الذليل، والخنوع: الذلة، و "اليراع" بفتح الياء آخر الحروف [والراء] (١)، وهي القصبة التي لا جوف لها، والرجل الذي لا جوف له جبان، فوضع اليراع مكان الجبان لأنه بمعناه.
٦ - قوله: "ومن لا يعتبط" بالعين المهملة؛ أي: [من] (٢) لا يموت شابًّا [مات] (٣) هرمًا ويسأم ما يعتريه من تكاليف الهرم.
الإعراب:
قوله: "فصبرًا" نصب بفعل محذوف تقديره: اصبري يا نفس صبرًا، فإن قلت: ما الفاء فيه؟
قلتُ: الفاء فيه تدخل في جواب الشرط، والتقدير: إذا لم تطاعي يا نفس في سؤالك بقاء يوم على الأجل الذي قدر لك، فاصبري في مجال الموت صبرًا، و "المجال" بفتح الميم؛ موضع من جال يجول جولًا وجولانًا، والجار. والمجرور يتعلق بالمحذوف، قوله: "صبرًا": تأكيد للصبر الأول.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فصبرًا" (٤)؛ حيث حذف منه فعله وهو الطلب، وقد علم أن المصدر يقوم مقام فعله ويمتنع ذكره معه، ولكن ابن عصفور خصَّ ذلك فيما إذا كان مكررًا، واحتج على ذلك بالبيت المذكور، فكأن التكرير يغني عن ذكر فعله فيمنع (٥) ذكره، بخلاف ما إذا لم يكن مكررًا حيث لا يمنع ذكر فعله معه (٦). فافهم، والله أعلم.
الشاهد السادس والأربعون بعد الأربعمائة (٧)، (٨)
ما إِنْ يَمُسُّ الأرضَ إلا مَنْكبٌ … منه وحرفُ الساقِ طيّ المِحْمَلِ
أقول: قائله هو أبو كبير الهذلي، واسمه عامر بن الحليس الحوفي أحد بني سعد من هذيل ثم
стр. 1017
أحد بني حرب، شاعر جاهلي.
وهو من قصيدة طويلة من الكامل، وأولها هو قوله (١):
١ - أزُهَيْرُ هلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِنْ مَعْدَلٍ … أمْ لا سبيلَ إلى الشَّبابِ الأوَّلِ؟
٢ - أمْ لَا سبيلَ إلى الشبابِ وذكرُهُ … أشْهَى إِلَيَّ من الرحيقِ السَّلْسَلِ
٣ - ذَهَبَ الشَّبَابُ وفَاتَ مِنِّي مَا مَضَى … ونَضَا زُهَيرُ كَرِيهَتِي وتَبَطُّلِي
٤ - وصحَوْتُ عن ذِكرِ الغَوَانِي وانْتَهَى … عُمْرِي وأَنْكَرْتُ الغَدَاةَ تُقَتلي
٥ - أزُهَيْرُ إنْ يَشِبْ القَذَالُ فإنَّهُ … رُبَّ هَيْضَلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بِهَيضَلِ
٦ - وإذَا قَذَفْتَ له الحَصَاةَ رَأيْتَهُ … ينْزُو لوَقْعَتِهَا طَمُورَ الأخْيَلِ
٧ - ما إِنْ يَمَسُّ الأرضَ إلا مَنْكِبٌ … منه وحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ
١ - قوله: "أزُهَيْرُ" يريد: زهيرة بنته، وهو منادى مرخم، قوله: "مَعْدل" أي: انعدال.
٢ - قوله: "من الرحيق" أي: الخمر، و "السلسل": العذب، وكذلك السلسال.
٣ - قوله: "ونَضا" أي: انسلخ ومضى، قوله: "زهير" يعني: يا زهيرة، قوله: "كريهتي" أي قوتي وشدتي على الكريهة، قوله: "وتبطلي" [أي: شجاعتي] (٢) من البطل وهو الشجاع.
٤ - قوله: "الغواني": جمع غانية وهي التي غنيت بجمالها، قوله: "تقتلي" بالقاف والتاء؛ أي: تغنجي وتكسري.
٥ - قوله: "القذال" بفتح القاف، وهو ما بين نقرة القفا وأعلى الأذن، قوله: "رب هيضل" بتخفيف الباء للضرورة، وهو لغة أيضًا في التشديد (٣)، والهيضل: الجماعة، و"المرس" بفتح الميم وكسر الراء وفي آخره سين مهملة، وهو الشديد، قوله: "لففت بهيضل" أي: جمحت بينهم في القتل، قوله: "وإذا قذفت" ويروى: وإذا طرحت، والضمير في له (٤) يرجع إلى فرسه الذي يمدحه.
٦ - قوله: "يَثِبُ" (٥) أراد أنه ينزو من النشاط ولا يقوم متبطئًا كسلان، قوله: "لوقعتها" أي: لوقوعها، قوله: "طمور الأخيل" أي: وثوب الأخيل (٦) وهو الشقراق، وهو طائر سريع الوثوب.
٧ - قوله: "ما إن يمس الأرض إلا منكب" يصفه بخماصة البطن، يعني: إذا اضطجع لم
стр. 1018
يندلق، بطه إنما يمس منكبه (١) الأرض وهو خميص البطن، قوله: "طي المحمل" أراد أنه مدمج الخلق كطي المحمل يعني: حمائل السيف، وهو بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الميم الثانية، قال الجوهري: المحمل مثال المرجل: عِلاقَةُ السَّيْفِ (٢).
الإعراب:
قوله: "ما" للنفي وبطل عملها لدخول إلا، وكلمة "إن" زائدة للتوكيد؛ كما في قوله: "وما إن طبن جُبْنَ" وقوله: "يمس": فعل مضارع، و "الأرض" مفعوله، و "منكب" فاعله، قوله: "منه" في محل الرفع على أنه صفة [لمنكب] (٣)، قوله: "وحرف الساق" كلام إضافي مرفوع؛ لأنه عطف على منكب.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "طي المحمل" حيث نصب بتقدير: يطوي طي المحمل (٤)، والله أعلم.
الشاهد السابع والأربعون بعد الأربعمائة (٥)، (٦)
ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا … ............................
أقول: قائله هو [الأعشى] (٧) أعشى بني قيس، واسمه: ميمون بن قيس، وتمامه (٨):
............................. … وبِتَّ كما باتَ السَّليمُ مُسَهَّدًا
وهو من قصيدة قالها الأعشى في رسول الله ﷺ ، وكان خرج إليه في الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ وبين قريش في صلح الحديبية يريد الإسلام؛ فبدأ بمكة، فلقيه أبو سفيان، فسأله عن وجهه الذي يريد، فقال: أريد محمدًا، قال: إنه يحرم عليك خصالًا كلها لك موافق.
قال: ما هي؟
قال: الخمر والزنا والقمار.
стр. 1019
قال: أما الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منها وطرًا، وأما القمار فلعلي أصيب منه خلفًا.
فقال له أبو سفيان: هل لك إلى خير من هذا؟، قال: بيننا وبينه هدنة، فترجع عامك وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظفرنا به كنت قد أصبت عوضًا عن رحلتك، وإن ظفر هو (١) أتيته حينئذ.
وانطلق به أبو سفيان إلى منزله وجمع أصحابه، وقال: هذا إلأعشى قد عرفتم شعره، ولئن وصل إلى محمد لتصيّرنّ عليكم العرب بشعره، فجمعوا له مائة ناقة وانصرف إلى أهله، فلما كان بقاع منفوحة قرية من قرى اليمن رمى به بعيره فقتله.
وذكر محمد بن حبيب في شرح شعر الأعشى (٢)، وقال: سمع الأعشى قراءة الكتب وأقبل حتى أتى مكة، وقال هذا الشعر -أعني: القصيدة التي يأتي ذكرها الآن، يمتدح ظهور النبي ﷺ ، ونزل على عتبة بن ربيعة، فسمع به أبو جهل فأتاه في فتية من قريش، وأهدى إليه هدية، ثم سأله: ما جاء بك؟
قال: [جئت] (٣) إلى محمد ﷺ لأني كنت سمعت الكتب لأنظر ماذا يقول؟ وما يدعو إليه؟، فقال له أبو جهل: إنه يحرم عليك الأطيبين: الخمر والزنا.
فقال: لقد كبرت وما لي في الزنا [حاجة] (٤)، وأما الخمر، فقد أصبت منها غرضي، فجعلوا يحدثونه أسوأ ما يكون من الكلام والفعل، ثم قالوا: أنشدنا ما قلت فيه، فأنشدهم هذه القصيدة، فلما فرغ منها قالوا له: لو أنشدتَه هذا لم يقبله منك، فلم يزالوا به حتى صدوه، فخرج من فوره ذلك فأتى اليمامة، فقال: أتركه عامي هذا، فمكث زمنًا يسيرًا، فمات باليمامة، وهذه هي القصيدة (٥):
١ - ألمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا … وبِتَّ كما باتَ السَّليمُ مُسَهَّدًا
٢ - ومَا ذاكَ مِن عشقِ النساءِ وإنمَا … تناسَيْتَ بعدَ اليومِ خُلَّةَ مَهْددَا (٦)
стр. 1020
٣ - ولكن أرَى الدهرَ الذي هو خاترٌ … إذا أصلحتْ كَفَّايَ عادَ فأفْسَدَا
٤ - شبابٌ وشَيْبٌ وافتقَارٌ وثروةٌ … فَللَّه هذا الدهرُ كيفَ تَرَدَّدَا
٥ - وما زلتُ أبْغِي المال مذْ كنتُ يافعًا … وَلِيدًا وكَهْلًا حينَ شِبْتُ وأمردَا (١)
٦ - بِإِتْعَابِي العِيسَ المَراسيلَ تَعْتَدِي … مسافةَ ما بينَ النَّجِيرِ فصَرْخَدَا (٢)
٧ - فإنْ تَسْألِي عني فيا رُبَّ سائلٍ … حَفِيٌّ عن الأعشَى به حيثُ أصْعَدَا
٨ - ألا أيُّهذا السَّائلِي أينَ يَمَّمَتْ … فإنَّ لهَا في أهْلِ يثربَ موعدَا
٩ - فأمَّا إذا ما أَدْلَجَتْ فَتَرَى لها … رَقِيبَيِنْ جَدْيًا لا يَغِيبُ وَفَرْقَدَا
١٠ - وفيها إِذا ما هَجَّرَتْ عَجْرَفِيَّةٌ … إذا خِلْتَ حِرْبَاءَ الظَّهِيرَةِ أَصْيَدَا
١١ - وأذْرَتْ برِجْلَيْهَا النفيَ وراجَعَتْ … يداها خِنَافًا لَيِّنًا غيرَ أحْرَدَا
١٢ - فما لك عندِي مُشتَكَى مِنْ كَلالةٍ … ولا مِنْ حَفًى حتَّى تُلاقِي محمدَا
١٣ - نَبِيًّا يرَى ما لا تروْنَ وقولُهُ … أَغَارَ لَعَمْرِي في البلادِ وأنْجَدَا
١٤ - متَى ما تُنَاخِي عندَ بابِ ابنِ هاشِمٍ … تُرِيحِي وَتَلْقَى مِنْ فوَاضِلِهِ ندى
١٥ - لهُ صدقاتٌ ما تُغِبُّ ونائلٌ … وليسَ عطاءُ اليومِ مانعَهُ غدَا
١٦ - أجِدَّكَ لمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ محمدٍ … نبيِّ الإِلهِ حينَ أَوْصَى وأشهدَا
١٧ - إذا أنتَ لمْ تَرْحَلْ بزادٍ منَ التُّقَى … ولاقيتَ بعدَ اليومِ مَنْ قدْ تَزَوَّدَا
١٨ - ندمتَ على أنْ لا تكونَ كمثلِهِ … وأنكَ لَمْ تَرْصُدْ لِما كانَ أرْصَدَا
١٩ - فإيَّاكَ والميْتاتِ لا تُطعِمَنَّهَا … ولا تأخُذَنْ سهمًا حَدِيدًا لِتَفْصِدَا
٢٠ - ولَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ … لِعَاقِبَةٍ واللَّه ربُّك فاعبدَا
٢١ - وصَلِّ على حِيِن العشِيَّاتِ والضُّحَى … ولا تَحْمَدِ الشيطَانَ واللهَ فاحْمِدَا
٢٢ - ولَا السَّائِلَ المَحْرومَ لا تتْرُكَنَّهُ … لِعَاقِبَةٍ ولا الأسيرَ المقُيَّدَا
٢٣ - ولا تسْخَرَنَّ مِنْ بائِسٍ ذي ضرارةِ … ولا تَحْسَبَنَّ المرءَ يومًا مخلَّدَا
٢٤ - ولا تَقْرَبَنَّ جارةً إنَّ سِرَّهَا … عليكَ حرامٌ فانكِحَنْ أوْ تأبَّدَا
стр. 1021
وهي من الطويل وفيها القبض.
١ - قوله: "ألم تغتمض" أي: ألم تنم، يقال: ما ذقت غمضًا من النوم ولا إغماضًا، قال محمد بن حبيب ﵀ ويروى:
ألم تغتمض عيناك ليلك أرمدا … ............................
والأرمد هو نفسه, قوله: "السليم" بفتح السين المهملة، وهو اللديغ، و "المسهد" بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الهاء المفتوحة، هو السهر الذي لا ينام لئلا يدب السم فيه.
٢ - قوله: "خلة مهددا" الخلة بضم الخاء المعجمة [وتشديد اللام] (١)، وهي الصداقة، يقال: فلان خلتي، وفلانة خلتي، يعني: خليلي، و "مَهددَا" بفتح الميم: اسم امرأة، وقيل: إن الميم من نفس الكلمة.
٣ - قوله: "خاتر" أي: غادر؛ من الختر وهو الغدر، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]، ويروى: خاين من الخيانة.
٤ - قوله: "شباب إلخ" يريد: هذه أحوال الدهر وتصرفه، فللَّه كيف يتصرف!؟ وهذا التعجب منه.
٥ - قوله: "يافعًا" بالياء آخر الحروف [والفاء، واليافع: فوق المحتلم، والوليد الصبي.
٦ - قوله: "العيس" بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف] (٢)، وفي آخره سين مهملة، وهي البيض من الإبل الصفر الأطراف، وهي ضرب من النجائب، وواحدتها عيساء، و "المراسيل" جمع مرسال، وهي الناقة السهلة السير, قوله: "تعتدي": من الاعتداء وهي المسارعة, قوله: "والنجير" بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء وهو حصن باليمن لقيس بن معدي كرب، ومنه أخذ الأشعث بن قيسر مرثدًا، و "صرخد": قلعة بالشام مشهورة.
٧ - قوله: "حفي" بالحاء المهملة والفاء، هو المبالغ في السؤال, قوله: "حيث أصعدا" من الإصعاد وهو إتيانه مكة؛ لأن مكة تهامية وهي أعلى نجد.
٨ - و "يثرب" هي المدينة.
٩ - قوله: "أدلجت": من الادّلاج وهو سير الليل أجمع، والإدلاج: سير آخر الليل، فأخبر أنها تسير بالفرقدين والجدي وهي مطالع القمر ومنازله.
١٠ - قوله: "هجّرت" بالتشديد، أي: سارت في الهاجرة حين تضعف الإبل ويقل فيها
стр. 1022
النشاط، "والعجرفية": النشاط، و"الحرباء" بكسر الحاء المهملة؛ دويبة؛ كالعظاءة (١) ونحوها إذا اشتد الحر صعدت على جدل فواجهت الشمس حين تغرب، و"الأصيد": البعير الذي به صيد وهو قروح بالمنخرين (٢) لا يكاد يضع رأسه.
١١ - قوله: "وأذرت برجليها النفيّ" يقال: أذريت الشيء إذا لقيته كإلقائك الحب للزرع، وطعنه فأذراه عن ظهر دابته، أي: ألقاه، والنفيّ بفتح النون وكسر الفاء وتشديد الياء [آخر الحروف] (٣)، وهو ما تطاير من الحصى من قوائمها, قوله: "خنافًا" بكسر الخاء المعجمة وبالنون وبعد الألف فاء، وهو سرعة قلبها يديها إلى وحشيها، وقال الجوهري: الخناف: لين في أرساغ البعير، تقول منه: خنف البعير يخنف خنافًا إذا سار فقلب خف يديه إلى وحشيه، وناقة خنوف، قال الأعشى: وأنشد البيت المذكور (٤).
قوله: "أحردا" بالحاء المهملة؛ من الحرد، وهو جسوء يكون في اليدين إذا مشى، فإذا كان الحرد بيد واحدة لم يستو حمله، وإذا كان بيديه جميعًا استوى حمله، و"الجسوء" بضم الجيم والسين المهملة وفي آخره همزة، يقال: جسأت يده من العمل تجسأ جسًأ وجسوءًا إذا صلبت.
١٢ - قوله: "من كلالة" أي: من في في السير.
١٣ - قوله: "أغار" أي: صار إلى الغور، و"أنجد" أي: صار إلى النجد.
١٤ - قوله: "تريحي" أي: تستريحي، يقال: أراح واستراح بمعنى واحد, قوله: "من فواضله": جمع فاضلة وهي الإحسان والإنعام, قوله: "ندا" (٥) بفتح النون وهو العطاء.
١٥ - قوله: "ما تُغِبّ" بضم التاء وكسر الغين المعجمة وفي آخره باء موحدة، يقال: فلان لا يغبنا عطاؤه؛ أي: لا يأتينا يومًا دون يوم، بل يأتينا كل يوم.
١٦ - قوله: "أجدك" معناه: أبجد منك هذا، ونصبها بطرح الباء، قال أبو عمرو: ومعناه ما لك أجدُّا منك؟ ونصبها على المصدر (٦).
٢٣ - قوله: "ابن بائس" أي: فقير ذي ضرارة، أي: حاجة.
٢٤ - قوله: "إِنَّ سرها" أي: جماعها, قوله: "أو تأبدا": من التأبيد وهو التغرب، ومنه قيل للوحش: أوابد لتأبدها.
стр. 1023
الإعراب:
قوله: "ألم تغتمض" الهمزة للاستفهام على وجه التقرير و "عيناك": كلام إضافي فاعل تغتمض، والخطاب فيه لنفسه يدل عليه البيت الثاني, قوله: "ليلة": نصب بالنيابة عن المصدر على ما يجيء [الآن] (١) - إن شاء الله تعالى -.
قوله: "أرمدَا": صفة لموصوف محذوف، أي: مثل اغتماض رجل أرمد، وأصله: ليلة أرمدِ بجر الأرمد للإضافة، ولكن نصب للضرورة ليوافق مسهدًا في الشطر الثاني، والبيت مصرع، وقد يتغير الإعراب عن وجهه في الشعر كثيرًا.
قوله: "وبت" جملة من الفعل والفاعل، [قوله: "] (٢) كما بات": الكاف للتشبيه وما مصدرية أي: كبيتوتة السليم مسهدًا، أي: نائمًا؛ فإنه لا ينام إلا اغتماضًا، وانتصاب "مسهدًا" على الحال.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ليلة أرمد" حيث نصب ليلة النيابة عن المصدر، والتقدير: اغتماضًا مثل اغتماض ليلة الأرمد، وليس انتصابها على الظرت، ونحوه قول الشاعر (٣):
وطَعْنَة مُسْتَنْبِلٍ ثَائِرٍ … تَرُدُّ الكَتيبَةَ نِصْفَ النَّهَارِ
فإنه لا يجوز نصب نصف النهار على الظرف بل على المصدر، تقديره: ردًّا مقدار رد نصف النهار، فافهم، والله أعلم (٤).
стр. 1024
شواهد المفعول له
الشاهد الثامن والأربعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
فجئتُ وقدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا … لدَى السِّتْرِ إلا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ
أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها (٣):
قِفَا نبكِ منْ ذِكرَى حبيبٍ ومنزلٍ … ...................................
وهي تناهز ثمانين بيتًا وقد سقناها بتمامها فيما مضى، وهي من الطويل.
قوله: "نضت": من نضيت ثوبي إذا ألقيته عنك, قوله: "لدى الستر" أي: عند الستارة، و"المتفضل" الذي يبقى في ثوب واحد، وقال ابن فارس: المتفضل: المتوشح بثوبه، والفُضُل بضمتين؛ الذي عليه قميص ورداء وليس عليه إزار ولا سراويل (٤).
والمعنى: جئت إليها في حالة قد ألقت ثيابها من جسدها؛ لأجل النوم ولم يبق عليها إلا لبس المتفضل، وهو الثوب الواحد الذي يتوشح به.
стр. 1025
الإعراب:
[قوله: "] (١) فجئت": الفاء عطف على ما قبله، و "جئت": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "وقد نضت": جملة وقعت حالًا، أي: والحال أنها قد ألقت لأجل النوم ثيابها، قوله: "لنوم" (٢) اللام للتعليل، "وثيابها" كلام إضافي نصب على أنه مفعول لقوله: "نضت"، قوله: "لدى الستر" كلام إضافي نصب على الظرف, قوله: "إلا": استثناء من قوله: "وقد نفحت لنوم ثيابها" [وقوله: "لبسة المتفضل": كلام إضافي منصوب على الاستثناء.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لنوم" حيث أبرزت فيه لام التعليل؛ وذلك لأن النوم لم يقارن نضوها ثيابها] (٣)، وقد علم أن من جملة شروط انتصاب المفعول له باللام المقدرة: أن يكون المفعول له والعامل فيه في زمان واحد؛ لأن العلة حقها المقارنة، فإن كانا في زمانين لم يجز النصب وتعين الجر بإظهار اللام، والله تعالى أعلم (٤).
الشاهد التاسع والأربعون بعد الأربعمائة (٥) , (٦)
وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ … كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
أقول: قائله هو أبو صخر (٧) الهذلى، [وهو] (٨) من قصيدة رائية من الطويل، وأولها هو قوله (٩):
١ - عَجبتُ لسَعْيِ الدَّهْرِ بَينِي وبينَها … فلمَّا انقضَى ما بَينَنَا سكَنَ الدَّهْرُ
٢ - فيا حبَّها زِدْني جَوَى كُلَّ لَيلَةٍ … ويا سَلْوةَ الأيَّامِ موعِدُكِ الحشرُ
٣ - ويا هَجْرَ لَيلَى قد بَلَغتَ بِيَ المدا … وزِدتَ عَلَى ما لَيسَ يَبلُغُهُ الهَجْرُ
стр. 1026
٤ - هَجَرتُكِ حَتَّى قِيلَ لا يَعرِفَ الهَوَى … وزُرتُكِ حَتَّى قيلَ ليسَ لهُ صَبرُ
٥ - أمَّا والذِي أبْكَى وأضْحَكَ والذي … أمَاتَ وأحْيَا والذِي أمْرُه الأمْرُ
٦ - لقد تَرَكَتْنِي أحْسُدُ الوَحْشَ إذ أرَى … أَلِيفَيْنِ مِنهَا لا يَرُوعُهُمَا الذُّعْرُ
قوله: "لتعروني": من عراه الشيء يعروه إذا غشيه, قوله: "لذكراك" بكسر الذال العجمة أي: لذكرك, قوله: "هزة" بفتح الهاء وتشديد الزاي المعجمة، أي: رعدة، ويروى: فترة, قوله: "القطر" أي: المطر.
الإعراب:
قوله: "وإني" الواو للعطف، وإن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، والضمير المتصل به اسمه، و"لتعروني" خبره، واللام فيه للتأكيد، وهي جملة من الفعل والمفعول، وقوله: "هزة" بالرفع فاعله, قوله: "لذكراك" متعلق بقوله: "لتعروني" و "الذكرى": مصدر مضاف إلى مفعوله، والفاعل محذوف تقديره: لذكراي إياك.
قوله: "كما" الكاف للتشبيه، وما مصدرية، والتقدير: كانتفاض العصفور, قوله: "بللَّه القطر": جملة من الفعل والمفعول والفاعل وقعت حالًا من العصفور بتقدير: قد؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] أي: قد حصرت، والتقدير: قد بلله القطر.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لذكراك" فإن اللام فيه للتعليل، وهي في مقام المفعول له، وإنما ظهرت اللام فيه لعدم بعض شروط النصب باللام المقدرة وهي: اتحاده بالفاعل، وذلك لأن قوله: "لذكراك" فاعله المتكلم، وفاعل: "تعروني" هو قوله: "هزة"، ونحو ذلك قولك: "جئتك لأمرك إياي". والله تعالى أعلم (١).
الشاهد الخمسون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
لا أقْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيجَاء … وإنْ تَوالتْ زُمَرُ الأَعْدَاءِ
أقول: هذا رجز راجز لم أقف على اسمه.
стр. 1027
قوله: "الجُبن" بضم الجيم وسكون الباء الموحدة وفي آخره نون، وهو الخوف والفزع، وأما: "الجبنّ" بتشديد النون فهو الذي يعمل من اللبن (١)، [قوله: "عن الهيجاء" بفتح الهاء وهي الحرب يمد ويقصر وهنا ممدودة] (٢) قوله: "ولو توالت" أي: ولو تتابعت وتكاثرت، و"زمر الأعداء" أي: جماعتهم، والزمر -بضم الزاي وفتح الميم: جمع زمرة.
الإعراب:
قوله: "لا أقعد": جملة منفية مركبة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر فيه: قوله: "الجبن": نصب على التعليل, قوله: "عن الهيجاء" متعلق بقوله: "لا أقعد", قوله: "ولو توالت" واصل بما قبله، وتوالت فعل ماض، وقوله: "زمر الأعداء" كلام إضافي فاعله.
فإن قلت: أين جواب لو؟
قلت: لو هذه استغنت عن الجواب لدلالة سياق الكلام عليه؛ إذ التقدير: لو توالت زمر الأعداء لا أقعد؛ فاستغنى عن إظهاره لدلالة سياق الكلام عليه (٣)، فافهم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "الجبن" حيث جاء بالألف واللام وهو نصب على أنه مفعول له وهو قليل، والأكثر أن يكون خاليًا عن الألف واللام (٤).
الشاهد الحادي والخمسون بعد الأربعمائة (٥) , (٦)
مَنْ أَمَّكُم لِرَغْبَةٍ فيكُمْ ظَفِرْ … .............................
أقول: هذا -أيضًا- رجز لم أقف على اسم قائله وتمامه:
.............................. … ومَنْ تكُونُوا ناصِرِيهِ ينْتَصرْ
المعنى: من قصدكم لأجل رغبة في إحسانكم فقد ظفر بمقصوده، ومن تكونوا أنتم تنصرونه فقد انتصر على عدوه.
стр. 1028
الإعراب:
قوله: "من" موصولة متضمنة معنى الشرط، وقوله: "أمكم": جملة من الفعل والفاعل والمفعول صلة الموصول، وقوله: "لرغبة": أي: لأجل رغبة، وهو مفعول له [باللام الظاهرة، قوله: "فيكم": يتعلق بقوله: "لرغبة".
قوله: "ظفر" بكسر الفاء؛ خبر المبتدأ أعني قوله: "من"؛ فإنه] (١) في محل الرفع على الابتداء، وفي الحقيقة قوله: "ظفر": خبر لمبتدأ محذوف، والجملة خبر المبتدأ الأول تقديره: فهو ظفر، حذف المبتدأ مع الفاء التي تدخل الجواب.
قوله: "ومَن تكونوا" الكلام في مَن وخبره كالكلام في مَن الأولى، اسم كان مستتر فيه وهو أنتم (٢)، و"ناصريه" كلام إضافي منصوب لأنه خبر كان، وقوله: "ينتصر": مجزوم لأنه جواب الشرط، وأصله [فهو] (٣) ينتصر كما ذكرنا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لرغبة" فإنه مفعول له، [وقد برزت فيه اللام، وهذا حجة على من منع إبراز اللام عند استكمال الشروط في المفعول له] (٤)، فهذا وإن كان جائزًا ولكن نصبه أرجح (٥).
الشاهد الثاني والخمسون بعد الأربعمائة (٦) , (٧)
فليتَ لِي بِهمُ قوْمًا إِذَا رَكِبُوا … شَنُّوا الإِغَارَةَ فُرْسَانًا ورُكْبَانًا
أقول: قائله هو قريط بن أنيف من بلعنبر شاعر إسلامي، وهو من قصيدة
стр. 1029
[إسلامية] (١) أولها هو قوله (٢):
١ - لوْ كُنْتُ من مازنٍ لم تَسْتَبِحْ إبلي … بنو اللقيطَةِ من ذُهْلِ بنِ شَيْبَانَا
٢ - إذنْ لقامَ بِنَصْرِي معشرٌ خُشُنٌ … عند الحفيظةِ إن ذو لُوثَةٍ لانَا
٣ - قومٌ إذا الشَّرُّ أبْدَى ناجذَيْهِ لهم … طاروا إليه زَرَافاتٍ ووُحْدَانَا
٤ - لا يسألونَ أخاهُمْ حينَ يندبُهُمْ … في النائباتِ على ما قال بُرْهَانَا
٥ - لكنَّ قومِي وإنْ كانُوا ذوي عددٍ … ليسُوا منَ الشَّرِّ في شيءٍ وإنْ هَانَا (٣)
٦ - يَجْزُونَ منْ ظُلْمٍ أهل الظلمِ مغفرةً … ومن إساءةِ أهلِ السوء إحسانَا
٧ - كأنَّ ربَّكَ لم يَخْلُق لخشيتِهِ … سِوَاهُمُ من جميعِ الناسِ إنسانَا
٨ - فليت ................... … ..................... إلى آخره
وهي من البسيط.
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: أغار ناس من بني شيبان على رجل من بلعنبر يقال له: قريط بن أنيف، فأخذوا له ثلاثين بعيرًا، فاستنجد أصحابه فلم ينجدوه، فأتى بني مازن بن تميم فركب معه نفر فطردوا لبني شيبان مائة بعير ودفعوا إلى قريط، وخرجوا معه [حتى] (٤) صاروا إلى قومه، فقال قريظ:
لوْ كُنْتُ من مازنٍ لم تَسْتَبِحْ إبلي … ............................
إلى آخر القصيدة.
١ - قوله: "من مازن" الموازن أربعة: مازن قريش، ومازن اليمن، ومازن ربيعة، ومازن تميم، وهو المراد هاهنا, قوله: "لم تستبح إبلي": من الاستباحة، قيل: هي الإباحة، وقيل: الإباحة التخلية بين الشيء وطالبه، والاستباحة: اتخاذ الشيء مباحًا، وذهل بن شيبان: قبيلة، وإنما قال: بنو اللقيطة؛ لأن أمهم التُقطت.
٢ - قوله: "خُشُن" بضم الخاء والشين المعجمتين (٥)؛ جمع خشن, قوله: "لوثة" بضم اللام وسكون الواو وفتح الثاء المثلثة: وهو الضعف، وبفتح اللام: الشدة، وقيل العكس، والمعنى:
стр. 1030
أنهم يشدون إذا لان الضعيف.
٣ - قوله: "ناجذيه" الناجذ -بالنون والجيم والذال المعجمة: آخر الأضراس, قوله: "زرافات" بفتح الزاي المعجمة بعدها الراء وبعد الألف فاء، وهي الجماعات واحدها: زرافة، ويقال: زرّافة بتشديد الراء, قوله: "ووحدانا": جمع واحد؛ كصاحب وصحبان.
٤ - قوله: "برهانًا" هو فعلان من البره، وهو القطع، وقال أبو الفتح: برهان فعلان كقرطاس ونونه أصلية بدليل قوله: "برهنت" (١).
٨ - قوله: "شنوا": من شنَّ إذا فرق، وذلك لأنهم يفرقون الإغارة عليهم من جميع جهاتهم، وقال ابن فارس: الإشنان: إشنان الغارة، ويروى: شدوا الإغارة، وهي الأصح (٢)، و "الإغارة" مصدر من أغار على العدو، يقال: أغار فلان على العدو غارة وإغارة، والاسم: الغارة، قوله: "فرسانًا": جمع فارس، و: "الركبان": جمع راكب، وأراد به راكب الإبل خاصة.
الإعراب:
قوله: "فليت لي بهم" الفاء للعطف وليت للتمني، وقوله: "قومًا" اسمه، وخبره هو: "لي" مقدمًا، والباء في بهم للبدل, قوله: "إذا ركبوا شنوا" جملة في محل الرفع لأنها صفة لقوم (٣)، وقوله: "شنوا": جواب إذا, قوله: "الإغارة": نصب على التعليل، وقد يتوهم كثير من المحصلين [في رواية: شنوا] (٤) أنه مفعول به, قوله: "فرسانًا وركبانًا": حالان مترادفان أو متداخلان من القوم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "الإغارة" [حيث] (٥) نصب على أنه مفعول له، والحال أنه معرف بالألف واللام وهو قليل، والأكثر أن يكون مجردًا عن الألف واللام كما ذكرنا (٦).
الشاهد الثالث والخمسون بعد الأربعمائة (٧) , (٨)
وَأُغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَريمِ ادخارَهُ … وَأُعْرِضُ عن شَتْمِ اللئيمِ تكَرُّمًا
أقول: قائله هو حاتم بن عدي الطائي، وهو من قصيدة ميمية من الطويل، وأولها هو
٢١ - مُقيمًا مع المُثْرَيْنِ ليس ببارحٍ … إذا كانَ جدْوَى منْ طَعَامٍ ومَجْثِمَا
٢٢ - ولِلهِ صُعْلُوكٌ يُساورُ هَمَّهُ … ويَمْضِي على الأحْداثِ والدهرِ مُقْدِمَا
٢٣ - فَتى طَلِبَاتٍ لَا يَرَى الخَمْصَ تَرْحَةً … ولا شَبْعَةً إِنْ نالهَا عَدَّ مَغْنَمَا
٢٤ - يَرَى الخَمْصَ تَعْذِيبًا وإنْ يَلْقَ شَبْعَةً … يبتْ قَلْبُهُ مِنْ قِلَّةِ الهَمِّ مُبْهَمَا
٢٥ - إذا ما رأى يومًا مَكارِمَ أعرَضَت … تَيَمَّمَ كُبْرَاهُنَّ ثُمَّتَ صَمَّمَا
٢٦ - ويخْشَى إذا ما كانَ يومَ كريهةٍ … صدورَ العوالي فهوَ مُخْتضِبٌ دمَا (١)
٢٧ - ترَى رُمْحَهُ وَنَبلَهُ ومِجَنَّهُ … وذا شُطَبٍ عَضْبَ الضَّرِيبَةِ مِخْذَمَا
٢٨ - وأحناءَ سَرْجٍ قَاترٍ ولجِامَهُ … عَتَادَ فَتًى هيجَا وطرْفًا مسَوَّمَا
٢٩ - فذلك إنْ يَهْلِك فَحُسْنَى ثَنَاؤُه … وإنْ عاشَ لَمْ يقْعُدْ ضَعِيفًا مذممَا (٢)
١ - قوله: "وعاذلتين" أي: ورب عاذلتين، وهو من العذل وهو اللوم, قوله: "هبتا" أي تنبهتا، "بعد هجعة" أي: بعد نوم، و"المتلاف" بكسر الميم؛ صيغة مبالغة للمتلف.
٢ - قوله: "لما غور النجم" بمعنى: غاب (٣) يعني: غرب، يقال: غارت الشمس إذا غربت، كذلك: غورت, قوله: "ضلة" يعني: تلومان ضلة، يقال: فلان يلومني ضلة إذا لم يوفق للصواب (٤) في لومه، و"المغرم" بفتح الميم بمعنى الغرامة.
٣ - و"تصرما": من الصرم وهو القطع.
٨، ٩ - وأراد بـ"أغبر الجوف" القبر، وكذا أراد بقوله: "في خط من الأرض"، وقوله: "أعظمًا": جمع عظم.
١١ - قوله: "حتى تحلما" أي: تتحلما، والتحلم من باب التفعل، وأراد به استعمال التكلف في الحلم.
١٢ - قوله: "متى ترق (٥) أضغان العشيرة بالأنا" أي: متى تسَكِّنُ أحقاد العشيرة بالتأني والصبر، يقال: رقوت الرجل إذا سكنته من الرعب، و "الأضغان": جمع ضغن وهو الحقد، قوله: "يحسم" أي: ينقطع من أصله.
١٣ - قوله: "وذي أود" أي: اعوجاج.
١٤ - قوله: "وأغفر" أي: أستر؛ لأن الغفر هو الستر، ومنه المغفر وهو الخوذة؛ لأنها تستر
стр. 1033
الرأس, قوله: "عوراء الكريم" بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره راء ممدودة، وهي الكلمة القبيحة، ومنه العورة وهي سوءة الإنسان، وكل شيء يستحى منه فهو عورة, قوله: "وأعرض": من الإعراض.
١٧ - قوله: "بهيم" بفتح الباء الموحدة أي: مظلم شديد الظلمة, قوله: "بالنكس": من نكَّست الشيء أنكسه نكسًا إذا قلبته على رأسه, قوله: "تجهَّما" من قولهم: رجل جهم الوجه أي: كالح الوجه، والجهمة - بالضم: أول مآخر (١) الليل.
١٩ - قوله: "لحى الله" بالحاء المهملة، يقال: لحاه الله؛ أي: قبحه ولعنه، و"الصعلوك" بضم الصاد؛ الفقير.
٢٠ - قوله: "مثلوج الفؤاد" أي: بليد الفؤاد؛ هكذا فسَّره الأصمعي، وهو بالثاء المثلثة وبالجيم (٢).
٢١ - قوله: "جدوى" بفتح الجيم، وهو العطاء, قوله: "ومجثما" أي: مكان يستقر فيه؛ من جثم الطائر إذا تلبد بالأرض.
٢٣ - و "الخمص": الجوع، و "الترحة": الحزن.
٢٧ - قوله: "وذا شطب" بضم الشين المعجمة وفتح الطاء، وأراد: ذا سيف ذي شطب، وشطب السيف: طرائقه التي في متنه، الواحدة: شطة، مثل: صبرة وصبر، و"العضب": القطع، وكذلك "الحذم" بالحاء المهملة والذال المعجمة.
٢٨ - قوله: "قاتر" بالقاف وبعد الألف تاء مثناة من فوق، أي: واق حافظ، يقال: رجل قاتر أي: واقٍ لا يعقر ظهر البعير, قوله: "عتاد فتى" أي: عدته، وهو على وزن فعال [بالفتح] (٣)، و"الهيجاء": الحرب، تمد وتقصر وهاهنا بالقصر للضرورة (٤) , قوله: "وطِرفًا" بكسر الطاء وسكون الراء وفي آخره فاء، وهو الكريم من الخيل.
الإعراب:
قوله: "وأغفر": جملة من الفعل والفاعل عطف على قوله: "وذي أود قومته فتقوما" قوله: "عوراء الكريم": كلام إضافي مفعوله, قوله: "ادخاره": نصب على التعليل، أي: لأجل
стр. 1034
ادخاره, قوله: "وأعرض": عطف على قوله: "وأغفر"، وقوله: "عن شتم اللئيم": يتعلق به، قوله: "تكرما": نصب على التعليل -أيضًا- أي: لأجل التكرم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ادخاره" فإنه مفعول له، وقد جاء بالإضافة، فالنصب فيه والجر باللام متساويان، وذلك لأن المفعول له إذا وجدت الشروط [فيه] (١) على ثلاثة أضرب: راجح ومرجوح ومساوٍ.
فالراجح: أن يكون المفعول له معرفًا باللام، والأكثر فيه أن يكون مجرورًا باللام كقولك: جئتك للطمع في بِرِّك، والنصب جائز على قلة؛ كما في قول الراجز (٢):
لا أقْعُدُ الجُبْنَ عن الهَيجَاءِ … ...................................
وقد مر (٣).
والمرجوح: جره: أن يكون المفعول له مجردًا من الألف واللام والإضافة؛ كقولك: جئتك تبركًا بك، فهذا أجود من قولك: جئتك للتبرك بك، ومنهم من لا يجيزه (٤)، والصحيح جوازه مع رجحان نصبه؛ كما في قول الراجز:
مَنْ أَمَّكُمْ لِرَغْبَةٍ فيكُمْ ظَفِرْ … ..............................
وقد مَرَّ بيانه (٥).
والمساوي بين الجر والنصب: أن يكون المفعول مضافًا؛ نحو: جئتك رجاءك، وجئتك لرجائك، ومن النصب قول حاتم:
وَأُغْفِرُ عوراء الكريمِ ادخارَهُ … ..................... إلخ (٦)
стр. 1035
شواهد المفعول فيه (١)
الشاهد الرابع والخمسون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
أَفِي الحَقِّ أَنِّي مُغْرَمُ بكِ هائِمٌ … وأنكِ لا خَلٌّ هواكِ ولا خَمْرُ
أقول: قائله هو عائد بن المنذر القشيري، وقبله هو قوله (٤):
١ - هل الوَجْدُ إلَّا أَن قَلْبِي لَوْ دَنَا … مِنَ الجَمْرِ قِيدَ الرُّمْحِ لَاحْتَرَقَ الجَمْرُ
[وبعده] (٥):
٣ - فإنْ كُنْتُ مَطْبُوبًا فَلَا زِلْتُ هكَذَا … وإنْ كنتُ مَسْحُورًا فَلَا بَرَأَ السِّحْرُ
وهي من الطويل.
١ - قوله: "قيد الرمح" أي: قدره.
٢ - قوله: "مُغرم": من أغرم بالشيء: أولع به، و"الغرام": شدة العشق، و"الهائم": المتحير من هام هيامًا، والهيام كالجنون من العشق, قوله: "هواك" أي: عشقك، والهوى مقصور هاهنا.
٣ - و"المطبوب": المسحور، يقال: طبه إذا سحره.
الإعراب:
قوله: "أفي الحق" الهمزة للاستفهام على وجه الإنكار والتوبيخ، "وفي الحق": ظرف
стр. 1036
أجري مجرى ظرف الزمان، ومحله الرفع على أنه خبر عن قوله: "أني مغرم"؛ لأن "أن" هاهنا مع اسمها وخبرها في موضع رفع بالابتداء، والتقدير: أغرامي بك في الحق؟ يعني: كيف يكون في الحق وحبك لا هجع إلى معلوم؟ وهو معنى قوله: "وأنك لا خلّ هواك ولا خمر"، أراد: ليس بشيء يخلص ويتبين، [وقد شبه هوى من هو مغرم بها، في كونه غير ثابت ولا مستقر على حاله بماء العنب المتردد بين كونه خلًّا وبين كونه خمرًا، فلا هو خَلٌّ صرف حتى يستعمل خلًّا ولا هو خمر صرف حتى يستعمل خمرًا، فمن كان حال هواه بهذه المثابة كيف يكون غرام من أغرم به حقًّا؟] (١).
وقوله: "مغرم" بالرفع لأنه خبر أن، وقوله: "هائم" بالرفع -أيضًا- لأنه خبر بعد خبر.
[قوله: "] (٢) وأنك" الواو للحال، وإن حرف من الحروف المشبهة بالفعل، والكاف اسمه، والجملة -أعني قوله: "لا خل هواك": خبره، و"لا" بمعنى ليس، و"خل" مرفوع اسمه، و"هواك": كلام إضافي خبره (٣) , قوله: "ولا خمر": عطف على قوله: "ولا خل".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أفي الحق؟ " حيث صرح فيه بحرف الجر، فدل ذلك على أن أصل قولهم: أحقًّا أنك ذاهب؟: أفي الحق أنك ذاهب؟؛ إذ لو لم يكن أصله هكذا لما أبرز الشاعر كلمة: "في" في قوله: "أفي حق؟ "، ودلَّ ذلك على أنهم أجروه مجرى ظرف الزمان، وذلك لأن العرب استعملته خبرًا عن المصدر ولم تستعمله خبرًا عن الجثة؛ كما أن ظرف الزمان كذلك، فافهم (٤).
* * *
стр. 1037
شواهد المفعول معه (١)
الشاهد الخامس والخمسون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
فَقَدْنِي وإيَّاهُمْ فإِنْ أَلْقَ بَعْضَهُمْ … يَكُونُوا كَتَعْجِيلِ السَّنَامِ المُسَرْهَدِ
أقول: قائله هو أسيد بن إياس الهذلي.
وهو من الطويل.
قوله: "كتعجيل السنام": من عجلت الطعام: طبخته على عجلة، قال الجوهري: سنام مسرهد أي: سمين، وربما قيل لشحم السنام: مسرهد (٤).
الإعراب:
قوله: "فقدني" أي: يكفيني، والفاء فيه إما للعطف وإما لتوشيح الكلام لأجل الوزن، قوله: "وإياهم" الواو فيه بمعنى: مع، ذكر بعض الفضلاء أن إياهم عطف على المعنى، وذلك لأن الياء في: "قدني" وإن كانت مجرورة بإضافة (٥) قد إليها، فهي في المعنى منصوبة بدليل أن معنى قدك: ليكفك، وقدني: ليكفني، وقدك: مبتدأ، كقولك: قدك درهم، كحسبك درهم، وإذا جاز أن يتصور في حسبك، وهي معرفة معنى ليكفك، كان ذلك مع قد أحرى؛ ألا ترى إلى قوله (٦):
إذَا كَانَتِ الهَيجَاءُ وانْشَقّت الْعَصَا … فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
стр. 1038
فهو محمول على معنى: فيكفيك، والضحاك: عطف على الكاف، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون "وإياهم" في موضع جر، وإن كان بلفظ المنصوب كالضحاك، على أن "وإياهم" أسهل من الضحاك؛ لأن إياهم لا يظهر فيه إعراب بخلاف الضحاك (١).
قوله: "فإن ألق" الفاء فيه للتعليل، وإن للشرط، و"ألق": جملة من الفعل والفاعل وقعت فعل الشرط، و"بعضهم" كلام إضافي مفعول ألق, قوله: "يكونوا": جملة وقعت جواب الشرط، والضمير في: يكونوا اسم كان، وخبره قوله: "كتعجيل السنام" [ويحتمل "كتعجيل السنام"] (٢) أمرين:
أحدهما: أن يكون مصدرًا لعجلت فيكون المضاف محذوفًا، أي: كذي تعجيل السنام.
والثاني: أن يكون اسمًا لا مصدرًا؛ فقد جاء التفعيل اسمًا لا مصدرًا، و "المسرهد" بالجر صفة السنام.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وإياهم": فإنه مفعول معه ولم يتقدم عليه فعل؛ بل تقدم عليه ما تضمن معنى الفعل دون حروفه؛ كما في نحو: حسبك وزيدًا درهم، أي: كافيك مع زيد (٣)، وفيه رد على الجرجاني؛ حيث حصر العمل في تقديم الفعل فقط على الواو (٤)، وليس كذلك، فإن غير واحد من النحاة قد ذكروا أن تقدم الصفات وما تضمن معنى الفعل دون حروفه كتقدم الفعل في تسويغ نصب المفعول معه فيفهم من ذلك أن تقدم شيء من ذلك شرط (٥).
стр. 1039
الشاهد السادس والخمسون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
لا تَحبِسَنَّك أثْوَابِي فَقَدْ جُمِعَتْ … هذَا رِدَائِي مَطْوِيًّا وَسِرْبَالا
أقول: لم أقف على اسم قائله وهو من البسيط.
قوله: "سربالًا" بكسر السين هو القميص، قاله الجوهري (٣).
الإعراب:
قوله: "لا تحْبِسَنَّك": جملة منفية مؤكدة بالنون الثقيلة مركبة من الفعل والمفعول وهو الكاف، وقوله: "أثوابي": كلام إضافي فاعله، قوله: "فقد جمعت" الفاء للاستئناف تقديره: فهي قد جمعت، فيكون "قد جمعت" خبر مبتدأ محذوف.
قوله: "هذا": مبتدأ، و "ردائي": خبره، قوله: "مطويًّا"؛ حال من ردائي, قوله: "وسربالًا" الواو فيه بمعنى مع، والعامل فيه مطويًّا، وأجاز أبو علي أن يكون العامل فيه قوله: "هذا" (٤).
الاستشهاد فيه:
[في قوله: "وسربالًا] (٥)؛ لأنه مفعول معه ولم يتقدمه الفعل بل قد تقدمه ما يتضمن معنى الفعل وحروفه. والله أعلم (٦).
стр. 1040
الشاهد السابع والخمسون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
جَمَعَت وفُحْشًا غِيبةً وَنمِيمةً … ثَلاثُ خِصَالٍ لستَ عَنَها بِمَرْعَوي
أقول: قائله هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي (٣).
وهو من قصيدة واوية من الطويل، وأولها هو قوله (٤):
١ - تُكَاشِرُنِي كُرْهًا كَأَنَّكَ نَاصِحٌ … وعَيْنُكَ تُبْدِي أَنّ صَدْرَكَ لِي دَوي
٢ - لِسَانُكَ مَاذَيُّ وغَيبُكَ عَلْقَمٌ … وَشَرُّكَ مَبسُوطٌ وخَيْرُكَ مُنْطَوي
٣ - فَلَيْتَ كَفَافًا كَانَ خَيْرُكَ كُلُّهُ … وَشَرُّك عَنِّي مَا ارْتَوَى الماءَ مُرْتَوي
٤ - وَكَمْ مَوْطِنٍ لولايَ طِحْتَ كمَا هَوَى … بأَجْرَامِهِ مِنْ قُنَّةِ النِّيقِ مُنْهَوي
٥ - جَمَعْتَ وَفُحْشًا غِيبَةً وَنَمِيمَةً … ................ إلى آخره (٥)
٦ - تَبَدَّلَ خَلِيلًا بِي كَشَكْلِكَ شَكْلُهُ … فإِنِّي خَلِيلًا صَالِحًا بكَ مُقْتَوي
١ - قوله: "تكاشرني": من الكشر وهو التبسم ببدو الأسنان, قوله: "دوي" بفتح الدال، المهملة وكسر الواو، ويقال: رجل دوي؛ أي: فاسد الجوف من داء.
٢ - قوله: "ماذي" بكسر الذال والمعجمة وتشديد الياء، قال الجوهري: الماذيّ: العسل، الأبيض (٦)، و"العلقم": الحنظل.
٤ - وقوله: " [طحت] (٧) [من طاح يطوح ويطح] (٨) إذ هلك, قوله: "هوى" أي: سقط، والمنهوي من بابه، و"النيق" بكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف، وهو أرفع موضع في الجبل، ويجمع على نياق.
٥ - قوله: "بمرعوي": من الارعواء وهو الكف عن القبيح، وهو من رعى يرعو؛ أي: كفَّ،
стр. 1041
عن الأمر، فإن قلت: لِمَ لم يدغم ارعوى ونحوه؟ قلت: لسكون الياء.
٦ - وقوله: "مقتوي": من القوة.
الإعراب:
قوله: "جمعت": جملة من الفعل والفاعل, قوله: "وفحشًا" الواو فيه بمعنى مع عند ابن جني، والتقدير: جمعت مع فحش غيبة (١)، وعند الجمهور: الواو (٢) فيه للعطف؛ لأنه معطوف على قوله: "ونميمة" ولكن قدم عليها للضرورة، التقدير: جمعت غيبة ونميمة وفحشًا، وهذه ضرورة قبيحة؛ لأنه لا يجوز تقديم المفعول معه على مصاحبه عندهم خلافًا له (٣)، وأما تقديمه على عامله فلا يجوز اتفاقًا؛ إذ لا يقال: والخشبة استوى الماء (٤).
стр. 1042
قوله: "ثلاث خصال": كلام إضافي يجوز فيه النصب والرفع:
أما النصب: فعلى أنه صفة لقوله: "فحشًا غيبة ونميمة".
وأما الرفع: فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: وهي ثلاث خصال, قوله: "لست عنها بمرعوي": جملة وقعت صفة لقوله: "ثلاث خصال"، والباء في "بمرعوي" زائدة، وهو خبر لست.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "في قوله: "وفحشًا" حيث ذهب ابن جني إلى أنه مفعول معه وخالفه الجمهور في ذلك، وقد ذكرناه والله أعلم.
الشاهد الثامن والخمسون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
أكْنِيهِ حينَ أُنَادِيهِ لأُكْرِمَهُ … وَلَا أُلَقِّبُهُ وَالسَّوْأَةَ اللَّقَبَا
أقول: قائله هو بعض الفزاريين، وهو من أبيات الحماسة، وبعده بيت آخر وهو:
كَذَاكَ أُدِّبْتُ حَتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي … أَنِّي رَأَيْتُ مِلَاكَ الشِّيمَةِ الأدَبَا
وهما من البسيط.
وقد ذكرنا البيت الثاني في شواهد ظن وأخواتها، واستشهد به ظقهع (٣).
١ - قوله: "أكنيه" من كنى يكنُو، ويقال: كنيت وكنوت, قوله: "ولا ألقبه": من التلقيب, واللقب: كل ما يشعر برفعة المسمى أو ضعته كالصدِّيق وأنف الناقة, قوله: "والسوأة" وهي الشيء القبيح.
الإعراب:
[قوله: "] (٤) أكنيه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، أي: أكني ذلك الشخص حين أطلبه، و "حين" نصب على الظرف, قوله: "أناديه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت مضافًا إليها.
قوله: "لأكرمه" اللام للتعليل، وأن المصدرية مقدرة فيه، أي: لأجل إكرامه, قوله: "ولا ألقبه":
стр. 1043
جملة معطوفة على قوله: "أكنيه", قوله: "والسوأة" بالنصب مفعول معه عند ابن جني؛ فإنه يجيز تقديم الفعول معه على مَصحُوبِه، والتقدير: ولا ألقبه اللقب والسوأة، أي: مع السوأة؛ لأن من اللقب ما يكون لغير سوأة؛ كتلقيب الصديق ﵁ عتيقًا لعتاقة وجهه؛ من العتق وهو الجمال أو لكونه عتيقًا من النار، والمعنى: إن لقبته لقبته بغير سوأة (١).
وعند الجمهور: الواو للعطف قدمت هي ومعطوفها، والتقدير: لا ألقبه اللقب ولا أسوء السوأة؛ فاللقب مفعول به، والسوأة: مفعول مطق، ثم حذف ناصب السوأة وقدم العاطف ومعمول الفعل المحذوف.
ويقال: التقدير: لا ألقبه اللقب مع السوأة، فاللقب مفعول به؛ كما في الوجه الأول، والسوأة مفعول معه مقدم على صاحبه للضرورة (٢).
ويقال: يجوز أن كون انتصاب السوأة على المعنى؛ كأنه قال: يعمل فيه معنى لا ألقبه، فيكون هذا من باب (٣):
يَا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدَا … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا (٤)
و(٥):
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا … ............................................
وإن ارتفع فارتفاعه يجوز أن يكون بالابتداء، ويكون الخبر مضمرًا؛ كأنه قال: والسوأة ذاك، يعني: إن لقبته والفحش فيه.
ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره اللقب وتكون مصدرَا كالجَمَزَى والوَكَزَى.
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ كأنه قال: ولا ألقبه اللقب وهو السوأة.
قال أبو العلاء: هذا على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولا ألقبه اللقب والسوأة، ونحو منه قول الآخر (٦):
стр. 1044
وَقُلْتُ لَهَا أَنَخْلَة بَطْن عِرْقٍ … وَأَنْبَتَ استَهَلَّ بِكَ الغَمَام
أراد: استهل بك الغمام وأنبت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والسوأة"، فإنه مفعول معه عند ابن جني مع تقديمه على مفعوله، كما ذكرناه مستقصًى (١).
الشاهد التاسع والخمسون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
........................... … وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ وَالعُيُونَا
أقول: قائله هو الراعي، واسمه عبيد، وصدره:
إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يومًا … ...................................
وبعده:
٢ - أنَخْنَ جِمَالهُنَّ بِذَاتِ غِسْل … سَرَاةَ اليَومِ يَمْهَدْنَ الكُدُونَا
وهما من الوافر.
١ - قوله: "الغانيات"؛ جمع غانية وهي المرأة التي استغنت بجمالها عن الحلي, قوله: "برزن" أي: ظهرن، من البروز وهو الظهور, قوله: "وزججن الحواجب" بالزاي المعجمة والجيمين، يقال: زججت المرأة حاجبها: دققته وطولته، والزجج: دقة في الحاجبين وطول، والرجل أزج.
١ - قوله: "بذات غسل" بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة وفي آخره لام، وهو اسم موضع، وذكر في كتاب الأذواء أن ذات غسل قرية.
وقيل: هي بين اليمامة والنباج كانت لبني كلب بن يربوع، ثم صارت لبني عنبر، ولها ذكر
стр. 1045
في شعر ذي الرمة (١) , قوله: "سراة اليوم" أي: وسطه، وسراة كل شيء: وسطه, قوله: "كدونا" بالضم؛ جمع كدن وهو ما توطئ به المرأة مركبها من كساء ونحوه.
الإعراب:
[قوله: "] (٢) إذا ما" كلمة ما زائدة، و"الغانيات": مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر تقديره: إذا برزت الغانيات، وذلك لأن إذا لا تدخل إلا على الجملة الفعلية, قوله: "يومًا" نصب على الظرف, قوله: "وزججن" عطف على قوله: "برزن"، و "الحواجب" مفعوله، [قوله: "] (٣) والعيون" فيه حذف تقديره: وكحلن العيون؛ كما قال الشاعر:
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا … ...................................
أي: وسقيتها ماء باردًا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والعيونا" حيث نصب بفعل مضمر كما قدرناه، ولا يجوز أن يكون بالعطف لعدم المشاركة، ولا باعتبار المعية والمصاحبة لعدم الفائدة بالإعلام بمصاحبة العيون الحواجب، قال ابن عصفور: يضمن زججن معنى: زيَّن؛ لأنهن إذا زججن الحواجب زينّها؛ فكأنه قال: وزيَّنَّ الحواجب والعيون (٤) فافهم.
الشاهد الستون بعد الأربعمائة (٥) , (٦)
فما أنتَ والسيرَ في مَتْلَفٍ … يُبْرِّحُ بالذَّكَرِ الضَّابِطِ
أقول: قائله هو أسامة بن الحرث بن الحبيب الهذلي، وكان يكنى أبا سهم.
стр. 1046
وهو من قصيدة طائية من الوافر (١)، وأولها هو هذا البيت، وبعده [هو] (٢) قوله (٣):
٢ - وبِالبُزْلِ قدْ دَمَّهَا نَيَّهَا … وذَاتِ المُدَارَأَة العَايطِ
٣ - ومَا يَتَوَقَّيْن مِنْ حَرَّةٍ … وَمَا يَتَجَاوَزْنَ مِنْ غَائِطٍ
٤ - وَمنْ أيْنِهَا بَعْدَ إبْدَانِهَا … وَمِنْ شَحْمِ أَثْبَاجهَا الهَابِطِ
٥ - تَصِيحُ جَنَادِبُهُ رُكّدًا … صيَاحَ المَسَامِيرِ في الوَاسِطِ
٦ - فَهُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْتَوْقِزٍ … وُقُوعَ الدَّجاح عَلَى الحَائِطِ
٧ - وإلَّا النَّعَامَ وَحُفَّانَهُ … وَطُغْيَا مِنَ اللَّهَقِ النَّاشِطِ
٨ - إذَا بَلَغُوا مِصْرَهُمْ عُوجِلُوا … منَ الموت بالهِمْيَغِ الذَّاعِطِ
٩ - مِنَ المُرْبعِيَن وَمِنْ آزِلٍ … إذَا جَنَّهُ الليلُ كَالنَّاحِطِ
١٠ - عَصَاكَ الأقَارِبُ منْ أمْرِهِمْ … فَزَايِلْ بِأمْرِكَ أوْ خَالِطِ (٤)
١١ - ولا تَسْقُطَنَّ سُقُوطَ النَّوَا … ة مِنْ كَفِّ مُرْتَضِخٍ لاقِطِ
١ - قوله: "في متلف" بفتح الميم وسكون التاء المثناة من فوق وكسر اللام وفتحها، وهو القفر الذي يتلف فيه من سلكه.
قوله: "يبرح" بالتشديد؛ من برَّحَ به الأمر تبريحًا إذا جهده، والبرح: البارح الشدة والأذى، ويروى: يُعَبِّر بالذكر الضابط، وهكذا هو في ديوان الهذليين (٥)؛ أي: يحمله على ما يكره، يقال: عبّر بعينه إذا أراه ما يكره، وأراه عبر عينه إذا أراه العبر وما يكره.
قوله: "بالذكر" بفتح الذال المعجمة والكاف، وأراد به الذكر من الإبل؛ لأنه أقوى في السير (٦) من الناقة، وإذا برح بالذكر كان أحرى أن يبرح بالناقة، و"الضابط": القوي منه، ومنه الأضبط وهو الذي يعمل بيديه جميعًا.
٢ - قوله: "وبالبُزْلِ" بضم الباء الموحدة وسكون الزاي المعجمة في آخره لام؛ جمع بازل وهي المسنة من الإبل, قوله: "قدْ دمّها" بفتح الدال المهملة وتشديد الميم؛ أي: قد علاها نيها، أي: شحمها، وهو بفتح النون وتشديد الياء، وأصلها: نوى، ويقال: معناه: طلاها شحمها، ومنه يقال: دم قدرك؛ أي: أطلها بالطحال.
стр. 1047
قوله: "وذات المدارأة" أراد بها الناقة التي بها اعتراض [وشدة نفس] (١)، ويقال: المدارأة: المدافعة، وأراد بها: الناقة التي تناطح الإبل في السير لنشاطها وقوتها، و"العايط" بالعين المهملة وبعد الألف ياء آخر الحروف، وهي الناقة التي لم تحبل أعوامًا فهي أقوى للسفر، قال سيبويه: عايط: حالت عامين أو ثلاثة لم تلقح (٢).
٣ - قوله: "وما يتوقين" أي: وما يتقين، "من حرة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي كل أرض ذات حجارة سود، و"الغائط" بالغين المعجمة؛ المكان المنخفض من الأرض، ويجمع على غيطان.
٤ - قوله: "ومن أينها" أي: إعيائها، وهو بفتح الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها نون, قوله: "بعد إبدانها" بكسر الهمزة وسكون الباء الموحدة، من أبدنها ربيع وعشب.
قوله: "أثباجها" بفتح الهمزة وسكون الثاء المثلثة بعدها الباء الموحدة وبعد الألف جيم، وهو جمع ثبج، وثبج كل شيء: وسطه، و "الهابط" هو الذي يذوب فيسيل من التعب.
٥ - قوله: "جنادبه": جمع جُنْدَب بضم الجيم وهو الجراد، والضمير فيه يعود إلى المتلف، قوله: "ركّدًا" بضم الراء؛ جمع راكد وهو الثابت، وأراد "بالواسط" واسط الرحل وهو موضع القَربُوس في السَّرْج، قال الجوهري: واسط الكور: مقدمه (٣).
٦ - قوله: "مستوفز" بفتح الفاء والزاي المعجمة، وهو المكان المرتفع، وأراد: "بالدجاج" هاهنا: الديوك.
٧ - و"النعام": جمع نعامة، و"الحفّان" بضم الحاء المهملة وكسرها (٤)، وتشديد الفاء، وهي صغار النعام.
قوله: "وطُعْيَا" بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة على وزن حبلى، قال الفارسي: وكان الأصمعي يرويه على وزن حبلى، روى أحمد بن يحيى: طَغْيا -بفتح الطاء على وزن سكرى، وهي البقرة، وروى أبو عبيدة: طَغْيًا بفتح الطاء مع التنوين، وكذلك رواه أبو عمرو الشيباني وقالا: هو الصواب، يقال: طغى يطغى طغيا، ويكون للناس والبهائم (٥)، ومن روى
стр. 1048
هكذا روى من اللهق، أي: صوتًا من اللهق، و "اللهق" بفتح اللام والهاء وبالقاف، وهو الثور الأبيض، و"الناشط" بالنون وبعد الألف شين معجمة، وهو الذي يخرج من موضع إلى موضع ولا يستقر.
٨ - قوله: "بالهميغ" بكسر الهاء وسكون الميم وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره غين معجمة، وهو الموت المعجل، قال الجوهري: وكان الخليل يقول: بعين غير معجمة وخالفه الناس (١) , قوله:
"الذاعط" بالذال المعجمة والعين المهملة، ومعناه: الذابح؛ من الذعط وهو الذبح الوحي.
٩ - قوله: "من المربعين": جمع مربع بفتح الباء الموحدة (٢) وهو الذي تأخذه الحمى الربع، والمعنى: جعلوا من أولئك الذين حُمِّلُوا الربع, قوله: "ومن آزل" بفتح الهمزة الممدودة وكسر الزاي وفي آخره لام، وهو الداخل في الأزل، وهو ضيق الحال من الحمى, قوله: "كالناحط" بالنون والحاء المهملة، وهو الذي يعتريه الزفير، أراد: كالناحط يذفر من الحمى؛ من نحَط ينحِطُ من باب ضرب يضرب.
١٠ - قوله: "عصاك الأقارب" يقول لنفسه: إن لم يسمعوا قولك فزايلهم وخالطهم.
١١ - قوله: "مرتضخ" بالضاد والخاء المعجمتين، وهو الذي يدق [النوى] (٣) للإبل، ويروى: مرتحض بالحاء والضاد المعجمة، وهو الذي يغسل النوى، يقول لنفسه: عصيت عشيرتك في البقاء، وترك السفر معهم، فلا تركن في رأيك بالنهوض معهم، فتكون بمنزلة النواة الساقطة من كف المرتضخ.
الإعراب:
قوله: "فما أنت" ويروى: فما أنا، وكلمة [ما] (٤) للاستفهام على وجه الإنكار، وينكر على نفسه السفر في مثل هذا المتلف الذي يهلك الإبل فيه؛ وذلك لأن أصحابه كانوا سألوه أن يسافر معهم حين سافروا إلى الشام فأبى وقال هذا الشعر.
قوله: "والسير" والمعنى: ما تصنع والسير، فلما حذف الفعل انفصل الضمير المستكن وانتصب السير بذلك المحذوف، ومنهم من يرفعه ويجعل الواو عاطفة، وهذا هو الوجه؛ كما في قولك: ما أنت وزيد، يجوز فيه الوجهان.
قوله: "في متلف": متعلق بالسير, قوله: "يبرح": فعل وفاعل, قوله: "بالذكر": مفعوله،
стр. 1049
و"الضابط" بالجر صفة، والجملة وقعت صفة لمتلف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فما أنت والسير" حيث انتصب السير بالفعل المحذوف، فيكون الواو فيه بمعنى مع، ويجوز الرفع على أن تكون الواو عاطفة؛ كما ذكرنا (١).
الشاهد الحادي والستون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
أزمانُ قَوْمي والجمَاعةَ كالذي … لَزِمَ الرِّحَالةَ أنْ تميل مُمِيلَا
أقول: قائله هو الراعي، وقد مر الكلام فيه مستوفًى في شواهد كان (٤).
والاستشهاد فيه هاهنا:
في قوله: "والجماعة" فإنه منصوب على أنه مفعول معه، والواو فيه بمعنى مع، انتصب بكان المقدرة الرافعة لقومي؛ لأن تقديره: أزمان [كان] (٥) قومي (٦).
الشاهد الثاني والستون بعد الأربعمائة (٧) , (٨)
إذَا أَعْجَبَتْكَ الدّهْرَ حالٌ مِنَ امرِئ … فَدَعْهُ وواكِلْ أَمْرَهُ واللياليَا
أقول: احتجتْ به طائفة من النحاة، ولم أر أحدًا عزاه إلى قائله، وبعده بيت آخر وهو:
يَجِئْنَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ صَالِحٍ بِهِ … وإنْ كَانَ فِيمَا لا يَرَى النَّاسُ آلِيَا
وهما من الطويل.
قوله: "فدعه": أي اتركه, قوله: "وواكل أمره": من واكلت فلانًا مواكلة إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك, قوله: "آليا": من ألا يألو إذا قصر، والمعنى؛ وإن كان فيما يرى الناس لا يألوا،
стр. 1050
ويتعلق بهذا البيت مسألة وهي أنهم قالوا: دخول حرف النفي على فعل (١) الشرط ينفيه فيعلق الحكم عليه منفيًّا نحو: من لا يكرمني أكرمه، تعلق وجود الإكرام على انتفاء الإكرام، قالوا: إلا في المشيئة والإرادة والرؤية والظن، فإن النفي يتسلط على متعلق ذلك، مثاله: من لا رد أن أكرمه أهنه، قالوا: معناه: من يرد أن لا أكرمه أهنه.
وتقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكثير من أهل الكلام لا يجيزون ذلك، والصحيح جوازه؛ لأن المعنى: وما يشاء أن لا يكون لا يكن، فدخلت ما على يشاء، وهي في المعنى داخلة على معمولها المحذوف، ولو رددنا ذلك لرددنا: إن شاء الله شيئًا كان وإلا فلا، وهو كلام جميع العرب؛ ألا ترى أن التقدير: وإن لا يشاء أن لا يكون فلا يكون، والدليل على ذلك قول الشاعر:
إذا أعجبتك ............... … ................... البيتين
ومعنى قوله: "وإن كان فيما لا ورى الناس آليَا" وان كان فيما يرى الناس لا يألوا كما ذكرنا فافهم.
الإعراب:
قوله: "إذا" للشرط، و "أعجبتك": فعل ومفعول، وقوله: "حال" بالرفع فاعله، و"الدهر": نصب على الظرفية, قوله: "من امرئ" جار ومجرور في محل الرفع؛ لأنه صفة لحال، أي: حال كائنة أو حاصلة من امرئ.
قوله: "فدعه": جواب الشرط، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول, قوله: "وواكل": عطف على قوله: "فدعه"، و"أمره": مفعوله, قوله: "واللياليا": مفعول معه، أي: مع الليالي.
الاستشهاد فيه:
[في قوله: "واللياليا] (٢) حيث نصب باعتبار المعية، وهذا أرجح على قول من يقول: إنه منصوب باعتبار العطف؛ لأن فيه تعسفًا (٣).
стр. 1051
الشاهد الثالث والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا … حتى شتتْ همّالةً عيْنَاهَا
أقول: هذا رجز مشهور بين القوم، ولم أر أحدًا عزاه إلى راجزه.
والضمير المنصوب في "علفتها" يرجع إلى الدابة التي يريدها الراجز, قوله: "حتى شتت" ويروى: حتى بدت، ومعناهما واحد, قوله: "همالة": من هملت العين إذا همرت، يعني: صبت دمعها.
الإعراب:
قوله: "علفتها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله: "تبنًا": مفعول ثان "وماء": عطف عليه، و "باردًا" صفته, قوله: "حتى": للغاية، والمعنى إلى أن شتت، و"شتت": فعل ماض، و"عيناها": كلام إضافي فاعله، و "همالة" نصب على التمييز (٣).
الاستشهاد فيه:
في عطف الماء على التبن فلا يصح أن يقال: الواو (٤) في قوله: "وماء" للمعية والمصاحبة؛ لانعدام معنى المصاحبة، ولا يشارك قوله: "وماء" فيما قبله، فتعين أن ينتصب بفعل مضمر يدل عليه سياق الكلام، وهو أن يقال: التقدير: علفتها تبنًا وسقيتها ماء.
وقال ابن عصفور: إنهم ذهبوا إلى أن الاسم الذي بعد الواو معطوف على الاسم الذي قبلها ويكون العامل [في الاسم] (٥) الذي قبل الواو قد ضمن في ذلك معنى يتسلط على الاسمين، فيتضمن علفتها معنى أطعمتها؛ لأنه إذا علفها تبنًا فقد أطعمها، وكأنه قال: أطعمتها تبنًا وماء، ويقال: أطعمته ماء، قال اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٦).
стр. 1052
الشاهد الرابع والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
فَكُونُوا أنتُمُ وبني أبيكم … مكان الكُلْيَتيْنِ من الطِّحَالِ
أقول: احتج به الزمخشري وغيره ولم ينسبه أحد منهم إلى قائله (٣)، وهو من الوافر.
[قوله: "] (٤) وبني أبيكم" أراد بهم الأخوة، والمعنى: كونوا أنتم مع إخوتكم متوافقين متصلين اتصال بعضكم ببعض كاتصال الكليتين وقربهما من الطحال، وأراد الشاعر بهذا الحث على الائتلاف والتقارب في المذهب، وضرب لهم مثلًا بقرب [الكليتين] (٥) من الطحال.
الإعراب:
قوله: "فكونوا" الفاء للعطف على ما قبله إن تقدمه شيء أو لتزيين الكلام مع إقامة الوزن، "وكونوا" من كان الناقصة، واسمه هو الضمير المستتر فيه وهو أنتم، و"أنتم" (٦) الظاهر تأكيد أكد به الضمير المتصل المستتر, قوله: "وبني أبيكم": كلام إضافي بمعنى مع، وقوله: "مكان الكليتين": كلام إضافي منصوب، لأنه خبر كان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وبني أبيكم" فإن فيه وجهين:
الأول: النصب على أن يكون مفعولًا معه، والواو بمعنى مع، والعامل فيه [الفعل] الظاهر (٧) وهو الراجح.
والثاني: الرفع على أن يكون عطفًا على أنتم، وهو ضعيف لضعف العطف من جهة المعنى.
والله أعلم (٨).
стр. 1053
شواهد الاستثناء
الشاهد الخامس والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
وبالصّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلقٌ … عافٍ تَغَيَّرَ إلا النُّؤْيُ والوَتَدُ
أقول: قائله هو الأخطل غوث بن غياث.
وهو من البسيط.
قوله: "وبالصريمة" بفتح الصاد المهملة وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وميم وهاء، وهي ما اسم موضع، والصريمة في الأصل: كل رملة انصرمت من معظم الرمل، ويقال: أفعى صريمة، والصريمة: الأرض المحصود ذرعها، وقال أبو حنيفة في كتاب النبات: الصريمة: جماعة من العصي، وكذا من الأرطى.
قوله: "خلق" أي: بالٍ، يقال: ملحفة خلق وثوب خلق، فيستوي فيه المذكر والمؤنث, قوله: "عافٍ" أي: دارس؛ من عفى المنزل يعفو إذا درس، يتعدى ولا يتعدى، وقال أبو عبيد: العفاء الدروس والهلاك.
قوله: "إلا النؤي" بضم النون وسكون الهمزة [وفي آخره ياء] (٣) وهي حفرة تكون حول
стр. 1054
الخباء لئلا يدخله ماء المطر، ويجمع على: نُؤِيّ -بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء، ونِئِيّ مثله إلا أنه بكسر النون، وأناء [بعد قرب] (١)، [ويقدمون الهمزة] (٢)، ويقولون: آناء على القلب، فيكون وزنه أعْفال.
الإعراب:
قوله: "وبالصريمة" الواو للعطف والباء للظرف؛ أي: في الصريمة، وهو في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ المؤخر، وهو قوله: "منزل", قوله: "منهم": جار ومجرور في محل النصب على الحال من منزل، والتقدير: حال كونه متخلقًا منهم فيكون المتعلق محذوفًا، وقد قيل: إنه متعلق بقوله: "تغير" وفيه بعد, قوله: "خلق" بالرفع صفة للمنزل، وكذا قوله: "عافٍ": صفة أخرى, قوله: "تغير": جملة في محل الرفع صفة أخرى للمنزل.
قوله: "إلا النؤي": استثناء من الضمير المستتر الذي في "تغير" على طريق الإبدال، مع أن تغير موجب فلا يجوز الإبدال في الموجب، فلا يقال: قام القوم إلا زيد بالرفع على الإبدال.
وإنما جاز هاهنا نظرًا إلى معنى "تغير"؛ لأن معناه: لم يبق على حاله، فهو وإن كان موجبًا لفظا ولكنه منفي معنًى، وإذا تقدم النفي لفظًا أو معنًى يختار الإبدال؛ كما في قولك: ما قام أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا زيد، هذا مثال اللفظي، والمعنوي ما ذكرناه في البيت.
والاستشهاد فيه: وهو ظاهر (٣).
الشاهد السادس والستون بعد الأربعمائة (٤) , (٥)
لِدَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ … أَقْرَبُوهُ إلا الصَّبَا والدَّبُورُ
أقول: [هذا من المديد] (٦)، واحتج به ابن كيسان في المهذب ولم يعزه إلى قائله، وفي روايته:
مِنْ دَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ … أقْرَبُوهُ إلا الصَّبَا وَالجبُوبُ
стр. 1055
ثم قال: الجبوب: وجه الأرض، وقال الجوهري: الجبُوبُ: الأرض الغليظة، ويقال: وجه الأرض ولا يجمع (١)، قلت: هو بفتح الجيم وضم الباء الموحدة وما بعدها واو ساكنة وياء أخرى، [قوله: "لدم ضائع" أي: هالك] (٢) قوله: "أقربوه" أصله: أقربون له سقطت النون للإضافة وكذا لام الجر, قوله: "إلا الصبا" وهي الريح الشرقية، ويقال لها: القبول، وهي تهبُّ من شرق الاستواء، وهو مطلع الشمس في زمن الاعتدال، والدبور -بفتح الدال مقابلها، وهي الريح الغربية؛ فإنها تهب من مغرب الشمس.
الإعراب:
قوله: "لدم" اللام للتعليل، و"ضائع": صفة الدم, قوله: "تغيب" فعل ماض، و"أقربوه": فاعله، وقوله: "عنه": جار ومجرور متعلق بتغيب, قوله: "إلا الصبا": استثناء من "تغيب عنه أقربوه" على طريق الإبدال مع أن تغيب موجب، فلا يجوز الإبدال في الموجب، ولكن لما كان معنى تغيب لم يحضر فحينئذ كان منفيًّا، وإذا تقدم [النفي] (٣) لفظًا أو معنًى جاز الإبدال، وهذا موضع الاستشهاد وهو ظاهر (٤).
ويقال: يلزم من هذا اجتماع أمرين: حمل المثبت على المنفي بضرب من التأويل والإبدال في المنقطع؛ لأنه ليس من جنس الأقربين؛ ألا ترى أن أقربوه جمع لمن يعقل، ويقال: "إلَّا" هاهنا صفة للضمير، وفيه نظر، قال ابن هشام: والحق أن الاسمين مبتدأ ومعطوف، والخبر محذوف.
وقال ابن مالك: إلا هاهنا بمعنى لكن، والتقدير: لكن الصبا والدبور لم يتغيبا عنه، وذلك كما في قوله ﷺ (٥): "كل أمتي معافى إلا المجاهرون بالمعاصي" أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، وبمثل هذا تأوَّل الفراء قراءة بعضهم: (فشربوا منه إلا قليل منهم)، [أي: إلا قليل منهم] (٦)، لم يشربوا (٧).