← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

واحد وإقامتين - ويقال بأذانين - ولم يسبّح (١) بينهما شيئا، ثم اضطجع وبات بها، فلما كان السحر أذن للضعفاء من الذرية والنساء أن يأتوا منى قبل حطمة الناس، وقال: لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فلما برق الفجر وتبيّن الصبح صلى الصبح بالناس مغلسا - أو فى انصداع الفجر - بأذان وإقامة، ثم ركب القصوى حتى أتى المشعر الحرام فوقف على قزح (٢)، وقال: كل مزدلفة موقف إلا بطن محسّر. واستقبل القبلة ودعا/الله وكبره وهلله ووحده، ولم يزل واقفا بها حتى أسفر جدا، ثم سار رسول الله ﷺ قبل أن تطلع الشمس يريد منى، وأردف الفضل بن العباس خلفه، وانطلق أسامة على رجليه فى سباق قريش، وكان الفضل رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما سار النبى ﷺ مرت ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن، فأخذ النبى ﷺ يده فوضعها على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه من الشق الآخر ينظر، فوضع النبى ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر حتى إذا أتى النبى ﷺ محسّرا حرّك (٣) ناقته قليلا، وسلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى؛ وهى جمرة العقبة، ولم يزل يلبى حتى أتى الجمرة التى عندها الشجرة؛ فرماها من أسفلها من بطن الوادى بعد طلوع الشمس بسبع

стр. 597

حصيات مثل حصى الخذف (١)، التقطها له عبد الله بن عباس (٢) من موقفه الذى رمى فيه - ويقال التقطها من مزدلفة - وهو ﷺ على راحلته فكبر مع كل حصاة، وقطع التلبية - وهو لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك (٣) - وكان بلال وأسامة أحدهما ممسك بخطام ناقته والآخر مظلله بثوبه من الحر. وأنزل النبى ﷺ المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر بالتبليغ، ثم انصرف النبى ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر (٤) منها مما كان أتى به معه من اليمن وما ساقه معه من المدينة، وكانت تمام مائة بدنة، فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة فضة (٥)، ثم أمر النبى ﷺ من كل بدنة ببضعة، فجعلت فى قدر، فأكلا (٦) من لحمها وشربا من مرقها، ثم حلق رأسه فأعطى أبا طلحة نصفه، وفرق النصف الثانى على الناس: الشعرة والشعرتين، وأخذ من شاربه وعارضيه، وقلم أظفاره، وأمر بشعره وأظفاره أن

стр. 598

يدفنا، وقصّر قوم وحلّق آخرون، فقال ﷺ : رحم الله المحلقين - ثلاثا - وفى كل مرة يقال له: /والمقصرين. فقال فى الرابعة: والمقصرين (١). وضحى بكبشين أملحين، وذبح ﷺ عن نسائه البقر، من اعتمر منهن بقرة (٢)، وطيّبته عائشة أيضا بطيب ممسك (٣)، ولبس القميص، ونادى مناديه (٤): إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ثم نزل النبى ﷺ فأفاض إلى البيت، وطاف طواف الإفاضة ويسمى طواف الصّدر. واختلف أين صلى الظهر يومئذ (٥). وأتى بنى عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلب الناس على سقايتكم لنزعت معكم. فناولوه دلوا فشرب منه، ثم رجع ﷺ من يومه إلى منى، وخطب الناس فى هذا اليوم - وقيل ثانى يوم النحر - أعاد فيها خطبته بالأمس، وأمرهم بأخذ مناسكهم وأوصاهم، وقال: لعلّى لا أحجّ بعدها، ولعلكم لا ترونى بعد عامى

стр. 599

هذا، وقال: يا أيها الناس، أى شهر هذا؟ فسكتوا، فقال ﷺ : هذا شهر حرام، وأى بلد هذا؟ فسكتوا، فقال ﷺ : بلد حرام، وأى يوم هذا؟ فسكتوا فقال: يوم حرام. ثم قال: إن الله قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة شهركم هذا فى بلدكم هذا فى يومكم هذا إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال ﷺ : اللهم اشهد. ثم قال: أيها الناس ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (١) ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدّة الشهور اثنا عشر شهرا فى كتاب الله، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب الذى يدعى شهر مضر الذى جاء بين جمادى الآخرة وشعبان (٢)؛ الشهر تسعة وعشرون وثلاثون، ألا هل بلغت؟ فقال الناس: نعم. فقال ﷺ : اللهم اشهد (٣). ولتوديعه ﷺ الناس سميت حجة الوداع. وحجة الإسلام، وحجة البلاغ (٤). وأقام بمنى بقيّة يومه وأيام التشريق ولياليها الثلاث

стр. 600

يرمى الجمار الثلاث فى كل يوم عند الزوال، كل واحدة سبع حصيات بمثل حصى الخذف يكبّر مع كل حصاة، /يبدأ بالدنيا التى تلى مسجد الخيف، ثم الوسطى، ويقف عند كل منهما ويدعو طويلا، ويتضرّع، ثم يرمى جمرة العقبة، ولا يقف عندها، فلما زالت الشمس فى اليوم الثالث من أيام التشريق - وذلك يوم الثلاثاء - نفر النبى ﷺ من منى فنزل بالمحصّب - وهو الأبطح (١) - فى قبة له به [ضربها] (٢) مولاه أبو رافع - وكان على ثقله - فصلّى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ودخل النبى ﷺ على سعد بن أبى وقاص بعد حجه يعوده من وجع اشتد به، فبكى سعد، فقال النبى ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: قد خشيت أن أموت بالأرض التى هاجرت منها كما مات سعد ابن خولة. فوضع النبى ﷺ يده على جبهة سعد ثم مسح وجهه وصدره وبطنه، ثم قال: اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا، وأتمم له هجرته. فقال سعد: يا رسول الله ادع الله ألا يردنى على عقبى. قال: لعل الله يرفعك وينفع بك ناسا. فقال سعد: يا رسول الله قد بلغ منى الجهد ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثنى إلا كلالة، أفأتصدق بمالى كلّه؟ قال: لا. قلت: بثلثي مالى؟ قال: لا. قلت: فبشطره؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: الثلث، والثلث

стр. 601

كثير؛ إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن يأكل أحد أهلك من مالك صدقة، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله إلا أجرت فيها حتى تجعل اللقمة فى فى امرأتك. قال سعد: أخلّف بعد أصحابى. فقال: إنك لن تخلّف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به رفعة ودرجة، ولعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون، اللهم امض لأصحابى هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة - يرثى له رسول الله ﷺ أن مات بمكة - وخلف معه رجلا وقال: إن مات بمكة فلا تدفنه بها - يكره أن يموت الرجل فى الأرض التى هاجر منها (١). ويقال إن النبى ﷺ قدم مكة عام الفتح، فخلّف سعدا مريضا/حين خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه النبى ﷺ وهو وجع مغلوب - القصة - وكلا الروايتين وردت الأولى فى الصحيحين والثانية فى الترمذى (٢) ولما نزل النبى ﷺ بالمحصّب دعا عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق فقال: اخرج بأختك عائشة من الحرم فلتهلّ بعمرة ثم

стр. 602

لتطف بالبيت؛ فإنى انتظركما هاهنا. ورقد ﷺ مرقده إلى أن فرغت عائشة من عمرتها، فلما أتياه أذّن فى الناس بالرحيل، وأمرهم ألا ينصرفوا حتى يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت، ورخّص فى ترك ذلك للحائض التى كانت طافت يوم النحر (١). ثم دخل النبى ﷺ إلى مكة سحرا، فطاف طواف الوداع لم يرمل فى شئ منه، ثم وقف على راحلته بالحزورة وقال: والله إنك لخير أرض الله تعالى، وأحبّ أرض الله تعالى إلىّ، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت (٢). ثم مضى من فوره ذلك راجعا إلى المدينة الشريفة؛ فخرج من الثنّية السّفلى، ثنية كدى (٣)، واستمر إلى أن وصل المدينة الشريفة لسبع بقين من ذى الحجة أو ثمان. وفى هذه السنة كان الحج بحمد الله تعالى فى ذى الحجة، واستمر على ذلك، وقال ﷺ : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، فلا شهر ينسأ، ولا عدة تخطأ، وإن الحج فى ذى الحجة إلى يوم القيامة (٤) - وقال الله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (٥) وكان أول من أنسأ

стр. 603

الشهور من مضر مالك بن كنانة بن خزيمة؛ وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي - وهو يومئذ فى كندة - وكانت النّساءة قبل ذلك فى كندة؛ لأنهم كانوا قبل [ذلك] (١) ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف المقاول، فنسأ ثعلبة بن مالك، ثم نسأ بعده الحارث بن مالك بن كنانة، وهو/القلمّس، ثم نسأ بعد القلمّس سرير بن القلمّس، ثم كانت النّساءة فى بنى فقيم من بنى ثعلبة حتى جاء الإسلام، وكان آخر من نسأ منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد بن فقيم، وهو الذى جاء فى زمن عمر بن الخطاب ﵁ إلى الركن الأسود، فلما رأى الناس يزدحمون عليه قال: أيّها الناس، أناله جار فأخروا [عنه] (٢) فخففه عمر ﵁ بالدرة ثم قال: أيها الجلف الجافى قد أذهب الله عزّك بالإسلام. ويقال كان أول من أنسأ الشهور على العرب - فأحلت منها ما أحل وحرّمت منها ما حرم - القلمّس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدى بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ويقال عديّ بن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم بعده حذيفة بن عبد بن فقيم المذكور قبله، ثم بعده ابنه عيّاد بن حذيفة، ثم ابنه قلع، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه جنادة بن عوف - أدركه الإسلام كما تقدم وأسلم - وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا يقال: إنه أنسأ أربعين سنة (٣).

стр. 604

والذى ينسأ لهم إذا أرادوا ألا يحلوا المحرم قام بفناء الكعبة يوم الصدر فقال: أيها الناس لا تحلو حرماتكم، وعظموا شعائركم؛ فإنى أجاب ولا أعاب (١) لقول قلته. فهنالك (١) يحرّمون المحرم ذلك العام، وكان أهل الجاهلية يسمون المحرم صفرا الأول، وصفرا [صفرا] (٢) الآخرة، ويقولون: صفران، وشهرا ربيع، وجماديان، ورجب وشعبان. وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. فكان ينسأ الإنساء سنة [ويترك سنة] (٢) ليحلوا الشهور المحرمة، ويحرموا الشهور التى ليست محرمة، وكان ذلك من فعل إبليس؛ ألقاه على ألسنتهم فرأوه حسنا، فإذا كانت السنة التى ينسأ فيها يقوم فيخطب بفناء الكعبة، ويجتمع الناس إليه يوم الصدر، فيقول: يا أيها الناس إنى قد أنسأت العام صفرا الأول - يعنى المحرم - فيطرحونه من الشهور ولا يعتدون به/، ويبدءون العدّة فيقولون: لصفر وشهر ربيع الأول صفرين، ويقولون لشهر ربيع الآخر وجمادى الأولى ربيعين، ويقولون لجمادى الآخرة ورجب جماديين، ويقولون لشعبان رجب. ولشهر رمضان شعبان، ويقولون لشوال شهر رمضان، ولذى القعدة شوال، ولذى الحجة ذا القعدة، ولصفر الأول - وهو المحرم الذى أنسأه - ذا الحجة؛ فيحجون تلك السنة فى المحرم، ويبطل من هذه السنة شهرا ينسئه (٣).

стр. 605

ويخطبهم فى السنة الثانية فى وجه الكعبة أيضا فيقول: أيها الناس لا تحلّوا حرماتكم، وعظموا شعائركم؛ فإنى أجاب ولا أعاب لقول قلته، اللهم إنى أحللت دم المحلّين طيّئ وخثعم فى الأشهر الحرم، وإنما أحل دماءهم؛ لأنهم كانوا يعدون على الناس فى الشهر الحرام من بين العرب، فيغزونهم ويطلبون بثأرهم ولا يقفون عن (١) حرمات الأشهر الحرم كما يفعل غيرهم من العرب، وكان سائر العرب من الحلة والحمس لا يعدون فى الأشهر الحرم على أحد، ولو لقى أحدهم قاتل أبيه أو أخيه، ولا يستاقون مالا إعظاما للأشهر الحرم إلا خثعم وطئ فإنهم كانوا يعدون فى الأشهر الحرم؛ فهنالك يحرّمون من تلك السنة المحرم وهو صفر الأوّل [ثم] (٢) يعدّون الشهور على عدّتهم التى عدّوها فى العام الأول، فيحجون فى كل شهر حجتين. ثم ينسأ فى السنة الثانية فينسأ لهم صفرا الأول فى عدتهم [هذه] (٣) - وهو صفر الآخر فى العدة المستقيمة - حتى تكون حجتهم فى صفر أيضا [حجتين] (٣) فكذلك الشهور كلها حتى يستدير الحج فى كل أربع وعشرين سنة إلى المحرم؛ الشهر الذى ابتدءوا منه الإنساء يحجون فى الشهور كلها فى كل شهر حجتين، فلما جاء الله بالإسلام أنزل فى كتابه ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي﴾

стр. 606

﴿الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ (١) وأنزل ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٢) ويقال إن نسيئهم الشهر الحرام كان على ضربين أحدهما تأخير شهر المحرم إلى صفر لحاجتهم إلى شنّ الغارات، وطلب الثارات. وثانيهما تأخير الحج عن وقته تحرّيا منهم للسنة الشمسية، فكانوا/يؤخرونه فى كل عام أحد عشر يوما وأكثر قليلا حتى يدور الدور إلى ثلاث وثلاثين سنة؛ فيعود إلى وقته. قاله السهيلى (٣). وكانت قريش والعرب يرون مع إنساء الشهور أن أفجر الفجور العمرة فى أشهر الحج. ويقولون: لا تحضروا سوق عكاظ ومجنّة وذى المجاز إلاّ محرمين بالحج. فإذا أرادوا الحجّ والتجارة أحرموا بالحج وتوجهوا إلى سوق عكاظ - وعكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة من طريق [صنعاء] (٤) فى عمل الطائف على بريد منها - وهى سوق لقيس عيلان وثقيف، وأرضها [لنصر] (٤) ويكون به هلال ذى القعدة، ويقيمون به عشرين ليلة، والناس على مداعيهم وراياتهم منحازين فى المنازل، يضبط كل قبيلة أشرافها وقاداتها، ويدخل

стр. 607

بعضهم على بعض للبيع والشراء ويجتمعون فى بطن السوق، فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنّة، وهى سوق بأسفل مكة، على بريد منها، وهى سوق لكنانة، وأرضها من أرض كنانة، وهى التى يقول فيها بلال رضى الله تعالى عنه: ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة … بفخّ وحولى إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة … وهل يبدون لى شامة وطفيل (١) وشامة وطفيل جبلان مشرفان على مجنّة. وأقاموا على مجنّة عشر ليال، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذى الحجة انصرفوا إلى ذى المجاز، وهو سوق لهذيل عن يمين الموقف من عرفة قريب من كبكب، على فرسخ من عرفة، وأقاموا به ثمانى ليال أسواقهم قائمة، ثم يخرجون يوم التروية من ذى المجاز إلى عرفة فيتروّون ذلك اليوم من الماء بذى المجاز، ينادى بعضهم بعضا: تروّوا من الماء لأنه لا ماء بعرفة ولا بالمزدلفة - يومئذ -. وكان يوم التروية آخر أسواقهم. وإنما كان يحضر هذه المواسم بعكاظ ومجنّة وذى المجاز التّجّار ومن كان يريد التجارة، ومن لم يكن له تجارة ولا بيع فإنه يخرج من أهله متى أراد. ومن كان من أهل مكة ممن لا يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية فيتروون من الماء. وكان الناس لا يتبايعون فى يوم عرفة ولا أيام منى، فلما أن/جاء الله بالإسلام أحلّ الله ذلك لهم؛ فأنزل الله تعالى فى كتابه ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢).

стр. 608

وكانت هذه الأسواق: عكاظ ومجنة وذو المجاز قائمة فى الإسلام، حتى كان حديثا من الدهر. فأما عكاظ فإنها تركت عام خرجت الحروريّة (١) بمكة مع أبى حمزة المختار بن عوف الأزدى الإباضى فى سنة تسع وعشرين ومائة؛ خاف الناس أن ينهبوا، وخافوا الفتنة فتركت حتى الآن. ثم تركت مجنة وذو المجاز بعد ذلك، واستغنوا بالأسواق بمكة ومنى وعرفة (٢). وكان للناس سوق آخر لم يكن فى مواسم الحج ولا فى أشهره، وإنما كان فى رجب، وهو سوق حباشة (٣)، سوق للأزد، وهى فى ديار الأوصام (٤) من بارق (٥) من صدر قنونا (٦) وحلي (٧) من

стр. 609

ناحية اليمن، وهى من مكة على ستّ ليال، وهى آخر سوق خربت من أسواق الجاهلية، وكان والى مكة يستعمل عليها رجلا يخرج معه بجند فيقيمون بها ثلاثة أيّام من أوّل رجب متوالية، حتى قتلت الأزد واليا [كان] (١) من غنىّ بعثه داود بن عيسى بن موسى فى سنة سبع وتسعين ومائة، فأشار فقهاء مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخربها وتركت. وكانت الإفاضة بالحج فى الجاهلية إلى صوفة؛ وصوفة رجل يقال له أخزم بن العاص بن عمرو بن مازن بن الأسد، وكان أخزم قد تصدق بابن له على الكعبة يخدمها، فجعل إليه حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعى الإفاضة بالناس على المواقف، وحبشية يومئذ يلى حجابة الكعبة، وأهل (٢) مكة يصطفون على الموقف (٢) فيقول [حبشية: أجيزى صوفة. فيقول] (٣) الصوفى: أجيزوا أيها الناس فيجوزون. ويقال أن امرأة من جرهم تزوّجها أخزم بن العاص بن عمرو ابن مازن بن الأسد، وكانت عاقرا فنذرت إن ولدت غلاما أن تتصدق به على الكعبة عبدا لها يخدمها ويقوم عليها، فولدت من أخزم الغوث، فتصدقت به عليها، وكان يخدمها فى الدهر الأول مع أخواله من

стр. 610

جرهم، فولى الإجازة بالناس لمكانه من الكعبة. وقالت أمه حين أتمت نذرها وخدم الغوث بن أخزم الكعبة: - إنى جعلت ربّ من بنيّه … ربيطة بمكة العليّة فباركنّ لى بها أليّة … واجعله لى من صالح البريّة (١) /فولى الغوث بن أخزم الإجازة من عرفة، فإذا دفع بالناس قال: لاهمّ إنى تابع تباعة … إن كان إثم فعلى قضاعة (٢) وولى ولده من بعده فى زمن جرهم وخزاعة حتى انقرضوا، ثم صارت الإفاضة فى عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر فى زمن قريش فى عهد قصىّ، وكانت من [بنى] (٣) عدوان فى آل زيد بن عدوان يتوارثونه، حتى كان الذى قام عليه الإسلام - كما تقدم فى سنة ثمان أبو سيارة العدوانى وهو عميلة (٤) بن الأعزل بن خالد بن سعيد بن الحارث ابن زيد بن عدوان. *** «السنة الحادية عشرة» فيها توفى النبى ﷺ فى يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول،

стр. 611

وقيل غير ذلك، وجهز يوم الثلاثاء، ودفن ليله الأربعاء (١). واستخلف بعده أبو بكر الصديق ﵁ (٢). فلما سمع أهل مكة بموته هم أكثرهم بالرجوع عن الإسلام، وأرادوا ذلك حتى خافهم عتّاب بن أسيد فتوارى، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بهم فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله ﷺ ، وقال: إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة، فمن رابنا ضربنا عنقه، ثم قال: يا أهل مكة، لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد، والله ليتمّنّ الله تعالى هذا الأمر كما ذكر رسول الله ﷺ ؛ فلقد رأيته قائما مقامى هذا وهو يقول: قولوا معى لا إله إلا الله تدين لكم العرب وتؤدى لكم العجم الجزية، والله لتنفقن كنوز كسرى وقيصر فى سبيل الله تعالى - فمن بين مستهزئ ومصفق (٣) - فكان ما رأيتم، والله ليكونن الباقى. فتراجع الناس عما همّوا به، وظهر عتّاب بن أسيد، فهذا المقام الذى أراد رسول الله ﷺ فى قوله لعمر بن الخطاب ﵁ لما أسر سهيل بن عمرو ببدر: عسى أنه يقوم مقاما لا تذمه (٤).

стр. 612

وفيها أرسل الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ جرير بن عبد الله البجلىّ إلى بجيلة ليستنفر من قومه من ثبت على الإسلام ويقاتل بهم من ارتدّ عن/الإسلام، وأن يأتى خثعم فيقاتل من خرج غضبا لذى الخلصة، فخرج جرير وفعل ما أمره، فلم يقم لهم أحد إلا نفر قتلهم وتتبّعهم. وفيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد (١)، وعلى الطائف عثمان ابن أبى العاص (٢). وفيها حج بالناس عتّاب بن أسيد، وقيل عبد الرحمن بن عوف (٣).

стр. 613

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين: سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد فهذا هو الجزء الثانى من كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد الهاشمى القرشى المكى، وهو يعالج أخبار الحقبة التاريخية من سنة اثنتى عشرة من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وينتهى بنهاية أخبار سنة ستمائة. وقد عدل عن التجزئة التى وردت فى نسخة «ت» وأغفلتها نسخة «م» إلى تجزئة اقتضتها أصول الطباعة التى تراعى تقارب الأجزاء فى عدد الصفحات. ويلاحظ أن المؤلف قد اعتمد فى نقوله على كثير من المؤرخين ناسبا كل خبر إلى قائله، وأن من بين هؤلاء المؤرخين من طبعت كتبه ومنهم من ظلت كتبه مخطوطة، بعضها قد عثر عليه وبعضها لم يعثر عليه حتى الآن. فهو ينقل عن المسبحى محمد بن عبد الله الحرانى بواسطة الرشيد المنذرى، وينقل عن الفاكهى، وعن الصابى ثابت بن سنان

стр. 614

ابن قرة، وينقل عن ابن الجوزى وعن سبطه، وعن السمنانى على بن محمد الرحبى، وعن العتيقى، وعن ابن الفرات، وعن النويرى، وعن بيبرس الدوادار، وعن على بن أنجب الخازن، وعن ابن محفوظ. وكتب هؤلاء بعضها طبعت منه أجزاء وبقية الأجزاء مخطوطة، وبعض المخطوط قد عثر عليه وبعضه لم يعثر عليه، ولم يتيسر لنا الاطلاع على كثير منها لتوثيق نقول المؤلف عنها، ولكن أمكننا توثيق أخبار كثيرة من مراجع أخرى. *** وإذا كنا قد اعتمدنا فى تحقيق الجزء الأول على مصورات ثلاث نسخ عرفنا بها. فإن هذا الجزء قد اعتمدنا فى تحقيقه على نسختين فقط هما المرموز إليهما بالحرف «ت» والحرف «م» أما المرموز إليها بالحرف «هـ» وهى النسخة الهندية فلم يتيسر الحصول على أجزاء أخرى منها تكمل الكتاب، ولذا فقد فاتنا الاعتماد عليها فى تحقيق هذا الجزء. ويلاحظ أن النسختين قد اختلفتا فى ترتيب أحداث السنوات من سنة ست وستين إلى سنة خمس وسبعين؛ فقدمت نسخة «ت» الأحداث سنة لذلك فقد اثبتنا ماورد فى نسخة «م» لاتفاق أحداثها - تاريخا - مع المراجع المعتمدة، ونبهنا على ذلك فى هوامش تلك السنوات. ***

стр. 615

ويتلو هذا الجزء - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث وهو يبدأ بأخبار سنة إحدى وستمائة من الهجرة النبوية. والله تعالى من وراء القصد وهو يهدى السبيل. المحقق فهيم محمد شلتوت مكة المكرمة فى يوم الخميس ٢٧ من شعبان سنة ١٤٠٣ هـ الموافق ٩ من يونيه سنة ١٩٨٣ م

стр. 616

«السنة الثانية عشرة» فيها كان عامل أبى بكر عتّاب على مكة، وعلى الطائف عثمان ابن أبى العاص (١). وفيها حج بالناس خليفة رسول الله ﷺ أبو بكر الصديق ﵁ كذا ذكر ابن جرير وأبو الفرج بن الجوزى - وقال ابن الأثير إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عمر بن الخطاب (٢)، أو عبد الرحمن بن عوف ﵄، قال فى أول سنة ثلاث عشرة إن أبا بكر وجّه الجنود إلى الشام بعد عوده من الحج (٣)؛ فهذا مؤكد للأول ومضعف لما قاله. والله أعلم. وفيها حج خالد بن الوليد ﵁ من العراق سرّا، ومعه عدة من أصحابه يعسف البلاد، فأتى مكة وحجّ ورجع، فما توافى جنده بالحيرة حتى وافاهم مع صاحب الساقة، فقدماها [معا] (٤) وخالد وأصحابه محلّقون، ولم يعلم بحجّه إلا من أعلمه، ولم يعلم أبو بكر ﵁ إلا بعد رجوعه، فعتب عليه؛ وكانت عقوبته إيّاه صرفه من العراق إلى الشام ممدّا لجموع المسلمين باليرموك (٥). ***

стр. 617

«السنة الثالثة عشرة» فيها كان عامل عمر على مكة عتّاب بن أسيد - فيما قال ابن جرير وابن الأثير وابن الجوزى - وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (١). وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أو عبد الرحمن بن عوف على ما ذكر ابن الأثير (٢)، وقال ابن الجوزى وابن جرير (٣) الثانى - وأهو أصح - وجزم به المسعودى فى مروجه (٤)، وفى الزهر الباسم (٥). وفيها مات أبو بكر الصديق ﵁ (٦). واستخلف عمر بن الخطاب ﵁. ومات عتاب بن أسيد الأموى يوم

стр. 618

موت أبى بكر، أو دفن يوم جاء نعى أبى بكر الصديق ﵄ (١)، وكان موت الصديق لثمان بقين من جمادى الآخرة. ومات أبو العاص بن الربيع/فى ذى الحجة (٢)، ويقال ٣١٧ مات بعد أن تأمّر عمر كما ترى. والله أعلم. *** «سنة أربع عشرة» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد على ما ذكر ابن الأثير، وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (٣). وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٤).

стр. 619

وفيها مات أبو قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشى التيمى (١) وهند بنت عتبة بن ربيعة زوج أبى سفيان ﵄ (٢) *** «سنة خمس عشرة» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد على ما ذكر ابن جرير (٣)، وعلى الطائف يعلى بن منبّه كذا ذكر ابن الأثير (٤). وذكر ابن جرير أنه عثمان ابن أبى العاص (٥). وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب ﵁ (٦). *** «سنة ست عشرة» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد على ما ذكر ابن

стр. 620

جرير (١)، وعلى الطائف يعلى بن منبّه - كذا ذكر ابن الأثير (٢). وذكر ابن جرير (٣) أنه عثمان بن أبى العاص. وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب ﵁ (٤). *** «سنة سبع عشرة» فيها جاء سيل عظيم - يعرف بسيل أمّ نهشل - من أعلى مكة من طريق الردم بين الدارين (٥) فدخل المسجد الحرام، واقتلع مقام إبراهيم وذهب به من موضعه حتى وجد بأسفل مكة، وعفّى مكانه الذى كان فيه؛ عفّاه السيل، فأتى به فربط بلصق الكعبة بأستارها فى وجهها، وذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة (٦) بن أبى أحيحة سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس، فماتت فيه، واستخرجت بأسفل مكة.

стр. 621

فكتب فى ذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فأقبل فزعا، فدخل بعمرة فى شهر رمضان، فدعا عمر ﵁ فقال: أنشد الله عبدا عنده علم فى هذا المقام. فقال المطلب/بن أبى وداعة السهمى: أنا يا أمير المؤمنين عندى ذلك؛ فقد كنت أخشى عليه هذا فأخذت قدره من موضعه [إلى الركن، ومن موضعه] (١) إلى باب الحجر، ومن موضعه إلى زمزم بمقاط، وهو عندى فى البيت. فقال له عمر ﵁: فاجلس عندى وأرسل إليها. فجلس عنده وأرسل إليها فأتى بها، فمدّها فوجدها مستوية إلى موضعه هذا اليوم (٢) - وذلك كان فى سنة ثمان عشرة. وفيها عمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الرّدم الذى بأعلى مكة؛ صونا للمسجد، بناه بالضفائر والصخر العظام وكبسه، ولم يعله سيل منذ ردمه سيدنا عمر ﵁ إلى اليوم، غير أنه جاء فى سنة اثنتين ومائتين سيل يقال له سيل [ابن] (٣) حنظلة فكشف عن بعض ربضه، ورئيت حجارته وفيها صخر لم ير مثله. وفيها وسع أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ المسجد بدور اشتراها، وهدم على من أبى البيع. وترك ثمنها لأربابها فى خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد (٤).

стр. 622

وتزوّج حفصة بنت المغيرة، فأخبر أنها عاقر فطلّقها قبل أن يدخل بها. وكانت مدة إقامة سيدنا عمر ﵁ بمكة عشرين ليلة (١). وفيها أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مخرمة ابن نوفل، والأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزّى، وسعيد بن يربوع بتجديد أنصاب الحرم. واستأذنه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة والمدينة فأذن لهم وشرط عليهم: أن ابن السبيل أحقّ بالكلأ والماء (٢). وفيها كان عامله عتّاب بن أسيد على ما قاله ابن جرير (٣) وابن الجوزى - وقال ابن الأثير - فى قول: وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (٤). وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب ﵁ (٥). ***

стр. 623

«سنة ثمان عشرة» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد/﵁ على ما ذكر ابن جرير وابن الأثير وابن الجوزى - وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (١). وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٢). *** «سنة تسع عشرة» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد ﵁ على ما ذكر ابن جرير وابن الأثير وابن الجوزى - وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (٣). وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب ﵁ (٤)، وحجّ

стр. 624

بأبى سفيان بن الحارث، فلما حلق رأسه قطع الحلاّق ثؤلولا (١) كان فى رأسه، فلم يزل مريضا حتى مات بعد مقدمه من الحج بالمدينة فى السنة [التى] (٢) بعدها (٣). *** «سنة عشرين» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد ﵁ على ما ذكره الثلاثة فى السنة التى قبلها - وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (٤). وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٥). ***

стр. 625

«سنة إحدى وعشرين» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد ﵁ على ما أشار إليه ابن جرير وابن الأثير - وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (١): وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٢). وفيها مات جعال - ويقال جفيل - بن سراقة الصحرى (٣). وخالد بن الوليد، وقيل فى السنة التى بعدها - بحمص - على الأرجح (٤). *** «سنة اثنتين وعشرين» فيها كان عامل مكة عتّاب بن أسيد ﵁ على ما أشار إليه ابن الأثير - وعلى الطائف عثمان بن أبى العاص (٥).

стр. 626

وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (١). *** «سنة ثلاث وعشرين» فيها كان عامل مكة نافع بن عبد الحارث الخزاعى، وعلى الطائف سفيان بن عبد الله الثقفى (٢). وفيها حجّ بالناس عمر بن الخطاب ﵁، فسأل عن أويس القرنى كما كان يسأل، وصعد إلى أبى قبيس فنادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من أهل اليمن، أفيكم أويس من مراد؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية من قرن (٣) فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد أكثرت السؤال عن أويس هذا، وما فينا أحد اسمه أويس إلا ابن أخ لى/يقال له أويس، فأنا عمه، وهو حقير بين أظهرنا خامل الذكر، وأقل مالا، وأوهن أمرا من أن يرفع إليك ذكره. فسكت سيدنا عمر ﵁، وظن أنه ليس هو أويس الذى يريده، وقيل إنه إنما سكت؛ عمّى عليه كأنه لا يريده، ثم قال: يا شيخ وأين ابن أخيك هذا الذى تزعم؟ أهو معنا بالحرم؟ قال الشيخ: نعم يا أمير المؤمنين هو معنا فى الحرم، غير أنه فى أراك عرفة يرعى

стр. 627

إبلا لنا. فركب عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب ﵄ على حمارين لهما، وخرجا من مكة، وأسرعا السير إلى أراك عرفة، ثم جعلا يتخللان الشجر ويطلبانه، فإذا هما به فى طمرّين من صوف أبيض، قد صف قدميه يصلى إلى الشجرة، وقد رمى ببصره إلى موضع سجوده، وألقى يديه على صدره، والإبل حوله ترعى. قال عمر لعلى ﵄: يا أبا الحسن، إن كان فى الدنيا أويس القرنى فهذا هو، وهذه صفته. ثم نزلا عن حماريهما [وشدّا بهما] (١) إلى أراكة، ثم أقبلا إليه يريدانه. فلما سمع أويس حسّهما أوجز فى صلاته، ثم تشهّد وسلم. وتقدما إليه فقالا له: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال أويس: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال عمر: من الرجل؟ قال: راعى إبل وأجير للقوم. فقال عمر ﵁: ليس عن الرعاية أسألك، ولا عن الإجارة، إنما أسألك عن اسمك، فمن أنت يرحمك الله؟ فقال: أنا عبد الله وابن أمته. فقالا: قد علمنا أن كل من فى السموات والأرض عبيد الله، وإنّا نقسم عليك بحقّ الحرم والمسجد المعظم إلا أخبرتنا باسمك الذى سمّتك به أمك. قال: يا هذان ما تريدان إلىّ؟ أنا أويس بن عبد الله. فقال عمر ﵁: الله أكبر، نحب أن توضح لنا عن شقّك الأيسر. قال: وما حاجتكما إلى ذلك؟ فقال له على ﵁: إن رسول الله ﷺ وصفك لنا،

стр. 628

وقد وجدنا/الصفة كما خبرنا، غير أنه أعلمنا أن بشقك الأيسر لمعة بيضاء كمقدار الدينار أو الدرهم، ونحن نحبّ أن ننظر إلى ذلك. فأوضح لهما ذلك عن شقه الأيسر، فلما نظر علىّ وعمر إلى اللمعة البيضاء ابتدرا أيهما يقبل قبل صاحبه، وقالا: نشهد أنك أويس القرنى. ثم بكيا طويلا، وقالا: يا أويس إن رسول الله ﷺ أمرنا أن نقرئك منه السلام، وأمرنا أن نسألك أن تستغفر لنا، فإن رأيت أن تستغفر لنا - يرحمك الله - فقد خبّرنا بأنك سيّد التابعين، وأنك تشفع يوم القيامة فى عدد ربيعة ومضر. فبكى أويس بكاء شديدا ثم قال: عسى أن يكون ذلك غيرى. فقال علىّ: إنّا قد تيقنا أنك هو - لا شك فى ذلك - فادع الله لنا - رحمك الله - بدعوة وأنت محسن. فقال أويس: ما أخصّ باستغفار نفسىّ ولا أحدا من ولد آدم، ولكنه فى البر والبحر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات فى ظلم الليل وضياء النهار، ولكن من أنتما يرحكما الله؟ فإنى قد خبرتكما وشهرت لكما أمرى، ولم أحبّ أن يعلم بمكانى أحد من الناس. فقال على: أما هذا فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأما أنا فعلىّ بن أبى طالب. فوثب أويس فرحا مستبشرا فعانقهما وسلم عليهما ورحّب بهما، وقال: جزا كما الله عن هذه الأمة خيرا. قالا: وأنت جزاك الله عن نفسك خيرا. ثم قال أويس: ومثلى يستغفر لأمثالكما؟ فقالا: نعم، إنا قد احتجنا إلى ذلك منك، فخصّنا - رحمك الله - منك با حتى نؤمّن على دعائك. فرفع أويس رأسه وقال:

стр. 629

اللهم إنّ هذين يذكران أنهما يحبانى فيك. وقد رأونى فاغفر لهما، وأدخلهما فى شفاعة نبيهما محمد ﷺ . فقال له عمر ﵁: مكانك - رحمك الله - حتى أدخل مكة/فآتيك بنفقة من عطائى، وفضل كسوة من ثيابى؛ فإنى أراك رثّ الحال، هذا المكان الميعاد بينى وبينك غدا. فقال: يا أمير المؤمنين لا ميعاد بينى وبينك، ولا أعرفك بعد اليوم ولا تعرفنى، ما أصنع بالنفقة؟ وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى على إزارا من صوف، ورداء من صوف؟ متى أرانى أخلقهما؟ أما ترى نعلى مخصوفتين، متى ترانى أبليهما؟ ومعى أربعة دراهم أخذتها من رعايتى، متى ترانى آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يدىّ عقبة لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فأخفّ - يرحمك الله - يا أبا حفص؛ إن الدنيا غرارة غدارة، زائلة فانية، فمن أمسى وهمته فيها اليوم مدّ عنقه إلى غد، ومن مدّ عنقه إلى غد أعلق قلبه بالجمعة، ومن أعلق قلبه بالجمعة لم ييأس من الشهر، ويوشك أن يطلب السنة، وأجله أقرب إليه من أمله، ومن رفض هذه الدنيا أدرك ما يريد غدا من مجاورة الجبار، وجرت من تحت منازله الثمار. فلما سمع عمر ﵁ كلامه ضرب بدرته (١) الأرض، ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، ليتها عاقرا لم تعالج حملها. [ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ] (٢) أنا ها هنا. ومضى أويس يسوق الإبل بين يديه، وعمر وعلى ﵄ ينظران إليه حتى غاب فلم يروه، وولى عمر وعلىّ ﵄ نحو مكة.

стр. 630

ولما صدر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من منى أناخ بالأبطح. ثم كوّم كومة من البطحاء، ثم ألقى عليها طرف ثوبه فاستلقى، ومدّ يده إلى السماء فقال: اللهم ضعفت قوتى، وكبر سنّى، ورقّ عظمى، وانتشرت رعيّتى؛ فاقبضنى إليك غير مضيّع ولا مفرّط ولا مفتون. ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخ ذو الحجّة، حتى قتل ﵁ (١)، وبويع عثمان بن عفان ﵁. وفيها أذن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لأزواج النبى ﷺ فحججن (٢)، فلما ارتحل عمر من المحصّب من آخر الليل أقبل رجل يشير فقال: قالت عائشة ﵂ [: سمعت رجلا على راحلته يقول] (٣) - وأنا أسمع -: أين كان عمر أمير المؤمنين نزل؟ قالت: فقال له قائل/ - وأنا أسمع -: هذا كان منزله، وأناخ فى منزل عمر ﵁، ثم رفع عقيرته يتغنى فقال فى ذلك:

стр. 631

عليك سلام من أمير وباركت … يد الله فى ذاك الأديم الممزّق فمن يسع أو يركب جناحى نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق (١) فى أكمامها لم تفتّق قالت عائشة ﵂: فلما سمعت ذلك قلت لبعض أهلى اعلموا علم الرجل. فانطلقوا إليه يسألونه فلم يجدوه فى مناخه؛ فو الله أنى لأحسبه من الجنّ، حتى إذا قتل عمر ﵁ نحل الناس هذه الأبيات جماع بن ضرار أو شماخ بن ضرار (٢). *** «سنة أربع وعشرين» فيها - أو فى سنة ست وعشرين كما سيأتى - أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن يجدّد أنصاب الحرم، فبعث عبد الرحمن نفرا من قريش منهم حويطب بن عبد العزّى، وعبد الرحمن بن أزهر فجدّدوا أنصاب الحرم (٣).

стр. 632

وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وقيل عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان، كذا قال ابن الأثير (١)، ونسب ابن جرير الثانى للواقدى وأبى معشر، والأولّ لآخرين ولم يذكرهم (٢). *** «سنة خمس وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٣). *** «سنة ست وعشرين» فيها اعتمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ من المدينة، فأتى مكة ليلا فدخلها، وطاف وسعى وحلّ قبل أن يصبح، ورجع إلى المدينة، وأمر بتوسيع المسجد الحرام، فوسّع بدور اشتراها ودور هدمها على من أبى البيع. وترك ثمنها لأربابها فى خزانة الكعبة، وأمر بهم فحبسوا وقال: قد فعل ذا بكم عمر فلم تصيحوا به. فكلّمه عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم (٤).

стр. 633

وجدد/أنصاب الحرم (١). وكلم أهل مكة عثمان ﵁ أن يحوّل الساحل من الشّعيبة - ساحل مكة القديم فى الجاهلية - إلى ساحلها اليوم وهو جدّة، وقالوا: جدة أقرب إلى مكة وأوسع. فخرج عثمان رضى الله تعالى عنه إلى جدة ورأى موضعها، فحوّل الساحل إليها، ودخل البحر واغتسل فيه، وقال: إنه مبارك. وقال لمن معه: ادخلوا ولا يدخله أحد إلا بمئرز، ثم خرج من جدة على طريق يخرجه على عسفان، ثم مضى إلى الجار (٢) فأقام بها يوما وليلة ثم انصرف إلى المدينة (٣). وحج فى هذه السنة أيضا بالناس (٤). *** «سنة سبع وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٥).

стр. 634

«سنة ثمان وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (١). *** «سنة تسع وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وضرب فسطاطه بمنى، وأتمّ الصلاة بها وبعرفة، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة ﵃، وقال له علىّ ﵁: ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبى ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يصلّون ركعتين، وأنت صدرا من خلافتك. فما درى ما يرجع إليه، وقال: رأى رأيته. وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان معه - فجاءه وقال له: ألم تصلّ فى هذا المكان مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ﵄ ركعتين وصليتها أنت ركعتين؟! قال: بلى، ولكنى أخبرت - أن بعض من حجّ من اليمن وجفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتى، وقد اتّخذت بمكة أهلا، ولى بالطائف مال. فقال عبد الرحمن: ما فى هذا عذر؛ أما قولك اتخذت بها أهلا فإن زوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وإنما

стр. 635

تسكن بسكناك، وأما مالك بالطائف فبينك وبينه [مسيرة] (١) ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم فقد/كان رسول الله ﷺ ينزّل عليه الوحى والإسلام قليل، ثم أبو بكر وعمر ﵄ فصلّوا ركعتين، وقد ضرب الإسلام بجرانه. فقال عثمان ﵁: هذا رأى رأيته. فخرج عبد الرحمن فلقى ابن مسعود فقال: يا عبد الله، غيّر ما نعلم. فقال: فما أصنع؟ فقال: اعمل بما ترى وتعلم. فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ، وقد صليت بأصحابى أربعا. فقال عبد الرحمن: قد صليت بأصحابى ركعتين، وأما الآن (٢) فسوف أصلى أربعا. وقيل كان ذلك سنة ثلاثين. *** «سنة ثلاثين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٣). *** «سنة إحدى وثلاثين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٤). ***
следующие страницы →