«سنة سبع وسبعين ومائة»
فيها أرسل أبو عبد الرحمن بن المبارك مع محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة إلى الفضيل بن عياض أبياتا وهى: -
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك فى العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضّب
أو كان يتعب خيله فى باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا عن مقال نبيّنا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوى وغبار خيل الله فى … أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب
قال ابن سكينة: فلقيت الفضيل فى المسجد بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح. ثم قال لى: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم يا أبا على. قال:
فاكتب هذا الحديث جزاء لحملك كتاب أبى عبد الرحمن إلينا.
فأملى علىّ الفضيل: حدثنا منصور بن المعتمر، عن صالح، عن أبى هريرة أن رجلا قال: يا نبى الله علّمنى عملا أنال به ثواب المجاهدين فى سبيل الله. فقال له النبى ﷺ : هل تستطيع أن تصلى ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: يا نبى الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. قال: فو الذى نفسى بيده لو طوّقت ذلك ما بلغت
стр. 842
فضل المجاهد فى سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستنّ (١).
فى طوله فيكتب لصاحبه بذلك الحسنات.
أنبأنى بهذه الحكاية المسند شرف الدين/أبو طاهر محمد بن محمد بن الكويك الربعى، عن الحافظ أبى الحجاج يوسف بن الزكى عبد الرحمن بن يوسف المزى، قال، أنبأنا أبو العباس أحمد بن سلامة ابن إبراهيم الحداد، قال أنبأنا الحافظ أبو محمد عبد الغنى بن عبد الواحد المقدسى، قال إن شيخنا الإمام الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد ابن إبراهيم السلفى الأصبهانى سنة سبعين وخمسمائة فى آخر شعبان، قال أنبأنا الحافظ أبو الغنايم محمد بن على بن ميمون النرسى بالكوفة سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن على بن الحسن بن على العلوى بانتخاب أبى عبد الله الصورى الحافظ، قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المطلب الشيبانى، قال أملى علينا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن يحيى الكزبرى القاضى بنصيبين حفظا فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة، قال أملاه علىّ بن محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة البهرانى من كتابه بحلب سنة ست وثلاثين ومائتين، قال أملى على عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودّعته بالخروج للحج، ونفذها معى إلى الفضيل بن عياض، وذلك فى سنة سبع وسبعين ومائة (يا عابد الحرمين) وذكر الأبيات وتمامها (٢).
стр. 843
وفيها حج بالناس هارون الرشيد (١).
وفيها مات محمد بن مسلم الطائفى المكى (٢).
***
«سنة ثمان وسبعين ومائة»
فيها حج بالناس أمير مكة محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس (٣).
***
«سنة تسع وسبعين ومائة»
فيها اعتمر الرشيد فى شهر رمضان؛ شكرا لله تعالى على قتل الوليد بن طريف (٤)، وعاد إلى المدينة فأقام بها [إلى] (٥) وقت الحج، وفرّق بين الحرمين مالا، وحج بالناس ومشى [من] (٥) مكة
стр. 844
إلى منى إلى عرفات، وشهد المشاهد كلها ماشيا، ورجع على طريق البصرة.
***
«سنة ثمانين ومائة»
فيها حج بالناس/محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، كذا قال (١). وقال ابن الأثير: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله (٢).
وفيها مات فقيه مكة أبو خالد مسلم بن خالد الزّنجى (٣).
***
«سنة إحدى وثمانين ومائة»
فيها حج بالناس هارون الرشيد، وصدر معجلا، وتخلّف عنه يحيى بن خالد بعد أن استعفاه فى الكعبة، ويقال لحقه عند العمرة فاستعفاه من الولاية فأعفاه، وردّ إليه الخاتم، وسأله الإذن له فى المقام بمكة، فأذن له، فانصرف إليها، وعاد مع الحجاج (٤).
стр. 845
«سنة اثنتين وثمانين ومائة»
فيها حج بالناس موسى بن عيسى بن موسى (١).
وفيها - ويقال فى سنة تسع وثمانين - مات يعقوب بن داود بن طهمان السّلمى (٢).
***
«سنة ثلاث وثمانين ومائة»
فيها جاءت الحبشة إلى جدة؛ فأوقعوا بأهلها، فخرج الناس من مكة إلى جدة وأميرهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس غزاة فى البحر، واستعمل عليهم عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن عبد الملك بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى (٣).
وفيها حج بالناس العباس بن موسى الهادى (٤).
***
стр. 846
«سنة أربع وثمانين ومائة»
فيها ولى الرشيد حمادا البربرى إمرة مكة واليمن (١).
وفيها كان سيل يقال له سيل المخبل؛ لأنه أصاب الناس بعده شبه الخبل بمرض شديد فى أجسادهم وألسنتهم، وكان سيلا عظيما؛ دخل المسجد الحرام وأحاط بالكعبة. وفيها أيضا جاء سيل عظيم دخل المسجد الحرام وذهب بالناس وأمتعتهم، وغرق الوادى فى أثره (٢).
فيها حج بالناس إبراهيم بن المهدى بن محمد بن عبد الله بن محمد بن على (٣).
***
«سنة خمس وثمانين ومائة»
فيها فى رمضان وقعت صاعقة فى المسجد الحرام على بعض ظلال المسجد فأحرقت الظلة وقتلت رجلين (٤).
وكان يحيى بن خالد/قد استأذن الرشيد فى العمرة فخرج فى شعبان فأقام بمكة واعتمر فى رمضان، وخرج إلى جدة فأقام بها على نيّة الرباط إلى زمن الحاج، فحج وعاد إلى العراق (٥).
стр. 847
وفيها حج بالناس هارون الرشيد كذا قال (١). وقال العتيقى:
إن الذى حج بالناس منصور بن المهدى محمد بن عبد الله بن على (٢).
***
«سنة ست وثمانين ومائة»
فيها قدم هارون الرشيد مكة للحج ومعه أولاده والفقهاء والقضاة والقواد، وأنفق بمكة نفقات عظيمة؛ بلغ عطاؤه ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وعزل صهره محمد بن عبد الله العثمانى عن الصلاة بمكة، وولى مكانه سليمان بن جعفر بن سليمان. فلما كان قبل التروية بيوم - بعد الصبح - صعد المنبر فخطب خطبة الحج، ثم فتح له باب البيت فدخل وحده ليس معه غيره، وقام مسرور على باب البيت، وأجيف أحد المصراعين، فمكث فيه طويلا فى جوف الكعبة، ثم دعا بالأمين محمد ولى العهد فكلمه طويلا فى جوف الكعبة، ثم دعا بالمأمون عبد الله ففعل به مثل ذلك، ثم دعا بالفضل ابن الربيع، ثم بعيسى بن جعفر وجعفر بن جعفر وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، فدخلوا عليه جميعا، ثم دخل بعدهم الحارث وأبان، ومحمد بن خالد، وعبيد بن يقطين، ونظراؤهم، ودعا بيحيى بن
стр. 848
خالد - ولم يكن حاضرا - فأتى به معجلا حتى دخل، ودعا بجعفر ابن يحيى، ثم كتب وليّا العهد كلّ واحد على نفسه كتابا لأمير المؤمنين فيما أخذ [على كل واحد] (١) منهما لصاحبه، وتوكّد فيه عليهما بخط يده، وحضرت صلاة الظهر من قبل فراغهم، فنزل أمير المؤمنين فصلّى بهم الظهر، ثم علا إلى الكعبة، فكان فيها إلى أن فرغوا من الكتابين، وأحضروا سوى من سمّينا قاضى مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومى، وقاضى المدينة المشرفة، وبعض من حجبة البيت، ثم حضرت صلاة العصر عند فراغهم؛ فنزل أمير المؤمنين فصلّى بهم، ثم طافوا سبعا، ثم دخل منزله من دار العجلة، وأمر بحشر من حضر من الهاشميين وغيرهم ليشهدوا على الكتابين، وأرسل إلى سليمان بن أبى جعفر، وعيسى بن جعفر، /وجعفر بن موسى - وقد كانوا انصرفوا، فردّوا من منازلهم - فجاءوا متضجرين، وأخرج إليهم الكتابين وقد وضع عليهما الطين وليس عليهما من الخواتيم إلا خاتما وليّى العهد، فقرئا على جميع من حضر ليشهدوا عليهما (٢)، ولم يثبت فى الكتابين إلا أسماء من كان فى الكعبة حيث كتب الكتابان، ولم يختم غيرهم، ولم يكن الكتابان طيّنا ولا طويا ولا ختما فى جوف الكعبة. ثم أمر أمير المؤمنين - بعد أن شهدوا على الكتابين - أن يعلّقا فى داخل الكعبة، قبالة بابها، مع المعاليق التى
стр. 849
فيها؛ حيث يراهما الناس، وضمنهما الحجبة، واستحلفهم على حفضهما والقيام بهما. وأن يصونوهما ويعلقوهما فى وقت الحج منشورين، وصنع هما قصبتان من ذهب، وكللوهما بفصوص من الياقوت والزبرجد واللؤلؤ، ثم انصرف أمير المؤمنين بعد قضاء نسكه.
صفة الشرط الذى كتبه الأمين محمد بن هارون الرشيد
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين كتبه له محمد بن أمير المؤمنين هارون، فى صحة بدنه وعقله وجواز من أمره، طائعا غير مكره: إن أمير المؤمنين هارون ولاّنى العهد من بعده، وجعل لى البيعة فى رقاب المسلمين جميعا، ولأخى عبد الله ابن أمير المؤمنين هارون العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين بعدى، برضاء منى وتسليم طائعا غير مكره، وولاه خراسان بثغورها، وكورها، [وحربها] (١)، وجنودها وخراجها، وطرزها، وبريدها، وبيوت أموالها، وصدقاتها، وعشرها وعشورها، وجميع أعمالها فى حياته وبعد وفاته، فشرطت لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين [برضى منى وطيب نفسى أن لأخى عبد الله بن هارون] (٢) علّى الوفاء بما جعل له أمير المؤمنين هارون من البيعة، والعهد، وولاية الخلافة، وأمور المسلمين بعدى، وتسليم ذلك له وما جعل (٣) له من ولاية خراسان وأعمالها،
стр. 850
وما أقطعه أمير المؤمنين هارون من قطيعة، وجعل له/من عقدة أو ضيعة من ضياعه وعقده، أو ابتاع له من الضياع والعقد، وما أعطاه فى حياته وصحته من مال، أو [حلى] (١)، أو جوهر أو متاع، أو كسوة، أو رقيق، أو منزل أو دواب، أو قليل أو كثير، فهو لعبد الله بن أمير المؤمنين، موفرا (٢) عليه مسلما له، وقد عرفت ذلك كله شيئا شيئا باسمه وأصنافه ومواضعه؛ أنا وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، فإن اختلفنا فى شئ فالقول فيه قول عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، لا أتبعه بشئ من ذلك ولا آخذه منه، ولا انتقصه صغيرا ولا كبيرا، ولا من ولاية خراسان ولا غيرها مما ولاّه أمير المؤمنين من الأعمال، ولا أعزله عن شئ منها، ولا أخلعه ولا استبدل به غيره، ولا أقدّم عليه قبله فى العهد والخلافة أحدا من الناس جميعا، ولا أدخل عليه مكروها فى نفسه ودمه ولا شعره ولا بشره، ولا خاص ولا عام من أمور ولايته، ولا أمواله ولا قطائعه ولا عقده، ولا أغير عليه شيئا بسبب من الأسباب، ولا آخد من عمّاله وكتّابه وولاة أمره، ممن صحبه وأقام معه، لمحاسبة، ولا أتبع شيئا مما جرى على يديه وأيديهم فى ولاية خراسان وأعمالها وغيرها مما ولاّه أمير المؤمنين فى حياته وصحته من الجباية والأموال والطرز والبريد والصدقات والعشر والعشور وغير ذلك، ولا آمر بذلك أحدا من الناس، ولا أرخص فيه
стр. 851
لغيرى. ولا أحدث فيه نفسى بشئ أمضيه عليه، ولا ألتمس له قطيعة (١)، ولا أنقض شيئا مما جعله فيه هارون أمير المؤمنين، وأعطاه فى حياته وخلافته وسلطانه من جميع ما سميت فى كتابى هذا، وآخذ له على جميع (٢) الناس البيعة، ولا أرخص لأحد من الناس كلهم فى جميع ما ولاّه، ولا فى خلعه، ولا فى مخالفته، ولا أسمع من أحد من البرية فى ذلك قولا، ولا أرضى بذلك فى سرّ ولا علانية، ولا أغمض عليه ولا أتثاقل عليه، ولا أقبل من برّ من العباد ولا فاجر، ولا صادق ولا كاذب، ولا ناصح ولا غاش، ولا قريب ولا بعيد، ولا أحد من ولد آدم ﵇، /من ذكر ولا أنثى مشورة ولا حيلة، ولا مكيدة فى شئ من الأمور سرها وعلانيتها، وحقها وباطلها، وباطنها وظاهرها، ولا لسبب من الأسباب. وأراد بذلك إفساد شئ مما أعطيت عبد الله بن هارون أمير المؤمنين من نفسى، وأوجبت له وشرطت وسميت فى كتابى هذا، وأراد به أحد من الناس أجمعين سوءا أو مكروها، أو أراد خلعه أو محاربته، والوصول إلى نفسه أو دمه أو حرمه، أو ماله أو سلطانه، أو ولايته جميعا أو فرادى، مسرين أو مظهرين له، أن أنصره وأحوطه، وأدفع عنه كما أدفع عن نفسى ومهجتى وشعرى وبشرى وحرمى وسلطانى، وأجهز الجنود إليه، وأعينه على كل من غشيه وخالفه، ولا أسلمه ولا أتخلى عنه، ويكون أمرى وأمره فى ذلك واحدا أبدا ما دمت حيّا.
стр. 852
وإن حدث بأمير المؤمنين حدث الموت وأنا وعبد الله بن أمير المؤمنين بحضرة أمير المؤمنين أو أحدنا، أو كنا غائبين عنه مجتمعين كنا أو متفرقين، وليس عبد الله بن هارون أمير المؤمنين فى ولايته بخراسان، فعلىّ لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين أن أمضيه إلى خراسان، وأسلم له ولايتها وأعمالها كلها وجنودها، ولا أعوقه عنها، ولا أحبسه قبلى، ولا فى شئ من البلدان دون خراسان، وأعجل إشخاصه إلى خراسان واليا عليها، وعلى جميع أعمالها كلها، وأشخص معه جميع من ضمّ إليه أمير المؤمنين من قوّاده وجنوده، وصحابته وكتابه، وعماله ومواليه وخدمه، ومن تبعه من صنوف الناس بأهليهم وأموالهم، ولا أحبس عنه أحدا منهم، ولا أشرك معه فى شئ منها أحدا، ولا أرسل عليه أمينا ولا كاتبا ولا بندارا (١)، ولا أضرب على يديه فى قليل ولا كثير.
وأعطيت هارون أمير المؤمنين وعبد الله بن هارون على ما شرطت لهما على نفسى من جميع ما سمّيت وكتبت فى كتابى هذا عهد الله وميثاقه، وذمّة أمير المؤمنين وذمتى، وذمم آبائى وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله على النبيين والمرسلين وخلقه أجمعين، من عهده ومواثيقه/، والأيمان المؤكدة التى أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها، فإن نقضت شيئا مما شرطت لهارون أمير
стр. 853
المؤمنين ولعبد الله بن هارون وسمّيت فى كتابى هذا، أو حدّثت نفسى أن أنقض شيئا مما شرطت لهارون أمير المؤمنين، أو بدّلت أو غدرت أو قبلت من أحد من الناس صغيرا أو كبيرا، برّا أو فاجرا، ذكرا أو أنثى - أو جماعة أو فرادى فبرئت من الله سبحانه، ومن ولايته، ومن دينه، ومن محمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله يوم ألقاه كافرا به ومشركا، وكل امرأة هى اليوم لى أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثة البتة طلاق الحرج، وعلىّ المشى إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة؛ نذرا واجبا لله فى عنقى، حافيا راجلا لا يقبل الله منى إلا الوفاء بذلك، وكل مال هو لى اليوم أو أملك إلى ثلاثين سنة [فهو صدقة على المساكين، وكل مملوك هو لى اليوم أو أملك إلى ثلاثين سنة فهم] (١) أحرار لوجه الله تعالى، وكل ما جعلت لأمير المؤمنين ولعبد الله بن هارون أمير المؤمنين وكتبته وشرطته لهما، وحلفت عليه وسمّيت فى كتابى هذا لازما لى الوفاء به، ولا أضمر غيره، ولا أنوى إلا إيّاه. فإن أضمرت أو نويت غيره فهذه العهود والمواثيق والأيمان كلها لازمة لى واجبة علىّ، وقوّاد أمير المؤمنين وجنوده وأهل الآفاق والأمصار وعوامّ المسلمين برآء منى ومن بيعتى وخلافتى وعهدى وولايتى، وهم فى حلّ من خلعى وإخراجى من ولايتى عليهم حتى أكون سوقة من السوق كرجل من عرض المسلمين لا حقّ لى عليهم ولا ولاية ولا بيعة لى فى أعناقهم، وهم فى حل من الأيمان التى أعطونى برآء من تبعتها ووزرها فى الدنيا والآخرة.
стр. 854
شهد سليمان بن أمير المؤمنين المنصور، وعيسى بن جعفر، وجعفر بن جعفر، وعبيد الله/بن المهدى، وجعفر بن موسى أمير المؤمنين، وعيسى بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن موسى أمير المؤمنين، وإسحاق بن عيسى بن على، وداود بن عيسى بن موسى، ويحيى بن عيسى بن موسى، وداود بن سليمان بن جعفر، وخزيمة بن خازم، وهرثمة بن أعين، ويحيى بن خالد، والفضل بن يحيى، وجعفر ابن يحيى، والفضل بن الربيع مولى أمير المؤمنين، والعباس بن الفضل ابن الربيع مولى أمير المؤمنين، وعبد الله بن الربيع مولى أمير المؤمنين، والقاسم بن الربيع مولى أمير المؤمنين، ودفانة بن عبد العزيز العبسى، وسليمان بن عبد الله بن الأصم، والربيع بن عبد الله الحارثى، وعبد الرحمن بن أبى السمراء (١) الغسانى، ومحمد بن عبد الرحمن قاضى مكة، وعبد الله (٢) بن شعيب الحجبى، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبى، وعبد الواحد بن عبد الله الحجبى، ومحمد بن عبد الله ابن عثمان الحجبى، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن نبيه الحجبى، وأبان مولى أمير المؤمنين، ومحمد بن منصور، وإسماعيل بن ضبيح، والحارث مولى أمير المؤمنين، وخالد مولى أمير المؤمنين.
وكتب فى ذى الحجة سنة ست وثمانين ومائة.
وصفة الشرط الذى كتبه عبد الله المأمون بن هارون الرشيد.
стр. 855
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين فى صحة من عقله وجواز من أمره وصدق نيّة فيما كتب فى كتابه ومعرفة ما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته ولجماعة المسلمين: إن أمير المؤمنين هارون ولانى العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين فى سلطانه بعد أخى محمد بن هارون أمير المؤمنين، وولانى فى حياته وبعده ثغور خراسان وكورها وجميع أعمالها من الصدقات/والعشر [والعشور] (١) والبريد والطرز وغير ذلك، واشترط لى على محمد بن أمير المؤمنين الوفاء بما عقد لى من الخلافة والولاية للعباد والبلاد بعده، وولانى خراسان وجميع أعمالها ولا يعرض لى فى شئ مما أقطعنى أمير المؤمنين أو ابتاع لى من الضّياع والعقد والدور والرباع، أو ابتعت منه من ذلك، وما أعطانى أمير المؤمنين هارون من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدواب [والرقيق وغير ذلك، ولا يعرض لى ولا لأحد من عمالى وكتابى] (٢) فى سبب محاسبة، ولا يتبع لى فى ذلك ولا لأحد منهم أبدا، ولا يدخل علىّ ولا على أحد ممن كان معى ومنى، ولا عمالى ولا كتابى، ومن استعنت به من جميع الناس مكروها فى دم ولا نفس ولا شعر ولا بشر، ولا مال ولا صغير [من الأمور] (٢) ولا كبير فأجابه إلى ذلك وأقربه وكتب له بذلك كتابا أكد (٣) فيه على نفسه، ورضى به أمير المؤمنين هارون،
стр. 856
وقبله وعرف صدق نيته؛ فشرطت لعبد الله هارون أمير المؤمنين وجعلت له على نفسى أن أسمع لمحمد بن أمير المؤمنين وأطيعه ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشه وأوفى ببيعته وولايته ولا أغدر ولا أنكث، وأنفذ كتبه وأموره، وأحسن مؤازرته ومكانفته، وأجاهد عدوه فى ناحيتى بأحسن جهاد، ما وفّى لى بما شرط لى ولعبد الله هارون أمير المؤمنين وسماه فى الكتاب الذى كتبه لأمير المؤمنين، ورضى به أمير المؤمنين وقبله، ولم ينقص شيئا من ذلك، ولا نقض أمرا من الأمور التى اشترطها لى عليه هارون أمير المؤمنين. وإن احتاج محمد بن هارون أمير المؤمنين إلى جند وكتب إلى يأمرنى بإشخاصهم إليه، أو إلى ناحية من النواحى، أو إلى عدو من أعدائه خالفه، أو أراد نقص شئ من سلطانه وسلطانى الذى أسنده هارون أمير المؤمنين إلينا، وولاّنا [إيّاه، فعلىّ] (١) أن أنفذ أمره ولا/أخالفه، ولا أقصر فى شئ كتب إلى به. وإن أراد محمد بن أمير المؤمنين أن يولى رجلا من ولده العهد والخلافة من بعدى فذلك له ما وفى لى بما جعل لى أمير المؤمنين هارون واشترط لى عليه وشرطه على نفسه فى أمرى، وعلىّ إنفاذ ذلك، والوفاء له بذلك، ولا أنقض ذلك، ولا أغيره ولا أبدله، ولا أقدم قبله أحدا من ولدى، ولا قريبا ولا بعيدا من الناس أجمعين، إلا أن يولى هارون أمير المؤمنين أحدا من ولده العهد من بعدى فيلزمنى ومحمدا الوفاء بذلك. وجعلت لأمير المؤمنين ومحمد بن أمير
стр. 857
المؤمنين هارون بجميع ما اشترط لى هارون أمير المؤمنين عليه فى نفسى، وما أعطانى أمير المؤمنين هارون من جميع الأشياء المسماة فى الكتاب الذى كتبه له عهد الله تعالى وميثاقه وذمة أمير المؤمنين وذمتى، وذمم آبائى وذمم المؤمنين، وأشدّ ما أخذ الله به على النبيين والمرسلين وخلقه أجمعين من عهوده ومواثيقه والأيمان المؤكدة التى أمر الله بالوفاء بها؛ فإن نقضتّ شيئا مما شرطت وسمّيت فى كتابى هذا له، أو غيّرت أو بدّلت، أو نكثت أو غدرت، فبرئت من الله تعالى ومن ولايته ومن دينه (١)، ومن محمد رسول الله ﷺ ، ولقيت الله سبحانه يوم ألقاه كافرا به مشركا. وكل امرأة هى اليوم لى أو أتزوجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثا البتة طلاق الحرج، وكل مملوك لى اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله ، وعلى المشى إلى بيت الله الحرام الذى بمكة ثلاثين حجة نذرا واجبا علىّ وفى عنقى حافيا راجلا لا يقبل الله منى إلا الوفاء به، وكل مال هو اليوم لى أو أملكه إلى ثلاثين سنة هدىّ بالغ الكعبة، وكل ما جعلت لعبد الله هارون، وشرطت فى كتابى هذا لازم لى، لا أضمر غيره ولا أنوى سواه.
شهد (تسمية الشهود فى ذلك/الذين شهدوا على محمد بن أمير المؤمنين) (٢).
стр. 858
وقال المسعودى (١): إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن على، وقيل منصور بن المهدى.
***
«سنة سبع وثمانين ومائة»
فيها حج بالناس عبيد الله بن العباس بن محمد بن على (٢)، وقيل المنصور بن المهدى (٣).
وفيها مات الزاهد أبو على الفضيل بن عياض التميمى اليربوعى فى يوم عاشوراء (٤).
***
«سنة ثمان وثمانين ومائة»
فيها حج بالناس هارون الرشيد، وهى آخر حجة حجها فى قول بعضهم، وآخر حجة حجها خليفة وإلى وقتنا هذا (٥).
***
стр. 859
«سنة تسع وثمانين ومائة»
فيها تغيرت الفضة التى شد بها الحجر الأسود لما أصابه من الحريق فى زمن ابن الزبير، وانشظت منه شظية، فلما اعتمر هارون الرشيد فى هذه السنة وجاور أمر بالحجارة التى بينها الحجر الأسود فنقبت بالماس من فوقها ومن تحتها، ثم أفرغ فيها الفضة (١).
وفيها حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على (٢).
***
«سنة تسعين ومائة»
فيها حج بالناس عيسى بن موسى الهادى بن أبى جعفر المنصور (٣).
***
стр. 860
«سنة إحدى وتسعين ومائة»
فيها حج بالناس أمير مكة الفضل بن العباس بن محمد بن على (١).
***
«سنة اثنتين وتسعين ومائة»
فيها حج بالناس عيسى بن موسى الهادى بن أبى جعفر المنصور كذا قال (٢) وقال العتيقى وغيره: إن الذى حج بالناس العباس بن عبيد الله بن جعفر بن أبى جعفر المنصور (٣)، وقال ابن الجوزى:
حج بالناس أمير مكة الفضل بن العباس بن محمد بن على، وقيل بل حج بالناس العباس المذكور.
***
«سنة ثلاث وتسعين ومائة»
فيها لما ولى الأمين الخلافة ولّى مكة والمدينة داود بن عيسى،
стр. 861
وعزل محمد بن عبد الرحمن المخزومى/عامل الرشيد على مكة، وأقره على القضاء (١).
وفيها حج بالناس أمير مكة، داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى (٢).
***
«سنة أربع وتسعين ومائة»
فيها - أو فى التى قبلها، أو فى التى بعدها - أرسل الخليفة الأمين محمد بن هارون الرشيد العباس إلى سالم بن الجراح عامله على صوافى مكة بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح الذهب على باب الكعبة، فقلع ما كان على الباب من الصفائح وزاد عليها من الثمانية عشر ألف دينار، فضرب عليه الصفائح والمسامير وحلقتى باب الكعبة وعلى الفياريز (٣) والعتب.
وفيها أمرت أم جعفر زبيدة بنت أبى الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المنصور بعمل بركها التى بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم، فجرت بماء قليل، فلم يكن فيه رىّ لأهل مكة، وقد غرمت فى ذلك
стр. 862
غرما عظيما، فبلغها فأمرت المهندسين أن يجروا لها عيونا من الحلّ، وكان الناس يقولون: ماء الحل لا يدخل الحرم؛ لأنه يمر لى عقاب وجبال.
فأرسلت بأموال عظام، ثم أمرت من يزن عينها الأولى، فوجد فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها وأبطلت تلك، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل، وعظمت فى ذلك رغبتها، وحسنت نيتها، فلم تزل تعمل فيها حتى بلغت ثنيّة خلّ (١) فإذا الماء لا يظهر فى ذلك الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت فى ذلك من الأموال ما لم يكن لتطيب فيه نفس كثير من الناس ولا أحد غيرها، حتى أجراها الله لها، وأجرت/فيها عيونا من الحلّ منها عين من المشاش (٢)، واتخذت لها بركا تكون السيول إذا جاءت تجتمع فيها، ثم أجرت لها عيونا (٣) من حنين، واشترت حائط حنين فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدّا يجتمع فيه السيل؛ فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها، وطابت نفسها بالنفقة فيها بما لم تكن تطيب نفس أحد غيرها به؛ فأهل مكة والحاج إنما يعيشون بها بعد الله (٤).
стр. 863
وفيها - أو فى التى بعدها - كتب يحيى بن مسكين بن أيوب ابن محارب على لسان أهل المدينة إلى داود بن عيسى بن موسى الهاشمى أمير مكة يسألونه التحوّل إليهم، ويعلمونه أن مقامه بالمدينة أفضل من مقامه بمكة، وأهدوا إليه فى ذلك شعرا، قال شاعرهم فيه: -
أداود قد فزت بالمكرمات … وبالعدل فى بلد المصطفى
وصرت ثمالا لأهل الحجاز … وسرت بسيرة أهل التقى
وأنت المهذّب من هاشم … ومن منصب العز والمرتجى
وأنت الرّضا للذى نابهم … وفى كل ذلك وابن الرضا
وبالفئ أغنيت أهل الخصاص … فعدلك فينا هو المنتضى
ومكة ليست بأرض المقام … فهاجر كهجرة من قد مضى
مقامك عشرين شهرا بها … كثير لهم عند أهل الحجى
فقم ببلاد الرسول التى … بها الله خصّ نبىّ الهدى
ولا يلفتنّك عن قربه … مشير مشورته بالهوى
فقبر النبى وآثاره … أحقّ بقربك من ذى طوى
فلما ورد الكتاب والأبيات على داود بن عيسى أرسل إلى رجال من أهل مكة فقرأ عليهم الكتاب، فأجابه رجل منهم يقال له عيسى ابن عبد العزيز بن السعلبوس بقصيدة يردّ عليه، ويذكر فيها فضل مكة، وما خصها الله تعالى به من الكرامة والفضيلة، ويذكر المشاعر والمناقب فقال: -
أداود أنت الإمام الرضى … وانت ابن عمّ نبىّ الهدى
стр. 864
وأنت المهذب من كل عيب … كبيرا ومن قبله فى الصبا
وأنت المؤمّل من هاشم … وأنت ابن قوم كرام تقى
وأنت غياث لأهل الخصاص … تبيد خصاصتهم بالغنى
أتاك كتاب حسود جحود … أسا فى مقالته واعتدى
يخيّر يثرب فى شعره … على حرم الله حيث انبنى
فإن كان يصدق فيما يقول … فلا ينجدنّ إلى ما هنا
وأىّ بلاد تفوق امّها … ومكة مكة أمّ القرى
وربى دحا الأرض من تحتها … ويثرب لا شك فيما دحا
وبيت المهيمن فينا مقيم … يصلّى إليه برغم العدى
ومسجدنا بيّن فضله … على غيره ليس فى ذا مرا
صلاة المصلى تعدّ له … مئين ألوفا صلاة وفا
كذاك أتى فى حديث النبى … وما قال حق به يقتدى
وأعمالكم كل يوم وفود … إلينا شوارع مثل القطا
فيرفع منها إلهى الذى … يشاء ويترك مالا يشا
ونحن يحجّ إلينا العباد. … ويرمون شعثا بوتر الحصى
ويأتون من كل فج عميق … على اينق ضمر كالقنا
ليقضوا مناسكهم عندنا … فمنهم شتات ومنهم معا
فكم من ملبّ بصوت حزين … يرى صوته فى الهوى علا
وآخر يذكر ربّ العباد … ويثنى عليه بحسن الثنا
فكلهم أشعث أغبر … يؤم المعرّف أقصى المدى
стр. 865
فظلوا به يومهم كلّه … وقوفا على الجبل حتى المسا
حفاة عراة قياما لهم … عجيج يناجون ربّ السما
رجاء وخوفا لما قدّموا … وكل يسأل دفع البلا
يقولون يا ربنا اغفر لنا … بعفوك واصفح عمن أسا
فلمادنا الليل من يومهم … وولّى النهار أجدّوا البكا
وسار الحجيج لهم رجّة … فحلوا بجمع بعيد العشا
فباتوا بجمع فلمّا بدا … عمود الصباح وولى الدّجى
دعوا ساعة ثم شدوا النسوع … على قلص ثم أمّوا منى
فمن بينهم من قضى نسكه … وآخر يبدأ سفك الدما
وآخر يهوى إلى مكة … ليسعى ويدعوه فيمن دعا
وآخر يرمل حال الطواف … وآخر ماض يؤم الصفا
فآبوا بفضل ممّا رجوا … وما طلبوا من جزيل العطا
وحج الملائكة المكرمون … إلى أرضنا قبل فيما مضى
وآدم قد حجّ من بعدهم … ومن بعده أحمد المصطفى
وحج إلينا خليل الإله … وهجّر بالرمى فيمن رمى
فهذا لعمرى لنا رفعة … حبانا بهذا شديد القوى
ومنا النبى نبىّ الهدى … وفينا تنبّا ومنا ابتدا
ومنا أبو بكر ابن الكرام … ومنا أبو حفص المرتجى
وعثمان منا فمن مثله … إذا عدّد الناس أهل التقى
ومنا على ومنا الزّبير … وطلحة فينا ومنا انتشا
ومنا ابن عباس ذو المكرمات … نسيب النبى وحلف الندى
стр. 866
ومنا قريش وآباؤها … فنحن إلى فخرنا المنتهى
ومنا الذين بهم تفخرون … فلا تفخرنّ علينا بنا
ففخر أولائى لنا رفعة … وفينا من الفخر ما قد كفى
وزمزم والحجر فينا فهل … لكم مكرمات كما قد لنا
وزمزم طعم وشرب لمن … أراد الطعام وفيه الشفا
وزمزم تنفى هموم الصدور … وزمزم من كل سقم دوا
ومن جاء زمزم من جائع … إذا ما تضلّع منها اكتفى
وليست كزمزم فى أرضكم … كما ليس نحن وأنتم سوا
وفيها سقاية عمّ الرسول … ومنها النبىّ امتلا وارتوى
وفينا المقام فأكرم به … وفينا المحصّب والمجتبى
ففينا الحجون ففاخر به … وفينا كدىّ وفينا كدا
وفينا الأباطح والمروتان … فبخبخ فمن مثلنا يا فتى
وفينا المشاعر منشا النبى … وأجياد والركن والمتكا
وثور فهل عندكم مثل ثور … وفينا ثبير وفينا حرا
وفيه اختباء نبىّ الإله … ومعه أبو بكر المرتضى
فكم بين أحد إذا جاء فخر … وبين القبيس فيما ترى
وبلدتنا حرم لم تزل … محرّمة الصيد فيما خلا
ويثرب كانت فلا تكذبن … حلالا فكم بين هذا وذا
فحرّمها بعد ذاك النبىّ … فمن أجل ذلك ماذا كذا
ولو قتل الوحش فى يثرب … لما فدى الوحش حتى اللقا
ولو قتلت عندنا نملة … أخذتم بها أو تؤدوا الفدا
стр. 867
ولولا زيارة قبر النبى … لكنتم كسائر من قد ترى
وليس النبىّ بها ثاويا … ولكنه فى جنان العلى
فإن قلت قولا خلاف الذى … أقول فقد قلت كل الخطا
فلا تفحشنّ علينا المقال … ولا تنطقن بقول الخنا
ولا تفخرن بما لا يكون … ولا ما يشينك عند الملا
ولا تهج بالشعر أرضا حراما … وكفّ لسانك عن ذى طوى
وإلا فجاءك مالا تريد … من الشتم فى يثرب والأذى
وقل يمكن القول فى أرضكم … يسب العقيق ووادى قبا
فأجابهما رجل من بنى أسد ناسك كان مقيما بجدة مرابطا، فحكم بينهما فقال:-
إنى قضيت على اللّذين تماريا … فى فضل مكة والمدينة فاسألوا
فلسوف أخبركم بحق فافهموا … فالحكم حينا قد يجور ويعدل
فأنا الفتى العجلىّ جدة مسكنى … وخزانة الحرم الذى لا يجهل
وبها الجهاد مع الرباط وإنها … لبها الوقيعة لا محالة تنزل
مع آل حام فى أواخر دهرها … وشهيدها بشهيد بدر يعدل
شهداؤنا قد فضّلوا بسعادة … وبها السرور لمن يموت ويقتل
يا أيها المدنى أرضك فضلها … فوق البلاد وفضل مكة أفضل
أرض بها البيت المحرم قبلة … للعالمين له المساجد تعدل
حرم حرام أرضها وصيدوها … والصيد فى كل البلاد محلل
وبها المشاعر والمناسك كلها … وإلى قضيلتها البريّة ترحل
стр. 868
وبها المقام وحوض زمزم مترعا … والحجر والركن الذى لا يجهل
والمسجد العالى الممجّد والصفا … والمشعران ومن يطوف ويرمل
هل فى البلاد محلّة معروفة … مثل المعرف أو مجمّر يحلل
أو مثل جمع فى المواطن كلها … أو مثل خيف منّى بأرض منزل
فلكم منازل لا يرى بخرابها … إلا الدماء ومحرم ومحلل
شرفا لمن وافى المعرّف ضيفه … شرفا له ولأرضه إذ ينزل
وبمكة الحسنات ضعّف أجرها … وبها المسئ عن الخطيئة يسأل
يجزى المسئ عن الخطيئة مثلها … وتضاعف الحسنات منه وتقبل
ما ينبغى لك أن تفاخر يا فتى … أرضا بها ولد النبى المرسل
بالشعب دون الرّدم مسقط رأسه … وبها نشا صلّى عليه المرسل/
وبها أقام وجاءه وحى السما … وسرى به الملك الرفيع المنزل
ونبوّة الرحمن فيها أنزلت … والدين فيها، قيل دينك أول
هل بالمدينة هاشمىّ ساكن … أو من قريش ناشئ أو مكهل
إلا ومكة أرضه وقراره … لكنهم عنها نأوا وتحوّلوا
فكذاك هاجر نحوكم لما أتى … إن المدينة هجرة تتحول
فأجرتم وقريتم ونصرتم … خير البرية حقكم أن تفعلوا
فضل المدينة بيّن ولأهلها … فضل قديم نوره يتهلّل
من لم يقل إن الفضيلة فيكم … قلنا كذبت وقول ذلك أرذل
لا خير فيمن ليس بعرف حقكم … من كان يجهله فلسنا نجهل
فى أرضكم قبر النبى وبيته … والمنبر العالى الرفيع الأطول
وبها قبور السابقين بفضلهم … عمر وصاحبه الرفيق الأفضل
стр. 869
والعترة الميمونة اللاتى بها … سبقت فضيلة كل من يتفضل
آل النبىّ بنو على إنهم … أمسوا ضياء للبرية تشمل
يامن تبض إلى المدينة عينه … قبل الصفار وصفر خدك أسفل
إنا لنهواها ونهوى أهلها … وودادها حق على من يعقل
قل للمدينى الذى يزذان دا … ود الأمير ويستحث ويعجل
قد جاءكم داود بعد كتابكم … قد كان حبلك فى أميرك يفتل
فاطلب أميرك واسنرزه ولا تقع … فى بلدة عظمت فوعظك أفضل
ساق الإله لبطن مكة ديمة … تروى بها وعلى المدينة تسبل
أخبرنى بهذا الكتاب والجوابين سيدى والدى العلامة الحافظ تقى الدين أبو الفضل محمد بن أبى النصر محمد بن أبى الخير محمد ابن فهد/الهاشمى - تغمده الله برحمته آمين - سماعا قال: أنبأنا بها الإمام أبو اليمن محمد بن أحمد بن إبراهيم المكى، عن يحيى بن يوسف المصرى قال، أنبأنا أبو الحسن على بن هبة الله بن بنت الحميرى، وأنبأنى بها - عاليا بدرجة - أبو محمد عبد القادر بن إبراهيم الشامى، عن زينب بنت الكمال قالت، أنبأنا بها أبو القاسم عبد الرحمن بن مكى بن الحاسب - أذنا - قال أنبأنا بها الحافظ أبو طاهر السّلفى، عن جعفر السراج قال، أنبأنا بها أبو محمد الحسن بن أحمد بن إبراهيم ابن فراس العبقسى (١) - أذنا - قال، حدثنى بها والدى [أو] قال، نبأنا أبى إبراهيم بن فراس قال، نبأنا أبو محمد إسحاق بن نافع
стр. 870
الخزاعى قال، أخبرنى إبراهيم بن عبد الرحمن المكى، عن محمد بن عباس المكى، قال أخبرنى بعض المشايخ المكيين: أن داود بن عيسى لما ولى مكة والمدينة أقام بمكة، وولّى ابنه سليمان بن داود المدينة، فأقام بمكة عشرين شهرا، وكتب إليه أهل المدينة. وقال الزبير بن أبى بكر: كتب إليه يحيى بن سليمان بن محارب يسأله التحوّل إليهم فذكر القصة (١).
وفيها حج بالناس أمير الحرمين داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس (٢)، وقيل حج بهم على بن الرشيد كذا قال ابن الجوزى وسبطه، وقال العتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة على بن هارون الرشيد (٣).
***
«سنة خمس وتسعين ومائة»
فيها فى رجب خلع عامل الحرمين لمحمد الأمين داود بن عيسى ابن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بيعة الأمين وبايع للمأمون، وكتب البيعة على الناس، وكتب بذلك إلى طاهر بن
стр. 871
الحسين والمأمون؛ /وسبب ذلك أنه لما بلغه ما كان بين الأمين والمأمون وما فعل طاهر - (١) وكان الأمين قد كتب إلى داود بن عيسى (١) يأمره بخلع المأمون، وبعث أخذ الكتابين من الكعبة، فلما فعل ذلك جمع داود حجبة البيت والقرشيين والفقهاء ووجوه الناس ومن كان شهد فى الكتابين - وكان داود أحدهم - فقال لهم: قد علمتم ما أخذ الرشيد عليكم وعلينا من العهد والميثاق - عند بيت الله الحرام لا بنيه - لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المغدور به على الغادر، وقد رأينا وأنتم أن محمدا قد بدأ بالظلم والبغى والغدر والنكث والمكر على أخويه المأمون والمؤتمن، وخلعهما عاصيا لله، وبايع لابنه - طفل صغير رضيع لم يفطم - واستخرج الشرطين من الكعبة عاصيا ظالما فحرقهما بالنار؛ وقد رأيت خلعه والبيعة للمأمون إذ كان مظلوما مبغيا عليه. فقال له أهل مكة: رأينا تبع لرأيك.
فوعدهم صلاة الظهر، وأرسل (٢) فى فجاج مكة صائحا يصيح:
الصلاة جامعة. وذلك فى يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب (٣)، فخرج فصلى بالناس الظهر، وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام، فجلس عليه، فحمد الله تعالى وصلى على رسوله
стр. 872
محمد ﷺ ، وقال: يا أهل مكة، أنتم الأصل، وإلى قبلتكم يأتمّ المسلمون، ولقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد، وقد علمنا أن محمدا بدأ بالظلم والبغى، وقد حلّ لنا ولكم خلعه، وأشهدكم أنى قد خلعت محمد ابن هارون من الخلافة كما خلعت قلنسوتى هذه من رأسى - ثم خلعها فرمى بها إلى بعض الخدم وأتى بقلنسوة أخرى فلبسها - ثم قال: وقد بايعت لعبد الله المأمون. /ألا فقوموا فبايعوا. فبقى أياما يبايعونه، وكتب إلى ابنه سليمان - وهو عامله على المدينة - يأمره أن يفعل [بأهل المدينة مثل ما فعل] (١) فخلع سليمان الأمين وبايع للمأمون.
فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود سار من مكة على طريق البصرة إلى فارس ثم إلى كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو، فأخبره بذلك، فسرّ سرورا شديدا، وتيمن ببركة مكة والمدينة، وكتب لداود عهدا على مكة والمدينة وأعمالهما، وزيد ولاية عكّ - وكتب له إلى الرى بمعونة خمسمائة ألف درهم، وسيّر معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن على، وجعله على الموسم. فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداد فأكرمهما وقربهما.
وفيها حج بالناس العباس بن موسى (٢)، وجّهه طاهر بن
стр. 873
الحسين أميرا على الموسم من قبل المأمون - ومحمد بن زبيدة محصور - فدعا للمأمون فى الموسم بالخلافة؛ وهو أول موسم دعى له فيه بالخلافة بمكة والمدينة.
وفيها - أو فى التى بعدها - مات أبو صالح شعيب بن حرب المدائنى البغدادى (١).
***
«سنة ست وتسعين ومائة»
فيها كان عامل مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى (٢).
***
«سنة سبع وتسعين ومائة»
فيها كان عامل مكة داود بن عيسى، واستعمل عاملا من غنى على سوق للأزد، وهى فى ديار الأوصام (٣) من بارق (٤) من صدر قنونا (٥)
стр. 874
وحلى (١) من ناحية اليمن، وهى من مكة على ست ليال، وهى آخر سوق خرب من أسواق الجاهلية، وكان والى مكة يستعمل عليها رجلا يخرج معه جند فيقيمون بها ثلاثة أيّام من أول رجب متوالية، فقتلته الأزد فى هذا العام، فأشار/أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها، فخربها وتركت (٢).
وفيها حج بالناس العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إيّاه على الموسم بأمر المأمون بذلك (٣).
وفيها حج أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالى آخر حجاته، فلما كان بجمع وصلى استلقى على فراشه وقال: وافيت هذا الموضع (٤) سبعين مرة، أقول فى كل سنة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وإنى قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله ذلك. فرجع فتوفى فى السنة الداخلة (٥).
***
стр. 875
«سنة ثمان وتسعين ومائة»
فيها حجّ بالناس العباس بن موسى بن عيسى، وقد اجتمع الناس على بيعة المأمون (١).
وفيها مات أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالى يوم السبت غرة رجب، وقيل فى آخر يوم من جمادى الآخرة (٢).
***
«سنة تسع وتسعين ومائة»
فيها كان عامل الحرمين داود بن عيسى بن موسى بن عيسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
وفيها لما استولى أبو السرايا السّرىّ بن منصور الشيبانى داعية ابن طباطبا العلوى المكى على الكوفة ولّى الحسين بن الحسن الأفطس بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب مكة، وجعل إليه أمر الموسم، فسار إلى مكة فلما بلغ عاملها داود بن عيسى توجيه أبى السرايا للحسين الأفطس إلى مكة لإقامة الموسم جمع أصحاب بنى العباس ومواليهم والعبيد - وكان مسرور الكبير الخادم قد حجّ فى هذه السنة، فى مائتى فارس من أصحابه، فتعبأ لحرب من يريد مكة
стр. 876
من الطالبيين، وقال لداود: أقم لى شخصك أو شخص بعض ولدك وأنا أكفيك قتالهم. فقال له داود: لا أستحل القتال فى الحرم/؛ والله لئن دخلوها من هذا الفج لأخرجنّ من هذا الفج. فقال له مسرور:
تسلم (١) مالك وولايتك لعدوك؟! فقال داود: أىّ مال لى (١)؟ والله لقد أقمت معهم حتى شخت فما ولّيت ولاية حتى كبرت وفنى عمرى، فولونى من الحجاز ما فيه القوت، وإنما هذا الملك لك ولأشباهك، فقاتل عليه أو دع. ثم انحاز داود إلى جهة المشاش بأثقاله، وتوجه منها على درب العراق، وافتعل كتابا على لسان المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، وقال له: أخرج فصل بالناس بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وبت بمنى، وصل الصبح ثم اركب دوابك فانزل طريق عرفة، وخذ على يسارك فى شعب عمرو حتى تأخذ طريق المشاش حتى تلحقنى فى بستان ابن عامر.
فافترق الجمع الذين جمعهم، وخاف مسرور أن يقاتلهم فخرج فى إثر داود راجعا إلى العراق، وبقى الوفد بعرفة، فلما زالت الشمس حضرت الصلاة فتدافعها قوم من أهل مكة فقال المؤذن. أحمد بن الوليد الأزرقى (٢): إذا لم يحضر الولاة يا أهل مكة فليصل قاضى مكة محمد بن عبد الرحمن المخزومى وليخطب بهم. قال: فلمن أدعو وقد
стр. 877
هرب هؤلاء وأطل (١) هؤلاء على الدخول؟ قال: لا تدع لأحد قال: بل تقدّم أنت. فأبى الأزرقى حتى قدموا رجلا من عرض الناس على الصلاتين بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا بعرفة، ثم دفعوا بلا إمام حتى أتوا مزدلفة، فصلّى بهم المغرب والعشاء رجل من عرض الناس من أهل مكة.
وكان حسين بن حسن الأفطس لما بلغ سرف خاف دخول مكة، فتوقف خوفا من بنى العباس حتى خرج إليه قوم يميلون إلى/ الطالبيين فأخبروه أن مكة قد خلت من بنى العباس، فدخلها قبل الغروب فى عشرة أنفس، فطافوا بالبيت وسعوا بين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة فوقفوا ليلا، ثم رجعوا إلى مزدلفة، فصلى بالناس الصبح، ووقف بهم عند المشعر، ودفع بهم غداة جمع، وصار إلى منى، وأقام بها أيام الحج، ثم عاد إلى مكة، فلم يزل مقيما بها حتى انقضت السنة (٢).
***
«سنة مائتين»
فيها فى يوم السبت أول يوم [من] (٣) المحرم بعد ما تفرّق
стр. 878
الناس من مكة جلس الحسين بن الحسن الأفطس خلف المقام على نمرقة مثنيّة وأمر بالكعبة فجرّدت من الثياب، وكانت قد كثرت الكسوة على الكعبة فجردها حتى بقيت حجارة مجردة، ثم كساها كسوتين أنفذهما أبو السرايا من الكوفة من قزّ رقيق، إحداهما صفراء، والأخرى بيضاء، مكتوب عليهما: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار، أمر أبو السرايا الأصفر بن الأصفر داعية آل محمد ﷺ بعمل هذه الكسوة لبيت الله الحرام، وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من بنى العباس ليطهر من كسوتهم، وكتب فى سنة تسع وتسعين ومائة (١).
وأخذ ما فى خزانة الكعبة - وكان مالا عظيما - وانتقله إليه، وقال: ما تصنع الكعبة بهذا المال موضوعا لا ينتفع به؟ نحن أحقّ به نستعين به (٢). فقسمه مع كسوتها على أصحابه، وتتبع حسين الأفطس ودائع بنى العباس ومتاعهم وأخذها، وأخذ أموال الناس بخجّة الودائع، ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس أو أتباعهم إلا هجم عليه فى داره، فإن وجد شيئا أخذه وعاقب الرجل، وإن لم يجد عنده شيئا حبسه وعذبه حتى يفتدى [نفسه] (٣) بقدر طوله، وهرب كثير من الناس فهدمت دورهم، وتطرق أصحابه إلى
стр. 879
قلع شبابيك/الحرم، وقلعوا شباك زمزم فبيع بالثمن، وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذى فى رءوس أساطين المسجد الحرام، فيخرج من الأسطوانة - بعد التعب الشديد - قدر مثقال (١).
وتغيّر الناس على الحسين الأفطس لسوء سيرته وسيرة أصحابه، فلما رأى ذلك وبلغه أن أبا السرايا قد قتل، وأنه قد طرد من كان بالكوفة والبصرة وكور العراق من الطالبيين، ورجعت الولاية لولد العباس؛ أتى هو وأصحابه إلى الديباجة محمد بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين على بن الحسين بن على بن أبى طالب العلوى، وكان شيخا محبّبا فى الناس، حسن السيرة مفارقا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروى العلم عن أبيه جعفر، فكان الناس يكتبون عنه، وكان يظهر سمتا وزهدا، فلما أتوه قالوا: نعلم منزلتك فى الناس، فهلمّ نبايع لك بالخلافة، فإن أنت فعلت ذلك لم يختلف عليك اثنان. فامتنع من ذلك، فلم يزل به ابنه [على بن محمد بن جعفر] (٢) وحسين بن الحسن الأفطس حتى غلباه على رأيه فأجابهم، فأقاموه بعد صلاة الجمعة لثلاث خلون من ربيع الآخر (٣) فبايعوه بالخلافة، وحشدوا إليه الناس من أهل مكة والمجاورين فبايعوه طوعا وكرها وسموه أمير المؤمنين.
стр. 880
وأرسل الديباجة إلى الحجبة فاستلف منهم من مال الكعبة خمسة آلاف دينار، وقال: نستعين بها على أمرنا، فإذا أفاء الله علينا رددناها فى الكعبة. فدفعوها إليه، وكتبوا عليه بذلك كتابا، وأشهدوا فيه شهودا (١).
وبقى الديباجة شهورا ليس له من الأمر شئ سوى الاسم مع ابنه على وحسين الأفطس، وسار ابنه على والحسين وجماعته بمكة أقبح سيرة، ووثب/حسين الأفطس على امرأة من بنى فهر كانت جميلة وأرادها على نفسها، فامتنعت منه، فأخاف زوجها - وهو من بنى مخزوم - حتى توارى عنه، ثم كسر باب دارها وأخذها إليه مدة، ثم هربت منه. ووثب علىّ بن محمد بن جعفر على ابن قاضى مكة إسحاق بن محمد - وكان جميلا - فأخذه قهرا. فلما رأى ذلك أهل مكة ومن بها من المجاورين اجتمعوا بالحرم الشريف واجتمع معهم جمع كثير فأتوا محمد بن جعفر وقالوا له: لنخلعنك أو لنقتلنك أو لتردّن إلينا هذا الغلام. فأغلق بابه وكلّمهم من شباك، وطلب منهم الأمان ليركب إلى ابنه ويأخذ الغلام، وحلف لهم أنه لم يعلم بذلك فأمّنوه، فركب إلى ابنه وأخذ الغلام منه وسلّمه إلى أهله (٢).
ولم يلبثوا إلاّ يسيرا حتى قدم إسحاق بن موسى بن عيسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس العباسى، عامل اليمن للمأمون