← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ثم ذهب العباس حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل. قال: لم يصبنى إلا خير بحمد الله؛ قد أخبرنى الحجّاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله ﷺ ، وجرت فيها سهام الله، واصطفى رسول الله ﷺ صفيّة لنفسه، وقد سألنى أن أخفى عنه ثلاثا، وإنما ليأخذ ماله وما كان له من شئ هاهنا ثم يذهب. فرد الله الكآبة التى كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون: من كان داخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر فسرّ المسلمون، وردّ الله ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين (١). وفيها لما استهل ذو القعدة نادى منادى رسول الله ﷺ فى الناس: أن يتجهزوا ليعتمروا قضاء لعمرتهم (٢) التى صدهم المشركون عنها، ولا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية. فخرجوا سوى من استشهد بخيبر، أو مات، وجماعة غيرهم. فخرج النبى ﷺ فى ألفين قاصدا مكة للعمرة على ما عاقده عليه قريش فى العام الماضى بالحديبية، وساق معه ستين بدنة، وجعل عليها ناجية بن جندب الأسلمى، وحمل السلاح: البيض (٣)

стр. 492

والدّروع والرّماح والمجانّ (١) والنّبل والأقواس، واستعمل عليه بشير (٢) بن سعد، وقاد مائة فرس، وأقام عليها محمد بن مسلمة. فلما انتهى إلى ذى الحليفة قدّم الخيل والسلاح أمامه، وأحرم من باب المسجد ولبّى والمسلمون/معه يلبّون. ومضى محمد بن مسلمة فلما كان بمرّ الظهران وجد به نفرا من قريش، فسألوه فأخبرهم بقدوم رسول الله ﷺ ، وأنه مصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله. فأتوا قريشا فأخبروهم، ففزعوا. ونزل رسول الله ﷺ بمرّ الظهران، وقدم السلاح إلى بطن يأجج - حيث ينظر إلى أنصاب الحرم - وخلف عليه أوس بن خولى الأنصارى فى مائتى رجل، وقدم الهدى أمامه، فحبس بذى طوى، وبعث جعفر بن أبى طالب بين يديه إلى ميمونة ابنة الحارث ابن حزن العامرية الهلالية فخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب - وكانت تحته أختها أم الفضل ابنة الحارث - فزوّجها العباس إلى رسول الله ﷺ وهو محرم، ويقال إن ذلك كان بعد أن حلّ النبى ﷺ من عمرته، وهو الصحيح. ويروى أن رسول الله ﷺ لمّا نزل (٣) مرّ الظهران فى عمرته (٣)

стр. 493

بلغ أصحابه أن قريشا تقول يتتايعون (١) ضعفا، فقال الصحابة: يا رسول الله لو نحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومها وشحومها، وحسونا من المرق فأصبحنا غدا - حين ندخل على القوم وبنا جمال (٢). فقال النبى ﷺ : لا، ولكن ائتونى بفضول أزوادكم. فبسطوا أنطاعهم، ثم جمعوا عليها من أطعمتهم كلها، فدعا لهم فيها بالبركة، فأكلوا حتى تضلّعوا شبعا، ولمّوا فى جربهم فضول ما فضل منها. وخرج جماعة من أكابر قريش عن مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت - عداوة لله، ونفاسة وحسدا وغيظا وحنقا - إلى الخندمة، وخرج باقيهم إلى رءوس الجبال، وأخلوا مكة. ويروى أنهم اجتمعوا نحو الحجر، فدخل رسول الله ﷺ مكة من الثنية التى تطلعه على الحجون على راحلته القصوى، والمسلمون متوشّحون السيوف (٣)، محدقون برسول الله ﷺ يلبّون، وعبد الله بن/رواحة بين يدى النبى ﷺ آخذ بزمام ناقته متوشحا سيفه يرتجز ويقول: - خلّوا بنى الكفّار عن سبيله … إنّا لنشهد أنه رسوله (٤)

стр. 494

خلوا فكل الخير فى رسوله … يا رب إنى مؤمن بقيله إنى رأيت الحقّ فى قبوله … قد أنزل الرحمن فى تنزيله فى صحف تتلى على رسوله … بأنّ خير القتل فى سبيله فاليوم نضربكم على تأويله … كما ضربناكم على تنزيله (١) ضربا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله (٢) فقال له عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة بين يدى رسول الله ﷺ ، وفى حرم الله تقول الشعر؟! فقال رسول الله ﷺ : خلّ عنه يا عمر؛ فهو أسرع فيهم من نضح النبل. ويقال لما دخل النبى ﷺ مكة قام أهل مكة سماطين، وقال النبى ﷺ لأصحابه: لا يرى القوم فيكم غميزة. ولم يزل النبى ﷺ يلبى حتى استلم الركن بمحجنه، مضطبعا بثوبه، وطاف على راحلته والمسلمون يطوفون معه قد اضطبعوا بثيابهم يشتدون حوله، وابن رواحة يقول: - باسم الذى لا دين إلا دينه … باسم الذى محمد رسوله خلوا بنى الكفار عن سبيله

стр. 495

وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، وأمر النبى ﷺ بالرّمل ليرى المشركون أن بهم قوة - وكانوا قالوا فى المهاجرين قد وهنتم حمّى يثرب - ورمل النبىّ ﷺ ، ورمل أصحابه فلما بلغ الركن اليمانى، وتغيّبت قريش مشى هو وأصحابه حتى استلموا الركن الأسود، فطافوا ثلاثة أطواف فلذلك تقول قريش - وهم يمرون بهم -: يرملون كأنهم الغزلان. فكانت سنّة، ثم سعى رسول الله ﷺ وأصحابه بين الصفا والمروة - وهو على راحلته - سبعا، وقد وقف الهدى عند مروة فقال: هذا المنحر، وكل فجاج مكّة منحر. فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، وأتم الله له عمرته. ثم أمر ﷺ ناسا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم، ففعلوا ذلك. وأقام رسول الله ﷺ بمكة/ثلاث ليال، فلما كان فى اليوم الرابع عند الظهر جاء سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى فقالا: قد انقضى الأجل فاخرج عنا. فقال النبى ﷺ : إنى قد نكحت فيكم امرأة؛ فما يضركم إن مكثت حتى أدخل بها ونصنع طعاما فنأكل وتأكلون معنا؟ فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا. فأمر النبى ﷺ أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسينّ بها أحد من المسلمين. وخلف أبا رافع ليحمل ميمونة حين يمشى. ويروى لما مضى الأجل أتى المشركون عليا فقالوا: قل لصاحبك أخرج عنا فقد مضى الأجل. ولما انطلق استلم الحجر وقام وسط

стр. 496

المسجد والتفت إلى البيت وقال: إنى لأعلم ما وضع [الله] (١) فى الأرض بيتا أحب إليه منك، وما فى الأرض بلد أحبّ إلىّ منك، وما خرجت عنك رغبة ولكن الذين كفروا هم أخرجونى. ثم نادى يا بنى عبد مناف. لا يحل لعبد منع عبدا صلى فى هذا المسجد أية (٢) ساعة شاء من ليل أو نهار. ويروى لما خرج النبى ﷺ وقف إلى الحزورة - ويقال [لما أخرج من مكة] (٣) قال: أما والله إنى لأخرج منك وإنى لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت منك، يا بنى عبد مناف إن كنتم ولاة هذا الأمر من بعدى فلا تمنعوا طائفا أن يطوف بيت الله أى ساعة شاء من ليل أو نهار، ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذى لها عند الله ، اللهم إنك أذقت أوّلهم نكالا فأذق آخرهم نوالا (٤). وركب رسول الله ﷺ حتى نزل سرف، وتبعتهم عمارة ابنة حمزة تقول: يا عمّ يا عمّ. ويروى: قعدت لهم على قارعة الطريق، فمرّ بها النبى ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إلى من تدعنى؟ فمضى ولم يلتفت إليها؛ وذلك للعهد الذى بين النبى ﷺ وأهل مكة: من

стр. 497

دخل منا إليكم رددتموه علينا، ومن دخل إلينا منكم رددناه إليكم. ومرّ الناس فنادتهم فلم يلتفتوا إليها حتى مرّ علىّ بن أبى طالب فقالت: يا عمّ يا عمّ إلى من تدعنى؟ فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك، احمليها، ويروى لما قالت له يا عمّ إلى من تدعنى مال إليها فقال: ناولينى يديك. فناولته يديها فحملها خلفه، فلما/استقر بهم المنزل اختصم فيها علىّ وجعفر وزيد، فقال على: أنا أحق بها وهى ابنة عمى، وأنا أخرجتها. وقال جعفر: ابنة عمى وخالتها تحتى، وأنا أحقّ بها، وقال زيد: ابنة أخى. فقضى بها النبى ﷺ لجعفر من أجل أن خالتها أسماء بنت عميس تحته وقال: الخالة بمنزلة الأم. وقال لعلى: يا على أنت منى وأنا منك. وقال لجعفر: أشبهت خلقى وخلقى. وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا. ويروى أن على بن أبى طالب كلم النبى ﷺ فى إخراج عمارة ابنة حمزة فأخرجها (١). وأقام رسول الله ﷺ بسرف حتى قدمت عليه ميمونة فبنى بها ثمّ، وقد نالها ومن معها أذى وعناء من سفهاء المشركين وصبيانهم. ثم أدلج رسول الله ﷺ فسار حتى قدم المدينة.

стр. 498

وفيها ويقال فى التى بعدها خرج أبو العاص بن الربيع، وقدم المدينة فى جماعة تجّارا إلى الشام، فلما عادوا وجدتهم سريّة لرسول الله ﷺ ، مقدمها زيد بن حارثة، فأخذوا ما معهم، واستأسروا بعضهم، وهرب أبو العاص مستخفيا، فأجارته زوجته زينب بنت النبى ﷺ ، وقال ﷺ لأصحاب السرية فى ماله فردّوه عليه، ثم قدم إلى مكّة فردّ ما للناس عنده، ثم قال: يا معشر قريش هل بقى لأحد منكم عندى مال؟ قالوا: لا. قال: إنى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله ما منعنى من الإسلام إلا خوفا أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم. ثم خرج فقدم على رسول الله ﷺ ، فردّ عليه رسول الله ﷺ زينب بالنكاح الأول - ويقال ردّها بنكاح جديد (١). *** «السنة الثامنة من الهجرة» فيها خرج من مكة خالد بن الوليد، وعثمان بن طلحة، وعمرو بن العاص فقدموا المدينة وأسلموا. قال خالد بن الوليد: لما أراد الله لى ما أراد من الخير قذف فى قلبى الإسلام، وحضرنى رشدى، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد فليس موطن [أشهده] (٢) إلا أنصرف وأنا أرى فى نفسى أنى موضع فى غير

стр. 499

شئ، وأن محمدا سيظهر. فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية/ خرجت فى خيل المشركين، فلقيت رسول الله ﷺ فى أصحابه بعسفان؛ فقمت بإزائه وتعرّضت له، فصلى الظهر أمامنا (١) فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا - (٢) وكانت فيه خيرة (٢) - فاطّلع على ما فى أنفسنا [من الهمّ به] (٣)؛ فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا فقلت: الرجل ممنوع. فافترقنا، وعدل عن سنن خيلنا وأخذ ذات اليمين، فلما صالح قريشا بالحديبية، ودافعته قريش بالرّواح (٤) قلت فى نفسى: أى شئ بقى؟! أين المذهب؟ إلى النجاشى!! فقد اتّبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل؟! فأخرج من دينى إلى نصرانية أو يهودية فأقيم مع ((٥) عيب ذلك (٥)!! أو أقيم فى دارى فيمن بقى؟! فأنا على ذلك؟ إذ دخل رسول الله ﷺ [مكة] (٦) فى عمرة القضيّة، فتغيّبت ولم أشهد دخوله، وكان أخى الوليد قد دخل مع النبى ﷺ فى عمرة القضيّة، فطلبنى فلم يجدنى، فكتب إلى كتابا فإذا فيه:

стр. 500

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنى لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام، وعقلك عقلك!! ومثل الإسلام ما يجهله أحد، وقد سألنى رسول الله ﷺ عنك فقال: أين خالد؟ فقلت: يأتى الله به. فقال: ما مثله جهل الإسلام!! ولو كان جعل نكايته (١) وحدّه مع المسلمين كان خيرا له، ولقدّمناه على غيره. فاستدرك يا أخى ما قد فاتك [من] (٢) مواطن صالحة. فلما جاءنى كتابه نشطت للخروج، وزادنى رغبة فى الإسلام، وسرّنى سؤال (٣) رسول الله ﷺ عنى - وأرى فى النوم كأنى فى بلاد ضيقة جلدة (٤)، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة، قلت: إن هذه لرؤيا. فلما قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبى بكر، فذكرتها، فقال: هو مخرجك الذى هداك الله إلى الإسلام، والضّيق الذى كنت فيه الشّرك.

стр. 501

فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله ﷺ قلت: من أصاحب إلى محمد؟ فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب، أما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن كأضراس (١)، وقد ظهر محمد على العرب والعجم/. فلو قدمنا على محمد فاتبعناه؛ فإن شرف محمد لنا شرف، فأبى أشد الإباء، وقال: لو لم يبق غيرى ما اتبعته أبدا. فافترقنا وقلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر. فلقيت عكرمة بن أبى جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أميّة؛ فقال لى مثل ما قال صفوان، قلت: فاكتم ذكر ما قلت لك. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلى [وأمرت] (٢) براحلتى تخرج إذ لقينى عثمان بن طلحة فقلت: إن هذا لى صديق، فلو ذكرت له ما أرجو!! ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره، فقلت: وما علىّ وأنا راحل من ساعتى. فذكرت له ما صار الأمر إليه؛ فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب فى جحر لو صبّ فيه ذنوب ماء خرج. وقلت له نحوا مما قلت لصاحبى، فأسرع الإجابة وقال: إنى غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو، وهذه راحلتى بفخّ مناخة. قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج؛ إن سبقنى أقام وإن سبقته أقمت عليه. فأدلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهداة (٣)،

стр. 502

فنجد عمرو بن العاص بها فقال: مرحبا بالقوم. فقلنا: وبك. قال: أين مسيركم؟ قلنا: ما أخرجك فقال: ما أخرجكم؟ قلنا: الدخول فى الإسلام واتباع محمد [ ﷺ ] (١). قال: وذلك الذى أقدمنى. فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فى صفر وأسلمنا. وفيها كان فتح مكة، وسببه أن مالك بن عبّاد (٢) الحضرمى حليف الأسود بن رزن الديلى خرج تاجرا فلما توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت [خزاعة] (٣) قبيل الإسلام على بنى الأسود بن رزن الديلى وهو متجر (٤) بنى كنانة وأشرافهم، [سلمى] (٥) وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم. فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين قريش دخلت خزاعة - مؤمنها وكافرها - فى عقد رسول الله ﷺ ، ودخلت/بنو بكر فى عقد قريش.

стр. 503

ثم إن بنى الديلى بن بكر بن عبد مناة بن كنانة [(١) أرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك النفر الذين أصابوا منهم (١)] فلما دخل شعبان (٢) كلمت [(٣) بنو نفاثة من بنى الديل بن بكر (٣)] أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالسلاح والرجال، فوعدوهم ووافوهم - متنقبين متنكرين - بالوتير - ماء لخزاعة أسفل مكة - فيهم صفوان ابن أمية، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص بن الأخيف فبيتوهم ليلا وهم آمنون غارّون؛ فقتلوا منهم عشرين رجلا. ثم ندمت قريش على ما صنعت، وعلموا أن هذا نقض للعهد والموادعة التى كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ فى صلح الحديبية. وخرج عمرو بن سالم الخزاعى، ومعه بديل بن ورقاء فى أربعين راكبا من خزاعة حتى قدموا على رسول الله ﷺ ، فقال عمرو ابن سالم: - يا رب إنى ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا … ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا إلى أن قال: إن قريشا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لى فى كداء رصّدا … وزعموا أن لست أدعو أحدا

стр. 504

وهم أذلّ وأقلّ عددا … هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتّلونا ركّعا وسجّدا وأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، فقام رسول الله ﷺ وهو يجرّ رداءه ويقول: لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب مما أنصر منه نفسى. ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بنى كعب - ويقال: لما خرج النبى ﷺ وكان بالروحاء نظر إلى سحاب منصب (١) فقال: إن هذا السحاب لينصب (٢) بنصر بنى كعب. فقام رجل من بنى عدى بن عمرو أخو بنى كعب بن عمرو فقال: يا رسول الله، ونصر بنى عدىّ. فقال رسول الله ﷺ : ترب نحرك، وهل عدىّ إلا كعب. وكعب إلا عدىّ. فاستشهد ذلك الرجل فى ذلك السفر. وقال رسول الله/ ﷺ : كأنكم بأبى سفيان قد جاء ليشد (٣) العقد ويزيد فى المدة. ثم انصرفوا راجعين فلقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ وقد رهبوا (٤) الذى

стр. 505

صنعوا - فسألهم: من أين؟ فقالوا: سرنا فى هذا الساحل فى بطن هذا الوادى. فعمد أبو سفيان إلى مبرك رواحلهم فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ فدخل على ابنته أم حبيبة فلم تمكنه من الجلوس على فراش النبى ﷺ وطوته عنه. ثم خرج فأتى النبىّ ﷺ فلم يردّ عليه شيئا، فتتبّع أشراف قريش والأنصار فكلمهم، وكل يقول: عقدنا فى عقد رسول الله ﷺ . فلما يئس منهم دخل على فاطمة ابنة رسول الله ﷺ وكلمها فقالت: إنما أنا امرأة. فقال: مرى أحد ابنيك ليجير بين الناس. فقالت: ليس مثلهما يجير. قال: فكلّمي لى عليا. قالت: كلّمه أنت. فكلمه فقال له: ليس أحد يفتات على رسول الله ﷺ بجوار، وأنت سيّد قريش وأكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك. قال: صدقت وأنا كذلك. فخرج فصاح: ألا إنى قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرنى أحد، ولا يرد جوارى. فقال له النبى ﷺ : أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة. وخرج على ذلك. فقال النبىّ ﷺ حين أدبر - اللهم خذ على سمعهم وأبصارهم فلا يرونا (١) إلا بغتة ولا يسمعون بنا إلا فجأة. وقدم أبو سفيان على قريش فأخبرهم بما صنع، فقالوا له: هل أجاز (٢) ذلك محمد؟ فأخبرهم بما ردّه عليه. فقالوا: ويحك، ما زاد

стр. 506

الرجل - يعنون عليا - على أن لعب بك؛ فما يغنى عنا ما قلت. قال: لا والله ما وجدت غير ذلك. ويروى أن النبى ﷺ بات ليلة من الليالى عند ميمونة، فقام يتوضّأ للصلاة، قالت ميمونة: فسمعته يقول - وهو يتوضأ -: لبّيك لبيك ثلاثا نصرت ثلاثا. فلما فرغ قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول فى متوضئك لبيك لبيك ثلاثا، نصرت ثلاثا؛ كأنك تكلم إنسانا، فهل كان معك أحد؟ فقال: هذا راجز بنى كعب/ يستصرخنى، ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بنى بكر (١) ثم خرج رسول الله ﷺ فأمر عائشة أن تجهّزه ولا تعلم أحدا، فدخل أبو بكر فقال: أى بنية، ما هذا الجهاز؟ فقالت: والله ما أدرى. فقال: والله ما هذا زمان غزو بنى الأصفر، فأين يريد رسول الله ﷺ ؟ فقالت: والله لا أعلم. قالت [ميمونة] (٢) فأقمنا ثلاثا ثم صلى الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشد: - يا رب إنى ناشد محمدا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا إنا ولدناك وكنت ولدا … ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا إن قريشا أخلفوك الموعدا … ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا … فانصر هداك الله نصرا أيّدا

стр. 507

وادع عباد الله يأتوا مددا … فيهم رسول الله قد تجرّدا إن سيم خسفا وجهه تربّدا فقال رسول الله ﷺ : لبيك لبيك ثلاثا. وأذّن فى الناس بالغزو، ثم أعلمهم أنه سائر إلى مكة، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها. فتجهّز الناس. ولما أجمع المسير كتب حاطب بن أبى بلتعة ﵁ كتابا إلى صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل فيه: إن رسول الله ﷺ قد أذّن فى الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم - وقيل فيه: إن محمدا قد نفر فإمّا إليكم وإما إلى غيركم فعليكم الحذر، ويقال فيه: إن رسول الله ﷺ توجّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسّيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم؛ فإنه منجز له ما وعده. وأرسله مع أم سارة (١) كنود المزنية، وجعل لها دنانير (٢) على أن تبلغه لهم - وكانت أمه بين ظهرانيهم فأراد أن يحفظوه فيها - فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فأرسل عليّا والمقداد - ويقال والزبير بن العوام، وقيل أبا مرثد بدل

стр. 508

المقداد، وكلهم فارس - فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ (١) فإن بها امرأة من المشركين معها صحيفة من حاطب بن أبى بلتعة إلى المشركين. فأدركوها تسير على جمل لها حيث قال النبى ﷺ ، فقالوا لها: أين الكتاب الذى معك؟ قالت: ما معى كتاب. فأناخوا بها وفتّشوا رحلها فلم يجدوا فيه شيئا، فقال الزبير والمقداد/ما نرى كتابا. فقال على رضى الله عنى: لقد علمتم ما كذب رسول الله ﷺ ، والذى يحلف به لتخرجن الكتاب أو لأجرّدنّك. فلما رأت الجدّ أهوت بيدها إلى حجزتها وهى محتجزة (٢) بكساء فأخرجت الكتاب - ويقال فأخرجته من قرون رأسها - فأتوا به النبى ﷺ ، فقال: ما حملك يا حاطب على ما صنعت؟ فقال: ما بى (٣) إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله، ولكنى أردت أن يكون لى عند القوم يد يدفع الله بها عن عيالى، وليس من أصحابك هناك إلاّ وله من يدفع الله به عن أهله وماله. قال: صدق؛ فلا تقولوا له إلا خيرا. فقال عمر بن الخطاب: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعنى أضرب عنقه. فقال النبى ﷺ : وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد رضيت لكم الجنة. فدمعت عينا عمر، فقال الله ورسوله أعلم.

стр. 509

وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله من العرب فجلبهم: أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم. فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق. وخرج رسول الله ﷺ يوم الأربعاء بعد العصر لعشر ليال مضين من شهر رمضان - وقيل لليلتين خلتا منه - فى عشرة آلاف - وقيل فى اثنى عشر ألفا - من المهاجرين والأنصار وأسلم وجهينة وبنى سليم وغفار ومزينة. واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى - وقيل عبد الله بن أم مكتوم - وصام النبىّ ﷺ ، وصام الناس معه، فلما بلغ الصلصل (١) قدّم أمامه الزبير بن العوام فى مائتين من المسلمين، ونادى مناديه: من أحب أن يفطر فليفطر، ومن أحب أن يصوم فليصم. ويروى لما بلغ النبى ﷺ الكديد (٢) - ماء بين عسفان وأمج، ويقال بين قديد وعسفان - أفطر وشرب بعد صلاة العصر على راحلته ليراه الناس وأمر بالافطار، ولم يزل مفطرا حتى انصرم الشهر. ولقى النبى ﷺ بذى الحليفة - وقيل ذى الجحفة - عمه العباس مهاجرا بأهله، فأرسل بهم إلى المدينة ورجع مع النبى ﷺ ؛ وكان أسلم قبل ذلك وأقام/بمكة على السقاية، والنبىّ ﷺ عنه راض.

стр. 510

ولقى النبى ﷺ بالوادى - وقيل بنيق العقاب (١)، وقيل بين السقيا (٢) والعرج (٣) - ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أمية بن المغيرة مسلمين، فأعرض النبى ﷺ عنهما، وقال على بن أبى طالب لأبى سفيان ائته من قبل وجهه، فقل له ما قال إخوة يوسف ﴿تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (٤) ففعل ذلك أبو سفيان، فأقبل ﷺ عليهما، وقبل منهما إسلامهما. وتمادى رسول الله ﷺ فلما كان بقديد وفدت عليه بنو سليم فى سبعمائة نفر، ويقال ألف فيهم العباس بن مرداس فأسلموا. ثم عقد النبى ﷺ الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل، ثم مضى حتى نزل مرّ الظهران عشاء فأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب. وسأله أسامة بن زيد: أين ننزل غدا؟ فقال: بخيف (٥) بنى كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر.

стр. 511

وعميت الأخبار على قريش فهم على وجل وارتقاب من غزوه إياهم؛ فبعثوا أبا سفيان بن حرب يتجسّس الأخبار، وقالوا: إن لقيت محمدا فخذلنا منه أمانا. فخرج أبو سفيان، وحكيم بن حزام، ولقيهما بديل بن ورقاء فصحبهم، فخرجوا تلك الليلة حتى أشرفوا على مرّ، ورقّ قلب العباس فخرج راكبا بغلة النبى ﷺ البيضاء - ليلا - لعله يجد أحدا يخبر أهل مكة بمكان النبى ﷺ ؛ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، حتى جاء الأراك إذ سمع صوتهم وهم يتراجعون، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا. ويروى أن أبا سفيان قال لبديل: هذه نيران بنى كعب أهلك. فقال: حاشتها (١) إليك الحروب. ويروى أن أبا سفيان وحكيما وبديلا أقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران فإذا هم بنيران كنيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة. فقال بديل بن ورقاء: نيران بنى عمرو. قال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك. فسمع العباس صوت أبى سفيان فناداه أبا حنظلة. فقال: لبّيك فما وراءك؟ قال: هذا رسول الله ﷺ فى عشرة آلاف، فأسلم ثكلتك أمّك وعشيرتك. وأجاره/

стр. 512

وخرج به فأردفه خلفه، ورجع صاحباه - ويروى أنه ذهب بهما معه حتى أتى بهم النبى ﷺ ودافع العباس عمر بن الخطاب عن أبى سفيان بحضرة النبى ﷺ ، ثم ذهب به معه إلى رحله بأمر رسول الله ﷺ ، وأمره أن يحبس أبا سفيان بالمضيق دون الأراك إلى مكة - ويقال عند خطم (١) الجبل - حتى يمرّ به العسكر وينظر إلى المسلمين، وذهب الآخرون فأعلما أهل مكة. ويقال إنما ظفر بأبى سفيان وصاحبيه مزينة - وكانت الحراسة عليهم تلك الليلة - فسألوهم أن يذهبوا بهم إلى العباس بن عبد المطلب، فذهبوا بهم (٢) إليه فسأله أبو سفيان أن يستأمن لهم من النبى ﷺ ، فخرج بهم حتى دخل على النبى ﷺ . فسأله أن يؤمّن له من أمّن. فقال النبى ﷺ : قد أمّنت من أمّنت خلا أبا سفيان. فقال: يا رسول الله لا تحجر علىّ. فقال ﷺ : من أمّنت فهو آمن. فذهب بهم العباس إلى النبى ﷺ ثم خرج بهم، فقال أبو سفيان إنا نريد أن نذهب. فقال: أسفروا. وقام النبى ﷺ يتوضّأ فابتدر المسلمون وضوءه فينضحونه فى وجوههم. فقال: يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما. فقال: ليس بملك ولكنها النّبوّة، وفى ذلك يرغبون.

стр. 513

وقدّم النبى ﷺ بين يديه الكتائب: بعث النبى ﷺ الزبير ابن العوام على المهاجرين وخيلهم، وأمرهم أن يدخلوا من ثنيّة كداء من أعلى مكة، وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه. وبعث خالد بن الوليد فيمن كان أسلم من قضاعة وسليم وأناس أسلموا من قبل ذلك، وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت. وبعث سعد بن عبادة فى كتيبة الأنصار فى مقدمة رسول الله ﷺ ، فدفع سعد الراية إلى ابنه قيس. وبعث أبا عبيدة على السّاقة - وهم الرجّالة - فأخذوا بطن الوادى، وأمرهم أن يكفوا أيديهم/ولا يقاتلوا أحدا إلا من قاتلهم سوى ثمانية نفر وأربع نسوة استثناهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، وهم: عبد الله بن سعد ابن أبى سرح، استأمن له عثمان بن عفّان - وهو أخوه من الرضاعة - رسول الله ﷺ فأمنه وأسلم، وهلال - وقيل عبد العزى - بن خطل (١)، قتل و [هو] (٢) آخذ بأستار الكعبة،

стр. 514

والحويرث بن نقيد - قتل عند باب بيته - ومقيس بن صبابة - قتل - وهبار بن الأسود؛ جاء إلى النبى ﷺ وهو بالجعرانه فأسلم، وكعب بن زهير؛ قدم على النبى ﷺ بالمدينة فأسلم وأنشد قصيدته «بانت سعاد» ووحشى الزّنجىّ؛ قدم مع وفد الطائف فأسلم، فقال له النبى ﷺ : غيّب وجهك عنى. ويقال منهم عكرمة بن أبى جهل. وأما النساء فقينتا ابن خطل قريبة فقتلت، وفرتنا استأمنت النبى ﷺ فأمنها، فعاشت مدة ثم ماتت فى حياة النبى ﷺ . وأما سارة مولاة عمرو بن هاشم - وقيل مولاة لأبى لهب - استؤمن لها النبى ﷺ فأمّنها فعاشت إلى أن أوطأها رجل فرسا بالأبطح فماتت - وقيل قتلت يوم الفتح - وهند بنت عتبة بن ربيعة زوجة أبى سفيان؛ فاختفت ثم أتت رسول الله ﷺ فأسلمت، وكان بينها وبين زوجها فى الإسلام ليلة واحدة، ماتت هى وأبو قحافة فى يوم واحد فى خلافة عمر. ووبّشت قريش أوباشا لها فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شئ كنا معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذى سئلنا. وأمر النبىّ ﷺ [أبا هريرة] (١) فقال: اهتف بالأنصار، ولا يأتينى إلا أنصارى. قال أبو هريرة: ففعلت. فجاءوا فأطافوا برسول الله ﷺ فقال: ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟ ويقال: انظروا قريشا وأوباشها!! ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم

стр. 515

حصدا حتى توافونى بالصّفا. قال أبو هريرة: فانطلقنا فما أحد منهم يوجّه إلينا شيئا، وما منا أحد يريد/شيئا إلا أخذه منهم. وجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فأمّن النبى ﷺ من دخل المسجد ودار أبى سفيان - وكانت دار أبى سفيان بأعلى مكة - ودار حكيم بن حزام - وكانت بأسفل مكة - ومن أغلق عليه بابه، ومن ألقى السلاح. فألقى الناس سلاجهم، وأغلقوا أبوابهم. وأقيل النبى ﷺ فى كتيبته الخضراء وهو على ناقته القصوى بين أبى بكر، وأسيد بن حضير من أذاخر، واللواء يحمل بين يديه - وكان أبيض - فلما انتهى إلى ذى طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، ثم سار حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبّة ومرت الكتائب كتيبة كتيبة على أبى سفيان (١) فمرت كتيبة، فقال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار. قال: ما لى ولغفار. ثم مرّت جهنية فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه راية. فنادى سعد بن عبادة فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم

стр. 516

تستحلّ الحرمة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذّمار. ثم جاءت كتيبة وهى أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وراية النبى ﷺ مع الزّبير بن العوّام، فلما مرّ رسول الله ﷺ بأبى سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال سعد بن عبادة؟ قال: قال كذا، وناشده الله فى قومه. فقال النبى ﷺ : كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. وأرسل النبى ﷺ إلى سعد فعزله، وجعل الزّبير مكانه على الأنصار مع المهاجرين، فسار بهم حتى وقف بالحجون وغرز الراية حيث أمر. واندفع خالد حتى دخل من اللّيط أسفل مكة، فلقيه صفوان/بن أميّة وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو فى أناس جمعوهم للقتال بالخندمة من بنى بكر وهذيل، فناوشوه القتال فلم يكن له بدّ من قتالهم، فقتل من بنى بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وانهزموا فتبعوهم بالسيوف، وفرّ بعضهم فدخلوا الدور. وكان منهم حماس (١) بن قيس بن خالد، أخو بنى بكر، وكان قبل ذلك يعدّ السلاح ويصلح منه، فتقول له أمرأته: لماذا (٢)

стр. 517

تعد ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه. فتقول: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شئ. فيقول: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم. ثم ينشد: إن يقبلوا اليوم فما لى علّة … هذا سلاح كامل وألّة (١) وذو غرارين (٢) سريع السّلّة فانهزم حتى دخل على امرأته وقال لها: اغلقى على بابى. فقالت له: أين ما كنت تقول؟! فأنشد: - وأنت لو رأيتنا بالخندمة (٣) … إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة ولحقتنا بالسيوف المسلمة … يقطعن كلّ ساعد وجمجمة ضربا فلا تسمع إلا غمغمة … لهم نهيت حولنا وهمهمة لم تنطقى فى اللّوم أدنى كلمة وقتل من المسلمين يومئذ - فى خيل خالد - ثلاثة: اثنان منهم هما كرز بن خالد الفهرى، وحبيش (٤) بن الأشعر؛ سلكا غير طريق خالد فقتلا جميعا، وقتل حبيش قبل كرز [فجعله] (٥) بين رجليه ثم قاتل عنه (٦) حتى قتل وهو يرتجز ويقول: -

стр. 518

قد علمت صفراء من بنى فهر … نقيّة الوجه نقيّة الصدر لأضربن اليوم عن أبى صخر وكان حبيش يكنى بأبى صخر. والثالث هو سلمة بن الميلاء - رجل من جهينة - أصيب معه (١). ودخل رسول الله ﷺ فى المهاجرين الأولين فى أخريات الناس بكرة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من شهر رمضان، وهو غير محرم وعلى رأسه المغفر - وقيل كان على رأسه عمامة سوداء مرخ طرفها وراء كتفيه - وهو ﷺ يتلو سورة الفتح، ويرجع فيها. ورأى النبى ﷺ النساء يلطّمن وجوه الخيل بالخمر فتبسم إلى أبى بكر، وقال يا أبا بكر: كيف [قال حسان؟] (٢) فأنشده أبو بكر: - / عدمت بنيّتى إن لم تروها … تثير النقع من كتفى كداء ينازعن الأعنّة مسرجات … يلطّمهن بالخمر النساء فقال النبى ﷺ : ادخلوها (٣) من حيث قال حسان. ولما دخل أبو سفيان مكة صاح: من أغلق داره وكفّ فهو آمن. فشتمته زوجته هند وأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الأحمق. فقال لها: ويحك اسكتى وادخلى بيتك؛ فقد جاء الحق.

стр. 519

ولما علا النبى ﷺ ثنيّة كداء نظر إلى البارقة على الجبال فقال: ما هذا، وقد نهيت عن القتال؟! فقال المهاجرون: نظن أن خالدا قوتل وبدئ بالقتال، فلم يكن له بدّ من القتال، ولم يكن ليعصى أمرك أو (١) يخالفك. ووقف ﷺ على الحجون ثم قال: والله إنك لخير أرض الله، وإنك أحب أرض الله [إلى الله] (٢)، ولو لم أخرج منك ما خرجت، إنها لم تحل لأحد كان قبلى، (٣) ولا تحل لأحد كائن بعدى (٣)، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، ثم هى من ساعتى هذه حرام [لا يعضد شجرها، ولا يحتشّ خلاها، ولا تلتقط ضالتها إلا لمنشد. فقال رجل يقال له أبو شاة: يا رسول الله] (٢) إلا الإذخر فإنه لبيوتنا وقبورنا. فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر. وهبط النبى ﷺ من الثنيّة وذقنه ﷺ على رحله متخشعا متواضعا، وكان النبى ﷺ لما نزل بذى طوى ورأى ما أكرمه الله به من الفتح جعل يتواضع لله حتى أن كاد عثنونه (٤) أن يصيب واسطة الرحل، وأجاز ﷺ على الحجون وهو مردف أسامة ابن زيد - ويقال ابن ابنته زينب علىّ بن أبى العاص بن الربيع بن عبد

стр. 520

العزّى بن عبد شمس - وبين يديه ابن رواحه آخذ بزمام ناقته وهو يرتجز ويقول: - خلّوا بنى الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله … ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله … يا رب إنى مؤمن بقيله (١) واندفع الزبير بين يديه بالراية - وكانت تسمى العقاب، سودا، مرط مرجّل لعائشة - حتى وقف بباب المسجد، ودخل رسول الله ﷺ المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت على راحلته سبعا، يتسلم الركن بمحجنه، وكان ابن أمّ مكتوم آخذا بخطام ناقته ﷺ ، وهو يطوف/ويقول: حبّذا مكة من وادى … بها أرضى وعوّادى بها ترسخ أوتادى … بها أمشى بلا هادى (٢) ويروى: كان محمد بن مسلمة آخذا بزمام ناقة النبى ﷺ . وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما قد ألزمها (٣) الشياطين بالرصاص والنحاس، وكان هبل أعظمها، وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون الذبائح. وكان النبى ﷺ وهو فى طوافه فى يده قوس، وهو آخذ بسية (٤) القوس، فجعل ﷺ كلما مرّ

стр. 521

بصنم منها أشار إليه بقضبب كان فى يده - ويقال يطعنه بعود، وقيل بعصا - ويتلو قوله ﵎ ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً﴾ (١) ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (٢) فيقع الصنم على وجهه حتى مرّ عليها كلها. ويروى ما من صنم منها أشار إلى وجهه إلا وقع لقفاه ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقى منها صنم إلا وقع فقال تميم بن أوس الخزاعى: - وفى الأصنام معتبر وعلم … لمن يرجو الثواب أو العقابا ويروى لما صلى الظهر أمر بالأصنام التى حول الكعبة كلها فجمعت ثم حرقت بالنار. ويقال فأخرجت (٣) إلى المسيل وكسرت. وفى ذلك يقول فضالة بن عمير بن الملوح الليثى فى ذكر يوم الفتح: - لو ما رأيت محمدا وجنوده … بالفتح يوم تكسّر الأصنام لرأيت نور الله أصبح بيّنا … والشرك يغشى وجهه الإظلام (٤) واستكف المشركون، ثم دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون [أن] (٥) السيف لا يرفع عنهم، فلما قضى رسول الله

стр. 522

ﷺ طوافه لم يجد مناخا لراحلته فنزل على أيدى الرجال، فجاء معمر ابن عبد الله بن نضلة فأخرج راحلته. [ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى المقام - وهو لاصق بالكعبة -] (١) والدرع عليه والمغفر، وعمامته بين كتفيه، وصلّى ركعتين خلف المقام، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتى الباب وقال: ما تقولون وما تظنون؟ قالوا نقول ابن أخ وابن عم حليم رحيم - ثلاثا - فقال رسول الله ﷺ : أقول كما قال أخى يوسف ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٢) - فخرجوا كأنما نشروا من القبور؛ فدخلوا فى الإسلام. / ويروى: أن النبى ﷺ لما نزل عن راحلته قام فخطب فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذى أذهب عنكم عبّيّة (٣) الجاهلية وتعظّمها بآبائها (٤)، [فالناس] (٥) رجلان رجل برّ تقىّ كريم على الله ، وفاجر شقى هيّن على الله تعالى، ثم تلا ﷺ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى﴾ (٦) ثم قال: أقول قولى هذا،

стр. 523

وأستغفر الله لى ولكم. ثم انصرف ﷺ إلى زمزم فاطلع فيها وقال: لولا أن تغلب بنو عبد المطلب على سقايتهم لنزعت منها بيدى. ثم انصرف إلى ناحية من المسجد قريبة من مقام إبراهيم - وكان ملصقا بالكعبة فأخرجه فى مكانه هذا - ودعا بسجل من ماء زمزم فنزع له العباس دلوا فشرب وتوضّأ، والمسلمون يبتدرون وضوءه يصبّونه على وجوههم، والمشركون ينظرون إليه ويتعجّبون ويقولون: ما رأينا ولا سمعنا ملكا قط بلغ هذا. وأمر ﷺ بهبل فكسر وهو واقف عليه، وقال الزبير بن العوام لأبى سفيان بن حرب: قد كسر هبل، أما إنك قد كنت منه يوم أحد فى غرور حين تزعم أنه قد أنعم عليك. فقال أبو سفيان: دع هذا عنك يا ابن العوام؛ فقد أرى أن لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان (١). وكسر إساف ونائلة، فخرج من أحدهما امرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها، عريانة ناشرة الشعر، تدعو بالويل، فقيل للنبىّ ﷺ ، فقال: تلك نائلة قد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا (٢). ورنّ إبليس رنّة حين افتتح رسول الله مكة، فاجتمعت إلى إبليس ذريته فقال: ايأسوا أن تردّوا أمته على الشرك بعد يومهم هذا، ولكن افشوا فيهم النّوح والشّعر (٣).

стр. 524

وجلس النبى ﷺ عند قرن مسقلة (١) - وقرن مسقلة الذى إليه بيوت ابن أبى أمامة ودبر دار ابن سمرة وما حوله - فجاءه الناس - الصغار والكبار والرجال والنساء - فبايعوه على الإسلام والشهادة، وأتوه بصبيانهم ليمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فخرجت أم الوليد بن عقبة بن أبى معيط بابنها الوليد إلى النبى ﷺ وهو مطيّب بالخلوق - فلم يمسح على رأسه ولم يمسه، ولم يمنعه من ذلك إلا من أجل الخلوق، ويروى أن الوليد سلح يومئذ فقذره رسول الله صلى الله/عليه وسلم، فلم يمسه ولم يدع له. وكان أبو قحافة لما نزل النبى ﷺ ذى طوى قال لابنة له - كانت من أصغر ولده -: أى بنيّة. أشرفى بى على أبى قبيس - وكان قد كفّ بصره - فأشرفت به عليه. فقال: أى بنيّة، ماذا ترين؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا، وأرى رجلا يشتد بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا. فقال: تلك الخيل يا بنيّة، وذلك الرجل الوازع. ثم قال: ماذا ترين؟ فقالت؟ أرى السواد انتشر. فقال: والله إذا دفعت الخيل فأسرعى بى إلى بيتى. فخرجت سريعا حتى إذا هبطت به إلى الأبطح لقيته الخيل، وفى عنقها طوق لها من ورق، فاقتطعه إنسان من عنقها.

стр. 525

فلما دخل النبىّ ﷺ المسجد وجاء أبو بكر الصديق ﵁ بأبيه أبى قحافة يقوده - ورأسه ولحيته كأنها ثغامة - فلما رآه رسول الله ﷺ قال: هلا تركت الشيخ فى بيته حتى أجيئه؟ غيّروا الشيب واجتنبوا السواد. فقال: يمشى هو إليك يا رسول الله أحقّ من أن تمشى إليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح رسول الله ﷺ صدره وقال: أسلم تسلم. فأسلم. وقام أبو بكر فأخذ يد أخته وقال: أنشد بالله والإسلام طوق أختى. فو الله ما أجابه أحد، ثم قال الثانية فما أجابه أحد، فقال يا أخيّة احتسبى طوقك؛ فو الله إن الأمانة اليوم فى الناس لقليلة. ثم أرسل النبى ﷺ بلالا إلى عثمان بن طلحة أن يأتيه بمفتاح الكعبة. فجاء بلال إلى عثمان وقال له: إن رسول الله يأمرك أن تأتيه بمفتاح الكعبة. قال عثمان: نعم. فخرج إلى أمه سلافة ابنة سعيد (١) بن شهيد الأنصارية، ورجع بلال إلى النبى ﷺ فأخبره أنه قال نعم، ثم جلس بلال مع الناس. فقال عثمان لأمه/ - والمفتاح يومئذ بيدها -: يا أمه أعطنى المفتاح فإن رسول الله ﷺ أرسل إلىّ وأمرنى أن آتى به إليه. فقالت له أمه: أعيذك بالله أن تكون الذى يذهب بمأثرة قومك على يديك. قال: والله لتدفعنّه إلىّ أو ليأتينّك غيرى فيأخذه منك. فأدخلته فى حجرها (٢) وقالت: أى رجل

стр. 526

يدخل يده ها هنا؟! فبينما هما على ذلك إذ سمعت صوت أبى بكر وعمر فى الدار - وعمر رافع صوته حين رأى إبطاء عثمان - فقالت أمّه: يا بنى خذ المفتاح؛ فلأن تأخذه أنت أحبّ إلىّ من أن يأخذه تيم وعدى. فأخذه عثمان فأتى به رسول الله ﷺ ، فناوله إيّاه، فلما ناوله إيّاه فتح الكعبة، وأمر رسول الله ﷺ بالكعبة فغلّقت عليه. ومعه أسامة بن زيد، وبلال بن رباح، وعثمان بن طلحة. وأرسل الفضل بن عباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبلّ بالماء، وأمر بطمس [تلك] الصور (١) التى جعلتها قريش فى دعائم الكعبة فطمست، ووضع كفّيه على صورة عيسى بن مريم وأمه وقال: امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدىّ. فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه، ونظر إلى إبراهيم فقال: قاتلهم الله؛ جعلوه يستقسم بالأزلام، مالإبراهيم والأزلام؟! (٢) ويروى أن النبى ﷺ قال: يا شيبة أمح كل صورة فيه إلا ما تحت يدى. فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه (٣). ويروى أنه لما دخل الكعبة وفيها صور الملائكة وغيرها، فرأى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله؛ جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام!! ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال: امحوا ما فيها من الصور إلا صورة مريم (٤).

стр. 527

ويروى أنه لما دخلها وجد فيها حمامة من عيدان فطرحها (١). ويروى أنه لما دخل البيت فإذا فيه صورة إبراهيم وإسماعيل والكبش ورأس الكبش، فأمرهم أن يمحوها؛ فما دخل حتى محيت، فلما دخل رأى الأزلام قد صورت فى يد إبراهيم، فقال: قاتلهم الله لقد علمنا لم يستقسما بالأزلام قط (٢). ويروى/أن النبى ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أمر عمر بن الخطاب أن يدخلها فيمحو ما فيها من صورة (٣). ثم دخلها فمكث فيها ما شاء الله، وكان البيت على ستة أعمدة، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذبّ الناس عن الباب حتى خرج رسول الله ﷺ والمفتاح بيده، وهو يتلو قول الله ﵎ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (٤) فاستبق

стр. 528

الناس فكان عبد الله بن عمر أوّل من دخل، فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله: أين صلى النبى ﷺ ؟ فأشار إلى المكان الذى صلّى فيه؛ قال: جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة وراءه. ثم خطب النبىّ ﷺ على درج الكعبة فقال: الحمد لله الذى صدقنا وعده. ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن هذا (١) البلد هى (١) حرام بحرم الله؛ لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر؛ فإنه لبيوتنا وموتانا. فقال: إلا الإذخر، المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد. ولا يتوارث أهل ملّتين، ألا إن قتل العمد الخطأ بالسوط والعصى فيه مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها. إلا إن كل مأثرة فى الجاهلية ومال تحت قدمىّ هاتين إلا ما كان من سدانة البيت وسقاية الحاج فقد أمضيتها لأهلها. ويروى: أن النبى ﷺ قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض؛ فهو حرام بحرمة الله، لم يحل فيه القتل لأحد قبلى ولا لأحد بعدى، وإنما أحلّ لى ساعة؛ فهو حرام حرّمه الله تعالى إلى يوم القيامة، لا ينفّر صيده، ولا يعضد شوكه، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاه. فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لموتاهم. فقال ﷺ : إلا الإذخر/، ولا هجرة ولكن جهاد ونيّة، فإذا استنفرتم فانفروا.

стр. 529

ثم نزل رسول الله ﷺ ومعه المفتاح فتنحّى ناحية من المسجد فجلس، وكان قد قبض السقاية من العباس فبسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله اجمع لنا الحجابة والسقاية. فقال رسول الله ﷺ : أعطيكم ما ترزءون فيه ولا أعطيكم ما ترزءون منه. ثم قال: ادع لى عثمان. [فقام عثمان] (١) بن عفان. [فقال: ادع لى عثمان. فقام عثمان بن طلحة] (١). وكان رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة [يوما] (١) وهو بمكة يدعوه للإسلام - ومع عثمان المفتاح - فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت. فقال عثمان: لقد هلكت قريش إذا وذلّت. فقال رسول الله ﷺ : بل عمرت وعزت يومئذ. قال عثمان فدعانى رسول الله ﷺ [بعد] (١) أخذه المفتاح، فذكرت قوله وما كان قال لى، فأقبلت فاستقبلته ببشر واستقبلنى ببشر، قال: خذوها يا بنى أبى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فخذوها بأمانة الله. قال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت إليه، فقال: ألم يكن الذى قلت لك؟ قال: فذكرت قوله لى بمكة، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله، فأعطاه المفتاح - والنبى ﷺ مضطبع عليه يومئذ بثوبه - وقال ﵊: غيّبوه (٢).

стр. 530

وحانت صلاة الظهر فأمر النبى ﷺ بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة ليغيظ به المشركين، وكانوا فوق رءوس الجبال وقد فرّ وجوههم وتغيّبوا خوفا أن يقتلوا، ومنهم من يطلب الأمان ومنهم من أمّن. فلما أذّن بلال رفع صوته كأشد ما يكون، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قالت جويرية بنت أبى جهل: قد لعمرى رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلى، والله ما نحبّ من قتل الأحبة أبدا، ولقد جاء إلى أبى الذى كان جاء إلى محمد من النبوّة فردّها، ولم يرد خلاف قومه. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذى أكرم أبى فلم يسمع بهذا اليوم - وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم - وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه/، ليتنى متّ قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة. وقال الحكم بن أبى العاص: هذا والله الحدث الجليل؛ أن يصبح عبد بنى جمح ينهق على بنية أبى طلحة!! وقال سهيل بن عمرو: إن كان فى هذا سخط الله فسيغيّره الله. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا؛ لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصاة، فأتى جبريل النبىّ ﷺ فأخبره خبرهم، فأقبل حتى وقف عليهم فقال: أما أنت يا فلان فقلت كذا، وأما أنت يا فلان فقلت كذا. فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئا. فضحك رسول الله ﷺ (١). وقال النبى ﷺ لخالد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال: هم بدأونا، ووضعوا فينا السلاح، وأسعرونا (٢) بالنبل، وقد كففت يدى ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ : قضاء الله خير.
следующие страницы →