← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عليك سلام من أمير وباركت … يد الله فى ذاك الأديم الممزّق فمن يسع أو يركب جناحى نعامة … ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها … بوائق (١) فى أكمامها لم تفتّق قالت عائشة ﵂: فلما سمعت ذلك قلت لبعض أهلى اعلموا علم الرجل. فانطلقوا إليه يسألونه فلم يجدوه فى مناخه؛ فو الله أنى لأحسبه من الجنّ، حتى إذا قتل عمر ﵁ نحل الناس هذه الأبيات جماع بن ضرار أو شماخ بن ضرار (٢). *** «سنة أربع وعشرين» فيها - أو فى سنة ست وعشرين كما سيأتى - أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن يجدّد أنصاب الحرم، فبعث عبد الرحمن نفرا من قريش منهم حويطب بن عبد العزّى، وعبد الرحمن بن أزهر فجدّدوا أنصاب الحرم (٣).

стр. 632

وفيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وقيل عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان، كذا قال ابن الأثير (١)، ونسب ابن جرير الثانى للواقدى وأبى معشر، والأولّ لآخرين ولم يذكرهم (٢). *** «سنة خمس وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٣). *** «سنة ست وعشرين» فيها اعتمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ من المدينة، فأتى مكة ليلا فدخلها، وطاف وسعى وحلّ قبل أن يصبح، ورجع إلى المدينة، وأمر بتوسيع المسجد الحرام، فوسّع بدور اشتراها ودور هدمها على من أبى البيع. وترك ثمنها لأربابها فى خزانة الكعبة، وأمر بهم فحبسوا وقال: قد فعل ذا بكم عمر فلم تصيحوا به. فكلّمه عبد الله بن خالد بن أسيد فأطلقهم (٤).

стр. 633

وجدد/أنصاب الحرم (١). وكلم أهل مكة عثمان ﵁ أن يحوّل الساحل من الشّعيبة - ساحل مكة القديم فى الجاهلية - إلى ساحلها اليوم وهو جدّة، وقالوا: جدة أقرب إلى مكة وأوسع. فخرج عثمان رضى الله تعالى عنه إلى جدة ورأى موضعها، فحوّل الساحل إليها، ودخل البحر واغتسل فيه، وقال: إنه مبارك. وقال لمن معه: ادخلوا ولا يدخله أحد إلا بمئرز، ثم خرج من جدة على طريق يخرجه على عسفان، ثم مضى إلى الجار (٢) فأقام بها يوما وليلة ثم انصرف إلى المدينة (٣). وحج فى هذه السنة أيضا بالناس (٤). *** «سنة سبع وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٥).

стр. 634

«سنة ثمان وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (١). *** «سنة تسع وعشرين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، وضرب فسطاطه بمنى، وأتمّ الصلاة بها وبعرفة، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة ﵃، وقال له علىّ ﵁: ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبى ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ يصلّون ركعتين، وأنت صدرا من خلافتك. فما درى ما يرجع إليه، وقال: رأى رأيته. وبلغ الخبر عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان معه - فجاءه وقال له: ألم تصلّ فى هذا المكان مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ﵄ ركعتين وصليتها أنت ركعتين؟! قال: بلى، ولكنى أخبرت - أن بعض من حجّ من اليمن وجفاة الناس قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتى، وقد اتّخذت بمكة أهلا، ولى بالطائف مال. فقال عبد الرحمن: ما فى هذا عذر؛ أما قولك اتخذت بها أهلا فإن زوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وإنما

стр. 635

تسكن بسكناك، وأما مالك بالطائف فبينك وبينه [مسيرة] (١) ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم فقد/كان رسول الله ﷺ ينزّل عليه الوحى والإسلام قليل، ثم أبو بكر وعمر ﵄ فصلّوا ركعتين، وقد ضرب الإسلام بجرانه. فقال عثمان ﵁: هذا رأى رأيته. فخرج عبد الرحمن فلقى ابن مسعود فقال: يا عبد الله، غيّر ما نعلم. فقال: فما أصنع؟ فقال: اعمل بما ترى وتعلم. فقال ابن مسعود: الخلاف شرّ، وقد صليت بأصحابى أربعا. فقال عبد الرحمن: قد صليت بأصحابى ركعتين، وأما الآن (٢) فسوف أصلى أربعا. وقيل كان ذلك سنة ثلاثين. *** «سنة ثلاثين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٣). *** «سنة إحدى وثلاثين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٤). ***

стр. 636

«سنة اثنتين وثلاثين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (١). *** «سنة ثلاث وثلاثين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٢). *** «سنة أربع وثلاثين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ (٣). *** «سنة خمس وثلاثين» فيها كان عامل مكة عبد الله بن عامر الحضرمىّ، وعلى الطائف القاسم بن ربيعة الثقفى (٤).

стр. 637

وفيها حج بالناس عبد الله بن عباس بأمر عثمان وهو محصور (١). *** «سنة ست وثلاثين» فيها اعتمرت أم المؤمنين عائشة ﵂ وأمير المؤمنين عثمان ﵁ محصور - ثم خرجت من مكة تريد المدينة، فلما كانت بسرف لقيها رجل من أخوالها يقال له عبيد بن أبى سلمة، وهو ابن أمّ كلاب، فقالت: مهيم؟ فقال: قتل عثمان وبقوا ثمانيا. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أجمعوا على بيعة علىّ ﵁. فقالت: ليت هذه انطبقت على هذه إن تمّ الأمر لصاحبك، ردّونى. فانصرفت إلى مكة تقول: قتل - والله - عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه. فقال لها: ولم؟ والله إن أوّل من أمال حرفه (٢) لأنت، والله لقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر. فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا وقولى الأخير خير من قولى الأول/ فقال لها ابن أم كلاب: - فمنك البداء ومنك الغير … ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام … وقلت لنا أنه قد كفر

стр. 638

فهبنا أطعناك فى قتله … فقاتله عندنا من أمر ولم يسقط السقف من فوقنا … ولم تنكسف شمسنا والقمر وقد بايع الناس ذاتدرأ … يزيل الشّبا ويقيم الصّعر ويلبس للحرب أثوابها … وما من وفى مثل من قد غدر (١) فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فسترت فيه، فاجتمع الناس حولها فقالت: أيها الناس إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس، ونقموا عليه استعمال من حدثت سنه (٢)، وقد استعمل أمثالهم من قبله، ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم، ونزع لهم عنها [استصلاحا لهم] (٣) فلما لم يجدوا حجّة ولا عذرا بادروا بالعدوان؛ فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأخذوا المال الحرام، والله لإصبع من عثمان خير من طباق الثرى (٤) أمثالهم، ووالله لو أنّ الذى اعتدّوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، أو الثوب من درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء - أى يغسل - فقال عبد الله بن عامر

стр. 639

العامرى الحضرمى - وكان عامل عثمان على مكة (١) -: ها أنا ذا أوّل طالب. فكان أوّل مجيب، وتبعه بنو أميّة على ذلك، وكانوا هربوا من المدينة - بعد قتل عثمان ﵁ إلى مكة، ورفعوا روءسهم، وكانوا أول من تكلم بالحجاز، وتبعهم سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، وسائر بنى أمية. وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمال كثير، ويعلى بن أميّة - وهو ابن منبّة - من اليمن ومعه ستمائة بعير [وستمائة ألف درهم، فأناخ بالأبطح. وقدم طلحة والزبير من المدينة فلقيا عائشة] (٢) فقالت: ما وراءكما؟ فقالا: إنا تحمّلنا هرابا من المدينة من غوغاء وأعراب، وفارقنا قومنا حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا ولا يمنعون أنفسهم. فقالت: انهضوا إلى هؤلاء الغوغاء. فقالوا: نأتى الشّام. فقال ابن عامر: قد كفاكم الشام معاوية، فأتوا البصرة فإن لى بها صنائع، ولهم فى طلحة هوى. قالوا: قبّحك الله [فو الله] (٣) ما كنت بالمسالم ولا بالمحارب، فهلا

стр. 640

أقمت كما أقام معاوية/فنكتفى بك، ثم نأتى الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهب؟ فلم يجدوا عنده جوابا مقبولا، فاستقام الرأى على البصرة، وقالوا لها: نترك المدينة - فإنا خرجنا لا نطيق من بها من الغوغاء - ونأتى بلدا مضيعا وسيحتجون علينا ببيعة على ﵁؛ فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة، فإن أصلح الله الأمر كان الذى أردنا، وإلا دفعنا بجهدنا حتى يقضى الله ما أراد. فأجابتهم إلى ذلك. ودعوا عبد الله بن عمر ﵄ وكان قدم من المدينة - ليسير معهم فأبى، وقال: أنا من أهل المدينة أفعل ما يفعلون (١). وكان أزواج النبى ﷺ ورضى الله عنهم معها (٢) على قصد المدينة، فلما تغيّر رأيها إلى البصرة تركن ذلك، وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم، فمنعها أخوها عبد الله بن عمر، وجهّزهم يعلى ابن أمية بستمائة بعير [وستمائة ألف درهم] (٣) وجهزهم ابن عامر بمال كثير، ونادى مناديها: إن أم المؤمنين وطلحة والزبير شاخصون إلى البصرة، فمن أراد إعزاز الإسلام، وقتال المحلّين، والطلب بثأر عثمان، وليس له مركب وجهاز فليأت. فحملوا ستمائة على ستمائة بعير، وساروا فى ألف - وقيل فى تسعمائة - من أهل المدينة ومكة، ولحقهم الناس فكانوا ثلاثة آلاف رجل.

стр. 641

وبعثت أم الفضل بنت الحارث أم عبد الله بن عباس ﵄ رجلا من جهينة يدعى ظفر؛ فاستأجرته على أن يأتى عليا ﵁ بالخبر، فقدم على على ﵁ بكتابها (١). وخرجت عائشة ﵂ ومن معها من مكة، وكان من قصتهم ما ذكر فى التواريخ. وفيها حج بالناس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بأمر على ابن أبى طالب ﵁ (٢). *** «سنة سبع وثلاثين» فيها كان عامل مكة والطائف قثم بن العباس (٣). وفيها حج بالناس عبيد الله بن العباس، بأمر على بن أبى طالب ﵁ (٤). ***

стр. 642

«سنة ثمان وثلاثين» فيها حج بالناس عامل مكة قثم بن العباس بن عبد المطلب ﵁ (١). *** «سنة تسع وثلاثين» فيها بعث معاوية ﵁ يزيد بن شجرة الرهاوى فى ثلاثة آلاف فارس إلى مكة ليقيم للناس الحجّ، ويأخذ له البيعة بها، وينفى عنها قثم بن العباس عامل/على ﵁. فلما سمع قثم خطب الناس بمكة وعرّفهم مسير الشاميين، ودعاهم إلى قتالهم، فلم يجبيبوه بشئ، وأجابه شيبة بن عثمان العبدرى بالسمع والطاعة، فعزم قثم على مفارقة مكة واللحاق ببعض شعابها، ومكاتبة أمير المؤمنين بالخبر وبأن يمده بالجيوش ليقاتل الشاميين. فنهاه أبو سعيد الخدرى عن مفارقة مكة. وقال: أقم فإن رأيت منهم القتال وبك قوّة فاعمل برأيك، وإلاّ فالمسير عنها أمامك. فأقام؛ وقدم الشاميّون فلم يعرضوا لقتال أحد، وأرسل قثم إلى أمير المؤمنين يخبره، فسيّر جيشا فيهم الرّيّان بن ضمرة بن هوذة بن على الحنفى، وأبو الطفيل أول ذى الحجة، وكان قدوم يزيد بن شجرة قبل التروية بيومين، فنادى فى الناس: أنتم آمنون إلا من تعرّض لنا بقتال ونازعنا. واستدعى أبا سعيد الخدرى وقال له: إنى لا أريد

стр. 643

الإلحاد فى الحرم، ولو شئت لفعلت؛ لما فيه أميركم من الضعف، فقل له يعتزل الصلاة بالناس وأعتزلها أنا، ويختار الناس من يصلى بهم. فقال أبو سعيد لقثم ذلك، فاعتزل الصلاة، واختار الناس حاجب البيت شيبة بن عثمان بن أبى طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار، فصلى بهم، وحجّ بهم. فلما مضى حجّ الناس سار يزيد إلى الشام، وأقبل خيل علىّ فأخبروهم بعود أهل الشام فتبعوهم (١). وقيل إن الإمام عليا ﵁ بعث على الموسم عبيد الله ابن عباس، فاجتمع بمكة مع يزيد بن شجرة، وتنازعا الإمارة، ولم يسلّم أحدهما لصاحبه، ثم وقع الصّلح بينهما على أن يعتزل كل منهما الأمر جميعا، ويختار الناس من يصلى بهم، ويحج بهم. فاختاروا شيبة بن عثمان فصلى بهم وحج بهم (٢). *** «سنة أربعين» فيها - وقيل فى سنة اثنتين وأربعين - قدم بسر بن [أبى] (٣) أرطاة العامرى مكّة فى ثلاثة آلاف بعد دخوله المدينة، فخاف أبو موسى الأشعرى أن يقتله فهرب منه، وأكره الناس على البيعة لمعاوية ثم

стр. 644

سار إلى اليمن، ثم عاد راجعا فلقى جارية (١) بن قدامة رسول على ابن أبى طالب، فهرب بسر وأصحابه معه، وأتبعه جارية (١) حتى أتى مكة، وقال: بايعوا/أمير المؤمنين. فقالوا: قد هلك (٢)، فلمن نبايع؟ قال: لمن بايع له أصحاب علىّ. فبايعوا خوفا منه، ثم سار إلى المدينة. وفيها خرج عبد الله بن عباس من البصرة ولحق بمكة فى قول أكثر أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم فقالوا: لم يزل عاملا عليها لعلى حتى قتل، وشهد صلح الحسين مع معاوية، ثم خرج إلى مكة. والأول أصح، وإنما كان الذى شهد صلح الحسن عبيد الله ابن عباس (٣). وفيها حج بالناس المغيرة بن شعبة - وكان معتزلا بالطائف - عن كتاب يقال إنه افتعله على لسان معاوية ﵁ أنه ولاّه

стр. 645

الموسم، ثم خشى أن يجئ أمير فقدّم الحجّ يوما؛ فوقف بالناس يوم التروية على أنه يوم عرفة، وضحوا على أنه يوم عرفة، ودعوا لمعاوية. وتخلّف عن المغيرة ابن عمر ﵄ ومعظم الناس، وكان ابن عمر ﵁ وأصحابه عائدين من منى إلى عرفة والمغيرة وأصحابه مستقبليهم مفيضين من جمع، فأقاموا بعدهم ليلة، وهذا إن صح عن المغيرة فلعله صحّ عنده رؤية هلال ذى الحجة على وفق ما فعل، ولم يصح ذلك عند من خالفه - والله أعلم. وقيل إنّ فعل المغيرة ذلك أنه بلغه أن عتّبة بن أبى سفيان مصبّحه واليا على الموسم (١). *** «سنة إحدى وأربعين» فيها حج بالناس عتبة بن أبى سفيان (٢). وفيها - أو فى التى بعدها - مات أبو وهب صفوان بن أميّة ابن خلف الجمحى (٣).

стр. 646

وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة عبد الله بن عبد العزى القرشى العبدرى (١). *** «سنة اثنتين وأربعين» وفيها حج بالناس عتبة بن أبى سفيان (٢). *** «سنة ثلاث وأربعين» فيها كان عامل مكة خالد بن العاص بن هشام (٣). وفيها حجّ بالناس أمير المدينة مروان بن الحكم (٤). *** «سنة أربع وأربعين» فيها كان واليا على مكة عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس القرشى الأموى (٥).

стр. 647

وفيها قدم من الشام منبر صغير على ثلاث درجات، فخطب عليه معاوية/وهو أول من خطب بمكة على منبر، وكانت الخلفاء والولاة يخطبون يوم الجمعة على أرجلهم قياما فى وجه الكعبة، وفى الحجر (١). وفيها حجّ بالناس أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان ﵁ (٢)، فقدم له عبد الله بن صفوان بن أمية الجمحى ألفى شاة. واشترى دار النّدوة من أبى الرهين العبدرى بمائة ألف درهم، فجاء شيبة بن عثمان فقال له: إن لى فيها حقا، وقد أخذتها بالشفعة. فقال له معاوية: فأحضر المال. فقال: أروح به إليك العشيّة. وكان ذلك بعدما صدر الناس من الحجّ، وقد كان معاوية تهيّأ للخروج إلى الشام، فصلّى معاوية بالناس العصر، ثم دخل الطواف فطاف بالبيت سبعا، وصلّى خلف المقام ركعتين، ثم انصرف فدخل دار الندوة، فقام له شيبة حين أراد أن يدخل الدار، فقال: يا أمير المؤمنين قد أحضرت المال. قال: فاثبت حتى يأتيك رأيى. فأجيف الباب وأرخى السّتر، وركب معاوية من الدار دوابّه وخرج من الباب الآخر مسافرا، ومضى معاوية إلى المدينة - وشيبة لا يشعر به - فلم يزل شيبة جالسا بالباب حتى جاء المؤذن فسلّم

стр. 648

وأذنه بصلاة المغرب، فخرج والى مكة عبد الله بن خالد بن أسيد. فقام إليه شيبة فقال: فأين أمير المؤمنين؟ قال: راح إلى الشام. فقال شيبة: والله لا كلمته أبدا (١). وفيها فى ذى الحجة؛ وهو الصحيح - وقيل فى سنة اثنتين وأربعين، ويقال فى سنة إحدى وخمسين، ويقال فى سنة اثنتين وخمسين - مات أبو موسى الأشعرى عبد الله بن قيس بن موسى، الصحابى ﵁ بمكة، وقيل فى الكوفة (٢). *** «سنة خمس وأربعين» فيها حج بالناس أمير المدينة مروان بن الحكم (٣). *** «سنة ست وأربعين» فيها حج بالناس أبو الوليد عنبسة بن أبى سفيان صخر بن حرب (٤).

стр. 649

«سنة سبع وأربعين» فيها حج بالناس أبو الوليد عنبسة بن أبى سفيان. وقيل أخوه عتبة (١). *** «سنة ثمان وأربعين» فيها حج بالناس/مروان بن الحكم، وقيل سعيد بن العاص (٢) *** «سنة تسع وأربعين» فيها حج بالناس أمير المدينة سعيد بن العاص (٣) *** «سنة خمسين» فيها حجّ بالناس أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان، كذا قال

стр. 650

العتيقى (١)، وقال المسعودى إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يزيد بن معاوية (٢). واتفق لمعاوية ﵁ فى حجّته الثانية أن يبعث إلى شيبة بن عثمان أن يفتح له الكعبة حتى يدخلها ويصلى فيها، فأرسل إليه بالمفتاح مع حفيده شيبة بن جبير - وهو غلام حدث - ولم يأته ولم يسلم عليه، فلما رآه معاوية استصغره وقال له: من أنت يا حبيب؟ فقال: أنا شيبة بن جبير. فقال: لا بأس بابن أخى، غضب أبو عثمان شيبة، فكان شيبة. ففتح الكعبة، فلما دخل أجاف عليه الباب ولم يدخل معه الكعبة إلا حاجبه أبو يوسف الحميرى، فبينا معاوية يدعو فى البيت ويصلى إذا بحلقة باب الكعبة تحرّك تحريكا خفيفا، فقال معاوية: يا شيبة انظر، هذا عثمان بن محمد بن أبى سفيان، فإن كان إيّاه فأدخله، ففتح الباب فإذا هو هو، فأدخله، ثم حركت الحلقة تحريكا هو أشد من الأوّل، فقال معاوية: انظر، هذا الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، فإن كان إيّاه

стр. 651

فأدخله. ففتح فإذا هو هو، فأدخله، ثم قال. لأبى يوسف الحميرى: انظر عبد الله بن عمر - فإنى رأيته آنفا خلف المقام - حتى أسأله أين صلّى رسول الله ﷺ من الكعبة. فقام أبو يوسف الحميرى فجاء بعبد الله بن عمر، فقال له معاوية: يا أبا عبد الرحمن. أين صلى رسول الله ﷺ عام دخلها؟ قال: بين العمودين المقدمين، اجعل بينك وبين الجدار ذراعين أو ثلاثة. فبينما هم كذلك إذ رجّ الباب رجّا شديدا. وحرّكت الحلقة تحريكا أشدّ من الأول، فقال معاوية لشيبة: انظر، هذا عبد الله بن الزبير، فإن كان إياه فأدخله. قال شيبة: فنظرت فإذا هو هو/. فأدخلته، فأقبل مغضبا فقال: إيها يا ابن أبى سفيان؛ ترسل إلى عبد الله بن عمر تسأله عن شئ أنا أعلم به منك ومنه، حسدا لى ونفاسة. فقال معاوية: على رسلك يا أبا بكر فإنما نرضاك لبعض دنيانا. فصلى معه وخرج. قال شيبة: وخرجت معه، فدخل زمزم فنزع منها دلوا فشرب منه، وصبّ باقيه على رأسه وثيابه، ثم خرج فمر بعبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق خلف المقام فى حلقة، فنظر إليه محدقا، فقال له عبد الرحمن: ما نظرك إلىّ؟ فو الله لأبى خير من أبيك [وأمى خير من أمك] (١) وأنا خير منك. فلم يجبه بشئ ومضى حتى دخل دار الندوة، فلما جلس فى مجلسه قال: عجلوا على بعبد الرحمن بن أبى بكر، فقد رأيته خلف المقام. فأدخل عليه فقال: مرحبا بابن الشيخ الصالح، قد علمت أن الذى خرج منك آنفا لجفائنا بك،

стр. 652

وذلك لنأى دارنا عن دارك، فارفع حوائجك. فقال: علىّ من الدّين كذا، وأحتاج إلى كذا، وأجز لى كذا، وأجز لى كذا، وأقطعنى كذا. فقال معاوية ﵁: قد قضيت حوائجك كلها. فقال: وصلتك رحم يا أمير المؤمنين، إن كنت لأبرنا بنا، وأوصلنا لنا. وفيها حج عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس (١). *** «سنة إحدى وخمسين» فيها حج بالناس أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان ﵄، كذا قال الواقدى وأبو معشر (٢)، وقال العتيقى وابن الأثير (٣): إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يزيد بن معاوية، ويقال سعيد بن العاص (٤). ***

стр. 653

«سنة اثنتين وخمسين» فيها حج بالناس أمير المدينة سعيد بن العاص (١). *** «سنة ثلاث وخمسين» فيها حج بالناس أمير المدينة سعيد بن العاص (٢). *** «سنة أربع وخمسين» فيها حج بالناس أمير المدينة مروان بن الحكم (٣)، ويقال سعيد بن العاص كذا قال يعقوب بن سفيان (٤). وفيها مات حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بمكة (٥).

стр. 654

وسعيد بن يربوع بن عنكثة بن عامر بن مخزوم المخزومى بمكة أو بالمدينة (١). *** «سنة خمس وخمسين» فيها حج بالناس عتبة بن أبى سفيان. /كذا قال .... (٢)، وقال ابن الأثير إن الذى حج بالناس فى هذه السنة مروان بن الحكم (٣). وفيها مات الأرقم المخزومى، وقيل يوم مات أبو بكر (٤). *** «سنة ست وخمسين» فيها اعتمر أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان ﵁ فى رجب (٥).

стр. 655

وفيها مات عثمان بن شيبة بن أبى طلحة العبدرى (١). وفيها حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبى سفيان (٢). *** «سنة سبع وخمسين» فيها حج بالناس الوليد بن عتبة بن أبى سفيان (٣). وفيها مات عثمان بن شيبة بن أبى طلحة العبدرى (٤). *** «سنة ثمان وخمسين» فيها حج بالناس أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان (٥). وفيها - وقيل فى التى بعدها - توفى شيبة بن عثمان الحجبى (٦).

стр. 656

«سنة تسع وخمسين» فيها حج بالناس عثمان بن محمد بن أبى سفيان (١). وفيها مات عبد الله بن عامر بن كريز بمكة، فدفن بعرفات (٢). وفيها وقيل فى سنة تسع وستين مات أبو محذورة مؤذن النبى ﷺ (٣). *** «سنة ستين» فيها لما أبطأ عبد الله بن الزبير عن بيعة يزيد بن معاوية وتخلف وخشى منهم لحق بمكّة ليمتنع بالحرم، وجمع مواليه، وجعل يظهر عيب يزيد بن معاوية ويشتمه، ويذكر شربه الخمر، وغير ذلك، ويثبّط الناس عنه، ويجتمع الناس فيقوم فيهم من الأيام فيذكر مساوئ بنى أمية، فيطنب فى ذلك. وفيها خرج الحسين بن على بن أبى طالب ﵁ من المدينة إلى مكة، فلقيه عبد الله بن مطيع فقال: جعلت فداك، أين

стр. 657

تريد؟ فقال: أمّا الآن فمكة، وأما بعد فإنى مستخير الله تعالى. قال: خار الله لك، وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة، فإنها بلدة مشئومة؛ بها قتل أبوك، وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تأتى على نفسه، إلزم الحرم فإنك سيّد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمّى وخالى، /فو الله لئن هلكت لنسترقّن بعدك. فأقبل حتى نزل مكة، وأهلها يختلفون إليه ويأتونه، ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، فهو قائم يصلى عندها عامة النهار ويطوف، ويأتى الحسين فيمن يأتيه، ولا يزال يشير عليه الرأى وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير؛ لأن أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين بالبلد. وأرسل أهل الكوفة إلى الحسين فى المسير إليهم، فلما أراد المسير إلى الكوفة أتاه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: إنى أتيتك لحاجة أريد أن أذكرها نصيحة لك، فإن كنت ترى أنك مستنصحى قلتها، وأديت ما علىّ من الحق فيها، وإن ظننت أنك لا تستنصحنى كففت عما أريد. فقال له: قل، فو الله ما أستغشّك وما أظنك بشئ من الهوى. قال له: بلغنى أنك تريد العراق، وإنى مشفق عليك أن تأتى بلدا فيها عماله وأمراؤه، معهم بيوت الأموال؛ وإنما الناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحبّ إليه ممن يقاتلك معه. فقال له الحسين: جزاك الله خيرا يا ابن عمّ؛ فقد علمت أنك

стр. 658

مشيت بنصح، وتكلّمت بعقل، ومهما يقض من أمر يكن أخذت برأيك؛ فأنت عندى أحمد مشير، وأنصح ناصح. وأتاه عبد الله بن عباس ﵄ فقال له: قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لى ما أنت صانع. فقال له: قد أجمعت السير فى أحد يومىّ هذين إن شاء الله تعالى. فقال له ابن عباس ﵄: فإنى أعيذك بالله من ذلك، أخبرنى، أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم - وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبى بلاده - فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويستنفروا/إليك ويكونوا أشد الناس عليك. فقال الحسين: إنى أستخير الله وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس. وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة ثم قال: ما أدرى ما تركنا هؤلاء القوم وكفنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم!! خبرنى ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين ﵁: لقد حدثت نفسى بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلىّ شيعتى بها وأشراف الناس، وأستخير الله تعالى. فقال ابن الزبير: أما لو كان لى بها مثل شيعتك لما عدلت عنها. ثم خشى أن يتّهمه فقال: أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر ها هنا ما خالفنا عليك، وساعدناك وبايعناك ونصحنا لك. فقال له الحسين: إن أبى حدثنى أن بها كبشا يستحل حرمتها فما أحب أن أكون ذلك الكبش.

стр. 659

قال: فأقم إن شئت وتولينى أنا الأمر تطاع ولا تعصى. قال: ولا أريد هذا أيضا. ثم إنهما أخفيا كلامهما، فالتفت الحسين إلى من هناك وقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا ندرى. جعلنا الله فداك. قال: إنه يقول أقم فى هذا المسجد أجمع لك الناس. ثم قال له الحسين: والله لئن أقتل خارجا منها بشبر أحب إلىّ من أن أقتل فيها، ولئن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلى من أن أقتل خارجا منها بشبر، والله لو كنت فى جحر هامة من هذه الهوام (١) لاستخرجونى حتى يقضوا بى حاجتهم (١)، والله ليعتدون علىّ كما اعتدت اليهود فى السبت. فقام ابن الزبير فخرج من عنده، فقال الحسين: إن هذا ليس من الدنيا شئ أحبّ إليه من أن أخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بى؛ فودّ أنى خرجت حتى يخلو له. فلما كان من العشى - أو من الغداة - أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عمّ إنى أتصبّر ولا أصبر، إنى أتخوّف عليك فى هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنّهم، أقم بهذا البلد فإنك سيّد الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم/وعدوّهم، ثم أقدم عليهم، وإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن، فإن فيها حصونا وشعابا (٢)،

стр. 660

وهى أرض طويلة عريضة، ولأبيك فيها شيعة، وأنت عن الناس فى عزلة، فتكتب إلى الناس وثبتّ دعاتك؛ فإنى أرجو أن يأتيك عند ذلك الذى تحبّ فى عافية. فقال الحسين: يا ابن عمّ إنى أعلم والله أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت السيّر. فقال له ابن عباس: فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك، فإنى خائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال له ابن عباس: لقد أقررت عين ابن الزبير بالخروج من الحجاز، وهو اليوم لا ينظر إليه أحد معك، والله الذى لا إله إلا هو لو أخذت بشعر ناصيتك حتى تجتمع علينا الناس وتطيعنى لفعلت ذلك. وخرج ابن عباس ﵄ من عنده فمرّ بابن الزبير ثم قال: يا لك من قبّرة بمعمر … خلا لك الجوّ فبيضى وأصفرى ونقّرى ما شئت أن تنقّرى وهذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك فى الحجاز. وخرج الحسين ﵁ يوم التروية، فاعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص - وهو أمير على الحجاز ليزيد بن معاوية مع أخيه يحيى - يمنعونه، فأبى عليهم ومضى، وتضاربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه وساروا. فمروا بالتنعيم فرأى بها عيرا قد أقبلت من اليمن، بعث بها بجير بن ريّان من اليمن إلى يزيد بن معاوية - وكان عامله على اليمن - وعلى العير الورس والحلل (١)،

стр. 661

فأخذها الحسين وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يمضى معنا إلى العراق أوفيناه كراءه، وأحسنّا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا أعطيناه نصيبه من الكراء. فمن فارق منهم أعطاه حقه، ومن سار معهم أعطاه كراءه وكساه، ثم شدّوا. وأدرك الحسين كتاب عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد، وفيه: - أما بعد فإنى أسألك بالله تعالى لما انصرفت حتى تقرأ كتابى هذا؛ فإنى مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الدين (١)، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالمسير فإنى فى إثر/كتابى والسلام. وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد - وكان عامل يزيد على مكة - وقال له: أرسل إلى الحسين كتابا تجعل فيه الأمان، وتمنيه فيه بالبرّ والصلة، وتسأله الرجوع. ففعل عمرو ذلك. وأرسل الكتاب مع أخيه يحيى بن سعيد، ومع عبد الله بن جعفر فلحقاه، وقرأ الكتاب، وجهدا أن يرجع، فلم يفعل، وكان مما اعتذر به إليهما أن قال: إنى رأيت رؤيا؛ رأيت فيها رسول الله ﷺ ، وأمرت فيها بأمر أنا ماض له. فقالا: ما تلك الرؤيا؟ قال: ما حدثت بهذا أحدا، وما أنا محدث بها أحدا حتى ألقى ربى.

стр. 662

فيها كتب يزيد إلى أمير المدينة عمرو بن سعيد الأشدق أن يوجه إلى ابن الزبير جندا، وألا يؤتى به إلا مغلولا؛ لما بلغه عنه، فسأل عمرو الأشدق: من أعدى الناس لابن الزبير؟ فقيل: عمرو أخوه. فولاّه شرطة المدينة، وأرسل عمرو بن الزبير إلى نفر من أهل المدينة يضربهم ضربا شديدا بالسياط؛ لهوائهم فى أخيه عبد الله، منهم أخوه المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم (١)؛ يضربونهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو بن الزبير فيمن يرسله إلى عبد الله بن الزبير. فقال: لا توجّه إليه رجلا أنكى له منى. فجهّز معه الناس، وفيهم أنيس بن عمرو الأسلمى فى سبعمائة، فجاء مروان بن الحكم إلى عمرو بن سعيد فقال له: لا تعز مكّة واتّق الله، ولا تحل حرمة البيت، وخلوا ابن الزبير؛ فقد كبر (٢) وله ستون سنة وهو يجوز (٢). فقال عمرو بن الزبير: والله لنغزونه فى جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. وقال له أبو شريح خويلد الخزاعى الكعبى: لا تعزوا مكة؛ إنّا كنا مع رسول

стр. 663

ﷺ حين فتح مكة فخطب فقال: إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر ووضعها بين الجبلين، فهى حرام إلى يوم القيامة، لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلّ لأحد كان قبلى، ولم تحلّ لى إلا/ساعة من نهار، ثم رجعت كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب. وإن النبى ﷺ أمرنا أن يبلّغ الشاهد الغائب، وكنت شاهدا وكنت غائبا، وقد أدّيت إليك ما كان رسول الله ﷺ أمر به. فقال له عمرو بن سعيد: انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحرمتها منك. إنها لا تمنع من ظالم، ولا خالع طاعة، ولا سافك دم. فقال أبو شريح: قد أدّيت إليك ما كان رسول الله ﷺ أمر به، فأنت وشأنك. وقيل إن يزيد كتب إلى عمرو بن سعيد ليرسل عمرو بن الزبير إلى أخيه عبد الله ففعل، وأرسله ومعه جيش نحو ألفى رجل من أهل الشام، فنزل أنيس بذى طوى، ونزل عمرو بالأبطح، فأتاه الناس يسلمون عليه، وسألوه عن مجيئه، فقال: جئت لأن يعطى أخى الطاعة ليزيد ويبرّ قسمه، وقد حلف يزيد ألاّ يقبل منه بيعته إلا أن يؤتى به فى جامعة، فإن أبى قاتلته. فقال له جبير بن شيبة: كان غيرك أولى بهذا منك، تسير إلى حرم الله وأمنه، وإلى أخيك فى سنّه وفضله، وتجعله فى جامعة؟! ما أرى الناس يدعوك وما تريد. قال: أرى من يحول (١) دون ذلك. ثم أقبل عمرو ونزل داره عند الصفا،

стр. 664

وجعل يرسل إلى أخيه، ويرسل إليه أخوه، وكان عمرو يخرج يصلّى بالناس وعسكره بذى طوى، وإن أخاه معه ويشبّك أصابعه فى أصابعه، ويكلمه فى الطاعة، ويلين له، وقال له: لا تستحل حرمة البيت بتشبّثك؛ فإنه غير تاركك ولا تقوى عليه، وقد لجّ فى أمرك، وأقسم ألا يؤتى بك إلا مغلولا، وقد عملت لك غلاّ من فضة تلبسه تحت (١) الثياب لا يرى، وبه يبرّ قسم أمير المؤمنين، فالصلح خير عاقبة، وأجمل بك، ولا يضرب الناس بعضهم بعضا؛ فإنك فى بلد حرام. فقال: دعنى أياما حتى أنظر فى أمرى. فشاور أمّه أسماء بنت أبى بكر ﵄ فى ذلك، فأبت عليه أن يذهب مغلولا، وقالت: يا بنى عش كريما ومت كريما ولا تمكن بنى أمية من نفسك فتلعب بك، فالموت أحسن من هذا (٢). فقال عبد الله لأخيه عمرو: ما بعد هذا شئ؛ إنى لسامع/مطيع أنت عامل يزيد، وأنا أصلى خلفك، ما عندى خلاف، فأما أن تجعل فى عنقى جامعة ثم أقاد إلى الشام فإنى نظرت فى ذلك فرأيته لا يحل لى أن أجعله بنفسى، فراجع صاحبك فاكتب إليه. فقال: لا والله ما أقدر على ذلك. فامتنع عبد الله فى مواليه، ومن تألف إليه من أهل مكة وغيرهم؛ فكان يقال لهم الزّبيريّة.

стр. 665

وأرسل عبد الله بن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية فيمن معه من أهل مكة ممن اجتمع إليه نحو أنيس، وعقد لهم لواء، وأخذ بهم من أسفل مكة، فلم يشعر أنيس إلا بالقوم - وكان على عسكر عمرو - فالتقوا فقتل أنيس، وأجهز على جريحهم (١)، وركب مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فى طائفة إلى عمرو فلقوه، فانهزم عن عمرو أصحابه والعسكر أيضا، ودخل عمرو بن الزبير دار [ابن] (٢) علقمة، فأتاه أخوه عبيدة فقال: يا أخى أنا أجيرك من عبد الله وجاء به أسيرا والدم يقطر على قدميه، فقال: إنى قد أجرت عمرا، فقال عبد الله: أتجير من حقوق الناس؟! هذا ما لا يصلح، وما أمرتك أن تجير هذا الفاسق المستحلّ لحرمات الله، وأما حقى فنعم، وأما حق الناس فلا؛ فيقتصّ منه لمن آذاه بالمدينة. وقال: من كان يطلبه بشئ فليأت. وأقاد عبد الله من أخيه عمرو لكل من ضربه إلا المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا. وكان الرجل يأتى فيقول: قد نتف أشفارى. فيقول له: قم فانتف أشفاره. وجعل الرجل يقول: قد نتف لحيتى. فيقول: قم انتف لحيته. وكان يقيمه كل يوم ويدعو الناس للقصاص، فقام مصعب ابن عبد الرحمن فقال: قد جلدنى مائة جلدة. فأمر به فضربه مائة

стр. 666

جلدة؛ فمات تحت السّياط، وأمر به عبد الله فصلب. وقيل بل صحّ من هذا الضرب، ثم مرّ به عبد الله بن الزبير بعد إخراجه من السجن، فرآه جالسا بفناء مجلسه فقال: ألا أراه حيّا؟ فأمر به فسحب إلى السجن، فلم يبلغه حتى مات. فأمر به عبد الله فطرح فى شعب الجيف - وهو الموضع الذى صلب فيه عبد الله بعده. وفيها حج بالناس عامل مكة والمدينة عمرو بن سعيد بن العاص الأموى (١)، وقيل الوليد بن عقبة (٢)، وقال سبط ابن الجوزى فى/مرآته: وقيل حج بالناس يحيى بن سعيد نيابة عن أخيه عمرو ولم يذكر غيره. *** «سنة إحدى وستين» فيها لما بلغ ابن الزبير قتل الحسين (٣) بن على ﵁ قام فى الناس فعظّم قتله، وعاب أهل الكوفة خاصة، وأهل العراق عامة، فقال بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ : إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق،

стр. 667

وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولوه عليهم ثم ثاروا عليه فقالوا! إما أن تضع يدك فى أيدينا ونبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة [سلما] (١) فيمضى فيك حكمه، وإما أن تحارب. فرأى - والله - أنه هو وأصحابه قليل فى كثير - وإن كان الله تعالى لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول - ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينا وأخزى قاتله، لعمرى لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان فى مثله واعظ وناه عنهم، ولكنه ما قدّر نازل، وإذا أراد الله أمرا لن يدفعه أحد، أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم، ونصدق قولهم، ونقبل لهم عهدا؟! لا والله ولا نراهم لذلك أهلا، أما والله لقد قتلوه، طويلا بالليل قيامه كثيرا بالنهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم، وأولى به فى الدين والفضل، أما والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله تعالى الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس فى حلق الذكر الركض فى طلب الصيد - يعرض بيزيد - ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢). فثار إليه أصحابه فقالوا: أظهر بيعتك فإنه لم يبق أحد - إذ هلك حسين - ينازعك هذا الأمر. وقد كان يبايع سرّا، ويظهر أنه عائذ بالبيت. فقال لهم: لا تعجلوا. وعمرو بن سعيد يومئذ عامل على مكة، وهو أشد شئ على

стр. 668

ابن الزبير ومع ذلك يدارى ويرفق، فلما استقرّ عند يزيد ما قد جمع ابن الزبير بمكة من الجموع أعطى الله عهدا ليوثقنه فى سلسلة. فبعث إليه سلسلة من فضة مع ابن عضاة (١) الأشعرى ومسعدة وأصحابهما ليأتوه به فيها، وبعث معه برنس خزّ ليلبسه عليها لئلا يظهر للناس، فاجتاز ابن عضاة بالمدينة/وبها مروان بن الحكم فأخبره بما قدم له، فأرسل مروان معه ولدين له أحدهما ولده عبد العزيز، وقال: إذا بلّغته رسل يزيد فتعرض له وليتمثل أحدكما: - فخذها فليست للعزيز بخطّة … وفيها مقال لامرئ متذلّل أعامر إن القوم ساموك خطّة … وذلك فى الجيران عدل معدّل (٢) أراك إذا ما كنت للقوم ناضحا … يقال له بالدّلو أدبر وأقبل فلما بلغته الرسل الرسالة قال عبد العزيز الأبيات، فقال ابن الزبير: يا بنى مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما: إنى لمن نبعة صمّ مكاسرها … إذا تناوحت النكباء والعشر (٣) فلا ألين لغير الحقّ أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وامتنع ابن الزبير من رسل يزيد.

стр. 669

وكان عامل الحجاز عمرو بن سعيد الأشدق مع شدته على ابن الزبير يدارى ويرفق، فقال الوليد بن عتبة وناس من بنى أميّة ليزيد: لو شاء عمرو لبعث إليك بابن الزبير. فعزل يزيد عمرا وولى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان على الحجاز أميرا، وأخذ الوليد غلمان عمرو ومواليه وحبسهم، فكلّمه عمرو فى تخليتهم فأبى أن يخليهم، فسار عن المدينة ليلتين وأرسل إلى غلمانه بعدتهم من الإبل، فكسروا الحبس وركبوا إليه فلحقوه عند وصوله إلى الشام. فدخل على يزيد وأعلمه ما كان فيه من مكايدة ابن الزبير، فعذره وعلم صدقه (١). وأقام الوليد يريد غرّة ابن الزبير فلا يجده إلا متحرّزا ممتنعا (٢). وأقام الوليد الحج فى هذه السنة (٣)، وأفاض من عرفة ومعه سائر الناس وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة بن عامر الحنفى واقف فى أصحابه، وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر (٤) حتى ظن الناس أنه سيبايعه. وقيل إنما حج بالناس عمرو/بن سعيد لأن الوليد لم يدرك الحج (٥). قاله سبط ابن الجوزى.

стр. 670

«سنة اثنتين وستين» فيها كتب عبد الله بن الزبير إلى يزيد بن معاوية يذمّ أمير مكة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ويقول: إنه رجل أخرق، لا يتجه لرشد، ولا يرعوى لعظمة الحليم، فلو بعثت رجلا سهل الخلق رجوت أن يسهّل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق. فعزل يزيد الوليد وولى عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وهو فتى غرّ حدث، لم يجرّب الأمور ولم تحنّكه السنّ، لا يكاد ينظر فى شئ من سلطانه ولا علمه (١). فحج بالناس عثمان كذا قال سبط ابن الجوزى (٢)، وقال: ولم يمكنه ابن الزبير من دخول مكة، ويقال إن الذى حج بالناس الوليد بن عتبة كذا قال ابن الأثير (٣). *** «سنة ثلاث وستين» فيها عزل يزيد بن معاوية عثمان بن محمد بن أبى سفيان حيث
следующие страницы →