وعطش الناس بطريق مكة، فبلغت الرواية أربعين درهما، وغلا الخبز فبلغ كل رطل بغدادى [بدرهم] (١)، وأصاب الناس بالموقف بعرفة حر شديد أضر بهم، ثم أصابهم مطرفيه برد، واشتد البرد عليهم، وأضرّبهم، وذلك كله فى ساعة واحدة، ومطروا بمنى فى يوم النحر مطرا شديدا لم يروا مثله، وكان الناس وقوفا عند جمرة العقبة يرمونها، فوقعت قطعة من الجبل الذى عندها فقتلت جماعة من الحجاج، وكان فى الحج سليمان بن طاهر بن الحسين (٢).
***
«سنة تسع وعشرين ومائتين»
فيها هدم عمر بن فرج الرخجى بيت الشراب، وهو صفّة زمزم، وبنى أسفله بحجارة بيض منقوشة مداخلة على عمل الأجنحة الرومية، وبنى أعلاه بآجر، وألبسه رخاما، وجعل/بينه كوى عليها شباك من حديد وأبواب ملبسة، وفوق الكنيسة ثلاث قباب صغار، وألبس ذلك كله بالفسيفساء، وجعل فى بطنها حوضا كبيرا من ساج، فى بطن الحوض حوض من أدم ينبذ فيه الشراب للحاج أيام الموسم (٣).
وفيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى (٤).
стр. 912
وفيها مات أبو على محمد بن معاوية بن أعين النيسابورى البغدادى (١).
***
«سنة ثلاثين ومائتين»
فيها حج إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وإليه أحداث الموسم (٢).
وفيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى (٣).
وكان حج فى هذه السنة بغا الكبير التركى بعد قتاله عرب سليم (٤).
***
«سنة إحدى وثلاثين ومائتين»
فيها أراد الواثق الحج فوجّه عمر بن فرج الرخجى لإصلاح المناهل، فرجع وأخبره أن الطريق قليل الماء، فتركه (٥).
стр. 913
وفيها حج جعفر بن دينار وكان معه أربعة آلاف فارس (١) - وقيل ستة آلاف - وألف راجل (١)، ثم سار إلى اليمن متولّيا عليها من قبل الواثق.
وفيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى (٢).
وفيها مات أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطى (٣).
وصالح بن عبد الله الترمذى (٤).
***
«سنة اثنتين وثلاثين ومائتين»
فيها أصاب الناس فى عودهم من مكة، عطش عظيم، بلغت الشربة فيه عدة دنانير، ومات منهم خلق كثير من العطش (٥).
وفيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى (٦).
***
стр. 914
«سنة ثلاث وثلاثين ومائتين»
فيها - فى رمضان - ولّى الخليفة المتوكل (١) إمرة الحرمين والطائف [ابنه المنتصر] (٢) محمد بن المتوكل جعفر بن المعتصم أحمد ابن الرشيد هارون بن المهدى محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس العباسى.
وفيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى بن موسى (٣). /
***
«سنة أربع وثلاثين ومائتين»
فيها عزل الخليفة المتوكل (٤) عن إمرة مكة [ابنه المنتصر محمد] (٥) بن المتوكل، وولى محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس العباسى.
стр. 915
وفيها حج إيتاخ الخزرى (١) مولى المعتصم، وأحد كبار قوّاد المتوكل، وعقد له المتوكل الولاية على مكة وعلى كل بلد يدخلها، ودعى له على المنبر بالحرمين.
وفيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى (٢).
***
«سنة خمس وثلاثين ومائتين»
فيها حج بالناس محمد بن داود بن عيسى (٣).
***
«سنة ست وثلاثين ومائتين»
فيها - فى رمضان - زيد فى حلية المقام بذهب، وعمل
стр. 916
الذهب [الذى] (١) حلى به فى هذا التاريخ فوق الذهب الذى حلى به فى زمن المهدى أحسن من ذلك العمل (٢).
وفيها حج بالناس المنتصر بالله محمد بن المتوكل على الله جعفر، وحجت معه جدته شجاع أم المتوكل (٣).
***
«سنة سبع وثلاثين ومائتين»
فيها أمرت أم أمير المؤمنين المتوكل على الله جعفر باثنى عشر ألف دينار لعزق وادى مكة، فعزق بها عزقا مستوعبا (٤).
وفيها حج بالناس أمير مكة على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور (٥).
***
«سنة ثمان وثلاثين ومائتين»
فيها حج بالناس أمير مكة أبو العباس عبد الله بن محمد بن
стр. 917
داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس؛ كذا قال المسعودى (١)، وقال ابن الجوزى وسبطه: الذى حج بالناس فى هذه السنة على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور العباسى (٢).
***
«سنة تسع وثلاثين ومائتين»
فيها حج جعفر بن دينار على الأحداث بطريق مكة والموسم (٣).
وفيها حج بالناس أمير مكة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى/بن موسى العباسى، ولقبه ترنجة (٤).
***
«سنة أربعين ومائتين»
فيها كتب والى مكة ولى عهد المسلمين محمد المنتصر بالله وهو يومئذ يلى أمر مكة والحجاز وغيرهما: أنى دخلت الكعبة فرأيت
стр. 918
الرخام المفروش به أرضها قد تكسر (١) قطعا صغارا، ورأيت ما على جدراتها من الرخام قد تزايل تهندمه ووهى عن مواضعه، وأحضرت من فقهاء أهل مكة وصلحائهم جماعة وشاورتهم فى ذلك، فاجتمع ظنهم بأن ما على ظهر الكعبة من الكسوة قد أثقلها ووهّنها، ولم يأمنوا أن يكون ذلك أضرّ بجدراتها، وأنها لو جرّدت أو خفف بعض ما عليها من الكسوة كان أصلح وأوفق، فأنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين (٢) ليرى رأيه الميمون فيه، ويأمر فيه بما يوفّقه الله ويسدّده له. وكان فرش أرض الكعبة قد تثلم منه شئ كثير شائن.
وكتب صاحب البريد إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بمثل ما كتب به العامل بمكة من ذلك، وواترا كتبهما به وغاليا فى ذلك.
وذكرا فى بعض كتبهما أن أمطار الخريف قد كثرت وتواترت بمكة ومنى فى هذا العام، فهدمت منازل كثيرة، وأن السيل حمل فى مسجد رسول الله ﷺ ، وإبراهيم نبى الله صلاة الله عليه المعروف بمسجد الخيف، فهدم سقوفه وعامة جدراته، وذهب بما فيه من الحصباء فأعراه، وهدم من دار الإمارة بمنى وما يليها من الحجر جدرات وعدة أبيات، وهدم العقبة المعروفة بجمرة العقبة، وبركة
стр. 919
الياقوتة (١)، وبرك المأزمين، والحياض المتصلة بها، وبركة العيرة (٢)، وإن العمل فى ذلك إن لم يتدارك ويبادر بإصلاحه كان على سبيل زيادة، وهو عمل كثير لا يفرغ منه إلا فى أشهر كثيرة.
ورفع جماعة الحجبة إلى أمير المؤمنين/المتوكل على الله رقعة ذكروا فيها: أن ما كتب به العامل بمكة من ذكر الرخام المتكسر فى أرض الكعبة لم يزل على ما هو عليه؛ وأن ذلك لكثرة وطء من يدخل الكعبة من الحاج والمعتمرين والمجاورين وأهل مكة، وأنه لا يرزؤها ولا يضرها، وأنه ليس فى جدراتها من الرخام المتزايل ولا على ظهرها من الكسوة ما يخاف بسببه وهن ولا غيره، وأن زاويتين من زوايا الكعبة من داخلها ملبس ذهبا، وزاويتين فضة، وأن ذلك لو كان ذهبا كله كان أحسن وأزين، وأن قطعة فضة مركبة على جدرات الكعبة شبه المنطقة، فوق الإزار الثانى من الرخام المنقوش المذهب فى زيق فى الوسط فيه الجزعة التى تستقبل من توخّى مصلى رسول الله ﷺ ، وتلك القطعة فى الزيق مبتدأ منطقة كانت عملت فى خلافة محمد بن الرشيد؛ عملها سالم بن الجراح أيّام عمل الذّهب على باب الكعبة،
стр. 920
ثم جاء خلع محمد قبل أن يتم، فوقف عن عملها، ولو كان بدل تلك القطعة منطقة فضة مركبة فى أعلى إزار الكعبة فى تربيعها كان أبهى وأحسن. وأن الكرسى المنصوب المقعد فيه مقام إبراهيم ﵇ ملبس صفائح من رصاص، وإن عمل مكان الرصاص فضة كان أشبه به وأحسن وأوفق له (١).
ورفع الحجبة أيضا إلى أمير المؤمنين [رقعة يذكرون له أن العامل بمكة إن تسلّط على أمر الكعبة أو كانت له مع إسحاق بن سلمة فى ذلك يد لم يؤمن] (٢) أن يعمد إلى ما كان صحيحا أو يتعلل فيه فيخربه أو يهدمه، ويحدث فى ذلك أشياء لا تؤمن (٣) آفتها على من يطلب إضرارهم (٣)، وأنهم لا يأمنون ذلك منه.
وفيها هدم أمير مكة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى ظلة المؤذنين وعمّرها، وزاد فيها وبناها بناء محكما، وجعلها بطاقات خمس، وإنما كانت قبل ذلك ظلة (٤).
стр. 921
وفيها حج جعفر بن دينار وهو وال على أحداث الموسم (١).
وفيها حج بالناس أمير مكة/عبد الله بن محمد بن داود (٢).
وفيها - أو فى التى بعدها - مات قاضى مكة أبو مروان محمد ابن عثمان بن خالد بن عمر بن عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان الأموى (٣).
وفيها - وقيل فى سنة خمس وأربعين، وقيل فى سنة تسع وأربعين - مات المقرئ أبو الحسن أحمد بن محمد بن علقمة بن نافع، القوّاس النبال (٤).
وفيها قال محمد بن جرير الطبرى: كنت فى مكة سنة أربعين ومائتين فرأيت خراسانيا ينادى: معاشر الحاج، من وجد هميانا فيه ألف دينار فردّه علىّ أضعف الله له الثواب. فقام إليه شيخ من أهل مكة كبير من موالى جعفر بن محمد فقال: يا خراسانى بلدنا فقير أهله، شديد حاله، أيامه معدودة. ومواسمه منتظرة، لعله يقع بيد رجل مؤمن يرغب فيما تبذله له حلالا يأخذه ويردّه عليك. قال الخراسانى: بابا، وكم يريد؟ قال: العشر: مائة دينار. فقال:
стр. 922
لا بابا، ولكن نحيله على الله . قال وافترقا، قال محمد بن جرير فوقع لى أن الشيخ صاحب القريحة (١) هو الواجد للهميان فاتّبعته - وكان كما ظننت - ونزل إلى دار مستفلة (٢) خلقة الباب والمدخل (٢) فسمعته يقول: يا لبابة. قالت له: لبّيك يا أبا غياث.
قال: وجدت صاحب الهميان ينادى عليه مطلقا، فقلت له قيّده بأن يجعل لواجده العشر. فقال: كم؟ فقلت: عشره. فقال: لا والله، ولكنا نحيله على الله. فأى شئ (٣) نعمل؟ ولا بدّ لى من ردّه؟ فقالت له لبابة: نقاسى الفقر معك منذ خمسين سنة، ولك أربع بنات وأختان وأنا وأمى، وأنت تاسع القوم!! أشبعنا واكسنا، ولعل الله يغنيك فتعطيه، أو يكافئه عنك ويقضيه. فقال لها: لست أفعل، ولا أحرق حشاشتى بعد ست وثمانين سنة بالنار. قال: ثم سكت القوم وانصرفت.
فلما كان من الغد - على ساعات من نهار - سمعت الخراسانى يقول: معاشر الحاج ووفد الله من الحاضر والباد، من وجد هميانا فيه ألف دينار وردّه/أضعف الله له الثواب. فقام إليه الشيخ فقال له: يا خراسانى، قد قلت لك بالأمس ونصحتك، وبلدنا والله بلد فقير قليل الزرع والضرع، وقد قلت لك أن تدفع إلى واجده مائة دينار فلعلّه أن يقع بيد من يخاف الله، فقلت: لا، فالآن أقول
стр. 923
لك: هل تدفع لواجده عشرة دنانير منها فيردّه عليك، ويكون له (١) فى العشرة دنيانير ستر وصيانة؟ فقال الخراسانى: بابا لا نفعل، ولكن نحيله على الله . ثم افترقا، قال محمد بن جرير الطبرى: فما تبعت الشيخ ولا الخراسانى، وجلست أكتب فى كتاب النسب للزبير بن بكّار، فلما كان من الغد سمعت الخراسانى ينادى ذلك النداء بعينه، فقام إليه الشيخ فقال له: يا خراسانى قلت لك أوّل أمس العشر منه، وقلت لك أمس عشر عشره عشرة دنانير، فأعطه الآن دينارا، عشر عشر العشر دينار من عشرة من مائة من ألف؛ نشترى بنصف دينار قريبة نستقى عليها للمقيمين بمكة بالأجرة سائر نهارى، ونأخذ بنصف دينار شاة نحلبها، ونجعل ذلك لعيالنا غذاء. قال: بابا، لا نفعل، ولكن نحيله على الله. قال فجذبه الشيخ وقال له: تعالى خذ هميانك ودعنى أنام الليل، وأرحنا من محاسبتك وظلمك. فقال له: امش بين يدى. فمشى الشيخ وتبعه الخراسانى وتبعتهما، فدخل الشيخ فما لبث أن خرج وقال:
ادخل يا خراسانى. فدخل ودخلت، فنبش تحت درجة له مزبلة (٢) فأخرج منها الهميان أسود من خرق بخارية غلاظ، وقال: هذا هميانك؟ فنظر إليه وقال: هذا هميانى. ثم حلّ رأسه من شدّ وثيق، ثم صبّ المال فى حجر نفسه وقلّبه مرارا، وقال: هذه دنانيرنا.
وأمسك الهميان بيده الشمال، /وردّ المال بيده اليمين فيه حتى
стр. 924
استوفاه، ثم شدّه شدا سهلا، ووضعه على كتفه، وأقلب خلقاته فوقه، ثم أراد الخروج فلما بلغ باب الدار تأمل أمر الشيخ الخراسانّى فرجع، وقال له: يا شيخ، مات أبى ﵀، وترك ثلاثة آلاف دينار، وقال لى: أخرج ثلثها ففرّقه على من هو أحقّ الناس عندك، وتبيع رحلى، واجعله نفقة لحجّك. ففعلت ذلك، وأخرجت ثلثها ألف دينار، وشددتها فى هذا الهميان، وما رأيت منذ خرجت من خراسان إلى ها هنا رجلا أحق به منك، فخذه بارك الله لك فيه. ثم ولّى وتركه فولّيت خلف الخراسانى، فعدا أبو غياث فلحقنى وردّنى بجذبته - وكان (١) شيخا مشدود الوسط (١) بشريط معصب الحاجبين، ذكر أن له ستا وثمانين سنة، وإنما الفقر والجوع أنهكه - فقال: اجلس؛ فقد رأيتك تبعتنى فى أول يوم، وعرفت خبرنا فى الأمس واليوم، سمعت أحمد بن يونس اليربوعى يقول سمعت مالكا يقول، سمعت نافعا يقول، عن عبد الله بن عمر ﵄: إن النبى ﷺ قال لعمر، وعلىّ ﵄: إذا أتاكما الله بهدية بلا مسألة، ولا استشراف نفس، فاقبلاها ولا تردّاها فتردّاها على الله، وهى هدية من الله والهدية لمن حضر؛ لما رووا من المأثور عن رسول الله ﷺ بذلك يا فتى. ثم قال: يا لبابة وكتينة وبثينة، وأسماء الباقيات منهن - قال أبو حازم: نسيت أسماء البنات والأخوات - وقعد وأقعدنى، فكان له أربع بنات وأختان وزوجة وأمها، وهو وأنا؛ فصرنا عشرة، فحل
стр. 925
الهميان وقال: ابسطوا حجروكم. فبسطتّ حجرى، وما كان لهن قميص له حجر يبسطونه (١) فمدوا أيديهم، وأقبل يدفع لكل واحد دينارا حتى إذا بلغ العاشر إلىّ قال: ولك دينار. لأنه أقعدهم على يمينه/وعلى شماله، فكان يبدأ بنفسه ثم يعطيهم حتى فرغ الهميان - وكانت ألفا فيها - فأصابنى مائة دينار، فداخلنى من سرور غناهم أشد مما داخلنى من سرور إصابتى بالمائة دينار، وهدية الله لى. فلما أردت الخروج قال لى: يا فتى إنك لمبارك، وما رأيت هذا المال قط ولا أملته قط (٢)، وإنى لأنصحك أن تحتفظ به، واعلم أنى أقوم سحرا فأصلى الغداة فى هذا القميص الخلق ثم أنزعه فيصلين فيه واحدة واحدة، يصلى الثمانية فيه، ثم أمضى أتكسب إلى ما بين الظهر والعصر فأعود إليهم (٣) فأعطيهم إياه فيصلين فيه الظهر والعصر، ثم أخرج إلى تمام استرزاقى الله ، ثم أعود فى آخر النهار بما قد فتح الله من أقط وتمر وكسرات كعك ومن بقول نبذت، ثم أنزعه فيتداولنه فيصلين فيه المغرب والعشاء الآخرة، فنفعهن الله تعالى بما أخذنه ونفعنى وإيّاك بما أخذنا، ورحم الله صاحب المال فى قبره، وأضعف ثواب الحامل [للمال] (٤) وشكر له.
стр. 926
قال محمد بن جرير: فودعته، وكتبت بها العلم سنين أتقوّت بها، وأشترى منها الورق، وأسافر وأعطى الأجرة. فلما كان بعد سنة ست وخمسين سألت عن الشيخ بمكة، فقيل لى: إنه مات بعد ذلك بشهور، ووجدت بناته ملوكا تحت ملوك، وماتت الأختان وأمهن وأمها، وكنت أنزل على أزواجهن وأولادهن وأحدثهم بذلك فيأنسون بى ويكرموننى. ولقد حدثنى محمد بن حبان [البجلى] (١) فى سنة تسعين ومائتين أنه ما بقى منهم نذير ولا بشير، فبارك الله لهم فى موتهم، وبارك لنا فيما صاروا ونصير إليه.
قرأت/هذه الحكاية على المسند المعمر الأصيل شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الدميرى الخليلى بها بمنزله، جوار حرم الخليل ببلاد جيرون فى يوم الأربعاء سادس عشر رمضان سنة ست وثلاثين وثمانمائة، قلت له أنبأ أبو الفتح محمد بن إبراهيم الميدومى - إن لم يكن حضورا [فسماعا] (٢) - عن النجيب أبى الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أنبأنا الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى، قال أنبأنا الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر السلامى، وأبو الفتح محمد بن عبد الباقى بن أحمد بن سليمان بن البطى قالا، أنبأنا أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمى قال، أنبأنا أبو الحسن على بن أحمد بن الباذاخ -
стр. 927
ح - وأنبأنى بها عاليا بدرجة قاضى طيبة وخطيبها زين الدين أبو بكر ابن الحسين المراغى وغيره، عن أبى العباس أحمد بن أبى طالب الصالحى، أنبأنا أبو محمد الأنجب بن أبى السعادات الحمّامى قال، أنبأنا أبو بكر أحمد بن المقرب بن الحسين الكرخى سماعا قال، أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الصيرفى قال، أنبأنا أبو الفتح عبد الكريم بن محمد بن أحمد الضبى المحاملى قال، أنبأنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان البزار قال، حدثنى أبو حازم المعلى بن سعيد البزار البغدادى قال، سمعت أبا جعفر محمد بن جرير الطبرى فى سنة ثلاثمائة يقول: كنت بمكة فى سنة أربعين ومائتين.
فذكرها (١).
***
«سنة إحدى وأربعين ومائتين»
فيها أمر أمير المؤمنين المتوكل على الله بعمل جميع ما كتب به إليه والى مكة، وصاحب البريد فى سنة أربعين؛ فوجّه رجلا من صناعه يقال له إسحاق بن سلمة الصائغ - شيخ له معرفة/ بالصناعات ورفق وتجارب - ووجّه معه من الصناع من تخيّرهم إسحاق ابن سلمة من صناعات شتى؛ من الصواغ والرخامين وغيرهم من الصناع نيّفا وثلاثين رجلا، ومن الرخام الألواح الثخان - مائة لوح - ليشق كل لوح منها بمكة لوحين، ووجه معه بذهب وفضة وآلات
стр. 928
لشقّ الرّخام، ولعمل الذهب والفضة، وأمر أمير المؤمنين بكتاب إلى العامل بمكة - فى جواب ما كان هو وصاحب البريد كتبا به -: إن أمير المؤمنين قد أمر بتوجيه إسحاق بن سلمة الصائغ بمن معه من الصناع والذهب والفضة والرخام والآلات للوقوف على تلك الأعمال، وردّ الأمر فيها إلى إسحاق ليعمل بما فيه الصلاح والإحكام إن شاء الله تعالى. فقدم إسحاق بن سلمة بمن معه من الصناع والذهب والفضة والرخام والآلات مكة لليلة بقيت من رجب من السنة، ومعه كتاب منشور مختوم، فى أسفله خاتم أمير المؤمنين إلى العامل بمكة وغيره من العمال بمعاونة إسحاق بن سلمة ومكانفته على ما يحتاج إليه فى ترويج هذه الأعمال، وألا يجعلوا على أنفسهم - فى مخالفة ما أمروا به - سبيلا.
فدخل إسحاق بن سلمة الكعبة فى شعبان بعد قدومه مكة بأيام، ودخل معه العامل بمكة، وصاحب البريد، وجماعة من الحجبة، وناس من أهل مكة من صلحائهم من القرشيين، وجماعة من الصناع الذين قدم بهم معه، وأحضر منجنيقا طويلا ألصقه إلى جانب الجدر الذى يقابل من دخل الكعبة، وصعد عليه إسحاق بن سلمة، ومعه خيط وسابورة (١) فأرسل الخيط من أعلى المنجنيق، وهو قائم عليه ثم نزل وفعل ذلك بجدراتها الأربعة فوجدها كأصح ما
стр. 929
يكون من البناء وأحكمه، فسأل الحجبة: هل يجوز التكبير داخل الكعبة؟ قالوا: نعم. فكبّر وكبّر من/حضره داخل الكعبة جميعا، وسجدوا لله شكرا، وقام إسحاق بن سلمة بين باب الكعبة فأشرف على الناس وقال: يا أيها الناس احمدوا الله سبحانه على عمارة بيته؛ فإنا لم نجد فيه من الحدث ما كتب به إلى أمير المؤمنين، بل وجدنا الكعبة وجدراتها وإحكام بنائها وإتقانها على أتقن ما يكون.
وابتدأ إسحاق بن سلمة عمل الذهب والفضة والرخام فى الدار المعروفة بخالصة؛ فى دار الخزانة عند الحناطين.
وصار إلى منى فأمر بعمل ضفيرة تتخذ لتردّ سيل الجبل عن المسجد ودار الإمارة، فاتخذ هناك ضفيرة [عريضة] (١) مرتفعة السمك وأحكمها بالحجارة والنورة والرماد، فصار ما ينحدر من السيل يتسرّب فى أصل الضفيرة من خارجها، ويخرج إلى الشارع الأعظم بمنى، ولا يدخل المسجد ودار الإمارة منه شئ، وصار ما بين الضفيرة والمسجد - وهو عن يسار الإمام - رفقا للمسجد وزيادة فى سعته. ثم هدم المسجد وما كان من دار الإمارة متهدّما وأعاد بناءه، ورمّ ما كان مسترمّا، وأحكم العقبة وجدرانها، وأصلح الطريق التى سلكها رسول الله ﷺ من منى إلى الشعب - ومعه العباس بن عبد المطلب - الذى يقال له شعب الأنصار الذى أخذ فيه رسول الله ﷺ البيعة على الأنصار. وكانت هذه الطريق قد
стр. 930
عفت ودرست، وكانت الجمرة زائلة عن موضعها؛ أزالها جهّال الناس برميهم الحصى، وغفل عنها حتى أزيلت (١) عن موضعها شيئا يسيرا منها من فوقها، فردّها إلى موضعها الذى لم تزل عليه، وبنى من ورائها جدارا أعلاه عليها، ومسجدا متصلا بذلك الجدار؛ لئلا يصل إليها من يريد الرمى من أعلاها، وإنما السنة لمن أراد الرمى أن يقف من تحتها من بطن الوادى، فيجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، كما فعل رسول الله ﷺ وأصحابه من بعده، وفرغ من البرك وأحكم عملها.
وعمل الفضة على كرسى/المقام، مكان الرصاص الذى عليه، واتخذ له قبة من خشب الساج ومقبوّة الرأس بضباب لها من حديد، ملبسة الداخل بالأدم، وكانت القبة قبل ذلك مسطحة.
وأمر (٢) عامل مكة بكتاب لأمير المؤمنين يقرأ (٢) فجلس خلف المقام وأقام (٣) كاتبه قائما على الصندوق يقرأ الكتاب (٣)، فأعظم ذلك المسلمون إعظاما شديدا وأنكروه أشد النكرة (٤)، وخاف الحجبة أن يعود لمثلها، فرفعوا فى ذلك رقعة إلى أمير المؤمنين
стр. 931
فأمره أمير المؤمنين أن يتخذ كرسيا يقرأ عليه الكتب (١)، وينزه المقام عن ذلك ويعظم.
وعمل إسحاق الذهب على زاويتى الكعبة من داخلها مكان ما كان هنالك من الفضة ملبّسا، وكسر الذهب الذى كان على الزاويتين الباقيتين وأعاد عمله، فصار ذلك أجمع على مثال واحد منقوشة مؤلفة ثابتة (٢)، وعمل منطقة من فضة وركبها فوق إزار الكعبة فى تربيعها، كلها منقوشة مؤلفة جليلة ثابتة (٢)، يكون عرض المنطقة ثلثى ذراع، وعمل طوقا من ذهب منقوشا متصلا بهذه المنطقة، فركبه حول الجزعة التى تقابل من دخل من باب الكعبة فوق الطوق المذهب القديم الذى كان مركبا حولها من عمل الوليد بن عبد الملك، وكره أن يقلع ذلك الطوق الأول لكسر خفىّ فى الجزعة، فتركه على حاله لئلا يحدث فى الجزعة حادث، وقلع الرخام المتزايل من جدرات الكعبة - وكان يسيرا؛ رخامتين أو ثلاثة - وأعاد نصبه كله بجص صنعاوى كان كتب فيه إلى عامل صنعاء فحمل إليه، منه جص مطبوخ صحيح غير مرقوق اثنا عشر حملا، فدقه ونخله وخلطه بماء زمزم، ونصب به هذا الرخام. وفى أعلى هذه المنطقة الفضة رخام منقوش محفور، فألبس ذلك الرخام ذهبا رقيقا من الذهب الذى يتخذ للسقوف/، فصار كأنه شبكة (٣) مضروبة عليه إلى موضع
стр. 932
الفسيفساء الذى تحت سقف الكعبة، وغسل الفسيفساء بماء الورد وحماض الأترج، ونقض ما كان من الأصباغ المزخرفة على السقف، وعلى الإزار الذى دون السقف فوق الفسيفساء، ثم ألبسه ثيابا قباطية أخرجها إليه الحجبة مما عندهم فى خزانة الكعبة، وألبس تلك الثياب ذهبا رقيقا، وزخرفه بالأصباغ.
وكانت عتبة باب الكعبة السفلى قطعتين من خشب الساج قد رثتا ونخرتا من طول (١) الزمان عليهما، فأخرجهما وصيّر مكانهما قطعة من خشب الساج، وألبسها صفائح فضة من الفضة التى كانت فى الزاويتين التى صيّر مكانهما ذهبا، ولم يقلع فى ذلك بابا الكعبة، وحرّفا فأزيلا شيئا يسيرا وهما قائمان منصوبان، وكان فى الجدر الذى فى ظهر الباب يمنة من دخل الكعبة رزة وكلاب من صفر يشد به إذا فتح بذلك الكلاب لئلا يتحرك عن موضعه، فقلع ذلك الصفر وصيّر مكانه فضة، وألبس ما حول باب الدرجة فضة مضروبة.
وكان الرخام الذى قدم به معه إسحاق رخاما يسمى المسير، غير مشاكل لما كان على جدرات الكعبة من الرخام، فشقه وسواه، وقلع ما كان على جدرات المسجد الحرام فى ظهر الصناديق التى يكون فيها طيب الكعبة وكسوتها من الرخام، وقلع الرخام الذى كان على جدر المسجد الذى بين باب الصفا وبين باب السّمّانين، واسم ذلك
стр. 933
الرخام [البذنجنا] (١) ونصب الرخام المسير الذى جاء به مكانه على جدرات المسجد.
وأنزل المعاليق المعلقة بين الأساطين ونفضها من الغبار وغسلها وجلاها، وألبس عمدها الحديد المعترضة بين الأساطين/ذهبا من الذهب الرقيق، وأعاد تعليقها فى مواضعها على التأليف.
وفرغ من ذلك أجمع، ومن جميع الأعمال بمنى يوم النصف من شعبان سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
وكان مبلغ ما كان فى الأربعة الزوايا من الذهب والطوق الذى حول الجزعة نحوا من ثمانية آلاف مثقال، وكان ما فى منطقة الفضة وما كان على عتبة الباب السفلى من الصفائح. وعلى كرسى المقام من الفضة نحوا من سبعين ألف درهم، وما ركب من الذهب الرقيق على جدرات الكعبة وسقفها نحو مائتى حقّ يكون فى كل حقّ خمسة مثاقيل (٢).
وفيها جدّد رخام الحجر الذى عمل فى خلافة المهدى لرثاثته؛ لأن سيل الحجر كان يجرى من تحت الأحجار على باب الحجر الغربى، وألبس رخاما حسنا قلع من جوانب المسجد الحرام من الشق الذى يلى باب دار العجلة إلى باب دار عمرو بن العاص، ومما يلى أبواب بنى مخزوم و [الباب] (٣) الذى مقابل دار عبد الله بن جدعان.
стр. 934
وفيها بعث أحمد بن طريف مولى العباس بن محمد الهاشمى الرخامة الخضراء التى فى الحجر من الكعبة من مصر مع رخامة أخرى خضراء هدية للحجر، فجعلت إحدى الرخامتين على سطح جدر الحجر مقابل الميزاب، والرخامة الأخرى هى الرخامة الخضراء التى تحت الميزاب مما يلى جدر الكعبة، وهما من أحسن الرخام فى المسجد خضرة. وكان المتولى عليهما عبد الله بن محمد بن داود، وذرعها (١) ذراع وثلاث أصابع.
وفيها حج بالناس أمير مكة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى (٢)، وأمر الناس بالحريق بمكة ليلة هلال/رجب، وهو أول من فعل ذلك، وأن يحرسوا عمار اليمن (٣).
وعمر فى هذه السنة مسجد ستنا عائشة ﵂ بالتنعيم، وجعل على بئره قبة (٤).
وفيها حج جعفر بن دينار وهو والى الطريق وأحداث الموسم (٥).
وفيها مات أبو الفضل سعيد (٦) بن الفرج البلخى النيسابورى.
стр. 935
«سنة اثنتين وأربعين ومائتين»
فيها - فى النصف من شعبان - فرغ إسحاق بن سلمة من عمارة الكعبة الشريفة والمسجد الحرام وجميع الأعمال بمنى. وأحضر الحجبة فى ذلك اليوم أجزاء القرآن - وهم جماعة - فتفرقوها بينهم، وإسحاق بن سلمة معهم حتى ختموا القرآن. وأحضروا ماء ورد ومسكا وعودا مسحوقا فطيّبوا به جدرات الكعبة وأرضها. وأجافوا بابها عليهم عند فراغهم من الختمة، فدعوا ودعا من حضر الطواف، وضجّوا بالتضرع والبكاء إلى الله ، ودعوا لأمير المؤمنين ولولاة عهود المسلمين، ولأنفسهم ولجميع المسلمين؛ فكان يومهم ذلك يوما شريفا حسنا (١).
وخلف إسحاق بن سلمة ما بقى قبله من الجص الصنعانى وما قلع من أرض الكعبة من الرخام المتكسر - مما لا يصلح إعادته فى شئ من العمل - وثلاث حقاق من الذهب الرقيق، وجرابا فيه تراب مما قشر من جدرات الكعبه، ومسامير فضة صغار قبل الحجبة لما عسى أن يحتاجوا إليه، وانصرف بعد فراغه من الحج هذه السنة (١).
وفيها خرج بالحاج جعفر بن دينار، وهو والى طريق مكة وأحداث الموسم (٢).
стр. 936
وحج إبراهيم بن مطهر بن سعيد الكاتب الأنبارى من البصرة على عجلة تجرها الإبل، عليها كنيسة (١) ومهرج (٢) وقينات، وسلك طريق المدينة فكان ذلك من أعجب ما رآه الناس فى الموسم (٣).
وحج بالناس أمير مكة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى كذا قال/العتيقى، وقال ابن الأثير والمسعودى، وابن الجوزى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس وكان أمير مكة (٤).
وفيها مات أبو محمد الحسن بن على بن محمد بن الحسن الحلوانى فى ذى الحجة (٥).
***
«سنة ثلاث وأربعين ومائتين»
فيها حج جعفر بن دينار وهو والى الطريق وأحداث الموسم (٦)
стр. 937
وحج بالناس أمير مكة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام العباسى، كذا قال ابن الجوزى وسبطه (١)، وقال العتيقى إن الذى حج بالناس فى هذه السنة محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد (٢).
وفيها مات الحافظ أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبى عمر العدنى لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة (٣).
***
«سنة أربع وأربعين ومائتين»
فيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى (٤).
***
«سنة خمس وأربعين ومائتين»
فيها غارت مشاش عين مكة، فبلغ ثمن القربة درهما، فبعث المتوكل على الله جعفر بن المعتصم مالا فأنفق عليها - كذا ذكر ابن
стр. 938
الأثير فى تاريخه (١) - وهذه العين من عمل زبيدة، وهى عين بازان - ظنا -
وفيها حج بالناس والى مكة محمد بن سليمان بن عبد الله بن إبراهيم الزينبى (٢).
وفيها مات عبد الله بن عبيد الله بن المنكدر بن محمد بن المنكدر بعد الحج فى ذى الحجة (٣).
***
«سنة ست وأربعين ومائتين»
فيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبى، وكانت الوقفة بالأربعاء (٤).
وفيها حج محمد بن عبد الله بن طاهر، فولى أعمال الموسم وحمل معه ثلاثمائة ألف دينار؛ مائة ألف لأهل مكة، ومائة ألف
стр. 939
لأهل المدينة، ومائة ألف لما أمرت به/أم المتوكل من إجراء الماء من عرفات إلى مكة. وأمر المتوكل أن يوقد على المشعر الحرام وجميع المشاعر بالشمع، وكانوا قبل ذلك يوقدون بالزيت والنفط (١).
وفيها حج محمد بن عبد الله الكلاعى عابد الشام من حمص عديلا لأبى عبد الله محمد بن مصفّى بن بهلول القرشى الحمصى، فاعتل ابن مصفى فى الجحفة علة صعبة ودخل إلى مكة فطيف به راكبا، وذهب به إلى منى فاشتدت علته؛ فاجتمع عليه أصحاب الحديث واستأذنوا محمد بن عبيد الله الكلاعى فى الدخول عليه، فأذن لهم فدخلوا عليه - ولا يعقل شيئا - فقرأوا عليه حديث ابن جريج، عن مالك فى المغفرة، وحديث محمد بن حرب، عن عبد الله ابن عمر «ليس من البرّ الصيام فى السفر» وخرجوا فمات فدفن بمنى (٢).
***
«سنة سبع وأربعين ومائتين»
فيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبى (٣).
стр. 940
وفيها مات الحافظ أبو عبد الله سلمة بن شبيب النيسابورى فى رمضان ﵀ (١).
***
«سنة ثمان وأربعين ومائتين»
فيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبى (٢).
وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحجّ، فبعث المستعين رسولا بنفيه إلى برقة، ومنعه الحج (٣).
وفيها مات الخليفة محمد المنتصر بن المتوكل جعفر بن محمد بن هارون العباسى. بالخوانيق فى ربيع الآخر (٤).
وأبو صالح محمد بن جعفر بن أبى الأزهر المعروف بابن زنبور فى ذى الحجة (٥).
وأبو بكر عبد الجبار بن العلاء بن عبد الجبار الأنصارى - مولاهم - البصرى، فى أول جمادى الأولى (٦).
***
стр. 941
«سنة تسع وأربعين ومائتين»
فيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبى؛ كذا قال ابن جرير (١). وقال ابن الجوزى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة والى مكة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام. /
وفيها مات الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر التيمى (٢).
وأبو عبد الله سعيد بن عبد الرحمن بن حسان القرشى المخزومى (٣).
***
«سنة خمسين ومائتين»
فيها حج بالناس والى مكة جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العباسى الملقّب شاشات (٤).
***
стр. 942
«سنة إحدى وخمسين ومائتين»
فيها قطعت بنو عقيل طريق جدة، فحاربهم أمير مكة جعفر ابن الفضل؛ فقتل من أهل مكة نحو ثلاثمائة رجل، فقلّت الأسعار بمكة، وأغارت الأعراب على القرى (١).
وفيها خرج بمكة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الجون ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، فهرب عنها عاملها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى العباسى، ونهب إسماعيل منزله ومنازل [أصحاب] (٢) السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، نحوا من ثلاثمائة رجل، فقال بعض بنى عقيل: -
عليك ثوبان وأمّى عارية … فألق لى ثوبيك يا ابن الزانية
وفعل بمكة أفعالا قبيحة من القتل والنهب والإحراق، وبلغ به الحال فى النهب إلى أن أخذ ما كان حمل لإصلاح العين من المال، وما فى الكعبة من الذهب، وما فى خزانتها من الذهب (٣) والفضة والطيب، وكسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتى ألف دينار، وخرج من مكة - بعد أن نهبها وأحرق بعضها - فى ربيع الأول بعد خمسين يوما، فسار إلى المدينة، وتوارى عنه عاملها علىّ بن
стр. 943
الحسين بن إسماعيل، ثم رجع إلى مكة فى رجب؛ فحصرها حتى مات أهلها جوعا وعطشا، وبلغ الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة دراهم، ولقى أهل مكة منه/ كل بلاء، ثم رحل بعد مقامه سبعة وخمسين يوما إلى جدة، فحبس عن الناس الطعام، وأخذ أموال التجار وأصحاب المراكب؛ فحمل إلى مكة الحنطة والذرة من اليمن، ثم وافت المراكب من القلزم.
وكان المعتز بن المتوكل الخليفة العباسى وجّه جماعة لقتال إسماعيل العلوى، وكان مقدمهم محمد بن أحمد بن عيسى بن منصور المعروف بكعب البقر، وأخذ جعفر بن الفضل العباسى، ومحمد بن أحمد الذهب الذى حلى به مقام إبراهيم (١) فى خلافة المتوكل وضربوه دنانير لحرب إسماعيل العلوى، فوافى إسماعيل الموقف بعرفة فى يومها فقاتلهم، وقتل من الحاج نحو ألف ومائة، وسلب الناس، وهربوا إلى مكة، فلم يقفوا بعرفة لا ليلا ولا نهارا (٢)، ووقف هو وأصحابه، وسمعوا بالليل تلبية القتلى. ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها (٣).
***
стр. 944
«سنة اثنتين وخمسين ومائتين»
فيها حج بالناس كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن أبى جعفر المنصور، كذا قال ابن الجوزى (١). وقال العتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة إسماعيل بن يوسف العلوى الخارجى (٢).
وفيها مات - بالجدرى - إسماعيل بن يوسف بن موسى الجون الهاشمى (٣).
***
«سنة ثلاث وخمسين ومائتين»
فيها جاء سيل إلى مكة المشرفة وأحاط بالكعبة وبلغ قريبا من الركن الأسود، ورمى بالدور بأسفل مكة، وذهب بأمتعة الناس، وخرب منازلهم، وملأ المسجد غثاء وترابا، فأمر أمير مكة عيسى بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومى أن يجرّ ما فى المسجد من التراب بالعجل (٤).
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن جعفر المعروف
стр. 945
بكعب البقر كذا قال العتيقى (١)، وقال المسعودى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبى (٢). /
***
«سنة أربع وخمسين ومائتين»
فيها بنى أمير مكة عيسى بن إسماعيل المخزومى داره التى عند البابين بفوهة خط الحزاميين، شارعة فى الوادى، بالحجر المنقوش والآجر والجصّ، وشرع لها جناحا على الوادى فى الحزورة، وأسرع (٣) فى بنائها.
وفيها حج بالناس على بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن العباس، كذا قال ابن جرير (٤) وابن الجوزى. وقال العتيقى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة عبد الله ابن محمد بن سليمان الزينبى (٥).
***
стр. 946
«سنة خمس وخمسين ومائتين»
فيها حج بالناس كعب البقر محمد بن أحمد بن عيسى بن أبى جعفر المنصور، كذا قال … (١) وقال ابن الجوزى وابن جرير: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة على بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس (٢).
***
«سنة ست وخمسين ومائتين»
فيها فى المحرم ذكر الحجبة لأمير مكة على بن الحسن الهاشمى العباسى أن المقام وهى وتسللت أحجاره، ويخاف عليه، وسألوه فى تجديد عمله، وتضبيبه حتى يشتد؛ فأجابهم إلى ما سألوه، وزادهم ذهبا وفضة على حليته الأولى. ودعا الصاغة إلى دار الإمارة وأخذ فى عمله، وحضرته فى ذلك نية فقلع ما على المقام من الذهب والفضة الذى عمل فى خلافة المهدى فإذا هو سبع قطع ملصقة، وقد زال عنها الإلصاق، فأحكم إلصاقه بالعقاقير، وركّب عليه من حلية الذهب والفضة ما يزيده شدة ويستحسنه الناظر فيه، وأمر أن يعمل له طوقان من ذهب وجعل فى الطوق كما يدور أربع حلق من فضة يرفع بها المقام، فكان جملة ما فى الطوق بالنجوم التى/فيه ألفى (٣) مثقال ذهبا إلا ثمانية مثاقيل.
стр. 947
وفيها فى خلافة المهتدى بالله قدم خادم يقال له يسر على عمارة المسجد الحرام، فغيّر أرض القبة التى بين زمزم وبيت الشراب؛ نقض رخامها، ثم كبسها حتى ارتفعت أرضها، وجعل فيها بركة صغيرة يخرج فيها الماء من الفوّارة التى فى بطنها، وجعل عليها شباكا من خشب بأبواب تغلق، وكانت أولا على عمل الصحفة المكشوفة يصلى فيها الناس وينامون، وقد كان قبل ذلك فى زوايا هذه القبة أربع قباب صغار فى كل ركن قبة، فخلعن فى أيام عبد الله بن محمد بن داود.
وفيها عمر المعتمد أحمد بن المتوكل العباسى ما تشعث فى مسجد الخيف (١).
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى المعروف بكعب البقر (٢).
وفيها مات المقرئ أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد العدوى، مولى آل عمر بن الخطاب ﵁، فى شعبان (٣).
وقاضى مكة أبو عبد الله الزبير بن بكار الأسدى، فى ليلة الأحد لتسع بقين من ذى القعدة (٤).
***
стр. 948
«سنة سبع وخمسين ومائتين»
فيها - فى صفر - عقد المعتمد لأخيه الموفق طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن هارون الرشيد على مكة (١).
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى المعروف بكعب البقر، كذا قال العتيقى (٢). وقال ابن جرير والمسعودى وابن الجوزى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة الفضل بن العباس بن الحسين بن إسماعيل بن محمد العباسى (٣).
***
«سنة ثمان وخمسين ومائتين»
فيها حج بالناس الفضل بن العباس بن الحسين بن إسماعيل بن محمد العباسى (٤).
***
стр. 949
«سنة تسع وخمسين ومائتين»
فيها أرسل ملك من ملوك السند - لمّا أسلم - أهدى للكعبة الشريفة طوقا من ذهب، فيه مائة مثقال، مكلّلا بالزمرد/والياقوت والماس، وياقوتة خضراء وزنها أربعة وعشرون مثقالا، فدفعها (١) إلى الحجبة فكتبوا فى أمره إلى أمير المؤمنين المعتمد على الله، وأخذوا الدرة فأخرجوها وجعلوها فى سلسلة من ذهب، وجعلوها فى وسط الطوق مقابلة الياقوت والزمرد (٢). فجاء الكتاب من أمير المؤمنين بتعليقها، فعلقت مع معاليق الكعبة.
وفيها حج بالناس الفضل بن العباس بن الحسين العباسى؛ كذا ذكر العتيقى (٣). وقال ابن جرير والمسعودى: إن الذى حج بالناس فى هذه السنة إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن على العباسى المعروف ببريه (٤).
***
«سنة ستين ومائتين»
فيها اشتد الغلاء فى عامة بلاد الحجاز، بل بلاد الإسلام،
стр. 950
فانجلى من مكة الكثير، ورحل عنها عاملها إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الهاشمى المعروف ببريه (١).
وفيها حج بالناس أمير مكة إبراهيم بن محمد الهاشمى (٢).
***
«سنة إحدى وستين ومائتين»
فيها قدم الفضل بن العباس بن الحسن بن إسماعيل بن العباس ابن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الهاشمى فى الموسم، ومعه كتاب فيه بيعة جعفر بن أمير المؤمنين وبيعة أبى أحمد الموفق بالله أخى أمير المؤمنين، وما عقد لهما أمير المؤمنين المعتمد على الله، فعمل لذلك قصبة من فضة بثلاثمائة وخمسين درهما، ثم أدخل الكتاب فيها، وجعل على رأس القصبة ثلاث رزات، وجعل فى الرزات ثلاث سلاسل من فضة، وعلّق ذلك فى الكعبة فى السنة التى بعد هذه (٣).
وحج بالناس الفضل المذكور (٤).