← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وانطلق معبد بن أبى معبد الخزاعى سريعا - بعد انقضاء الموسم - إلى مكة، وأخبر بكثرة المسلمين وأنهم أهل ذلك (١) الموسم، وأخبرهم بما قال رسول الله ﷺ للضّمرى. فأخذوا فى الكيد والنفقة (٢) فى قتال رسول الله ﷺ ، واستجلبوا من حولهم من العرب، وجمعوا الأموال؛ فضربوا البعث على أهل مكة، فلم يترك أحد منهم إلا أن يأتى بمال، ولم يقبل من أحد أقلّ من أوقية لغزو الخندق. وأنزل الله ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٣) يعنى نعيم بن مسعود. *** «السنة الخامسة من الهجرة» فيها فى صفر (٤) بعث رسول الله ﷺ عشرة رهط - وقيل

стр. 457

ستة - منهم: عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح (١)، وخبيب بن عدىّ، وزيد بن الدّثنّه، وخالد بن أبى البكير (٢)، وعبد الله بن طارق، وأخوه لأمه/معتّب (٣) بن عبيد سرية عينا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصارى. فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدّة - بين عسفان ومكة - ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان. فنفّروا لهم قريبا من مائة رجل كلّهم رام، فقصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا فى منزل نزلوه فقالوا: هذا تمر يثرب. فاتبعوا آثارهم، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا (٤) بأيديكم ولكم العهد والميثاق لا (٥) نقتل منكم أحدا. فقال عاصم

стр. 458

ابن ثابت أمير السرية: أيها القوم أمّا أنا فو الله لا أنزل اليوم فى ذمة كافر. ثم قال: اللهم أخبر عنا نبيّك. فرموهم بالنبل فقتلوا سبعة منهم عاصم، وأنزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب الأنصارى وزيد بن الدّثنّة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم؛ إن لى بهؤلاء أسوة - يريد القتل - فجرجروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى أن يصحبهم فقتلوه. وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدّثنّة حتى باعوهما بمكة، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف - وكان قتل الحارث بن عامر يوم بدر - فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها (١) فأعارته، فدرج ابن لها - وهى غافلة - حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب فى وجهها، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب فى يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة. وكانت تقول: رزق من الله رزقه خبيبا. فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه فى الحلّ، قال لهم خبيب: دعونى أصلى ركعتين. فتركوه، فركع ركعتين، فقال: والله لولا أن تحسبوا أنما بى جزع لزدت، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، /ولا تبق منهم أحدا. ثم أنشأ يقول:

стр. 459

فلست أبالى حين أقتل مسلما … على أىّ جنب كان لله مصرعى وذلك فى ذات الإله وإن يشا … يبارك على أوصال شلو ممزّع ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله (١)، وكان خبيب هو الذى سنّ الركعتين لكل مسلم قتل صبرا. واستجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب، فأخبر النبىّ ﷺ أصحابه يوم أصيبوا. وبعث ناس من كفّار قريش إلى عاصم ابن ثابت - حين حدّثوا أنه قتل - أن يأتوا بشئ منه يعرف، فبعث الله على عاصم مثل الظّلّة من الدّبر (٢) فحمته منهم ومن رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا. ويقال إن هذه السرية كانت إلى الرجيع بناحية الحجاز - ماء لهذيل بين مكة وعسفان، وهو على سبعة أميال من عسفان - وخبرها أن رهطا من عضل والقارة وهم إلى الهون بن خزيمة أتوا النبى ﷺ ، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم شرائع الإسلام، فبعث معهم من ذكر، فلما كانوا بالرجيع غدروا بهم فقتلوهم غير زيد بن الدّثنّة، وخبيب بن عدىّ فإنهما أسرا وبيعا بمكة فقتلا بها بعد

стр. 460

أن صلّى خبيب - قبل قتله - ركعتين، وهو أول من سنهما، ويقال بل زيد بن حارثة (١) حينما أراد الكرىّ (٢) الغدر به. وفيها فى شوال - وقيل فى ذى القعدة - كان غزوة الخندق، وتسمى الأحزاب، وذلك أن النبى ﷺ لما أجلى بنى النضير، وساروا إلى خيبر خرج نفر من وجوه يهود بنى النضير، وبنى وائل وأشرافهم منهم: حيىّ بن أخطب، وكنانة (٣) بن أبى الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلى من الأوس، وأبو عامر الراهب فى بضعة عشر رجلا حتى

стр. 461

قدموا مكة على قريش، فألّبوهم ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: نكون معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله. فقال أبو سفيان: مرحبا، وأحبّ الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، وأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها، / وتحالفوا وتعاقدوا - وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة، وهم بينها وبين أستارها - ألا يخذل بعضهم بعضا وليكونن يدا واحدة على محمد ما بقى منهم رجل. ثم قال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عمّا أصبحنا نحن فيه ومحمد، أديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمّار البيت، وننحر الكور، ونسقى الحجيج، ونعبد الأصنام. فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحق منه؛ إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، وأنتم أولى بالحق منه. فأنزل الله فى ذلك ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ (١) واتّعدوا لذلك موعدا، ثم خرجوا من عندهم حتى أتوا غطفان وسلّموا، فاستصرخوهم لحرب النبىّ ﷺ ، وأنهم يكونون معهم عليه، وأخبروهم بمبايعة قريش؛ فأجابوهم. وتجهّزت قريش بأحابيشها ومن تبعها من العرب، فكانوا أربعة آلاف، وعقدوا اللواء فى دار الندوة، وأعطوه عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، فحمله. وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألفا وخمسمائة بعير، وخرجت - قائدها أبو سفيان بن حرب بن أمية - ووافتهم

стр. 462

غطفان (١) بمر الظهران، [وخرجت] (٢) فزارة فى ألف، قائدها عيينة بن حصن بن حذيفة، وبنو سليم فى سبعمائة، يقودهم مسعود بن رخيلة، وبنو مرّة فى أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف بن أبى حارثة - ويقال إنه رجع بهم فلم يشهد الخندق أحد من بنى مرة. فأقبلت قريش والأحابيش ومن معهم من بنى كنانة وأهل تهامة فى عشرة آلاف حتى نزلت وادى العقيق بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان بذنب نقمى إلى جانب أحد - وكانوا ثلاثة عساكر - وعناج (٣) الأمر إلى أبى سفيان. ولما أن خرجت قريش من مكة أتى ركب خزاعة لرسول الله ﷺ فى أربع ليال حتى أخبروه، فندب النبىّ ﷺ الناس وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم أيبرز من المدينة أم يكون فيها ويخندق عليها، أم يكون قريبا والجبل وراءهم؟ فاختلفوا، فأشار سلمان [الفارسى] (٤) بالخندق، فأعجبهم ذلك، وذكروا يوم أحد فأحبوا الثبات فى المدينة.

стр. 463

وكانت مدة حصار الخندق خمسة عشر يوما، وقيل عشرين يوما، /وقيل قريبا من شهر (١). *** «السنة السادسة من الهجرة» فيها فى غرة ربيع الأول - ويقال فى جمادى الأولى، ويقال فى سنة خمس - كانت غزوة بنى لحيان، وكانوا فى ناحية عسفان. خرج لهم رسول الله ﷺ فى مائتى رجل، ومعه عشرون فرسا، يطلبهم بأصحاب الرجيع خبيب بن عدىّ ورفيقيه؛ لأنه وجد عليهم وجدا شديدا، فسلك طريق الشام، وورّى على الناس أنه لا يريدهم ليصيب منهم غرّة، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران - واد بين أمج [وعسفان] (٢) بينه وبين عسفان خمسة أميال - فوجدهم قد حذروا وتمنعوا فى رءوس الجبال - وثمّ أصيب أهل الرجيع، فترحم عليهم ودعا لهم - وأقام يوما أو يومين فبعث سراياه في كل ناحية فلم يظفروا بأحد، وصلى صلاة الخوف؛ فيما رواه أبو هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ نازلا بين ضجنان وعسفان يحاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هى أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، أجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلة واحدة. فجاء جبريل فأمره أن يقسّم أصحابه نصفين فصلّ بطائفة منهم وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتصلى بهم ركعة، ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك، فتصلى بهم ركعة يكون لهم مع رسول الله ﷺ ركعة ركعة وللنبى ﷺ ركعتان.

стр. 464

ولما أخطأه ﷺ ما أراد من غرّة القوم قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأت قريش أنا قد جئنا مكة. فأتاها حتى نزل بها، ثم بعث فارسين من أصحابه - وقيل بعث أبا بكر الصديق - فى عشرة فوارس إلى كراع الغميم ليذعر قريشا، فأتوها فلم يلقوا بها أحدا، ثم انصرفوا. ثم أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة. وفيها فى شهر رمضان - ويقال فى ذى الحجة سنة أربع، وفى الحجة سنة خمس، ويقال فى جمادى الثانية سنة ثلاث - كانت سرية عبد الله بن عتيك لقتل أبى رافع سلام - وقيل عبد الله - بن أبى الحقيق النّضرى، بحصنه بالحجاز - ويقال بخيبر - وكان ممن حزّب يوم الخندق، ويجعل الجعل (١) على حرب رسول الله ﷺ ، ويؤذيه ويعين عليه. وذلك أن الأوس لمّا قتلت كعب بن الأشرف أرادت الخزرج أن تصنع مثل صنيعهم، فتذاكروا من يعادى رسول الله ﷺ ، /فذكروا ابن أبى الحقيق، فاستأذنوا النبى ﷺ فى قتله، فأذن لهم، ونهاهم عن قتل النساء والصبيان. فخرج ابن عتيك فى أربعة (٢) نفر معه، وهم: عبد الله بن أنيس - ويقال ابن عتبة، وفيه نظر - وأبو قتادة [الحارث بن ربعى، والأسود] (٣) بن خزاعى، ومسعود بن سنان، فلما دنوا

стр. 465

منه - وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم - قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم وإنى منطلق ومتلطّف للبواب. ثم تقنّع بثوبه كأنه يقضى حاجة - وقد دخل الناس - وقد هتف البواب: إن كنت تريد أن تدخل [فادخل] (١) فإنى أريد أن أغلق الباب. فدخل فكمن، فلما دخل الناس أغلق [البواب] (١) الباب، ثم علّق الأقاليد على وتد، فقام عبد الله إلى الأقاليد فأخذها [بعد ما رقد] (١) ففتح الباب. وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان فى علالىّ له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعد عبد الله فجعل كلما فتح بابا أغلقه على نفسه من داخل وقال: إن القوم نذروا بى لم يخلص إلىّ حتى أقتله. فانتهى إليه فإذا هو فى بيت مظلم وسط عياله لا يدرى أين هو من البيت، فقال: يا [أبا] (٢) رافع. قال: من هذا؟ فأهوى نحو الصوت فضربه ضربة بالسيف - وهو داهش - فما أغنت شيئا، وصاح، فخرج عبد الله من البيت فمكث غير بعيد ثم دخل إليه، فقال: ما هذا الصوت يا [أبا] (٢) رافع؟ فقال: لأمّك الويل؛ إن رجلا فى البيت ضربني قبل بالسيف. فضربه ضربة أثخنته ولم تقتله، ثم وضع ضبيب (٣) السيف فى بطنه حتى أخذ فى ظهره، فجعل يفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهى إلى درجة له (٤)، فوضع رجله - وهو

стр. 466

يرى أنه قد انتهى إلى الأرض - فوقع فى ليلة مقمرة، وانكسرت ساقه فعصبها بعمامته، ثم انطلق حتى جلس على الباب، وقال: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته أم لا. فلما صاح الديك قام الناعى على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز. فانطلق إلى أصحابه فقال: النجاء النجاء؛ فقد قتل الله أبا رافع. ويقال إن ابن عتيك ومن معه دخلوا على ابن أبى الحقيق فى علّية (١) وقدموا/عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهودية، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهدية. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح صاحت، فأشاروا إليها بالسيف - ولولا نهى النبى ﷺ إياهم لقتلوها - فسكتت، ودخلوا عليه فلم يعرفوه إلا ببياضه كأنه قبطيّة (٢)، فاتبدروه بأسيافهم، وتحامل عليه ابن أنيس فى بطنه بالسيف حتى قتله، ثم نزلوا، وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار، فاختبئوا فى بعض مناهر (٣) القوم، وخرج فى آثارهم الحارث أبو زينب فى ثلاثة آلاف - ومعهم النيران - يطلبونهم، فلم يظفروا بهم فرجعوا. ومكثوا فى موضعهم يومين حتى سكن الطلب، ثم خرجوا إلى المدينة. وفيها قال أبو سفيان لنفر من قريش: ما أحد يغتال محمدا، فإنه يمشى فى الأسواق؛ فيدرك ثأرنا؟ فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله، وقال له: إن أنت قوّيتنى خرجت إليه حتى أغتاله؛ فإنى

стр. 467

هاد للطريق خرّيت (١)، ومعى خنجر مثل خافية (٢) النّسر. قال: أنت صاحبنا. فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: اطو أمرك فإنى لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه إلى محمد. قال العربى: لا يعلم به أحد. فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا وصبّح ظهر الحرة [صبح] (٣) سادسة، ثم سأل عن رسول الله ﷺ حتى أتى المصلى، فقال له قائل: قد توجه (٤) إلى بنى عبد الأشهل. فخرج يقود راحلته حتى انتهى إلى بنى عبد الأشهل، فعقل راحلته. ثم أقبل يؤم رسول الله ﷺ ، فوجده فى جماعة من أصحابه يتحدث فى المسجد، فدخل، فلما رآه رسول الله ﷺ قال لأصحابه: إن هذا الرجل يريد غدرا، والله حائل بينه وبين ما يريد. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب. فذهب [ينحنى] (٥) على رسول الله ﷺ كأنه يسارّه. فجذبه أسيد بن الحضير فقال له: تنح عن رسول الله ﷺ ، وجذب بداخلة (٦) إزاره فإذا الخنجر، فقال رسول الله ﷺ : هذا غادر. وسقط فى

стр. 468

يدي العربى، وقال: دمى دمى يا محمد. وأخذ أسيد يلبّبه، فقال رسول الله ﷺ : اصدقنى، ما أنت (١) وما أقدمك؟ فإن صدقتنى نفعك الصدق، وإن كذبتنى فقد اطلعت على ما هممت به. قال العربى: فأنا آمن؟ قال: أنت آمن. فأخبره خبر أبى سفيان وما جعل له، فأمر ﷺ به فحبس عند أسيد، ثم دعى من الغد فقال: قد أمنتك فأذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله. قال: فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، يا محمد ما كنت أفرق [من] (٢) الرجال، فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلى وضعفت نفسى، ثم اطلعت على ما هممت به - فما سبقت به الركبان ولم يعلمه أحد - فعرفت أنك ممنوع، وأنك على الحق، وأن حزب أبى سفيان بن حرب [حزب] (٣) الشيطان. فجعل النبى ﷺ يتبسم، فأقام أياما، ثم استأذن النبى ﷺ فخرج من عنده، فلم يسمع له بذكر (٤). فقال رسول الله ﷺ لعمرو بن أمية الضّمرى [وسلمة بن أسلم (٥)] بن حريس: اخرجا (٦) حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب،

стр. 469

فإن أصبتما منه غرّة فاقتلاه. قال عمرو: فخرجت أنا وصاحبى حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرينا، فقال لى صاحبى: يا عمرو، هل لك فى أن نأتى مكة فنطوف بالبيت أسبوعا ونصلى ركعتين؟ فقلت: إنى أعرف بمكة من (١) الفرس الأبلق، وإنهم أن رأونا عرفونا، وأنا أعرف أهل مكة أنهم إذا أمنوا اضطجعوا بأفنيتهم، فأبى أن يطيعنى فأتينا مكة فطفنا أسبوعا وصلينا ركعتين، فلما خرجت لقينى معاوية ابن أبى سفيان فعرفنى وقال: عمرو بن أمية!! فأخبر أباه، فنذر بنا أهل مكة وتجمعوا. وهرب عمرو وسلمة، وخرجوا فى طلبهما، واشتدا فى الجبل؛ قال عمرو: فدخلنا غارا فتغيبنا عنهم حتى أصبحنا، وباتوا يطلبوننا فى الجبل، وعمّى الله عليهم أن يهتدوا طريق المدينة، فلما كان الغد ضحوة أقبل عبيد الله بن مالك/بن عبيد التيمى (٢) يختلى لفرسه حشيشا، فقلت لسلمة بن أسلم: إن أبصرنا أشعر بنا أهل مكة - وقد قصروا عنا - فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا، فخرجت فطعنته تحت الثدى بخنجرى فسقط، فصاح فأسمع أهل مكة، فأقبلوا بعد تفرقهم، ودخلت الغار وقلت لصاحبى: لا تتحرك، وأقبلوا حتى أتوا عبيد الله بن مالك فقالوا: من قتلك؟ قال: عمرو بن أمية. قال أبو سفيان: قد علمنا أنه لم يأت بعمرو خير - ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا لأنه كان فى آخر رمق،

стр. 470

فمات. وشغلوا عنا وعن طلبنا بصاحبهم، فحملوه، فمكثنا ليلتين فى مكاننا ثم خرجنا، فقال صاحبى: يا عمرو بن أمية هل لك فى خبيب بن عدىّ ننزله؟ فقلت: أين هو؟ قال: هو ذاك مصلوب حوله الحرس، فقلت: أمهلنى وتنحّ عنى، فإن خشيت شيئا فانجح إلى بعيرك فاقعد عليه وأت رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، ودعنى فإنى عالم بالمدينة، ثم اشتددت عليه وحللته فحملته على ظهرى، فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا فى طلب أثرى فطرحت الخشبة فما أنسى وقعها - دب: يعنى صوتها - ثم أهلت عليه التراب برجلى، فأخذت بهم طريق الصفراء (١)، فأعيوا فرجعوا - وكنت لا أدرى مع بقاء نفسى - فانطلق صاحبى إلى البعير فركب وأتى النبى ﷺ فأخبره، وأقبلت حتى أشرفت على الغميم غميم ضجنان (٢)، فدخلت فى غار فيه معى قوسى وأسهم وخنجر، فبينا أنا فيه إذ أقبل رجل من بنى بكر من بنى الديل أعور طويل، يسوق غنما ومعزا، فدخل علىّ الغار فقال: من الرجل؟ فقلت: من بنى بكر. فقال: وأنا من بنى بكر. ثم اتّكأ فرفع عقيرته يتغنى يقول: -

стр. 471

فلست بمسلم (١) مادمت حيّا … ولست أدين دين المسلمينا فقلت فى نفسى: والله إنى لأرجو أن أقتلك. فلما نام قمت إليه فقتلته/شر قتلة قتلها أحد قط، ثم خرجت فهبطت، فلما أسهلت فى الطريق إذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان الأخبار، فقلت: استأسرا. فأبى أحدهما فرميته فقتلته، فلما رأى ذلك الآخر استأسر، فشددته وثاقا، ثم أقبلت به إلى النبى ﷺ وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام. فيها رأى النبى ﷺ فى النوم أنه دخل البيت، وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت، وعرّف مع المعرفين؛ فاستنفر أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيئوا للخروج [(٢) وقدم عليه بسر بن سفيان الكعبىّ فى ليال بقيت من شوال سنة ست، فقدم مسلّما على رسول الله ﷺ زائرا له، وهو على الرجوع إلى أهله، فقال له رسول الله ﷺ : يا بسر، لا تبرح حتى تخرج (٢)] معنا فإنا إن شاء الله معتمرون، فأقام وابتاع بدنا لرسول الله ﷺ ، وكان يبعث بها [إلى] (٣) ذى الجدر (٤) حتى حضر خروجه، فأمر بها فجلبت

стр. 472

إلى المدينة، وسلّمها إلى ناجية بن جندب الأسلمى ليقدمها إلى ذى الحليفة. واغتسل فى بيته، ولبس ثوبين من نسج صحار، وأحرم ودخل بيته محرما، وكان معه رجل من الأنصار، فوقف الأنصارى بالباب، فقال له: ألا تدخل؟ فقال: أحمسىّ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : وأنا أحمسىّ، دينى ودينك سواء. فدخل الأنصارى على رسول الله ﷺ لما رآه دخل من بابه، فأنزل الله ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اِتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها﴾ (١) وركب راحلته القصوى من عند بابه، وخرج فى ذى القعدة معتمرا - لا يريد حربا - بمن معه من المهاجرين والأنصار. ومن تبعه من الأعراب، وهم سبعمائة - وقيل ألف وخمسمائة، ويقال ألف وأربعمائة، وقيل ألف وستمائة، ويقال ألف وثلاثمائة، وقيل ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا (٢) - وخرج المسلمون لا يشكون فى الفتح؛ للرؤيا المذكورة. وخرج النبى ﷺ ومعه زوجته (٣) أم سلمة، ولم يخرج معه بسلاح سوى السيوف فى القرب، وقال عمر بن الخطاب: أتخشى يا رسول الله علينا من أبى سفيان بن حرب وأصحابه، ولم تأخذ للحرب عدتها؟! فقال: ما أدرى، ولست أحبّ أحمل السلاح معتمرا. وقال سعد بن عبادة: لو حملنا يا رسول الله السلاح معنا؛

стр. 473

فإن رأينا من القوم ريبا كنّا معدّين لهم. فقال: لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمرا. وساق الهدى النبىّ ﷺ وجماعة من أصحابه، منهم أبو بكر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد بن عبادة. /واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم - ويقال نميلة بن عبد الله الليثى - فصلى الظهر بذى الحليفة، ثم دعا بالبدن التى ساق؛ وهى سبعون بدنه، منها جمل لأبى جهل فى أنفه برة (١) من فضة، فجلّلت (٢) ثم أشعر (٣) منها عدة - وهى موجّهات إلى القبلة - فى الشق الأيمن وقلّدها، ثم أمر ناجية بن جندب بإشعار ما بقى، وقلد نعلا [نعلا] (٤) وأشعر المسلمون بدنهم، وقلدوا النعال فى رقابها، ثم أحرم بالعمرة ولبّى، وقدم أمامه عبّاد بن بشر فى عشرين فارسا - منهم رجال من المهاجرين والأنصار - طليعة. ولما مرّ رسول الله ﷺ بالأبواء - فى بدئه أو عوده - قال: إن الله قد أذن لمحمد فى زيارة أمه، فأتى رسول الله ﷺ قبر أمه فأصلحه وبكى عنده، وبكى المسلمون لبكاء رسول الله ﷺ ، فقيل له [فى ذلك] (٥) فقال: أدركتنى رحمة رحمتها فبكيت.

стр. 474

وبلغ المشركين خروج النبى ﷺ فاجتمعوا لصدّه عن المسجد الحرام، وخرجوا إلى بلدح (١) فعسكروا به وقدموا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبى جهل فى مائتى فارس إلى كراع الغميم. فلما انتهى النبى ﷺ لغدير الأشطاط (٢) - وراء عسفان - لقيه بسر بن سفيان الخزاعى - وكان دخل مكة فسمع كلامهم وعرف رأيهم - فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل (٣)، قد لبسوا جلود النمر (٤)، يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وهذا خالد بن الوليد فى خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم. فقال رسول الله ﷺ : يا ويح قريش، لهذا أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بينى وبين الناس؛ فإن أصابونى كان الذى أرادوا، وإن ظفّرنى الله عليهم دخلوا فى الإسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فماذا تظن قريش؟! والله لا أزال أجاهدهم على الذى بعثنى الله له (٥) أو تنفرد هذه السّالفة.

стр. 475

ثم دنا خالد فى خيله حتى ظهر لأصحاب رسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ عبّاد بن بشر فتقدم فى خيله، فأقام/بإزائه، وصف أصحابه. وحانت صلاة الظهر فصلّى رسول الله ﷺ بأصحابه صلاة الخوف بعسفان، فقال المشركون: لقد أصبنا غرّة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم فى الصلاة!! فنزلت آية القصر (١) بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة - والمشركون أمامه - فصفّ خلف رسول الله ﷺ [صفّ] (٢)، وصف بعد ذلك الصف صفّ آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصف الذى يليه، وقام الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذى يليه إلى مقام الآخرين، وتقدّم الصفّ الآخر إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعا، ثم سجد وسجد الصفّ الذى يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله ﷺ والصف الذى يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعا فسلّم بهم جميعا (٣). فلما أن أمسى النبىّ ﷺ قال لأصحابه: تيامنوا فى هذا العصل (٤) - موضع منعطف فى الوادى - فإن عيون قريش بمرّ

стр. 476

الظهران وضجنان. ثم قال ﷺ : من يخرج بنا على طريق نخرج به من ظهورهم؟ فقال رجل من المسلمين (١): أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب، فلما خرجوا منه - وشق ذلك على المسلمين - أفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادى، فقال لهم النبى ﷺ : قولوا نستغفر الله ونتوب إليه. فقالوها، فقال ﷺ : إنها الحطّة التى عرضت على بنى إسرائيل فلم يقولوها. ويقال إن النبى ﷺ أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين ظهرى الحمض على طريق يخرجه على ثنية المرار والحديبيّة من أسفل مكة، فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت [خيل] (٢) قريش كثرة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش. وخرج النبى ﷺ حتى إذا سلك فى ثنية المرار ودنا من الحديبية [وقعت يدا ناقته] (٣) على ثنية تهبطه على غائط القوم فبركت، فقال الناس:

стр. 477

حل حل - يزجرونها - فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت (١) القصوى. فقال النبى ﷺ : ما خلأت وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، إنا والله الذى نفسى/بيده لا تدعونى قريش اليوم إلى خطّة (٢) يسألونى فيها تعظيم حرمات الله وصلة الرحم إلاّ أعطيتهم إيّاها. ثم زجرها فوثبت فعدل بهم راجعا - عوده على بدئه - حتى نزل بنا أقصى الحديبية، على ثمد (٣) من أثمادها قليل الماء، وقال للناس؛ انزلوا. قالوا: يا رسول الله ما بالوادى من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج النبى ﷺ سهما من كنانته فأعطاه البراء بن عازب - وقيل ناجية بن جندب، ويقال خالد بن عبادة الغفارى - فغرزه فى جوف البئر فجاش الماء بالرّواء حتى اغترفوا بأنفسهم جلوسا على شفيره حتى صدروا عنه وكفى جميعهم، حتى ضرب الناس فيه بعطن. ويقال إن المسلمين عطشوا بالحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها إذ خرس (٤) الناس نحوه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، ما لنا ماء نتوضأ به ولا نشرب منه إلا ما بين يديك. فوضع رسول الله ﷺ يده على الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشرب المسلمون وتوضئوا.

стр. 478

ويقال إن المسلمين نزحوا البئر التى بالحديبية فلم يتركوا فيها قطرة، فبلغ النبى ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء فيه ماء فتوضأ وتمضمض ودعا ثم صبّه فيها فتركوها غير بعيد، ثم إنها أصدرتهم جميعا وركابهم. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا به بابن ورقاء فى رجال من خزاعة - وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله ﷺ ؛ مسلمها ومشركها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئا كان بمكة - فقال لهم النبى ﷺ مثل قوله لبسر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد؛ إن محمدا لم يأت لقتال إنما جاء زائرا لهذا البيت معظّما لحقه. فاتّهموهم؛ فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها أبدا عنوة علينا، ولا تحدّث بذلك العرب. وبعث رسول الله ﷺ خراش بن أمّية الخزاعى/إلى مكة وحمله على جمل له يقال له الثعلب، فلما دخل مكة عقرت به قريش (١)، وأرادوا قتله فمنعهم الأحابيش (٢) حتى أتى رسول الله ﷺ ، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إنى أخاف قريشا على نفسى وليس بها من بنى عدى من يمنعنى، وقد

стр. 479

عرفت قريش عداوتى إيّاها وغلظتى عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعزّ منى؛ عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته. فخرج عثمان حتى أتى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله بين يديه، وأردفه خلفه، وأجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ . فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ . فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قتل؛ فدعا النبى ﷺ الناس إلى بيعة الرّضوان، فبايعهم تحت الشجرة - وعمر بن الخطاب آخذ بيده - على ألا يفروا، [وقيل: بايعهم] (١) على الموت، وضرب بيمينه على شماله وقال: هذه لى وهذه لعثمان إن كان حيّا. فكان كمن شهدها. ثم إن قريشا بعثوا إلى النبى ﷺ مكرز بن حفص بن الأخيف أخا بنى عامر بن لؤى، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا رجل غادر. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ كلّمة رسول الله ﷺ بنحو ما كلم به أصحابه. ثم رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله

стр. 480

ﷺ . فبعثوا إليه الحليس بن علقمة الكنانى - وهو يومئذ سيّد الأحابيش - فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هذا رجل من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدى فى وجهه. فبعثوا الهدى، /فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادى فى قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، رجع ولم يصل للنبى ﷺ إعظاما لما رأى، فقال: يا معشر قريش قد رأيت ما لا يحل صدّه: الهدى فى قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس فإنما أنت أعرابى لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفى فقال: يا معشر قريش إنى قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه (١) إلى محمد - إذا جاءكم - من التّعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأنى ولد - وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس - وقد سمعت بالذى نابكم، فجمعت من أطاعنى من قومى، ثم جئت حتى أواسيكم بنفسى. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتى أتى النبىّ ﷺ ، فجلس بين يديه فقال: يا محمد جمعت أوباش (٢) الناس ثم جئت بهم لبيضتك (٣) لنقضها؛ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله ألاّ تدخلها عليهم عنوة أبدا، وأيّم الله لكأنى بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبو بكر

стр. 481

الصديق خلف رسول الله ﷺ ، فقال: امصص ببظر اللات، أنحن ننكشف عنه؟! قال: فمن هذا يا محمد؟ قال: ابن أبى قحافة. قال: أما والله لولا يد كانت (١) لك عندى لكافأتك بها ولكن هذه بها. ثم تناول لحية النبى ﷺ ، والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ فى الحديد، فقرع يده ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل - والله - ألا (٢) تصل إليك. قال: ويحك ما أفظّك وأغلظك!! فتبسّم رسول الله ﷺ ، فقال عروة من هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. قال: يا غدر، وهل غسلت سوأتك (٣) إلا بالأمس. فكلمه رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضأ وضوءا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شئ إلا أخذوه - فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إنى جئت كسرى فى ملكه، وجئت قيصر والنجاشىّ فى ملكهما، /والله ما رأيت ملكا قط مثل محمد فى أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشئ أبدا، فرو رأيكم.

стр. 482

ثم إن قريشا بعثوا بسهيل بن عمرو أحد (١) بنى عامر بن لؤى وقالوا: إئت محمدا فصالحه، ولا يكون فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تتحدّث العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه النبى ﷺ قال: قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلم (٢) فأطال الكلام، وتراجعا حتى جرى بينهما الصلح. فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب ﵁ فأتى أبا بكر فقال: أوليس برسول الله؟! أولسنا بالمسلمين؟! أوليسوا بالمشركين؟! قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدّنّية فى ديننا؟! فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه (٣) حيث كان؛ فإنى أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد. ثم أتى عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟! أوليسوا بالمشركين؟! قال: بلى. قال: فعلام نعطى الدّنيّة فى ديننا؟! فقال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن

стр. 483

يضيعنى (١) الله . ثم دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال له رسول الله ﷺ : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل ابن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ : اكتب باسمك اللهم، هذا ما قاضى (٢) عليه محمد رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو. فقال: لو علمنا أنك رسول الله ﷺ ما منعناك ولا قاتلناك، ولكن اكتب هذا ما قاضى (٢) عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو. فقال النبى ﷺ : أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله. ثم قال لعلى: امح رسول الله. قال: والله لا أمحوك أبدا. فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب فكتب: هذا ما قاضى (٣) عليه محمد بن عبد الله، لا يدخل مكة بسلاح إلا [السيوف] (٤) فى الأقراب، وألا يخرج من أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه، وألا يمنع أحدا من أصحابه إن أراد أن يقيم فيها. ويقال إن صفة الكتاب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله/سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن (٥)

стр. 484

الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول (١) الله من قريش (٢) بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع رسول (١) الله ﷺ لم يردّوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة (٣)، وأنه لا إسلال ولا إغلال (٤)، وكان فى شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحبّ أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم، وأن يرجع عنا عامنا هذا فلا يدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنها فتدخلها بأصحابك، وأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف (٥) فى القرب. فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو فى الحديد - قد أثقله - إلى رسول الله ﷺ . وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه خرجوا وهم لا يشكّون فى الفتح،

стр. 485

لرؤيا رسول الله ﷺ ، فلما رأوا ما رأوه من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله ﷺ على نفسه دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه ثم قال: يا محمد قد لجّت (١) القضيّة بينى وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت (٢). فقام إليه فأخذ بتلبيبه، قال وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أتردونى إلى أهل الشرك فيفتنونى فى دينى؟! فزاد الناس شرّا إلى ما بهم، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عقدا، وإنا لن نغدر بهم. فوثب (٣) عمر بن الخطاب مع أبى جندل فجعل يمشى إلى جنبه وهو يقول: اصبر يا أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب - ويدنى قائم السيف منه، يقول: رجوت أن/يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ الرجل بأبيه - ونفذت القضية. فلما فرغا من الكتاب - وكان رسول الله ﷺ يصلى فى الحرم وهو مضطرب [فى الحل] (٤) - فقام رسول الله ﷺ فقال: يا أيها

стр. 486

الناس انحروا. فما قام أحد، ثم عاد بمثلها، فما قام أحد (١)، ثم عاد بمثلها فما قام رجل. فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أم سلمة، فقال: يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمنّ منهم إنسانا، واعمد إلى هديك - حيث كان - فانحر واحلق، فلو فعلت ذلك فعل الناس ذلك. فخرج رسول الله ﷺ لا يكلّم أحدا - حتى أتى هديه فنحره ثم جلس؛ فقام الناس ينحرون ويحلقون - وبعث الله ريحا عاصفة فاحتملت شعور المسلمين فألقتها فى الحرم. ولبث ﷺ بالحديبية عشرين يوما، وقيل بضعة عشر، وقيل شهرا ونصف شهر، ثم رجع ﷺ إلى المدينة الشريفة. فلما رجع رسول الله ﷺ انفلت من مكة أبو بصير بن أسيد ابن جارية (٢) الثقفى ومعه خمسة نفر، فأتوا رسول الله ﷺ مسلمين مهاجرين، فبعث فى أثرهم الأخنس بن شريق رجلين من بنى منقذ، أحدهما - زعموا - موالى، والآخر من أنفسهم اسمه خنيس (٣) بن جابر - وكان ذا جلد ورأى فى أنفس المشركين - وجعل لهما الأخنس فى طلبهما أبا بصير جعلا، ولم يرسل أحد من قريش فى

стр. 487

الخمسة الباقين أحدا، فقدم خنيس بن جابر ورفيقه على رسول الله ﷺ فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كانوا بذى الحليفة سلّ خنيس سيفه ثم هزّه فقال: لأضربن بسيفى هذا فى الأوس والخزرج يوما إلى الليل. فقال له أبو بصير: أو صارم سيفك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولينه أنظر إليه. فناوله إياه، فلما قبضه ضربه به حتى برد - ويقال: بل تناول/سيف العامرى (١) بفيه وهو نائم فقطع إساره ثم ضربه به حتى برد - ثم طلب الآخر فجمز. مرعوبا مستحفيا حتى دخل المسجد - ورسول الله ﷺ جالس فيه - تطن الحصباء من شدة سعيه، فقال رسول الله ﷺ : لقد رأى هذا ذعرا. فأقبل حتى استغات رسول الله ﷺ ، وجاء أبو بصير يتلوه. فسلّم على رسول الله ﷺ وقال: وفت ذمّتك؛ دفعتنى إليهما فعرفت أنهم سيعذبونى ويفتنونى عن دينى فقتلت العامرىّ (٢) وأفلتنى هذا. فقال رسول الله ﷺ : ويل أمّه مسعر حرب لو كان معه أحد. وجاء أبو بصير بسلبه إلى رسول الله ﷺ فقال: خمسه يا رسول الله. فقال: إنى إذا خمسته لم أوف لهم بالذى عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت. فخرج أبو بصير معه الخمسة نفر الذين قدموا معه من مكة، حتى إذا كانوا بين العيص وذى المروة من أرض جهينة على طريق

стр. 488

عيرات قريش مما يلى سيف البحر لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها. وانفلت من مكة أبو جندل بن سهيل بن عمرو فى سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبى بصير، وكرهوا أن يقدموا على رسول الله ﷺ فى هدنة المشركين، وكرهوا الثواء بين ظهرانى قومهم؛ فنزلوا مع أبى بصير فى منزل كريه إلى قريش، يقطعون به مادتهم من طريق الشام، واجتمع إلى أبى جندل - حين سمعوا بقدومه - ناس من بنى غفار وأسلم وجهينة، وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل؛ وهم مسلمون. فأقاموا مع أبى جندل وأبى بصير لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها؛ فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرّعون إليه أن يبعث إلى أبى بصير وأبى جندل بن سهيل، ومن تبعهما فيقدمون عليه. وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه من غير حرج أنت فيه؛ فإن هؤلاء الركب قد فتحوا علينا باب إضرار بنا. فكتب رسول الله ﷺ إلى أبى جندل وإلى أبى بصير يأمرهما أن يقدما عليه، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا/إلى بلادهم وأهليهم ولا يعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش وعيراتها. فقدم كتاب رسول الله ﷺ إلى أبى جندل وأبى بصير - وأبو بصير يموت - فمات وكتاب رسول الله ﷺ بيده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه وجعل عند قبره مسجدا. وقدم أبو جندل على رسول الله ﷺ ومعه ناس من أصحابه، ورجع سائرهم إلى أهاليهم، وأمنت عيرات قريش. ***

стр. 489

«السنة السابعة من الهجرة» فيها - ويقال فى السنة السادسة - لما سمعت قريش بأن النبى ﷺ خرج إلى خيبر وقع بينهم تبايع وتراهن عظيم، فمنهم من يقول: يظهر، ومنهم من يقول: تظهر يهود، حتى ورد عليهم مكة الحجّاج بن علاط السلمى ثم البهزىّ بعد فتح خيبر، فأتى امرأته فقال: اجمعى لى ما كان (١) عندك فإنى أريد أن أشترى من غنائم محمد وأصحابه؛ فإنهم قد استسلبوا (٢) وأصيبت أموالهم. وفشا ذلك بمكة، فانقمع المسلمون، وأظهر المشركون فرحا وسرورا، وبلغ الخبر العباس بن عبد المطلب فعقر فى مجلسه، وجعل لا يستطيع أن يقوم، فأخذا ابنا له يقال له قثم، كان يشبّه برسول الله ﷺ ، فاستلقى على قفاه ووضعه على صدره يقول: حبّى قثم … شبه (٣) ذى الأنف الأشمّ بنى ذى النّعم … برغم من زعم ثم أرسل غلاما له إلى الحجاج بن علاط فقال: ويلك ماذا جئت به وماذا تقول، فما وعد الله خير مما جئت به؟ فقال الحجاج: اقرأ أبا الفضل السلام، وقل له فليخل لى بعض بيوته فلآتيه، فإن الخبر على ما يسرّه. فجاء غلامه، فلما بلغ الباب قال: أبشر يا أبا الفضل. فوثب العباس فرحا حتى قبّل بين عينيه، فأخبره بما قال له الحجاج، فأعتقه.

стр. 490

ثم جاء الحجاج فأخبره أن النبى ﷺ قد افتتح خيبر وغنم أموالهم، وجرت سهام الله فى أموالهم، واصطفى رسول الله ﷺ صفيّة بنت حيىّ واتخذها لنفسه، وخيّرها بين أن يعتقها وتكون له زوجة أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجة. ولكن جئت لمال لى بمكة أردت أن أجمعه فأذهب به، واستأذنت رسول الله ﷺ ؛ فقلت: يا رسول الله، /إن لى بمكة مالا ولى بها أهلا، وإنى أريد أن آتيهم فأنا فى حل إن قلت فيك شيئا؟ فأذن لى رسول الله ﷺ أن أقول ما شئت، فأخف علىّ (١) ثلاثا، ثم اذكر ما بدا لك. وجمعت امرأته ما كان عندها من حلى أو متاع فدفعته إليه، ثم انشمر [به] (٢). فلما كان بعد ثلاث، أتى العباس امرأة الحجّاج فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يحزنك الله يا أبا الفضل؛ لقد شقّ علينا الذى بلغك. فقال: أجل لا يحزننى (٣)، ولم يكن بحمد الله إلا ما أحببنا، وقد أخبر الحجاج أنّ الله ﵎ فتح خيبر على رسول الله ﷺ ، وجرت بها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفيّة لنفسه؛ فإن كان لك حاجة فى زوجك فالحقى به. فقالت: أظنك والله صادقا. قال: فإنى والله صادق، والأمر على ما ذكر أخبرتك.

стр. 491

ثم ذهب العباس حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبنى إلا خير بحمد الله؛ قد أخبرنى الحجّاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله ﷺ ، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفيّة لنفسه، وقد سألنى أن أخفى عنه ثلاثا، وإنما ليأخذ ماله وما كان له من شئ هاهنا ثم يذهب. فرد الله الكآبة التى كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون: من كان داخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر فسرّ المسلمون، وردّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين (١). وفيها لما استهل ذو القعدة نادى منادى رسول الله ﷺ فى الناس: أن يتجهزوا ليعتمروا قضاء لعمرتهم (٢) التى صدهم المشركون عنها، ولا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية. فخرجوا سوى من استشهد بخيبر، أو مات، وجماعة غيرهم. فخرج النبى ﷺ فى ألفين قاصدا مكة للعمرة على ما عاقده عليه قريش فى العام الماضى بالحديبية، وساق معه ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جندب الأسلمى، وحمل السلاح: البيض (٣)

стр. 492

والدّروع والرّماح والمجانّ (١) والنّبل والأقواس، واستعمل عليه بشير (٢) بن سعد، وقاد مائة فرس، وأقام عليها محمد بن مسلمة. فلما انتهى إلى ذى الحليفة قدّم الخيل والسلاح أمامه، وأحرم من باب المسجد ولبّى والمسلمون/معه يلبّون. ومضى محمد بن مسلمة فلما كان بمرّ الظهران وجد به نفرا من قريش، فسألوه فأخبرهم بقدوم رسول الله ﷺ ، وأنه مصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله. فأتوا قريشا فأخبروهم، ففزعوا. ونزل رسول الله ﷺ بمرّ الظهران، وقدم السلاح إلى بطن يأجج - حيث ينظر إلى أنصاب الحرم - وخلف عليه أوس بن خولى الأنصارى فى مائتى رجل، وقدم الهدى أمامه، فحبس بذى طوى، وبعث جعفر بن أبى طالب بين يديه إلى ميمونة ابنة الحارث ابن حزن العامرية الهلالية فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب - وكانت تحته أختها أم الفضل ابنة الحارث - فزوّجها العباس إلى رسول الله ﷺ وهو محرم، ويقال إن ذلك كان بعد أن حلّ النبى ﷺ من عمرته، وهو الصحيح. ويروى أن رسول الله ﷺ لمّا نزل (٣) مرّ الظهران فى عمرته (٣)

стр. 493

بلغ أصحابه أن قريشا تقول يتتايعون (١) ضعفا، فقال الصحابة: يا رسول الله لو نحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومها وشحومها، وحسونا من المرق فأصبحنا غدا - حين ندخل على القوم وبنا جمال (٢). فقال النبى ﷺ : لا، ولكن ائتونى بفضول أزوادكم. فبسطوا أنطاعهم، ثم جمعوا عليها من أطعمتهم كلها، فدعا لهم فيها بالبركة، فأكلوا حتى تضلّعوا شبعا، ولمّوا فى جربهم فضول ما فضل منها. وخرج جماعة من أكابر قريش عن مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت - عداوة لله، ونفاسة وحسدا وغيظا وحنقا - إلى الخندمة، وخرج باقيهم إلى رءوس الجبال، وأخلوا مكة. ويروى أنهم اجتمعوا نحو الحجر، فدخل رسول الله ﷺ مكة من الثنية التى تطلعه على الحجون على راحلته القصوى، والمسلمون متوشّحون السيوف (٣)، محدقون برسول الله ﷺ يلبّون، وعبد الله بن/رواحة بين يدى النبى ﷺ آخذ بزمام ناقته متوشحا سيفه يرتجز ويقول: - خلّوا بنى الكفّار عن سبيله … إنّا لنشهد أنه رسوله (٤)

стр. 494

خلوا فكل الخير فى رسوله … يا رب إنى مؤمن بقيله إنى رأيت الحقّ فى قبوله … قد أنزل الرحمن فى تنزيله فى صحف تتلى على رسوله … بأنّ خير القتل فى سبيله فاليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله (١) ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله (٢) فقال له عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة بين يدى رسول الله ﷺ ، وفى حرم الله تقول الشعر؟! فقال رسول الله ﷺ : خلّ عنه يا عمر؛ فهو أسرع فيهم من نضح النبل. ويقال لما دخل النبى ﷺ مكة قام أهل مكة سماطين، وقال النبى ﷺ لأصحابه: لا يرى القوم فيكم غميزة. ولم يزل النبى ﷺ يلبى حتى استلم الركن بمحجنه، مضطبعا بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم يشتدون حوله، وابن رواحة يقول: - باسم الذى لا دين إلا دينه … باسم الذى محمد رسوله خلوا بنى الكفار عن سبيله

стр. 495

وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، وأمر النبى ﷺ بالرّمل ليرى المشركون أن بهم قوة - وكانوا قالوا فى المهاجرين قد وهنتم حمّى يثرب - ورمل النبىّ ﷺ ، ورمل أصحابه فلما بلغ الركن اليمانى، وتغيّبت قريش مشى هو وأصحابه حتى استلموا الركن الأسود، فطافوا ثلاثة أطواف فلذلك تقول قريش - وهم يمرون بهم -: يرملون كأنهم الغزلان. فكانت سنّة، ثم سعى رسول الله ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة - وهو على راحلته - سبعا، وقد وقف الهدى عند مروة فقال: هذا المنحر، وكل فجاج مكّة منحر. فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، وأتم الله له عمرته. ثم أمر ﷺ ناسا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم، ففعلوا ذلك. وأقام رسول الله ﷺ بمكة/ثلاث ليال، فلما كان فى اليوم الرابع عند الظهر جاء سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى فقالا: قد انقضى الأجل فاخرج عنا. فقال النبى ﷺ : إنى قد نكحت فيكم امرأة؛ فما يضركم إن مكثت حتى أدخل بها ونصنع طعاما فنأكل وتأكلون معنا؟ فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا. فأمر النبى ﷺ أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسينّ بها أحد من المسلمين. وخلف أبا رافع ليحمل ميمونة حين يمشى. ويروى لما مضى الأجل أتى المشركون عليا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل. ولما انطلق استلم الحجر وقام وسط
следующие страницы →