← История

История · id 1670

إتحاف الورى بأخبار أم القرى

النجم ابن فهد المكي

Полный текст (2 503 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وفيها حج بالناس عبد الصمد بن على (١) *** «سنة ست وخمسين ومائة» فيها كان أمير مكة محمد بن إبراهيم، وكان مقيما بمدينة السلام/وابنه إبراهيم بن محمد خليفته بمكة، وكان إليه مع مكة الطائف (٢). وفيها حج بالناس عبد الصمد بن على كذا قال المسعودى (٣)، وقال العتيقى وابن الجوزى أن الذى حج بالناس العباس بن محمد بن على. *** «سنة سبع وخمسين ومائة» فيها كان عامله على مكة والطائف محمد بن إبراهيم بن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس، قاله ابن جرير (٤)، وقال ابن الأثير (٥): كان عامل مكة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وقيل: عبد الصمد. انتهى، وقال ابن الجوزى: كان عامل مكة والطائف قثم.

стр. 807

وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى المذكور (١) *** «سنة ثمان وخمسين ومائة» فيها كتب المنصور إلى عامله بمكة والطائف محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى يأمره بحبس جماعة، وهم: رجل من آل على بن أبى طالب كان بمكة، وابن جريج (٢)، وعباد بن كثير، وسفيان الثورى فحبسهم، ثم أطلقهم محمد بن إبراهيم من الحبس بغير إذن المنصور، وتحلّل منهم؛ وسبب إطلاقهم أنه فكر وقال: عمدت إلى ذى رحم فحبسته - يعنى ولد على - وإلى نفر من أعلام المسلمين فحبستهم!! ويقدم أمير المؤمنين ولا أدرى ما يكون. وأرسل إلى الطالبى راحلة وخمسين دينارا (٣). وفيها عزم أبو جعفر المنصور على الحجّ فحين خرج إلى مكة بعث الخشابين فقال: إن رأيتم سفيان الثورى فاصلبوه. فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودى يا سفيان. وإذا رأسه فى حجر فضيل بن عياض ورجلاه فى حجر ابن عيينة. فقالوا له: يا

стр. 808

أبا عبد الله اتق [الله] (١) ولا تشمت بنا الأعداء، فتقدم إلى أستار الكعبة، ثم أخذها وقال: برئت منه إن دخلها أبو جعفر. ولما قرب أبو جعفر المنصور أرسل إليه محمد بن إبراهيم رسولا بهدايا، فلما أخبر المنصور بأن رسول محمد بن إبراهيم قدم أمر بدوابه فضربت وجوهها وردّ هداياه عليه. فلما سار إلى بئر ميمون لقيه محمد بن إبراهيم فأمر بدوابه فضربت وجوهها وعزله، وولى ابن أخيه إبراهيم ابن يحيى بن محمد بن على بن عبد الله - وهو صبى أمرد - فكان محمد يسير ناحية، وعدل/بأبى جعفر عن الطريق فى الشق الأيسر، فأنيخ به. ومحمد واقف قبالته ومعه طبيب له - فمضى إلى موضع مناخ أبى جعفر فرأى نجوه، فقال لمحمد: رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة. فمات أبو جعفر المنصور عند بئر ميمون الحضرمى عند ظاهر مكة فى سحر سابع الحجة، وكان قد استخلف ابنه المهدى، ولم يحضر عند وفاته إلا خدمه والربيع مولاهم، وكتم الربيع موته ومنع من البكاء عليه، ثم أصبح فحضر أهل بيته كما كانوا يحضرون، وكان أول من دعى عيسى بن على، فمكث ساعة ثم أذن لابن أخيه عيسى بن موسى - وكان فيما خلا تقدم على عيسى بن على - ثم أذن للأكابر وذوى الأسنان منهم، ثم لعامتهم، وخرج أبو العنبر خادم المنصور فشق الأقبية، وحثا على رأسه التراب، وصاح: وا أميرا المؤمنيناه. فما بقى أحد إلا قام،

стр. 809

ثم تقدموا ليدخلوا عليه فمنعهم الخدم، وقال ابن عياش: المنتوف (١): سبحان الله ما شهدتم موت خليفة قط؟! اجلسوا. فجلسوا، وقام القاسم فشق الثياب ووضع التراب على رأسه، وموسى ابن المهدى قد صدر عند عمود السرادق، والقاسم بن المنصور فى ناحية من السرادق، وكان قبل ذلك يسير بين المنصور وبين صاحب الشرطة ويرفع الناس إليه القصص. ثم خرج الربيع وفى يده قرطاس ففتحه وقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى من يخلف بعده من بنى هاشم وشيعته من أهل خراسان، وعامة المسلمين. ثم ألقى القرطاس من يده، ثم بكى وبكى الناس، فأخذ القرطاس ثم قال: قد أمكنكم البكاء فأنصتوا رحمكم الله. فسكت الناس، ثم رجع إلى القراءة فقرأ: أما بعد فإنى قد كتبت كتابى هذا وأنا حىّ فى آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السلام وأسأل الله ألاّ يفتنكم بعدى ولا يلبسكم شيعا، ولا يذيق بعضكم بأس بعض، يا بنى هاشم ويا أهل خراسان. ثم أخذ فى وصيتهم بالمهدى، وإذكارهم البيعة له، وحثهم على القيام بدولته. والوفاء بعهده. إلى آخر الكتاب، وكان ذلك شيئا قد وضعه الربيع. /

стр. 810

وفى رواية ثم نظر وجوه الهاشميين فتناول يد الحسن بن زيد وقال: قم يا أبا محمد فبايع. فقام الحسن فانتهى به الربيع إلى موسى ابن المهدى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يد موسى فبايعه للمهدى، ثم جاء الربيع إلى محمد بن عون فأنهضه فبايع، وبايع الناس الأول فالأول للمهدى ولعيسى بن موسى من بعده، فلما فرغ من بيعة بنى هاشم بايع القوّاد كلهم إلا علىّ بن عيسى بن ماهان فإنه أبى عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمد ابن سليمان وهم بضرب عنقه، فبايع، وبايع عامة الناس (١). وسار العباس بن محمد، ومحمد بن سليمان إلى مكة ليبايعا الناس؛ فبايعوا بين الركن والمقام (٢). وقيل إن الربيع كتم موت المنصور وألبسه وسنده وجعل على وجهه كلّة رقيقة يرى شخصه منها ولا يفهم أمره، وأدنى أهله، ثم قرب الربيع منه كأنه يخاطبه، ثم رجع إليهم، وأمرهم بتجديد البيعة للمهدى، فبايعوا، ثم أخرجهم، وخرج إليهم باكيا مشقوق الجيب لاطما رأسه (٣)، واشتغلوا بتجهيز المنصور ففرغوا منه العصر، وكفن وغطى وجهه وبدنه، وجعل رأسه مكشوفا لأجل إحرامه، وحمل إلى مكة، وصلّى عليه ابن أخيه إبراهيم بن يحيى بن محمد بن

стр. 811

على بن عبد الله بن عباس، وقيل عيسى بن موسى، ودفن فى مقبرة المعلا، وقيل بين الحجون وبئر ميمون (١)، وحفروا له مائة قبر ليعموا على الناس دفنه، ودفن فى غيرها (٢). ونزل فى قبره عيسى بن على، وعيسى بن محمد، والعباس بن محمد، والربيع ومنارة مواليه (٣)، ويقطين بن موسى. ثم وجه موسى بن المهدى، والربيع إلى المهدى بخبر وفاة المنصور، وبالبيعة له مع منارة البربرى مولى المنصور، وبعثا معه أبا العباس الطوسى ومعه خاتم الخلافة، وبعثا أيضا بعده مع الحسن الشروى بقضيب النبى ﷺ ، وبردة النبى ﷺ . وخرجوا من مكة، /فقدم الخبر على المهدى مع منارة يوم الثلاثاء منتصف ذى الحجة فبايعه أهل بغداد (٤). وفيها حج بالناس عامل مكة والطائف ابن أخى المنصور إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على بتوصية المنصور (٥).

стр. 812

وفيها قال عبد الله بن المبارك: قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر، وهم يستسقون فى المسجد الحرام، وكنت فى الناس مما يلى باب بنى شيبة إذ أقبل غلام أسود عليه قطعتا خيش قد أتّزر بإحداهما وألقى الأخرى على عاتقه، فصار فى موضع خفى إلى جانبى، فسمعته يقول: إلهى أخلقت الوجوه كثرة الذنوب، ومساوئ الأعمال، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدّب الخليقة بذلك، فأسألك يا حليما ذا أنّاة، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل، أسقهم الساعة الساعة. فلم يقل الساعة الساعة حتى استوق الغمام، وأقبل المطر من كل مكان، وجلس مكانه يسبّح، وأخذت أبكى. فلما قام تبعته حتى عرفت موضعه، فجئت إلى فضيل بن عياض، فقال لى: ما لى أراك كئيبا؟ فقلت: سبقنا إليه غيرنا فتولاّه دوننا. فقال: وما ذاك؟ فقصصت عليه القصة، فصاح وسقط وقال: ويحك يا ابن المبارك خذنى إليه. قلت: قد ضاق الوقت وسأبحث عنه وعن شأنه. فلما كان من الغد خرجت أريد الموضع، فإذا شيخ على الباب قد بسط (١) له وهو جالس، فلما رآنى عرفنى وقال: مرحبا بك يا أبا عبد الرحمن، حاجتك؟ فقلت له: احتجت إلى غلام أسود. فقال: نعم عندى عدة فاختر أيّهم شئت. فصاح: يا غلام فخرج غلام جلد، فقال: هذا محمود العاقبة، أرضاه لك.

стр. 813

فقلت: ليس هذا حاجتى. فما زال يخرج واحدا واحدا حتى أخرج إلىّ الغلام، فلما بصرت به بدرت عيناى [فقال: هذا هو؟] (١) فقلت: نعم هذا. فقال: ليس إلى بيعه سبيل. قلت: ولم؟ قال: قد تبركت بموضعه فى هذه الدار؛ وذاك أنه لا يرزأنى شيئا. قلت: ومن أين طعامه؟ قال: يكسب من فتل الشريط نصف دانق أو أقل أو أكثر فهو قوته، فإن باعه فى/يومه وإلا طوى ذلك اليوم، وأخبرنى الغلمان عنه أنه لا ينام هذا الليل الطويل، ولا يختلط بأحد منهم [مهتمّ] (١) بنفسه، وقد أحبه قلبى. فقلت له: أنصرف إلى سفيان الثورى وإلى فضيل بن عياض بغير قضاء حاجة؟! فقال: إنّ ممشاك عندى كبير، خذه بما شئت. قال: فاشتريته فأخذت نحو دار فضيل، فمشيت ساعة، فقال لى: يا مولاى. فقلت: لّبيك. قال: [لا تقل لى لبيك؛] (١) فإن العبد أولى أن يلبى المولى. قلت: حاجتك يا حبيبى؟ قال: أنا ضعيف البدن لا أطيق الخدمة، وقد كان لك فى غيرى سعة؛ قد أخرج إليك من هو أجلد منى. فقلت: لا يرانى الله وأنا أستخدمك، ولكن أشترى منزلا وأزوّجك وأخدمك أنا بنفسى. قال: فبكى، فقلت: ما يبكيك؟ قال: أنت لم تفعل بى هذا إلا وقد رأيت بعض متّصلاتى بالله تعالى، وإلا فلم اخترتنى من بين الغلمان؟ فقلت له: ليس بك حاجة إلى هذا. فقال لى:

стр. 814

سألتك بالله إلا أخبرتنى. فقلت له: بإجابة دعوتك. فقال لى: إنى أحسبك - إن شاء الله - رجلا صالحا، إن لله خيرة من خلقه لا يكشف شأنهم إلا لمن أحب [من عباده] (١) ولا يظهر عليهم إلا من ارتضى. ثم قال لى: ترى أن تقف لى قليلا فإنه قد بقيت علىّ ركعات من البارحة. فقلت: هذا منزل فضيل قريب. قال: لا ها هنا أحبّ إلىّ [، أمر] (٢) الله لا يؤخّر. فدخل من باب الباعة إلى المسجد، فما زال يصلى حتى إذا أتى على ما أراد التفت إلىّ وقال: يا أبا عبد الرحمن هل من حاجة؟ قلت: ولم؟ قال: لأنى أريد الانصراف. قلت: إلى أين؟ قال: إلى الآخرة. قلت: لا تفعل دعنى أسرّ بك. فقال لى: إنما كانت تطيب الحياة حيث كانت المعاملة بينى وبينه تعالى، فأما إذ اطّلعت عليها فسيطلع عليها غيرك. [(٣) فلا حاجة لى فى ذلك. ثم خرّ لوجهه فجعل يقول: إلهى اقبضنى الساعة الساعة الساعة. فدنوت منه (٣)] فإذا هو قد مات، فو الله ما ذكرته قط إلا طال حزنى وصغرت/الدنيا فى عينى. أنبأنى بهذه الحكاية الحافظ برهان الدين إبراهيم بن محمد الحلبى، عن أبى حفص عمر بن حسن المزى، أنبأنا أبو الحسن على

стр. 815

ابن أحمد البخارى فى ترجمة الأسود المكى، أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، أنبأنا جعفر، أنبأنا جعفر بن أحمد السراج، أنبأنا عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب، أنبأنا أبى أنبأنا أحمد بن مروان المالكى، نبأنا سليمان بن الحسن، نبأنا أبى قال ابن المبارك: فذكرها. وفيها ويقال فى التى بعدها حج أبو عمرو ومعاوية بن صالح الحضرمى، فأدركه الأجل بمكة، وصلى عليه الثورى (١). *** «سنة تسع وخمسين ومائة» فيها - أو فى التى بعدها - أمر المهدى بنفى كل من بمكة من المغنين، ومنع قينتها من الغناء، وأخرج كل من فيها من المتشبهات من النساء بالرجال، والرجال المتشبهين بالنساء، ومنع من لعب الشطرنج وغيره من الأمور التى تجر إلى اللهو والطرب، وطهّرها من كثير من المباحات الملهية عن الصلوات، والمشغلة عن اغتنام القرب، وألزم حجبة الكعبة إجلالها وتوقيرها وتنزيهها وتطييبها للزائرين وتجميرها، وفتح بابها بالسّكينة والخشوع، والإنصات عند دخولها بحالة أمينة بوصف الخضوع، وزجر النساء عن الخروج إلى المسجد متعطرات، وكفّ الكافة عن الإلمام بها على ارتكاب المكروهات أو ترك المندوبات.

стр. 816

وفيها حج بالناس يزيد بن منصور بن عبد الله بن سند الحميرى خال المهدى عند قدومه من اليمن، وكان المهدى قد كتب إليه بالقدوم عليه وتوليته الموسم (١). وفيها مات عبد العزيز بن أبى رواد الأزدى مولى المغيرة بن المهلب بن أبى صفرة (٢). *** «سنة ستين ومائة» فيها - ليومين بقيا من المحرم - كان سيل اللبيرى/فى خلافة المهدى العباسى (٣). وفيها حج بالناس أمير المؤمنين المهدى بن عبد الله محمد بن أبى جعفر المنصور بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى، واستصحب معه ابنه هارون الرشيد، وجماعة من أهل بيته، وكان ممن شخص معه يعقوب بن داود على منزلته التى كانت [له] (٤) عنده، فأتاه حين وافى مكة بالحسن بن إبراهيم بن

стр. 817

عبد الله الذى استأمن له يعقوب، فأحسن المهدىّ صلته وجائزته، وأقطعه مالا من الصّوافى بالحجاز، وحمل له الأمير محمد بن سليمان الثلج حتى وافى به مكة، وهذا شئ لم يتم لأحد قبله (١). فنزل المهدى دار الندوة، وجاءه عبيد الله بن عثمان الحجبى بالمقام - مقام إبراهيم - فى ساعة خالية نصف النهار مشتملا عليه، وقال للحاجب: إئذن لى على أمير المؤمنين فإن معى شيئا لم يدخل به على أحد قبله، وهو يسرّ أمير المؤمنين. فأدخله عليه، فكشف عن المقام، فسرّ بذلك وتمسّح به، وكبّ فيه ماء ثم شربه، وقال له: اخرج. وأرسل إلى بعض أهله فشربوا منه وتمسّحوا به، ثم أدخل فاحتمله وردّه إلى مكانه، وأمر له بجوائز عظيمة، وأقطعه خيفا بنخلة؛ يقال له ذات الفريع، فباعه من منيرة مولاة المهدى بعد ذلك بسبعة آلاف دينار. وذكر حجبة الكعبة للمهدى أنه اجتمع على الكعبة كسوة كثيرة حتى إنها قد أثقلتها، ويخاف على جدرانها أن تنهدم من ثقل الكسوة. فأمر أن ينزع ما عليها من الكسوة، فنزع حتى بقيت مجرّدة، ثم لما بلغوا إلى كسوة هشام وجدوها من الديباج الثخين، ووجدوا كسوة من كان قبله من متاع اليمن. ثم طلى جدرانها من داخلها وخارجها بالغالية والمسك والعنبر، صعدوا على ظهر الكعبة

стр. 818

بقوارير الغالية فجعلوا يفرغونها على جدار الكعبة من خارجها من جوانبها كلها، وعبيد الكعبة قد تعلقوا (١) فى البكار التى تخاط عليها ثياب الكعبة/ويطلون بالغالية جدرانها من أسفلها إلى أعلاها من جوانبها كلها، ثم أفرغ عليها ثلاث كساو من قباطى وخزّ وديباج، والمهدى قاعد على ظهر المسجد مما يلى دار الندوة ينظر إليها وهى تطلى بالغالية، وحين كسيت. ويقال إنه لم يخفّف عنها من كسوتها شئ حتى كان سنة مائتين كما سيأتى (٢). وقسم المهدى فى الحرمين أموالا عظيمة إلى الغاية، يقال إنها ثلاثون ألف ألف درهم، وصل بها من العراق، وثلاثمائة ألف دينار وصلت إليه من مصر، ومائتا ألف دينار وصلت إليه من اليمن، [وفرق] (٣) مائة ألف ثوب وخمسين ألف. وأمر أن يزاد فى أعلى المسجد، ويشترى ما كان فى ذلك الموضع من الدور، وخلف الأموال وأمر بذلك قاضى مكة الأوقص محمد بن عبد الرحمن بن هشام بن العاصى المخزومى (٤).

стр. 819

وفيها قدم عيسى بن على بن عبد الله بن عباس من العراق إلى مكة بأبى بحر المجوسى النّجّار، فعمل له سقوفا فى داره التى عند المروة، وباب داره التى يقال لها دار مخرمة، فعمل أبو بحر قبة ساج خارجها أخضر، وداخلها أصفر (١). *** «سنة إحدى وستين ومائة» فيها كان أمير مكة والطائف إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس كذا قال .. (٢) وقال ابن جرير وابن الأثير: إن الذى كان أمير مكة والطائف فى هذه السنة جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس (٣). وفيها (٤) اشترى قاضى مكة الأوقص محمد بن عبد الرحمن المخزومى بأمر من المهدى جميع ما كان فى المسجد والمسعى من الدور، فما كان منها صدقة عزل ثمنه، واشترى هو لأهل الصدقة

стр. 820

بثمن دورهم مساكن فى فجاج مكة عوضا من صدقاتهم (١)، فاشترى كل ذراع [فى ذراع] (٢) مكسرا مما دخل فى المسجد بخمسة وعشرين دينارا. وما فضل فى الوادى بخمسة عشر دينارا. فكان مما دخل فى ذلك الهدم دار الأزرق وهى يومئذ لاصقة بالمسجد الحرام على يمين من خرج من باب بنى شيبة بن عثمان الكبير، وكان ثمنها ناحية (٣) ثمانية عشر ألف دينار؛ وذلك/أن أكثرها دخل فى المسجد فى زيادة ابن الزبير حين زاد فيه. واشترى لهم بثمنها مساكن عوضا منها (٤). ودخلت أيضا دار خيرة بنت سباع الخزاعية، بلغ ثمنها ثلاثة وأربعين ألف دينار دفعت إليها، وكانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخر المسعى (٥). ودخلت أيضا دار لآل جبير بن مطعم (٦). وبعض دار شيبة ابن عثمان، وهدم جميع ذلك، ووضع المسجد على ما هو عليه اليوم شارعا على المسعى. وجعل موضع دار القوارير - المعروف الآن

стр. 821

برباط السدرة - رحبة (١)، فلم يزل على ذلك حتى استقطعها جعفر ابن يحيى البرمكى (٢) فى خلافة هارون الرشيد فبناها، ثم قبضها بعد ذلك حماد البربرى فبنى باطنها بالقوارير وبنى ظاهرها بالرخام والفسيفساء. فكان الذى زاد المهدى فى المسجد فى زيادته هذه - وهى الأولى - أن مضى بجدره الذى يلى الوادى إذ كان لاصقا ببيت الشراب حتى انتهى به إلى حد باب بنى هاشم الذى يقال له باب البطحاء على سوق الخلقان، إلى حده الذى يلى باب بنى هاشم الذى عليه العلم الأخضر، يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا؛ وموضع ذلك بيّن لمن تأمله. فكان هذا (٣) الموضع زاوية المسجد، وكانت فيه منارة شارعة على الوادى والمسعى، وكان الوادى لاصقا بها يمر فى بطن المسجد اليوم قبل أن يؤخره المهدى إلى منتهاه اليوم من شق الصفا والوادى، ثم ردّه على مطماره حتى انتهى به إلى زاوية المسجد التى تلى (٤) باب الحذاءين وباب بنى شيبة الكبير إلى موضع المنارة اليوم، ثم ردّ جدر المسجد منحدرا حتى لقى به جدر المسجد (٥) القديم من بناء أبى جعفر (٥) أمير المؤمنين، قريبا من باب دار شيبة من وراء

стр. 822

الباب منحدرا عن الباب باسطوانتين من الطاق الملاصق لجدر المسجد إلى منتهى الفسيفساء من ذلك الطاق الداخل، وذلك الفسيفساء وحده، وجدر المسجد منحدرا إلى أسفل المسجد عمل أبى جعفر أمير المؤمنين، فكان هذا الذى زاد المهدى فى المسجد فى الزيادة الأولى. وكان أبو جعفر أمير المؤمنين إنما جعل/فى المسجد من الظلال طاقا واحدا؛ وهو الطاق الأول اللاصق بجدر المسجد اليوم. فأمر المهدى بأساطين الرخام فنقلت بالسفن من الشام حتى أنزلت بجدة، ثم جرّت بالعجل من جدة إلى مكة؛ فجعلت أساطين لما هدم المهدى فى أعلى المسجد ثلاثة صفوف وجعل بين يدى الطاق الذى كان بناه أبو جعفر مما يلى دار الندوة ودار العجلة وأسفل المسجد إلى موضع بيت الزيت عند باب بنى جمح صفين حتى صار ثلاثة صفوف وهى الطيقان التى فى المسجد اليوم لم تغيّر. ولما وضع الأساطين وحفر لها أرباضا (١) جعل على كل صف من الأساطين جدرا مستقيما، ثم ردّ بين الأساطين جدرات أيضا بالعرض حتى صارت كالصليب على ما يرى.

стр. 823

فلما أن قرر الأرباض على قرار الأرض حتى أنبض (١) الماء بناها بالنورة والرماد والصخر، حتى إذا استوى بالأرباض على وجه الأرض وضع فوقها الأساطين على ما هو عليه اليوم. ولم يكن حول المهدى فى الهدم الأول من شق الوادى والصفا شيئا؛ أقره على حاله طاقا واحدا؛ وذلك لضيق المسجد فى تلك الناحية، إنما كان بين جدر الكعبة اليمانى وبين جدر المسجد الذى يلى الصفا تسعة وأربعون ذراعا ونصف ذراع. فهذه زيادة المهدى الأولى وعمارته إياها. فأما أبواب المسجد التى فى زيادة المهدى هذه الأولى فمنها الباب الذى فى دار شيبة بن عثمان، وهو طاق واحد. ومنها الباب الكبير الذى كان يدخل منه الخلفاء، وكان يقال له باب عبد

стр. 824

شمس، ويعرف اليوم بباب بنى شيبة الكبير، وهو ثلاث طاقات، وفيه اسطوانتان، وبين يديه البلاط مفروش من حجارة، وفى عتبة الباب حجارة طوال مفروش بها العتبة، وهى حجارة كانت فضلت مما قلع القسرى لبركته التى يقال لها بركة البردية/ (١) بفم الثقبة وأصل ثبير، كانت حول البركة مطروحة حتى نقلت حين بنى المهدىّ المسجد؛ فوضعت هناك، ومن قال إن هذه الأحجار الطوال كانت أوثانا - فى الجاهلية - تعبد فهذا لا علم له. ومنها الباب الذى فى دار القوارير، كان شارعا على الرحبة فى موضع الدار، وهو طاق واحد. ومنها باب النبى ﷺ ، وهو الباب الذى يقابل زقاق العطارين، وهو الزقاق الذى يسلك منه إلى بيت خديجة بنت خويلد ﵂، وهو طاق واحد. ومنها باب العباس بن عبد المطلب ﵁ وهو الباب الذى عند العلم الأخضر الذى يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا، وهو ثلاث طاقات وفيه إسطوانتان، فهذه الخمسة أبواب التى علمها المهدى فى زيادته الأولى (٢). وفيها أمر المهدى بعمارة طريق مكة، وبناية القصور فيها أوسع من القصور التى بناها السفّاح من القادسية (٣) إلى

стр. 825

زبالة (١)، وأمر فى زيادة قصور أبى العباس، وبترك منازل أبى جعفر التى كان بناها على حالها، وأمر باتخاذ البرك والمصانع فى كل منهل وإصلاح المياه، وتجديد الأميال والبرك، وحفر الركايا. والمتولّى على ذلك يقطين بن موسى، ولم يزل ذلك إليه إلى سنة إحدى وسبعين [ومائة] (٢) وخلفه فى ذلك أخوه أبو موسى (٣). وفيها حلّى المهدى المقام، وسبب تحليته أن المقام رفع فانثلم وخيف عليه أن يتفتت فكتب فى ذلك الحجبة إلى المهدى، فبعث بألف دينار (٤) فضبّب بها المقام من أعلاه وأسفله (٤). وفيها بلّط أمير الحرمين والطائف جعفر بن سليمان بن على بطن الحجر بالرخام الأبيض والأخضر والأحمر (٥) مزورا بثوابير (٥) صغار، ومداخلا بعضه فى بعض، وشرع أبواب المسجد على المسعى. وفيها حج بالناس الهادى موسى بن المهدى (٦). ***

стр. 826

«سنة اثنتين وستين ومائة» فيها كان أمير مكة والطائف جعفر بن سليمان كما أفهمه. كلام ابن جرير (١). وفيها حج بالناس على بن المهدى كذا قال .. (٢) وقال العتيقى وابن الجوزى وابن جرير: إن الذى حج بالناس فى/هذه السنة إبراهيم بن جعفر بن المنصور (٣). *** «سنة ثلاث وستين ومائة» فيها كان أمير مكة والطائف جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس (٤). وفيها حج بالناس على بن المهدى (٥). ***

стр. 827

«سنة أربع وستين ومائة» فيها كان أمير الحرمين والطائف جعفر بن سليمان بن على عبد الله بن عباس (١). وفيها حج بالناس أمير المؤمنين المهدى محمد بن أبى جعفر المنصور، فلما رأى زيادته الأولى فى المسجد الحرام وقد اتسع المسجد من أعلاه وأسفله وشقه الذى يلى دار الندوة الشامى، وضاق شقه اليمانى الذى يلى الوادى والصفا، وكانت الكعبة فى شق المسجد غير متوسطة فيه، فقال: ما ينبغى أن يكون بيت الله هكذا، وأحب أن تكون الكعبة متوسطة فى المسجد. وذلك أن الوادى كان داخلا لا صقا بالمسجد فى بطن المسجد اليوم، وكانت الدور وبيوت الناس من ورائه فى موضع الوادى اليوم، إنما كان موضعه دور الناس، وإنما كان يسلك من المسجد إلى الصفا فى بطن الوادى، ثم يسلك فى زقاق ضيّق حتى يخرج إلى الصفا من التفاف (٢) البيوت فيما بين الوادى والصفا (٣)، وكان المسعى فى بطن المسجد الحرام اليوم، وكان باب دار محمد بن عباد بن جعفر عند حد ركن المسجد الحرام اليوم؛ عند موضع المنارة الشارعة فى نحر الوادى فيها علم المسعى، وكان الوادى يمر دونها فى موضع المسجد الحرام. فدعا المهدى المهندسين

стр. 828

فشاورهم فى ذلك، فقدروا ذلك فإذا هو لا يستوى لهم من أجل الوادى والسيل، وقالوا: إن وادى مكة له (١) أسيال عارمة (١) وهو واد حدور، ونحن نخاف إن حولنا الوادى عن مكانه ألا ينصرف لنا على ما نريد، مع ازوراره من الدور والمساكن، وما يكثر فيه من المؤنة ولعله ألا يتم. فقال المهدى: لابد من أن أوسعه حتى أوسط الكعبة فى المسجد على كل حال، ولو أنفقت فيه بيوت الأموال. وعظمت فى ذلك نيته، واشتدت رغبته/، ولهج بعمله فكان من أكبر همّه، فقدّروا ذلك - وهو حاضر - ونصبوا الرماح على الدور من أول موضع الوادى إلى آخره، ثم ذرعوه من فوق الرماح حتى عرفوا ما يدخل فى المسجد من ذلك وما يكون فى الوادى منه، فلما نصبوا الرماح على جنبى الوادى وما يدخل فى المسجد من ذلك وزنوه مرّة من بعد مرة وقدروا ذلك. ثم خرج المهدى إلى العراق وخلف الأموال، فاشتروا من الناس دورهم، فكان ثمن كل ما دخل فى المسجد من ذلك كل ذراع مكسر بخمسة وعشرين دينارا، وكان ثمن كل ما دخل فى الوادى خمسة عشر دينارا، وأرسل إلى الشام وإلى مصر فنقلت أساطين الرخام فى السفن حتى أنزلت بجدة، ثم نقلت على العجل من جدة إلى مكة، وابتدءوا عمل ذلك فى سنة سبع وستين - كذا قال الأزرقى فى تاريخه (٢).

стр. 829

وقال العتيقى وابن الأثير - واللفظ له -: إن المهدى خرج إلى الحجاز فلما بلغ العقبة ورأى قلّة الماء خاف أن الماء لا يحمل الناس، وأخذته أيضا حمى فرجع، وسيّر أخاه صالحا ليحج بالناس، ولحق الناس عطش شديد حتى كادوا يهلكون، وغضب المهدى على يقطين؛ لأنه صاحب المصانع (١). وقال المسعودى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة صالح بن منصور (٢). *** «سنة خمس وستين ومائة» فيها كان أمير مكة والطائف جعفر بن سليمان (٣). وفيها حج بالناس صالح بن المنصور (٤). *** «سنة ست وستين ومائة» فيها عزل عن الحجاز جعفر بن سليمان ووليه عبيد الله بن قثم (٥).

стр. 830

وفيها أمر المهدى بإقامة البريد بين مكة والمدينة، فأقيم لذلك بغال وإبل، ولم يكن هناك بريد قبل ذلك (١)، وهو أول ما أقيم فى تلك الأرض. وفيها حج بالناس أمير المدينة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس - كذا قال ابن الأثير (٢)، وقال المسعودى: إن الذى حج بالناس محمد بن إبراهيم بن محمد بن على (٣). *** «سنة سبع وستين ومائة» فيها ابتدئ فى توسعة (٤) المسجد الحرام على يد بقطين بن موسى، وإبراهيم/بن صالح، وهدمت الدور التى اشتريت فهدموا أكثر دار محمد بن عباد بن جعفر العائذى، وجعلوا المسعى والوادى فيها، فهدموا ما كان بين الصفا والوادى من الدور، ثم حرفوا الوادى فى موضع الدور حتى لقوا به الوادى القديم بباب أجياد الكبير بفم خط الحزامية، وابتدأوا من أعلاه من باب بنى هاشم

стр. 831

الذى يستقبل الوادى والبطحاء، ووسع ذلك [الباب] (١) وجعل بإزائه من أسفل المسجد مستقبله (٢) باب آخر هو الباب الذى يستقبل فج خط الحزامية يقال له باب البقالين، ويعرف الآن بباب الحزورة. فقال المهندسون إن جاء سيل عظيم فدخل المسجد خرج من ذلك الباب ولم يحمل فى شق الكعبة. والذى زيد فى المسجد من شق الوادى تسعون ذراعا من موضع جدر المسجد الأول إلى موضعه اليوم، وإنما كان عرض المسجد الأول من جدر الكعبة اليمانى إلى جدر المسجد اليمانى - الشارع على الوادى ويلى الصفا - تسعة وأربعين ذراعا ونصف ذراع، ثم بنى منحدرا حتى دخلت دار أم هانئ بنت أبى طالب ﵂، وكان عندها بئر جاهلية؛ كان قصى حفرها، فدخلت تلك البئر فى المسجد، فحفر المهدى عوضا منها البئر التى على باب البقالين التى فى حدّ ركن المسجد الحرام اليوم، وتعرف الآن ببئر حزورة. ثم مضوا فى بناء المسجد بأساطين الرخام، وسقفه بالساج المذهب المنقوش، حتى توفى المهدى فى سنة تسع وستين [ومائة] (٣) وقد انتهوا إلى آخر منتهى الأساطين الرخام من أسفل المسجد. فاستخلف موسى أمير المؤمنين فبادر القوم بإتمام المسجد، وأسرعوا فى ذلك، وبنوا أساطينه بحجارة ثم طليت بالجص. وعمل سقفه عملا دون عمل المهدى فى الإحكام والحسن.

стр. 832

فعمل المهدى من ذلك الشق من أعلى المسجد/إلى منتهى أساطين الرخام، ومن ذلك الموضع عمل فى خلافة موسى إلى المنارة الشارعة على باب أجياد الكبير، ثم منحدرا فى عرض المسجد إلى باب بنى جمح إلى منتهى أساطين الرخام من باب بنى جمح إلى الأحجار النادرة من بيت الزيت حتى وصل بعمل أبى جعفر وعمل المهدى فى الزيادة الأولى (١). وفيها كان أمير مكة عبيد الله بن قثم (٢). وفيها حج بالناس أمير المدينة إبراهيم بن يحيى بن محمد بن على ابن عبد الله بن عباس (٣). *** «سنة ثمان وستين ومائة» فيها حج بالناس على بن محمد المهدى الذى يقال له ابن ريطة (٤).

стр. 833

وفيها كان أمير مكة، عبيد الله بن قثم (١). وفيها مات أبو سعيد إبراهيم بن طهمان بن سعيد الخراسانى الهروى (٢). *** «سنة تسع وستين ومائة» فيها قدم الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب الحسنى مكة بعد بيعته بالمدينة، ونادى: أيما عبد أتاه فهو حرّ. فأتاه العبيد، فانتهى الخبر إلى الهادى، وكان حج فى هذه السنة رجال من أهل بيته فيهم سليمان بن المنصور، ومحمد بن سليمان بن على، والعباس بن محمد بن على، وموسى وإسماعيل ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادى إلى محمد بن سليمان بتوليته على الحرب، وكان فد سار بجماعة وسلاح من البصرة لخوف الطريق، فاجتمعوا بذى طوى، وكانوا قد أحرموا بعمرة فلما قدموا مكة طافوا وسعوا وحلوا من العمرة، وعسكروا بذى طوى، وانضم إليهم من حجّ من شيعتهم ومواليهم وقوادهم، ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية فقتل الحسين فى أزيد من مائة نفر من أصحابه، وجرح بعضهم، وانهزم بعضهم،

стр. 834

فاختلطوا بالحاج، وبعضهم انهزم إلى مصر. وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة ولا يعلمون حال الحسين، فلما بلغوا ذا طوى لحقهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى البشرى (١)؛ هذا رأس الحسين فأخرجوه وبجبهته/ضربة طولى وعلى قفاه ضربة أخرى. ولما انقضت الواقعة نادوا بالأمان فجاء أبو الزّفت (٢) الحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب الحسنى فوقف خلف محمد بن سليمان، والعباس بن محمد، فأخذه موسى بن عيسى وعبد الله بن العباس بن محمد فقتلاه، فغضب محمد بن سليمان غضبا شديدا، وأخذت أخت الحسين وتركت عند زينب بنت سليمان وأخذت رءوس القتلى - وكانت مائة رأس ونيفا - وفيها رأس سليمان بن عبد الله بن حسن ابن حسن بن على فحملت إلى الهادى. وفيها حج بالناس سليمان بن أبى جعفر المنصور (٣). وفيها كان أمير مكة والطائف عبيد الله بن قثم (٤).

стр. 835

وفيها مات محدث مكة الحافظ (١) نافع بن عمر بن عبد الله ابن جميل القرشى الجمحى. المكى بفخّ. وأبو الهيثم السّرىّ بن يحيى بن إياس الشيبانى (٢) فى ذى الحجة. *** «سنة سبعين ومائة» فيها كان على مكة والطائف عبيد الله بن قثم (٣). وفيها أهدى عامل مصر موسى بن عيسى إلى مكة المشرفة منبرا عظيما منقوشا فيه تسع درجات، فجعل فى المسجد الحرام، فأخذ منبر مكة القديم فجعل بعرفة (٤) وفيها حجّ بالناس هارون الرشيد، وفرقّ بين الحرمين مالا كثيرا، وكان حجه ماشيا؛ يمشى على اللبود، كانت تبسط له من منزل إلى منزل - ويقال إن الحجة التى مشى فيها كانت سنة سبع

стр. 836

وسبعين ومائة - وفى بعض حجات هارون الرشيد لما دخل المسعى جاء رجل إلى أبى عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمرى فقال: يا أبا عبد الرحمن هذا أمير المؤمنين يسعى، وقد أخلى له المسعى. فقال العمرى للرجل: لا جزاك الله عنى خيرا؛ كلفتنى أمرا كنت عنه غنيا. ثم تعلق نعليه وقام، فأقبل هارون الرشيد من المروة فصاح به: يا هارون. فلما نظر إليه قال: لبيك يا عم. قال: ارق الصفا، فلما رقيه/قال: ارم بطرفك إلى البيت. قال: قد فعلت. قال كم هم؟ - يعنى الحجيج - قال: ومن يحصيهم؟ [قال] فكم فى الناس مثلهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلاّ الله. قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد منهم يسأل عن خاصّة نفسه، وأنت تسأل عنهم، فانظر كيف يكون؟! قال: فبكى هارون وجلس، وجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع. قال العمرى: وأخرى أقولها لك. قال: قل يا عم. قال: والله إن الرجل يسرف فى ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف من أسرف فى مال المسلمين!! قال: ثم مضى وهارون يبكى (١). وفى رواية أنه لقيه فى المسعى فأخذ بلجام دابته، فأهوت إليه الأجناد، فكفّهم عنه الرشيد، فكلمه فإذا بدموع الرشيد تسيل على معرفة دابته، ثم انصرف. (٢)

стр. 837

وأنه لقيه مرة فى حجاته فقال: يا هارون، فعلت وفعلت، فجعل يستمع منه ويقول: مقبول منك يا عم على الرأس والعين. فقال له: يا أمير المؤمنين من حال الناس كيت وكيت. فقال: عن غير علمى وأمرى. وفى بعض حجات هارون قال له العمرى: يا أمير المؤمنين إنى أريد أن أكلمك بكلام غليظ، احتمله لله . فقال: لا تفعل والله؛ فو الله لقد بعث من هو خير منك إلى من هو شرّ منى فقال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ (١). وفى بعض حجات هارون الرشيد دخل الكعبة فرآه بعض الحجبة وهو واقف على أصابعه وهو يقول: يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمير الصامتين فإن لكل مسألة (٢) منك ردّا حاضرا وجوابا عتيدا، ولكل صامت منك علما محيطا ناطقا بمواقفك (٣) الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة، صلّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، يا من لا تضره الذنوب ولا تخفى عليه الغيوب ولا تنقصه مغفرة الخطايا، يا من كبس الأرض على الماء، وسد الهواء بالسماء، واختار لنفسه أحسن الأسماء، صلّ على محمد وعلى آل محمد، وخر لى فى

стр. 838

جميع أمرى، با من خشعت له الأصوات بأنواع اللغات يسألونه الحاجات فحاجتى إليك/أن تعفو عنى إذا ما توفيتنى، وصرت فى لحدى، وتفرّق عنى أهلى وولدى، اللهم لك الحمد حمدا [يفضل كل حمد كفضلك] (١) على جميع الخلق، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضا، وصلّ عليه صلاة تكون لنا ذخرا وأجرا عند الجزاء الأوفى، اللهم أحينا سعداء وتوفنا شهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين. *** «سنة إحدى وسبعين ومائة» فيها قدمت الخيزران أم الرشيد إلى مكة - قبل الحج - فأقامت حتى شهدت الحج، واشترت الدار المعروفة بها بمكة. المعروفة بدار الخيزران عند الصفا (٢). وفيها حج بالناس عبد الصمد بن على بن عبد الله بن عباس العباسى، كذا قال العتيقى وابن الأثير (٣)، وابن الجوزى، وقال المسعودى (٤): إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يعقوب بن جعفر ابن المنصور. ***

стр. 839

«سنة اثنتين وسبعين ومائة» فيها حج بالناس عبد الصمد بن على كذا قال المسعودى (١)، وقال العتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة يعقوب بن المنصور (٢). *** «سنة ثلاث وسبعين ومائة» فيها حج بالناس هارون الرشيد وأحرم من بغداد (٣). وفيها مات بمكة فجأة أبو عبد الله مروان بن معاوية بن الحارث ابن أسماء الفزارى (٤). *** «سنة أربع وسبعين ومائة» فيها حج بالناس هارون الرشيد، ولم ينزل مكة للوباء الذى كان بها بل دخلها يوم التروية وطاف وسعى، وخرج إلى عرفات، ثم

стр. 840

عاد فدخلها فطاف طواف الزيارة وقفل راجعا، وكان قد أقرن الحج، وقسم فى الناس مالا كثيرا (١). وفيها - أو فى التى بعدها - أبو سليمان داود بن عبد الرحمن المكى العطار (٢). *** «سنة خمس وسبعين ومائة» فيها حج بالناس هارون الرشيد (٣)، وقيل سليمان بن المنصور (٤). *** «سنة ست وسبعين ومائة» فيها حج بالناس سليمان بن/أبى جعفر المنصور (٥)، وحجت زبيدة وأمرت ببناء المصانع (٦). ***

стр. 841

«سنة سبع وسبعين ومائة» فيها أرسل أبو عبد الرحمن بن المبارك مع محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة إلى الفضيل بن عياض أبياتا وهى: - يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك فى العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضّب أو كان يتعب خيله فى باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا عن مقال نبيّنا … قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوى وغبار خيل الله فى … أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب قال ابن سكينة: فلقيت الفضيل فى المسجد بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح. ثم قال لى: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم يا أبا على. قال: فاكتب هذا الحديث جزاء لحملك كتاب أبى عبد الرحمن إلينا. فأملى علىّ الفضيل: حدثنا منصور بن المعتمر، عن صالح، عن أبى هريرة أن رجلا قال: يا نبى الله علّمنى عملا أنال به ثواب المجاهدين فى سبيل الله. فقال له النبى ﷺ : هل تستطيع أن تصلى ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: يا نبى الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. قال: فو الذى نفسى بيده لو طوّقت ذلك ما بلغت

стр. 842

فضل المجاهد فى سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستنّ (١). فى طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات. أنبأنى بهذه الحكاية المسند شرف الدين/أبو طاهر محمد بن محمد بن الكويك الربعى، عن الحافظ أبى الحجاج يوسف بن الزكى عبد الرحمن بن يوسف المزى، قال، أنبأنا أبو العباس أحمد بن سلامة ابن إبراهيم الحداد، قال أنبأنا الحافظ أبو محمد عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسى، قال إن شيخنا الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد ابن إبراهيم السلفى الأصبهانى سنة سبعين وخمسمائة فى آخر شعبان، قال أنبأنا الحافظ أبو الغنايم محمد بن على بن ميمون النرسى بالكوفة سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن على بن الحسن بن على العلوى بانتخاب أبى عبد الله الصورى الحافظ، قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيبانى، قال أملى علينا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن يحيى الكزبرى القاضى بنصيبين حفظا فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة، قال أملاه علىّ بن محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة البهرانى من كتابه بحلب سنة ست وثلاثين ومائتين، قال أملى على عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودّعته بالخروج للحج، ونفذها معى إلى الفضيل بن عياض، وذلك فى سنة سبع وسبعين ومائة (يا عابد الحرمين) وذكر الأبيات وتمامها (٢).

стр. 843

وفيها حج بالناس هارون الرشيد (١). وفيها مات محمد بن مسلم الطائفى المكى (٢). *** «سنة ثمان وسبعين ومائة» فيها حج بالناس أمير مكة محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس (٣). *** «سنة تسع وسبعين ومائة» فيها اعتمر الرشيد فى شهر رمضان؛ شكرا لله تعالى على قتل الوليد بن طريف (٤)، وعاد إلى المدينة فأقام بها [إلى] (٥) وقت الحج، وفرّق بين الحرمين مالا، وحج بالناس ومشى [من] (٥) مكة

стр. 844

إلى منى إلى عرفات، وشهد المشاهد كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة. *** «سنة ثمانين ومائة» فيها حج بالناس/محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، كذا قال (١). وقال ابن الأثير: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله (٢). وفيها مات فقيه مكة أبو خالد مسلم بن خالد الزّنجى (٣). *** «سنة إحدى وثمانين ومائة» فيها حج بالناس هارون الرشيد، وصدر معجلا، وتخلّف عنه يحيى بن خالد بعد أن استعفاه فى الكعبة، ويقال لحقه عند العمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه، وردّ إليه الخاتم، وسأله الإذن له فى المقام بمكة، فأذن له، فانصرف إليها، وعاد مع الحجاج (٤).

стр. 845

«سنة اثنتين وثمانين ومائة» فيها حج بالناس موسى بن عيسى بن موسى (١). وفيها - ويقال فى سنة تسع وثمانين - مات يعقوب بن داود بن طهمان السّلمى (٢). *** «سنة ثلاث وثمانين ومائة» فيها جاءت الحبشة إلى جدة؛ فأوقعوا بأهلها، فخرج الناس من مكة إلى جدة وأميرهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس غزاة فى البحر، واستعمل عليهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى (٣). وفيها حج بالناس العباس بن موسى الهادى (٤). ***
следующие страницы →