← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وكتب سليمان بن عبد الملك بن مروان إلى خالد بن عبد الله القسرى أن (١) أجر عينا تخرج من ثقبة، من مائها العذب الزلال (١) حتى يظهر بين زمزم والركن الأسود، وتضاهئ بها ماء زمزم. قال: فعمل خالد بن عبد الله القسرى البركة التى بفم الثّقبة، ويقال لها: بركة القسرىّ، ويقال لها أيضا: بركة البردى ببئر ميمون. وهى قائمة إلى اليوم بأصل ثبير، فعملها بحجارة منقوشة طوال، وأحكمها وأنبط ماءها فى ذلك الموضع، ثم شقّ لها عينا تسكب فيها من الثّقبة، وبنى سدا للثّقبة وأحكمه، والثّقبة بشعب يفرع فيه وجه ثبير، ثم شق من هذه البركة عينا تجرى إلى المسجد الحرام، فأجراها فى قصب من رصاص، حتى أظهرها فى فوارة تسكب فى فسقيّة من رخام بين زمزم والركن والمقام. ولما أن جرت وظهر ماؤها أمر القسرى بجزر فنحرت بمكة، وقسمت بين الناس، وعمل طعاما فدعا إليه الناس، وأمر مناديا فنادى: هلموا إلى الماء العذب واتركوا أم الخناس - يعنى زمزم - ثم أمر صائحا فصاح: الصلاة جامعة. ثم أمر بالمنبر فوضع فى وجه الكعبة، ثم صعد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، احمدوا الله ﵎، وادعوا لأمير المؤمنين الذى سقاكم الماء العذب الزّلال النّقاح بعد الماء المالح الأجاج، الذى لا يشرب إلا صبرا - يعنى

стр. 737

زمزم - قال: ثم تفرغ تلك الفسقيّة فى سرب من رصاص، يخرج إلى وضوء كان عند باب المسجد؛ باب الصفا، فى بركة كانت فى السوق، فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقيّة، ولا يكاد أحد يأتيها، وكانوا على شرب ماء زمزم أرغب ما كانوا فيها، فلما رأى ذلك خالد صعد المنبر فتكلم بكلام يؤنب فيه أهل مكة (١). وأحدث خالد بن عبد الله القسرى فى ولايته لمكة عن سليمان ابن عبد الملك حدثا منكرا، فقام إليه رجل من بنى عبد الدار بن قصى يقال له طليحة بن عبد الله بن شيبة، ويقال بل هو عبد الله بن شيبة الأعجم، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر وعما فعل. فغضب خالد غضبا شديدا، وأخاف الرجل. فخرج إلى سليمان بن عبد الملك يشكو إليه ويتظلّم منه، فكتب سليمان إلى خالد ألاّ يتعرض لخدمة الكعبة ثم أرسل خالد بعد ذلك إلى عبد الله بن شيبة يسأله أن يفتح له الكعبة فى وقت ما، ولم ير ذلك/عبد الله بن شيبة، فامتنع عليه؛ فدعا به فضربه مائة سوط على ظهره، فخرج عبد الله بن شيبة هو ومولى له على راحلتين فأتى سليمان (٢) فكشف عن ظهره

стр. 738

بين يديه، وقال له: هذا الذى أوصيته بى!! فقال: إلى من تختار أكتب لك؟ قال: إلى محمد بن هشام. قال: فكتب إليه إن كان خالد ضربه بعد أن أوصل إليه كتابى وقرأه فاقطع يده، وإن كان ضربه ولم يقرأ كتابى فأقده منه. فقدم بالكتاب على محمد بن هشام، فدعا بالقسرى فقرئ عليه فقال: الله أكبر يا غلام إيت بالكتاب. فأتى به مختوما لم يقرأه، فأخرجه محمد بن هشام إلى باب المسجد، وحضر القرشيّون والناس، فجرّده ثم أمر به أن يضرب [فضرب مائة] (١) فلما أصابه الضرب (٢) كأنه تمايل بعد ذلك فى ضربه (٢)، ثم بعد ذلك لبس ثيابه فرجع إلى امرأته فقال الفرزدق: لعمرى لقد صبّت على ظهر خالد … شآبيب ما استهللن من سبل القطر أيجلد فى العصيان من كان عاصيا … وتعصى أمير المؤمنين أخا قسر (٣) وقال فيه أيضا: -

стр. 739

سلوا خالدا لا قدّس الله خالدا … متى وليت قسر قريشا تدينها أبعد رسول الله أم قبل عهده … وجدتم قريشا قد أغثّ سمينها رجونا هداه لا هدى الله قلبه … وما أمّه بالأمّ يهدى جنينها (١) فقالت أم الضحاك وهى يمانية: فما جلد القسرىّ فى أمر ريبة … وما جلد القسرىّ فى شرب الخمر له جلم يسمى الحسام وشفرة … هذام فما تفرى الشّفار كما تفرى (٢) تعرض للأعجم أنه يسرق الحاج. ويقال لما جاء العبدرى بكتاب سليمان إلى خالد وضعه ولم يفتحه، وأمر به فبرّز وجلد، ثم فتح الكتاب فقرأه، فقال: لو كنت دريت بما فى كتاب أمير المؤمنين ما ضربتك. فرجع العبدرى إلى سليمان فأخبره، فغضب وأمر بالكتاب فى قطع يد خالد: فكلمه فيه يزيد/بن المهلّب وقبل يده، فوهب له يده، وكتب فى قوده منه، فجلد خالد مثل ما جلده (٣). وقد ورد فى هذه الأخبار أن خالد بن عبد الله القسرى ولى مكة المشرفة لعبد الملك بن مروان ولأولاده الوليد وسليمان وهشام (٤).

стр. 740

وكانت ولاية عبد الملك بعد أبيه سنة خمس وستين، ثم ولى الوليد بعد موت والده فى سنة ست وثمانين، ثم ولى بعد موت الوليد أخوه سليمان فى سنة تسع وتسعين. وكانت ولاية هشام بعد موت أخيه يزيد فى سنة خمس ومائة، ومات سنة خمس وعشرين. وفيها حجّ بالناس عمر بن عبد العزيز، وقيل عبد العزيز بن الوليد، وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: حجّ بالناس فى هذه السنة عبد العزيز بن الوليد، وقيل عثمان بن حيان، وقيل محمد بن الوليد (١). *** «سنة أربع وتسعين» فيها كان أمير مكة خالد بن عبد الله القسرى (٢). وفيها حجّ بالناس سليمان بن عبد الملك، وقيل مسلمة بن عبد الملك، وقيل عبد العزيز بن الوليد، وقيل عثمان بن حيان المرى (٣).

стр. 741

«سنة خمس وتسعين» فيها فى شعبان قتل الحجاج بن يوسف الإمام أبا محمد سعيد ابن جبير بن هشام الأسدى (١). وفيها حج بالناس الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقيل ولده بشر (٢). ودخلت على الوليد بن عبد الملك عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمى (٣) - وهو بمكة - فقالت: يا أمير المؤمنين، مر لى بأعوان يكونون معى. فضم إليها جماعة يكونون معها، فحجّت ومعها ستون بغلا وعليها الهوادج والرحائل. وحجت سكينة بنت الحسين (٤)، وكانت عائشة أحسن منها آلة وثقلا، فقال حادى عائشة: عائش يا ذات البغال الستين … لازلت ما عشت كذا تحجين فشق على سكينة، فنزل حاديها فقال: عائش هذى ضرة تشكوك … لولا أبوها ما اهتدى أبوك فأمرت عائشة حاديها أن يكفّ.

стр. 742

«سنة ست وتسعين» فيها عزل سليمان بن عبد الملك/خالد بن عبد الله القسرى عن مكة، وولاّها طلحة بن داود الحضرمى (١). وفيها حج بالناس أمير المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى (٢). وفيها حج الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفى ﵁، وروى عن عبد الله بن [الحارث بن] (٣) جزء الزبيدى الصحابى ﵁. *** «سنة سبع وتسعين» فيها حج الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان، ولمّا طاف بالبيت كان إلى جانبه خليفته الإمام العادل عمر بن عبد العزيز، وإلى الجانب الآخر محمد بن كعب القرظى، فقال سليمان

стр. 743

ابن عبد الملك: كيف كان بناء الكعبة حين بناها ابن الزبير؟ فأشار له عمر بن عبد العزيز إلى ما كان ابن الزبير فعل، وأنه جعل لها بابين، وأدخل الحجر فى البيت. فقال سليمان: ليت أن أمير المؤمنين - يعنى أباه - كان ولّى ابن الزبير ما تولّى من ذلك. فقال له عمر بن عبد العزيز: أما إنى سمعته يقول ليت أنى تركت ابن الزبير وما تحمّل. قال سليمان: أنت سمعته يقول ذلك؟ قال: نعم. ثم التفت إلى محمد بن كعب القرظى فقال: كم طولها؟ قال: سبعة وعشرون ذراعا. قال: وعلى ذلك كانت؟ قال: لا. قال: فكم كانت على عهد النبى ﷺ ؟ قال: ثمانية عشر ذراعا. قال: فمن زاد فيها؟ قال: ابن الزّبير. قال سليمان: لولا أمر كان أمير المؤمنين فعله لأحببت أن أردّها على ما بناها ابن الزبير، علىّ بحجاب البيت. فدخل هو وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب القرظى، فجعل سليمان ينظر إلى ما فيها من الحلى، فقال لمحمد بن كعب: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين أقرّه رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، ثم أقرّه الولاة بعده؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، ومعاوية ﵃. قال: صدقت (١). واجتمع الخليفة سليمان بعمر بن أبى ربيعة بعد أن أرسل إليه، وخاطبه عمر يا أمير المؤمنين، قال: أنت القائل: - وكم من قتيل لا يباء به دم … ومن غلق رهنا إذا ضمّه منى

стр. 744

ومن مالئ عينيه من شئ غيره … إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى/ يسحّبن أذيال المروط بأسوق … خدال إذا ولّين أعجازها روا أوانس يسلبن الحليم فؤاده … فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى فلم أر كالتّجمير منظر ناظر … ولا كليالى الحجّ أفتنّ ذا هوى (١) قال: نعم. قال سليمان بن عبد الملك: والله لم يشهد الحج العام مع الناس، أما والله لو اهتممت بحجّك لم تنظر إلى شئ غيرك، فإذا لم تفلت الناس منك فى هذه الأيام فمتى يفتلون؟ ثم أمر بنفيه إلى الطائف، فقال: يا أمير المؤمنين أو خير من ذلك؟ قال: ما هو؟ قال: أعاهد الله ألاّ أعود لمثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء فى شعر أبدا، وأجدّد توبة على يدك، قال: أو تفعل؟ قال: نعم. فعاهد الله على توبته وخلاّه (٢). ورأى سليمان بن عبد الملك الناس فى الموسم فقال لعمر بن عبد العزيز: ما ترى هذا الخلق الذى لا يحصى عدده إلا الله تعالى، ولا يسع رزقهم غيره؟ فقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء

стр. 745

اليوم رعيّتك. وغدا خصماؤك. فبكى بكاء شديدا، ثم قال: الله المستعان (١). وحملت ملابس جسم سليمان فى هذه الحجة على سبعمائة بعير وقيل تسعمائة. وقال فى حجه هذا للقيم على طعامه: أطعمنى من خرفان المدينة، ودخل الحمام وخرج وقد شوى له أربعة وثمانين خروفا، فأكل من كل خروف جمازجه مع شحم كلية حتى أتى على آخرها، ثم دعى الناس إلى طعامه فأكل معهم ما كان يأكل. وأتى الطائف فسأله ابن أبى زهير الثقفى أن ينزل عليه، فجاءه برمان فأكل منه مائة (٢) وسبعين رمّانة، وخروفا، وست دجاجات، وعشرين رقاقة، ثم أكل مع الناس. وفيها عزل طلحة بن داود الحضرمى عن مكة، وكان عمله عليها ستة أشهر، وولى عليها عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد (٣).

стр. 746

وفيها حجّ بالناس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك (١) كذا قال العتيقى، وقال المسعودى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة/أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٢). *** «سنة ثمان وتسعين» فيها حج بالناس أمير مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد الأموى، كذا قال ابن الأثير (٣)، وقال المسعودى: إن الذى حج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٤). *** «سنة تسع وتسعين» فيها كان عامل الحرمين لعمر بن عبد العزيز ﵁ عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبى العيص (٥).

стр. 747

وفيها حج بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارى (١). *** «سنة مائة من الهجرة» فيها قدم كتاب من عمر بن عبد العزيز لعامله على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ينهى عن كراء بيوت مكة، ويأمره بتسوية منى. قال: فجعل الناس يدسون إليهم الكراء سرّا ويسكنون (٢). وفيها حجّ بالناس أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (٣). *** «سنة إحدى ومائة» (٤) فيها بعث الخليفة الوليد بن يزيد (٥) بالسرير الزينبى، وبهلالين وكتب عليهما اسمه وأمر بتعليقهما فى الكعبة.

стр. 748

وفيها حج بالناس أمير مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد الأموى كذا قال .. (١) وقال المسعودى (٢) والعتيقى وابن الأثير: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة أمير المدينة عبد الرحمن ابن الضحاك بن قيس الفهرى (٣). وفيها - أو فى التى بعدها - مات أبو الحجاج مجاهد بن جبر، وهو ساجد الله (٤). *** «سنة اثنتين ومائة» (٥) فيها كان أمير مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد الأموى (٦).

стр. 749

وفيها حج بالناس أمير المدينة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس الفهرى (١). *** «سنة ثلاث ومائة» فيها عزل عبد العزيز بن عبد الله بن خالد الأموى عن إمرة مكة، وضمت مع إمرة المدينة إلى عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس ابن خالد الفهرى. وولى الطائف عبد الواحد بن عبد الله النصرى (٢). وفيها حج بالناس عبد الرحمن بن الضحاك (٣). *** «سنة أربع ومائة» فيها فى النصف من ربيع الأول، عزل عبد الرحمن بن الضحاك ابن قيس بن خالد الفهرى عن إمرة الحرمين والطائف (٤) بعبد الواحد

стр. 750

ابن عبد الله بن كعب بن عمير بن قنيع بن عبادة بن عوف بن فضل ابن معاوية بن هوازن النصرى - بالنون/والصاد المهملة - وسبب عزله أنه كان خطب فاطمة بنت الحسين، فامتنعت من قبوله، فألحّ عليها وتوعدها، فشكته إلى الخليفة يزيد بن عبد الملك، فبعث إلى عبد الواحد فولاه الحرمين والطائف، وأمره أن يضرب عبد الرحمن بن الضحاك حتى يسمع صوته وهو متكئ على فراشه بدمشق، وأن يأخذ منه أربعين ألفا. فلما بلغ ذلك عبد الرحمن ركب إلى دمشق واستجار بمسلمة بن عبد الملك، فدخل على أخيه فقال: إن لى إليك حاجة، قال: كل حاجة تقولها فهى لك إلا أن يكون ابن الضحاك. فقال: هو والله حاجتى. فقال: والله لا أقيله ولا أعفو عنه. فردوه إلى المدينة، فتسلمه عبد الواحد، فضربه وأخذ ماله حتى تركه فى جبة صوف يسأل الناس فى المدينة (١). وفيها حج بالناس أمير الحرمين عبد الواحد بن عبد الله النصرى (٢). وفيها ضربت الأميال من الكوفة إلى مكة (٣).

стр. 751

«سنة خمس ومائة» فيها كان أمير مكة والمدينة عبد الواحد بن عبد الله النصرى. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى (١) خال هشام بن عبد الملك، وأرسل إلى عطاء بن أبى رباح يقول: متى أخطب بمكة؟ فقال: بعد الظهر قبل التروية بيوم، فخطب قبل الظهر وقال: أخبرنى رسولى بهذا عن عطاء. فقال عطاء: ما أمرته إلا بعد الظهر. فاستحى إبراهيم يومئذ وعدوه منه جميلا (٢). *** «سنة ست ومائة» فيها عزل عن الحرمين والطائف عبد الواحد النصرى بإبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومى، وقدم إبراهيم المدينة فى يوم الجمعة لسبع عشرة ليلة مضت من جمادى الآخرة فكانت ولاية النصرى سنة وثمانية أشهر (٣). وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام، كذا [قيل. و] (٤) قال

стр. 752

سبط ابن الجوزى: إن الذى حجّ بالناس - بالاتفاق - أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان (١)، وكتب له أبو الزناد سنن الحج، قال أبو الزناد: لقيت هشاما؛ فإنى لفى الموكب إذ لقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان، فسار إلى جنبه فسمعته يقول له: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى لم يزل ينعم على أهل بيت أمير المؤمنين/وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون فى هذه المواطن أبا تراب، فإنها مواطن صالحة، وأمير المؤمنين لا ينبغى له إلا أن يلعنه فيها. فشق ذلك على هشام من قوله. فقال: ما قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجا. ثم قطع كلامه وأقبل علىّ يسألنى عن الحج، فأخبرته بما كتبت له. قال: وشقّ على سعيد أنى سمعته يتكلم بذلك وكان منكسرا كلما رآنا (٢). ودخل هشام الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال له: يا سالم سلنى حاجة. فقال: إنى لأستحى من الله أن أسأل فى بيته غير الله. فلما خرج سالم سأله فى أمره فقال: الآن خرجت فسلنى حاجة. فقال له سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ فقال: من حوائج الدنيا. فقال له سالم: ما سألت الدنيا من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها!! (٣).

стр. 753

وفيها حج إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمى الذى يقال له أسد الحجاز (١)، وجلس على الحجر فلما طاف هشام بالبيت ومر بإبراهيم صاح به وقال: أسألك بالله وبحرمة هذا البيت الذى خرجت معظما له إلا رددت علىّ ظلامتى. قال: أى ظلامة. قال: دارى مقبوضة. قال: فأين كنت عن أمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: ظلمنى والله. قال: فأين كنت عن الوليد بن عبد الملك؟ قال: ظلمنى. قال: فأين كنت عن سليمان؟ قال: ظلمنى. قال: فأين كنت عن عمر بن عبد العزيز؟ قال: يرحمه الله ردّها علىّ فلما ولى يزيد بن عبد الملك قبضها؛ وهى اليوم فى يد وكلائك ظلما. فقال هشام: أما والله لو كان فيك موضع ضرب لأوجعتك. فقال: فىّ والله ضرب السوط والسيف. ومضى هشام ثم دعا الأبرش الكلبى - وكان خاصا به - فقال: يا أبرش، كيف ترى هذا اللسان؟ قال: ما أجوده!! قال هشام: هى قريش وألسنتها، ولا يزال فى الناس بقايا ما رأيت مثل هذا (٢). ويقال لما قال إبراهيم لهشام ناشدتك الله فى ظلامتى. قال: ما فعل عبد الملك فيها؟ قال إبراهيم: ترك الحق وهو يعرفه. قال: فما صنع الوليد؟ قال: اتّبع أثر أبيه، وقال ما قال القوم الظالمون

стр. 754

﴿إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١) قال: فما فعل سليمان؟ قال: لا خلى ولا سرّى - وفى رواية لا قفى ولا سيرى - قال؟ وما فعل عمر؟ قال: ردّ الحق إلى أربابه ﵀. واستشاط هشام غضبا/وكان إذا غضب انقلبت (٢) حولته ودخلت عينه فى محاجره (٣). ثم أقبل عليه وقال: أما والله أيها الشيخ لو كان فيك موضع ضرب لأحسنت أدبك. فقال: فىّ والله الدين والحسب لا يتعدى الحق وأهله، وسيكون غدا نجث (٤) وستعلم. وهذه الرواية أحسن من الرواية الأولى وأوقع فى القلب لما فيها من البلاغة والإيجاز وتعجب هشام منه، وتقريعه للأبرش الكلبى. وكانت هذه الدار بين الصفا والمروة، وتسمى دار آل علقمة، وكان لآل طلحة فيها شئ، والذى أخذها نافع بن علقمة الكنانى، وهو خال مروان بن الحكم، وكان عاملا لعبد الملك بن مروان على مكة، ولم ينصفهم عبد الملك من نافع بن علقمة. وكان هشام بن عبد الملك حج أيضا فى زمن أبيه وأخيه الوليد فطاف بالبيت، وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه، فلم

стр. 755

يقدر عليه، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه أهل الشام إذ أقبل علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵃ وهو من أحسن الناس وجها، وأطيبهم ريحا - فلما بلغ إلى الحجر تنحّى له الناس حتى يستلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذى قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه. مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرا فقال الفرزدق: هذا الّذى تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحلّ والحرم هذا ابن خير عباد الله كلّهم … هذا التقىّ النقىّ الطاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها … إلى مكارم هذا ينتهى الكرم ينمى إلى ذروة العزّ التى قصرت … عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته … ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم يغضى حياء ويغضى من مهابته … ولا يكلّم إلاّ حين يبتسم من جدّه دان فضل الأنبياء له … وفضل أمّته دانت له الأمم ينشقّ نور الهدى عن نور غرّته … كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم مشتقّة من رسول الله نبعته … طابت عناصره والخيم والشّيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله … بجدّه أنبياء الله قد ختموا الله شرّفه قدما وكرّمه … جرى بذاك له فى لوحه القلم فليس قولك من هذا بضائره … العرب تعرف من أنكرت والعجم كلتا يديه غياث عمّ نفعهما … تستوكفان ولا يعروهما العدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره … يزينه اثنان حسن الخلق والكرم حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا … حلو الشمائل يحلو عنده نعم

стр. 756

ما قال لا قطّ إلا فى تشهّده … لولا التّشهّد كانت لاءه نعم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته … رحب الفناء أريب حين يعتزم عمّ البريّة بالإحسان فانقشعت … عنها العماية والإملاق والعدم من معشر حبّهم دين وبغضهم … كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمّتهم … أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم لا يستطيعون جودا بعد غايتهم … ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت … والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم … سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا يستدفع السوء والبلوى بحبّهم … ويستزاد به الإحسان والنّعم مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم … فى كل برّ ومختوم به الكلم تأبى لهم أن يحلّ الذمّ ساحتهم … خيم كريم وأيد بالندى هضم أىّ الخلائق ليست فى رقابهم … لأوّليّة هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أوّليّة ذا … العلم من بيت هذا ناله الأمم (١) فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة وبلغ ذلك علىّ بن الحسين، فبعث إلى الفرزدق باثنى عشر ألف دينار، وقال: أعذر يا أبا فراس؛ فلو كان عندنا أكثر من هذا لوصلناك به. فردّها الفرزدق وقال: يا ابن رسول الله، ما قلت الذى قلت إلا غضبا لله ورسوله، وما كنت لأرزأ عليه شيئا. فقال: شكر الله لك

стр. 757

ذلك، إلاّ أنّا أهل بيت إذا أنفذنا أموالنا لم تعد إلينا. فقبلها، وجعل يهجو هشاما وهو فى الحبس، فكان مما هجاه به: - يحبسنى بين المدينة والتى … إليها قلوب الناس يهوى منيبها/ يقلب رأسا لم يكن رأس سيّد … وعينا له حولاء باد عيوبها (١) أنبأنى بالقصيدة مع حكايتها المسندة الأصيلة أم محمد عائشة بنت محمد بن عبد الهادى الصالحى (٢) عن أبى بكر محمد بن أحمد عنتر، قال أنبأنا أبو القاسم عبد الرحمن بن مكّى بن عبد الرحمن بن عتيق الطرابلسى الإسكندرى، قال أنبأنا الحافظ أبو طاهر السّلفى - سماعا فى خامس عشرى المحرم سنة ست وتسعين وخمسمائة بالثغر - قال أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفى فى جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وأربعمائة بالكرخ بمدينة السلام، قال أنبأنا أبو الحسن محمد بن محمد بن على الورّاق قال، أنبأنا أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن منصور البصرى اللغوى قال: قرأتها على أبى عبد الله محمد بن أحمد يعقوب المتولى بالبصرة سنة أربع وأربعين وثلاثمائة على باب داره، وكتبته من كتاب أملاه إملاء من أصله، ثم قرأته بعد ذلك بعشر سنين عشية الجمعة لست

стр. 758

ليال بقين من شعبان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة على أبى الحسين محمد ابن محمد بن جعفر بن لنكك (١) اللغوى على باب داره، ولم يكن له أصل يرجع إليه، فذكر أنه قد سمعه. قال أبو عبد الله محمد بن زكريا ابن دينار، قال ابن عبيد الله محمد بن عائشة، قال حدثنى أبى وغيره قال: حج هشام بن عبد الملك فى زمن عبد الملك - أو الوليد - فطاف بالبيت فجهد أن يصل إلى الحجر فيستلمه فلم يقدر عليه - القصة - وفيها مات طاوس بن كيسان قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك (٢). *** «سنة سبع ومائة» فيها حج بالناس أمير الحرمين إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى (٣). *** «سنة ثمان ومائة» فيها حجّ بالناس أمير الحرمين إبراهيم بن هشام المخزومى (٤).

стр. 759

«سنة تسع ومائة» فيها حجّ بالناس أمير الحرمين والطائف إبراهيم بن هشام المخزومى، وخطب بمنى الغد من يوم النحر بعد الظهر، وقال سلونى فأنا ابن الوحيد/فإنكم لا تسألون أحدا أعلم منى. فقام إليه رجل من أهل العراق فسأله عن الأضحية؛ أواجبة هى أم مستحبة؟ فما درى أى شئ يقول، فنزل (١). *** «سنة عشر ومائة» فيها حجّ بالناس أمير الحرمين إبراهيم بن هشام المخزومى (٢). *** «سنة إحدى عشرة ومائة» فيها حج بالناس أمير الحرمين إبراهيم بن هشام المخزومى (٣). ***

стр. 760

«سنة اثنتى عشرة ومائة» فيها حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل أمير الحرمين إبراهيم بن هشام المخزومى (١). *** «سنة ثلاث عشرة ومائة» فيها كسفت الشمس بعد العصر بمكة، وكان بها يومئذ الليث بن سعد (٢)، وابن شهاب (٣)، وأيوب بن موسى (٤)، وعطاء بن أبى رباح (٥)، وأبو الزناد (٦)، وعمرو بن دينار (٧)، وابن أبى الحسين النوفلى (٨)، وابن أبى مليكة (٩)، وأبو بكر بن حزم (١٠)، وعمرو بن شعيب (١١)، وقتادة (١٢) وغيرهم،

стр. 761

فقاموا قياما يدعون، قال الليث: فقلت لأيوب بن موسى: ما لهم لا يصلّون وقد صلى النبى ﷺ ؟ قال: لأن النهى قد جاء فى الصلاة بعد العصر ألا تصلوا، فلذلك لا يصلون؛ وإن النهى يقطع الأمر. وفيها - أو فى التى بعدها - عزل عن إمرة مكة والطائف إبراهيم ابن هشام المخزومى وولى أخوه محمد (١). وفيها قيل حج بالنّاس إبراهيم بن هشام؛ كذا قال ابن الأثير (٢)، وقال هو والمسعودى والعتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة سليمان بن هشام بن عبد الملك (٣)، وقال سبط ابن الجوزى: حج بالناس هشام بن عبد الملك، وقيل إبراهيم بن هشام المخزومى، وقيل سليمان بن هشام بن عبد الملك. *** «سنة أربع عشرة ومائة» فيها حج بالناس محمد بن هشام المخزومى، وهو على مكة، كذا قال ابن جرير وابن الأثير - كلاهما فى قول - وقالا والمسعودى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة أمير المدينة خالد [بن

стр. 762

عبد الملك] (١) بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية (٢). وفيها - أو فى التى بعدها - مات [أبو] (٣) محمد عطاء بن رباح القرشى الجمحى المكى. *** «سنة خمس عشرة ومائة» فيها حج بالناس أمير مكة والطائف/محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى (٤)، وقيل خالد بن عبد الملك، والأول أصح. *** «سنة ست عشرة ومائة» فيها حج بالناس محمد بن هشام المخزومى، وقيل الوليد بن يزيد بن عبد الملك كذا قال المسعودى (٥) وابن الجوزى، وقال ابن الأثير وابن جرير وسبط ابن الجوزى: إن الذى حج بالناس الوليد،

стр. 763

وقال الأخير: وحمل معه الخمور والملاهى والكلاب، وأراد أن يشرب بمكة. وقال ابن الجوزى: إنه حمل معه كلابا فى صناديق وحمل معه خمرا، وعمل قبة من حديد - ويقال من ساج - على قدر الكعبة لتركب على أركان الكعبة، وتخرج لها أجنحة لتظله إذا طاف هو ومن أحب من أهله ونسائه. وكان فظّا متجبّرا، وأراد - بزعمه - أن يطوف فيها حول البيت، ويطوف الناس من وراء القبة، ولم يبق إلا أن تركب فخوّفه أصحابه، فجمع المغنين بمكة وتشاغل باللهو. ويقال: إنه أبى (١) إلا أن تركب، فقام الناس فى ذلك - الفقهاء والعباد - وغضبوا وتكلموا وقالوا: لا يكون هذا. وكان من أشدهم فى ذلك كلاما وقياما سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وكتب إلى الوليد بذلك. فكتب أن اتركوها. فقال سعد بن إبراهيم عند ذلك: ليس إلا هذا!! لاها الله حتى يصنع بها كما صنع بالعجل ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ (٢) النار النار. فدعا بالنار فأحرقت. ويقال إن القبّة حملت على الإبل من الشام ووجّه معها قائدا من قواد أهل الشام فى ألف فارس، وأرسل معه مالا يقسّمه فى أهل المدينة، فقدم بها فنصبت فى مصلّى رسول الله ﷺ ، ففزع لذلك أهل المدينة واجتمعوا فقالوا: إلى من نفزع فى هذا الأمر؟ فقالوا: إلى سعد بن إبراهيم. فأتاه الناس فأخبروه الخبر فأمرهم أن يضرموها

стр. 764

بالنار، فقالوا: لا نطيق ذلك؛ معها قائد فى ألف فارس من الشام. فدعا مولى له فقال: هلمّ الجراب، فأتاه بالجراب، فيه درع عبد الرحمن بن عوف التى شهد فيها بدرا، فصبها عليه، فقال/: هلمّ بغلتى. فأتاه ببغلته فركبها، فما تخلف عنه قرشى ولا أنصارى حتى إذا أتاها قال: علىّ بالنار. فأتى بالنار فأضرمها فيها؛ فغضب القائد فقيل له: هذا قاضى أمير المؤمنين ومعه الناس ولا طاقة لك به. فانصرف راجعا إلى الشام، وشبع عبيد أهل المدينة وبعض الناس مما استلبوه من حديدها (١). وفيها - وقيل بعد العشرين ومائة - مات المقرئ عبد الله بن كثير (٢). *** «سنة سبع عشرة ومائة» فيها كان واليا على مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومى (٣). وفيها حج بالناس خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم ابن أبى العاص (٤).

стр. 765

وفيها ماتت سكينة بنت الحسين بن على بن أبى طالب (١). *** «سنة ثمان عشرة ومائة» فيها حج بالناس أمير الحرمين والطائف محمد بن هشام المخزومى (٢). وفيها مات عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط بن أبى أحيحة الجمحى المكى بها (٣). وأبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو ابن العاص بالطائف (٤). *** «سنة تسع عشرة ومائة» فيها حج بالناس أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام. وقيل إن الذى حج بالناس فى هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام

стр. 766

ابن عبد الملك، كذا قال العتيقى وابن الأثير وابن الجوزى، وقال ابن الجوزى: فأظهر النسك والوقار وقسم بمكة والمدينة أموالا (١). وفيها حج ابن شهاب الزهرى (٢). *** «سنة عشرين ومائة» فيها كان سيل أبى شاكر وذلك لأنه حج بالناس فى السنة قبل هذه، وجاء هذا السيل عقيب حج أبى شاكر فسمى به (٣). وفيها حج بالناس أمير الحرمين والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومى (٤)، وقيل سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل أخوه يزيد (٥). ***

стр. 767

«سنة إحدى وعشرين ومائة» فيها حج بالناس أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام المخزومى (١) *** «سنة اثنتين وعشرين ومائة» فيها حج بالناس أمير الحرمين والطائف محمد بن/هشام المخزومى (٢). *** «سنة ثلاث وعشرين ومائة» فيها حج بالناس أمير الحرمين والطائف محمد بن هشام المخزومى (٣). كذا قال العتيقى، وقال ابن الأثير وابن جرير وابن الجوزى إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يزيد بن هشام بن عبد الملك (٤). وفيها مات قارئ مكة عبد الملك بن محيصن السهمى - مولاهم - المكى (٥).

стр. 768

«سنة أربع وعشرين ومائة» فيها حج بالناس أمير الحرمين محمد بن هشام المخزومى (١). وحج فى هذه السنة عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ومعه امرأته أم سلمة بنت هشام بن عبد الملك، وكان على بابها أمير الحرمين محمد بن هشام يرسل بالسلام (٢). *** «سنة خمس وعشرين ومائة» فيها ولى مكة والطائف خال أمير المؤمنين الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى بن أبى الحجاج بن يوسف (٣)، وقبض على محمد بن هشام، وإبراهيم بن هشام، لكونهما [خالى هشام بن عبد الملك] (٤) وقدم بهما المدينة فى شعبان؛ فأقامهما للناس ثم حملا إلى الشام، فأحضرا عند الوليد فدعا لهما بالسياط وأمر بجلدهما، فقال له محمد: أسألك بالقرابة. فقال: وأى قرابة بينى وبينك، هل أنت إلا من أشجع؟ قال: فأسألك بصهر عبد الملك. قال: لم تحفظه. قال: يا أمير المؤمنين

стр. 769

قد نهى رسول الله ﷺ أن يضرب بالسياط فى شئ إلا فى حد. قال: وفى حد أضربك وقود؛ أنت أول من سن ذلك على العرجىّ، وهو ابن عمى وابن أمير المؤمنين عثمان، فما رعيت حق جدّه، ولا نسبته لهشام، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر؛ أنا ولىّ ثأره، اضرب يا غلام. فضربهما ضربا شديدا - وكان محمد قد أخذ العرجىّ وقيّده وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين؛ لهجاء العرجى إيّاه - ثم أوثقهما الوليد بالحديد، ووجّه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، وأمره باستضافتهما وتعذيبهما حتى يتلفا، وكتب إليه: احبسهما مع ابن النصرانية - يعنى خالدا القسرى - ونفسك نفسك إن عاش أحد منهم. فعذبهما عذابا شديدا - وأخذ منهما مالا عظيما - حتى لم يبق/فيهما موضع للضرب، وكان محمد بن هشام مطروحا فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها. ولما اشتدت الحال بهما تحامل إبراهيم لينظر فى وجه محمد فوقع عليه فماتا جميعا، ومات خالد القسرى (١) معهما فى يوم واحد؛ فى المحرم من سنة ست وعشرين. وفيها حجّ بالناس أمير الحرمين يوسف بن محمد بن يوسف الثقفى (٢).

стр. 770

وفيها - أو فى سنة أربع وعشرين (١) مات أبو عامر القاسم ابن أبى بزة يسار المكى القارى (٢). *** «سنة ست وعشرين ومائة» فيها عزل يزيد بن الوليد عن إمرة مكة والطائف يوسف بن محمد الثقفى، وولى عليهما آبا محمد عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى (٣). وفيها حج بالناس عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز الأموى كذا قال الواقدى فيما ذكره ابن جرير (٤) وابن الجوزى، وقال المسعود (٥) والعتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عمر بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان (٦).

стр. 771

وفيها أو فى التى بعدها مات عمرو بن دينار (١). *** «سنة سبع وعشرين ومائة» فيها حج بالناس أمير مكة والمدينة والطائف أبو محمد عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى (٢). *** «سنة ثمان وعشرين ومائة» فيها حج بالناس عامل مروان (٣) على الحرمين والطائف عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز الأموى (٤). وفيها حج أبو حمزة الخارجى، واسمه المختار بن عوف الأزدى السلمى النضرى، وكان فى كل سنة قبل هذه يوافى مكة ويدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى فى هذه السنة

стр. 772

عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق، فقال له: يا رجل، أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معى فإنى مطاع فى قومى. فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مروان (١). *** «سنة تسع وعشرين ومائة» فيها عزل مروان بن محمد الحمار عن إمرة الحرمين عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز الأموى، وولى عبد الواحد/بن سليمان ابن عبد الملك بن مروان (٢). وحج بالناس عبد الواحد، ولم يشعر الناس بعرفة إلا وقد طلعت عليهم من جبال عرفة من طريق الطائف أعلام وعمائم سود على رءوس الرّماح وهم عشرة آلاف، ويقال سبعمائة رجل رسل عبد الله بن يحيى الأعور الكندى المسمى طالب الحق، ومقدمهم أبو حمزة المختار بن عوف الخارجى الإباضى ومعهم بلج (٣) بخلافهم مروان وآل مروان والتّبرّى منهم، فراسلهم عبد الواحد بن سليمان

стр. 773

ابن عبد الملك فى المسألة وطلب منهم الهدنة حتى تنقضى أيام الحج. فقالوا: نحن بحجنا أضنّ أو قالوا -: أمسّ وعليه أشح - فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير، ويصبحوا من الغد. فوقفوا بعرفة على حدة، ودفع بالناس عبد الواحد؛ فنزل بمنى فى منزل السلطان، ونزل أبو حمزة الخارجى مقدم الفريق الآخر بقرن الثعالب (١) فأرسل عبد الواحد إلى أبى حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، ومحمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب، وربيعة بن أبى عبد الرحمن فى رجال أمثالهم، فدخلوا على أبى حمزة وعليه إزار قطرى (٢) غليظ. فتقدم إليه عبد الله بن حسن، ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبس فى وجوههما، وأظهر الكراهة لهما، ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن عمر فانتسبا له، فبشّ إليهما وتبسّم فى وجوههما وقال: والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما - فقال له عبد الله بن الحسن: والله ما جئناك لتفضل بين آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يخبرك بها. فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة: معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به، والله لا أفعل ولو

стр. 774

قطعت رقبتى هذه، /ولكن تنقضى الهدنة بيننا وبينكم. فرجعوا إلى عبد الواحد فأخبروه، فلما كان يوم النفر الأول خرج عبد الواحد يفيض حتى مضى على وجهه وترك فساطيطه وثقله بمنى، وسار إلى المدينة وخلّى مكة، فدخلها أبو حمزة بغير قتال، فقال بعضهم فى عبد الواحد: - زار الحجيج عصابة قد خالفوا … دين الإله ففرّ عبد الواحد ترك الحلائل والإمارة هاربا … ومضى يخبّط كالبعير الشّارد ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فضرب على أهلها البعث، وزادهم فى العطاء عشرة عشرة، وأمرهم بالتجهيز (١). *** «سنة ثلاثين ومائة» فيها بعث عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان من المدينة النبوية جيشا لقتال أبى حمزة، وأمّر عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فخرجوا فلما كانوا بالحرّة لقيتهم جزر منحورة. فتقدموا فلما كانوا بالعقيق تعلّق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح؛ فتشاءم الناس بالخروج. وسار أبو حمزة من مكة لقتال جيش عبد الواحد،

стр. 775

واستخلف على مكة أبرهة بن الصّبّاح الحميرى، وأرسل رسله إلى جيش عبد العزيز وهو يقول: إننا والله ما لنا بقتالكم حاجة، دعونا نمضى إلى عدونا. فأبى أهل المدينة، ولم يجيبوه إلى ذلك، وساروا حتى نزلوا بقديد لسبع مضين (١) من صفر، وتفرقوا بعد نزولهم هناك، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أصحاب أبى حمزة من الغياض فقتلوهم، وكانت المقتلة بقريش - وفيهم كانت الشوكة - فأصيب منهم عدد كثير نحو سبعمائة، وكانوا مترفين (٢) ليسوا بأصحاب حرب، وقدم المنهزمون المدينة فكانت المرأة تقيم النوائح على زوجها ومعها النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رجالهن، فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة منهن تذهب لقتل زوجها فلا يبقى عندها امرأة لكثرة من قتل. وقيل إن خزاعة دلّت (٣) أبا حمزة على أصحاب قديد، وسار أبو حمزة إلى المدينة فدخلها لثلاث عشرة بقيت من صفر (٤) /ومضى عبد الواحد منها إلى الشام فأتى مروان بن محمد فأخبره. فانتخب مروان من عسكره أربعة آلاف فارس واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية (٥) السعدى. وولاّه الحرمين واليمن، وأمره
следующие страницы →