← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

جلدة؛ فمات تحت السّياط، وأمر به عبد الله فصلب. وقيل بل صحّ من هذا الضرب، ثم مرّ به عبد الله بن الزبير بعد إخراجه من السجن، فرآه جالسا بفناء مجلسه فقال: ألا أراه حيّا؟ فأمر به فسحب إلى السجن، فلم يبلغه حتى مات. فأمر به عبد الله فطرح فى شعب الجيف - وهو الموضع الذى صلب فيه عبد الله بعده. وفيها حج بالناس عامل مكة والمدينة عمرو بن سعيد بن العاص الأموى (١)، وقيل الوليد بن عقبة (٢)، وقال سبط ابن الجوزى فى/مرآته: وقيل حج بالناس يحيى بن سعيد نيابة عن أخيه عمرو ولم يذكر غيره. *** «سنة إحدى وستين» فيها لما بلغ ابن الزبير قتل الحسين (٣) بن على ﵁ قام فى الناس فعظّم قتله، وعاب أهل الكوفة خاصة، وأهل العراق عامة، فقال بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ : إن أهل العراق غدر فجر إلا قليلا، وإن أهل الكوفة شرار أهل العراق،

стр. 667

وإنهم دعوا حسينا لينصروه ويولوه عليهم ثم ثاروا عليه فقالوا! إما أن تضع يدك فى أيدينا ونبعث بك إلى ابن زياد بن سميّة [سلما] (١) فيمضى فيك حكمه، وإما أن تحارب. فرأى - والله - أنه هو وأصحابه قليل فى كثير - وإن كان الله تعالى لم يطلع على الغيب أحدا أنه مقتول - ولكنه اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينا وأخزى قاتله، لعمرى لقد كان من خلافهم إيّاه وعصيانهم ما كان فى مثله واعظ وناه عنهم، ولكنه ما قدّر نازل، وإذا أراد الله أمرا لن يدفعه أحد، أفبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم، ونصدق قولهم، ونقبل لهم عهدا؟! لا والله ولا نراهم لذلك أهلا، أما والله لقد قتلوه، طويلا بالليل قيامه كثيرا بالنهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم، وأولى به فى الدين والفضل، أما والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناء، ولا بالبكاء من خشية الله تعالى الحداء، ولا بالصيام شرب الحرام، ولا بالمجالس فى حلق الذكر الركض فى طلب الصيد - يعرض بيزيد - ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢). فثار إليه أصحابه فقالوا: أظهر بيعتك فإنه لم يبق أحد - إذ هلك حسين - ينازعك هذا الأمر. وقد كان يبايع سرّا، ويظهر أنه عائذ بالبيت. فقال لهم: لا تعجلوا. وعمرو بن سعيد يومئذ عامل على مكة، وهو أشد شئ على

стр. 668

ابن الزبير ومع ذلك يدارى ويرفق، فلما استقرّ عند يزيد ما قد جمع ابن الزبير بمكة من الجموع أعطى الله عهدا ليوثقنه فى سلسلة. فبعث إليه سلسلة من فضة مع ابن عضاة (١) الأشعرى ومسعدة وأصحابهما ليأتوه به فيها، وبعث معه برنس خزّ ليلبسه عليها لئلا يظهر للناس، فاجتاز ابن عضاة بالمدينة/وبها مروان بن الحكم فأخبره بما قدم له، فأرسل مروان معه ولدين له أحدهما ولده عبد العزيز، وقال: إذا بلّغته رسل يزيد فتعرض له وليتمثل أحدكما: - فخذها فليست للعزيز بخطّة … وفيها مقال لامرئ متذلّل أعامر إن القوم ساموك خطّة … وذلك فى الجيران عدل معدّل (٢) أراك إذا ما كنت للقوم ناضحا … يقال له بالدّلو أدبر وأقبل فلما بلغته الرسل الرسالة قال عبد العزيز الأبيات، فقال ابن الزبير: يا بنى مروان قد سمعت ما قلتما فأخبرا أباكما: إنى لمن نبعة صمّ مكاسرها … إذا تناوحت النكباء والعشر (٣) فلا ألين لغير الحقّ أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وامتنع ابن الزبير من رسل يزيد.

стр. 669

وكان عامل الحجاز عمرو بن سعيد الأشدق مع شدته على ابن الزبير يدارى ويرفق، فقال الوليد بن عتبة وناس من بنى أميّة ليزيد: لو شاء عمرو لبعث إليك بابن الزبير. فعزل يزيد عمرا وولى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان على الحجاز أميرا، وأخذ الوليد غلمان عمرو ومواليه وحبسهم، فكلّمه عمرو فى تخليتهم فأبى أن يخليهم، فسار عن المدينة ليلتين وأرسل إلى غلمانه بعدتهم من الإبل، فكسروا الحبس وركبوا إليه فلحقوه عند وصوله إلى الشام. فدخل على يزيد وأعلمه ما كان فيه من مكايدة ابن الزبير، فعذره وعلم صدقه (١). وأقام الوليد يريد غرّة ابن الزبير فلا يجده إلا متحرّزا ممتنعا (٢). وأقام الوليد الحج فى هذه السنة (٣)، وأفاض من عرفة ومعه سائر الناس وابن الزبير واقف وأصحابه، ونجدة بن عامر الحنفى واقف فى أصحابه، وكان نجدة يلقى ابن الزبير فيكثر (٤) حتى ظن الناس أنه سيبايعه. وقيل إنما حج بالناس عمرو/بن سعيد لأن الوليد لم يدرك الحج (٥). قاله سبط ابن الجوزى.

стр. 670

«سنة اثنتين وستين» فيها كتب عبد الله بن الزبير إلى يزيد بن معاوية يذمّ أمير مكة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان ويقول: إنه رجل أخرق، لا يتجه لرشد، ولا يرعوى لعظمة الحليم، فلو بعثت رجلا سهل الخلق رجوت أن يسهّل من الأمور ما استوعر منها، وأن يجتمع ما تفرق. فعزل يزيد الوليد وولى عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وهو فتى غرّ حدث، لم يجرّب الأمور ولم تحنّكه السنّ، لا يكاد ينظر فى شئ من سلطانه ولا علمه (١). فحج بالناس عثمان كذا قال سبط ابن الجوزى (٢)، وقال: ولم يمكنه ابن الزبير من دخول مكة، ويقال إن الذى حج بالناس الوليد بن عتبة كذا قال ابن الأثير (٣). *** «سنة ثلاث وستين» فيها عزل يزيد بن معاوية عثمان بن محمد بن أبى سفيان حيث

стр. 671

لم يستقم له حال، وولى يحيى بن حكيم (١) بن صفوان، فأقام أياما لم [يتعرض] (٢) لابن الزبير. وكان الحارث بن خالد بن العاص مقيما بمكة، فكتب إلى يزيد بمداهنة يحيى لابن الزبير، فعزل يحيى، وولى الحارث فمنعه ابن الزبير من الصلاة بالناس، فكان يصلى فى داره بخدمه ومواليه وأهله. ثم عزله يزيد، وولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوى (٣). فأقام الحج فيها عبد الله بن الزبير، ويقال اصطلح الناس على عبد الرحمن بن زيد فصلى بالناس وقيل لم يحج أمير. ثم عزل عبد الرحمن وأعاد الحارث (٤). *** «سنة أربع وستين» فيها فى هلال المحرم أتى خبر واقعة الحرة (٥) بالمدينة مع المسور

стр. 672

ابن مخرمة إلى عبد الله بن الزبير فلحقه من ذلك أمر عظيم، واستعد هو وأصحابه لمسلم بن عقبة المرّى، وأيقنوا أنه نازل بهم. وسار مسلم إلى مكة فلما كان بالمشلّل (١)، وقيل بقديد، وقيل بثنية (٢) هرشى نزل به الموت، واستدعى الحصين بن نمير وقال: يا برذعة الحمار لو كان الأمر إلىّ ما ولّيتك هذا الجند، ولولا أنى أكره أن أتزوّد عند الموت معصية أمير المؤمنين ما ولّيتك، ولكن خذ منى أربعا: أسرع السير، وعجّل المناجزة، وعمّ الأخبار، ولا تمكن/قريشا من أذنك فتبول فيها، إنما هو الثقاف (٣) ثم الانصراف، اللهم إنى لا أعلم قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله عملا أحبّ إلى من قتل أهل المدينة، ولا أرجى عندى فى الآخرة. ثم توفى مسلم المسرف، ومضى الحصين بن نمير بالناس إلى مكة، فقدمها لأربع بقين من المحرم (٤). وقد بايع أهل مكة، وأهل الحجاز عبد الله بن الزبير، واجتمعوا عليه، ولحق به المنهزمون من أهل المدينة، وقدم عليهم

стр. 673

نجدة بن عامر بن عبد الله بن يسار بن المفرح الحنفى فى أناس من الخوارج يمنعون البيت، فسرّ ابن الزبير بمقدمهم، وأخبرهم أنه على مثل رأيهم من غير تفتيش، وكان ابن الزبير قد سمّى نفسه العائذ بالبيت، وخرج ابن الزبير إلى لقاء أهل الشام، ومعه أخوه المنذر، فبارز المنذر رجلا من أهل الشام فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة مات فيها، وكان المنذر يرتجز ويقول: يأبى الحواريّون إلاّ وردا … من يقتل اليوم يزوّد حمدا وجعل يقاتل يوم قتل ويقول: لم يبق إلا حسبى ودينى … وصارم تلتدّه يمينى وهو على أبى قبيس، وابن الزبير مختب فى المسجد ينظر إليه ويقول: ابن الزبير - وهو لا يسمع رجز المنذر - هذا رجل يقاتل عن حسبه ودينه. فقتل المنذر، فما زاد عبد الله بن الزبير على أن قال: عطب أبو عثمان (١). ثم حمل أهل الشام عليهم حملة انكشف أصحاب عبد الله منها، وعثرت بغلة عبد الله فقال: تعسا. ثم نزل فصاح بأصحابه، فأقبل إليه المسور بن مخرمة بن نوفل الزّهرى (٢)، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف (٣)، فقاتلوا فقتلوا جميعا. وقيل إن المسور

стр. 674

أصابه فلقة حجر المنجنيق فى جانب وجهه، فمرض أيّاما ومات فى اليوم الذى ورد فيه خبر موت يزيد بن معاوية. وصابر ابن الزبير أهل الشام إلى الليل، ثم انصرفوا عنه، وأقاموا يقاتلون على ذلك كل يوم، ثم غلبه الحصين على مكة كلها إلا المسجد الحرام، فلجأ ابن الزبير وأصحابه إلى المسجد؛ فبنوا حول الكعبة خصاصا ورفافا من خشب يكتنّون فيها من حجارة المنجنيق ويستظلون بها من الشمس، وكان الحصين بن نمير قد نصب المنجنيق على أخشبى مكة أبى قبيس والأحمر - وهو قعيقعان (١) - فكانوا يرمون ويرتجزون ويقولون. / خطّارة مثل الفنيق المزبد … يرمى بها عوّاذ هذا المسجد (٢) وقدر الحصين على أصحابه عشرة آلاف حجر يرمون بها الكعبة، وكانت الحجارة تصيب الكعبة حتى تخرقت كسوتها عليها فصارت كأنها جيوب النساء، وترتج من أعلاها إلى أسفلها، وكان الحجر يمر فيهوى الأخر على إثره فيسلك طريقه، وأول حجر من المنجنيق وقع فى الكعبة سمع للكعبة أنين كأنين المريض آه آه (٣). وبعث الله على أصحاب الحصين صاعقة بعد العصر فأحرقت المنجنيق، وأحرقت تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام،

стр. 675

فكان أصحاب ابن الزبير يقولون: قد أظلهم العذاب. وبقوا أياما فى راحة حتى عملوا منجنيقا أخرى فنصبوها على أبى قبيس (١). فلما كان بعد الصاعقة بعشرين ليلة فى يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الأول ذهب رجل من أصحاب الزبير يوقد نارا فى بعض تلك الخيام مما يلى الصفا بين الركن الأسود واليمانى - والمسجد يومئذ ضيّق - فطارت شرارة فى الخيمة، فاحترقت الخيام، والتهب المسجد، حتى تعلقت النار بالبيت فاحترق وكانت فى ذلك اليوم رياح شديدة - والكعبة يومئذ مبنية ببناء قريش؛ مدماك من ساج ومدماك من حجارة من أسفلها إلى أعلاها. وعليها الكسوة - فطارت الرياح بلهب تلك النار، فاحترقت كسوة الكعبة واحترق الساج الذى بين البناء (٢). وقيل سبب حريق الكعبة أن مسلم بن أبى خليفة المذحجى كان هو وأصحابه يوقدون لهم فى خصاص حول البيت، فأخذ نارا فى زجّ رمحه فى النفط - وكان يوم ريح - فطارت عنه شررة فضربت أستار الكعبة فيما بين الركن اليمانى إلى الحجر الأسود، فاحترقت ثياب الكعبة واحترق الخشب وأسود الركن (٣).

стр. 676

ويقال سبب الحريق أنه أحرق بعض أهل الشام على باب بنى جمح - والمسجد يومئذ خيام وفساطيط - فمشى الحريق حتى أخذ فى البيت (١). وقيل سبب الحريق أيضا أن أصحاب الحصين بن نمير رموها بالنفط فاحترقت، واحترق مع الكعبة الحجر الأسود حتى اسودّ لونه؛ لأن لونه كان مثل لون المقام، وتصدع الحجر بثلاث فرق، فانشظت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشدّه ابن الزبير بالفضة إلا تلك الشظية من أعلاه. - بين موضعها فى أعلى المكان - وضعفت جدران الكعبة حتى إنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها، وهى مجردة متوهنة من كل جانب. ففزع لذلك أهل مكة وأهل/ الشام جميعا، فتركها ابن الزبير ليراها الناس ليحرضهم على أهل الشام (٢). ولم يزل الحصين بن نمير محاصرا ابن الزبير حتى وصل الخبر إلى مكة بنعى يزيد بن معاوية ليلة الثلاثاء هلال ربيع الآخر، وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير قبل الحصين بن نمير، فعند ذلك أرسل ابن الزبير رجالا من أهل مكة من قريش وغيرهم، وفيهم عبد الله بن خالد بن أسيد، ورجال من بنى أمية إلى الحصين بن نمير فكلموه

стр. 677

وعظّموا عليه ما أصاب الكعبة، وقال إن ذلك منكم؛ رميتموها بالنفط فأنكروا، وقالوا - وقد توفى أمير المؤمنين -؛ فعلى ماذا تقاتل؟ ارجع إلى الشام حتى تنظر ماذا يجتمع عليه رأى صاحبك - يعنون معاوية بن يزيد - وهل يجتمع الناس عليه. فلم يزالوا به حتى لان لهم، وقال له عبد الله بن خالد بن أسيد: تراك تتهمنى فى يزيد (١)!! ثم بعث إلى ابن الزبير موعد ما بيننا الليلة الأبطح. فالتقيا وتحادثا وراث فرس الحصين فجاء حمام الحرم يلتقط روثه فكف الحصين فرسه عنهن وقال: أخاف أن يقتل فرسى حمام الحرم. فقال ابن الزبير: تتحرجون من هذا وأنتم تقتلون المسلمين فى الحرم؟! فكان فيما قاله الحصين: أنت أحق بهذا الأمر، هلم فلنبايعك، ثم اخرج إلى الشام فإن هذا الجند الذى معى هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فو الله لا يختلف عليك اثنان، وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التى كانت بيننا وبين أهل الحرة. فقال له: أنا لا أهدر الدماء، والله لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة. وأخذ الحصين يكلمه سرا، وهو يجهر ويقول: والله لا أفعل. فقال الحصين: قبح الله من يعدّك بعد هذا داهيا أو أريبا (٢)، قد كنت أظن لك رأيا وأنا أكلمك سرّا وتكلمنى جهرا، وأدعوك إلى الخلافة وتعدنى القتل والهلكة. ثم فارقه ورحل هو وأصحابه يمّ المدينة لخمس ليال خلون من ربيع الآخر،

стр. 678

وندم ابن الزبير على ما صنع فأرسل إليه: أما المسير إلى الشام فلا أفعله، ولكن بايعوا لى هناك؛ فإنى مؤمنكم وعادل فيكم. فقال الحصين: إن لم تقدم بنفسك فلا يتأتى الأمر؛ فإن هناك ناسا من بنى أمية يطلبون الأمر. ولو خرج معهم ابن الزبير لم يختلف عليه أحد/. وصفا الأمر بمكة لابن الزبير وبويع بالخلافة فيها وبالمدينة وبالحجاز واليمن والبصرة والكوفة وخراسان ومصر وأكثر بلاد الشام (١). ولما أدبر جيش الحصين بن نمير من مكة إلى الشام دخل عبد الله ابن عمرو بن العاص المسجد الحرام. والكعبة محرّقة تتناثر حجارتها. فوقف ومعه ناس غير قليل، فبكى حتى إن دموعه تحدر كحلا فى عينيه من أثمد كأنه رءوس الذباب على وجنتيه. وقال: يا أيّها الناس، والله لو أنّ أبا هريرة أخبركم أنكم قاتلوا ابن نبيّكم ومحرّقوا بيت ربكم لقلتم ما من أحد أكذب من أبى هريرة، أنحن نقتل ابن نبيّنا ونحرّق بيت ربنا؟ فقد والله فعلتم، لقد قتلتم ابن نبيكم، وحرقتم بيت الله، فانتظروا النقمة؛ فو الذى نفس عبد الله بن عمرو بيده ليلبسنكم الله شيعا، وليذيقنّ بعضكم بأس بعض - يقولها ثلاثا - ثم رفع صوته فى المسجد فما فى المسجد أحدّ إلا وهو يفهم ما يقول، فإن لم يكن يفهم فإنه يسمع رجع صوته، فقال: أين الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر؟ فو الذى نفس عبد الله بن عمرو بيده لو قد ألبسكم الله شيعا وأذاق بعضكم بأس بعض لبطن الأرض خير لمن عليها لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر (٢).

стр. 679

واجتمع الخوارج الذين بمكة وقالوا لبعضهم بعضا: إن الذى صنعتم بالأمس لغير رأى؛ تقاتلون مع رجل لا تدرون لعله على غير رأيكم، وقد كان بالأمس يقاتلكم هو وأبوه وينادى: يا ثارات عثمان، فأتوه واسألوه عن عثمان، فإن برئ منه كان وليكم، وإن أبى كان عدوكم. فأتوه فسألوه، فنظروا فإذا أصحابه حوله قليل، فقال: إنكم أتيتمونى حين أردت القيام، ولكن روحوا العشية حتى أعلمكم. فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فجمعهم حوله بباب السلام، وجاءت الخوارج - وأصحابه حوله، وعلى رأسه، وبأيديهم العمد - فقال ابن الأزرق لأصحابه: إن الرجل قد أزمع خلافكم. فتقدم إليه نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال فقال عبيدة بعد حمد الله: أما بعد فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ يدعو إلى عبادة الله، وإخلاص الدين له، فدعا إلى ذلك فأجابه/المسلمون، فعمل فيهم بكتاب الله حتى قبضه الله، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر؛ فكلاهما يعمل بكتاب الله والسنة ثم إن الناس استخلفوا عثمان فحمى الأحماء وآثر القربى، واستعمل الفتى، ورفع الدّرّة ووضع السوط، ومزّق الكتاب، وضرب منكرى الجور، وآوى طريد رسول الله ﷺ ، وضرب السابقين بالفضل وحرمهم، وأخذ فئ الله الذى أفاءه عليهم فقسمه فى فساق قريش وفجار (١) العرب؛ فسارت إليه طائفة فقتلوه، فنحن لهم أولياء، ومن ابن عفان وأوليائه برآء، فما تقول

стр. 680

أنت يا ابن الزبير؟ فقال بعد أن حمد الله تعالى: قد فهمت الذى ذكرت به النبى ﷺ ، وهو فوق ما ذكرت وفوق ما وصفت، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وفقت وأصبت، وفهمت الذى ذكرت به عثمان، وإنى لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره منى، كنت معه حيث نقم [القوم] (١) عليه واستعتبوه فلم يدع [شيئا] (٢) إلا أعتبهم، ثم رجعوا إليه بكتاب لهم يزعمون أنه كتبه يأمر فيه بقتلهم، فقال لهم: ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم، وإن لم يكن لكم بينة حلفت لكم. فو الله ما جاءوه ببيّنة ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبته به (٣)، فليس كذلك بل هو لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضرنى أنى ولىّ لابن عفان وعدو لأعدائه. فقالوا: برئ الله منك. قال: بل برئ الله منكم. وتفرّق القوم. وأمر ابن الزبير بالخصاص التى كانت حول الكعبة فهدمت، وبالمسجد فكنس ما كان فيه من الحجارة والدماء، فإذا الكعبة حيطانها قد مالت من حجارة المنجنيق، وهى متوهنة ترتجّ من أعلاها إلى أسفلها، فيها أمثال جيوب النساء من حجارة المنجنيق، وإذا الركن قد أسود واحترق، وتفارق من الحريق ثلاث فرق، ينظر إلى

стр. 681

أبيض كأنه الفضة (١). ودعا ابن الزبير وجوه الناس وأشرافهم؛ فشاورهم فى هدم الكعبة، فأشار عليه ناس كثير بهدمها، منهم جابر ابن عبد الله - وكان جاء معتمرا - وعبيد بن عمير، وعبد الله بن صفوان بن أمية. وأبى أكثر الناس هدمها، وكان/أشدهم إباء عبد الله بن عباس، وقال: دعها على ما أقرها رسول الله ﷺ فإنى أخشى أن يأتى بعدك من يهدمها ثم يأتى بعد ذلك آخر، فلا تزال أبدا تهدم وتبنى؛ فتذهب حرمة هذا البيت من قلوبهم، ويتهاون الناس بحرمتها، ولا أحب ذلك، ولكن أرقعها. فقال ابن الزبير: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه، فكيف أرقع بيت الله وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله، حتى إن الحمام ليقع [عليه] (٢) فتتناثر حجارته. فأقام أياما يشاور وينظر ثم أجمع على هدمها، وكان يحب أن يكون هو الذى يردّها على ما قال رسول الله ﷺ ؛ على قواعد إبراهيم، وعلى ما وصفه رسول الله ﷺ لعائشة ﵂. فأراد أن يبنيها بالورس، ويرسل إلى اليمن فى ورس يشترى، فقيل له:

стр. 682

إن الورس يرفتّ (١) ويذهب، ولا يقيم ولا يستمسك البنيان به كالجص، ولكن ابنها بالقصة. فسأل عن القصة فأخبر أن قصة صنعاء هى أجود القصة، فأرسل إلى صنعاء بأربعمائة دينار يشترى له [بها] (٢) قصة ويكترى عليها وأمر بتنجيح ذلك، ثم سأل رجالا (٣) من أهل العلم بمكة: من أين كانت قريش أخذت حجارة الكعبة حتى بنتها. فأخبروه أنهم بنوها من حراء وثبير، والمقطع وهو الجبل المشرف على مسجد القاسم بن عبيد بن خلف ابن الأسود الخزاعى على يمين من أراد المشاش من مكة مشرفا على الطريق، ومن قافية الخندمة، ومن جبل حلحلة المشرف على ذى طوى، وهو عند الثنية البيضاء فى طريق جدة، وهو جبل بأسفل مكة على يسار ما انحدر من ثنية بنى عضل، ويقال له مقطع الكعبة (٤)، ومن مزدلفة من حجرها يقال له الملجوى. فنقل له من الحجارة قدر ما يحتاج إليه، فلما اجتمع له ما يحتاج إليه من آلات العمارة؛ وأراد هدم الكعبة عمد إلى ما كان فى الكعبة من حلية وثياب وطيب فوضعه فى خزانة/الكعبة؛ فى دار شيبة بن عثمان حتى أعاد بناءها.

стр. 683

ولما أراد ابن الزبير هدم الكعبة خرج أهل مكة منها بعضهم إلى الطائف وبعضهم إلى منى؛ فرقا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها، ولم يرجعوا إلى مكة حتى أخذ فى بنائها - وبعض منهم ابن عباس حتى أكمل بناءها - فأمر ابن الزبير بهدمها فتلكأ العمال عن نقضها وما اجترأ أحد على ذلك [فلما رأى ذلك] (١) علاها بنفسه فى يوم السبت نصف جمادى الآخرة، فأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمى بحجارتها، فلما رأى الناس أنه لم يصبه شئ اجترءوا فصعدوا يهدمون، وأرقى ابن الزبير فوق الكعبة عبيدا من الحبش يهدمونها؛ رجاء أن يكون فيهم الحبشى الذى قال رسول الله ﷺ : يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة. فهدم الناس فما ترجّلت الشمس حتى ألصقها بالأرض من جوانبها جميعا. وجعل ابن الزبير الحجر الأسود فى ديباجة وأدخله فى تابوت وقفل عليه، ووضعه عنده فى دار الندوة. وكان فى بعض جدر الكعبة قرنا الكبش الذى فدى به إسماعيل بن إبراهيم ﵉، فلما هدمها ابن الزبير وكشفها وجدهما مطليين بمشق (٢)، فتناولهما فلما مسهما همدا من الأيدى - وقيل إن قرنى الكبش احترقا لما احترقت الكعبة. وأرسل عبد الله بن عباس إلى ابن الزبير: ألاّ تدع الناس بغير قبلة؛ انصب لهم حول الكعبة الخشب، واجعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها. ففعل ذلك ابن الزبير وقال: أشهد

стр. 684

لسمعت عائشة ﵂ تقول، قال رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا فى بناء البيت فتركوا فى الحجر منها أذرعا، ولولا (١) حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة وأعدت ما تركوا منها، ولجعلت لها بابين موضوعين بالأرض؛ بابا شرقيا يدخل الناس منه، وبابا غربيا/يخرج الناس منه، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ قالت: قلت لا. قال: تعززا لئلا يدخلها إلا من أرادوا، وكان الرجل إذا كرهوا أن يدخلها يدعونه يرتقى حتى إذا كاد (٢) يدخل دفعوه فسقط؛ فإن بدا لقومك هدمها فهلمى لأريك ما تركوا فى الحجر. فأراها قريبا من سبعة أذرع. فلما هدم ابن الزبير الكعبة وسواها بالأرض كشف عن أساس إبراهيم فوجده داخلا فى الحجر نحوا من ستة أذرع وشبر، كأنها أعناق الإبل أخذ بعضها بعضا كتشبيك الأصابع بعضها ببعض؛ يحرّك الحجر من القواعد فتحرّك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم، وأشهدهم على ذلك الأساس، فأدخل رجل من القوم يقال له عبد الله بن مطيع العدوى - وكان أيدا - عتلة فى ركن من أركان البيت فتزعزت الأركان كلها جميعا، ويقال: إن مكة [كلها] (٣) رجفت رجفة شديدة حين زعزع الأساس. وخاف الناس خوفا شديدا حتى ندم كل من أشار على ابن الزبير بهدمها، وأعظم ذلك إعظاما شديدا،

стр. 685

وأسقط فى أيديهم، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا. ثم وضع البناء على ذلك الأساس، ووضع حدات باب الكعبة على مدماك على الشاذروان اللاصق (١) بالأرض، وجعل الباب الآخر بإزائه فى ظهر الكعبة مقابله، وجعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذى فى الشاذروان الذى فى ظهر الكعبة قريبا من الركن اليمانى. ويقال إن ابن الزبير ﵁ أمر العمال أن يبلغوا فى الأرض، فبلغوا صخرا (٢) أمثال الإبل الخلف، فقالوا: إنا بلغنا صخرا معمولا أمثال الإبل الخلف. فقال: زيدوا فاحفروا. فلما زادوا بلغوا هواء من نار تلقاهم (٣)، فقال: ما لكم؟ قالوا: لسنا نستطيع أن نزيد؛ رأينا أمرا عظيما فلا نستطيع. فقال: ابنوا عليه. وقيل إن ذلك الصخر من بناء آدم. وكان البناة يبنون من وراء الستر، والناس يطوفون من خارج، فلما ارتفع البنيان إلى موضع الركن أمر ابن الزبير بموضعه فنقر فى حجرين؛ حجر من المدماك الذى تحته، وحجر من المدماك الذى فوقه، بقدر الركن وطوبق بينهما، فكان الركن أخذ عرض الضفير ضفير البيت، فلما فرغوا منه أمر ابن الزبير ابنه عبّاد بن عبد الله بن الزبير، وجبير بن شيبة بن عثمان أن يجعلوا الركن فى ثوب، وقال لهم ابن الزبير: إذا دخلت فى صلاة/الظهر فاحملوه واجعلوه فى

стр. 686

موضعه؛ فأنا أطوّل الصلاة، فإذا فرغتم فكبروا حتى أخفف صلاتى، وكان ذلك فى حرّ شديد، فلما أقيمت الصلاة وكبّر ابن الزبير وصلّى بهم ركعة خرج عباد بالركن من دار الندوة وهو يحمله ومعه جبير بن شيبة - ودار الندوة يومئذ قريب من الكعبة - فخرقا به الصفوف حتى أدخلاه فى الستر الذى دون البناء، وكان الذى وضعه فى موضعه هذا عبّاد بن عبد الله بن الزبير وأعانه عليه جبير بن شيبة، فلما أقروه فى موضعه وطوبق (١) عليه الحجران كبروا، فخفف ابن الزبير الصلاة. وقيل إن ابن الزبير لما انتهى [إلى] (٢) موضع الحجر الأسود تحرّى غفلة الناس نصف النهار، فى يوم صائف، ساعة خالية، وجاء به هو وولده حتى رفعوه ووضعوه بأيديهم، ويقال إن جبير ابن شيبة الحجبى كان معهما. وقيل إن الحجبة تواعدوا لوضع الركن فلما دخل ابن الزبير فى صلاة الظهر خرج الحجبة بالرّكن من الصفوف فرفعوه، فجاء حمزة بن عبد الله بن الزبير فأخذ بطرف الثوب فرفع مع الحجبة (٣)، ويقال إن ابن الزبير وضعه هو بنفسه وحده (٤). وقيل وضعه حمزة بن عبد الله بن الزبير وحده.

стр. 687

وتسامع الناس وغضب فيه رجال من قريش حين لم يحضرهم ابن الزبير وقالوا: والله لقد رفع فى الجاهلية حين بنته قريش، فحكموا فيه أوّل من يدخل عليهم من باب المسجد، فطلع رسول الله ﷺ ، فجعله فى ردائه. ودعا رسول الله ﷺ من كل قبيلة من قريش رجلا، فأخذوا بأركان الثوب، ثم وضعه رسول الله ﷺ فى موضعه (١). وكان الركن قد تصدع من الحريق بثلاث فرق فانشظت منه شظية كانت عند بعض آل شيبة بعد ذلك بدهر طويل، فشده ابن الزبير بالفضة إلا تلك الشظية من أعلاه؛ موضعها بيّن فى أعلى الركن. وطول الركن ذراعان قد أخذ عرض جدار الكعبة، ومؤخر الركن داخله فى الجدر مضرّس على ثلاثة رءوس. فقال بعضهم: صفة لون مؤخره الذى فى الجدر مورّد، وقال بعضهم: هو أبيض (٢). فلما أن بلغ ابن الزبير بالبناء ثمانية عشر ذراعا فى السماء - وكان هذا طولها يوم هدمها - /قصرت لحال الزيادة التى زاد من الحجر فيها، واستسمج ذلك؛ إذ صارت عريضة لا طول لها، فقال: قد كانت قبل قريش تسعة أذرع حتى زادت قريش فيها تسعة أذرع طولا فى السماء؛ فأنا أزيد فيها تسعة أذرع أخرى، فبناها سبعة

стр. 688

وعشرين ذراعا فى السماء، وهى سبعة وعشرون مدماكا، وعرض جدارها ذراعان، وجعل فيها ثلاث دعائم فى صفّ واحد، وكانت قريش فى الجاهلية جعلت فيها ستّ دعائم فى صفّين. وأرسل ابن الزبير إلى صنعاء فأتى من رخام بها، يقال له البلق، فجعله فى الروازن التى فى سقفها للضوء. وبناها بالرصاص المذوب المخلوط بالورس، وكان باب الكعبة قبل بناء ابن الزبير مصراعا واحدا، فجعل لها ابن الزبير مصراعين طولهما أحد عشر ذراعا من الأرض إلى منتهى أعلاهما اليوم (١)، وجعل الباب الآخر الذى فى ظهرها بإزائه على الشاذروان الذى على الأساس مثله، وجعل لها درجة فى بطنها فى الركن الشامى من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها، وجعل فى سطحها ميزابا يسكب فى الحجر. فلما فرغ ابن الزبير من بناء الكعبة خلّق جوفها بالعنبر والمسك، ولطخ جدرها بالمسك من خارج من أعلاها إلى أسفلها، وسترها بالديباج وقيل بالقباطى، وبقيت من الحجارة بقية فرش بها حول البيت - كما يدور البيت - نحوا من عشرة أذرع. وكان فراغ ابن الزبير من عمارة البيت فى سابع عشرى رجب (٢). وقال: من كانت لى عليه طاعة فليعتمر من التنعيم؛ شكر الله ، ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل، ومن لم يقدر على بدنة فليذبح شاة، فمن لم يقدر فليتصدق بقدر طوله (٣).

стр. 689

وخرج ماشيا حافيا وخرج معه رجال من قريش مشاة منهم. عبد الله بن صفوان، وعبيد بن عمير. فأحرم ابن الزبير من أكمة أمام مسجد عائشة بمقدار غلوة، وهو على مقربة من المسجد المنسوب لعلى، وجعل طريقه على ثنية الحجون المفضية إلى المعلاة، ولبى حتى نظر البيت، فلما طاف بالكعبة استلم الأركان الأربعة جميعا، وقال: إنما كان ترك استلام هذين الركنين الشامى والعراقى لأن البيت لم يكن تاما. وبقيت هذه العمرة سنّة عند أهل مكة؛ فى هذا اليوم يعتمرون فى كل سنة من هذه الأكمة. وتقصد من ينبع فما دونها ولا بأس بذلك إذا سلم من البدع التى قد أحدثوها (١) /فى هذا الزمان؛ من الاجتماع هناك على وجه التنزه. وخروج النساء متزيّناب باللباس والحلى واختلاف الأثواب. وكان يوم اعتمر ابن الزبير يوما مذكورا مشهورا، وأهدى فيه ابن الزبير مائة بدنة، نحر ذلك فى جهة التنعيم، وطرف الحل الذى يحرم منه للعمرة. ولم يبق من أشراف مكة وذوى الاستطاعة فيها إلا من أهدى، ولم ير يوم كان أكثر عتقا ولا أكثر بدنة منحورة، ولا شاة مذبوحة، ولا صدقة من ذلك اليوم. وأقام أهل مكة يطعمون ويطعمون وينعمون وينعمون شكرا لله على ما أنعم من المعونة والتيسير فى بناء بيته الحرام على الصفة التى كان عليها مدة الخليل إبراهيم ﵇ (٢).

стр. 690

ويقال إن ابن الزبير بنى الكعبة الشريفة بالرصاص المذوّب المخلوط بالورس، وجعل على الكعبة وأساطينها صفائح الذهب، ومفاتيحها ذهبا. وقيل إن ابن الزبير لم يهدم الكعبة إلا بعد أن حضر الناس الموسم فى هذه السنة - يشنّع بذلك على أهل الشام - وفرغ من عمارتها فى سابع عشرى رجب من السنة التى بعد هذه، فالله أعلم (١). وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ﵁، ووقف بعرفة أربعة ألوية؛ لواء لابن الزبير على الجماعة، ولواء لابن عامر على الخوارج، ولواء لمحمد بن الحنفية على الشيعة، ولواء لأهل الشام من مصر لبنى أمية (٢). *** «سنة خمس وستين» فيها دعا عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفيّة، ومن معه من أهل بيته وسبعة عشر رجلا من وجوه الكوفة؛ منهم أبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابى ليبايعوه، فامتنعوا، وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الأمة. فأكثر ابن الزبير الوقيعة فى ابن الحنفية وذمّه. فأغلظ

стр. 691

له عبد الله بن هانئ الكندىّ وقال له: لئن لم يضرك إلا تركنا بيعتك لا يضرك شئ، وإنّ صاحبنا يقول لو بايعتنى الأمة كلها غير سعد مولى معاوية ما قتلته - وإنما عرّض بذكر سعد لأن ابن الزبير أرسل إليه فقتله - /فسبّه عبد الله بن الزبير، وسبّ أصحابه، وأخرجهم من عنده، فأخبروا ابن الحنفية بما كان منهم، فأمرهم بالصبر، ولم يلح عليهم ابن الزبير. فلما استولى المختار على الكوفة، وصارت الشيعة تدعو لابن الحنفية خاف ابن الزبير أن يتداعى الناس إلى الرضا به، فحينئذ أخ على ابن الحنفية، وعلى أصحابه فى البيعة له؛ فحبسهم بزمزم، وتوعّدهم بالقتل والإحراق، وأعطى الله عهدا إن لم يبايعوا أن ينفذ فيهم ما توعّد به، وضرب لهم فى ذلك أجلا، فأشار بعض من كان مع ابن الحنفية عليه أن يبعث إلى المختار وإلى من بالكوفة رسولا يعلمهم حالهم وحال من معهم، وما توعدهم به ابن الزبير. فوجّه ثلاثة نفر من أهل الكوفة - حين نام الحرس على باب زمزم - وكتب معهم إلى المختار، وأهل الكوفة يعلمهم حال من معه، وما توعدهم به ابن الزبير من القتل والتحريق بالنار (١) ويطلب منهم النجدة، ويسألهم ألا يخذلوه كما خذلوا الحسين وأهل بيته. فقدموا على المختار فدفعوا إليه الكتاب، فنادى فى الناس فقرأ عليهم الكتاب وقال: هذا كتاب مهديّكم وصريح أهل بيت نبيكم، وقد تركوا محظورا عليهم كما يحظر

стр. 692

على الغنم ينتظرون القتل والتحريق بالنار فى آناء الليل وتارات النهار، ولست أبا إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرّب الخيل إليهم فى إثر الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية الويل - يعنى بابن الكاهلية ابن الزبير؛ وذلك لأن أم خويلد أبى العوام زهرة بنت عمرو من بنى كاهل بن أسد - فبكى الناس وقالوا: سرّحنا إليه وعجّل. فوجه أبا عبد الله الجدلىّ فى سبعين راكبا من أهل القوة والنجدة، ووجه ظبيان بن عمارة أخا بنى تميم ومعه أربعمائة، وبعث معه لابن الحنفية أربعمائة ألف درهم، وسيّر أبا المعتمر فى مائة، وهانئ بن قيس فى مائة، وعمير بن طارق فى أربعين، ويونس بن عمران فى أربعين، وكتب إلى محمد بن على مع الطّفيل بن عامر، ومحمد بن قيس بتوجيه الجند إليه. وخرج الناس بعضهم (١) فى أثر بعض/وجاء أبو عبد الله الجدلى حتى نزل ذات عرق فى سبعين راكبا، فأقام بها حتى أتاه عمير ويونس فى ثمانين راكبا، فبلغوا مائة وخمسين رجلا، فسار بهم حتى دخلوا المسجد الحرام ومعهم الكافر كوبات (٢) وهم ينادون: يا لثارات الحسين. حتى انتهوا إلى زمزم. وقد أعد ابن الزبير الحطب ليحرقهم، وكان قد بقى من الأجل يومان، فطردوا الحرس، وكسروا أعواد زمزم ودخلوا على ابن الحنفية فقالوا: خلّ

стр. 693

بيننا وبين عبد الله بن الزبير. فقال لهم: إنى لا أستحل القتال فى حرم الله. فقال ابن الزبير: وا عجبا لهذه الخشبية؛ ينعون حسينا كأنى أنا قتلته، والله لو قدرت على قتلته لقتلتهم - وإنما قيل لهم خشبية لأنهم وصلوا إلى مكة وبأيديهم الخشب كراهية إشهار السيوف فى الحرم، وقيل لأنهم أخذوا الحطب الذى أعدّه ابن الزبير - وقال ابن الزبير: أتحسبون أنى أخلى سبيلهم دون أن يبايع ويبايعوا؟ فقال أبو عبد الله الجدلى (١): إى وربّ الكعبة (٢) والمقام، وربّ الحل والحرام لتخلينّ سبيله أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب منه المبطلون. فقال ابن الزبير له: والله [ما هؤلاء] (٣) إلا أكلة رأس [والله] (٣) لو أذنت لأصحابى ما مضت ساعة حتى تقطف رءوسهم. فقال لهم قيس بن مالك: أما والله أنى لأرجو إن رمت ذلك أن يوصل (٤) إليك قبل أن ترى ما تحب. فكفّ ابن الحنفية أصحابه وحذّرهم الفتنة، ثم قدم أبو المعتمر فى مائة وهانئ بن قيس فى مائة. وظبيان بن عمارة فى مائتين ومعه المال حتى دخلوا المسجد الحرام، فكبروا وقالوا: بالثارات الحسين. فلما رآهم ابن الزبير خافهم. فخرج محمد بن الحنفية ومن معه

стр. 694

إلى (١) شعب على وهم يسبّون ابن الزبير، ويستأذنون محمد بن الحنفية فيه فيأبى عليهم. واجتمع مع محمد فى الشعب أربعة آلاف رجل فقسم بينهم ذلك المال. ويقال إن ابن الزبير أرسل إلى ابن عباس وابن الحنفية أن يبايعا، فقالا: حتى يجتمع الناس على إمام ثم نبايع؛ فإنك فى فتنة. فعظم الأمر بينهما، وغضب من ذلك، /وحبس ابن الحنفية فى زمزم، وضيق على ابن العباس فى منزله، وأراد إحراقهما؛ فأرسل المختار جيشا كما تقدم (٢). وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ﵄ (٣). *** «سنة ست وستين» (٤) فيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ﵄ (٥). وفيها أو فى التى بعدها بعد أن قتل المختار بالكوفة استوثقت

стр. 695

البلاد لابن الزبير، وتضعضع حال ابن الحنفية وأصحابه واحتاجوا، فأرسل ابن الزبير أخاه عروة إلى ابن الحنفية: ادخل فى بيعتى وإلا نابذتك. فقال ابن الحنفية: بؤسا لأخيك ما ألجه (١) فيما أسخط الله تعالى، وأغفله عن ذات الله ، وقال لأصحابه: إن ابن الزبير يريد أن يثور بنا وقد آذنت لمن يريد الانصراف عنا فإنه لا ذمام عليه [منا] (٢) ولا لوم، فإنى مقيم حتى يفتح الله بينى وبين ابن الزبير وهو خير الفاتحين. فقام إليه أبو عبد الله الجدلى وغيره فأعلموه أنهم غير مفارقيه. وبلغ خبره عبد الملك بن مروان فكتب إليه يعلمه أنه إن قدم عليه أحسن إليه، وأنه ينزل أىّ الشام أراد، حتى يستقيم أمر الناس. فخرج ابن الحنفية وأصحابه إلى الشام، وخرج معه كثيّر عزّة وهو يقول: هديت يا مهدينا ابن المهتدى … أنت الذى نرضى به ونرتجى أنت ابن خير الناس من بعد النبى … أنت إمام الحق لسنا نمترى يا ابن علىّ سر ومن مثل على فلما وصل إلى مدين بلغه غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد، فندم على إتيانه وخافه، فنزل أيلة. وتحدث الناس بفضل محمد وكثرة عبادته وزهده وحسن هديه، فلما بلغ ذلك عبد الملك ندم على إذنه

стр. 696

له فى قدوم بلده؛ فكتب إليه: إنه لا يكون فى سلطانى من لم يبايعنى. فارتحل ابن الحنفية إلى مكة ونزل شعب آل أبى طالب، فأرسل إليه ابن الزبير يأمره بالرحيل عنه، وكتب إلى أخيه مصعب ابن الزبير يأمره أن يسيّر نساء من مع ابن الحنفية، فسيّر نساء منهم امرأة الطفيل بن عامر بن واثلة، فجاءت حتى قدمت عليه فقال/ الطفيل: - وإن يك سيّرها مصعب … فإنى إلى مصعب متعب (١) أقود الكتيبة مستلئما … كأنى أخو غرة أحدب (٢) وهى عدة أبيات. وألح ابن الزبير على ابن الحنفية بالانتقال عن مكة، فاستأذنه أصحابه فى قتال ابن الزبير، فلم يأذن لهم، وقال: اللهم ألبس ابن الزبير لباس الذّلّ والخوف، وسلّط عليه وعلى أشياعه من يسومهم الذى يسوم الناس. ثم سار إلى الطائف فدخل ابن عباس على ابن الزبير فأغلظ له وجرى بينهما كلام (٣). وخرج ابن عباس أيضا فلحق بالطائف، وأرسل ابنه عليّا إلى عبد الملك وقال: لئن يربنى بنو عمى أحبّ إلىّ

стр. 697

[من] أن يربنى رجل من بنى أسد - يعنى ببنى عمه بنى أميّة لأنهم جميعهم من ولد عبد مناف، ويعنى برجل من بنى أسد ابن الزبير، فإنه من بنى أسد بن عبد العزى بن قصى. *** «سنة ثمان وستين» (١) فيها وافى عرفات أربعة ألوية؛ لواء لابن الحنفية وأصحابه، ولواء لبنى أميّة، ولواء لنجدة الحرورىّ، ولواء لابن الزبير، ولم يجر بينهم حرب ولا فتنة، وكان ابن الحنفية أسلم الجماعة، وكان نجدة صالح ابن الزبير على أن يصلّى كل واحد بأصحابه ويقف بهم، ويكف بعضهم عن بعض. فلما صدر نجدة عن الحج سار إلى المدينة، فتأهّب أهلها لقتاله، وتقلّد عبد الله بن عمر سيفا. فلما كان نجدة بنخلة أخبر بلبس ابن عمر ﵄ السلاح فرجع إلى الطائف، وأصاب بنتا لعبد [الله] (٢) بن عمرو بن عثمان كانت عند خال لها (٣)، فضمها إليه، فقال بعض أصحابه: إن نجدة يتعصب لهذه

стр. 698

الجارية فامتحنوه. فسأله بعضهم بيعها منه، فقال: قد أعتقت نصيبى منها فهى حرة. فقال له: زوجنى إياها. قال: هى بالغ وهى أملك بنفسها؛ فأنا أستأمرها. وقام من مجلسه ثم عاد وقال: أنا استأمرتها فكرهت المزواج (١). فقيل إن عبد الملك أو عبد الله ابن الزبير كتب إليه لئن أحدثت فيها حدثا لأطأن بلادك حتى لا يبقى فيها بكر. وكتب نجدة إلى ابن عمر/يسأله عن أشياء، فقال: سلوا ابن عباس. فسألوه، ومساءلة ابن عباس مشهورة (٢). ولما قرب نجدة من الطائف أتاه عاصم بن عروة بن مسعود الثقفى فبايعه عن قومه فلم يدخل نجدة الطائف، واستعمل الحاروق - وهو حرّاق - على الطائف وتبالة والسراة، واستعمل سعد الطلائع على ما يلى نجران، ورجع نجدة إلى البحرين فقطع الميرة عن أهل الحرمين منها ومن اليمامة، فكتب إليه ابن عباس: إن ثمامة بن أثال لما أسلم قطع الميرة عن أهل مكة وهم مشركون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : إن أهل مكة أهل الله فلا تمنعهم الميرة. فخلاّها لهم، وإنك قطعت الميرة عنا ونحن مسلمون. فخلاها نجدة لهم. ولم يزل [عمال] (٣) نجدة على النواحى حتى اختلفت عليه

стр. 699

أصحابه، فطمع فيهم الناس. فأما الحاروق فطلبوه بالطائف فهرب، فلما أتى عقبة فى طريقه طلبوه فرموه بالحجارة حتى قتلوه. وفيها مات أبو واقد الليثى بفخ (١). وفيها - أو فى التى بعدها - مات عبد الله بن عباس بالطائف، وصلّى عليه ابن الحنفية وكبّر عليه أربعا (٢). *** «سنة تسع وستين» (٣) *** فيها - أو فى التى بعدها - حكم رجل من الخوارج بمنى وسلّ سيفه وكانوا جماعة، فأمسك الله أيديهم؛ فقتل ذلك الرجل عند الجمرة (٤). وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير على ما قال ابن الأثير (٥)، وقيل: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق (٦).

стр. 700

«سنة سبعين» (١) فيها شخص مصعب إلى مكة - فى قول بعضهم (٢) - ومعه أموال كثيرة ودواب كثيرة، فقسم فى قومه وغيرهم ونحر بدنا كثيرة. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ﵁ (٣). *** «سنة إحدى وسبعين» (٤) فيها حج بالناس عبد الله بن الزبير ﵁ (٥). *** «سنة اثنتين وسبعين» (٦) فيها قوى سلطان عبد الملك بن مروان لقتال ابن الزبير، فأنشد لسان حاله: خلا لك الجو فبيضى وأصفرى

стр. 701

فبعث الحجاج بن يوسف الثقفى فى جيش من أهل الشام: ثلاثة آلاف - ويقال ألفين - لقتال عبد الله بن الزبير بمكة وكان السبب فى تسيير الحجاج دون غيره - فيما ذكروا - أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشام بعد قتال مصعب بن الزبير واستيلائه/على العراق قام إليه الحجاج بن يوسف، فقال: يا أمير المؤمنين إنى رأيت فى منامى أنى أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثنى إليه وولنى قتاله. فبعثه وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا. فسار الحجاج فى جمادى الأولى ونزل الطائف، وكان يبعث البعث إلى عرفة فى الحل، ويبعث ابن الزبير بعثا فيقتتلون هنالك؛ وفى كل ذلك تنهزم خيل ابن الزبير، وترجع خيل الحجاج بالظفر. ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه فى حصار ابن الزبير ودخول الحرم عليه، ويخبره أن شوكته قد كلّت، وتفرّق عنه عامة أصحابه، ويسأله أن يمدّه برجال؛ فكتب عبد الملك إلى طارق مولى عمرو بن عثمان بن عفان - وكان قد أمره بالنزول بين أيلة ووادى القرى، يمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، ويسدّ خللا إن ظهر له - وأن يلحق بمن معه من الخيل بالحجاز، فسار فى خمسة آلاف من أصحابه حتى لحق بالحجاج - وقد رحل من الطائف، وقد أحرم بحجة، حتى نزل بئر ميمون - فى هلال ذى القعدة، وحصر ابن الزبير، ونصب المنجنيق على أبى قبيس ورمى به الكعبة. وكان عبد الملك ينكر هذا أيّام يزيد بن معاوية ثم أمر به، وكان الناس يقولون: خذل فى دينه.

стр. 702

وكان عبد الله بن عمر حج فى هذه السنة، فأرسل إلى الحجاج: أن اتّق الله وآكفف هذه الحجارة عن الناس؛ فإنك فى شهر حرام وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا الفريضة ويزدادوا خيرا، وإن المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فآكفف الرمى عنهم حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة. فبطل الرمى حتى عاد الناس من عرفات وطافوا وسعوا. وحج بالناس الحجاج إلا أنه لم يطف بالكعبة ولا سعى بالصفا والمروة؛ منعه ابن الزبير من ذلك فكان يلبس السلاح، ولا يقرب النساء، ولا يتطيّب إلى أن قتل ابن الزبير. ولم يمنع ابن الزبير الحاجّ من الطواف والسعى، ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه؛ لأنهم لم يقفوا بعرفة ولم يرموا الجمار، ونحر ابن الزبير بدنه بمكة (١). فلما فرغ الحاج من طواف الزيارة نادى منادى الحجاج: انصرفوا إلى بلادكم؛ فإنّا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد. وأول ما رمى المنجنيق بالحجارة والنيران على الكعبة - فاشتعلت أستار الكعبة بالنار - رعدت السماء وأبرقت، وجاءت/سحابة من نحو جدة يسمع منها الرعد ويرى البرق، وعلا صوت الرعد على الحجارة، فمطرت فما جاوز مطرها الكعبة والمطاف؛ فأطفأت النار؛ فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذا

стр. 703

الحجاج حجر المنجنيق بيده ورمى بها معهم، وأرسل الله عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه فأحرقت تحته اثنى عشر رجلا؛ فانكسر أهل الشام. فقال الحجاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإنى ابن تهامة وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر فأبشروا. فلما كان الغد جاءت صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق واحترق معه أربعون رجلا من أصحاب ابن الزبير. فقال: ألا ترون أنهم يصابون، وأنتم على الطاعة وهم على خلافها. وكان الحجر يقع بين يدى عبد الله وهو يصلى فلا ينصرف، وكان أهل الشام يقولون: يا ابن الزبير طالما أعصيكا … وطالما عنيتنا إليكا لتجرين بالذى أتيكا (١) يعنون عصيت وأتيت. وقدم عليه قوم من الأعراب فقالوا: قدمنا لنقاتل معك. فنظر فإذا مع كل رجل منهم سيف كأنه شفرة، وقد خرج من غمده، فقال لهم: يا معشر الأعراب، لا قربكم الله، فو الله إن سلاحكم

стр. 704

لرثّ، وإن حديثكم لغث، وإنكم لعيال فى الخصب (١). فتفرقوا، ولم يزل القتال بينهم دائما. «سنة ثلاث وسبعين» (٢) فيها غلت الأسعار عند ابن الزبير، وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسه وقسم لحمه بين أصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، والمدّ الذرة بعشرين درهما، وإن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عند ابن الزبير فكان يحفظ ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرّمق، ويقول: أنفس أصحابى قويّة ما لم يفن هذا. فلما كان قبل مقتله تفرّق الناس عنه، وخرجوا إلى الحجاج بالأمان، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف، وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب أخذا لأنفسهما أمانا، فقال عبد الله لابنه الزبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك؛ فو الله إنى لأحب بقاءكم. فقال: ما كنت لأرغب بنفسى عنك. فصبر معه فقتل. ولما تفرق أصحابه عنه/خطب الحجاج الناس وقال: قد ترون قلّة من مع ابن الزبير (٣) وما هم فيه من الجهد والضيق. ففرحوا واستبشروا وتقدموا؛ فملئوا ما بين الحجون إلى الأبواب.

стр. 705

فدخل [ابن الزبير] (١) على أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق ﵄ فقال: يا أمّاه قد خذلنى الناس حتى ولدى وأهلى، ولم يبق معى إلى يسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، وإن خصومى قالوا لى: إن شئت سلّم نفسك لعبد الملك بن مروان يرى فيك رأيه ولك الأمان. فما رأيك؟ فقالت: يا ولدى أنت أعلم بنفسك، إن كنت قاتلت لغير الله فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قاتلت لله - ويعلم أنك على حق وإليه تدعو - فامض له؛ فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك غلمان بنى أمية يتلاعبون بها. وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت؛ أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت كنت على حق فلما قتل أصحابى وهنت وضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك فى الدنيا؟! القتل أحسن، وإن قلت لم يبق معى معين على القتال، فلعمرى إنك معذور ولكن شأن الكرام أن يموتوا على ما عاشوا عليه. فقال: يا أمّاه أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثلوا بى ويصلبونى. فقالت: أى بنى إن الشاة لا تبالى بالسلخ فامض على بصيرتك، واستعن بالله، فقبّل رأسها، وقال: هذا رأيى والذى خرجت به داعيا إلى قومى، ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما ذعانى إلى الخروج إلا الغضب لله تعالى، وأن تستحل حرماته، ولكنى أحببت أن أعلم رأيك؛ فقد زدتنى بصيرة، فانظرى يا أمّاه فإنى مقتول فى يومى هذا فلا يشتد حزنك وسلّمى لأمر الله
следующие страницы →