فبعث الحجاج بن يوسف الثقفى فى جيش من أهل الشام:
ثلاثة آلاف - ويقال ألفين - لقتال عبد الله بن الزبير بمكة وكان السبب فى تسيير الحجاج دون غيره - فيما ذكروا - أن عبد الملك لما أراد الرجوع إلى الشام بعد قتال مصعب بن الزبير واستيلائه/على العراق قام إليه الحجاج بن يوسف، فقال: يا أمير المؤمنين إنى رأيت فى منامى أنى أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فابعثنى إليه وولنى قتاله. فبعثه وكتب معه أمانا لابن الزبير ومن معه إن أطاعوا.
فسار الحجاج فى جمادى الأولى ونزل الطائف، وكان يبعث البعث إلى عرفة فى الحل، ويبعث ابن الزبير بعثا فيقتتلون هنالك؛ وفى كل ذلك تنهزم خيل ابن الزبير، وترجع خيل الحجاج بالظفر.
ثم كتب الحجاج إلى عبد الملك يستأذنه فى حصار ابن الزبير ودخول الحرم عليه، ويخبره أن شوكته قد كلّت، وتفرّق عنه عامة أصحابه، ويسأله أن يمدّه برجال؛ فكتب عبد الملك إلى طارق مولى عمرو بن عثمان بن عفان - وكان قد أمره بالنزول بين أيلة ووادى القرى، يمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، ويسدّ خللا إن ظهر له - وأن يلحق بمن معه من الخيل بالحجاز، فسار فى خمسة آلاف من أصحابه حتى لحق بالحجاج - وقد رحل من الطائف، وقد أحرم بحجة، حتى نزل بئر ميمون - فى هلال ذى القعدة، وحصر ابن الزبير، ونصب المنجنيق على أبى قبيس ورمى به الكعبة. وكان عبد الملك ينكر هذا أيّام يزيد بن معاوية ثم أمر به، وكان الناس يقولون:
خذل فى دينه.
стр. 702
وكان عبد الله بن عمر حج فى هذه السنة، فأرسل إلى الحجاج: أن اتّق الله وآكفف هذه الحجارة عن الناس؛ فإنك فى شهر حرام وبلد حرام، وقد قدمت وفود الله من أقطار الأرض ليؤدوا الفريضة ويزدادوا خيرا، وإن المنجنيق قد منعهم عن الطواف، فآكفف الرمى عنهم حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة.
فبطل الرمى حتى عاد الناس من عرفات وطافوا وسعوا.
وحج بالناس الحجاج إلا أنه لم يطف بالكعبة ولا سعى بالصفا والمروة؛ منعه ابن الزبير من ذلك فكان يلبس السلاح، ولا يقرب النساء، ولا يتطيّب إلى أن قتل ابن الزبير. ولم يمنع ابن الزبير الحاجّ من الطواف والسعى، ولم يحج ابن الزبير ولا أصحابه؛ لأنهم لم يقفوا بعرفة ولم يرموا الجمار، ونحر ابن الزبير بدنه بمكة (١).
فلما فرغ الحاج من طواف الزيارة نادى منادى الحجاج:
انصرفوا إلى بلادكم؛ فإنّا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد.
وأول ما رمى المنجنيق بالحجارة والنيران على الكعبة - فاشتعلت أستار الكعبة بالنار - رعدت السماء وأبرقت، وجاءت/سحابة من نحو جدة يسمع منها الرعد ويرى البرق، وعلا صوت الرعد على الحجارة، فمطرت فما جاوز مطرها الكعبة والمطاف؛ فأطفأت النار؛ فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا أيديهم، فأخذا
стр. 703
الحجاج حجر المنجنيق بيده ورمى بها معهم، وأرسل الله عليهم صاعقة فأحرقت منجنيقهم فتداركوه فأحرقت تحته اثنى عشر رجلا؛ فانكسر أهل الشام. فقال الحجاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإنى ابن تهامة وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر فأبشروا. فلما كان الغد جاءت صاعقة أخرى فأحرقت المنجنيق واحترق معه أربعون رجلا من أصحاب ابن الزبير. فقال: ألا ترون أنهم يصابون، وأنتم على الطاعة وهم على خلافها.
وكان الحجر يقع بين يدى عبد الله وهو يصلى فلا ينصرف، وكان أهل الشام يقولون:
يا ابن الزبير طالما أعصيكا … وطالما عنيتنا إليكا
لتجرين بالذى أتيكا (١)
يعنون عصيت وأتيت.
وقدم عليه قوم من الأعراب فقالوا: قدمنا لنقاتل معك. فنظر فإذا مع كل رجل منهم سيف كأنه شفرة، وقد خرج من غمده، فقال لهم: يا معشر الأعراب، لا قربكم الله، فو الله إن سلاحكم
стр. 704
لرثّ، وإن حديثكم لغث، وإنكم لعيال فى الخصب (١).
فتفرقوا، ولم يزل القتال بينهم دائما.
«سنة ثلاث وسبعين» (٢)
فيها غلت الأسعار عند ابن الزبير، وأصاب الناس مجاعة شديدة حتى ذبح ابن الزبير فرسه وقسم لحمه بين أصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، والمدّ الذرة بعشرين درهما، وإن بيوت ابن الزبير لمملوءة قمحا وشعيرا وذرة وتمرا، وكان أهل الشام ينتظرون فناء ما عند ابن الزبير فكان يحفظ ذلك ولا ينفق منه إلا ما يمسك الرّمق، ويقول: أنفس أصحابى قويّة ما لم يفن هذا.
فلما كان قبل مقتله تفرّق الناس عنه، وخرجوا إلى الحجاج بالأمان، فخرج من عنده نحو عشرة آلاف، وكان ممن فارقه ابناه حمزة وخبيب أخذا لأنفسهما أمانا، فقال عبد الله لابنه الزبير: خذ لنفسك أمانا كما فعل أخواك؛ فو الله إنى لأحب بقاءكم. فقال: ما كنت لأرغب بنفسى عنك. فصبر معه فقتل.
ولما تفرق أصحابه عنه/خطب الحجاج الناس وقال: قد ترون قلّة من مع ابن الزبير (٣) وما هم فيه من الجهد والضيق.
ففرحوا واستبشروا وتقدموا؛ فملئوا ما بين الحجون إلى الأبواب.
стр. 705
فدخل [ابن الزبير] (١) على أمه أسماء بنت أبى بكر الصديق ﵄ فقال: يا أمّاه قد خذلنى الناس حتى ولدى وأهلى، ولم يبق معى إلى يسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، وإن خصومى قالوا لى: إن شئت سلّم نفسك لعبد الملك بن مروان يرى فيك رأيه ولك الأمان. فما رأيك؟ فقالت: يا ولدى أنت أعلم بنفسك، إن كنت قاتلت لغير الله فقد هلكت وأهلكت، وإن كنت قاتلت لله - ويعلم أنك على حق وإليه تدعو - فامض له؛ فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك غلمان بنى أمية يتلاعبون بها. وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت؛ أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت كنت على حق فلما قتل أصحابى وهنت وضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، كم خلودك فى الدنيا؟! القتل أحسن، وإن قلت لم يبق معى معين على القتال، فلعمرى إنك معذور ولكن شأن الكرام أن يموتوا على ما عاشوا عليه.
فقال: يا أمّاه أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثلوا بى ويصلبونى.
فقالت: أى بنى إن الشاة لا تبالى بالسلخ فامض على بصيرتك، واستعن بالله، فقبّل رأسها، وقال: هذا رأيى والذى خرجت به داعيا إلى قومى، ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما ذعانى إلى الخروج إلا الغضب لله تعالى، وأن تستحل حرماته، ولكنى أحببت أن أعلم رأيك؛ فقد زدتنى بصيرة، فانظرى يا أمّاه فإنى مقتول فى يومى هذا فلا يشتد حزنك وسلّمى لأمر الله
стр. 706
تعالى (١)؛ فإن ابنك لم يتعمد إيثار منكر ولا عملا بفاحشة، ولم يجر فى حكم الله تعالى، ولم يغدر أمانا، ولم يتعمد/ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغنى ظلم عن عمالى فرضيت به بل أنكرته، ولم يكن شئ آثر عندى من رضاء الله ربى، اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسى ولكن تعزية لأمى حتى تسلو عنى. فقالت له أمه: إنى لأرجو أن يكون عزائى فيك جميلا؛ إن تقدمتنى احتسبتك، وإن ظفرت سررت بظفرك، اخرج حتى أنظر إلى ما يصير أمرك. فقال جزاك الله خيرا فلا تدعى الدعاء لى. قالت: لا أدعه لك أبدا، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق. ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ فى هواجر مكة والمدينة، وبرّه بأبيه وبى، اللهم قد سلّمت لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت؛ فأثبنى فيه ثواب الشاكرين. فتناول يدها ليقبلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد - فقال لها: جئت مودعا لأنى أرى هذا آخر أيامى من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك، وادن منى حتى أودعك. فدنا منها فعانقها وقبّلها، فوقعت يدها على الدرع، فقالت: ما هذا صنيع من يريد الموت. فقال: ما لبسته إلا لأشد منك (٢). قالت: فإنه لا يشد منى. فنزعها ثم درج
стр. 707
كميه وشد أسفل قميصه وجبّة خزّ تحت السراويل، وأدخل أسفلها تحت المنطقة وأمه تقول: البس ثيابك مشمرة. فخرج وهو يقول:
إنى إذا أعرف يومى أصبر … وإنما يعرف يوميه الحرّ
إذ بعضهم يعرف ثم ينكر
فسمعته أمه فقالت: تصبر (١) إن شاء الله تعالى، أبواك أبو بكر والزبير، وأمك صفية بنت عبد المطلب.
وصار إلى أن لقى جيوش عبد الملك فى أعلى مكة فحمل عليهم حملة منكرة، فقتل منهم مقتلة، ثم انكشف هو وأصحابه، فقال له أصحابه: لو لحقت بموضع كذا. فقال: بئس الشيخ أنا إذا فى الإسلام لئن أوقعت قوما فقتلوا ثم فررت عن مثل مصارعهم. ودنا أهل الشام حتى امتلأت منهم الأبواب، وكانوا يصيحون به: يا ابن ذات النطاقين. فيقول: -
فتلك شكاة ظاهر عنك عارها (٢)
وجعل أهل الشام على أبواب/المسجد على كل باب رجالا من أهل كل بلد، فكان لأهل حمص الباب الذى يواجه باب الكعبة ولأهل دمشق باب بنى شيبة، ولأهل الأردن باب الصفا، ولأهل فلسطين باب بنى جمح، ولأهل قنّسرين باب بنى سهم. وكان
стр. 708
الحجاج وطارق [بن عمرو] (١) بناحية الأبطح (٢) إلى المروة، فمرّة يحمل ابن الزبير فى هذه الناحية ومرّة فى هذه الناحية، كأنه أسد فى أجمة ما تقدم عليه الرجال، يعدو فى أثر القوم حتى يخرجهم، ثم يصيح: أبا صفوان، ويل أمّه فتى لو كان له رجال
لو كان قرنى واحدا لكفيته (٣)
فيقول أبو صفوان عبد الله بن صفوان بن اميّة بن خلف:
إى والله وألف.
فلما رأى الحجاج أن الناس لا يقدمون على ابن الزبير غضب وترجّل وأقبل يسوق الناس ويصمد بهم صمد صاحب علم ابن الزبير وهو بين يديه، فتقدم ابن الزبير على صاحب علمه وحاربهم فانكشفوا، وعرج فصلّى عند المقام، فحملوا على صاحب علمه فقتلوه عند باب بنى شيبة، وصار العلم بأيدى أصحاب الحجاج.
فلما فرغ من صلاته تقدم فقاتل بغير علم، فضرب رجلا من أهل الشام وقال: خذها وأنا ابن الحوارىّ، وضرب آخر - وكان حبشيا - فقطع يده، وقال اصبر أبا حممة، اصبر ابن حام (٤).
وقاتل معه عبد الله بن مطيع وهو يقول:
стр. 709
أنا الذى فررت يوم الحرّة … والحرّ لا يفرّ إلاّ مرّة
واليوم أجزى فرّة بكرّة (١)
وقاتل حتى قتل، ويقال إنه أصابته جراح فمات منها بعد أيّام.
وقال ابن الزبير لأصحابه وأهله - يوم قتل - بعد صلاة الصبح: اكشفوا وجوهكم حتى أنظر إليكم - وعليهم المغافر - ففعلوا، فقال: يا آل الزبير لو طبتم لى نفسا عن أنفسكم كنا أهل بيت من العرب، اصطلمنا (٢) فى الله، فلا يرعكم وقع السيوف فإن ألم الدواء للجراح أشد من ألم وقعها، صونوا سيوفكم كما تصونون وجوهكم، غضّوا أبصاركم عن البارقة، وليشغل كل امرئ قرنه، ولا تسألوا عنى فمن كان سائلا عنى فإنى فى الرعيل الأول، احملوا على بركة الله تعالى. ثم حمل/عليهم حتى بلغ بهم الحجون، فرمى بآجرّة: رماه رجل من السكون، فأصابته فى وجهه، وقيل فى رأسه، فداخ رأسه فأرعش لها، ودمى وجهه، فلما وجد الدم على وجهه قال
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدم (٣)
стр. 710
وصاحت مولاة لآل الزبير: وا أميراه. فعرفوه ولم يكونوا عرفوه فى ذلك الحال لما عليه من لباس الحرب، فقصدوه من كل مكان، فقاتلهم قتالا شديدا، فتعاونوا عليه فقتلوه - قاتلهم الله - فى يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، وقيل النصف من جمادى الآخرة (١).
ولما قتل كبّر أهل الشام فرحا بقتله، فقال ابن عمر ﵁: انظروا إلى هؤلاء يكبرون فرحا بقتله (٢)!! وكان فى هذا اليوم اشتد الحرّ واشتغل الناس فلم ير طائف يطوف بالكعبة إلا جمل يطوف بها. وحمل رأس ابن الزبير إلى الحجاج فسجد، وأوفد السكونى والمرادى إلى عبد الملك بالخبر؛ فأعطى كل واحد منهما خمسمائة دينار. وسار الحجاج وطارق حتى وقفا عليه، فقال طارق: ما ولدت النساء - أو بنات آدم - أذكر (٣) من
стр. 711
هذا: يعنى أفضل منه، فقال الحجاج: أتمدح من يخالف أمير المؤمنين ويخرج عن طاعته؟! فقال: نعم، إن هذا أعذر لنا عند أمير المؤمنين، وإلا فما عذرنا فى قتالنا له أشهرا، وهو يربى علينا فيها بالغلبة، وهو فى غير جند ولا حصن ولا منعة، وينتصف منّا بل يفضل علينا. فبلغ كلامهما عبد الملك فصوّب طارقا.
وبعث الحجاج برأس ابن الزبير، وعبد الله بن صفوان بن أمية الجمحى، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى عبد الملك، وأخذ جثّة ابن الزبير فصلبها منكّسة على الثنيّة اليمنى بالحجون، فى موضع معروف إلى الآن ببيت (١) بنى هناك علامة.
ثم أرسل الحجاج إلى أمه أسماء بنت أبى بكر ﵂ أعوانه، وقال لهم - قبحه الله -: هاتوها. فكلموها فى أن تمشى معهم إليه، فأبت وقالت: إن كان أمركم تسحبونى فاسحبونى. فلما رجعوا إليه بغير مطلوبه لبس نعليه ومشى حتى جاءها فقال لها: كيف رأيت ما صنعت بابنك؟ فقالت/: يا مسكين قاتلك الله (٢)، على ماذا صلبته؟ قال: استبقت أنا وهو إلى هذه الخشبة فكانت له.
فقالت له: أى شئ صنعت!! أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ أن فى ثقيف كذّابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا أخالك إلا إيّاه (٣). تعنى بقولها
стр. 712
رأينا المختار بن أبى عبيد، واستأذنته فى تكفينه ودفنه فأبى، ووكل بالخشبة من يحرسها، وكتب إلى عبد الملك يخبره بصلبه.
ولما فرغ الحجاج من أمر ابن الزبير دخل مكة فبايع أهلها لعبد الملك بن مروان، وأمر بكنس المسجد الحرام من الحجارة والدم.
ومرّ عبد الله بن عمر بابن الزبير ﵄ فقال:
السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا، ولقد كنت صوّاما قوّاما وصولا للرحم، أما والله إن قوما أنت شرهم لنعم القوم.
وكان ابن الزبير ﵁ قبل قتله بقى أياما يستعمل الصبر والمسك حتى لا ينتن، فلما صلب ظهرت منه ريح المسك، فقيل إن الحجاج صلب معه كلبا ميتا (١) فغلب على ريح المسك، وقيل بل صلب معه سنّورا.
ولما قتل عبد الله ركب أخوه عروة ناقة لم ير مثلها، وسار إلى عبد الملك، فقدم الشام قبل وصول رسل الحجاج بقتل عبد الله، فأتى باب عبد الملك فاستأذن عليه، فأذن له، فلما دخل سلّم عليه بالخلافة، فردّ عليه عبد الملك ورحّب به، وعانقه وأجلسه معه على السرير، فقال عروة: -
стр. 713
نمتّ بأرحام إليك قريبة … ولا قرب للأرحام ما لم تقرّب
ثم تحدثا (١) حتى جرى ذكر عبد الله فقال عروة: إنه كان.
فقال عبد الملك: وما فعل؟ قال: قتل. فخرّ ساجدا. فقال عروة: إن الحجاج صلبه فهب جثته لأمه. قال: نعم. وكتب إلى الحجاج يعظم صلبه، وقال: ألا خلّيت بينه وبين أمه؟! وكان الحجاج لما فقد عروة كتب إلى عبد الملك يقول: إن عروة كان مع أخيه، فلما قتل عبد الله أخذ مالا عن مال الله تعالى وهرب. فكتب إليه عبد الملك: إنه لم يهرب ولكنه أتانى مبايعا وقد أمّنته وحاللته مما كان، وهو قادم عليك فإياك وعروة.
وأتى عروة إلى مكة فكانت غيبته عنها ثلاثين يوما، فأنزل الحجاج جثة عبد الله/عن الخشبة، وبعث بها إلى أمه فغسلته، فلما أصابه الماء تقطّع، فغسلته عضوا عضوا فاستمسك، وصلّى عليه عروة، وقيل صلى عليه غيره.
وقيل إن عروة لما كان غائبا عند عبد الملك كتب إليه الحجاج وعاوده فى إنفاذ عروة إليه، فهم عبد الملك بإنفاذه، فقال عروة:
ليس الذليل من قتلتموه ولكن الذليل من ملكتموه، وليس بملوم من صبر فمات ولكن الملوم من فرّ من الموت فسمع مثل هذا الكلام.
فقال عبد الملك: يا أبا عبد الله لن تسمع منا شيئا تكرهه.
وقيل إن عبد الله بن الزبير لم يصلّ عليه أحد؛ منع الحجاج
стр. 714
من الصلاة عليه، وقال: إنما أمر أمير المؤمنين بدفنه. والذى ذكره مسلم فى صحيحه أن عبد الله بن الزبير ألقى فى مقابر اليهود (١).
وسار الحجاج إلى المدينة، واستعمل على مكة رجلا من خزاعة، وكان عبد الملك قد استعمل الحجاج على الحرمين، فأقام بالمدينة شهرا أو شهرين ثم عاد إلى مكة.
وفيها - أو فى التى قبلها - قدم ابن الحنفية من الطائف إلى مكة فنزل شعب آل أبى طالب، فطلبه الحجاج ليبايع لعبد الملك، فامتنع حتى يجتمع الناس. فلما قتل ابن الزبير كتب ابن الحنفية مع أبى عبد الله الجدلى إلى عبد الملك يطلب منه الأمان له ولمن معه.
وبعث إليه الحجاج يأمره بالبيعة، فأبى، وقال: قد كتبت إلى عبد الملك فإذا جاءنى جوابه بايعت. وكان عبد الملك كتب إلى الحجاج يوصيه بابن الحنفية فتركه، فلما قدم رسول ابن الحنفية - وهو أبو عبد الله الجدلى - ومعه كتاب عبد الملك بأمانه وبسطة أمله وتعظيم حقه حضر عند الحجاج وبايع لعبد الملك بن مروان، وقدم الشام، وطلب منه ألا يجعل للحجاج عليه سبيلا، فأزال حكم الحجاج عنه (٢).
وفيها قتل عبد الله بن مطيع بن الأسد العدوى بحجر المنجنيق (٣).
стр. 715
وقتل معه أيضا عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمى، ممن أسلم يوم الحديبية (١).
وماتت أسماء بنت أبى بكر الصديق ﵄ بعد مصاب ابنها بيسير (٢).
وفيها بعد مقتل ابن الزبير بثلاثة أشهر - وقيل بستة أشهر - مات عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، ودفن بالحجون فى مقبرة المهاجرين. وقال المحب الطبرى عن ابن اليقظان/: إنه دفن فى حائط أم خرمان (٣). قال قلت: هذا الحائط لا يعرف اليوم بمكة ولا حواليها، وإنما بالأبطح موضع يقال له الخرمانية، فلعلّه هو، نسب إلى أم خرمان. وقال غير ابن اليقظان: مات بمكة ودفن بفخ:
وهو موضع قريب من مكة، وصلى عليه الحجاج بن يوسف الثقفى. وكان سبب موته أن الحجاج أمر بعض أصحابه فضرب ظهر قدمه بزج رمح مسموم، فمات منها، وعاده الحجاج فى مرضه فقال: من فعل بك هذا؟ قال: أنت؛ لأنك أمرت بحمل السلاح فى بلد لا يحل حمله فيه.
وفيها حج بالناس أمير مكة الحجاج بن يوسف الثقفى (٤).
***
стр. 716
«سنة أربع وسبعين» (١)
فيها كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان أن أبا خبيب عبد الله بن الزبير زاد فى البيت ما ليس منه وأحدث فيه بابا آخر.
فكتب إليه عبد الملك: أن يسد بابها الغربى الذى كان فتحه ابن الزبير، واهدم ما كان زاد فيها من الحجر، واكبس أرضها بالحجارة التى تفضل من أحجارها على ما كانت عليه فى عهد رسول الله ﷺ . فهدم الحجاج منها ستة أذرع وشبرا مما يلى الحجر وبناها على أساس قريش الذى كانت استقصرت عليه، وكبس أرضها بالحجارة التى فضلت من أحجارها، وسد الباب الغربى الذى كان فى ظهرها وما تحت عتبة الباب الشرقى وهو أربعة أذرع وشبر، وترك سائرها لم يحرك منها شيئا، فكل شئ فيها بناء ابن الزبير إلاّ الجدار الذى فى الحجر فإنه بناء الحجاج، وسدّ الباب الذى فى ظهرها، وما تحت عتبة الباب الشرقى الذى يدخل منه اليوم إلى الأرض، كل هذا بناء الحجاج، والدرجة التى فى بطنها اليوم، والبابان اللذان عليها اليوم هما أيضا من عمل الحجاج. فلما فرغ الحجاج من هذا كله وفد بعد ذلك الحارث بن عبد الله بن ربيعة المخزومى على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: ما أظن أن أبا خبيب - يعنى ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها فى أمر الكعبة. فقال الحارث: أنا سمعت منها؛ سمعتها تقول:
стр. 717
قال لى رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا ولولا حداثة - وروى حدثان - عهد قومك بالكفر أعدت فيه ما تركوا منه وأعدته على ما كان عليه زمن إبراهيم، فإن بدا لقومك أن يبنوه فهلمى/لأريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبعة أذرع، وقال رسول الله ﷺ :
وجعلت لها بابن موضوعين على الأرض؛ بابا شرقيا يدخل الناس منه، وبابا غربيا يخرج الناس منه. قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا سمعت هذا منها. قال:
فجعل ينكت منكسا بقضيب فى يده ساعة طويلة ثم قال: وددت والله أنى تركت ابن الزبير وما تحمل من ذلك (١).
وانصرف الحجاج إلى المدينة فى صفر من هذه السنة، وأقام بها ثلاثة أشهر (٢).
وفيها اعتمر عبد الملك بن مروان على ما يقال، ولا يصح (٣).
وفيها حج بالناس أمير الحرمين الحجاج بن يوسف الثقفى (٤).
***
стр. 718
«سنة خمس وسبعين» (١)
فيها حج بالناس عبد الملك بن مروان، وطاف وهو متكئ على كتف بعض أصحابه، وأرسل إلى أكبر شيخ يعلمه من خزاعة، وشيخ من قريش، وشيخ من بنى بكر، وأمرهم بتجديد أنصاب الحرم (٢). وعزل الحجاج عن الحجاز، وأمّره على العراق (٣).
ولما انصرف عبد الملك من الحج رافقه الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن مخزوم إلى دمشق، وكان الحارث هذا مروانيا، وكانت بنو مخزوم كلهم زبيريه، فلما دخل الشام ظهر للحارث من عبد الملك جفوة، وأقام ببابه شهرا لا يصل إليه؛ فانصرف عنه وقال فيه: -
صحبتك إذ عينى عليها غشاوة … فلما انجلت قطّعت نفسى ألومها
عطفت عليك النفس حتى كأنما … بكفّيك بؤسى أو لديك نعيمها
كأنى وإن أقصيتنى من ضراعة … ولا افتقرت نفسى إلى من يضيمها (٤)
стр. 719
وأنشد عبد الملك الشعر فأرسل إليه من ردّه من طريقه، فلما دخل عليه قال: يا حار أخبرنى عنك، هل رأيت عليك بالمقام ببابى غضاضة وفى قصدى دناءة؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. قال:
فما حملك على ما قلت وفعلت؟ قال: جفوة ظهرت لى كنت حقيقا بغيرها. قال: فاختر، إن شئت أعطيتك مائة ألف درهم، أو قضيت دينك، أو ولّيتك مكة سنة. فولاّه إيّاها، فحج بالناس، وحجت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب ابن سعد بن تيم بن مرّة التيمى، وكان يهواها، فأرسلت إليه: أخّر الصلاة حتى أفرغ من طوافى. فأمر المؤذن فأخّر إقامة الصلاة حتى فرغت من طوافها، وجعل الناس يصيحون به، فلا والله/ما قام إلى الصلاة حتى فرغت، فأنكر ذلك أهل الموسم، فبلغ ذلك عبد الملك فعزله، وكتب إليه يؤنّبه فيما فعل، فقال: ما أهون غضبه إذا رضيت عائشة، والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخّرت الصلاة إلى الليل - انتهى (١).
وفيها حج صالح بن مسرح أحد بنى امرئ القيس بن زيد مناة ابن تميم، وكان يرى برأى الصفّريّة، وقيل هو أوّل من خرج منهم، وخرج معه شبيب بن يزيد، وسويد، والبطين وأشباههم، فهمّ شبيب أن يفتك بعبد الملك بن مروان، فبلغه ذلك من خيرهم، فكتب إلى الحجاج بعد انصرافه يأمره بطلبهم، وكان صالح يأتى الكوفة
стр. 720
فيقيم بها الشهر ونحوه، فيلقى أصحابه ويعدّ ما يحتاج إليه، فلما طلبه الحجاج نبت به الكوفة فتركها (١).
***
«سنة ست وسبعين» (٢)
فيها حج بالناس أمير المدينة أبان بن عثمان بن عفّان (٣).
***
«سنة سبع وسبعين»
فيها حج بالناس أبان بن عثمان بن عفان وهو أمير المدينة (٤)
***
«سنة ثمان وسبعين»
فيها حج بالناس أمير المدينة أبان بن عثمان بن عفّان - كذا
стр. 721
قال المسعودى (١) وابن الأثير (٢)، وقال سبط ابن الجوزى الوليد بن عبد الملك (٣)، وقيل أبان بن عثمان، وقال العتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان (٤).
***
«سنة تسع وسبعين»
فيها حج بالناس أمير المدينة أبان بن عثمان بن عفان (٥).
***
«سنة ثمانين»
فيها بينما الناس نازلون بوادى مكة وقد ضربوا الأبنية فى فجر يوم التروية قبل صلاة الصبح - وهم آمنون غارون - أتاهم سيل عظيم دفعة واحدة؛ ذهب بناس من الحجاج وأمتاعهم، وكان يحمل الإبل عليها الأحمال والرجال والنساء؛ ما لأحد فيه حيلة، ودخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة وبلغ الركن، وخرب دورا كثيرة شارعة على الوادى، وقتل الهدم ناسا كثيرا، ورقى الناس الجبال واعتصموا بها،
стр. 722
وسمى ذلك بالجحاف (١)، وقال فيه عبد الله بن أبى عمارة/: -
لم ترعينى مثل يوم الاثنين … أكثر محزونا وأبكى للعين
إذ خرج المخبآت يسعين … شواردا إلى الجبال يرقين
ولم يكن على مكة مطر إلا شئ يسير من رشاش، وإنما كان شدة المطر بأعلى الوادى، وكتب فى ذلك إلى عبد الملك بن مروان ففزع لذلك، وبعث بمال عظيم، وكتب إلى عامل مكة عبد الله بن سفيان المخزومى - ويقال بل كان عامله الحارث بن خالد المخزومى - يأمره بعمل ضفائر للدور الشارعة على الوادى للناس من المال الذى بعث به، وعمل ردما على أفواه السكك يحصّن بها دور الناس من السيل، وبعث نصرانيا مهندسا فى عمل ذلك، وعمل ضفائر المسجد الحرام، وضفائر الدور فى جنبتى الوادى، وكان من ذلك الرّدم الذى يقال له ردم الحزامية على فوهة خط الحزامية (٢)، والردم الذى يقال له ردم [بنى] (٣) جمح وليس لهم ولكنه لبنى قراد الفهريين، فغلب عليه ردم [بنى] (٣) جمح، وله يقول الشاعر: -
سأملك عبرة وأفيض أخرى … إذا جاوزت ردم بنى قراد
стр. 723
قال فأمر عامله بالصخر العظام فنقلت على العجل، وحفر الأرباض (١) دون دور الناس؛ فبناها وأحكمها من المال الذى بعث به، وكانت الإبل والثيران تجرّ ذلك العجل حتى ربما أنفق فى المسكن الصغير لبعض الناس مثل ثمنه مرارا.
وفيها حج بالناس أمير المدينة أبان بن عثمان بن عفان، وقال سبط ابن الجوزى: حج بالناس سليمان بن عبد الملك، وقيل أبان ابن عثمان بن عفان (٢).
وفيها مات عثما بن الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام القرشى الأسدى المدنى فى يوم التروية منصرفه من اليمن (٣).
***
«سنة إحدى وثمانين»
فيها حجّ بالناس سليمان بن عبد الملك بن مروان (٤)،
стр. 724
وحجّت أم الدرداء الصغرى (١) ﵂.
***
«سنة اثنتين وثمانين»
فيها حجّ بالناس أبان بن عثمان (٢)، وقال سبط ابن الجوزى حج بالناس هشام بن إسماعيل بن الوليد بن المغيرة المخزومى (٣).
***
«سنة ثلاث وثمانين»
فيها حج بالناس أمير المدينة هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومى (٣).
***
«سنة أربع وثمانين»
فيها وقع سيل عظيم دخل المسجد الحرام وأحاط/بالكعبة،
стр. 725
وأصاب الناس عقبه مرض شديد فى أجسامهم وألسنتهم، أصابهم منه مثل الخبل فسمى [سيل] (١) المخبّل.
وفيها حج بالناس هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة (٢).
***
«سنة خمس وثمانين»
فيها حج بالناس هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومى (٣).
***
«سنة ست وثمانين»
فيها كان أمير مكة والمدينة والطائف عمر بن عبد العزيز بن مروان (٤).
стр. 726
وفيها حج بالناس العباس بن الوليد بن عبد الملك كذا قال ..... (١) وقال العتيقى وابن الأثير (٢)، وسبط ابن الجوزى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة.
***
«سنة سبع وثمانين»
فيها حج بالناس أمير المدينة عمر بن عبد العزيز (٣)
***
«سنة ثمان وثمانين»
فيها قدم مكة عمر بن عبد العزيز الأموى من المدينة للحج بالناس، ومعه نفر من قريش، فلما كان بالتنعيم لقيه بعض أهل مكة، فأخبروه أن مكة قليلة الماء، وأنه يخشى على الحجاج العطش، فقال عمر: تعالوا ندع الله تعالى. فدعا ودعا الناس معه، وألحوا فى الدعاء، فما وصلوا إلى البيت ذلك اليوم إلا مع المطر حتى كان مع الليل، وسكنت السماء وجاء [سيل الوادى] (٤)
стр. 727
فجاء أمر خافه أهل مكة، وأمطرت عرفة ومنى وجمع فما كانت إلا عبرا (١)، وكثر الخصب، وكانت مكة هذه السنة مخصبة. وقال العتيقى وابن الأثير: إن الذى حج بالناس عمر بن عبد العزيز، وقال أبو معشر: أن الذى حج بالناس عمر بن الوليد بن عبد الملك (٢).
***
«سنة تسع وثمانين»
فيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز (٣)، وقيل إنه كان أمير مكة، وقال ابن الأثير: وقيل ولى مكة فى هذه السنة خالد بن عبد الله القسرى، وقيل سنه إحدى وتسعين، وقيل سنة أربع وتسعين (٤).
وفيها على ما ذكر ابن جرير حفر الوليد بن عبد الملك بئرا بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون، وكان ينقل ماؤها فيوضع فى حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فخطب خالد
стр. 728
القسرىّ على منبر مكة وقال: أيها الناس، أيهما (١) أعظم؛ خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة، ألا إن إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ماء أجاجا، واستسقاه الخليفة فسقاه/عذبا فراتا (٢).
***
«سنة تسعين»
فيها حج بالناس أمير مكة والمدينة والطائف عمر بن عبد العزيز (٣)، وقال سبط ابن الجوزى: حج بالناس أمير المدينة عمر بن عبد العزيز، وكان على مكة والطائف خالد بن عبد الله القسرى.
***
«سنة إحدى وتسعين»
فيها كان أمير مكة عمر بن عبد العزيز، كذا قال بعضهم، وقال ابن الجوزى وابن الأثير: إنما كان أمير مكة فى هذه السنة خالد بن عبد الله القسرى، وقال سبط ابن الجوزى: إن عمال الأمصار فى هذه السنة على حالهم فى السنة التى قبلها (٤).
стр. 729
وفيها حج بالناس الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقدم معه بكسوة الكعبة فنشرت وعلقت على حبال فى المسجد من ديباج حسن لم ير مثله قط، فنشرها يوما ثم طويت ورفعت (١).
***
«سنة اثنتين وتسعين»
فيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز، كذا قال ابن الأثير وسبط ابن الجوزى. وكان عمال الأمصار على حالهم للوليد بن عبد الملك (٢).
***
«سنة ثلاث وتسعين»
فيها كتب الوليد بن عبد الملك إلى أمير مكة عمر بن عبد العزيز يأمره بضرب خبيب بن عبد الله بن الزبير، ويصبّ على رأسه ماء باردا فى يوم الشتاء، وأوقفه على باب المسجد فمات من يومه (٣).
стр. 730
وفيها فى شعبان عزل الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز عن الحج، وكان سبب ذلك أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره بعسف الحجّاج أهل عمله بالعراق، واعتدائه عليهم وظلمه، وطلبه لهم بغير حق ولا جناية. فبلغ ذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن من عندى من أهل العراق أهل الشقاق والنفاق قد جلوا عن العراق، ولجئوا إلى مكة والمدينة، وإن ذلك وهن. فكتب الوليد إلى الحجاج يستشيره فى من يوليه مكّة والمدينة. فأشار عليه بخالد بن عبد الله القسرى، وعثمان بن حيان، فولى خالدا مكة، وعثمان المدينة، وعزل عمر بن عبد العزيز عنهما، فلما خرج عمر من المدينة قال: إنى أخاف أن أكون ممن نفته المدينة. يعنى بذلك قول رسول الله ﷺ إن المدينة تنفى خبثها.
ولما قدم خالد مكة خطبهم وعظّم أمر الخلافة، وحثهم على الطاعة فقال: لو أنى أعلم أن هذه الوحش التى تأمن [فى] (١) الحرم لو نطقت لم تقر بالطاعة لأخرجتها منه، فعليكم بالطاعة ولزوم الجماعة، فإنى/والله لا أوتى بأحد يطعن على إمامه إلا صلبته (٢) فى الحرم. (٣) إنه لا رأى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا إمضاؤه (٣)، واشتد عليهم. وأخرج من بمكة من أهل العراق كرها، وتهدد من أنزل عراقيا أو آجره داره.
стр. 731
واشتد عثمان على أهل المدينة وعسفهم وجار فيهم، ومنعهم من إنزال عراقى، وكانوا أيام عمر بن عبد العزيز كل من خاف الحجاج لجأ إلى مكة أو المدينة.
وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة فى كتاب الإمامة والسياسة (١): كان مسلمة بن عبد الملك بن مروان واليا على أهل مكة، فبينما هو يخطب على المنبر إذ أقبل خالد بن عبد الله القسرى من الشام واليا عليها، فدخل المسجد فلما قضى مسلمة خطبته صعد خالد المنبر، فلما ارتقى فى الدرجة الثالثة تحت مسلمة أخرج طومارا ففضّه، ثم قرأه على الناس، فيه: -
بسم الله الرحمن الرحيم، من الوليد بن عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد فإنى ولّيت عليكم خالد بن عبد الله القسرى؛ فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن أحد على نفسه سبيلا، فإنما هو القتل لا غيره، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير والسلام. ثم التفت إليهم خالد فقال: والذى يحلف به ويحج إليه لا أجده فى دار أحد إلا قتلته وهدمت داره ودار كل من جاوره، واستبحت حرمه، وقد جعلت لكم فيه ثلاثة أيام. ثم نزل ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام (٢).
فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعيد بن جبير بوادى كذا
стр. 732
من أودية مكة مختفيا بمكان كذا، فأرسل خالد فى طلبه، فأتاه الرسول، فلما نظر إليه قال له: إنى أمرت بأخذك، وأتيت لأذهب بك إليه، وأعوذ بالله من ذلك؛ فالحق بأى بلد شئت وأنا معك.
فقال سعيد بن جبير: ألك ها هنا أهل وولد؟ قال: نعم.
[قال] (١): إنهم يؤخذون بعدك وينالهم من المكروه مثل الذى/ كان ينالنى. قال: فإنى أكلهم إلى الله . فقال سعيد:
لا يكون هذا. فأتى به إلى خالد، فشده وثاقا، ثم بعث به إلى الحجاج. فقال رجل من أهل الشام: إن الحجاج قد أنذر به وأشعر به قبلك، فما عرض له، فلو جعلته بينك وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرّب به إلى الله. قال خالد - وظهره إلى الكعبة قد استند إليها -: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى [عنى] (١) إلا بنقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته فى مرضاته.
وبعث الوليد بن عبد الملك إلى واليه على مكة خالد القسرى بستة وثلاثين ألف دينار، فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى ميزاب الكعبة وعلى الأساطين التى فى باطنها وعلى الأركان التى فى جوفها، ويقال إن الحلية التى حلاّها الوليد بن عبد الملك للكعبة هى ما كان فى مائدة سليمان بن داود ﵇ من ذهب وفضة قد احتملت من طليطلة من جزيرة الأندلس على بغل قوى فتفسخ تحتها، وكانت لها أطواق من ياقوت وزبرجد (٢).
стр. 733
وقد فعل خالد بن عبد الله القسرى بمكة المشرفة أفعالا من غير معرفة للسنة التى فعل فيها، فأحببت ذكر ذلك هنا لئلا يخلو منه هذا الكتاب: -
فمن ذلك أن الناس كانوا يقومون قيام شهر رمضان فى أعلى المسجد؛ تركز حربة خلف المقام بربوة فيصلى الإمام خلف الحربة والناس وراءه، فمن أراد صلى مع الإمام، ومن أراد طاف وركع خلف المقام. فلما ولى خالد بن عبد الله القسرى مكة لعبد الملك بن مروان وحضر شهر رمضان أمر خالد الأئمة (١) أن يتقدموا فيصلوا خلف المقام، وأدار الصفوف حول الكعبة؛ وذلك أن الناس ضاق عليهم أعلى المسجد فأدارهم حول الكعبة، (٢) فقيل له يمتنع بذلك الناس من الطواف (٢). قال: فأنا آمرهم يطوفون بين كل ترويحتين سبعا؛ فأمرهم ففصلوا بين كل ترويحتين [بطواف سبع] (٣) فقيل له: فإنه يكون فى مؤخر الكعبة وجوانبها من لا يعلم بانقضاء طواف الطائفين من مصلّ وغيره فيتهيأ للصلاة. فأمر عبيد الكعبة أن يكبروا حول الكعبة ويرفعوا أصواتهم فى الطواف بالتكبير إذا بلغوا الحجر يقولون:
سبحان الله والحمد لله والله أكبر. فإذا بلغوه فى الطواف السادس
стр. 734
سكتوا؛ فصلوا بين التكبير بسكتة، فيكون ذلك إعلاما للناس أن الطواف على انقضاء، فيتهيأ من فى الحجر ومن فى جوانب/ المسجد من مصلّ وغيره فيخفف صلاته، ثم يعود الطائفون بالتكبير حتى يفرغوا من السبع. ثم يقوم مناد فينادى: الصلاة رحمكم الله. ولا تنقضى صلاتهم حتى يطلع الفجر، وكان على جبل أبى قبيس رئية يرقب طلوع الفجر للمسحرين، فإذا بان له نادى: أمسكوا رحمكم الله.
وكان عطاء بن رباح، وعمرو بن دينار ونظراؤهم من العلماء يحضرون ذلك فلا ينكرونه. وشهود قيام رمضان بمكة يزيد فى الإيمان. ومن الغرائب أن أئمة الأمصار يأخذون الأجر على القيام بالناس فى رمضان، ومن أراد أن يقوم بالناس فى رمضان بمكة أعطى الأجر بنى شيبة وغيرهم من سدنة المسجد على ذلك.
وكان خالد أوّل من استصبح فى المسجد الحرام حول الكعبة، وجعل مصباح زمزم مقابل الركن الأسود فى خلافة عبد الملك بن مروان، وفى ليلة هلال المحرم، وبين الصفا والمروة فى خلافة سليمان بن عبد الملك فى الحج، وفى رجب (١).
وأوّل من أدار الصفوف حول الكعبة (٢)
وكان الرجال والنساء يطوفون معا مختلطين حتى ولى مكة
стр. 735
خالد لعبد الملك ففرّق بين الرجال والنساء فى الطواف، فأجلس عند كل ركن حرسا معهم السياط؛ فيفرقون بين الرجال والنساء، وهو أوّل من فرق بينهما (١).
وكان خالد فى إمرته على مكة فى زمن الوليد بن عبد الملك يذكر الحجاج فى خطبته فى كل جمعة إذا خطب ويقرظه، فلما توفى الوليد وبويع لسليمان بن عبد الملك أقرّ خالدا على مكة (٢)، وكتب إلى عماله فأمرهم بلعن الحجاج بن يوسف، فلما أتاه الكتاب قال:
كيف أصنع؟ كيف أكذب نفسى فى هذه الجمعة بذمه، وقد مدحته فى الجمعة التى قبلها؟! ما أدرى كيف أصنع؟ فلما كان يوم الجمعة خطب الناس ثم قال فى خطبته أما بعد: أيها الناس إن إبليس كان من ملائكة الله فى السماء، وكانت الملائكة ترى له فضلا بما يظهر من طاعة الله تعالى وعبادته، وكان الله قد اطّلع على سريرته، فلما أراد أن يهتكه أمره بالسجود لآدم ﵇، فامتنع فلعنه، وإن الحجاج بن يوسف كان يظهر من طاعة الخلفاء ما كنّا نرى له فى ذلك علينا فضلا، وكنا نزكيه، وكان الله قد أطلع سليمان أمير المؤمنين من سريرته وخبث مذهبه على ما لم يطلعنا عليه، فلما أراد الله ﵎ هتك ستر الحجاج أمرنا أمير المؤمنين/سليمان بلعنه فالعنوه لعنه الله (٣).
стр. 736
وكتب سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى خالد بن عبد الله القسرى أن (١) أجر عينا تخرج من ثقبة، من مائها العذب الزلال (١) حتى يظهر بين زمزم والركن الأسود، وتضاهئ بها ماء زمزم.
قال: فعمل خالد بن عبد الله القسرى البركة التى بفم الثّقبة، ويقال لها: بركة القسرىّ، ويقال لها أيضا: بركة البردى ببئر ميمون. وهى قائمة إلى اليوم بأصل ثبير، فعملها بحجارة منقوشة طوال، وأحكمها وأنبط ماءها فى ذلك الموضع، ثم شقّ لها عينا تسكب فيها من الثّقبة، وبنى سدا للثّقبة وأحكمه، والثّقبة بشعب يفرع فيه وجه ثبير، ثم شق من هذه البركة عينا تجرى إلى المسجد الحرام، فأجراها فى قصب من رصاص، حتى أظهرها فى فوارة تسكب فى فسقيّة من رخام بين زمزم والركن والمقام. ولما أن جرت وظهر ماؤها أمر القسرى بجزر فنحرت بمكة، وقسمت بين الناس، وعمل طعاما فدعا إليه الناس، وأمر مناديا فنادى: هلموا إلى الماء العذب واتركوا أم الخناس - يعنى زمزم - ثم أمر صائحا فصاح: الصلاة جامعة. ثم أمر بالمنبر فوضع فى وجه الكعبة، ثم صعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، احمدوا الله ﵎، وادعوا لأمير المؤمنين الذى سقاكم الماء العذب الزّلال النّقاح بعد الماء المالح الأجاج، الذى لا يشرب إلا صبرا - يعنى
стр. 737
زمزم - قال: ثم تفرغ تلك الفسقيّة فى سرب من رصاص، يخرج إلى وضوء كان عند باب المسجد؛ باب الصفا، فى بركة كانت فى السوق، فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقيّة، ولا يكاد أحد يأتيها، وكانوا على شرب ماء زمزم أرغب ما كانوا فيها، فلما رأى ذلك خالد صعد المنبر فتكلم بكلام يؤنب فيه أهل مكة (١).
وأحدث خالد بن عبد الله القسرى فى ولايته لمكة عن سليمان ابن عبد الملك حدثا منكرا، فقام إليه رجل من بنى عبد الدار بن قصى يقال له طليحة بن عبد الله بن شيبة، ويقال بل هو عبد الله بن شيبة الأعجم، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر وعما فعل. فغضب خالد غضبا شديدا، وأخاف الرجل. فخرج إلى سليمان بن عبد الملك يشكو إليه ويتظلّم منه، فكتب سليمان إلى خالد ألاّ يتعرض لخدمة الكعبة ثم أرسل خالد بعد ذلك إلى عبد الله بن شيبة يسأله أن يفتح له الكعبة فى وقت ما، ولم ير ذلك/عبد الله بن شيبة، فامتنع عليه؛ فدعا به فضربه مائة سوط على ظهره، فخرج عبد الله بن شيبة هو ومولى له على راحلتين فأتى سليمان (٢) فكشف عن ظهره
стр. 738
بين يديه، وقال له: هذا الذى أوصيته بى!! فقال: إلى من تختار أكتب لك؟ قال: إلى محمد بن هشام. قال: فكتب إليه إن كان خالد ضربه بعد أن أوصل إليه كتابى وقرأه فاقطع يده، وإن كان ضربه ولم يقرأ كتابى فأقده منه. فقدم بالكتاب على محمد بن هشام، فدعا بالقسرى فقرئ عليه فقال: الله أكبر يا غلام إيت بالكتاب. فأتى به مختوما لم يقرأه، فأخرجه محمد بن هشام إلى باب المسجد، وحضر القرشيّون والناس، فجرّده ثم أمر به أن يضرب [فضرب مائة] (١) فلما أصابه الضرب (٢) كأنه تمايل بعد ذلك فى ضربه (٢)، ثم بعد ذلك لبس ثيابه فرجع إلى امرأته فقال الفرزدق:
لعمرى لقد صبّت على ظهر خالد … شآبيب ما استهللن من سبل القطر
أيجلد فى العصيان من كان عاصيا … وتعصى أمير المؤمنين أخا قسر (٣)
وقال فيه أيضا: -
стр. 739
سلوا خالدا لا قدّس الله خالدا … متى وليت قسر قريشا تدينها
أبعد رسول الله أم قبل عهده … وجدتم قريشا قد أغثّ سمينها
رجونا هداه لا هدى الله قلبه … وما أمّه بالأمّ يهدى جنينها (١)
فقالت أم الضحاك وهى يمانية:
فما جلد القسرىّ فى أمر ريبة … وما جلد القسرىّ فى شرب الخمر
له جلم يسمى الحسام وشفرة … هذام فما تفرى الشّفار كما تفرى (٢)
تعرض للأعجم أنه يسرق الحاج.
ويقال لما جاء العبدرى بكتاب سليمان إلى خالد وضعه ولم يفتحه، وأمر به فبرّز وجلد، ثم فتح الكتاب فقرأه، فقال: لو كنت دريت بما فى كتاب أمير المؤمنين ما ضربتك. فرجع العبدرى إلى سليمان فأخبره، فغضب وأمر بالكتاب فى قطع يد خالد:
فكلمه فيه يزيد/بن المهلّب وقبل يده، فوهب له يده، وكتب فى قوده منه، فجلد خالد مثل ما جلده (٣).
وقد ورد فى هذه الأخبار أن خالد بن عبد الله القسرى ولى مكة المشرفة لعبد الملك بن مروان ولأولاده الوليد وسليمان وهشام (٤).
стр. 740
وكانت ولاية عبد الملك بعد أبيه سنة خمس وستين، ثم ولى الوليد بعد موت والده فى سنة ست وثمانين، ثم ولى بعد موت الوليد أخوه سليمان فى سنة تسع وتسعين. وكانت ولاية هشام بعد موت أخيه يزيد فى سنة خمس ومائة، ومات سنة خمس وعشرين.
وفيها حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، وقيل عبد العزيز بن الوليد، وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: حجّ بالناس فى هذه السنة عبد العزيز بن الوليد، وقيل عثمان بن حيان، وقيل محمد بن الوليد (١).
***
«سنة أربع وتسعين»
فيها كان أمير مكة خالد بن عبد الله القسرى (٢).
وفيها حجّ بالناس سليمان بن عبد الملك، وقيل مسلمة بن عبد الملك، وقيل عبد العزيز بن الوليد، وقيل عثمان بن حيان المرى (٣).