وفيها أو فى التى بعدها مات عمرو بن دينار (١).
***
«سنة سبع وعشرين ومائة»
فيها حج بالناس أمير مكة والمدينة والطائف أبو محمد عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموى (٢).
***
«سنة ثمان وعشرين ومائة»
فيها حج بالناس عامل مروان (٣) على الحرمين والطائف عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز الأموى (٤).
وفيها حج أبو حمزة الخارجى، واسمه المختار بن عوف الأزدى السلمى النضرى، وكان فى كل سنة قبل هذه يوافى مكة ويدعو الناس إلى خلاف مروان بن محمد، فلم يزل كذلك حتى وافى فى هذه السنة
стр. 772
عبد الله بن يحيى المعروف بطالب الحق، فقال له: يا رجل، أسمع كلاما حسنا، وأراك تدعو إلى حق، فانطلق معى فإنى مطاع فى قومى. فخرج حتى ورد حضرموت، فبايعه أبو حمزة على الخلافة، ودعا إلى خلاف مروان (١).
***
«سنة تسع وعشرين ومائة»
فيها عزل مروان بن محمد الحمار عن إمرة الحرمين عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز الأموى، وولى عبد الواحد/بن سليمان ابن عبد الملك بن مروان (٢).
وحج بالناس عبد الواحد، ولم يشعر الناس بعرفة إلا وقد طلعت عليهم من جبال عرفة من طريق الطائف أعلام وعمائم سود على رءوس الرّماح وهم عشرة آلاف، ويقال سبعمائة رجل رسل عبد الله بن يحيى الأعور الكندى المسمى طالب الحق، ومقدمهم أبو حمزة المختار بن عوف الخارجى الإباضى ومعهم بلج (٣) بخلافهم مروان وآل مروان والتّبرّى منهم، فراسلهم عبد الواحد بن سليمان
стр. 773
ابن عبد الملك فى المسألة وطلب منهم الهدنة حتى تنقضى أيام الحج.
فقالوا: نحن بحجنا أضنّ أو قالوا -: أمسّ وعليه أشح - فصالحهم على أنهم جميعا آمنون بعضهم من بعض حتى ينفر الناس النفر الأخير، ويصبحوا من الغد. فوقفوا بعرفة على حدة، ودفع بالناس عبد الواحد؛ فنزل بمنى فى منزل السلطان، ونزل أبو حمزة الخارجى مقدم الفريق الآخر بقرن الثعالب (١) فأرسل عبد الواحد إلى أبى حمزة عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، ومحمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر ابن الخطاب، وربيعة بن أبى عبد الرحمن فى رجال أمثالهم، فدخلوا على أبى حمزة وعليه إزار قطرى (٢) غليظ. فتقدم إليه عبد الله بن حسن، ومحمد بن عبد الله فنسبهما فانتسبا له، فعبس فى وجوههما، وأظهر الكراهة لهما، ثم سأل عبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن عمر فانتسبا له، فبشّ إليهما وتبسّم فى وجوههما وقال:
والله ما خرجنا إلا لنسير بسيرة أبويكما - فقال له عبد الله بن الحسن: والله ما جئناك لتفضل بين آبائنا، ولكن بعثنا إليك الأمير برسالة، وهذا ربيعة يخبرك بها. فلما ذكر له ربيعة نقض العهد قال أبو حمزة: معاذ الله أن ننقض العهد أو نخيس به، والله لا أفعل ولو
стр. 774
قطعت رقبتى هذه، /ولكن تنقضى الهدنة بيننا وبينكم. فرجعوا إلى عبد الواحد فأخبروه، فلما كان يوم النفر الأول خرج عبد الواحد يفيض حتى مضى على وجهه وترك فساطيطه وثقله بمنى، وسار إلى المدينة وخلّى مكة، فدخلها أبو حمزة بغير قتال، فقال بعضهم فى عبد الواحد: -
زار الحجيج عصابة قد خالفوا … دين الإله ففرّ عبد الواحد
ترك الحلائل والإمارة هاربا … ومضى يخبّط كالبعير الشّارد
ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة، فضرب على أهلها البعث، وزادهم فى العطاء عشرة عشرة، وأمرهم بالتجهيز (١).
***
«سنة ثلاثين ومائة»
فيها بعث عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان من المدينة النبوية جيشا لقتال أبى حمزة، وأمّر عليهم عبد العزيز بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، فخرجوا فلما كانوا بالحرّة لقيتهم جزر منحورة. فتقدموا فلما كانوا بالعقيق تعلّق لواؤهم بسمرة فانكسر الرمح؛ فتشاءم الناس بالخروج.
وسار أبو حمزة من مكة لقتال جيش عبد الواحد،
стр. 775
واستخلف على مكة أبرهة بن الصّبّاح الحميرى، وأرسل رسله إلى جيش عبد العزيز وهو يقول: إننا والله ما لنا بقتالكم حاجة، دعونا نمضى إلى عدونا. فأبى أهل المدينة، ولم يجيبوه إلى ذلك، وساروا حتى نزلوا بقديد لسبع مضين (١) من صفر، وتفرقوا بعد نزولهم هناك، فلم يشعروا إلا وقد خرج عليهم أصحاب أبى حمزة من الغياض فقتلوهم، وكانت المقتلة بقريش - وفيهم كانت الشوكة - فأصيب منهم عدد كثير نحو سبعمائة، وكانوا مترفين (٢) ليسوا بأصحاب حرب، وقدم المنهزمون المدينة فكانت المرأة تقيم النوائح على زوجها ومعها النساء حتى تأتيهن الأخبار عن رجالهن، فيخرجن امرأة امرأة كل واحدة منهن تذهب لقتل زوجها فلا يبقى عندها امرأة لكثرة من قتل. وقيل إن خزاعة دلّت (٣) أبا حمزة على أصحاب قديد، وسار أبو حمزة إلى المدينة فدخلها لثلاث عشرة بقيت من صفر (٤) /ومضى عبد الواحد منها إلى الشام فأتى مروان بن محمد فأخبره. فانتخب مروان من عسكره أربعة آلاف فارس واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية (٥) السعدى. وولاّه الحرمين واليمن، وأمره
стр. 776
أن يجد السير، وأن يقاتل الخوارج فإن هو ظفر بهم يسير حتى يبلغ اليمن ويقاتل عبد الله بن يحيى طالب الحق. فسار ابن عطية فلقى بلجا على مقدمة أبى حمزة بوادى القرى فاقتتلوا فقتل بلج وعامة أصحابه. ثم سار ابن عطية طالبا أبا حمزة فلحقه، فالتقى مع جيش أبى حمزة بالأبطح [بمكة] (١) ومع أبى حمزة خمسة عشر ألفا، ففرق عليه ابن عطية الخيل من أعلى مكة ومن أسفلها ومن قبل منى، وأتاه من أعلى الثنية، فقال أبو حمزة لأصحابه: لا تقاتلوهم حتى تخبروهم فصاحوا بهم: ما تقولون فى القرآن والعمل به؟ فقال ابن عطية: نضعه فى جوف الجوالق. قالوا: فما تقولون فى مال اليتيم؟ قال ابن عطية: نأكل ماله ونفجر بأمه. فى أشياء سألوه عنها. فلما سمعوا كلامه قاتلوه حتى أمسوا فصاحوا: ويحك يا ابن عطية؛ إن الله قد جعل الليل سكنا، فاسكن. فأبى فقاتلهم حتى قتلهم، وقتل أبرهة عند بئر ميمون (٢)، وقتل. أبو حمزة وخلق من جيشه وانهزم بقيتهم.
وسار ابن عطية إلى اليمن واستخلف على مكة ابن ماعز - رجلا من أهل الشام - فلما سمع عبد الله بن يحيى الكندى الأعور الملقب طالب الحق الذى أنفذ أبا حمزة إلى مكة خبر أبى حمزة
стр. 777
وأصحابه سار فى نحو ثلاثين ألفا حتى نزل صعدة (١)، فالتقى هو وجيش ابن عطية فقتل الأعور ومن معه، وبعث ابن عطية برأسه إلى مروان، فكتب إليه مروان يأمره أن يسرع السير للحجّ بالناس، فتوجّه ابن عطية بعد حروب جرت له فى اليمن فى خمسة عشرة رجلا - وقيل اثنى عشر رجلا - من وجوه أصحابه ليقيم الموسم ومعه أربعون ألف دينار (٢)، وخلف عسكره وخيله بصنعاء، وخلف على اليمن ابن أخيه، ونزل الجرف فأتاه/ابنا جمانة (٣) المراديّان فى جمع كثير، وقالوا له ولأصحابه: أنتم لصوص. وأخرج ابن عطية عهده على الحجّ؛ فقال: هذا عهد أمير المؤمنين بالحج، وأنا ابن عطية.
فقالوا: هذا باطل وأنتم لصوص، فقاتلهم ابن عطية حتى قتل (٤).
وفيها كان أمير الحرمين والطائف محمد بن عبد الملك بن مروان، كذا قال ابن الأثير (٥)، وقال: وفيها حج بالناس محمد بن عبد الملك بن مروان (٦)، وكذا قال ابن الجوزى، ويقال عبد العزيز
стр. 778
ابن عمر بن عبد العزيز، وقال المسعودى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة محمد بن عبد الملك بن عطية السعدى (١).
وفيها مات أبو صفوان (٢) حميد بن قيس الأسدى.
***
«سنة إحدى وثلاثين ومائة»
فيها حج بالناس عامل الحرمين والطائف الوليد بن عروة بن محمد بن عطية السعدى، من قبل عمه عبد الملك بن محمد بن عطية السعدى (٣).
***
«سنة اثنتين وثلاثين ومائة»
فيها حبس عامل مكة لمروان الوليد بن عروة السعدى سديف بن ميمون المكى الشاعر فى الحبس، وسبب ذلك أنه كان يتكلم فى بنى أميّة ويطلق لسانه فيهم ويهجوهم، وكان له فى الحساب نظر، وفى الأدب حظ وافر، وكان يجلس مع جماعة من
стр. 779
أهل مكة والطائف يسمرون فى المسجد الحرام إلى نصف الليل ونحوه فيتحدثون، ويخبرهم بدولة بنى هاشم أنها قريبة، فبلغ ذلك الوليد بن عروة فاتخذ عليه الأرصاد مع أصحابه حتى أخذوه فحبسوه، ثم جعل يجلده كل سبت مائة سوط، كلما مضى سبت أخرجه فضربه مائة سوط، حتى ضربه أسبتا (١).
وفيها ولّى أبو العباس السفاح (٢) إمرة الحرمين، واليمن واليمامة والحج بالناس عمّه أبا سليمان داود بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمى (٣)، فسار إلى مكة، فلما سمع الوليد بن عروة السعدى - وهو عامل مكة لمروان بن محمد - بأنّ داود بن على يريد مكة أيقن بالهلاك فخرج هاربا إلى الشام (٤).
وقدم داود بن على إلى مكة يوم الأربعاء [سنة اثنتين وثلاثين ومائة] (٥) /وأطلق سديف بن ميمون المكى الشاعر من الحبس، فلما أطلق مدح بنى العباس بقصيدة مطلعها:
стр. 780
أصبح الدّين ثابت الأساس … بالبهاليل من بنى العبّاس
طلبوا وتر هاشم فشفوها … بعد ميل من الزمان وباس
لا تقيلنّ عبد شمس عثارا … واقطعن كلّ رقلة وغراس
خوفها أظهر التّودّد منها … وبها منكم كحزّ المواسى
ولقد غاظنى وغاظ سوائى … قربهم من نمارق وكراسى
أنزلوها بحيث أنزلها اللّ … هـ بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيدا (١) … وقتيلا (٢) بجانب المهراس (٣)
والقتيل (٤) الذى بحرّان أضحى … ثاويا بين غربة وتناسى (٥)
وصعد داود على المنبر فخطب فأرتج عليه، فقام إليه سديف فخطب بين يديه فقال: أما بعد فإن الله بعث محمدا ﷺ ، فاختاره من قريش، نفسه من أنفسهم، وبيته من بيوتهم، فكان فيما أنزل عليه فى كتابه الذى حفظه وأشهد ملائكته على حقه ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٦) وجعل الحقّ من بعد محمد ﷺ إلى أهل
стр. 781
بيته، فقاتلوا على سنّته وملّته بعد غض من الزمان، وتتابع الشيطان بين ظهرانى أقوام، إن رتق حق فتقوه، وإن فتق جور رتقوه، آثروا العاجل على الآجل، والفانى على الباقى، أهل خمور وماجور، وطنابير ومزامير، إن ذكّروا (١) الله لم يذكروا، وإن قوّموا للّحقّ أدبروا، بهذا قام زمانهم، وبه كان يعمر سلطانهم، عمّ الضلال وأحبطت أعمالهم. إنّ غرّ آل محمد ﷺ أولى بالخلافة منهم، فبم ولم أيّها الناس؟ ألهم (٢) الفضل بالصحابة دون ذوى القربى، الشركاء فى النسب، والورثة للسّلب، مع ضربهم على الدين جاهلكم، وإطعامهم فى اللّأواء جائعكم، وأمنهم فى المخاوف سابلكم، والله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه؛ ما زلتم تولّون تيميّا مرّة، وعدويّا مرة، وأسديّا مرة، وأمويّا مرّة، حتى جاءكم من لا يعرف اسمه ولا نسبه، فضربكم/بالسيف، فأعطيتموها (٣) عنوة وأنتم كارهون آل محمد ﷺ ، أئمة الهدى، ومنار سبل التّقى، كم قصم الله بهم من منافق طاغ، وفاسق باغ، وأرثاد أملاغ (٤). فهم السادة القادة الذادة، بنو عمّ الرسول ﷺ ، ومنزل جبريل بالتنزيل، لم يسمع بمثل العباس (٥)، لم تخضع له الأمة إلا لواجب حقّ الحرمة،
стр. 782
أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه، وإحدى يديه، وجلدة ما بين عينيه، والموثّق له يوم العقبة، وأمينه يوم القيامة، ورسوله يوم مكة، وحاميه يوم حنين عند ملتقى الفئتين، والشافع يوم نيق العقاب (١)، إذ سار رسول الله ﷺ قبل الأحزاب، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم.
وخطب داود بمكة خطبة. وهى: شكرا شكرا، والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا، ولا لنبى فيكم قصرا، أظنّ عدوّ الله أن لن (٢) نظفر إذ [مد] (٣) له فى عنانه، حتى عثر فى فضل زمانه! فالآن عاد الحقّ فى نصابه، وطلعت الشمس من مشرقها، والآن تولّى القوس باريها، وعاد النّبل إلى النّزعة، ورجع الأمر إلى مستقرّه، فى أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرحمة. فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، ولا تجعلوا النّعم التى أنعم الله عليكم سببا لشح به هلكتكم، ويزيل النعمة عنكم.
وفيها رفع داود بن على العباسى - إثر قدومه إلى مكة - الفسقيّة التى جعلها خالد القسرىّ فى ولايته لمكة، بأمر سليمان بن عبد الملك، وقيل بأمر أخيه الوليد بن عبد الملك، بين زمزم والركن والمقام، وهدم البركة التى جعلها خالد أيضا عند باب الصفا، وصرف العين إلى بركة كانت بباب المسجد؛ فسرّ الناس بذلك سرورا عظيما (٤).
стр. 783
وفيها حجّ بالناس عامل الحرمين داود بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، وهى أول حجة حجها بنو العباس (١).
وفيها مات إبراهيم بن ميسرة الطائفى (٢).
وعبد الله بن أبى نجيح يسار الثقفى مولاهم (٣).
***
«سنة ثلاث وثلاثين ومائة»
فيها قتل داود بن على بن عبد الله/بن عباس من ظفر به من بنى أمية بالحرمين، ولما أراد قتلهم قال له عبد الله بن الحسن [بن الحسن] (٤) يا أخى، إذا قتلت هؤلاء فمن تباهى بملكك؟ ما يكفيك أن يروك غاديا ورائحا فيما يسرّك ويسوءهم؟! فلم يقبل منه وقتلهم.
وفيها مات أمير الحرمين داود بن على بن عبد الله بن عباس ليلة هلال ربيع الأول بالمدينة، واستخلف - حين حضرته الوفاة - ابنه موسى. وولّى الخليفة السفاح عمّه زياد بن عبيد الله بن عبد المدان
стр. 784
الحارثى الحرمين والطائف والحج بالناس، فحج بالناس هذه السنة زياد (١).
***
«سنة أربع وثلاثين ومائة»
فيها كان أمير الحرمين والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله.
وفيها ضربت الأميال بين مكة والكوفة (٢).
وفيها حج بالناس عامل الكوفة عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عباس (٣).
***
«سنة خمس وثلاثين ومائة»
فيها عزل عن مكة والطائف واليمامة زياد بن عبيد الله الحارثى بالعباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب (٤).
стр. 785
وفيها حج بالناس عامل البصرة سليمان بن على بن عبد الله بن عباس (١).
***
«سنة ست وثلاثين ومائة»
فيها كان عامل مكة العباس بن عبد الله بن معبد.
وفيها حجّ بالناس أبو جعفر المنصور قبل أن يستخلف، وحجّ معه أبو مسلم الخراسانى؛ واسمه عبد الرحمن بن مسلم، فكان فى طريقه يصلح العقاب ويكسو الأعراب كل منزل، ويصل من سأله، وحفر الآبار، وسهّل الطريق، وكان الصّيت له، وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه. وأمر مناديا فى طريقه إلى مكة: برئت الذّمة من رجل أوقد نارا فى عسكر الأمير، فلم يزل يغديهم ويعشيهم حتى بلغ مكة. ولما وصل الحرم نزل وخلع نعليه ومشى حافيا تعظيما للحرم، وأوقف فى المسعى خمسمائة وصيف على رقابهم المناديل يسقون الأشربة من سعى من الحاج بين الصفا والمروة. ورأى أهل اليمن، قال: أىّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان غزير الدمعة؟! فلما صدر الناس من الموسم نفر أبو مسلم قبل أبى جعفر (٢) كراهة اجتماعهما (٢) على الماء، فبضر ذلك بالناس، والتماس الرفق بهم (٣).
стр. 786
«سنة سبع وثلاثين ومائة»
فيها كان أمير مكة العباس بن عبد الله بن معبد، ومات بعد انقضاء الموسم فى هذه السنة، فضم إسماعيل بن على بن عبد الله عمله إلى زياد بن عبيد الله الحارثى، وأقرّه المنصور عليه (١).
وفيها حج بالناس إسماعيل بن على/بن عبد الله بن عباس (٢).
***
«سنة ثمان وثلاثين ومائة»
فيها فى المحرم كذا قال .... (٣)، وقال ابن الجوزى: إنه فى سنة تسع وثلاثين أمر أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور بالزيادة فى المسجد الحرام، فزيد فى شقة الشامى، الذى يلى دار العجلة، ودار الندوة، وفى أسفله، ولم يزد عليه فى أعلاه ولا فى شقه الذى يلى الوادى. واشترى من الناس دورهم الملاصقة بالمسجد من أسفله حتى وضعه على منتهاه اليوم. وكانت زاوية المسجد التى تلى أجياد الكبير عند باب بنى جمح، عند الأحجار النادرة [من جدر المسجد] (٤) التى عند بيت زيت قناديل المسجد، عند [آخر
стр. 787
منتهى] أساطين الرخام من أول الأساطين المبيضة، فذهب به فى العرض على المطمار حتى انتهى إلى المنارة التى بركن المسجد اليوم عند باب بنى سهم، وهى (١) من عمل أبى جعفر، ثم أصعد به على المطمار فى وجه دار العجلة حتى انتهى إلى موضع متزاور عند الباب الذى يخرج منه إلى دار حجير بن أبى إهاب بين دار العجلة ودار الندوة، وكان الذى ولى عمارة المسجد لأمير المؤمنين أبى جعفر زياد بن عبيد الله الحارثى وهو أمير على مكة، وكان على شرطته عبد العزيز بن عبد الله بن مسافع الشيبى جد مسافع بن عبد الرحمن. فلما انتهى به إلى الموضع المتزاور ذهب عبد العزيز ينظر فإذا هو إن مضى به على المطمار أجحف بدار شيبة بن عثمان، وأدخل أكثرها فى المسجد؛ فكلم زياد بن عبيد الله فى أنه يميل عنه المطمار شيئا ففعل، فلما صار إلى هذا الموضع المتزاور أماله فى المسجد؛ أمرّه على دار الندوة فأدخل أكثرها فى المسجد، ثم صار إلى دار شيبة بن عثمان فأدخل منها إلى الموضع الذى عنده آخر عمل الفسيفساء اليوم فى الطاق الداخل من الأساطين التى تلى دار شيبة ودار الندوة، فكان هذا الموضع زاوية المسجد، وكانت فيه منارة من عمل أمير المؤمنين أبى جعفر، ثم ردّه فى المعراض حتى وصله بعمل الوليد بن عبد الملك الذى فى أعلى المسجد. وإنما (٢) كان عمل أبى جعفر طاقا واحدا، وهو الطاق الأول الداخل الملاصق بدار شيبة بن عثمان ودار الندوة ودار العجلة ودار/زبيدة فذاك الطاق وهو عمل أبى
стр. 788
جعفر لم يغيّر، ولم يحرّك عن حاله إلى اليوم، وإنما عمل الفسيفساء فيه لأنه كان وجه المسجد، وكان بناء المسجد فى شق الوادى من الأحجار التى وضعت عند بيت الزيت، عند أول الأساطين المبيضة، عند منتهى أساطين الرخام، وكان من هذا الموضع مستقيما على المطمار حتى يلصق ببيت الشراب، وكان عمل أبى جعفر إيّاه بأساطين الرخام طاقا واحدا، وأزر المسجد كما يدور مرتبطة بالرخام، وجعل فى وجه الأساطين الفسيفساء، فكان هذا عمل أبى جعفر المنصور على ما وصفت، وكان ذلك كله على يدى زياد بن عبيد الله الحارثى.
وكتب على باب المسجد الذى يمر منه سيل المسجد؛ وهو سيل باب بنى جمح، وهو آخر عمل أبى جعفر من تلك الناحية بالفسيفساء الأسود [فى] (١) فسيفساء مذهب وهو قائم إلى اليوم «بسم الله الرحمن الرحيم: محمد رسول الله ﷺ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ - إلى قوله - ﴿غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٢). أمر عبد الله أمير المؤمنين - أكرمه الله - بتوسعة المسجد الحرام وعمارته والزيادة فيه نظرا منه للمسلمين واهتماما بأمورهم، وكان الذى زاد فيه الضعف مما كان عليه قبل
стр. 789
[وأمر ببنيانه وتوسعته فى المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة] (١) وفرغ منه ورفعت الأيدى عنه فى ذى الحجة سنة أربعين ومائة بتيسير أمر الله بأمر أمير المؤمنين ومعونة منه له عليه، وكفاية منه له وكرامة أكرمه الله بها. فأعظم الله أجر أمير المؤمنين فيما نوى من توسعة المسجد الحرام وأحسن ثوابه عليه فجمع الله [تعالى] (١) له به خير الدنيا والآخرة وأعز نصره وأيده (٢).
وفيها حجّ بالناس الفضل بن صالح بن على بن عبد الله بن عباس، وكان خرج من الشام حاجا فأدركته ولايته على الموسم والحج بالناس فى الطريق، فمرّ بالمدينة وأحرم منها، وكان زياد بن عبيد الله على الحرمين والطائف (٣).
***
«سنة تسع وثلاثين ومائة»
فيها كان على الحرمين والطائف زياد بن عبيد الله الحارثى (٤)
وفيها حج بالناس العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس (٥).
стр. 790
وفيها مات أبو الفضل بن/عياض بن مسعود التميمى الخراسانى فى الحرم (١).
***
«سنة أربعين ومائة»
فيها رخم الحجر - بكسر الحاء - بأمر أبى جعفر المنصور، وهو أول من رخّمه (٢).
وفيها فى ذى الحجة فرغ من توسعة المسجد الحرام.
وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور (٣)، وأحرم من الحيرة، وأعطى أشراف قريش ألف دينار لكل واحد منهم، ولم يترك أحدا منهم ومن أهل المدينة إلا أعطاه، إلا أنه لم يبلغ بأحد ما بلغ بالأشراف، وكان ممن أعطاه الألف دينار هشام بن عروة، وأعطى قواعد قريش صحائف الذهب والفضة وكساهن، وأعطى
стр. 791
بالمدينة عطايا لم يعطها أحد كان قبله، ولما قضى حجه توجّه إلى بيت المقدس، ثم سلك إلى الشام منصرفا حتى أتى الرقة ونزلها - وقيل الذى حج بالناس صالح بن على بن عبد الله بن عباس، كذا قال المسعودى (١).
***
«سنة إحدى وأربعين ومائة»
فيها عزل زياد بن عبيد الله الحارثى عن مكة والمدينة والطائف، واستعمل على المدينة محمد بن خالد بن عبد الله القسرى فى رجب، وعلى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العتكى من أهل خراسان (٢).
وفيها حجّ بالناس إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس كذا قال … (٣) وقال العتيقى وابن جرير وابن الجوزى وابن الأثير: إن الذى حج بالناس عامل دمشق وحمص وقنّسرين صالح بن على بن عبد الله بن عباس (٤)، وقال ابن الوردى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة الخليفة المنصور، وعاد إلى زيارة بيت المقدس (٥).
***
стр. 792
«سنة اثنتين وأربعين ومائة»
فيها عزل عن مكة الهيثم بن معاوية (١).
وفيها حج بالناس إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس (٢).
***
«سنة ثلاث وأربعين ومائة»
فيها عزل عن مكة والطائف الهيثم بن معاوية وولى السرى بن عبد الله بن الحارث بن عباس بن عبد المطلب (٣)، وأتاه عهده وهو باليمامة، فسار إلى مكة. وولى على اليمامة قثم بن العباس بن عبد الله ابن العباس (٤).
وفيها حج بالناس عامل الكوفة/عيسى بن موسى بن محمد ابن على (٥).
***
стр. 793
«سنة أربع وأربعين ومائة»
فيها بنى المسجد الذى يقال له مسجد البيعة بقرب العقبة التى هى بحد منى من جهة مكة فى شعب على يسار الذاهب إلى منى بينه وبين العقبة (١) غلوة (٢) أو أكثر.
وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور، وكان لما قدم مكة يخرج من دار الندوة إلى الطواف يطوف فى آخر الليل، ويصلى ولا يعلم به، فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة، وجاء المؤذنون يسلمون عليه، وأقيمت الصلاة فيصلى بالناس. فخرج ذات ليلة حين أسحر، فبينما هو يطوف إذ سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول:
اللهم أشكو إليك ظهور البغى والفساد فى الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فأسرع المنصور فى مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله، ثم خرج فجلس ناحية من المسجد، ثم أرسل إليه فدعاه.
فصلى ركعتين واستلم الركن، وأقبل مع الرسول فسلم عليه، فقال له المنصور: ما هذا الذى سمعتك تقول من ظهور البغى والفساد فى الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الظلم والطمع، فو الله لقد حشوت مسامعى ما أمرضنى وأقلقنى. فقال: يا أمير المؤمنين إن أمّنتنى على نفسى أنبأتك بالأمور من أصلها، وإلا أحتجب عنك،
стр. 794
وأقتصر على نفسى ففيها لى شغل شاغل. فقال: أنت أنت آمن على نفسك. فقال: يا أمير المؤمنين، إن الذى دخله الطمع حتى حال بينه وبين الحق وإصلاح ما ظهر من البغى والفساد فى الأرض لأنت. قال: ويحك، فكيف يدخلنى الطمع والصفراء والبيضاء فى يدى، والحلو والحامض فى قبضتى؟! قال: وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك يا أمير المؤمنين؟ إن الله استرعاك أمور المسلمين وأموالهم فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الآجرّ والجص، وأبوابا من الحديد، وحجبة معهم السلاح، واتخذت وزراء وأعوانا فجرة إن نسيت لم يذكروك، وإن أحسنت لم يعينوك/وقوّيتهم على ظلم الناس بالأموال والرجال والسلاح، وأمرت ألاّ يدخل عليك من الناس إلا فلانا وفلانا، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف والجائع والعارى، وما أحد إلاّ وله فى هذا المال حق، فما زال هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك، وأمرت ألا يحجبوا عنك، تجبى المال ولا تقسمه، قالوا: هذا قد خان الله فما بالنا لا نخونه وقد سخرلنا، وأتمروا على ألا يصل إليك من علم أخبار الناس إلا ما أرادوا، لا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه حتى تسقط منزلته، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمهم الناس وهابوهم، وكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليتقووا بها على ظلم رعيتك، (١) ثم جعل ذلك ذوو القدرة
стр. 795
وأكثروه من رعيتك لينالوا ظلم من دونهم من الرعية؛ فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا. وصار هؤلاء القوم شركاءك فى سلطانك وأنت غافل، فإن جاءهم متظلم حيل بينه وبين الدخول إلى مدينتك، وإن أراد رفع قصته إليك عند ظهورك وجدك قد نهيت عن ذلك، ووقّفت للناس رجلا ينظر فى مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل فبلغ بطائنك سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك، فإن صرخ بين يديك ضرب ضربا مبرحا؛ ليكون نكالا لغيره، وأنت تنظر ولا تنكر، فما بقاء الإسلام وأهله على هذا؟! قد كانت بنو أمية، وكان لا ينتهى إليهم مظلوم إلا رفعت ظلامته، ولقد كان الرجل يأتى من أقصى الأرض حتى يبلغ باب سلطانهم فينادى: يا أهل الإسلام فيبتدرونه: مالك مالك؟ فيرفعون مظلمته إلى سلطانهم، فينتصف له. وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين وبها ملك، فقدمتها مرة وقد ذهب سمع ملكهم، فجعل يبكى، فقال له وزراؤه:
مالك تبكى لا بكت عينك؟ فقال: أما إنى لست أبكى على المصيبة إذ نزلت بى، ولكن المظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته.
وقال: أنا إن كان ذهب سمعى/فإن بصرى لم يذهب، نادوا فى الناس ألاّ يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم. وكان يركب الفيل فى طرفى النهار؛ هل يرى مظلوما فينصفه.
هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شحّ نفسه فى ملكه، وأنت مؤمن بالله ، وابن عم نبيّه ﷺ ، لا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك؛ فإنك لا تجمع
стр. 796
الأموال إلا بواحدة من ثلاث: إن قلت أجمعها لولدى فقد أراك الله عبرا فى الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال - وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه - فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى يعظّم رغبة الناس فيه، ولست بالذى يعطى، بل الله يعطى من يشاء ما يشاء، وإن قلت أجمع المال ليشتد سلطانى. فقد أراك الله عبرا فيمن كان قبلك؛ ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وما أعدوا من السلاح والكراع، وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من الضعف حين أراد الله بكم ما أراد، وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هى أجسم من الغاية التى أنت فيها، فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح.
يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟ قال: لا. قال: فكيف تصنع مع الملك الذى خولك ما أنت فيه من ملك الدنيا!! وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود فى العذاب الأليم، وهو الذى يرى منك ما عقد عليه قلبك وأقرّته جوارحك، فما تقول إذا انتزع ملك الدنيا من يديك ودعاك إلى الحساب؟ هل يغنى عنك ما كنت فيه شيئا؟ فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته، ثم قال: ليتنى لم أخلق ولم أك شيئا. ثم قال: كيف احتيالى فيما خوّلت، ولم أر من الناس إلا خائنا؟ قال: يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام الراشدين. قال: وأين هم؟ /قال: العلماء. قال: قد فرّوا منى.
стр. 797
قال: هربوا منك مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك، ولكن افتح الأبواب، وسهّل الحجاب، وانتصر للمظلوم، وامنع الظالم، وخذ الشئ مما حل وطاب، واقسمه بالعدل، وأنا ضامن عمن هرب منك أن بأتيك فيعاونك على صلاح أمرك ورعيتك. فقال المنصور:
اللهم وفقنى أن أعمل بما قال هذا الرجل.
وجاء المؤذنون فسلموا عليه، وأقيمت الصلاة، فخرج فصلى بهم (١). فقال للحرسى: عليك بالرجل، إن لم تأتنى به لأضربن عنقك. واغتاظ غيظا شديدا. فخرج الحرسى يطلب الرجل، فبينما هو بالطواف إذا هو بالرجل قائم يصلى، فقعد حتى صلى، ثم قال:
ياذا الرجل أما تتقى الله؟ قال: بلى. قال: ما تعرفه؟ قال: بلى.
قال: فانطلق معى فقد توعدنى أن يقتلنى إن لم آته بك. قال: ليس إلى ذلك سبيل. قال: يقتلنى!! قال: ولا يقتلك. قال: كيف؟ قال: تحسن تقرأ؟ قال: لا. قال: فأخرج من مزود كان معه رقّا فيه شئ مكتوب فقال: خذه فاجعله فى جيبك؛ فإن فيه دعاء الفرج. قال: وما دعاء الفرج؟ قال: لا يرزقه إلا السعداء. قال:
رحمك الله قد أحسنت إلىّ، فإن رأيت أن تخبرنى ما هذا وما فضله.
قال: من دعا به صباحا أو مساء هدمت ذنوبه، ودام سروره، ومحيت خطاياه، واستجيب دعاؤه، وبسط له فى رزقه، وأعطى أصله، وأعين على عدوه، وكتب عند الله صدّيقا، ولا يموت إلا شهيدا.
стр. 798
يقول: اللهم كما لطفت فى عظمتك دون اللّطفاء، وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمت ما تحت أرضك كعلمك ما فوق عرشك، وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك، وعلانية القول كالسر فى علمك، فانقاد كل شئ لعظمتك، وخضع كل ذى سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة/كله بيدك، اجعل لى من كل همّ أمسيت وأصبحت فيه فرجا ومخرجا، اللهم إن عفوك عن ذنوبى، وتجاوزك عن خطيئتى، وسترك على قبيح عملى أطمعنى أن أسألك ما لا أستوجبه منك مما قصّرت فيه، فصرت أدعوك آمنا، وأسألك مستأنسا؛ فإنك المحسن إلىّ وأنا المسئ إلى نفسى فيما بينى وبينك، تتودد إلىّ بالنعم، وأتبغّض إليك بالمعاصى، فلم أجد كريما أعطف منك على عبد لئيم مثلى، ولكن الثقة بك حملتنى على الجرأة عليك، فعد بفضلك وإحسانك علىّ، إنك أنت التواب الرحيم.
قال: فأخذته فصيرته فى جيبى، ثم دخلت على أمير المؤمنين فسلّمت عليه، فرفع رأسه ينظر إلىّ، وتبسّم وقال لى: ويلك، أتحسن السحر؟ فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين. ثم قصصت عليه أمرى مع الشيخ، فقال لى: هات الرّقّ. ثم جعل يبكى وقال: به نجوت. وأمر بنسخه، وأعطانى عشرة آلاف درهم، ثم قال:
أتعرفه؟ قلت: لا. قال: ذلك الخضر ﵇.
أنبأنى بهذه الحكاية القاضى زين الدين أبو بكر بن الحسين العثمانى المراغى، عن الحافظ أبى الحجاج يوسف بن عبد الرحمن بن
стр. 799
يوسف المزى، قال، أنبأنا الإمام أبو الحسن على بن أحمد بن النّجّارى، عن الحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن على الجوزى، قال فى كتابه المنتظم، فى سنة أربع وأربعين ومائة: أخبرنا محمد بن ناصر، أنبأنا المبارك بن عبد الجبار، أنبأنا محمد بن على بن الفتح، نبأنا أبو نصر محمد بن محمد النيسابورى، عن إبراهيم بن أحمد الخشاب المقرئ، نبأنا أبو على الحسن بن عبد الله الرازى، نبأنا المثنى بن مسلمة القرشى قاضى اليمن قال، قال سمعت أبا المهاجر المكى يقول: قدم المنصور مكة وكان يخرج من دار الندوة إلى الطواف فى آخر الليل يطوف ويصلى ولا يعلم به. فذكرها (١).
وفيها/كان عامل مكة والطائف السرى بن عبد الله بن الحارث ابن العباس بن عبد المطلب الهاشمى (٢).
***
«سنة خمس وأربعين ومائة»
فيها خرج بالمدينة النفس الزكية محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب، وبويع بالخلافة طوعا وكرها، وقال:
إنه خرج غضبا لله ولرسوله، وبعث محمد بن الحسن بن معاوية بن
стр. 800
عبد الله بن جعفر بن أبى طالب (١) واليا إلى مكة (١)، والقاسم بن إسحاق إلى اليمن، فسارا إلى مكة وملكاها بعد أن لاقاهم السرى أمير مكة للمنصور ببطن أذاخر وهزم، فأقام يسيرا بمكة، فجاءهما كتاب النفس الزكية يطلبهما وغيرهما لمسير عيسى بن موسى لمحاربته، فسارا إليه، فلما بلغا نواحى قديد بلغهما قتل النفس الزكيّة فتفرقوا، واستمر السّرىّ على ولايته (٢).
وفيها حج بالناس أمير مكة السّرىّ بن عبد الله الهاشمى (٣).
***
«سنة ست وأربعين ومائة»
فيها عزل المنصور عن مكة والطائف السّرىّ بن عبد الله، وولاهما عمه عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (٤).
وفيها حج بالناس عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب (٥).
стр. 801
«سنة سبع وأربعين ومائة»
فيها - أو فى التى بعدها - أمر المنصور نائبه على مكة والطائف عمّه عبد الصمد بن على بأن يدفن سديف بن ميمون المكى حيّا - وكان سديف فى سن عبد الصمد - ففعل به ذلك.
وسبب ذلك أنه بلغ المنصور بيتان لسديف نال فيهما من المنصور وهما:
أسرفت فى قتل الرّعيّة ظالما … فآكفف يديك أضلّها مهديّها
فلتأتينّك راية حسنيّة … جرّارة يقتادها حسنيّها
وكان هذان البيتان وصلا إليه مبهمين لم يسمّ قائلهما، فبحث عنه حتى أخبر أنهما لسديف، فأمر بدفنه حيا (١).
وفيها كان عامل مكة والطائف للمنصور عمّه عبد الصمد بن على (٢).
وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور (٣).
***
стр. 802
«سنة ثمان وأربعين ومائة»
فيها كان أمير مكة والطائف للمنصور عمّه عبد الصمد بن على (١).
وفيها حج بالناس أبو جعفر بن المنصور (٢).
***
«سنة تسع وأربعين ومائة»
فيها عزل عبد الصمد بن على عن إمرة مكة والطائف، وولاهما محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس العباسى (٣).
وفيها حجّ بالناس محمد بن إبراهيم المذكور (٤) - وقيل أبو جعفر المنصور -
وفيها أو فى التى بعدها مات عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموى فى عشر ذى الحجة (٥)، والصحيح أنه سنة خمسين.
стр. 803
وفيها - أو فى التى بعدها - مات عثمان بن الأسود بن موسى ابن زادان الجمحى - مولاهم - المكى (١).
***
«سنة خمسين ومائة»
فيها حج بالناس عبد الصمد بن على بن عبد الله بن العباس العباسى (٢).
وفيها كان العامل على مكة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام (٣).
***
«سنة إحدى وخمسين ومائة»
فيها أغارت الحبشة على جدة فى البحر (٤).
стр. 804
وفيها حج بالناس أمير مكة والطائف محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس (١).
***
«سنة اثنتين وخمسين ومائة»
فيها كان أمير مكة والطائف محمد بن إبراهيم (٢).
وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور (٣)، واستعدى عليه الجمالون بالمدينة وحضر معهم عند الحاكم محمد بن عمران الصلحى فحكم لهم عليه (٤).
***
«سنة ثلاث وخمسين ومائة»
فيها لما عاد المنصور من مكة إلى البصرة جهّز جيشا فى البحر إلى الحبشة الذين أغاروا على جدة (٥).
стр. 805
وفيها كان أمير مكة محمد بن إبراهيم (١).
وفيها حج بالناس المهدى محمد بن عبد الله المنصور (٢).
***
«سنة أربع وخمسين ومائة»
فيها سقطت صاعقة بمكة قتلت بالمسجد الحرام خمسة أنفس، ويقال ستة أنفس (٣).
وفيها انخسفت بئر بعرفة هلك فيها طائفة من الناس.
وفيها حج بالناس أمير مكة والطائف محمد بن إبراهيم بن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس، ﵄ (٤).
***
«سنة خمس وخمسين ومائة»
فيها كان أمير مكة محمد بن إبراهيم الإمام (٥).
стр. 806
وفيها حج بالناس عبد الصمد بن على (١)
***
«سنة ست وخمسين ومائة»
فيها كان أمير مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيما بمدينة السلام/وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة، وكان إليه مع مكة الطائف (٢).
وفيها حج بالناس عبد الصمد بن على كذا قال المسعودى (٣)، وقال العتيقى وابن الجوزى أن الذى حج بالناس العباس بن محمد بن على.
***
«سنة سبع وخمسين ومائة»
فيها كان عامله على مكة والطائف محمد بن إبراهيم بن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس، قاله ابن جرير (٤)، وقال ابن الأثير (٥): كان عامل مكة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وقيل: عبد الصمد. انتهى، وقال ابن الجوزى: كان عامل مكة والطائف قثم.
стр. 807
وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى المذكور (١)
***
«سنة ثمان وخمسين ومائة»
فيها كتب المنصور إلى عامله بمكة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى يأمره بحبس جماعة، وهم: رجل من آل على بن أبى طالب كان بمكة، وابن جريج (٢)، وعباد بن كثير، وسفيان الثورى فحبسهم، ثم أطلقهم محمد بن إبراهيم من الحبس بغير إذن المنصور، وتحلّل منهم؛ وسبب إطلاقهم أنه فكر وقال: عمدت إلى ذى رحم فحبسته - يعنى ولد على - وإلى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم!! ويقدم أمير المؤمنين ولا أدرى ما يكون. وأرسل إلى الطالبى راحلة وخمسين دينارا (٣).
وفيها عزم أبو جعفر المنصور على الحجّ فحين خرج إلى مكة بعث الخشابين فقال: إن رأيتم سفيان الثورى فاصلبوه. فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودى يا سفيان. وإذا رأسه فى حجر فضيل بن عياض ورجلاه فى حجر ابن عيينة. فقالوا له: يا
стр. 808
أبا عبد الله اتق [الله] (١) ولا تشمت بنا الأعداء، فتقدم إلى أستار الكعبة، ثم أخذها وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر. ولما قرب أبو جعفر المنصور أرسل إليه محمد بن إبراهيم رسولا بهدايا، فلما أخبر المنصور بأن رسول محمد بن إبراهيم قدم أمر بدوابه فضربت وجوهها وردّ هداياه عليه. فلما سار إلى بئر ميمون لقيه محمد بن إبراهيم فأمر بدوابه فضربت وجوهها وعزله، وولى ابن أخيه إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله - وهو صبى أمرد - فكان محمد يسير ناحية، وعدل/بأبى جعفر عن الطريق فى الشق الأيسر، فأنيخ به. ومحمد واقف قبالته ومعه طبيب له - فمضى إلى موضع مناخ أبى جعفر فرأى نجوه، فقال لمحمد: رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة. فمات أبو جعفر المنصور عند بئر ميمون الحضرمى عند ظاهر مكة فى سحر سابع الحجة، وكان قد استخلف ابنه المهدى، ولم يحضر عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاهم، وكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه، ثم أصبح فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، وكان أول من دعى عيسى بن على، فمكث ساعة ثم أذن لابن أخيه عيسى بن موسى - وكان فيما خلا تقدم على عيسى بن على - ثم أذن للأكابر وذوى الأسنان منهم، ثم لعامتهم، وخرج أبو العنبر خادم المنصور فشق الأقبية، وحثا على رأسه التراب، وصاح: وا أميرا المؤمنيناه. فما بقى أحد إلا قام،
стр. 809
ثم تقدموا ليدخلوا عليه فمنعهم الخدم، وقال ابن عياش:
المنتوف (١): سبحان الله ما شهدتم موت خليفة قط؟! اجلسوا.
فجلسوا، وقام القاسم فشق الثياب ووضع التراب على رأسه، وموسى ابن المهدى قد صدر عند عمود السرادق، والقاسم بن المنصور فى ناحية من السرادق، وكان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين صاحب الشرطة ويرفع الناس إليه القصص. ثم خرج الربيع وفى يده قرطاس ففتحه وقرأه فإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من يخلف بعده من بنى هاشم وشيعته من أهل خراسان، وعامة المسلمين. ثم ألقى القرطاس من يده، ثم بكى وبكى الناس، فأخذ القرطاس ثم قال: قد أمكنكم البكاء فأنصتوا رحمكم الله. فسكت الناس، ثم رجع إلى القراءة فقرأ: أما بعد فإنى قد كتبت كتابى هذا وأنا حىّ فى آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السلام وأسأل الله ألاّ يفتنكم بعدى ولا يلبسكم شيعا، ولا يذيق بعضكم بأس بعض، يا بنى هاشم ويا أهل خراسان. ثم أخذ فى وصيتهم بالمهدى، وإذكارهم البيعة له، وحثهم على القيام بدولته.
والوفاء بعهده. إلى آخر الكتاب، وكان ذلك شيئا قد وضعه الربيع. /
стр. 810
وفى رواية ثم نظر وجوه الهاشميين فتناول يد الحسن بن زيد وقال: قم يا أبا محمد فبايع. فقام الحسن فانتهى به الربيع إلى موسى ابن المهدى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يد موسى فبايعه للمهدى، ثم جاء الربيع إلى محمد بن عون فأنهضه فبايع، وبايع الناس الأول فالأول للمهدى ولعيسى بن موسى من بعده، فلما فرغ من بيعة بنى هاشم بايع القوّاد كلهم إلا علىّ بن عيسى بن ماهان فإنه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمد ابن سليمان وهم بضرب عنقه، فبايع، وبايع عامة الناس (١).
وسار العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس؛ فبايعوا بين الركن والمقام (٢).
وقيل إن الربيع كتم موت المنصور وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلّة رقيقة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره، وأدنى أهله، ثم قرب الربيع منه كأنه يخاطبه، ثم رجع إليهم، وأمرهم بتجديد البيعة للمهدى، فبايعوا، ثم أخرجهم، وخرج إليهم باكيا مشقوق الجيب لاطما رأسه (٣)، واشتغلوا بتجهيز المنصور ففرغوا منه العصر، وكفن وغطى وجهه وبدنه، وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه، وحمل إلى مكة، وصلّى عليه ابن أخيه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن