← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

يدخل يده ها هنا؟! فبينما هما على ذلك إذ سمعت صوت أبى بكر وعمر فى الدار - وعمر رافع صوته حين رأى إبطاء عثمان - فقالت أمّه: يا بنى خذ المفتاح؛ فلأن تأخذه أنت أحبّ إلىّ من أن يأخذه تيم وعدى. فأخذه عثمان فأتى به رسول الله ﷺ ، فناوله إيّاه، فلما ناوله إيّاه فتح الكعبة، وأمر رسول الله ﷺ بالكعبة فغلّقت عليه. ومعه أسامة بن زيد، وبلال بن رباح، وعثمان بن طلحة. وأرسل الفضل بن عباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم، ثم أمر بثوب فبلّ بالماء، وأمر بطمس [تلك] الصور (١) التى جعلتها قريش فى دعائم الكعبة فطمست، ووضع كفّيه على صورة عيسى بن مريم وأمه وقال: امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدىّ. فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه، ونظر إلى إبراهيم فقال: قاتلهم الله؛ جعلوه يستقسم بالأزلام، مالإبراهيم والأزلام؟! (٢) ويروى أن النبى ﷺ قال: يا شيبة أمح كل صورة فيه إلا ما تحت يدى. فرفع يده عن عيسى بن مريم وأمه (٣). ويروى أنه لما دخل الكعبة وفيها صور الملائكة وغيرها، فرأى صورة إبراهيم فقال: قاتلهم الله؛ جعلوه شيخا يستقسم بالأزلام!! ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها وقال: امحوا ما فيها من الصور إلا صورة مريم (٤).

стр. 527

ويروى أنه لما دخلها وجد فيها حمامة من عيدان فطرحها (١). ويروى أنه لما دخل البيت فإذا فيه صورة إبراهيم وإسماعيل والكبش ورأس الكبش، فأمرهم أن يمحوها؛ فما دخل حتى محيت، فلما دخل رأى الأزلام قد صورت فى يد إبراهيم، فقال: قاتلهم الله لقد علمنا لم يستقسما بالأزلام قط (٢). ويروى/أن النبى ﷺ لم يدخل الكعبة حتى أمر عمر بن الخطاب أن يدخلها فيمحو ما فيها من صورة (٣). ثم دخلها فمكث فيها ما شاء الله، وكان البيت على ستة أعمدة، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذبّ الناس عن الباب حتى خرج رسول الله ﷺ والمفتاح بيده، وهو يتلو قول الله ﵎ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (٤) فاستبق

стр. 528

الناس فكان عبد الله بن عمر أوّل من دخل، فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله: أين صلى النبى ﷺ ؟ فأشار إلى المكان الذى صلّى فيه؛ قال: جعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة وراءه. ثم خطب النبىّ ﷺ على درج الكعبة فقال: الحمد لله الذى صدقنا وعده. ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن هذا (١) البلد هى (١) حرام بحرم الله؛ لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر؛ فإنه لبيوتنا وموتانا. فقال: إلا الإذخر، المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد. ولا يتوارث أهل ملّتين، ألا إن قتل العمد الخطأ بالسوط والعصى فيه مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها. إلا إن كل مأثرة فى الجاهلية ومال تحت قدمىّ هاتين إلا ما كان من سدانة البيت وسقاية الحاج فقد أمضيتها لأهلها. ويروى: أن النبى ﷺ قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرّمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض؛ فهو حرام بحرمة الله، لم يحل فيه القتل لأحد قبلى ولا لأحد بعدى، وإنما أحلّ لى ساعة؛ فهو حرام حرّمه الله تعالى إلى يوم القيامة، لا ينفّر صيده، ولا يعضد شوكه، ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها، ولا يختلى خلاه. فقال العباس: إلا الإذخر فإنه لموتاهم. فقال ﷺ : إلا الإذخر/، ولا هجرة ولكن جهاد ونيّة، فإذا استنفرتم فانفروا.

стр. 529

ثم نزل رسول الله ﷺ ومعه المفتاح فتنحّى ناحية من المسجد فجلس، وكان قد قبض السقاية من العباس فبسط العباس بن عبد المطلب يده فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله اجمع لنا الحجابة والسقاية. فقال رسول الله ﷺ : أعطيكم ما ترزءون فيه ولا أعطيكم ما ترزءون منه. ثم قال: ادع لى عثمان. [فقام عثمان] (١) بن عفان. [فقال: ادع لى عثمان. فقام عثمان بن طلحة] (١). وكان رسول الله ﷺ قال لعثمان بن طلحة [يوما] (١) وهو بمكة يدعوه للإسلام - ومع عثمان المفتاح - فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدى أضعه حيث شئت. فقال عثمان: لقد هلكت قريش إذا وذلّت. فقال رسول الله ﷺ : بل عمرت وعزت يومئذ. قال عثمان فدعانى رسول الله ﷺ [بعد] (١) أخذه المفتاح، فذكرت قوله وما كان قال لى، فأقبلت فاستقبلته ببشر واستقبلنى ببشر، قال: خذوها يا بنى أبى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فخذوها بأمانة الله. قال عثمان: فلما وليت نادانى فرجعت إليه، فقال: ألم يكن الذى قلت لك؟ قال: فذكرت قوله لى بمكة، فقلت: بلى أشهد أنك رسول الله، فأعطاه المفتاح - والنبى ﷺ مضطبع عليه يومئذ بثوبه - وقال ﵊: غيّبوه (٢).

стр. 530

وحانت صلاة الظهر فأمر النبى ﷺ بلالا أن يؤذن على ظهر الكعبة ليغيظ به المشركين، وكانوا فوق رءوس الجبال وقد فرّ وجوههم وتغيّبوا خوفا أن يقتلوا، ومنهم من يطلب الأمان ومنهم من أمّن. فلما أذّن بلال رفع صوته كأشد ما يكون، فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله. قالت جويرية بنت أبى جهل: قد لعمرى رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلى، والله ما نحبّ من قتل الأحبة أبدا، ولقد جاء إلى أبى الذى كان جاء إلى محمد من النبوّة فردّها، ولم يرد خلاف قومه. وقال خالد بن أسيد: الحمد لله الذى أكرم أبى فلم يسمع بهذا اليوم - وكان أسيد مات قبل الفتح بيوم - وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه/، ليتنى متّ قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة. وقال الحكم بن أبى العاص: هذا والله الحدث الجليل؛ أن يصبح عبد بنى جمح ينهق على بنية أبى طلحة!! وقال سهيل بن عمرو: إن كان فى هذا سخط الله فسيغيّره الله. وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا؛ لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصاة، فأتى جبريل النبىّ ﷺ فأخبره خبرهم، فأقبل حتى وقف عليهم فقال: أما أنت يا فلان فقلت كذا، وأما أنت يا فلان فقلت كذا. فقال أبو سفيان: أما أنا يا رسول الله فما قلت شيئا. فضحك رسول الله ﷺ (١). وقال النبى ﷺ لخالد: لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال: هم بدأونا، ووضعوا فينا السلاح، وأسعرونا (٢) بالنبل، وقد كففت يدى ما استطعت. فقال رسول الله ﷺ : قضاء الله خير.

стр. 531

ثم أتى النبى ﷺ الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يحمد الله ويذكر الله بما شاء الله أن يذكره ويدعوه، والأنصار تحته يقول بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة فى قريته، ورأفة بعشيرته. وجاء الوحى - وكان إذا جاء الوحى لم يخف على أصحابه، وليس أحد منهم يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى يقضى - فلما قضى الوحى رفع رسول الله ﷺ رأسه ثم قال: يا معشر الأنصار، قلتم أما الرجل فأدركته رغبة فى قريته ورأفة بعشيرته؟ قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله. قال ﷺ : كلاّ، فما أسمّى إذا؟! كلاّ، إنى عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم. فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضّنّ بالله وبرسوله. قال: فإن الله جل وعلا ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم (١). وفرّ يومئذ صفوان بن أمية، فاستأمن له عمير بن وهب الجمحى النبى ﷺ ، فأمنه وأعطاه عمامته التى دخل بها مكة، فلحقه بها وهو يريد أن يركب البحر فردّه، فقال يا رسول الله: اجعلنى بالخيار شهرين. قال: أنت بالخيار أربعة أشهر (٢). / وعكرمة بن أبى جهل، فاستأمنت له زوجته أم حكيم ابنة الحارث ابن هشام - بعد أن أسلمت - من النبى ﷺ فأمّنه، فلحقته باليمن فردّته. وأقر رسول الله ﷺ صفوان وعكرمة مع امرأتيهما على نكاحهما الأوّل (٣).

стр. 532

وسهيل بن عمرو بن عبد شمس، أغلق بابه وأرسل ابنه فاستأمن له رسول الله ﷺ ، فقال: هو آمن بأمان الله فليظهر. فأسلم بالجعرانة (١). وهبيرة بن أبى وهب المخزومى فرّ إلى نجران فمات بها مشركا، وهو زوج أم هانئ (٢). وعبد الله بن الزبعرى (٣). واستتر حموان لأم هانئ وهما الحارث بن هشام وزهير بن أبى أمية (٤) أخو أم سلمة - وقيل: أحدهما جعدة بن هبيرة والآخر عبد الله بن أبى المغيرة (٥) - فأجارتهما، فجاء على ﵁ يريد قتلهما، قالت أم هانئ: وأتيت النبى ﷺ وهو فى قبّته بالأبطح بأعلى مكة فلم أجده، ووجدت فاطمة؛ فلهى كانت أشد علىّ فقالت: أتؤمنين الكفار وتجيرينهم، وتفعلين وتفعلين. فلم ألبث أن جاء رسول الله ﷺ بوجهه رهجة الغبار. فقال: يا فاطمة اسكبى

стр. 533

لى غسلا. فسكبت له غسلا فى جفنة لكأنى أنظر أثر العجين فيها، ثم سترت عليه بثوب فاغتسل ثم صلى فى ثوب واحد - لفّا بين طرفيه - ثمانى ركعات ما رأيته صلاّها قبلها ولا بعدها، فلما انصرف قلت: يا رسول الله إنى قد أجرت حموين لى، وإن ابن أمى عليا أراد قتلهما. فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك، قد أجرنا من أجرت وأمّنا من أمنت. وقال النبى ﷺ لعائشة: إن قومك استقصروا فى بناء البيت، ولولا حداثة عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوه منه [فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلم لأريك ما تركوا منه،] (١) فأراها قريبا من سبعة (٢) أذرع، وجعلت لها بابين موضوعين بالأرض؛ بابا شرقيا وبابا غربيا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: لا. قال: تعززا ألا يدخلها أحد إلا من أرادوا، فكانوا إذا كرهوا أن يدخلها الرجل يدعونه يرتقى حتى إذا كاد أن يدخل يدفعونه فيسقط (٣). وقالت: إن رسول الله ﷺ قال: ألم ترى إلى قومك حين بنوا البيت استقصروا عن قواعد إبراهيم!! فقالت: يا رسول الله ألا تردّها (٤) على/قواعده؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت.

стр. 534

وسرقت فاطمة المخزوميّة (١)، فأمر بقطعها، فكلمه فيها أسامة بن زيد؛ فأنكر عليه ذلك (٢). وبعث رسول الله ﷺ سراياه خارج الحرم، وكانوا يغنمون ويروحون إليه. واستقرض النبى ﷺ فى الفتح من ثلاثة نفر مائة وثلاثين ألف [درهم] (٣)؛ من صفوان بن أميّة خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزّى أربعين ألف درهم. فقسم ذلك بين أصحابه من أهل الضعف، فيقع للرجل الخمسون (٤) الدرهم وأقل من ذلك وأكثر، وبعث منه إلى بنى جذيمة بطائفة. ولما كان الغد من الفتح خطب النبىّ ﷺ بعد الظهر - الناس؛ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكّة حرّمها الله ﵎ ولم يحرمها الناس، فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد فيها شجرة، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا له إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لى فى ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب (٥).

стр. 535

ونادى منادى النبى ﷺ يوم الفتح بمكة: من كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر فلا يدع فى بيته صنما إلا كسّره أو حرّقه، وثمنه حرام. فجعل المسلمون يكسرون تلك الأصنام، وكان عكرمة بن أبى جهل - حين أسلم - لا يسمع بصنم فى بيت من بيوت قريش إلا مشى إليه حتى كسره. وكان أبو تجراة يعملها فى الجاهلية ويطوف بها، فيشتريها أهل البلد فيزخرفون بها بيوتهم، ولم يكن فى قريش رجل بمكة إلا وفى بيته صنم إذا دخل يمسحه وإذا خرج يمسحه تبركا به (١). ولما أسلمت هند بنت عتبة جعلت تضرب صنما فى بيتها بالقدوم فلذة فلذة، وهى تقول: كنّا منك فى غرور (٢). ورأى الصحابة أيام الفتح عجوزا حبشية شمطاء تخمش وجهها، وتدعو بالويل، فقيل: يا رسول الله، رأينا عجوزا شمطاء حبشية تخمش وجهها وتدعو بالويل. فقال صلى الله/عليه وسلم: تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا (٣). وجاء حسان إلى النبى ﷺ وهو فى المسجد - فقال: يا رسول الله إيذن لى أن أقول؛ فإنى لا أقول إلا حقا. قال: قل.

стр. 536

فانشأ يقول: شهدتّ بإذن الله أنّ محمدا … رسول الذى فوق السموات من عل فقال النبى ﷺ : وأنا أشهد. فقال حسان: - وأنّ أبا يحيى ويحيى كليهما … له عمل فى دينه متقبّل فقال النبى ﷺ : وأنا أشهد. فقال حسان: - وأن الذى عاد اليهود ابن مريم … رسول أتى من عند ذى العرش مرسل فقال النبى ﷺ : وأنا أشهد. فقال حسان: - وأن أخا الأحقاف إذ يعذلونه … يجاهد فى ذات الإله ويعدل فقال النبى ﷺ : وأنا أشهد. فقال حسان: - وأن التى بالجزع من بطن نخلة … ومن دانها فلّ من الحق معزل فقال النبى ﷺ : وأنا أشهد. التى بالجزع هى العزّى (١). وبعث رسول الله ﷺ السرايا إلى الأصنام التى حول مكة، فكسّرت العزى وسواع ومناة وبوانة وذا كفين، وفى كل وجه، وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام. فخرج هشام بن العاص فى مائتين قبل يلملم. وخالد بن سعد بن العاص فى ثلاثمائة قبل عرنة.

стр. 537

وخالد بن الوليد فى ثلاثين فارسا من أصحابه - لخمس بقين من شهر رمضان إلى العزّى (١) بنخلة، وكانت لقريش وجميع بنى كنانة، وكانت أعظم أصنامهم، فكان سدنتها - من بنى سليم - بنو شيبان. فلما انتهى إليها هدمها لخمس ليال بقين من رمضان، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: أهدمت؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: ارجع فاهدمها فإنك لم تهدمها. فرجع خالد وهو متغيظ، فلما انتهى [إليها] (٢) جرّد سيفه فخرجت إليه امرأة عريانة سوداء ناشرة شعرها قائمة عليهن كأنها تنوح/عليهن، فجعل السادن يصيح بها. قال خالد - وأخذنى اقشعرار فى ظهرى - فجعل يصيح بها ويقول: أعزّى شدّى شدّة لا تكذبى … أعزّى ألقى القناع وشمّرى أعزّ إن لم تقتلى المرء خالدا … فبوئى بذنب عاجل وتنصّرى (٣) وأقبل خالد بن الوليد بالسيف إليها وهو يقول: [يا عزّ] (٤) كفرانك لا سبحانك … إنى رأيت الله قد أهانك فضربها بالسيف فجزلها باثنين، ثم رجع إلى النبى ﷺ فأخبره، فقال: نعم تلك العزّى، وقد أيست أن تعبد ببلادكم أبدا. ثم قال خالد: يا رسول الله، الحمد لله الذى أكرمنا وأنقذنا بك من

стр. 538

الهلكة (١)، لقد كنت أرى أبى يأتى العزّى بخير ماله من الإبل والغنم فيذبحها للعزى، ثم يقيم عندها ثلاثا، ثم ينصرف إلينا مسرورا، ونظرت إلى مامات عليها أبى وإلى ذلك الرأى الذى كان يعاش فى فضله، وكيف خدع حتى صار يذبح لما لا يسمع ولا يبصر، ولا يضرّ ولا ينفع!! فقال رسول الله ﷺ : إن هذا الأمر إلى الله تعالى، فمن يسّره للهدى تيسّر له، ومن يسّره للضلالة كان فيها. وكان من سدنة العزّى أفلح بن النضر السلمى من بنى سليم، فلما حضرته الوفاة دخل عليه أبو لهب يعوده - وهو حزين - فقال [له] (٢): ما لى أراك حزينا؟ قال: أخاف أن تضيع العزّى من بعدى. قال له أبو لهب: فلا تحزن فأنا أقوم عليها بعدك. فجعل أبو لهب يقول لكل من لقى: إن تظهر العزّى [كنت] (٢) قد اتخذت عندها يدا بقيامى عليها، وإن يظهر محمد على العزّى - وما أراه أن يظهر - فابن أخى، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٣). وبعث عمرو بن العاص فى شهر رمضان إلى سواع (٤) -

стр. 539

برهاط: قرية جامعة على ثلاثة (١) أميال من مكة - وهو صنم هذيل/وكانوا يحجون إليه، فأتاه وعنده السادن فقال له: ما تريد؟ قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أهدمه. قال: لا تقدر على هدمه؛ إنك تمنع. فقال له: حتى الآن أنت على الباطل!! ويحك هل يسمع أو يبصر؟! ودنا منه فكسّره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ فقال: أسلمت لله (٢). وسعد (٣) بن زيد الأشهلى فى عشرين فارسا، فى شهر رمضان إلى مناة (٤) بالمشلّل - ثنيّة مشرفة على قديد - وكانت للأوس والخزرج وغسّان، فانتهى إليها وعندها سادنها، فقال له: ما تريد؟ قال: هدمها. فقال: أنت وذاك. فأقبل يمشى إليها،

стр. 540

وخرجت إليه امرأة سوداء ثائرة الرأس عريانة تضرب صدرها وتدعو بالويل. فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك (١)، فضربها سعد فقتلها، وأقبل ومعه أصحابه إلى الصّنم فهدموه، ولم يجدوا فى خزانتها شيئا وانصرف راجعا إلى رسول الله ﷺ لست بقين من رمضان. وقدم على النبى ﷺ بعد الفتح وفد باهلة؛ مطرف بن الكاهن فأسلم وأخذ لقومه أمانا، ثم قدم نهشل بن مالك الوائلى من باهلة (٢). ووفد ثمالة: عبد الله بن علس الثّمالى فى جماعة من قومه فبايعوا وأسلموا (٣). ووفد الحدّان: مسلية بن هزّان الحدّانى فى عصابة من قومه فأسلموا وبايعوا (٣). وبعث النبى ﷺ خالد بن الوليد - بعد عوده من هدم العزّى - إلى بنى جذيمة بن عامر بن عبد مناة بأسفل مكة على ليلة منها بناحية يلملم (٤) ويعرف بيوم الغميصاء (٥)، داعيا للإسلام لا مقاتلا، فى ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبنى سليم، فانتهى إليهم

стр. 541

ودعاهم للإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، فاستأسرهم ودفع إلى كل رجل من أصحابه أسيرا. ويقال إنه لما انتهى إليهم [قال: ما أنتم] (١) قالوا: مسلمون قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد فى ساحاتنا وأذّنّا فيها. فقال لهم: فما بال السلاح عليكم؟ فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة؛ فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح. فقال لهم: ضعوا السلاح. فوضعوه، فقال لهم: أستأسروا. فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتّف (٢) بعضا وفرّقهم فى أصحابه. فلما كان بالسحر نادى خالد: من كان معه أسير فليذافه - وهى بالذال المعجمة والفاء: الإجهاز بالسيف - فقتلت بنو سليم من كان فى أيديهم، وامتنع من ذلك المهاجرون والأنصار فأرسلوهم. فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فبعث على بن أبى طالب بمال فودى به قتلاهم، وما ذهب لهم حتى ودى لهم ميلغة (٣) الكلب، وبقيت معه بقيّة من المال فدفعها إليهم وقال: هذا احتياط لرسول الله ﷺ مما لا يعلم ولا تعلمون. ثم رجع إلى النبى ﷺ فأخبره فقال: أصبت وأحسنت، ثم قام فاستقبل القبلة وشهر يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد - ثلاث مرات.

стр. 542

ويقال: إن يوم فتح مكة قدم على النبى ﷺ وهو بالأبطح - أخت حليمة معها أخت زوجها، فأهدت إليه جرابا فيه أقط ونحى سمن، فسأل أخت حليمة عن حليمة، فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه، وسألها عمّن خلّفت (١)، فأخبرته بخلّة وحاجة، فأمر لها بكسوة وجمل، وأعطاها مائتى درهم وافية، فانصرفت وهى تقول: نعم المكفول أنت صغيرا وكبيرا. ويقال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة أتى جذم قبر فجلس إليه - والناس حوله - فجعل كهيئة المخاطب، ثم قام وهو يبكى، فاستقبله عمر - وكان من أجرإ الناس عليه - فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، ما الذى أبكاك؟ قال: هذا قبر أمى سألت [ربى] (٢) الزيارة فأذن لى، وسألته الاستغفار فلم يأذن لى، فذكرتها فرققت فبكيت. فلم ير كان أكثر باكيا من يومئذ. وهذا غلط؛ /فليس قبرها بمكة وإنما قبرها بالأبواء. وإن صح أنها بمكة (٣) فلعلها حملت من الأبواء إلى مكة فدفنت بها. وأقام رسول الله ﷺ بمكة بضع عشرة ليلة - وقيل سبع عشرة

стр. 543

وقيل خمس عشرة، وقيل ثمان عشرة، وقيل تسع عشرة، ويقال عشرين - وقيل غير ذلك يقصر الصلاة (١). وقيل للنبى ﷺ يوم الفتح: ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟! وكان عقيل قد باع منزل النبى ﷺ ومنازل إخوته من الرجال والنساء بمكة حين هاجروا، ومنزل كل مهاجر من بنى هاشم. فقيل يا رسول الله فانزل في بعض بيوت مكة فى غير منزلك. فأبى رسول الله ﷺ وقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا فى الحجون لم يدخل بيتا، وكان يأتى المسجد من الحجون لكل صلاة (٢). وفيها فى يوم السبت لست ليال خلون من شوال - وقيل للتلتين بقيتا من رمضان - كانت غزوة هوازن بحنين - واد فيه ماء قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا ينسب إلى حنين ابن قانية بن مهلائيل من جرهم - وذلك أن رسول الله ﷺ لما فتح مكة بلغه أن أشراف هوازن وثقيف مشى بعضهم إلى بعض فجمعوا وحشدوا، ورئيسهم مالك بن عوف النصرى وهو يومئذ ابن ثلاثين عاما، واجتمعوا حتى نزلوا أوطاس - وأميرهم مالك - فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم، وخرجوا معهم بدريد بن الصّمّة شيخ كبير استصحبوه تيمّنا برأيه ومعرفته، والأمداد تأتيهم، وأجمعوا المسير

стр. 544

إلى النبى ﷺ ، فبعث النبىّ ﷺ عبد الله بن أبى حدرد ليأتيه بخبرهم فانطلق ودخل عسكرهم فطاف به وأقام فيهم يوما أو يومين، ثم أتى النبى ﷺ بما قد أجمعوا عليه من حربه - وقيل إنه بعثه حين نزل بحنين - فأجمع على المسير إليهم، وقيل له: إن عند صفوان بن أمّية أدراعا وسلاحا. فطلبها النبى ﷺ ، فقال: أغصبا يا محمد؟! قال: لا بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك. قال/: ليس بهذا بأس. وأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، ويقال إن النبى ﷺ قال له: اكفنا حملها. ففعل (١). وأعان رسول الله ﷺ نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بثلاثة آلاف رمح، فقال له النبى ﷺ : كأنى أنظر إلى رماحكم يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين (٢). وخرج النبى ﷺ فى أصحابه الذين شهدوا الفتح، واجتمع عليه من أهل مكة ألفان، فكانوا اثنى عشر ألفا من المسلمين، وخرج جماعة من المشركين من أهل مكة ركبانا ومشاة؛ حتى خرج النساء يمشين على غير دين ينظرون ويرجون الغنائم، فنزل النبىّ ﷺ بالمحصّب فيما بين مكة ومنى، وهو إلى مكة أقرب، وكان النبىّ ﷺ قال حين أراد حنّينا: منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر. واستعمل النبى ﷺ على أهل مكة معاذ

стр. 545

ابن جبل الأنصارى يعلّم القرآن الناس ويفقههم فى الدين، والصحيح أنه إنما استعمل عتّاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس، ثم مضى يريد لقاء هوازن، فرأى نفر من جهال العرب - فيهم الحارث بن مالك - شجرة خضراء، ويقال سدرة تسمى ذات أنواط، تسايرهم من جانب الطريق، وكان المشركون يعظمونها، ويعلقون عليها أسلحتهم، ويجتمعون ويذبحون عندها فى يوم معلوم من السنة، بل ومن يمرّ عليها يريد الحج يضع رداءه عندها، ويدخل بغير رداء (١) تعظيما لها، فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال النبى ﷺ : الله أكبر؛ قلتم كما قال بنو إسرائيل قوم موسى ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٢) لتركبن سنن من كان قبلكم. وأطنبوا السير حتى كان عشيّة فحضرت صلاة الظهر عند النبى ﷺ ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إنى انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن - على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم - اجتمعوا إلى حنين. فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله تعالى. ثم قال ﷺ : من يحرسنا الليلة؟ /قال أنس بن أبى مرثد الغنوى: أنا يا رسول الله. قال: فاركب. فركب فرسه وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : استقبل هذا الشعب حتى تكون فى أعلاه، ولا

стр. 546

نغرّن من قبلك الليلة. فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاّه (١) فركع ركعتين، ثم قال: هل أحسستم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسسنا. فثّوب بالصلاة، فجعل رسول الله ﷺ يصلى وهو يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلّم قال: أبشروا فقد جاء فارسكم. فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر فى الشعب إذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله ﷺ . فقال: إنى انطلقت حتى كنت فى أعلى هذا الشعب؛ حيث أمرنى رسول الله ﷺ ، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا. فقال له رسول الله ﷺ : هل نزلت الليلة؟ قال: لا، إلا مصلّيا أو قاضيا حاجة. فقال رسول الله ﷺ : قد أوجبت فلا عليك ألاّ تعمل بعدها. وانتهى رسول الله ﷺ إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال، ويقال ليلة الاثنين خامس عشره. وأرسل مالك بن عوف ثلاثة عيون يأتونه بخبر رسول الله ﷺ وأصحابه، فرأوا رجالا بيضا على خيل بلق، فلم يتماسكوا أن ولّوا - وقد تفرقت أوصالهم من الرعب - حتى أتوه فأخبروه الخبر، فلم يرده ذلك، ولما كان الليل عبّأ أصحابه وأمرهم بالحملة جميعا وأوعز إليهم فى ذلك، وكان جاء بالصبيان والنساء والإبل والغنم والنعم، فجعلوها صفين ليكثروا على رسول الله ﷺ .

стр. 547

وعبّأ رسول الله ﷺ أصحابه فى السّحر، وصفّهم صفوفا. ووضع الألوية والرايات فى أهلها، مع المهاجرين لواء يحمله على بن أبى طالب، وراية يحملها سعد بن أبى وقّاص، وراية يحملها عمر بن الخطاب، ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر - ويقال لواء الخزرج الآخر مع سعد بن عبادة - ولواء الأوس مع أسيد بن حضير، وفى كل بطن من الأوس/والخزرج لواء أو راية يحملها رجل مسمّى، وكذلك قبائل العرب فيها الألوية والرايات يحملها قوم مسمون منهم. وكان رسول الله ﷺ قد قدّم بنى سليم حين خرج من مكة، واستعمل عليهم خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى جاء الجعرانة، وانحدر رسول الله ﷺ فى وادى حنين على تعبئته، ولما تصافوا للقتال ظاهر ﷺ بين درعين ولبس مغفره وبيضته، وركب بغلة له شهباء - وقيل بيضاء - تدعى دلدل، أهداها له فروة بن نفاثة - أو ابن نعامة - الجذامى. ورأى بعض الصحابة - ويقال إنه الصديق، ويقال سلمة بن سلامة ابن وقش - كثرة العساكر فقال: لن نغلب اليوم من قلّة، وفشا ذلك للنبى ﷺ ، فأنزل الله ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (١) وصبّحهم النبى ﷺ بالقتال، فاستقبلهم من هوازن فيء لم يروا مثله قطّ من السواد والكثرة، وخرجت الكتائب من مضيق الوادى وشعبه، فشدّ عليهم المشركون شدّة واحدة فانكشفت خيل بنى سليم مولية، وتبعهم أهل مكة والناس منهزمين،

стр. 548

فطفق النبى ﷺ يركض بغلته قبل الكفار، والعباس آخذ بلجام بغلة النبى ﷺ يكفّها إرادة ألاّ تسرع، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ [ورسول الله ﷺ ] (١) يقول: يا عباد الله أنا عبد الله ورسول الله. ثم قال: يا معشر أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله، يا أيها الناس إنى أنا عبد الله ورسوله. ورجع رسول الله ﷺ إلى العسكر، وثاب إليه من انهزم، ولم يثبت معه يومئذ غير عشرة؛ وفى ذلك يقول العباس بن عبد المطلب: - نصرنا رسول الله فى الحرب تسعة … (٢) وقد فر من قد فرعنه فأقشعوا (٢) وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه … لما مسّه فى الله لا يتوجع ويقال (٣) ثمانية وأبدل تسعة وعاشرنا بثامننا (٣)، ويقال ثمانين، والذى نقل لنا وسمّى أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، والعباس بن عبد المطلب، وابنه الفضل/وعلىّ، وعقيل ابنا أبى طالب، وأبو سفيان وربيعة ابنا الحارث بن عبد المطلب، وجعفر بن أبى سفيان، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، والزّبير بن العوام، وأسامة بن زيد، وأيمن بن أم أيمن بن عبيد - وقتل يومئذ - ويقال نوفل بين الحارث بن المطلب (٤).

стр. 549

وبقى من بقى مع النبى ﷺ لم يولوا الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، والنبى ﷺ على بغلته يمضى قدما، فحادت بغلته فمال عن السرج، فشدّ نحوه ابن مسعود وقال: ارتفع رفعك الله. فقال النبى ﷺ لابن مسعود: ناولنى كفّا من تراب. فناوله، فضرب به وجوههم؛ فامتلأت أعينهم ترابا، وقال النبى ﷺ : أين المهاجرون والأنصار؟ فقال ابن مسعود: هم هنا: قال: اهتف بهم. فهتف بهم، فجاءوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها (١) الشّهب. ويقال إنه لما فلّ المسلمون أمر النبىّ ﷺ عمه العباس - وكان جهير الصوت صيّتا - فقال: أى عباس، ناد [يا] (٢) أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة. فنادى: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب الشجرة (٣)، يا أصحاب سورة البقرة (٤)، يا معشر المهاجرين. فأقبلوا على النبى ﷺ كأنهم الإبل إذا حنّت على أولادها، أو قال: فرجعوا عطفة كعطفة البقر على أولادها (٥)،

стр. 550

يقولون: يا لبّيكاه. فاقتتلوا هم والكفار، وارتفعت الأصوات، (١) والدعوة فى الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة فى الأنصار يقولون يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث ابن الخزرج يقولون يا بنى الحارث بن الخزرج (١). فنظر النبى ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله ﷺ : (٢) هذا حين حمى الوطيس (٢)، (٣) قدما يا عباس (٣)، ثم أخذ حصيات فرمى بهن [فى وجوه الكفار] (٤) وكان العباس وأبو سفيان ابن الحارث آخذين بلجام بغلة النبى ﷺ يكفّانها عن الإسراع والتقدم إلى العدو، والنبى ﷺ يقول: - أنا النبىّ لا كذب … أنا ابن عبد المطلب

стр. 551

ويقال: إن على بن أبى طالب كان على فرس رسول الله صلى الله/عليه وسلم يضرب بسيفه ويرتجز ويقول: هذا النبى لا كذب … هذا ابن عبد المطلب ويقال: إن المسلمين لما لقوا هوازن وحملوا عليهم انهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلتهم هوازن بالسهام، فانهزم الناس (١). ويقال: إن المسلمين أقبلوا لا يعملون بخبر القوم الذين خبّئوا فاستقبلوا وادى حنين فى غيابة الصّبح، وهو واد أجوف من أودية تهامة، إنما ينحدرون فيه انحدارا، فإن الناس ليتتابعون لا يعلمون بشئ إذ فجأتهم الكتائب من كل ناحية فلم ينتظر الناس أن انهزموا راجعين، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين وقال: أين أيها الناس؟! أنا رسول الله ﷺ أنا محمد بن عبد الله. وكان أخو (٢) صفوان بن أمية لأمه قال: ألا بطل السحر اليوم. وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركا فى المدة التى ضرب له رسول الله ﷺ ، فقال له صفوان بن أميّة: آسكت فضّ الله فاك:؛ لأن يلينى (٣) رجل من قريش أحب إلى من أن يلينى (٣) رجل من هوازن. وكان أمام هوازن رجل ضخم على جمل أحمر فى يده راية

стр. 552

سوداء (١) إذا أدرك طعن بها، وإذا فاته شئ بين يديه رفعها لمن خلفه، فرصد له علىّ بن أبى طالب ورجل من الأنصار كلاهما يريده، فضرب علىّ عرقوب الجمل فوقع على عجزه، وضرب الأنصارى ساقه فطرح قدمه بنصف ساقه فوقع. ويقال: إن النبى ﷺ نظر إلى رجل من هوازن على جمل صغير معه راية المشركين، لا يلحق رجلا إلا طعنه، فقال النبى ﷺ للعباس: يا عمّ إن يقتل صاحب الراية ينهزم القوم. ثم توجّه علىّ حتى استدار إلى عجز البعير، ثم قام قائما على الفرس فضربه بالسيف، ومرّ به وأخذ الراية. واقتتل الناس قتالا شديدا فقال النبى ﷺ لبغلته: البدى (٢)، فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ/حفنة من تراب - ويقال إنه قال للعباس أو لابن مسعود: ناولنى حصباء من الأرض، أو كفّا من تراب، فناوله، ويقال: إن النبى ﷺ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب (٣) فرمى بها فى وجوههم، وقال: شاهت الوجوه. ثم قال ﷺ : انهزموا وربّ محمد - أو قال وربّ

стр. 553

الكعبة - فلم يبق منهم إنسان إلاّ امتلأت عيناه وفمه من ذلك التراب؛ فأنزل الله ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ (١) وخرج النبى ﷺ فى إثرهم وهو على بغلته، فقذف الله فى قلوبهم الرعب، فانهزموا لا يلوى أحد منهم على الآخر، وتفرقوا فى كل وجه. وأمر النبىّ ﷺ بقتل من قدروا عليه منهم، فحنق (٢) عليهم المسلمون واتبعوهم يقتلونهم حتى أفضوا فى القتل إلى الذّرّيّة. فبلغ ذلك النبى ﷺ فنهى عن ذلك، وقال من قتل كافرا فله سلبه. فقتلوا منهم اثنين وتسعين (٣)؛ قتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ سلاحهم. وضرب أبو قتادة رجلا على حبل العاتق وعليه درع [قال أبو قتادة] (٤) فأعجلت عنه أن آخذها فانظر مع من هى. فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا أخذتها فأرضه منها (٥) وأعطنيها. فسكت رسول الله ﷺ وكان لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو سكت - فقال عمر (٦):

стр. 554

لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها!! فضحك رسول الله ﷺ وقال: صدق عمر. واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة (١). وممن ثبت مع النبى ﷺ [أمّ سليم] (٢) وبيدها خنجر فقال لها أبو طلحة: ما تفعلين به؟ قالت: أبعج به من قرب منى من الكفار. فتبسم رسول الله ﷺ وقيل قالت: أردت أن أقتل به الطلقاء أن انهزموا عنك (٣)، فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد كفى وأحسن. وكان خالد بن الوليد بن المغيرة جرح يومئذ، وكان على/خيل رسول الله ﷺ ، وبعد أن هزم الله الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم مشى النبى ﷺ فى المسلمين وهو يقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد (٤)؟ فبينما هو كذلك إذ أتى برجل قد شرب خمرا، فقال النبى ﷺ : اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا،

стр. 555

ومنهم من ضربه بالمتيخة (١) - يعنى الجريدة الرطبة - وأخذ النبى ﷺ ترابا من الأرض فرمى به فى وجهه (٢). وقال شيبة بن عثمان: ما رأيت أعجب مما كنّا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ثم يقول: لما كان عام الفتح ودخل رسول الله ﷺ عليه وسلم مكة عنوة، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة فأثأر منه فأكون أنا الذى قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، وكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر فى نفسى إلا قوة؛ فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله ﷺ عن بغلته، وأصلت السيف، وذكرت أبى وعمىّ وقتل على وحمزة إيّاهما، فقلت: اليوم أدرك ثأرى من محمد، فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة تكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت ابن عمه ولن يخذله، ثم جئته من خلفه فدنوت أريد

стр. 556

منه ورفعت سيفى، فلم يبق إلا أن أسوّره فرفع لى شواظ من نار بينى وبينه كالبرق كاد يمحشنى، فوضعت يدى على بصرى خوفا عليه ومشيت القهقرى، والتفت إلىّ رسول الله ﷺ فنادانى: يا شيب ادن منى، اللهم أذهب عنه الشيطان. فدنوت منه فمسح صدرى ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان. فرفعت إليه ﷺ بصرى فو الله لهو كان ساعتئذ أحب/إلىّ من سمعى وبصرى ونفسى، وأذهب الله ما كان فىّ، ثم قال: ادن فقاتل. فتقدمت أمامه أضرب بسيفى، الله يعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شئ، ولو لقيت تلك الساعة أبى - لو كان حيا - لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون، فكروا كرة رجل واحد، وقربت بغلة رسول الله ﷺ فاستوى عليها، فخرج فى أثرهم حتى تفرّقوا فى كل وجه، ورجع ﷺ إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه - ما دخل عليه غيرى - حبا لرؤية وجهه وسرورا به، فقال ﷺ يا شيب، الذى أراد الله بك خير مما أردت بنفسك. ثم حدثنى بكل ما أضمرت فى نفسى مما لم أكن أذكره لأحد قط، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ثم قلت: استغفر لى. فقال: غفر الله لك (١). ولما ولى الكفار مدبرين وقف مالك بن عوف النصرى فى أناس

стр. 557

من أشراف قومه على [ثنية] (١) من الثنايا حتى مضى ضعفاء أصحابه وتتامّ آخرهم، ثم هرب هو وأصحابه. فتحصنوا فى قصره بليّة، ويقال دخلوا حصن ثقيف بالطائف. وأسلم من أهل مكة خلق حين رأوا نصر الله لرسوله ﷺ وإعزازه دينه. وتوجه بعض المنهزمين نحو الطائف، وبعضهم نحو نخلة، وبعضهم إلى أوطاس، فعسكر من بأوطاس. وأمر ﷺ بطلب العدو، فتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، وبعث رسول الله ﷺ أبا عامر الأشعرى على جيش - فيهم سلمة بن الأكوع - فى أثر من توجّه قبل أوطاس، وقال: إن قدرتم على بجاد - رجل من بنى سعد بن بكر - فلا يفلتنكم؛ وكان قد أحدث حدثا (٢). فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة من ربيعة بن يربوع ابن سماك (٣) بن عوف بن امرئ القيس السّلمى - وكان يدعى بابن الدّغنّة [وهى] (٤) أمّه، ويقال ابن لذعة، فيما يقال - /دريد بن

стр. 558

الصّمة الجشمى من هوازن، فأخذ بخطام جمله - وهو فى شجار، وهو يظن أنه امرأة - فأناخ به فإذا هو شيخ كبير ولا يعرفه، فقال له دريد: من أنت، وما تريد؟ فقال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى، أريد قتلك. ثم ضربه بسيفه فلم يصنع فيه شيئا، فقال له: بئس ما سلّحتك أمك، خذ سيفى من مؤخر الشّجار ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فكذلك كنت أقتل الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قد قتلت دريد بن الصّمّة، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك. فضربه، فلما وقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه أبيض كالقرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. وقيل إنه أسر بحنين فأمر النبى ﷺ بقتله؛ لمشاهدته الحروب ورأيه فيها، وكان له يومئذ مائة وستون سنة - وقيل وعشرون - وهو فارس مشهور وشاعر مذكور. وهزم الله أصحاب دريد بن الصمة (١). ولقى أبو عامر [الأشعرى] (٢) عشرة إخوة فحمل عليه أحدهم فدعاه أبو عامر إلى الإسلام، وحمل عليه وهو يقول: اللهم اشهد عليه. فقتله، ثم آخر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا رجلا، ويحمل عليهم ويدعوهم إلى الإسلام وهو يقول: اللهم اشهد عليه، حتى قتل تسعة وبقى العاشر، فحمل عليه ودعاه إلى الإسلام وقال: اللهم

стр. 559

اشهد عليه. فقال: اللهم لا تشهد علىّ. فكفّ عنه أبو عامر فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبى ﷺ يقول: هذا شريد أبى عامر (١). ورمى أبا عامر رجلان أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بنى جشم بن معاوية، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فأثبتاه، فحمل عليهما أبو موسى الأشعرى فقتلهما. وقيل رماه سلمة بن دريد (٢). قال أبو موسى الأشعرى: فانتهيت إلى أبى عامر فقلت: يا عم/من رماك؟ فرآه فأشار فقال: إن ذاك الذى رمانى. فقصدت إليه فاعتمدته فلحقته، فلما رآنى ولّى هاربا فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحى؟ ألست عربيّا؟ ألا تثبت؟! فكرّ فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين، فضربته بالسيف فقتلته. ثم رجعت إلى أبى عامر فقلت: إن الله قد قتل صاحبك. قال: فانزع هذا السهم. فنزعته فنزا منه الماء، فقال: يا ابن أخى، انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه منى السلام، وقل له: يقول لك استغفر لى. واستعمل أبو عامر أبا موسى الأشعرى على الناس، ثم مكث يسيرا ومات. وقاتلهم أبو موسى حتى فتح الله عليه. فلما رجع أبو موسى إلى النبى ﷺ دخل عليه وهو على سرير مرمّل عليه فراش - وقد أثر رمال السرير بظهر رسول الله ﷺ وجنبيه - فأخبره بخبرهم وخبر

стр. 560

أبى عامر، وقال له: قال قل له يستغفر لى. فاستغفر له حتى رؤى بياض إبطيه. ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك - أومن الناس - فقال له أبو موسى: ولى يا رسول الله فاستغفر. فقال النبى ﷺ : اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة الجنة (١) مدخلا كريما (١). وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا وبجاد السّعدى الذى أمرهم النبى ﷺ إن وجدوه لا يقلتوه، وساقوه وأهله، وساقوا معه الشّيماء بنت الحارث بن عبد العزّى، أخت النبى ﷺ من الرضاعة، فعنفوا عليها فى السّياق، فقالت الشّيماء للمسلمين: تعلمون والله أنى لأخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدّقوها، فأخذها طائفة من الأنصار حتى أتوا بها رسول الله ﷺ ، فلما انتهى بها إلى رسول الله ﷺ قالت: يا محمد إنى أختك. قال: وما علامة ذلك؟ ولكن بك منى أثر لن يبلى. فكشفت عن ظهرها - ويقال عن عضدها - ثم قالت: نعم يا رسول الله، حملتك وأنت صغير فعضضتنى هذه/ العضة وأنا متوركتك بوادى السرر، ونحن يومئذ نرعى بهم أبيك وأبى وأمك وأمى، قد نازعتك الثدى، وتذكر يا رسول الله حلابى عنز أبيك «أطلال» (٢) فعرف رسول الله ﷺ العلامة فوثب قائما فبسط لها

стр. 561

رداءه ثم قال: اجلسى ورحّب بها ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما فى الزمان، ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك. فقالت: بل أرجع إلى قومى وأسلمت. ويقال إن النبى ﷺ قال لها: سلى تعطى، واشفعى تشفّعى. وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية أحدهم يقال له مكحول. فزوّجوه الجارية، فلم يزل من نسلهما بقية [(١) ورجعت الشّيماء إلى منزلها، وكلمها النسوة فى بجاد، فرجعت إليه] (١) فكلمته أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ ، ثم أمر لها ببعير - أو بعيرين - وسألها من بقى من أهلها، فأخبرته بأخيها وأختها، وبعمها أبى برقان، وأخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال لها: ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك فإنى أمضى إلى الطائف. فرجعت إلى الجعرانة، ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة فأعطاها نعما وشاء لها ولمن بقى من قومها من أهل بيتها. ويقال إن الذى قدم إلى النبى ﷺ فأكرمه وبسط له رداءه أمّه حليمة (٢). ويقال أن أب النبىّ ﷺ من الرضاعة قدم عليه فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم جاء أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه (٣).

стр. 562

وأمر ﷺ بالسبايا والغنائم فجمع ذلك كله، وحدره ﷺ إلى الجعرانة، وجعل على ذلك بديل بن ورقاء الخزاعى، وقيل مسعود ابن عمرو الغفارى، فوقف بها إلى أن انصرف ﵊ من الطائف وهم فى حظائر لهم يستظلون بها من الشمس، وملئت عرش مكّة منهم. وكان السبى ستة آلاف رأس (١)، والإبل [أربعة و] (٢) عشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية/فضة. ثم خرج النبى ﷺ (٣) إلى الطائف (٣) - فى شوال - من حنين يريد الطائف. وبعث الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ إلى ذى الكفّين صنم عمرو ابن حممة - وكان من خشب، وكان له بين العرب ثلاثمائة (٤) سنة - ليهدمه، وأمر أن يستمد (٥) قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا حتى

стр. 563

مر بقومه فاجتمع معه أربعمائة فهدم ذا الكفين، وجعل يحشو النار فى وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفّين لست من عبّادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا إنى حشوت (١) النار فى فؤادكا وسار النبى ﷺ وجعل خالد بن الوليد على مقدمته، فسلك على نخلة اليمانية (٢)، ومرّ فى طريقه بقبر فقال: هذا قبر أبى رغال، وهو أبو ثقيف وكان من قوم ثمود، فلما أهلك الله قومه بما أهلكهم به منعه بمكان من الحرم، فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان، فمات فدفن به، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن نبشتم عنه أصبتموه. فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن (٣). ثم مرّ على قرن (٤)، ثم على المليح (٥)، ثم على بحرة الرّغاء (٦) من ليّة، فابتنى فيها مسجدا وصلّى فيه، وأمر بحصن

стр. 564

مالك بن عوف فهدم، ثم سلك على الضّيّقة وسأل عن اسمها، فقيل: الضّيّقة. فقال: بل هى اليسرى، ثم خرج [على نخب] (١) حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة بالقرب من أطم رجل من ثقيف تمنّع فيه بماله، فأمر رسول الله ﷺ بهدمه، ثم سلك على تحت واد وراء الطائف حتى نزل بوادى العقيق قرب الطائف؛ وعسكر هناك، فتحصّنت ثقيف فى حصنهم حين انصرفوا من أوطاس، ولم يكن له نظير فى حصون العرب، وكانوا رمّوه وأدخلوا فيه ما يكفيهم لسنة، فدخلوه وأغلقوه عليهم، وتهيئوا للقتال وهم يقولون: هذا قبر أبى رغال فينا، والله لا نسلم ما حيينا. فحاصرهم المسلمون، فرموهم بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد (٢) حتى أصيب من المسلمين رجال بجراحة، واستشهد منهم اثنا عشر رجلا، منهم: سعيد بن سعيد (٣) بن العاص، وعبد الله بن أبى أمية، ورمى عبد الله بن أبى بكر الصديق يومئذ فجرح، واندمل جرحه/ثم انتقض بعد ذلك، فمات منه فى خلافة أبيه (٤).

стр. 565

فارتفع النبى ﷺ من ذلك المنزل إلى موضع مسجد الطائف اليوم، فعسكر النبى ﷺ هناك، وكان به سارية - فيما يزعمون - لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض (١). وكان مع النبى ﷺ من نسائه أم سلمة وزينب فضرب لهما فبّتين، فكان يصلى بينهما حصار الطائف كله، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ويقال عشرين يوما، وقيل ثمانية عشر، ويقال خمسة عشر، وقيل بضعة عشر؛ وهو الأصح (٢). ووافى النبى ﷺ الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ فى قومه بعد مقدمه بأربع ليال بدبّابة ومنجنيق، فنصبه عليهم ورماهم به؛ فإنه لأول منجنيق رمى به فى الإسلام، ونثر الحسك (٣) شقتين من عيدان حول الحصن، ودخل نفر من أصحاب النبى ﷺ تحت دبّابة ثم زحفوا نحو الحصن ليخرقوه، فصبّ عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل، فأصابوا منهم جماعة (٤). وقاتل فيها رسول الله ﷺ بنفسه، وقال: من بلغ
следующие страницы →