعالى ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ﴾ (٤)
ولما نزلوا مرّ الظهران (٥) رجعت بنو عدىّ منه، ونحر أبو جهل جزرا فكانت جزور منها بها حياة فما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها (٦).
стр. 424
ولما نزلوا الجحفة رأى جهيم [بن الصلت] (١) بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى رأيت فيما يرى النائم، أو إنى لبين النائم واليقظان إذ رأيت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال: قتل عتبة بن/ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، وأميّة بن خلف، وأبو البخترى، وأبو الحكم، ونوفل بن خويلد فى رجال سمّاهم ممن قتل يومئذ من أشراف قريش. وأسر سهيل ابن عمرو، وفرّ الحارث بن هشام، وقائل يقول: والله إنى لأظنكم تخرجون إلى مصارعكم، ثم رآه كأنه ضرب فى لبّة بعيره، وأرسله فى العسكر؛ فما بقى حىّ من أحياء العرب، أو خباء من أخبية العسكر إلا أصابه بعض دمه - أو نضح دمه - فشاعت هذه الرؤيا فى العسكر فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضا نبىّ آخر من بنى عبد المطلب، سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
وأما ما كان من خبر أبى سفيان فإنه أسرع بالعير على طريق الساحل، فلما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش:
إنكم (٢) إنما جئتم لتمنعوا عيركم وأموالكم، وقد نجّاها الله فارجعوا. فأتاهم قيس بن امرئ القيس يأمرهم بالرجوع ويخبرهم أن قد نجت عيرهم فلا تجزروا (٣) أنفسكم أهل يثرب، فلا حاجة لكم فيما وراء ذلك (٢)، إنما
стр. 425
خرجتم لتمنعوا العير وأموالكم وقد نجّاها الله. فعالج قريشا فأبت الرجوع وردّوا القيان من الجحفة. وقال أبو جهل: لا والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا ننحر الجزر ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، وتسمع العرب بنا فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا.
فقال الأخنس بن شريق - واسمه أبىّ -: يا بنى زهرة قد نجىّ الله أموالكم فارجعوا ولا تسمعوا ما يقول هذا. فرجعوا، ولم يشهد بدرا أحد من بنى زهرة - وقال بعضهم: بل شهدها رجلان منهم هما عمّا مسلم بن شهاب بن عبد الله [الزّهرى] (١) وقتلا كافرين.
ويقال: إنّ الأخنس بن شريق خلا بأبى جهل - لمّا تراءى الجمعان - فقال: أترى محمدا يكذب؟ فقال أبو جهل: كيف يكذب على الله وقد كنّا نسمّيه الأمين لأنّه ما كذب قطّ، ولكن إذا كانت فى بنى عبد مناف السّقاية والرّفادة والمشورة ثم تكون فيهم النّبوّة فأى شئ بقى لنا؟ فحينئذا تخنس الأخنس ببنى زهرة.
ورجع مع من رجع طالب بن أبى طالب. وقال:
لاهمّ إمّا يغزونّ طالب … فى عصبة محالف محارب
فى مقنب من هذه المقانب … فليكن المسلوب غير السالب/
وليكن المغلوب غير الغالب (٢)
стр. 426
ويقال إنه خرج مع المشركين مكرها فقال: -
يا رب إمّا يذهبوا بطالب … فى مقنب من تلكم المقانب
فى نفر مقاتل محارب … فاجعلهم المغلوب غير الغالب
والرجل المسلوب غير السالب
ويقال إنه قال: -
يا رب إما يذهبوا بطالب … فى نفر مقاتل محارب
فليكن المسلوب غير السالب … والراجع المغلوب غير الغالب
وعدم يوم بدر فلم يوقف له خبر.
وعاد قيس إلى أبى سفيان وقد بلغ الهدّة - على تسعة أميال من عقبة عسفان - فأخبره بمضى قريش، فقال: واقوماه، هذا عمل عمرو بن هشام؛ كره أن يرجع لأنه قد ترأس على الناس، فبغى، والبغى نقص (١) وشؤم، وإن أصاب محمد النفير ذللنا. ثم لحق المشركين فمضى معهم، فلحقه يوم بدر جراحات، وأفلت هاربا على قدميه.
ومضت قريش حتى نزلت بالعدوة (٢) القصوى من الوادى خلف العقنقل (٣).
стр. 427
فلما اطمأن القوم بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب إليهم يقول: ارجعوا فإنه إن يل هذا الأمر منى غيركم أحبّ إلى من أن تلوه منى [وإن] (١) أليه من غيركم أحبّ إلى من أن أليه منكم.
فقال حكيم بن حزام: قد عرض نصفا فاقبلوه، والله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النّصف. وقام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا؛ فو الله إن أصبتموه لا يزال رجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه؛ قتل ابن عمه أو قتل ابن خاله، أو رجالا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وسائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم (٢)، ولم تعرّضوا منه ما تريدون. فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن أمكننا منهم.
وأقبل نفر من قريش حتى وردوا الحوض؛ منهم حكيم بن حزام، فأراد المسلمون طردهم فقال رسول الله ﷺ : دعوهم.
فوردوا الماء فشربوا، فما شرب منهم أحد إلا قتل/إلاّ ما كان من حكيم بن حزام فإنه نجا (٣).
وبعثت قريش عمير بن وهب الجمحىّ ليحرز المسلمين، فجاء بفرسه نحو العسكر ثم رجع فقال: القوم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا
стр. 428
أو ينقصون، معهم سبعون بعيرا وفرسان، ولكن أمهلونى حتى أنظر إلى القوم هل لهم كمين؟ فضرب فى الوادى حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع فقال: ما رأيت شيئا، ولكنى رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا؛ نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، ألا ترونهم خرسا لا يتكلّمون، يتلمظون تلمظ الأفاعى؟ والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منكم رجلا، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير فى العيش بعد ذلك، فروا رأيكم (١).
فبعثوا أيضا أبا سلمة الجشمىّ، فأطاف بالمسلمين على فرسه، ثم رجع فقال: والله ما رأيت جلدا، ولا عددا (٢)، ولا حلقة ولا كراعا، ولكنى رأيت قوما لا يريدون أن يئوبوا إلى أهليهم، قوما مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، زرق العيون كأنها الحصى تحت الحجف (٣)، فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس ليرجعوا، وجاء إلى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيّدها؛ هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ - أو هل
стр. 429
لك إلى أن تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ - قال: وما ذاك يا حكيم، أفعل ماذا؟ فقلت: إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمى، وهو حليفك فتحمّل بديته، وترجع بالناس. فقال له:
أنت وذاك؛ فأنا أتحمّل بدية حليفى فاذهب إلى ابن الحنظلية (١) - يعنى أبا جهل - فقل له: هل لك إلى أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك؟ فجئت فإذا هو فى جماعة من بين يديه ومن ورائه، وإذا عامر بن الحضرمى واقف على رأسه وهو يقول: نسخت (٢) عقدى من عبد شمس، وعقدى إلى بنى مخزوم. ووجدته قد نثل (٣) درعا له من جرابها وهو يهنئها (٤)، فقلت له: إن عتبة أرسلنى إليك، وهو يقول لك: هل لك أن ترجع بالناس عن ابن عمك؟ قال: أما وجد رسولا غيرك، انتفخ والله سحره (٥) حين رأى محمدا، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة الجزور، وفيهم ابنه وقد تخوفكم عليه - يعنى أبا حذيفة/بن عتبة، وكان قد أسلم - قال حكيم:
فخرجت أبادر إلى عتبة، وعتبة متكئ على أيماء بن رحضة - وقد
стр. 430
أهدى إلى المشركين عشر جزائر - فطلع أبو جهل والشّرّ فى وجهه، فقال لعتبة: انتفخ والله سحرك. فقال له عتبة: ستعلم. فسلّ أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه، فقال أيماء بن رحضة: بئس الفأل هذا. ثم بعث إلى عامر بن الحضرمى أخى عمرو المقتول بنخلة وقال له: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وحثّه على أخذ ثأر أخيه، وقال له: قد رأيت ثأرك بعينك، فقم فاشهد (١) مقتل أخيك. فقام عامر بن الحضرمى فاكتشف ثم حثى (٢) على رأسه التراب وصرخ: وا عمراه وا عمراه: فأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة، ثم حرّش بين الناس، وحمل فناوش المسلمين، وحميت الحرب، فخرج إليهم مهجع مولى عمر فقتله عامر.
فلما تراجف (٣) الناس قال الأسود بن عبد الأسود المخزومى:
أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنّه أو لأموتن دونه. فشدّ حتى دنا منه، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطنّ (٤) قدمه، فزحف الأسود حتى وقع فى الحوض فهدمه برجله الصحيحة وشرب منه، وحمزة يتبعه، فضربه فى الحوض فقتله (٥).
стр. 431
وخرج عتبة وشيبة، والوليد بن عتبة فدعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتيان من الأنصار، وهم: معاذ ومعوّذ وعوف بنو عفراء - ويقال ثالثهم عبد الله بن رواحة - فاستحيا رسول الله ﷺ وكره أن يكون أوّل قتال لقى فيه المسلمون المشركين فى الأنصار، وأحبّ أن تكون الشوكة لبنى عمه وقومه، فأمرهم بالرجوع، فرجعوا إلى مصافّهم، وقال لهم خيرا، ثم نادى منادى المشركين: يا محمد أخرج لنا الأكفاء من قومنا. فقال النبى ﷺ : يا بنى هاشم قوموا فقاتلوا لحقّكم (١) الذى جاء به نبيّكم إذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور الله.
فقام حمزة وعلىّ وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فمشوا إليهم، فقال عتبة لابنه: قم يا وليد. فقام فقتله علىّ، ثم قام عتبة فقتله حمزة، ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة بن الحارث فضربه شيبة فقطع ساقه، فكرّ حمزة وعلىّ فقتلا شيبة (٢)، واحتملا عبيدة إلى الصف، فنزلت فيهما (٣) هذه الآية/ ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٤)
стр. 432
واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعلم، فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح على نفسه، فأنزل الله ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (١) الآية. وقال أيضا يومئذ:
ما تنقم الحرب العوان منى … بازل عامين حديث سنّى
لمثل هذا ولدتنى أمى (٢)
وتصوّر إبليس فى صورة سراقة [بن مالك] (٣) بن جعشم [المدلجى] (٣) يذمر (٤) المشركين، ويخبرهم أنّه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدّو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال: إنى برئ منكم إنى أرى ما لا ترون. فتشبّث به الحارث بن هشام - وهو يرى أنه سراقة - فضرب فى صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع فى البحر (٥).
وأقبل أبو جهل يحضّ المشركين على القتال، بكلام كثير.
وأبصر بلال أميّة بن خلف فنادى: يا معشر الأنصار، أميّة ابن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجا. فأقبلوا حتى طرحوا أميّة بن خلف على ظهره، فقطع الحباب بن المنذر أرنبة أنفه، وضربه خبيب ابن يساف حتى قتله (٦).
стр. 433
ثم إن رسول الله ﷺ ابتهل إلى الله تعالى، وأكثر من الدعاء، وأخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا، ثم قال:؟؟؟ هت الوجوه. ثم نفحهم بها، وأمر أصحابه فقال: شدّوا. وأيّدهم؟؟؟ الله بالملائكة فقاتلوا معهم، فكانت الهزيمة على المشركين؛ فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم، فقال النبىّ ﷺ لأصحابه: أنى قد عرفت أنّ رجالا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب عمّ النبى ﷺ فلا يقتله، إنما أخرج مستكرها (١). ونهى عن قتل أبى البخترىّ بن هشام فقتله المجذّر بن ذياد حيث لم يستأسر له - ويقال بل قتله أبو داود المازنى (١) - ونهى عن قتل الحارث بن عامر ابن نوفل؛ فقتله خبيب بن يساف وهو لا يعرفه. ونهى عن قتل زمعة بن الأسود؛ فقتله ثابت بن الجذع وهو لا يعرفه (١). وقتل علىّ بن أميّة بن خلف؛ قتله عمّار بن ياسر. وعبيدة بن سعيد بن العاص؛ قتله الزّبير بن العوام. وعاصم/بن أبى عوف بن هبيرة السّهمى؛ قتله أبو دجانة. وعبد الله بن المنذر بن أبى رفاعة، وحرملة بن عمرو؛ قتلهما علىّ - وهو يراهما أبا جهل - وقيس بن الفاكه؛ قتله حمزة - وهو يراه أبا جهل.
وصمد معاذ بن عمرو بن الجموح إلى أبى جهل وضربه طرح رجله من الساق، فأقبل عكرمة بن أبى جهل على معاذ فضربه
стр. 434
على عاتقه طرح يده من العاتق، وبقيت الجلدة، فوضع معاذ عليها رجله وتمطّى عليها حتى قطعها؛ وضرب أبا جهل مع معاذ معوّذ وعوف ابنا عفراء.
ولما وضعت الحرب أوزارها أمر رسول الله ﷺ أن يلتمس أبو جهل، فوجده عبد الله بن مسعود فى آخر رمق، فوضع رجله على عنقه وضربه فقطع رأسه - ويقال إن معاذا ومعوّذا ابنى عفراء أثبتا أبا جهل، وضرب ابن مسعود عنقه فى آخر رمق - وقد رأى فى كتفيه آثار السياط (١).
وقال النبى ﷺ : اللهم اكفنى نوفل بن خويلد. فأسره جبّار بن صخر، فلقيه علىّ فقتله (٢).
وأسر أبو بردة بن نيار رجلا يقال له معبد بن معبد (٣) من بنى سعد بن ليث، فلقيه عمر بن الخطاب - قبل أن يتفرّق الناس - فقال: أترون يا عمر أنكم قد غلبتم؟! كلاّ واللات والعزّى. فقال عمر: يا عدوّ الله أتتكلم وأنت أسير فى أيدينا؟! ثم أخذه من أبى بردة فضرب عنقه - ويقال إن أبا بردة قتله.
وأمر النبى ﷺ بالقلب فغوّرت، وطرحت القتلى فيها، إلا أميّة بن خلف فإنه كان سمينا فانتفخ، ولما أرادوا أن يلقوه تزايل (٤).
стр. 435
ثم وقف النبى ﷺ فناداهم: يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أميّة بن خلف، يا أبا جهل بن هشام؛ هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا، فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا؟ بئس القوم كنتم لنبيّكم؛ كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الله (١). قالوا: يا رسول الله، تنادى قوما قد ماتوا!! قال: قد علموا أن ما وعدهم ربّهم حق.
وصلى النبىّ ﷺ العصر، وسار نحو المدينة ومعه الأسرى؛ وهم سبعون أسيرا، وفيهم العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبى طالب - وقد خرجا كرها - ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقبة بن أبى معيط - وكان خرج كارها - وحلّ به جمله فى خدد من/الأرض - أو جمحت به فرسه - فأخذه عبد الله بن سلمة العجلانى. فأمر رسول الله ﷺ عاصم (٢) بن ثابت بن أبى الأقلح فضرب عنقه صبرا - بعرق الظّبية (٣) - وهو راجع إلى المدينة، وصدق رسول الله ﷺ فى قوله له: إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرا. ولما أمر بقتله قال: أتقتلنى من بين هؤلاء وأنا أكبرهم سنّا وأكثرهم مالا؟! فقال: نعم؛ بما بزقت فى وجهى. فأنزل الله
стр. 436
فى ابن أبى معيط ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * * يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ (١)
وبلغ الخبر إلى أهل مكة؛ فكان أوّل من قدم به الحيسمان (٢) بن عبد الله بن إياس الخزاعى. قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : كنت غلاما للعبّاس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أمّ الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم، ويكتم إسلامه، وكان ذا مال كبير متفرق [فى قومه] (٣) فلما جاء الخبر عن مصائب أهل بدر وجدنا فى أنفسنا قوّة وعزّة؛ فو الله إنى لجالس فى حجرة زمزم أنحت القداح - وعندى أمّ الفضل جالسة، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر - إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه فجلس، فأقبل أبو سفيان بن الحارث، فقال له أبو لهب: هلمّ إلىّ يا ابن أخى فعندك الخبر. فجلس إليه، فقال: أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شئ، والله إن كان إلاّ أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا ويأسرون كيف شاءوا، وأيّم الله - مع ذلك - ما لمت الناس؛ لقينا رجالا بيضا على خيل
стр. 437
بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شئ. قال أبو رافع: فقلت: فتلك الملائكة. فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، فثاورته فاحتملنى فضرب بى الأرض، ثم برك علىّ يضربنى، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته ضربة شجّته، وقالت: تستضعفه إذ غاب عنه سيّده؟ فقام مولّيا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى مات (١).
وناحت قريش على قتلاها بمكّة شهرا، وجزّ النساء شعورهن.
ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ ذلك محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا، ولا تبعثوا فى فداء الأسارى حتى تستأنوا بهم لئلا يشتطّ عليكم فى الفداء. /
وكان الأسود بن عبد يغوث قد أصيب ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل والحارث، وكان يحبّ أن يبكى بنيه، فسمع نائحة من الليل فقال لغلامه: انظر هل أحلّ النحيب؟ هل بكت قريش على قتلاها؛ لعلّى أبكى على زمعة فإن جوفى قد احترق؟ فقال الغلام: إنما هى امرأة تبكى على بعير أضلته (٢).
ولمّا حبس النبى ﷺ الأسرى بعثوا إلى أبى بكر وعمر ليكلّما النبىّ ﷺ فى أمرهم، فأخذ أبو بكر رضى الله تعالى عنه يكلّم النبىّ ﷺ فيهم ويليّنه أن يمنّ عليهم أو يفاديهم، وأخذ عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه يحثّ رسول الله ﷺ على ضرب أعناقهم؛ فقبل النبىّ ﷺ منهم الفداء (٣).
стр. 438
وقدم جبير بن مطعم فى فداء الأسارى، وقدم أربعة عشر من قريش، فجعل ﷺ على كلّ واحد أربعين أوقية (١)، وأربعة (٢) آلاف إلى ثلاثة آلاف إلى ألفين إلى ألف [درهم] (٣). ومنهم من منّ عليه لأنه لا مال له، ولم يقدم له أحد، أو لغير ذلك، ومنهم:
السّائب بن عبيد، وعبيد بن عمرو بن علقمة، وأبو عزّة عمرو بن عبد الله بن عمر الجمحى الشاعر، بعد ما أعطى النبىّ ﷺ ألاّ يقاتله ولا يكثر عليه أبدا. ومن الذين لا مال لهم من كان يحسن الكتابة - ولم يكن فى الأنصار من يحسنها - فقبل منه أن يعلّم عشرة من الغلمان الكتابة ويخلى سبيله؛ فتعلم يومئذ زيد بن ثابت الكتابة فى جماعة من غلمة الأنصار (٤).
وجعل ﷺ على العباس مائة أوقيّة (٥)، وعلى عقيل ثمانين أوقية. فقال العباس: لم، أللقرابة صنعت هذا؟! فو الذى يحلف به العباس لقد تركتنى فقير قريش ما بقيت. فقال: كيف تكون فقير قريش وقد استودعت بنادق الذهب أمّ الفضل، ثم أقبلت إليها فقلت لها: إن قتلت فقد تركتك غنيّة ما بقيت، وإن رجعت فلا
стр. 439
يهمّنك شئ؟ فقال! إنى أشهد أن الذى تقول قد كان، وما اطلع عليه إلا الله. فأنزل الله تعالى على نبيه ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ (١) - الآية، فقال العباس حين نزلت: لوددت أنّك كنت أخذت منى أضعافها؛ فأتانى الله خيرا منها. وفدى العباس عقيلا لأنّه/لا مال له، وقال للنبى ﷺ : من قتلت من أشرافهم؟ فقال:
قتل أبو جهل. فقال: الآن صفا لك الوادى. ورجع إلى مكة (٢).
ويقال إن العباس فدى نوفل بن الحارث، ثم أسلم، ويقال: بل هو الذى فدى نفسه برماحه؛ وذلك أن رسول الله ﷺ قال له: افد نفسك. قال: ما لى شئ أفتدى به. قال: افد نفسك برماحك التى بجدّة. فقال: والله ما علم أحد أن لى بجدة رماحا غيرى بعد الله، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها، فكانت ألف رمح (٣).
وكان فى الأسرى النّضر بن الحارث، أسره المقداد بن الأسود، فعرض على رسول الله ﷺ بالأثيل (٤) - وقد سار من بدر فقتله علىّ بالسيف صبرا (٥).
стр. 440
و [أسر] (١) سهيل بن عمرو أيضا، ففرّ بالرّوحاء من مالك ابن الدّخشم، فقال النبى ﷺ : من وجده فليقتله. فوجده النبىّ ﷺ بين سمرات - وقد خرج مع الناس فى طلبه - فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله [دعنى] (٢) أنزع ثنيّتيه يدلع (٣) لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا. فقال النبى ﷺ : لا أمثّل به فيمثّل الله بى وإن كنت نبيا، ولعلّه يقوم مقاما لا تكرهه. ثم أسلم، وقام حين جاءته وفاة النبى ﷺ بخطبة أبى بكر (٤) - بمكّة - كأنه كان سمعها، فقال عمر حين بلغه كلام سهيل: أشهد أنك رسول الله. يريد قول النبىّ ﷺ «لعلّه يقوم مقاما لا تكرهه».
وبعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فى فداء زوجها أبى
стр. 441
العاص بن الرّبيع - بقلادة لها كانت لخديجة من جزع ظفار (١) مع أخيه عمرو بن الرّبيع، فرقّ لها رسول الله ﷺ وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها متاعها فعلتم. قالوا: نعم. فأطلقوا أبا العاصى وردّوا القلادة إلى زينب، وأخذ النبى ﷺ على أبى العاصى أن يخلى سبيل زينب، فوعده على ذلك. وكان الذى أسره عبد الله بن جبير بن النعمان أخو خوّات بن جبير (٢).
ولما قدم أبو العاصى مكّة أمر زينب ابنة النبى ﷺ باللحوق بأبيها، فتجهّزت وقدّم إليها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها/نهارا يقودها - وهى فى الهودج - فتحدّث بذلك رجال من قريش، فخرجوا فى طلبها، فأدركوها بذى طوى. وكان أوّل من سبق إليها هبّار بن الأسود، فلم يزل يطعن بعيرها برمحه حتى طرحها وألقت ما فى بطنها، وأهريقت دما - وكانت حاملا - ولم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت بالمدينة، ونزل (٣) حموها ينثر كنانته وقال: والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما. فرجع الناس عنه، فجاء أبو سفيان فقال: ويحك قد عرفت مصيبتنا، ثم خرجت بالمرأة علانية؛ فيظنّ الناس أن ذلك عن ذلّ منا، ولعمرى ما لنا حاجة فى حبسها عن أبيها، ولكن ردّها، فإذا هدأ الصوت، وتحدّث الناس أنّا قد رددناها فسر بها سرّا فألحقها بأبيها. ففعل.
стр. 442
وتشاجر فى زينب بنو هاشم وبنو أميّة - وكانت عند هند بنت عتبة بن ربيعة، وكانت تقول لها هند: هذا فى سبيل أبيك.
وقال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتجئ بزينب؟ فقال: بلى يا رسول الله. قال: فخذ خاتمى فأعطه إيّاها. فانطلق زيد فلم يزل يتلطّف حتى لقى راعيا فقال: لمن ترعى؟ قال: لأبى العاص. قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد، فسار معه شيئا ثم قال: هل لك أن أعطيك شيئا تعطيها إيّاه، ولا تذكره لأحد؟ قال: نعم. فأعطاه الخاتم، فانطلق الراعى فأدخل الغنم وأعطاها الخاتم، فعرفته فقالت: من أعطاك هذا؟ قال: رجل. قالت: فأين تركته؟ قال: بمكان كذا وكذا.
فسكتت حتى إذا كان الليل خرجت إليه، فلما جاءته قال: اركبى بين يدىّ على بعيرى. قالت: لا، ولكن اركب أنت بين يدىّ.
فركب وركبت وراءه حتى أتت المدينة. فكان رسول الله ﷺ يقول:
هى أفضل بناتى؛ أصيبت فىّ (١).
ولما كان بعد مصاب أهل بدر بيسير جلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أميّة فى الحجر - وكان عمير شيطانا من شياطين قريش، وكان يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان ابنه وهب بن عمير فى أسارى بدر - فذكر أصحاب القليب ومصابهم،
стр. 443
فقال صفوان: والله أن ليس فى العيش خير بعدهم. فقال عمير:
صدقت، أما والله لولا دين علىّ ليس عندى قضاؤه، وعيال أخشى عليهم الضّيعة بعدى لركبت إلى محمد/حتى أقتله؛ فإن لى قبلهم علّة: ابنى أسير فى أيديهم. فقال صفوان: فعلىّ دينك أن أقضيه عنك، وعيالك مع عيالى أواسيهم (١) ما بقوا، قال عمير: فاكتم علىّ شأنى وشأنك. قال: أفعل. ثم إن عميرا أمر بسيفه فشحذ له وسمّ، ثم انطلق حتى قدم المدينة، فرآه عمر قد أناخ بعيره على باب المسجد متوشّحا السيف، فقال: هذا عدوّ الله عمير ما جاء إلاّ لشرّ، وهو الذى حرشّ بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ فقال: يا نبىّ الله هذا عدوّ الله عمير، قد جاء متوشحا سيفه. قال: فأدخله علىّ. فأقبل عمر حتى أخذ بحمائل سيفه فى عنقه، قال: أرسله يا عمر، أدن يا عمير. فدنا ثم قال: أنعموا صباحا - وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم - فقال رسول الله ﷺ : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتكم يا عمير؛ بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لأفتدى الأسير الذى بين أيديكم، فأحسنوا فيه. قال ﷺ : فما بال السّيف فى عنقك؟ قال: قبّحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئا، إنما أنسيته (٢) حين نزلت وهو فى عنقى. فقال النبىّ ﷺ : اصدقنى
стр. 444
ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. فقال: بل (١) قعدت أنت وصفوان بن أميّة فى الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين علىّ (٢) وعيال عندى (٢) لخرجت حتى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى، والله حائل بينى وبينك. فقال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأنك صادق، قد كنا نكذب [ك بما تأتى به من خبر السماء] (٣)، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلاّ الله، والحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق. ثم شهد شهادة الحقّ، فقال رسول الله ﷺ : فقّهوا أخاكم فى دينه، وعلّموه القرآن، وأطلقوا له أسيره. ففعلوا، ثم قال:
يا رسول الله إنى كنت جاهدا فى إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإنى أحبّ أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، ولعلّ الله أن يهديهم، وإلاّ آذيتهم فى دينهم كما كنت أوذى أصحابك فى دينهم. فأذن له، فلحق بمكّة.
وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن فى أيّام/تنسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الرّكبان، حتى قدم ركب فأخبره بإسلامه، فحلف ألاّ يكلمه
стр. 445
أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا. فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذى من خالفه، فأسلم على يديه ناس كثير.
ولما رجع أبو سفيان بن حرب، [وفل] (١) من المشركين من بدر - وقتلت رءوسهم - نذر ألا يمسّ رأسه دهن ولا طيب، ولا يقرب أهله حتى يثأر من محمد وأصحابه بمن أصيب من قومه، فلم يجتمع له الناس كما يريد، فأقبل فى مائتى راكب - ويقال: ثلاثين، ويقال: أربعين - حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له ثيب (٢) من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النّضير فضرب على حيىّ بن أخطب بابه فلم يفتح له وخافه، فذهب عنه إلى سلاّم بن مشكم - وكان سيّد بنى النضير فى زمانه ذلك، وصاحب كنزهم (٣) - فاستأذن عليه فأذن له، وقراه وسقاه خمرا، وأبطن له من خبر الناس، ثم خرج فى عقب ليلته حتى جاء أصحابه، فبعث رجلا أو رجلين منهم وأمرهما أن يحرقا أدنى نخل
стр. 446
يأتيانه من نخل المدينة، فأتوا ناحيه منها يقال لها العريض على ثلاثة أميال منها، فحرقا حرثا لهم وقتلا رجلا من الأنصار وأجيرا له فى حرث لهما، وانطلقا، فانطلق أبو سفيان وأصحابه - ورأى أن يمينه قد برّت - سراعا هاربين قبل مكة، ونذر بهم الناس، فخرج رسول الله ﷺ ومعه مائتا راكب - ويقال: ثمانون راكبا - من المهاجرين والأنصار فى إثرهم - واستخلف على المدينة أبا لبابة بشير ابن عبد المنذر - حتى بلغ قرقرة (١) الكدر فلم يدركهم. وجعل أبو سفيان وأصحابه يتخفّفون للهرب والنجاة فيلقون أزوادهم، وكان فيها سويق (٢) - وهى عامة أزوادهم - فأخذها المسلمون، فسمّيت غزوة السّويق بذلك، وكان ذلك فى يوم الأحد لخمس خلون من ذى الحجة - وقيل فى صفر (٣).
وفيها فى صفر مات أبو وهب المطعم بن عدىّ بن نوفل بن
стр. 447
عبد مناف كافرا، ودفن بالحجون، فأقيم النوح عليه سنة. وأبو أحيحة سعد بن العاص بن أمية كافرا بالطائف (¬*).
***
«السنة الثالثة من الهجرة»
فيها فى يوم السبت للنصف من شوّال كانت واقعة أحد بين النبى ﷺ وقريش، وسببها: أنه لما عاد المشركون من بدر إلى مكة وجدو العير التى قدم بها أبو سفيان بن حرب من الشام موقوفة فى دار الندوة - وكذلك كانوا يصنعون - لم يحركها ولا فرقها، وكانت ألف بعير، فمشى أشراف قريش (١) إلى أبى سفيان ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة وقالوا: نحن طيّبوا (٢) الأنفس بأن تجهز بربح هذه العير جيشا كثيفا إلى محمد. فقال أبو سفيان: أنا أوّل من أجاب (٣) إلى ذلك، وبنو عبد مناف معى. فباعوها فصارت ذهبا، فسلموا إلى أهل العير رءوس أموالهم، وخرجوا الأرباح - وكانوا يربحون فى تجارتهم لكل [دينار] (٤) دينارا - فنزل فيهم قول الله تعالى ﴿إِنَّ
стр. 448
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ (١) الآية. وبعثوا عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبى وهب، وابن الزّبعرى، وأبا عزّة الجمحىّ إلى العرب يستنفرونها؛ فألّبوا (٢) العرب وجمعوها. وكان أبو عزّة الجمحى المذكور - وهو عمرو بن عبد الله - قد منّ عليه النبىّ ﷺ يوم بدر على ألاّ يقاتله (٣) ولا يكثر عليه أبدا، فقال له صفوان ابن أميّة: يا أبا عزّة إنك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك فاخرج معنا.
فقال: إن محمدا قد منّ علىّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى فأعنا بنفسك، فلك الله إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن نجعل بناتك مع بناتى يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. [فخرج أبو عزة يسير] (٤) فى تهامة ويدعو كنانة ويقول:
يا بنى عبد مناة (٥) الرّزّام … أنتم حماة وأبوكم حام
لا تعدونى نصركم بعد العام … لا تسلمونى لا يحل إسلام (٦)
стр. 449
وكتب العباس بن عبد المطلب كتابا إلى رسول الله ﷺ مع رجل من بنى غفار (١) يخبره بذلك.
وخرجت قريش من مكة ومعهم الظّعن التماس الحفيظة وألا يفروا، وخرج نساء مكة ومعهن الدفوف يبكين قتلى بدر، وينحن عليهن.
وحشدت بنو كنانة، وعقدوا ثلاثة ألوية.
وكان خروجهم من مكة لخمس مضين من شوال فى ثلاثة آلاف رجل ومائتى فرس، وسبعمائة درع، وثلاثة آلاف بعير، وخمس عشرة امرأة، رئيسهم أبو سفيان/بن حرب.
وهمّت قريش وهى بالأبواء أن تنبش قبر آمنة أم النبى ﷺ ، ثم كفّهم الله عنه، ثم نزلت قريش ببطن السبخة من قناة على شفير الوادى مقابل المدينة.
ثم خرج النبى ﷺ وعسكره إلى تحت أحد قبالة العدوة.
وانخذل فى الطريق عبد الله بن أبىّ بن سلول بثلث العسكر؛ لزعمه أن النبى ﷺ خالفه حالة (٢) مشاورة أصحابه هل يقيم بالمدينة أو يخرج إلى العدو. فكان النبى ﷺ وعبد الله بن أبى اختارا الإقامة بالمدينة واختار أصحابه الخروج، فوافقهم ﷺ . فلما خرجوا انخزل عبد الله عنهم بمن معه.
стр. 450
وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال فى سبعمائة رجل، ثم وقع القتال بين المسلمين والمشركين، فانكشف المسلمون بعد أن قتل من المسلمين حمزة بن عبد المطلب وغيره ﵃ وقتل من المشركين أبىّ بن خلف؛ قتله رسول الله ﷺ تصديقا لقوله: إن شاء الله؛ فإن أبى بن خلف كان يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول:
يا محمد إن عندى العود - فرسا - أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها. فيقول له ﷺ ؛ بل أنا أقتلك إن شاء الله. ويقال إن النبى ﷺ قال له [ذلك] (١) يوم افتدى منه ببدر، فلما كان يوم أحد أقبل يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فاعترضه رجال من المسلمين ليقاتلوه، فقال لهم النبى ﷺ : دعوه. فأخذ حربة فرمى بها أبيّا فكسر ضلعا من أضلاعه، أو خدشه فى عنقه خدشا غير كبير، فأحتقن الدم، فرجع إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه حتى ولّوا به وهم يقولون: لا بأس عليك. فقال: قتلنى والله محمد.
فقالوا له: ذهب والله فؤادك، والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة أنا أقتلك، فو الله لو بصق على لقتلنى. فانطلق به أصحابه فمات بسرف فدفنوه (٢).
وقتل من المشركين أيضا طلحة، وأبو سعد (٣)، وعثمان بنو أبى طلحة، ومسافع والحارث والجلاس والكلاب بنو طلحة، وأرطاة
стр. 451
ابن عبد شرحبيل بن هاشم، وأبو يزيد بن عمير بن هاشم/، والقاسط بن شريح بن هاشم، وعبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، وأبو الحكم بن الأخنس بن شريق، وسباع بن عبد العزى بن عمرو بن نفيل، وهشام بن أميّة بن أبى المغيرة، والوليد بن العاص بن هشام، وأبو أمية بن أبى حذيفة بن المغيرة، وخالد بن الأعلم أبو عزة، وعمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب - صبرا - وعبيدة بن جابر، وشيبة بن مالك بن المضرّب، وصواب - غلام حبشىّ لبنى عبد الدار -.
ثم انصرف أبو سفيان ومن معه إلى أن وصلوا الرّوحاء.
وعاد النبى ﷺ إلى المدينة، ثم نادى مناديه فى غداة يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال بالخروج فى طلب العدو، فخرج حتى انتهى إلى حمراء الأسد؛ وهى من المدينة على ثمانية (١) أميال، وأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم عاد إلى المدينة بعد ما مر به معبد بن أبى معبد الخزاعى واجتمع به. ثم لحق أبا سفيان ومن معه بالروحاء - وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة - فقال لهم: لا تفعلوا فإن محمدا قد خرج فى أصحابه فى جمع لم أر مثله قطّ يتحرقون عليكم تحرّقا، وما أرى أن ترحلوا حتى تروا نواصى الخيل. فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب. ثم بعث معبد الخزاعى رجلا إلى رسول الله ﷺ فأخبره بانصراف أبى سفيان ومن معه خائفين (٢).
стр. 452
وكان أول من قدم مكة بخبر أحد وانكسار المشركين عبد الله ابن أمية بن المغيرة، فكره أن يأتيهم بهزيمة أهلهم، فقدم الطائف وأخبر أن أصحاب محمد قد ظفروا وانهزمنا.
وقدم وحشى وقد سار أربعا على راحلته ووقف على الثنيّة التى تطلع على الحجون فنادى: يا معشر قريش أبشروا، فقد قتلنا أصحاب محمد قتلة لم يقتل مثلها فى زحف (١) قط، وجرحنا محمدا فأثبتناه بالجراح، وقتل حمزة. فسروا بذلك.
ولما قدم أبو سفيان مكة لم يصل إلى بيته حتى أتى هبل فقال:
قد أنعمت، ونصرتنا، وشفيت نفسى من محمد وأصحابه. وحلق رأسه.
***
«السنة الرابعة من الهجرة»
فيها فى يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم كانت سرية عبد الله ابن أنيس وحده إلى سفيان بن (٢) خالد بن نبيح الهذلى ثم اللحيانى بعرنة - وهو وادى عرفة (٣) - وذلك أنه بلغ النبى ﷺ أن سفيان ابن خالد نزل عرفة وما حولها فى ناس يجمع لحربه، وضوى إليه بشر كثير من أفناء/العرب، فدعا النبى ﷺ عبد الله بن أنيس فقال:
стр. 453
إنه بلغنى أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلى جمع لى الناس ليغزونى وهو بنخلة (١) أو بعرنة (٢) فاقتله، وقال: انتسب إلى خزاعة.
فقال عبد الله: يا رسول الله انعته لى حتى أعرفه. قال ﷺ : إنك إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان، وآية ذلك أن تجد له قشعريرة إذا رأيته. فاستأذن النبى ﷺ فى القول، فأذن له، فأخذ سيفه وتوشّح به. وخرج حتى إذا كان ببطن عرنة (٣) لقى سفيان يمشى ووراءه الأحابيش، فهابه، وعرفه بالنعت الذى نعت له رسول الله ﷺ وقد دخل العصر - قال عبد الله: فلما رأيته وجدت ما وصف لى رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأخذت نحوه، وخشيت أن يكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه (٤) وأومئ برأسى، فلما انتهيت إليه قال: من (٥) الرجل؟ قلت: رجل من العرب - أو قال رجل من خزاعة - سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. فقال: أنا فى ذلك. فمشيت معه أحادثه وأنشده، وقلت: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين
стр. 454
المحدث؛ فارق الآباء وسفّه أحلامهم!! فقال سفيان: لم يلق محمد من يشبهنى. حتى انتهى إلى خبائه وتفرّق عنه أصحابه، فقال: يا أخا خزاعة. فدنوت منه وجلس عندى حتى نام الناس، فحملت عليه بالسيف حتى قتلته، ثم خرجت - وتركت ظعائنه منكبات عليه - حتى قدمت على النبى ﷺ ويقال إن سفيان بن خالد لما رقد اغتره عبد الله بن أنيس فقتله، وأخذ رأسه فدخل به غارا فى الجبل وضربت عليه العنكبوت، وجاء الطلب فلم يروا شيئا فانصرفوا راجعين. وخرج فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة فى يوم السبت لسبع بقين من المحرم.
وفيها لهلال ذى القعدة كانت غزوة بدر الموعد، وسببها أن أبا سفيان بن حرب لما أراد أن ينصرف يوم أحد نادى: موعد بيننا وبينكم بدر الصغرى (١) برأس الحول نلتقى فيه فنقتتل. فقال عمر بن الخطاب - وقد أمره رسول الله ﷺ : نعم/إن شاء الله.
وكانت بدر الصغرى مجمعا للعرب فى سوق يقام لهلال ذى القعدة إلى ثمان منه، فلما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج وأحب
стр. 455
ألا يوافى رسول الله ﷺ الموعد (١)، وكان يظهر أنه يريد الغزو فى جمع كثير، فبلغ أهل المدينة أنه يجمع الجموع ويسير فى العرب، فتأهب المسلمون له.
وقدم نعيم بن مسعود الأشجعى مكّة فأخبر أبا سفيان وقريشا بتهيّؤ المسلمين لحربهم - وكان عام جدب - فأخبره أبو سفيان بأنه كاره للخروج إلى لقاء المسلمين، واعتل بجدب الأرض، وجعل له عشرين فريضة توضع تحت يد سهيل بن عمرو على أن يخذّل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله على بعير، فقدم المدينة وأرجف بكثرة جموع أبى سفيان حتى رعّب المسلمين، وهو يطوف فيهم حتى قذف الرعب فى قلوب المسلمين، ولم تبق لهم نيّة فى الخروج، واستبشر المنافقون واليهود وقالوا: محمد لا يفلت (٢) من هذا الجمع. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج النبى ﷺ فى ألف وخمسمائة ومعه عشرة أفراس حتى وافى بدرا، وأقاموا بها ثمانية أيام - والسوق قائمة - وانصرف راجعا فأنزل الله تعالى ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ (٣)
ويقال إن أبا سفيان خرج فى ألفين ومعهم خمسون فرسا حتى بلغ عسفان وقيل مجنّة من ناحية مرّ (٤) الظهران، ثم رجع لجدب البلاد فسماهم أهل مكة جيش السّويق.
стр. 456
وانطلق معبد بن أبى معبد الخزاعى سريعا - بعد انقضاء الموسم - إلى مكة، وأخبر بكثرة المسلمين وأنهم أهل ذلك (١) الموسم، وأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ للضّمرى.
فأخذوا فى الكيد والنفقة (٢) فى قتال رسول الله ﷺ ، واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الأموال؛ فضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتى بمال، ولم يقبل من أحد أقلّ من أوقية لغزو الخندق. وأنزل الله ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٣) يعنى نعيم بن مسعود.
***
«السنة الخامسة من الهجرة»
فيها فى صفر (٤) بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط - وقيل
стр. 457
ستة - منهم: عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح (١)، وخبيب بن عدىّ، وزيد بن الدّثنّه، وخالد بن أبى البكير (٢)، وعبد الله بن طارق، وأخوه لأمه/معتّب (٣) بن عبيد سرية عينا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصارى.
فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدّة - بين عسفان ومكة - ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان. فنفّروا لهم قريبا من مائة رجل كلّهم رام، فقصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا فى منزل نزلوه فقالوا: هذا تمر يثرب. فاتبعوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا (٤) بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا (٥) نقتل منكم أحدا. فقال عاصم
стр. 458
ابن ثابت أمير السرية: أيها القوم أمّا أنا فو الله لا أنزل اليوم فى ذمة كافر. ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيّك. فرموهم بالنبل فقتلوا سبعة منهم عاصم، وأنزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب الأنصارى وزيد بن الدّثنّة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم؛ إن لى بهؤلاء أسوة - يريد القتل - فجرجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى أن يصحبهم فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدّثنّة حتى باعوهما بمكة، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف - وكان قتل الحارث بن عامر يوم بدر - فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها (١) فأعارته، فدرج ابن لها - وهى غافلة - حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب فى وجهها، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت:
والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب فى يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: رزق من الله رزقه خبيبا.
فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه فى الحلّ، قال لهم خبيب:
دعونى أصلى ركعتين. فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أنما بى جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، /ولا تبق منهم أحدا. ثم أنشأ يقول:
стр. 459
فلست أبالى حين أقتل مسلما … على أىّ جنب كان لله مصرعى
وذلك فى ذات الإله وإن يشا … يبارك على أوصال شلو ممزّع
ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله (١)، وكان خبيب هو الذى سنّ الركعتين لكل مسلم قتل صبرا.
واستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبىّ ﷺ أصحابه يوم أصيبوا. وبعث ناس من كفّار قريش إلى عاصم ابن ثابت - حين حدّثوا أنه قتل - أن يأتوا بشئ منه يعرف، فبعث الله على عاصم مثل الظّلّة من الدّبر (٢) فحمته منهم ومن رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا.
ويقال إن هذه السرية كانت إلى الرجيع بناحية الحجاز - ماء لهذيل بين مكة وعسفان، وهو على سبعة أميال من عسفان - وخبرها أن رهطا من عضل والقارة وهم إلى الهون بن خزيمة أتوا النبى ﷺ ، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم شرائع الإسلام، فبعث معهم من ذكر، فلما كانوا بالرجيع غدروا بهم فقتلوهم غير زيد بن الدّثنّة، وخبيب بن عدىّ فإنهما أسرا وبيعا بمكة فقتلا بها بعد
стр. 460
أن صلّى خبيب - قبل قتله - ركعتين، وهو أول من سنهما، ويقال بل زيد بن حارثة (١) حينما أراد الكرىّ (٢) الغدر به.
وفيها فى شوال - وقيل فى ذى القعدة - كان غزوة الخندق، وتسمى الأحزاب، وذلك أن النبى ﷺ لما أجلى بنى النضير، وساروا إلى خيبر خرج نفر من وجوه يهود بنى النضير، وبنى وائل وأشرافهم منهم: حيىّ بن أخطب، وكنانة (٣) بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلى من الأوس، وأبو عامر الراهب فى بضعة عشر رجلا حتى