← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رداءه ثم قال: اجلسى ورحّب بها ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما فى الزمان، ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك. فقالت: بل أرجع إلى قومى وأسلمت. ويقال إن النبى ﷺ قال لها: سلى تعطى، واشفعى تشفّعى. وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية أحدهم يقال له مكحول. فزوّجوه الجارية، فلم يزل من نسلهما بقية [(١) ورجعت الشّيماء إلى منزلها، وكلمها النسوة فى بجاد، فرجعت إليه] (١) فكلمته أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ ، ثم أمر لها ببعير - أو بعيرين - وسألها من بقى من أهلها، فأخبرته بأخيها وأختها، وبعمها أبى برقان، وأخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال لها: ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك فإنى أمضى إلى الطائف. فرجعت إلى الجعرانة، ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة فأعطاها نعما وشاء لها ولمن بقى من قومها من أهل بيتها. ويقال إن الذى قدم إلى النبى ﷺ فأكرمه وبسط له رداءه أمّه حليمة (٢). ويقال أن أب النبىّ ﷺ من الرضاعة قدم عليه فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم جاء أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه (٣).

стр. 562

وأمر ﷺ بالسبايا والغنائم فجمع ذلك كله، وحدره ﷺ إلى الجعرانة، وجعل على ذلك بديل بن ورقاء الخزاعى، وقيل مسعود ابن عمرو الغفارى، فوقف بها إلى أن انصرف ﵊ من الطائف وهم فى حظائر لهم يستظلون بها من الشمس، وملئت عرش مكّة منهم. وكان السبى ستة آلاف رأس (١)، والإبل [أربعة و] (٢) عشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية/فضة. ثم خرج النبى ﷺ (٣) إلى الطائف (٣) - فى شوال - من حنين يريد الطائف. وبعث الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ إلى ذى الكفّين صنم عمرو ابن حممة - وكان من خشب، وكان له بين العرب ثلاثمائة (٤) سنة - ليهدمه، وأمر أن يستمد (٥) قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا حتى

стр. 563

مر بقومه فاجتمع معه أربعمائة فهدم ذا الكفين، وجعل يحشو النار فى وجهه ويحرقه ويقول: يا ذا الكفّين لست من عبّادكا … ميلادنا أقدم من ميلادكا إنى حشوت (١) النار فى فؤادكا وسار النبى ﷺ وجعل خالد بن الوليد على مقدمته، فسلك على نخلة اليمانية (٢)، ومرّ فى طريقه بقبر فقال: هذا قبر أبى رغال، وهو أبو ثقيف وكان من قوم ثمود، فلما أهلك الله قومه بما أهلكهم به منعه بمكان من الحرم، فلما خرج أصابته النقمة التى أصابت قومه بهذا المكان، فمات فدفن به، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن نبشتم عنه أصبتموه. فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن (٣). ثم مرّ على قرن (٤)، ثم على المليح (٥)، ثم على بحرة الرّغاء (٦) من ليّة، فابتنى فيها مسجدا وصلّى فيه، وأمر بحصن

стр. 564

مالك بن عوف فهدم، ثم سلك على الضّيّقة وسأل عن اسمها، فقيل: الضّيّقة. فقال: بل هى اليسرى، ثم خرج [على نخب] (١) حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة بالقرب من أطم رجل من ثقيف تمنّع فيه بماله، فأمر رسول الله ﷺ بهدمه، ثم سلك على تحت واد وراء الطائف حتى نزل بوادى العقيق قرب الطائف؛ وعسكر هناك، فتحصّنت ثقيف فى حصنهم حين انصرفوا من أوطاس، ولم يكن له نظير فى حصون العرب، وكانوا رمّوه وأدخلوا فيه ما يكفيهم لسنة، فدخلوه وأغلقوه عليهم، وتهيئوا للقتال وهم يقولون: هذا قبر أبى رغال فينا، والله لا نسلم ما حيينا. فحاصرهم المسلمون، فرموهم بالنبل رميا شديدا كأنه رجل جراد (٢) حتى أصيب من المسلمين رجال بجراحة، واستشهد منهم اثنا عشر رجلا، منهم: سعيد بن سعيد (٣) بن العاص، وعبد الله بن أبى أمية، ورمى عبد الله بن أبى بكر الصديق يومئذ فجرح، واندمل جرحه/ثم انتقض بعد ذلك، فمات منه فى خلافة أبيه (٤).

стр. 565

فارتفع النبى ﷺ من ذلك المنزل إلى موضع مسجد الطائف اليوم، فعسكر النبى ﷺ هناك، وكان به سارية - فيما يزعمون - لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض (١). وكان مع النبى ﷺ من نسائه أم سلمة وزينب فضرب لهما فبّتين، فكان يصلى بينهما حصار الطائف كله، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، ويقال عشرين يوما، وقيل ثمانية عشر، ويقال خمسة عشر، وقيل بضعة عشر؛ وهو الأصح (٢). ووافى النبى ﷺ الطّفيل بن عمرو الدّوسىّ فى قومه بعد مقدمه بأربع ليال بدبّابة ومنجنيق، فنصبه عليهم ورماهم به؛ فإنه لأول منجنيق رمى به فى الإسلام، ونثر الحسك (٣) شقتين من عيدان حول الحصن، ودخل نفر من أصحاب النبى ﷺ تحت دبّابة ثم زحفوا نحو الحصن ليخرقوه، فصبّ عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة بالنار، فخرجوا من تحتها فرموهم بالنبل، فأصابوا منهم جماعة (٤). وقاتل فيها رسول الله ﷺ بنفسه، وقال: من بلغ

стр. 566

سهمه فله درجة فى الجنة، ومن رمى بسهم فى سبيل الله فهو عدل محرّر (١). وأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها، فسارع المسلمون فى قطعها، فناشدوه الله والرحم أن يدعها، فتركها (٢). ونادى منادى رسول الله ﷺ : أيّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حرّ. فخرج منهم ثلاثة وعشرون - ويقال بضعة عشر - فيهم نفيع بن الحارث فى بكرة فقيل له أبو بكرة، فأعتقهم النبى ﷺ ، ودفع كل واحد منهم إلى آخر من المسلمين يمونه، فشقّ ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة (٣). ولم يؤذن للنبى ﷺ فى فتحها، واستشار نوفل بن معاوية الديلى، فقال: ما ترى؟ قال: ثعلب فى جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك (٤). فأمر عمر بن الخطاب فأذّن فى الناس/بالرحيل، فضجّوا من ذلك وقالوا: نرحل قبل فتحها؟! فقال النبى ﷺ : اغدوا على القتال. فغدوا فأصابهم جراحات، فقال النبى ﷺ : إنّا قافلون غدا إن شاء الله تعالى. فسرّ المسلمون بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحّلون ورسول الله ﷺ يضحك، وقال لهم: قولوا لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز

стр. 567

جنده، وهزم الأحزاب وحده. فلما ارتحلوا واستقلوا قال النبى ﷺ : قولوا آيبؤن تائبون عابدون لربنا حامدون. وقيل يا رسول الله ادع على ثقيف. فقال ﷺ : اللهم اهد ثقيفا وأت بهم (١). وانصرف النبى ﷺ عن الطائف، فأخذ على دحنا (٢) وقال: إن الله خلق منها آدم، ومسح ظهره بنعمان الأراك (٣) - ويقال بالسحاب - جبل قرب عرفة (٤)، حتى انتهى النبى ﷺ إلى الجعرانة لخمس ليال خلون من ذى القعدة، فقسم بها غنائم حنين، وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس؛ فأعطى أبا سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية كلّ واحد أربعين أوقية، ومائة من الإبل، وحكيم بن حزام مائة ثم مائة (٥)، والنّضير (٦) بن الحارث بن كلدة، والحارث بن

стр. 568

هشام، وصفوان بن أمية، وقيس بن عدى، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزّى، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، وأسيد بن جارية الثقفى كل واحد مائة من الإبل؛ وأعطى العلاء بن جارية الثقفى، ومخرمة بن نوفل، وسعيد بن يربوع، وعثمان بن وهب، وهشام بن عمرو العامرى كل واحد خمسين بعيرا؛ والعباس بن مرداس أربعين من الإبل - أو أباعر - سخطها فأنشد شعرا يعاتب رسول الله ﷺ فقال: كانت نهابا تلافيتها … بكرّى على المهر فى الأجرع وإيقاظى القوم أن يرقدوا … إذا هجع الناس لم أهجع فأصبح نهبى ونهب العبي … د بين عينيه والأقرع وقد كنت فى الحرب ذا تدرإ … فلم أعط شيئا ولم أمنع ولكن أفائل أعطيتها … عديد قوائمها (١) الأربع وما كان حصن ولا حابس … يفوقان شيخى فى المجمع وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لا يرفع فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فاقطعوا عنى لسانه، فأعطوه حتى رضى. فكان ذلك قطع لسانه الذى أمر به رسول الله ﷺ . /

стр. 569

ويقال إن النبى ﷺ أتمها له مائة، ويقال خمسين كل ذلك من الخمس. فلما أعطاهم ذلك وجدت الأنصار فى أنفسها حتى قال قائلهم: لقى والله رسول الله ﷺ قومه. فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحىّ من الأنصار قد وجدوا عليك فى أنفسهم. فقال: فيم يا سعد؟ فقال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم فى قومك وفى سائر العرب، ولم يكن [فى هذا الحىّ من الأنصار] (١) من ذلك شئ. فقال رسول الله ﷺ : فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: ما أنا إلا امرؤ من قومى. فقال رسول الله ﷺ : فاجمع لى قومك فى هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فيها فأعلمنى. فخرج سعد فصرخ عليهم فجمعهم فى تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فأذن لهم فدخلوا، وجاء رجال آخرون فمنعوا. حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع إليه أتاه فقال: يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار حيث أمرتنى أن أجمعهم. فخرج رسول الله ﷺ فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلاّلا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. ثم قال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونى يا معشر الأنصار؟ فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ وماذا نجيبك؟ المنّ لله

стр. 570

ولرسوله ﷺ . فقال: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم؛ جئتنا طريدا فآويناك، وعائلا فواسيناك، وخائفا فأمّنّاك، ومخذولا فنصرناك. فقالوا: المنّ لله ولرسوله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : وجدتم فى أنفسكم يا معشر الأنصار فى لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبوا برسول الله ﷺ إلى رحالكم، فو الذى نفس محمد بيده لو سلك الناس واديا وشعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت [امرأ] (١) من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار. فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله [ربّا] (١) ورسوله قسما/ وحظا. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا (٢). وقدم على النبى ﷺ بالجعرانة أربعة عشر رجلا من وفد هوازن، ورأسهم أبو جرول (٣) زهير بن صرد، وفيهم أبو برقان عمّ

стр. 571

النبى ﷺ من الرضاعة - وقد أسلموا - فقالوا: يا رسول الله إنّا (١) أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منّ الله عليك. وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: إنما فى الحظائر - من السبايا - خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، فلو أننا ملحنا للحارث بن أبى شمر (٢) والنعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذى أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما؛ وأنت خير المكفولين. ثم أنشده: - امنن علينا رسول الله فى كرم … فإنك المرء نرجوه وننتظر امنن على بيضة قد عاقها قدر … مفرّق شملها فى دهرها غير أبقت لنا الدهر هتّافا على حزن … على قلوبهم الغمّاء والغمر إن لم تداركهم نعماء تنشرها … يا أرجح الناس حلما حين يختبر امنن على نسوة قد كنت ترضعها … إذ فوك تملؤه من محضها الدّرر إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها … وإذ يزينك ما تأتى وما تذر يا خير من مرحت كمت الجياد به … عند الهياج إذا ما استوقد الشّرر

стр. 572

لا تجعلنّا كمن شالت نعامته … واستبق منّا فإنّا معشر زهر إنا نؤمّل عفوا منك تلبسه … هذى البريّة إذ تعفو وتنتصر إنّا لنشكر للنّعماء إذ كفرت … وعندنا بعد هذا اليوم مدّخر فألبس العفو من قد كنت ترضعه … من أمّهاتك إنّ العفو مشتهر واعف عفا الله عمّا أنت راهبه … يوم القيامة إذ أضحى لك الظّفر (١) ويقال بينما النبى ﷺ يقسم الغنائم بالجعرانه وثب أبو جرول زهير بن صرد - وكان فى السّبي - حتى قعد بين يدي رسول الله ﷺ يذكره حيث شبّ ونشأ فى هوازن، وحيث أرضعوه، وأنشأ يقول: … فقال رسول الله ﷺ : نساؤكم وأبناؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله ﷺ خيّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحبّ إلينا. فقال رسول الله ﷺ : أمّا ما كان/لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صلّيت بالناس فقوموا وقولوا إنّا نتشفع برسول الله ﷺ [إلى المسلمين] (٢) وبالمسلمين إلى رسول الله فى أبنائنا ونسائنا، فسأعينكم (٣) عند ذلك وأسأل لكم. فلما صلى رسول الله ﷺ بالناس الظهر قاموا فقالوا ما

стр. 573

أمرهم به رسول الله ﷺ ، فقال [رسول الله ﷺ ] (١): أمّا ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لله ولكم. وقالت قريش: وما كان لنا فهو لله ولرسوله ﷺ . وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لله ولرسوله. فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا. وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقالت بنو سليم: بل ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ . [فقال عباس بن مرداس لبنى سليم: وهّنتمونى.] (٢) وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا. فقال رسول الله ﷺ : إن هؤلاء قد جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم [فخيّرتهم بين النساء والأبناء والأموال] (٣) فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده منهن شئ فطابت به نفسه [أن يردّه] (٣) فسبيل ذلك، ومن أبى ذلك فليردّ عليهم وليكن ذلك قرضا علينا بستّ فرائض من أول ما يفئ الله علينا. قالوا: رضينا وسلّمنا. فردّوا عليهم، سوى عيينة بن حصن فإنه أبى أن يردّ عجوزا صارت فى يده منهم، ثم ردّها بعد ذلك. وكان النبى ﷺ قد كسا السّبى قبطيّة؛ أمر رجلا (٤) أن يأتى مكة فيشترى لهم ثياب المعقد (٥) فلا يخرج الحرّ منهم إلا كاسيا (٦).

стр. 574

وقال: احبسوا أهل مالك بن عوف بمكة عند عمّتهم أم عبد الله بن أبى أميّة. فقال الوفد: يا رسول الله أولئك ساداتنا وأحبّتنا. فقال رسول الله ﷺ : إنما أريد بهم الخير (١). ثم ركب رسول الله ﷺ واتّبعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقسم علينا فيئنا. حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه، فقال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس ردّوا علىّ ردائى، فو الذى نفسى بيده/ لو كان لكم عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتمونى بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا (٢). ثم قام رسول الله ﷺ إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه وقال: أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة. فجاء رجل من الأنصار بكبّة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لى دبر. فقال رسول الله ﷺ : أما حقى منها فلك. فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا فلا حاجة لى بها. فرمى بها من يده (٣).

стр. 575

ثم أمر النبى ﷺ زيد بن ثابت بإحصاء الناس والغنائم فقسم عليهم، وكان للرجل أربع من الإبل وأربعون شاة، وللفارس اثنتا عشرة من الإبل ومائة وعشرون شاة. وكان النبى ﷺ سأل وفد هوازن عن مالك بن عوف وما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال النبى ﷺ : أخبروا مالكا أنه إن أتانى مسلما رددت إليه أهله، وأعطيته مائة من الإبل. فبلغ ذلك مالكا، وخاف من ثقيف على نفسه أن يعلموا أن رسول الله ﷺ قال له ما قال فيحبسوه، فأمر براحلة له فهيّئت، وأمر بفرس له فأتى به الطائف، فخرج ليلا فجلس على فرسه فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها (١)، فجلس عليها ثم لحق برسول الله ﷺ ، فأدركه بالجعرانة - أو بمكة - فردّ عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإبل كما سبق فى إعطائه المؤلفة قلوبهم، فأسلم فحسن إسلامه. وقال مالك بن عوف حين أتى رسول الله ﷺ : - ما إن رأيت ولا سمعت بمثله … فى الناس كلّهم بمثل محمد أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى … وإذا تشأ يخبرك عمّا فى غد وإذا الكتيبة عرّدت أنيابها … أمّ العدى فيها بكلّ مهنّد فكأنه ليث لدى أشباله … وسط الهباءة خادر فى مرصد (٢) /

стр. 576

ثم استعمله رسول الله ﷺ على قومه وتلك القبائل من ثمالة وسلمة وفهم، وكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيّق عليهم، فقال فى ذلك أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفى: - هابت الأعداء جانبنا … ثم يغزونا بنو سلمة وأتانا مالك بهم … ناقضا للعهد والحرمة وأتونا فى منازلنا … ولقد كنا أولى نقمة (١) وأقام رسول الله ﷺ بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة، وأحرم منها هو وبعض أصحابه فى ليلة الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة، ثم خرجوا ليلا حتى أتوا مكة فطافوا مضطبعين - جعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ووضعوها على عواتقهم اليسرى - ثم رملوا بالبيت ثلاثة أشواط، ومشوا أربعة، وسعوا، وقصّر ﷺ من رأسه؛ قصّر له معاوية. ثم رجع من ليلته [إلى الجعرانة] (٢) فأصبح بها كبائت، فلذلك خفيت على كثير من الناس (٣). وأمر رسول الله ﷺ ببقايا الفئ فحبس بمجنّة من ناحية مرّ الظهران (٤).

стр. 577

فلما زالت الشمس من الغد يوم الخميس خرج من الجعرانة فى واديها حتى خرج على سرف، ثم أخذ الطريق على مرّ الظهران حتى أتى المدينة فى بقية ذى القعدة - أو فى أول ذى الحجة - واستخلف النبى ﷺ على مكة عتّاب بن أسيد، ورزقه كل يوم درهما - ويقال فرض له أربعين أوقية من فضة - وقال له: تدرى على من ولّيتك؟ ولّيتك على أهل الله. وخلف معه معاذا وأبا موسى الأشعرى يعلمان الناس القرآن ويفقهانهم فى الدين (١). وخرج عروة بن مسعود الثقفى يتبع النبىّ ﷺ حتى لقيه بالطريق قبل أن يدخل المدينة فأسلم، واستأذن النبىّ ﷺ فى الرجوع إلى قومه، فقال النبى ﷺ : إنهم قاتلوك (٢). وقال النبى ﷺ : إنه فى قومه مثل صاحب ﴿يس﴾ فى قومه (٣). فرجع إلى قومه ودعاهم إلى/ الإسلام، فرموه بالنبل فأصابه سهم فقتله، فأوصى أن يدفن خارج الطائف مع الذين استشهدوا عند حصار الطائف، فدفن معهم (٤).

стр. 578

وفيها أقاد رسول الله ﷺ رجلا من هذيل برجل من بنى ليث (١). وفيها لم يؤذن للنبى ﷺ فى الحج تلك السنة، ولم يبلغنا أنه استعمل عتّابا على الحج تلك السنة، ولا أمره فيه بشئ. فلما جاء الحجّ حجّ المسلمون والمشركون فدفعوا معا، وكان المسلمون فى ناحية يدفع بهم عتّاب ابن أسيد، ويقف بهم المواقف؛ لأنه أمير البلد، فكان أوّل أمير أقام الحجّ فى الإسلام، وكان المشركون ممن كان له عهد ومن لم يكن له عهد فى ناحية، يدفع بهم أبو سارة العدوانى على أتان عوراء رسنها ليف (٢). *** «السنة التاسعة من الهجرة» فيها كانت سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى حىّ من خثعم بناحية قريبا من تربة من مخاليف مكة النجدية فى عشرين رجلا، وأمرهم بشنّ الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يعتقبونها، فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم، وجعل يصيح بالحاضرة، يحذّرهم، فضربوا عنقه، ثم أمهلوا حتى نام الحاضر، فشنوا عليهم الغارة، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكثرت الجراحة فى الفريقين جميعا، فقتل قطبة بن عامر من قتل، واستاقوا النعم والشاء، وأتوا إلى المدينة، وجاء سيل أتىّ (٣) فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلا (٤).

стр. 579

وفيها ائتمرت ثقيف فيما بينهم، ورأوا أنهم لم يكن لهم طاقة بما هم فيه من خلاف جميع العرب، فاتفقوا على أن يبعثوا رجالا إلى رسول الله ﷺ ؛ فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير (١)، فأبى وخشى أنهم يصنعون به كما صنعوا بعروة وقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معى رجالا. فبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بنى مالك، فيهم: عثمان بن أبى العاص (٢)، فخرجوا بهم فلما كانوا بالقناة (٣) قرب المدينة نزلوا وألفوا بها المغيرة بن شعبة (٤)، فاشتد ليبشر رسول الله ﷺ بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر/فأقسم عليه أن يؤثره بذلك حتى يكون هو الذى يحدّث النبى ﷺ ، ففعل ذلك، فدخل أبو بكر على النبى ﷺ فأخبره بقدومهم. ورجع

стр. 580

المغيرة إليهم، فعلّمهم كيف يحيّون النبى ﷺ ، فلم يفعلوا وحيّوه بتحيّة الجاهلية. ونزل الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بنى مالك فى قبة ضربها لهم فى ناحية المسجد - ويقال إن النبى ﷺ أنزل جميع الوفد فى قبّة فى المسجد - ليكون أرقّ لقلوبهم، وكان خالد بن سعيد بن العاص يختلف بين رسول الله ﷺ وبينهم حتى اكتتبوا كتابهم - وكان خالد كاتبهم - وكان الطعام يأتيهم من عند رسول الله ﷺ فلا يمسّونه حتى يأكل منه خالد أو غيره؛ وسبب أنهم لا يمسّونه حتى يمسّه خالد أو غيره أنهم قدموا فى شهر رمضان، فكان يأتيهم بلال بفطرهم فيقولون: أفطر رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم، ما جئتكم حتى أفطر. فيضع يده فيأكل ويأكلون (١). وسألت ثقيف رسول الله ﷺ أن يعفوا من الصلاة وأن يترك لهم الطاغية - وهى اللاّت - ثلاث سنين لا يهدمها. فأبى النبى ﷺ من ذلك وقال: وأما الصلاة فإنه لا خير فى دين لا صلاة فيه. وقالوا: يا محمد سنؤتيكها وإن كانت دناءة. وسألوه ألا يهدموا أوثانهم بأيديهم. فأجابهم إلى ذلك، وأسلموا، واشترطوا حين أسلموا

стр. 581

ألا يحشروا ولا يعشّروا ولا ينحنوا (١). فقال رسول الله ﷺ : ألا يحشروا ولا يعشّروا، ولا خير فى دين ليس فيه ركوع. فقالوا: سنعطيكها على قماءة (٢) فيها. وأمّر النبى ﷺ عثمان بن العاص - وكان أصغرهم - لحرصه على تعلّم (٣) القرآن وشرائع الأحكام، وأمره أن يؤمّهم، وقال له/ تجاوز فى الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم؛ فإن فيهم الضعيف والكبير والصغير وذا الحاجة، واتخذ (٤) مؤذنا [لا يأخذ] (٥) على أذانه أجرا ثم انصرفوا، وبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية وغيرها، فخرجا حتى إذا قدما الطائف أراد المغيرة تقديم أبى سفيان فأبى منه، وقال له: ادخل أنت على قومك، وأقام بماله بذى الهرم (٦). ودخل المغيرة إليها فعلاها فضربها

стр. 582

بالمعول، وقام دونه قومه بنو معتب أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة وخرج نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها ويقلن: لتبكينّ دفّاع … أسلمها الرّضّاع لم يحسنوا المصاع (١) فهدمها وأخذ مالها وحليها من الذهب والفضة والجزع، فجمعه إلى أبى سفيان، فقضيامنه دين عروة بن مسعود وأخيه الأسود بأمر النبى ﷺ لهما بذلك. وأمر النبى ﷺ عثمان بن أبى العاص أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم (٢). وفيها فى ذى القعدة استعمل رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق على الحج، وأمره أن يخالف المشركين لأنهم كانوا يقفون بجمع فيقف بعرفة، ولا يدفع منها حتى الليل، ويدفع من جمع قبل طلوع الشمس. ويقال إن أبا بكر الصديق أقام الحجّ للناس على منازلهم وهى آخر حجّة حجها المشركون. فخرج فى ثلاثمائة رجل من المدينة الشريفة، وبعث النبى ﷺ بعشرين بدنة قلّدها بيده، عليها ناجية بن جندب الأسلمى، وساق أبو بكر خمس بدنات، فلما كان بالعرج - ويقال بضجنان - ثوّب للصبح، فلما استوى للتكبير سمع الرّغوة خلف

стр. 583

ظهره؛ فوقف عن التكبير فقال: هذه رغوة ناقة رسول الله ﷺ الجذعاء؛ لقد بدا لرسول الله ﷺ فى الحجّ، فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلّى معه. فإذا على ﵁، فقال له أبو بكر ﵁: أمير أم رسول؟ فقال: لا، بل رسول/أرسلنى رسول الله ﷺ ببراءة أقرأها على الناس فى مواقف الحجّ (١). فقدموا مكة فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس (براءة) حتى ختمها، ثم خرجوا حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس يعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام فقرأ على الناس (براءة) حتى ختمها، ثم كان يوم النحر فأفاضوا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس قبل الجمرة فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام على فقرأ على الناس (براءة) حتى ختمها (٢). ونبذ على ﵁ إلى كل ذى عهد عهده، فنادى بأربع حتى صحل صوته: ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مطمئنة، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله إلى مدته، ومن لم يكن بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى أربعة أشهر؛ يسيحون فيها حيث شاءوا، فإذا مضى الأجل فإن الله برئ من المشركين ورسوله. فقال المشركون - أو بعضهم -: بل إلى أن تنتهى تلك المدة نبرأ منك ومن ابن عمك إلاّ من الضرب والطعن. فلما رجعوا أرعب الله المشركين فدخلوا فى الإسلام طوعا وكرها (٣).

стр. 584

وأرسل رسول الله ﷺ مع أبى بكر بمال يعمل به طعاما للحاج كما كانت تعمل قريش فى الجاهلية، فعمله. وكان حج أبى بكر ﵁ فى ذى القعدة (١) لأنهم كانوا يحجون فى كل شهر عامين (٢). فلما رجع أبو بكر الصديق إلى المدينة قال: يا رسول الله، مالى؟ قال: خير، أنت صاحبى فى الغار، غير أنه لا يبلغ غيرى أو رجل منى - يعنى عليا (٣) -. *** «السنة العاشرة من الهجرة» فيها فى رمضان قدم على رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلى مسلما، فبعثه إلى ذى الخلصة (٤) ليهدمها، وكانت حجرا

стр. 585

أبيض ضم له بيت صنم بجيلة/وخثعم وأزد السراة فهدمه، فبلغ رسول الله ﷺ ذلك فسجد شكرا لله تعالى (١). *** وفيها فى ذى القعدة أعلم النبى ﷺ الناس أنه خارج إلى الحجّ وأمرهم بالخروج معه، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل مثل عمله، فأصابهم جدرى أو حصبة منعت بعضهم من الحجّ مع النبى ﷺ [فأعلم رسول الله ﷺ ] (٢) أن عمرة [فى] (٢) رمضان تعدل حجة. وخرج ﷺ من المدينة إلى مكة بعد أن صلى الظهر بالمدينة الشريفة، ومعه جمع من الناس كثير، لا يحصيهم غير خالقهم ورازقهم، فقيل مائة وأربعة عشر ألفا، وقيل أكثر، وقيل تسعون ألفا. حتى حج معه من لم يكن يراه قبلها ولا بعدها، وحصل لهم فضيلة الصّحبة، وأراهم مناسكهم وعلّمهم. وخرج ﷺ على طريق الشجرة فى يوم السبت لأربع - وقيل لخمس - ليال بقين من ذى القعدة، وقيل يوم الخميس، أوست بقين منها، نهارا بعد أن أدّهن وترجل واغتسل وتجرّد فى ثوبين

стр. 586

صحاريين (١): إزار ورداء. وأخرج معه نساءه كلهن فى الهوادج، وصلى العصر بذى الحليفة، ونام بها، وطاف فى ليلته على نسائه ثم اغتسل، فلما أصبح صلى بها الصبح وطيبته عائشة ﵂ بذريرة (٢) ممسكة. وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: اغتسلى واستثفرى (٣) بثوب وأحرمى. وصلى رسول الله ﷺ بمسجد ذى الحليفة، ثم أحرم ﷺ ولم يغسل الطيب، ولبد رأسه - وقلّد بدنه نعلين، وأشعرها فى جانبها الأيمن، وسلت الدم عنها - وكانت هدي تطوّع - وساق ﷺ معه الهدى، وكان عليه ناجية بن جندب الأسلمى، ثم ركب ﷺ راحلته القصوى، وكان عليها رحل عليه قطيفة لا تساوى أربعة دراهم (٤)، وقال ﷺ : اللهم اجعله حجّا

стр. 587

لا رياء فيه ولا سمعة. وأهل حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذى الحليفة قارنا بحجّ وعمرة معا، قبل الظهر/بيسير، وقال للناس: ليهل كل منكم بما أحبّ من قران وإفراد وعمرة. وقيل: إن النبى ﷺ أحرم بالحجّ مفردا، ويقال دخل مكة محرما بعمرة متمتعا، ثم أضاف إليها حجة. وأهل النبى ﷺ : لبّيك اللهم لبّيك، لبيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وأهلّ الناس بهذا الذى يهل به، فلم يردّ عليهم رسول الله ﷺ شيئا. وأمر النبى ﷺ أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى يسير المنازل ويؤم أصحابه فى الصلاة (١) فى أماكن؛ فبناها الناس مساجد وعرفت مواضعها. واستهل هلال ذى الحجة الثامنة أو السادسة من خروجه ﷺ من المدينة. فلما كان ببطن الرّوحاء (٢) قال أسامة بن زيد: أتته امرأة فقالت: إن ابنى هذا به لمم منذ سبع سنين، يأخذه فى كل يوم مرّتين. فقال ﷺ : ادنيه. فأدنته منه، فتفل فى فيه وقال: اخرج عدوّ الله، أنا رسول الله. ثم قال لها: إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع (٣).

стр. 588

ثم قال: أسيم، انظر هل ترى من خمر لمخرج رسول الله ﷺ ؟ فقلت: يا رسول الله قد دحس الناس الوادى، فما فيه موضع. فقال: انظر هل ترى فيه من نخل أو حجارة؟ فقلت: يا رسول الله قد رأيت نخلات متفرقات ورضما من حجارة، قال: انطلق فقل لهن: إن رسول الله ﷺ يأمركن أن تدانين لمخرج رسول الله ﷺ ، وقل للحجارة مثل ذلك. فأتيتهن فقلت ذلك لهن، فو الله الذى بعثه بالحق نبيا لقد جعلت أنظر إلى النخلات يخددن الأرض خدا حتى اجتمعن، وأنظر إلى الحجارة يتناقزن حتى صرن رضما خلف النخلات، فأتيته فقلت ذاك له، قال: خذ الإداوة وانطلق، فلما قضى حاجته وانصرف قال: أسيم عد إلى النخلات والحجارة فقل لهن: إن رسول الله ﷺ يأمركن أن ترجعن إلى مواضعكن (١). فلما رجع رسول الله ﷺ استقبلته المرأة ومعها كبشان وأقط وسمن، فقالت: يا رسول الله خذ هذا الكبش. فقال لى رسول الله ﷺ : خذ هذا الكبش. فأخذ منه ما أراد (كذا) وردّ. وفى بعض الروايات قال: خذ أحد الكبشين/وردّ عليها الآخر. وأخذ السمن والأقط. قال: ففعلت. فقالت: والذى أكرمك ما رأينا شيئا منذ فارقتنا (٢). ثم أتاه بعير فقام بين يديه، فرأى عينيه تدمعان، فبعث إلى أصحابه فقال: ما لبعيركم يشكوكم؟ فقالوا: كنا نعمل عليه، فلما

стр. 589

كبر وذهب عمله تواعدنا لننحره غدا. فقال رسول الله ﷺ : فلا تنحروه واجعلوه فى الإبل يكون فيها (١). وقال الشّريد بن سويد الثقفى: خرجت مع رسول الله ﷺ فى حجة الوداع، فبينما أنا أمشى ذات يوم إذا وقع ناقة خلفى، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ ، فقال: الشّريد؟ فقلت: نعم. قال: ألا أحملك؟ قلت: بلى - وما بى من إعياء ولا لغوب. ولكنى أردت البركة فى ركوبى مع رسول الله ﷺ فأناخ فحملنى فقال: أمعك من شعر أميّة بن أبى الصّلت؟ قلت: نعم. قال: هات. فأنشدته مائة بيت، كلما أنشدته بيتا قال: إيه حتى أنشدته مائة بيت. فقال النبى ﷺ : إن كاد ليسلم. ويقال: إن النبى ﷺ لما سمع شعر أميّة قال: عند الله علم أميّة بن أبى الصّلت (٢). واستمر ﷺ من الرّوحاء حتى نزل قديدا، فمر بامرأة فى محفتها ومعها ابن لها صغير، فأخذت بعضده وقالت: يا رسول الله، ألهذا حجّ؟ قال ﷺ : نعم ولك أجره (٣). وفى هذه الحجة أيضا مرّ بامرأة من خثعم فقالت: إن فريضة الله أدركت أبى شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال ﷺ : نعم (٤).

стр. 590

ثم سار حتى نزل بسرف، فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن معه منكم هدى فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدى فلا. فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدى (١). ودخل على عائشة فوجدها تبكى، فقال: ما يبكيك؟ قالت: سمعت كلامك مع أصحابك فتمتّعت بعمرة. قال: وما لك؟ - أو ما بالك؟ - قلت: لا أصلى/قال: فلا يضرك، تكونى فى حجّك فعسى الله أن يرزقكها؛ فإنما أنت من بنات آدم؛ كتب الله عليك ما كتب عليهن (٢). ثم غربت عليه الشمس بسرف، فجاء إلى ذى طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع ليال خلون من ذى الحجة، وصلى بها الصبح. واغتسل، ثم دخل مكة من أعلاها من ثنيّة كداء نهارا (٣) على راحلته القصوى، فلما انتهى إلى باب بنى شيبة ورأى البيت رفع يديه فقال: اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة، وزد من عظّمه ممن حجّه واعتمره تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما وبرّا (٤). ثم أتى البيت فاستلم الركن وطاف على ناقته الجذعاء، فرمل ثلاثا ومشى أربعا - وهو مضطبع بردائه - يستلم الركن بمحجنه، ثم يعطف المحجن ويقبّله (٥) حتى فرغ من سبعة.

стр. 591

فلما فرغ أتى إلى مقام إبراهيم الخليل فجعل المقام بينه وبين البيت وأناخ ناقته عند المقام، فقرأ ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) ثم صلى ركعتين قرأ فيهما «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ» و «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما أتى الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾ (٢) أبدأ بما بدأ الله به. فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحّد (٣) الله وكبّره وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله (٤) وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبّت قدماه فى بطن الوادى رمل، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال: إنى لو استقبلت من أمرى ما استديرت لم اسق؟؟؟ الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: /ألعامنا هذا أم لأبد الأبد؟ فشبّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة فى أخرى وقال: دخلت العمرة فى الحج هكذا - مرتين - بل لأبد الأبد، لا بل لأبد الأبد (٥).

стр. 592

وكان عبد الله بن رواحة آخذا بخطام ناقة النبى ﷺ وهو يسعى فجعل يرتجز ويقول: يا حبذا مكة من وادى … بها أهلى وعوادى بها أمشى بلا هادى … بها ترتج أوتادى ورسول الله ﷺ ضاحك من قول ابن رواحة حتى فرغ من سعيه (١). وجاء النبىّ ﷺ رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، وقد لفّه فى خرقة، فقال له النبى ﷺ : يا غلام من أنا؟ فقال: أنت رسول الله. فقال ﷺ : بارك الله فيك. ثم إن الغلام لم يتكلّم بعد ذلك حتى شبّ (٢). ثم ذهب النبى ﷺ إلى منزله بالأبطح - وقد ضربت له قبة من أدم - ولم يقرب الكعبة بعد طوافه حتى رجع من عرفة (٣). وقدم على من اليمن ببدن النبى ﷺ فوجد فاطمة ممن حلّ ولبست ثيابا صبيغا (٤) واكتحلت، فأنكر عليّ ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا. فكان [علي] (٥) يقول بالعراق: فذهبت

стр. 593

إلى رسول الله ﷺ محرّشا على فاطمة فى الذى صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها. فقال: صدقت، ما قلت يوم فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إنى أهلّ بما أهلّ به رسولك. قال ﷺ : فإن معى الهدي فلا تحل. وكان جملة الهدى الذى قدم به عليّ من اليمن، والذى أتى به النبى ﷺ من المدينة مائة بدنة (١). وأقام النبى ﷺ بمكة محرما يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء، وخطب الناس فيه بمكة بعد الظهر، وأطعم النبى ﷺ الحاج كما كانت/قريش تصنع. ثم نهض ﷺ بالحج فصعد الخميس إلى منى ومعه أصحابه، وفى هذا الوقت عند نهوضهم من الأبطح أحرم كلّ من كان أهلّ منهم بالحج، فصلى النبى ﷺ بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وبات بها فصلى بها الصبح يوم الجمعة، ومكث قليلا حتى إذا طلعت الشمس نهض، وأمر ﷺ بقبة من شعر فضربت بنمرة، ثم ركب فسار - ولا تشكّ قريش إلا أنه واقف بالمشعر الحرام بالمزدلفة، كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية - فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر ﷺ بالقصوى فرحّلت له، فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شئ من

стр. 594

أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع، وإن أوّل دم أضع من دمائكم دم إياس بن ربيعة بن الحارث - كان مسترضعا فى بنى سعد فقتلته هذيل - وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ فإنه موضوع كله، فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه؛ فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله، وأنتم مسئولون (١) عنى، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت - فقال ﷺ بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء/ وينكّبها (٢) إلى الناس ويقول: اللهم اشهد اللهم اشهد - ثلاث مرات - فلما فرغ من الخطبة أمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر والعصر مجموعين ولم يصل بينهما شيئا. ثم ركب رسول الله ﷺ راحلته القصوى حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته إلى الصخرات. وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا بالهضاب، وقال: كل عرفة موقف إلا

стр. 595

بطن عرنة (١). ووقف على راحلته يدعو، وأرسل إلى الناس أن يقفوا على مشاعرهم، ونزل عليه ﷺ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (٢) ووقف معه مائة وأربعة عشر ألفا، وقيل أكثر: مائة وعشرون ألفا، وقيل أقل: تسعون ألفا، ويقال غير ذلك. ولم يزل النبى ﷺ واقفا عند الصخرات حتى غربت الشمس من يومه، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ثم دفع وقد ضم زمام ناقته حتى إن رأسها (٣) ليصيب طرف رحله، ومضى يسير العنق (٤) فإذا وجد فجوة نصّ (٥) وكلما أتى ربوة من تلك الروابى أرخى للناقة زمامها قليلا حتى يصعدها، وهو ﷺ يشير بيده اليمنى ويقول: أيها الناس السكينة السكينة. فلما كان عند الشّعب (٦) الأيسر نزل ﷺ فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، ثم ركب حتى أتى المزدلفة فنزل بها وتوضأ، ثم صلى بها المغرب والعشاء بأذان

стр. 596

واحد وإقامتين - ويقال بأذانين - ولم يسبّح (١) بينهما شيئا، ثم اضطجع وبات بها، فلما كان السحر أذن للضعفاء من الذرية والنساء أن يأتوا منى قبل حطمة الناس، وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فلما برق الفجر وتبيّن الصبح صلى الصبح بالناس مغلسا - أو فى انصداع الفجر - بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فوقف على قزح (٢)، وقال: كل مزدلفة موقف إلا بطن محسّر. واستقبل القبلة ودعا/الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا بها حتى أسفر جدا، ثم سار رسول الله ﷺ قبل أن تطلع الشمس يريد منى، وأردف الفضل بن العباس خلفه، وانطلق أسامة على رجليه فى سباق قريش، وكان الفضل رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما سار النبى ﷺ مرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فأخذ النبى ﷺ يده فوضعها على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر، فوضع النبى ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى إذا أتى النبى ﷺ محسّرا حرّك (٣) ناقته قليلا، وسلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى؛ وهى جمرة العقبة، ولم يزل يلبى حتى أتى الجمرة التى عندها الشجرة؛ فرماها من أسفلها من بطن الوادى بعد طلوع الشمس بسبع

стр. 597

حصيات مثل حصى الخذف (١)، التقطها له عبد الله بن عباس (٢) من موقفه الذى رمى فيه - ويقال التقطها من مزدلفة - وهو ﷺ على راحلته فكبر مع كل حصاة، وقطع التلبية - وهو لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (٣) - وكان بلال وأسامة أحدهما ممسك بخطام ناقته والآخر مظلله بثوبه من الحر. وأنزل النبى ﷺ المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر بالتبليغ، ثم انصرف النبى ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (٤) منها مما كان أتى به معه من اليمن وما ساقه معه من المدينة، وكانت تمام مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة فضة (٥)، ثم أمر النبى ﷺ من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر، فأكلا (٦) من لحمها وشربا من مرقها، ثم حلق رأسه فأعطى أبا طلحة نصفه، وفرق النصف الثانى على الناس: الشعرة والشعرتين، وأخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره، وأمر بشعره وأظفاره أن

стр. 598

يدفنا، وقصّر قوم وحلّق آخرون، فقال ﷺ : رحم الله المحلقين - ثلاثا - وفى كل مرة يقال له: /والمقصرين. فقال فى الرابعة: والمقصرين (١). وضحى بكبشين أملحين، وذبح ﷺ عن نسائه البقر، من اعتمر منهن بقرة (٢)، وطيّبته عائشة أيضا بطيب ممسك (٣)، ولبس القميص، ونادى مناديه (٤): إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ثم نزل النبى ﷺ فأفاض إلى البيت، وطاف طواف الإفاضة ويسمى طواف الصّدر. واختلف أين صلى الظهر يومئذ (٥). وأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلب الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه، ثم رجع ﷺ من يومه إلى منى، وخطب الناس فى هذا اليوم - وقيل ثانى يوم النحر - أعاد فيها خطبته بالأمس، وأمرهم بأخذ مناسكهم وأوصاهم، وقال: لعلّى لا أحجّ بعدها، ولعلكم لا ترونى بعد عامى

стр. 599

هذا، وقال: يا أيها الناس، أى شهر هذا؟ فسكتوا، فقال ﷺ : هذا شهر حرام، وأى بلد هذا؟ فسكتوا، فقال ﷺ : بلد حرام، وأى يوم هذا؟ فسكتوا فقال: يوم حرام. ثم قال: إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا فى بلدكم هذا فى يومكم هذا إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال ﷺ : اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (١) ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدّة الشهور اثنا عشر شهرا فى كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب الذى يدعى شهر مضر الذى جاء بين جمادى الآخرة وشعبان (٢)؛ الشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال الناس: نعم. فقال ﷺ : اللهم اشهد (٣). ولتوديعه ﷺ الناس سميت حجة الوداع. وحجة الإسلام، وحجة البلاغ (٤). وأقام بمنى بقيّة يومه وأيام التشريق ولياليها الثلاث

стр. 600

يرمى الجمار الثلاث فى كل يوم عند الزوال، كل واحدة سبع حصيات بمثل حصى الخذف يكبّر مع كل حصاة، /يبدأ بالدنيا التى تلى مسجد الخيف، ثم الوسطى، ويقف عند كل منهما ويدعو طويلا، ويتضرّع، ثم يرمى جمرة العقبة، ولا يقف عندها، فلما زالت الشمس فى اليوم الثالث من أيام التشريق - وذلك يوم الثلاثاء - نفر النبى ﷺ من منى فنزل بالمحصّب - وهو الأبطح (١) - فى قبة له به [ضربها] (٢) مولاه أبو رافع - وكان على ثقله - فصلّى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ودخل النبى ﷺ على سعد بن أبى وقاص بعد حجه يعوده من وجع اشتد به، فبكى سعد، فقال النبى ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التى هاجرت منها كما مات سعد ابن خولة. فوضع النبى ﷺ يده على جبهة سعد ثم مسح وجهه وصدره وبطنه، ثم قال: اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا، وأتمم له هجرته. فقال سعد: يا رسول الله ادع الله ألا يردنى على عقبى. قال: لعل الله يرفعك وينفع بك ناسا. فقال سعد: يا رسول الله قد بلغ منى الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثنى إلا كلالة، أفأتصدق بمالى كلّه؟ قال: لا. قلت: بثلثي مالى؟ قال: لا. قلت: فبشطره؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث
следующие страницы →