الشاهد الثالث والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
عَلَفْتُهَا تِبْنًا وماءً باردًا … حتى شتتْ همّالةً عيْنَاهَا
أقول: هذا رجز مشهور بين القوم، ولم أر أحدًا عزاه إلى راجزه.
والضمير المنصوب في "علفتها" يرجع إلى الدابة التي يريدها الراجز, قوله: "حتى شتت" ويروى: حتى بدت، ومعناهما واحد, قوله: "همالة": من هملت العين إذا همرت، يعني: صبت دمعها.
الإعراب:
قوله: "علفتها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله: "تبنًا": مفعول ثان "وماء": عطف عليه، و "باردًا" صفته, قوله: "حتى": للغاية، والمعنى إلى أن شتت، و"شتت": فعل ماض، و"عيناها": كلام إضافي فاعله، و "همالة" نصب على التمييز (٣).
الاستشهاد فيه:
في عطف الماء على التبن فلا يصح أن يقال: الواو (٤) في قوله: "وماء" للمعية والمصاحبة؛ لانعدام معنى المصاحبة، ولا يشارك قوله: "وماء" فيما قبله، فتعين أن ينتصب بفعل مضمر يدل عليه سياق الكلام، وهو أن يقال: التقدير: علفتها تبنًا وسقيتها ماء.
وقال ابن عصفور: إنهم ذهبوا إلى أن الاسم الذي بعد الواو معطوف على الاسم الذي قبلها ويكون العامل [في الاسم] (٥) الذي قبل الواو قد ضمن في ذلك معنى يتسلط على الاسمين، فيتضمن علفتها معنى أطعمتها؛ لأنه إذا علفها تبنًا فقد أطعمها، وكأنه قال: أطعمتها تبنًا وماء، ويقال: أطعمته ماء، قال اللَّه : ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] (٦).
стр. 1052
الشاهد الرابع والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
فَكُونُوا أنتُمُ وبني أبيكم … مكان الكُلْيَتيْنِ من الطِّحَالِ
أقول: احتج به الزمخشري وغيره ولم ينسبه أحد منهم إلى قائله (٣)، وهو من الوافر.
[قوله: "] (٤) وبني أبيكم" أراد بهم الأخوة، والمعنى: كونوا أنتم مع إخوتكم متوافقين متصلين اتصال بعضكم ببعض كاتصال الكليتين وقربهما من الطحال، وأراد الشاعر بهذا الحث على الائتلاف والتقارب في المذهب، وضرب لهم مثلًا بقرب [الكليتين] (٥) من الطحال.
الإعراب:
قوله: "فكونوا" الفاء للعطف على ما قبله إن تقدمه شيء أو لتزيين الكلام مع إقامة الوزن، "وكونوا" من كان الناقصة، واسمه هو الضمير المستتر فيه وهو أنتم، و"أنتم" (٦) الظاهر تأكيد أكد به الضمير المتصل المستتر, قوله: "وبني أبيكم": كلام إضافي بمعنى مع، وقوله: "مكان الكليتين": كلام إضافي منصوب، لأنه خبر كان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وبني أبيكم" فإن فيه وجهين:
الأول: النصب على أن يكون مفعولًا معه، والواو بمعنى مع، والعامل فيه [الفعل] الظاهر (٧) وهو الراجح.
والثاني: الرفع على أن يكون عطفًا على أنتم، وهو ضعيف لضعف العطف من جهة المعنى.
والله أعلم (٨).
стр. 1053
شواهد الاستثناء
الشاهد الخامس والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
وبالصّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلقٌ … عافٍ تَغَيَّرَ إلا النُّؤْيُ والوَتَدُ
أقول: قائله هو الأخطل غوث بن غياث.
وهو من البسيط.
قوله: "وبالصريمة" بفتح الصاد المهملة وكسر الراء وبعدها ياء آخر الحروف ساكنة وميم وهاء، وهي ما اسم موضع، والصريمة في الأصل: كل رملة انصرمت من معظم الرمل، ويقال: أفعى صريمة، والصريمة: الأرض المحصود ذرعها، وقال أبو حنيفة في كتاب النبات: الصريمة: جماعة من العصي، وكذا من الأرطى.
قوله: "خلق" أي: بالٍ، يقال: ملحفة خلق وثوب خلق، فيستوي فيه المذكر والمؤنث, قوله: "عافٍ" أي: دارس؛ من عفى المنزل يعفو إذا درس، يتعدى ولا يتعدى، وقال أبو عبيد: العفاء الدروس والهلاك.
قوله: "إلا النؤي" بضم النون وسكون الهمزة [وفي آخره ياء] (٣) وهي حفرة تكون حول
стр. 1054
الخباء لئلا يدخله ماء المطر، ويجمع على: نُؤِيّ -بضم النون وكسر الهمزة وتشديد الياء، ونِئِيّ مثله إلا أنه بكسر النون، وأناء [بعد قرب] (١)، [ويقدمون الهمزة] (٢)، ويقولون: آناء على القلب، فيكون وزنه أعْفال.
الإعراب:
قوله: "وبالصريمة" الواو للعطف والباء للظرف؛ أي: في الصريمة، وهو في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ المؤخر، وهو قوله: "منزل", قوله: "منهم": جار ومجرور في محل النصب على الحال من منزل، والتقدير: حال كونه متخلقًا منهم فيكون المتعلق محذوفًا، وقد قيل: إنه متعلق بقوله: "تغير" وفيه بعد, قوله: "خلق" بالرفع صفة للمنزل، وكذا قوله: "عافٍ": صفة أخرى, قوله: "تغير": جملة في محل الرفع صفة أخرى للمنزل.
قوله: "إلا النؤي": استثناء من الضمير المستتر الذي في "تغير" على طريق الإبدال، مع أن تغير موجب فلا يجوز الإبدال في الموجب، فلا يقال: قام القوم إلا زيد بالرفع على الإبدال.
وإنما جاز هاهنا نظرًا إلى معنى "تغير"؛ لأن معناه: لم يبق على حاله، فهو وإن كان موجبًا لفظا ولكنه منفي معنًى، وإذا تقدم النفي لفظًا أو معنًى يختار الإبدال؛ كما في قولك: ما قام أحد إلا زيد، وما مررت بأحد إلا زيد، هذا مثال اللفظي، والمعنوي ما ذكرناه في البيت.
والاستشهاد فيه: وهو ظاهر (٣).
الشاهد السادس والستون بعد الأربعمائة (٤) , (٥)
لِدَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ … أَقْرَبُوهُ إلا الصَّبَا والدَّبُورُ
أقول: [هذا من المديد] (٦)، واحتج به ابن كيسان في المهذب ولم يعزه إلى قائله، وفي روايته:
مِنْ دَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ … أقْرَبُوهُ إلا الصَّبَا وَالجبُوبُ
стр. 1055
ثم قال: الجبوب: وجه الأرض، وقال الجوهري: الجبُوبُ: الأرض الغليظة، ويقال: وجه الأرض ولا يجمع (١)، قلت: هو بفتح الجيم وضم الباء الموحدة وما بعدها واو ساكنة وياء أخرى، [قوله: "لدم ضائع" أي: هالك] (٢) قوله: "أقربوه" أصله: أقربون له سقطت النون للإضافة وكذا لام الجر, قوله: "إلا الصبا" وهي الريح الشرقية، ويقال لها: القبول، وهي تهبُّ من شرق الاستواء، وهو مطلع الشمس في زمن الاعتدال، والدبور -بفتح الدال مقابلها، وهي الريح الغربية؛ فإنها تهب من مغرب الشمس.
الإعراب:
قوله: "لدم" اللام للتعليل، و"ضائع": صفة الدم, قوله: "تغيب" فعل ماض، و"أقربوه": فاعله، وقوله: "عنه": جار ومجرور متعلق بتغيب, قوله: "إلا الصبا": استثناء من "تغيب عنه أقربوه" على طريق الإبدال مع أن تغيب موجب، فلا يجوز الإبدال في الموجب، ولكن لما كان معنى تغيب لم يحضر فحينئذ كان منفيًّا، وإذا تقدم [النفي] (٣) لفظًا أو معنًى جاز الإبدال، وهذا موضع الاستشهاد وهو ظاهر (٤).
ويقال: يلزم من هذا اجتماع أمرين: حمل المثبت على المنفي بضرب من التأويل والإبدال في المنقطع؛ لأنه ليس من جنس الأقربين؛ ألا ترى أن أقربوه جمع لمن يعقل، ويقال: "إلَّا" هاهنا صفة للضمير، وفيه نظر، قال ابن هشام: والحق أن الاسمين مبتدأ ومعطوف، والخبر محذوف.
وقال ابن مالك: إلا هاهنا بمعنى لكن، والتقدير: لكن الصبا والدبور لم يتغيبا عنه، وذلك كما في قوله ﷺ (٥): "كل أمتي معافى إلا المجاهرون بالمعاصي" أي: لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون، وبمثل هذا تأوَّل الفراء قراءة بعضهم: (فشربوا منه إلا قليل منهم)، [أي: إلا قليل منهم] (٦)، لم يشربوا (٧).
стр. 1056
الشاهد السابع والستون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
وبَلْدَةٍ ليسَ بها أَنِيسُ … إلَّا اليَعَافِيرُ وإلَّا العيسُ
أقول: قائله هو جران العود، واسمه العامر بن الحرث (٣)، وهو من قصيدة مرجزة، وأولها هو قوله:
١ - قَدْ نَدَعُ المنزِلَ يَا لمِيسُ … يعشى فِيهِ السَّبْعُ الجَرُوسُ
٢ - الذِّيبُ أوْ ذُو لِبَدٍ هَمُوسُ … وبَلْدَةً لَيسَ بِهَا أنِيسُ
[ويروى] (٤).
١ - بَسَابسًا لَيسَ بِهَا أنِيسُ … إلَّا اليَعَافِيرُ وإلَّا الْعِيسُ
٢ - وبَقَرٌ مُلَمَّعٌ كَنُوسُ … مكَأَنَّمَا هُن الجَوَارِي المِيسُ
١ - قوله: "يا لميس" نداء للمرأة، [قوله: "] (٥) يعيس" يعني: يطلب ما يأكل، و "الجروس" بفتح الجيم؛ من الجرس وهو الصوت الخفي.
٢ - قوله: "أو ذو لبد" بكسر اللام وفتح الباء الموحدة، جمع لبدة، وأراد به: الأسد، و"اللبدة": ما بين كتفيه من الوبر, قوله: "هموس" أي: خفيف الوطء.
١ - قوله: "بسابسًا": جمع بسبس وهو القفر, قوله: "أنيس" أي: مؤانس، قال الجوهري: الأنيس: المؤانس وكل ما يؤنس به، وما بالدار أنيس، أي: أحد (٦).
و"اليعافير" بفتح الياء آخر الحروف والعين المهملة وبعد الألف فاء؛ جمع يعفور وهو الخِشْفُ وولد البقرة الوحشية -أيضًا-، وقال بعضهم: اليعافير: تيوس الطاء، و"العيس": بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، وهي الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة، واحدها: أعيس، والأنثى: عيساء.
стр. 1057
٢ - قوله: "ملمع" يعني: فيها لمع بياض وسواد, قوله: "كنوس" يعني: داخلة في كنسها، وهو موضعها من الشجر (١) تكتن فيه وتستتر, قوله: "الميس" بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف، وهو جمع ميساء، من الميس بفتح الميم، وهو التبختر في المشي.
الإعراب:
قوله: "وبلدة" الواو فيه واو رب، "وبلدة": مجرور بها, قوله: "ليس": من الأفعال الناقصة، و "أنيس": اسمه، و"بها": مقدمًا خبره، أي: ليس أنيس كائن فيها, قوله: "إلا اليعافير": استثناء من قوله: "أنيس" على وجه الإبدال مع أنه استثناء منقطع، وذلك في لغة بني تميم؛ فإنهم يجيزون: ما فيها أحد إلا حمار، وأما أهل الحجاز فإنهم يوجبون النصب، قوله: "وإلا العيس" عطف على "إلا اليعافير".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إلا اليعافير وإلا العيس" وقد قررناه، والله أعلم.
الشاهد الثامن والستون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
عَشِيَّةَ لا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا … ولَا النَّبلُ إلا المَشْرَفِيُّ المُصَمِّمُ
أقول: قائله هو ضرار بن الآزور المالكي (٤) من بني رواد بن عمرو بن مالك، وقبله:
١ - أُجَاهِدُ إذْ كَانَ الجِهَادُ غَنِيمَةً … وَللهُ بِالْعَبدِ المُجَاهِدِ أعْلَمُ
стр. 1058
وهما من الطويل.
قوله: "ولا النبل" أي: السهام، قوله: "إلا المشرفي "بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وكسر الفاء وتشديد الياء، أي: السيف المشرفي، قال أبو عبيد: المشرفية: سيوف تنسب إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، يقال: سيف مشرفي، ولا يقال: مشارفي؛ لأن الجمع لا ينسب إليه إذا كان على هذا الوزن؛ لا يقال: مهالبي ولا جعافري ولا عباقري (١)، قوله: "المصمم": من صمم السيف إذا مضى في العظم يقطعه، وأما إذا أصاب المفصل فقطعه، يقال: طبق، قال الشاعر يصف سيفًا (٢):
يُصَمِّمُ أَحْيَانًا وحِينًا يُطَبِّقُ … ............................
الإعراب:
قوله: "عشية": نصب على الظرف، والعامل فيه "أجاهد" في البيت السابق، "لا تغني الرماح": جملة من الفعل والفاعل [في محل الجر بالإضافة] (٣) , قوله: "مكانها": نصب على الظرف، أي: مكان الحرب، يدل عليه لفظ الجهاد؛ لأنه لا يكون إلا بمكان الحرب.
قوله: "ولا النبل" بالرفع عطف على الرماح؛ أي: ولا تغني النبل -أيضًا-؛ لأن الحرب إذا كانت بالليل لا تغني الرماح ولا النبال، ولا تغني [إلا] (٤) السيوف لاختلاط القوم ومواجهة بعضهم بعضًا، قوله: "إلا المشرفي": استثناء منقطع على طريق البدل على لغة بني تميم، وهو موضع الاستشهاد، وقوله: "المصمم" بالرفع صفة المشرفي، فافهم (٥).
الشاهد التاسع والستون بعد الأربعمائة (٦) , (٧)
وبنْتَ كَريمٍ قد نَكحْنَا ولم يكن … لنَا خاطِبٌ إلا السِّنَانُ وَعامِلُهُ
أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب (٨).
стр. 1059
وهو من الطويل.
قوله: "إلا السنان" بكسر السين المهملة بعدها نون وبعد الألف نون أخرى، وهو سنان الرمح, قوله: "وعامله" أي: وعامل الرمح وهو ما يلي السنان وهو دون الثعلب، والثعلب: طرف الرمح الداخل في جبة السنان.
الإعراب:
قوله: "وبنت كريم": كلام إضافي منصوب بفعل مقدر يفسره الظاهر، تقديره: قد نكحنا بنت كريم, قوله: "ولم يكن" الواو للحال، واسم يكن هو قوله: "خاطب"، وخبره قوله: "لنا"، قوله: "إلا السنان" بالرفع استثناء منقطع على طريق البدل من قوله: "خاطب" وهو على لغة تميم، وفيه الاستشهاد، وقوله: "وعامله": كلام إضافي مرفوع عطف على السنان فافهم (١).
الشاهد السبعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
وما لِيَ إلا آلَ أحْمَدَ شِيعةٌ … وما لِيَ إلا مَذْهَبَ الحقِّ مَذْهَبُ
أقول: قائله هو الكميت بن زيد الأسدي شاعر إسلامي، وهو الكميت الأصغر، والكميت الأوسط هو الكميت بن معروف، والكميت الأكبر هو الكميت بن ثعلبة، وهو جد الكميت ابن معروف، والكميت الأصغر هو أكثرهم شعرًا وآخرهم.
والبيت المذكور من قصيدة بائية يمدح بها بني هاشم وأولها هو قوله (٤):
١ - طَرِبْتُ ومَا شَوْقًا إلَى البِيضِ أَطْرَبُ … وَلَا لَعِبًا مِنِّي وَذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
٢ - ولَمْ تُلْهِنِي دَارٌ وَلَا رَبْعُ مَنْزِلٍ … وَلَمْ يَتَطَرَّبْنِي بَنَانٌ مُخَضَّبُ
стр. 1060
٣ - ولَا السَّانِحَاتُ البَارِحَاتُ عَشِيَّةً … أَمَرَّ سَلِيمُ القَرْن أَمْ مَرَّ أَغْضَبُ
٤ - ولكِنْ إِلَى أَهْل الفَضَائِلِ وَالنُّهَى … وخَيرِ بَنِي حَوَّاءَ والخَيَرُ يُطْلَبُ
٥ - إلَى النَّفَرِ البيضِ الذِينَ بحُبِّهِمْ … إلَى الله فِيمَا نَابَنِي أتَقَرَّبُ
٦ - بنِي هَاشِمٍ رَهْطِ النَّبي فَإنَّنِي … بِهِمْ وَلَهُمْ أَرْضَى مِرَارًا وأَغْضَبُ
٧ - خَفَضْتُ لَهُمْ مِنِّي جَنَاحَ مَوَدَّتي … إلَي كَنَفٍ عِطْفَاهُ أَهْل وَمَرْحَبُ
٨ - وما لِيَ إلا آلَ أحْمَدَ شِيعةٌ … وما لِيَ إلَّا مَذْهَبَ الحقِّ مَذْهَبُ (١)
٩ - إلَيكُمْ ذَوي آلِ النَّبِيّ تَطَلَّعَتْ … نَوَازِعُ مِنْ قَلْبي ظِمَاءٌ وأَلْبُبُ
١٠ - بأيِّ كِتَاب أمْ بأيةِ سُنّةٍ … تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسِبُ
١١ - يُشيرُونَ بالأَيْدِي إلَيَّ وقَوْلُهُمُ … ألَا خَابَ هَذَا والمُشِيرُونَ أَخْيَبُ
١٢ - وجَدْنَا لَكُمْ في آلِ حاميم آيَةً … تَأَوَّلَهَا مِنَّا تَقِيٌّ وَمُعْرِبُ
١٣ - عَلَى أَيِّ جُرْمٍ أمْ بِأَيَّةِ سِيرَةٍ … أُعَنَّفُ في تَقْرِيظِهِمْ وَأُكُذَّبُ
١٤ - أُنَاسٌ بِهِمْ عَزَّتْ قُرَيْشٌ فأصْبَحَتْ … وفِيهِمْ خِبَاءُ المُكْرَمَاتُ المُطَنَّبُ
١٥ - أُولَئكَ إنْ شَطَّتْ بِهِمْ غُرْبةٌ النَّوى … أمَانِي نَفْسِي والهَوَى حَيثُ يَقْرُبُ
١٦ - مَضَوْا سَلَفًا لا بُدَّ أنَّ طَرِيقَنَا … إلَيهِمْ فَعَادٍ نحْوَهُمْ مُتَأَوِّبُ
١٧ - فيَا مُوقِدًا نَارًا لِغَيركَ ضَوْؤُهَا … ويَا حَاطِبًا في حَبلِ غَيرِكَ تَحْطِبُ
وهي من الطويل.
١ - قوله: "إلى البيض" بكسر الباء؛ جمع أبيض وهو السيف، [قوله: "] (٢)، وذو الشيب يلعب": جملة اسمية وقعت حالًا.
٢ - قوله: "ولم تلهني" أي: ولم تشغلني.
٣ - قوله: "ولا السانحات": جمع سانح بالنون، وهو ما ولَّاك ميامنه من ظبي أو طائر أو غيرهما، تقول: سنح لي الطي يسنح سنوحًا إذا مرَّ من مياسرك إلى ميامنك، و"البارحات": جمع بارح؛ من برح الظبي بالفتح بروحًا إذا ولاك مياسره، ومرَّ من ميامنك إلى مياسرك، والعرب تتطير بالبارح وتتفاءل بالسانح؛ لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف, قوله: "أم مرَّ أعضب" بالعين المهملة والضاد المعجمة، وهو المكسور القرن الداخل.
стр. 1061
٨ - قوله: "وما لي إلا آل أحمد شيعة" أي: ما لي أعوان وأنصار غير آل محمد ﷺ ، قوله: "وما لي إلا مذهب الحق مذهب" أي: ما لي طريق إلا طريق الحق، ويروى: وما لي إلا مشعب الحق مشعب، ومشعب الحق -بفتح الميم: طريقه.
الإعراب:
قوله: "وما لي" الواو للعطف وكلمة ما بمعنى ليس، واسمه هو قوله: "شيعة"، وخبره هو قوله: "لي" وكلمة إلا للاستثناء، و "آل أحمد": كلام إضافي منصوب بإلا لتقدمه على المستثنى منه.
وكان قبل تقدمه يجوز فيه الوجهان: النصب والبدل؛ فالبدل هو المختار، والنصب على أصل الباب، فلما قدم امتنع البدل الذي هو الوجه الراجح؛ لأن البدل لا يتقدم المبدل منه من حيث كان من التوابع كالنعت والتوكيد، فتعين النصب الذي هو مرجوح لأجل الضرورة, قوله:
"وما لي إلا مذهب الحق مذهب" الكلام فيه كالكلام في الشطر الأول سواء.
الاستشهاد فيه:
ظاهر، وهو وجوب النصب عند تقدم المستثنى (١).
الشاهد الحادي والسبعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
لِأنَّهُمْ يَرْجُونَ منهُ شَفَاعَةً … إِذَا لَمْ يَكُنْ إلا النَّبِيُّونَ شافِعُ
أقول: قائله هو حسان بن ثابت الأنصاري ﵁.
وهو من الطويل. المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "لأنهم" اللام للتعليل، وأن: حرف من الحروت المشبهة بالفعل وهو اسمه، و"يرجون":
стр. 1062
جملة من الفعل والفاعل خبره، والضمير في "منه" يرجع إلى النبي ﷺ وهو يتعلق (١) بيرجون.
قوله: "شفاعة" بالنصب مفعول يرجون، وكلمة "إذا" للظرف، و "لم يكن": من كان التامة، أي: إذا لم يوجد إلا النبيون شافع، وكلمة إلا للاستثناء، و"النبيون" بالرفع على تفريغ العامل له.
وقوله: "شافع": بدل كل، فلذلك ارتفع على أن المستثنى مقدم على المستثنى منه، وكان النصب فيه واجبًا لما قلنا في البيت السابق، ولكنه ورد عن العرب، وحكى يونس أنهم يقولون: ما لي إلا أبوك ناصر، وأجابوا عن هذا بأن الاستثناء في البيت مفرغ لما ذكرنا.
والاستشهاد فيه:
على رفع المستثنى المقدم على المستثنى منه كما ذكرنا (٢).
الشاهد الثاني والسبعون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
هل الدَّهْرُ إلّا لَيْلَةٌ وَنَهارُهَا … وإلَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ ثُمَّ غَيَارُهَا
أقول: قائله هو أبو ذؤيب واسمه خويلد بن خالد الهذلي، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وتوفي في خلافة عثمان [﵁] (٥).
وهو من قصيدة طويلة من الطويل يرثي بها أبو ذؤيب نشبة بن محرث أحد بني مؤمل بن خطط بن زيد بن قرد بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل، والبيت المذكور أولها، وبعده هو قوله (٦):
٢ - أبَى القَلْبُ إلَّا أُمَّ عَمْرٍو وَأصْبَحَتْ … تُحَرَّقُ نَارِي بالشَّكَاةِ ونَارُهَا
٣ - وعَيَّرَهَا الوَاشُونَ أَنِّي مُحِبُّهَا … وتِلكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنكَ عَارُهَا
стр. 1063
٤ - فلَا يهنئ الوَاشُينَ أنْ قَدْ هَجَرْتُهَا … وأَظلَمَ دُونِي لَيْلُهَا ونَهَارُهَا
٥ - فإنْ أعْتَذِرْ مِنهَا فَإنِي مُكَذِّبٌ … وإنْ تَعتَذِرْ يُردَدْ عَلَيهَا اعْتِذَارُهَا
٦ - فَمَا أُمُّ خَشْفٍ بالعَلايَةِ فَارِدٌ … تَنُوشُ البَرِيرَ حَيثُ نَال اهْتِصَارُهَا
٢ - قوله: "تحرق" أي: توقد، قوله: "بالشكاة" بفتح الشين، وهي النميمة والكلام القبيح.
٦ - قوله: "بالعلابة" بفتح العين المهملة وبعد اللام [ألف ثم] (١) باء أخرى (٢)، وهو اسم موضع، قوله: "فارد" بالفاء، يقال: ظبية فارد: انقطعت عن القطيع، وهو من قبيل حائض وطامث، وارتفاعه على أنه خبر لأم خشف وهي الظبية، و"الخشف" بكسر الخاء المعجمة، ولدها، ويروى:
فَمَا أُمُّ خَشْفٍ بالعَلايَةِ شَادِنٌ … ................................
من شدن الطي إذا توي، قوله: "تنوش" أي: تتناول؛ من النوش وهو التناول, قوله: "البرير" بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الأولى، وهو ثمر الأراك كله ما أدرك منه وما لم يدرك، فما أدرك منه فهو مرد، وما لم يدرك فهو كباث (٣).
قوله: "اهتصارها" أي: جذبها، يقال: اهتصر فلان فلانًا إذا أخذه بشعره فجره ومده، وهصر العود إذا مده وكسره، ومنه سمي الرجل مهاصرًا.
الإعراب:
قوله: "هل": بمعنى ما النافية، و "الدهر": مرفوع بالابتداء، و"ليلة" خبره، والاستثناء مفرغ، قوله: "ونهارها" كلام إضافي مرفوع لأنه عطف على ليلة، قوله: "وإلا طلوع الشمس" بالرفع عطفًا على ما قبله، ولا عمل للاستثناء بل "إلا" هاهنا لمجرد التوكيد، وهو محل الاستشهاد (٤) , قوله: "ثم غيارها" بالرفع عطف على قوله: "طلوع الشمس" وهو بكسر الغين المعجمة وبالياء آخر الحروف، ويقال: غارت الشمس تغور غيارًا أي: غربت.
стр. 1064
الشاهد الثالث والسبعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
مَا لكَ مِنْ شَيْخِكَ إلا عملهُ … إلا رَسِيمُهُ وإلَّا رَمَلُهُ
أقول: قائله هو راجز من الرجاز، لم أقف على اسمه.
قوله: "رسيمه" بفتح الراء وكسر السين المهملة بعدها ياء آخر الحروف وفي آخره ميم، وهو في الأصل ضرب من سير الإبل، وهو فوق الذميل، وقد رسم يرسم من باب ضرب يضرب رسيمًا، ولا يقال أرسَم, قوله: "رمله" بفتحتين وهو الهرولة ورملت بين المحظ والمروة رملًا ورملانًا.
الإعراب:
قوله: "ما لك": كلمة ما للنفي وانتقض عملها بإلا، وقد تكررت إلا في هذا البيت للتوكيد، ولا عمل لها بل الذي بعدها تابع للذي قبلها إلا أن هاهنا تابعين.
أحدهما: بدل وهو رسميه، فإن الرسيم هو نوع من السير كما ذكرنا وهو نفس العمل.
والثاني: معطوف بالواو وهو رمله وهو نوع آخر من السير، وقال النحاس: رسيمه ورمله تفسير لعمله (٣).
الاستشهاد فيه:
على أن: "إلا" المكررة فيه زائدة مؤكدة للتي قبلها، ودخولها كخروجها، ولا تعمل شيئًا فيما تدخل عليه، واعلم أن في هذا البيت دليلًا على أن الواو لا تفيد الترتيب؛ لأن الطواف مقدم على السعي فافهم (٤).
стр. 1065
الشاهد الرابع والسبعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
لم أُلْفِ في الدَّارِ ذَا نُطْقٍ سِوَى طَلَلٍ … قَدْ كادَ يَعْفُو ومَا بالعَهْدِ مِن قِدَمِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
قوله: "لم أُلف" بضم الهمزة وسكون اللام وبالفاء، أي: لم أجد، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: وجداه، و"الطلل" بفتحتين؛ ما شخص من آثار الدار، وأراد بالدار منزل القوم, قوله: "يعفو" أي: يدرس؛ من عَفَى يعفُو عُفُوًّا بتشديد الواو، وقال ابن فارس: عفت الدار إذا غطاها الترابُ (٣).
الإعراب:
قوله: "لم ألف": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "ذا نطق": كلام إضافي مفعوله، وأراد: لم أجد في الدار أحدًا سوى الآثار، وقوله: "سوى طلل": استثناء منقطع.
قوله: "قد كاد يعفو" أي: [قد] (٤) قرب اندراسه، والجملة موضعها النصب على الحال، واسم كاد فيه مستتر، وخبره قوله: "يعفو"، "وما بالعهد من قدم" كلمة ما نافية بمعنى ليس، وقوله: "من قدم": اسمه، "ومن" زائدة، "وبالعهد": خبره، والمعنى: ليس زمان قديم بعهد الدار، والجملة -أيضًا- في محل النصب على الحال (٥).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "سوى طلل" فإنه دل على أن سوى يستثنى بها في المنقطع (٦).
الشاهد الخامس والسبعون بعد الأربعمائة (٧) , (٨)
أصابهُمُ بلاءٌ كانَ فيهمْ … سِوى مَا قَدْ أصاب بَنِي النَّضِيرِ
أقول: قائله هو حسان بن ثابت الأنصاري ﵁.
стр. 1066
وهو من قصيدة من الوافر، وأولها هو قوله (١):
١ - لقد لَقيَتْ قُرَيْظَةُ ما سآها … ومَا وَجَدَتْ لذلك مِنْ نَصِيرِ
٢ - أصابهُمُ .............. … ......................... إلخ
٣ - غَدَاةَ أَتَاهُمُ يَهْوي إليهِمْ … رَسُولُ الله كالقمَرِ المُنِيرِ
٤ - لهُ خَيْلٌ مُجَنَّبَةٌ تَعَادَى … بفُرْسَانٍ عَلَيهَا كالصُّقُورِ
٥ - تركناهم وما ظَفِرُوا بشيءٍ … دمَاؤُهُمُ عليهِمْ كالعَبِيرِ
٦ - فهُمْ صَرْعَى تَحُومُ الطَّيرُ فيهمْ … كذاكَ يُدانَ ذُو الفَنْدِ الفَجُورِ
٧ - فأُنْذِرُ مِثْلَهَا نُصْحًا قُرَيْشًا … مِنَ الرحْمَنِ إنْ قَبِلَتْ نذِيرِي
٢ - قوله: "بني النضير" بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، وهي حيٌّ من يهود خيبر وقد دخلوا في العرب وهم على نسبهم إلى هارون أخي موسى ﵇؛ هكذا قاله الجوهري (٢)، وقال الرشاطي: قال ابن إسحاق: قريظة والنضير والنحام وهو الهذل بنو الخزرج بن الصريح بن الشَّومان بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاد بن خيبر بن النحام بن ينحوم بن عازر بن عزراء بن هارون بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن - صلوات اللَّه عليهم وسلامه -.
الإعراب:
قوله: "أصابهم بلاء": جملة من الفعل والمفعول والفاعل وهو قوله: "بلاء"، والضمير يرجع إلى قريظة في البيت السابق, قوله: "كان فيهم" جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوله "بلاء", قوله: "سوى ما قد أصاب" استثناء مما قبله، وسوى أضيف إلى ما، وما موصولة "وقد أصاب": جملة وقعت صلة للموصول، و"بني النضير": كلام إضافي مفعول أصاب.
الاستشهاد فيه:
على أن "سوى" يوصف بها، وأنه لا يلزم الظرفية، خلافًا للأكثرين (٣).
стр. 1067
الشاهد السادس والسبعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
ولمْ يَبْقَ سِوَى العُدْوَا … نِ دِنَّاهم كما دانُوا
أقول: قائله هو الفند الزماني (٣)، واسمه شهل بن شيبان، وليس في العرب شهل بالشين المعجمة غيره، وهو من قصيدة نونية قالها في حرب البسوس، وأولها هو قوله (٤):
١ - صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ … وَقُلنَا القَوْمُ إخْوَانُ
٢ - عَسَى الأيَّامُ أنْ يَرْجِعْـ … نَ قَوْمًا كالذِي كَانُوا
٣ - فَلَمَّا صَرَّحَ الشَّرَّ … فَأَمْسَى وَهُوَ غَرْثَانُ
٤ - ولَمْ يَبْقَ سِوَى العْدْوَا … نِ دِنَّاهُمْ كَمَا دَانُوا
٥ - شَدَدْنَا شَدَّةَ اللَّيْثِ … غَدَا واللَّيثُ غَضْبَانُ
٦ - بِضرْبٍ فِيهِ تَأثِيمٌ … وتَفجِيعْ وَإِرْنَانُ
٧ - وطَعْنِ كَفَمِ الزِّقِّ … غَذَا والزِّقُّ مِلآنُ
٨ - وبَعضُ الحِلْمِ عِندَ الحَرْ … بِ للذلَّةِ إدْهَانُ
٩ - وفِي الشَّرِّ نَجَاةٌ حِيـ … ـنَ لا يُنجِيكَ إِحْسَانُ
وهو من الهزج، وأصله: مفاعيلن ست مرات ولم يستعمل إلا مجزوءًا.
١ - قوله: "عن بني ذهل" ويروى عن بني هند، وهي هند بنت مر بن أد أخت تميم.
٢ - قوله: "كالذي كانوا": خبر كان محذوف، أي: كالذي كانوه، أي: كما كانوا عليه.
٣ - قوله: "فلما صرح الشر" صرح: يتعدى ولا يتعدى، يقال: صرّح الشيء إذا كشفه، وصرح هو إذا انكشف؛ كقولك: بيَّن الشيء، وبيَّن هو إذا تبين، وفعَّل بالتشديد بمعنى تفعل كثير نحو: وجه وتوجه، وقدم وتقدم، ونبه وتنبه، ونكب وتنكب، وقيل: معنى صرح خلص، شبهه باللبن الصريح، وهو الذي قد ذهبت رغوته, قوله: "وهو غرثان": من الغرث وهو الجوع، وقد غرث بالكسر يغرث فهو غرثان.
стр. 1068
٤ - قوله: "سوى العدوان" بضم العين، وهو الظلم الصريح؛ من عدى عليه وتعدى عليه واعتدى كله بمعنى, قوله: "دناهم" أي: جازيناهم من الدِّين بكسر الدال وهو المجازاة والمكافأة، يقال: دانه دينًا، أي: جازاه، يقال: كما تدين تدان، أي: كما تجازي تجازى، أي: تجازى بفعلك وبحسب عملك، و ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: لمجزيون محاسبون، ومنه: الديان في صفة الله تعالى.
٥ - قوله: "شددنا شدة الليث، ويروى:
مشينا مشية الليث … ..............................
والمعنى: مشينا إليهم مشية الأسد تبكر وهو جائع، وكنى عن الجوع بالغضب؛ لأنه يصحبه، قوله: "غدا" بالغين المعجمة، ويروى بالمهملة من العدوان.
٦ - وقوله: "وتفجيع" ويروى: وتخضيع؛ أي: تقطع, قوله: "وإرنان" بكسر الهمزة، وروى: وإقران، أي: إطاقة، وقيل: مواصلة لا فتور فيها، وقيل: إقران؛ أي: غلبة.
٧ - قوله: "غذا" بالغين والذال المعجمتين؛ أي: سال.
٨ - قوله: "وإدهان" ويروى: وإذعان؛ من أذعن بكذا أقرّ به.
الإعراب:
قوله: "فلما": بمعنى حين، و"صرَّح الشرَّ": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وهو الشر، قوله: "فأمسى" تامة, قوله: "وهو غرثان": جملة وقعت حالًا, قوله: "ولم يبق": عطف على قوله "صرح الشر فأمسى", قوله: "سوى العدوان": كلام إضافي في محل الرفع؛ لأنه فاعل "لم يبق", قوله: "دناهم": جواب لما، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول.
قوله: "كما دانوا" الكاف للتشبيه وما مصدرية، والجملة في محل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: دناهم دينًا كدينهم، أي: جازيناهم جزاء كجزائهم، ومفعول دانوا محذوف، أي: كما دانونا (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "سوى العدوان" فإن سوى هاهنا وقع فاعلًا؛ كما في قولهم: أتاني سواك، وهذا يدل على أنه لا يلازم الظرفية، ولكنهم قالوا: إنه لا يخرج عن النصب على الظرفية إلا في
стр. 1069
الشعر؛ كما في البيت المذكور؛ فإنه خرج عن الظرفية هاهنا، ووقع فاعلًا فافهم (١).
الشاهد السابع والسبعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
وإِذَا تُبَاعُ كَرِيمَةٌ أَوْ تُشْتَرَى … فَسِوَاكَ بَائِعُهَا وَأَنْتَ المُشْتَرِي
أقول: قائله هو ابن المولى وهو محمد بن عبد الله بن مسلم المدني (٤) يخاطب به يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب ويمدحه به، وهو وما بعده خمسة [أبيات] (٥) من الكامل، وهو قوله (٦):
٢ - وإذَا تَوَعَّرَتِ المَسَالِكُ لَمْ يَكُنْ … منْهَا السَّبِيلُ إِلَى نَدَاكَ بِأَوْعَرِ
٣ - وإذَا صَنَعتَ صَنِيعَةً أتْمَمْتَهَا … بِيَدَينِ ليس نَدَاهُمَا بِمُكَدَّرِ
٤ - وإذَا هَمَمتَ لِمُعْتَفِيكَ بِنَائِلٍ … قَال الندي فَأطَعْتَهُ لَكَ أَكثَرُ
٥ - يا وَاحِدَ العَرَبِ الذِي مَا إِنْ لَهُمْ … مِنْ مَذْهَب عَنْهُ ولا مِنْ مَقْصِرِ
قوله: "كريمة" أراد بها فعلة كريمة، أي: حسنة, قوله: "إلى نداك" بالنون؛ أي: عطتك، قوله: "لمعتفيك" أي: لسائليك، من الاعتفاء بالعين المهملة والفاء.
الإعراب:
قوله: "وإذا" للشرط، وجوابه قوله: "فسواك بائعها"، و"كريمة": مرفوعة بقوله: "تباع"؛ لأنه مفعول ناب عن الفاعل, قوله: "أو تشترى" عطف عليه، و "أو" هاهنا بمعنى الواو, قوله: "فسواك": مبتدأ، و "بائعها": خبره، وكذا قوله: "وأنت المشتري" مبتدأ وخبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فسواك" حيث وقع سوى هاهنا في محل الرفع على الابتداء وخرج عن النصب
стр. 1070
على الظرفية (١).
الشاهد الثامن والسبعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
ذِكْرُكَ اللهَ عِنْدَ ذِكرِ سِوَاهُ … صارَفٌ عَنْ فُؤَادِكَ الغَفَلاتِ
أقول: احتج به ابن مالك وغيره، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله (٤).
وهو من الخفيف وفيه الخبن.
قوله: "الغفلات": جمع غفلة؛ من غفل عن الشيء يغفل من باب نصر ينصر إذا (٥) ذهل عنه وتركه.
الإعراب:
قوله: "ذكرك الله": مصدر مضاف إلى فاعله، ولفظة: "الله": منصوب على المفعولية وهو مبتدأ وخبره قوله: "صارف", قوله: "عند ذكر" كلام إضافي، وعند نصب على الظرفية، وقوله: "سواه" في محل الجر؛ لأنه وقع صفة لذكر، وقوله: "عن فؤادك" يتعلق بصارف، وقوله: "الغفلات": مفعول صارف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "سواه" حيث خرج عن النصب على الظرفية ووقع مجرورًا؛ كما ذكرنا، فدل على أنه لا يلزم (٦) الظرفية خلافًا للأكثرين (٧).
стр. 1071
الشاهد التاسع والسبعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
ولا ينْطِقُ الفَحْشَاءَ مَنْ كَانَ مِنْهُمُ … إذا جلَسُوا مِنَّا ولا مِنْ سوائينا
أقول: قائله هو المرار بن سلامة العجلي (٣)، وهو من الطويل.
قوله: "الفحشاء" هي الفاحشة، وكل شيء جاوز حده فهو فاحش، من فحش يفحش بالضم فيهما فحشًا بضم الفاء.
الإعراب:
قوله: "ولا ينطق" الواو للعطف إن كان قبله شيء، وإلا فهي للاستفتاح، ولا ينطق مضارع منفي بلا.
وقوله: "الفحشاء": منصوب على إسقاط حرف الجر، أو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي: لا ينطق نطق الفحشاء، قال تعالى: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢].
وإن شئت جعلت الفحشاء مفعول: "ينطق" لا على حذف مضاف، ولا على حذف حرف الجر؛ لأن النطق بالفحشاء فحشاء (٤)، ويجوز أن يضمن ينطق معنى يذكر، ويكون المعنى: ولا يذكر الفحشاء.
قوله: "من كان منهم" "من" في محل الرفع لأنه فاعل: "لا ينطق"، وهي موصولة، وقوله: "كان منهم" صلته، واسم كان مستتر فيه، وخبره قوله: "منهم"، قوله: "إذا جلسوا" العامل في إذا ينطق.
قوله: "منا" يتعلق بمحذوف، في موضع الحال من هم في قوله: "منهم"، والعامل فيها هو العامل في صاحبها، والتقدير: ولا ينطق الفحشاء من كان منهم منا ولا من سوائنا إذا جلسوا، فقدم وأخَّر.
وقال النحاس: قال محمد بن الوليد (٥) في معنى هذا البيت: كأنه ذكر قومه فقال: لا ينطق
стр. 1072
الفحشاء من كان منهم منا ولا من كان منهم من سوائنا، أي: ليس فيهم أحد ينطق الفحشاء.
ومعنى: "منا" أي: من أجلنا، ومنا: يتعلق بإذا جلسوا، "وإذا جلسوا": يتعلق بينطق، فكأنه قال: ولا ينطق الفحشاء إذا جلسنا من أجلنا، ولا يحتمل أن يكون إذا جلسوا متعلقًا بمنا؛ لأنه يصير المعنى: إنهم لا يكونون منهم حتى يجلسوا، قوله: "ولا من سوائينا" أشبع كسرة الهمزة فيه فتولدت منه الياء.
الاستشهاد فيه:
أنه استشهد به سيبويه أن سوى غير ظرف متصرف حيث قال [في كتابه] (١) في باب ما يحتمل الشعر: وجعلوا ما لا يجري في الكلام إلا ظرفًا بمنزلة غيره من الأسماء، وذلك كقول المرار العجلي:
ولا ينطق الفحشاء ................ ............................. إلخ (٢)
فهذا نص منه على أن: "سوى" ظرف ولا تفارق الظرفية إلا في الضرورة.
وقال الزيادي: لا حجة لسيبويه في هذا البيت؛ لأن من تدخل على عند، وعند لا تكون إلا ظرفًا.
وقال النحاس: الحجة لسيبويه [إنه] (٣) إنما جاء بهذا البيت ليدلك على أن الشاعر لما اضطر جعل سوى بمعنى غير، فيجوز على هذا أن يقال: رجل سواؤك، والجيد: هذا رجل سواءك بالنصب، وقد قال سيبويه في غير هذا الباب وهذا لا يكون اسمًا إلا في الشعر؛ يعني سواء (٤).
الشاهد الثمانون بعد الأربعمائة (٥) , (٦)
حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ أَبَا … ثوبانَ ليس ببكمةِ فَدْمٍ
أقول: قائله هو الجُمَيحُ، واسمه مُنقِذُ بن الطّمّاح الأسدي (٧)، وكان من فرسان بني أسد
стр. 1073
المعدودين، وكان غزاء، وهو صاحب الغارة على إبل المنذر بن ماء السماء.
والبيت المذكور من قصيدة ميمية من الكامل، وأولها هو قوله (١):
١ - يا جَارَ نَضْلَةَ قَدْ أَتَى لَكَ أَنْ … تَسْعَى لِجَارِكَ في بَنِي هَدْمِ
٢ - مُتَنَظِّميَن جوَارَ نَضْلَةَ يَا … شَاهَ الوُجُوهُ لِذَلِكَ النَّظْمِ
٣ - وبَنُو رَوَاحَةَ يَنظُرُونَ إذَا … نَظَرَ النَّدِيُّ بِآنُفٍ خُثْمِ
٤ - حَاشَا أَبَا ثَوْبانَ ........... … ....................... إلى آخره (٢)
٥ - عَمْرُوَ بنَ عبدِ الله إِنَّ بِهِ … ضَنًّا عَنِ الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ
٦ - لا تَسْقِنِي إِنْ لَمْ أَزُرْ سَمَرًا … غَطَفَانَ مَوْكِب جَحفَلٍ دُهْمِ
وأكثر النحاة يركبون صدر البيت الأول على عجز الثاني، فينشدونه هكذا (٣):
حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ … ضَنًّا عَنِ الْمَلْحَاةِ والشَّتْمِ
والصواب ما ذكرناه، وهكذا أنشده ابن عصفور، وابن مالك في شرحه (٤).
١ - قوله: "يا جار نضلة" أراد به نضلة بن الأشتر بن حجوان بن فقعس، وكان جارًا لبني فقعس فقتلوه، فقال في ذلك قوله: "قد أنى لك" أي: قد حان لك.
٢ - قوله: "متنظمين" ويروى: يتنظمون من النظم وهو نظمهم أيديهم بالرمح، والمعنى هاهنا: في سلك واحد هم معه.
قوله: "يا شاه الوجوه" يعني: قال الجميح: يا شاه الوجوه لنظمهم، والمعنى: يا هؤلاء شاهت الوجوه يعني: قَبُحَتْ.
٣ - قوله: "الندي" بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء، وهو مجلس القوم ومتحدثهم، قوله: "بآنف" بفتح الهمزة وضم النون، وهو جمع أنف، وأصله: أأنف، قلبت الهمزة الثانية ألفًا للتخفيف.
قوله: "خثم" بضم الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة، وهو جمع أخثم؛ من الخثم بفتحتين وهو عرض في الأنف.
стр. 1074
٤ - قوله: "ليس ببكمة" بضم الباء وسكون الكاف؛ من البكمة وهو الخرس، قوله: "فدم" بفتح الفاء وسكون الدال، يقال: رجل فدم، أي: عييّ ثقيل بَيِّن الفدامة والفدومة.
٥ - قوله: "ضنًّا" بكسر الضاد المعجمة وتشديد النون؛ من ضننت بالشيء أضن به ضنًّا، وضنانة إذا بخلت به، وهو من باب علم يعلم، قوله: "عن الملحاة" بفتح الميم؛ مصدر ميمي كالملاحاة وهي المنازعة.
الإعراب:
قوله: "حاشا أبي ثوبان": استثناء من قوله: "ينظرون إذا نظر الندي"، و "أبي ثوبان": مجرور بحاشا، قوله: "إن" من الحروف المشبهة بالفعل، و "أبا ثوبان": اسمه، وخبره هو قوله: "ليس ببكمة"، وقوله: "فدم" بالجر صفة لبكمة، وقوله: "عمرو بن عبد الله"؛ عطف بيان على أبي ثوبان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حاشا أبي ثوبان" حيث جر حاشيا أبي ثوبان، وروي: حاشا أبا ثوبان، فدل على أنه يأتي حرف جر، ويأتي فعلًا كعدا وخلا، وهذه حجة على سيبويه؛ حيث التزم حرفية حاشا (١)؛ إذا لو لم يكن فعلًا لما نصب أبا ثوبان في رواية من روى حاشا أبا ثوبان.
واعلم أنهم اختلفوا في حاشا على أربعة أقوال:
الأول: قول سيبويه: وهو أنها لا تكون إلا حرف جر فقط (٢).
والثاني: قول المبرد والمازني: أنها تكون حرفًا وفعلًا فتنصب وتجر (٣).
الثالث: قول الكوفيين إلا الفراء وهو أنها فعل لا غير (٤).
الرابع: قول الفراء وحده، وهو أنها فعل بغير فاعل، واحتج بأن الإنسان يذكر بالسوء فيقال: حاشاه (٥)، وهذا ظاهر الفساد؛ لأن فعلًا من غير فاعل مستحيل بالبداهة فافهم.
стр. 1075
الشاهد الحادي والثمانون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
تَرَكْنَا فِي الحَضِيضِ بَنَاتَ عُوجٍ … عَوَاكِفَ قَدْ خَضَعْنَ إلَى النُّسُورِ
أبَحْنَا حَيَّهُمْ أَسْرًا وقَتلًا … عَدَا الشَّمْطَاءِ والطِّفل الصَّغِيرِ
أقول: لم أقف على اسم قائلهما، وهما من الوافر، وفيه العصب والقطف (٣)، وإنما أنشدوا البيتين كليهما مع أن البيت الأول لا شاهد فيه ليعلم أن القوافي مخفوضة.
١ - قوله: "في الحضيض" بفتح الحاء المهملة وبضادين معجمتين بينهما ياء آخر الحروف ساكنة، وهو القرار من الأرض عند منقطع الجبل، وأراد به الموضع المعين الذي وقعت فيه الحروب، قوله: "بنات عوج" بضم العين وسكون الواو، أي: بنات خيل (٤) عوج، وهو جمع أعوج، والعوج من الخيل: التي في أرجلها تجنيب؛ وهو انحناء وتوتير في رجل الفرس وهو مستحب، قال أبو دواد (٥) يمدح الفرس (٦):
وفي اليَدَيْنِ إذَا مَا الماءُ أَسْهَلَهَا … ثَنيٌ قَليلٌ وفيِ الرِّجْلَيْنِ تَجنِيبُ
ويجوز أن يكون عوج جمع أعوجي؛ قال أبو علي في التذكرة في قوله (٧):
أَحْوَى مِنَ العُوجِ وقَاحُ الحَافِرِ … ......................................
ويجوز أن يكون جمع أعوجي كفرس جمع فارسي، ويكون أعوجي منسوبًا إلى أعوج، وبنات أعوج هي الخيول المشهورة بين العرب، المتناسلة من أعوج وهو فرس كان لبني هلال تُنْسَبُ إليه الأعوجيات، وبنات أعوج.
قال أبو عبيدة: كان أعوج لكِنْدةَ فأخذته بنو سليم في بعض أيامهم فصار لبني هلال، وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلًا منه (٨).
стр. 1076
وقال الأصمعي في كتاب الفرس: أعوج كان لبني آكل المرار ثم صار لبني هلال بن هلال بن عامر (١).
قوله: "عواكف": جمع عاكف من عكف على الشيء يعكف ويعكُف عكوفًا إذا أقبل عليه مواظبًا، قوله: "قد خضعن": من الخضوع وهو التطامن، و "النسور": جمع نسر وهو الطائر المعروف، وهو جمع الكثرة، وجمع القلة: أنسر، قوله: "الشمطاء" هي المرأة العجوزة؛ من الشمط وهو بياض شعر الرأس يخالط سواده، والرجل أشمط والمرأة شمطاء.
الإعراب:
قوله: "تركنا": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "بنات عوج": كلام إضافي مفعوله، و "في الحضيض": يتعلق بتركنا، قوله: "عواكف": نصب على أنه مفعول ثانٍ لتركنا، وترك من أفعال التصيير، قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، قوله: "قد خضعن": جملة وقعت حالًا عن بنات عوج، و "إلى النسور" يتعلق به.
قوله: "أبحنا" جملة من الفعل والفاعل؛ من الإباحة، وقوله: "حيهم" كلام إضافي مفعوله، قوله: "قتلًا" نصب على التمييز، أي: من حيث القتل، ومن حيث الأسر، قوله: "عدا": حرف جر هاهنا، ولهذا جر الشمطاء.
الاستشهاد فيه:
حيث جاء: "عدا" حرف جر وهو قليل، ولم يحفظ سيبويه فيه إلا أن يكون فعلًا ماضيًا (٢).
الشاهد الثاني والثمانون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
أَلَا كل شيء ما خلا الله باطلٌ … .....................................
أقول: قائله هو لبيد بن عامر، وقد مَرَّ الكلام فيه مستوفًى في أول الكتاب.
стр. 1077
والاستشهاد فيه:
في قوله: "خلا" (١).
الشاهد الثالث والثمانون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
يُمَلُّ النَّدَامَى ما عدَانِي فَإِنَّنِي … بكُلِّ الذي يَهْوَى نَدِيمِي مُولَعُ
أقول: قد مر الكلام فيه مستوفًى في شواهد النكرة والمعرفة (٤)، فإن ابن هشام استشهد به هناك في دخول نون الوقاية في عدا، واستشهد به هاهنا في دخول ما المصدرية عليه فتعين النصب حينئذ لتعين الفعلية (٥).
الشاهد الرابع والثمانون بعد الأربعمائة (٦) , (٧)
لَدَيْكَ كَفِيلٌ بالمُنَى لِمُؤَمِّلٍ … وإنَّ سِواكَ مَنْ يُؤَمِّلُهُ يَشْقَى
أقول: لم أظفر بشيء يدل على اسم قائله، وهو من الطويل.
قوله: "كفيل" أي: ضامن؛ من كفل به يكفل كفالة، وكفل عنه بالمال لغريمه، وأراد بذلك: ما يكفل بتحصيل المنى، وهو بضم الميم جمع منية من التمني، قوله: "لمؤمل": من التأميل وهو الرجاء، قوله: "يشقى": من الشقاوة، وأراد من يؤمل سوى فضلك يخيب ويشقى.
الإعراب:
قوله: "كفيل": مرفوع بالابتداء، و "لديك"؛ مقدمًا خبره، و "بالمنى": يتعلق بكفيل، وقوله: "لمؤمل" جار ومجرور وقع حالًا عن المني؛ كذا قال بعضهم، والصواب أن محله رفع على أنه صفة لقوله: كفيل، والتقدير؛ عندك كفيل بالمنى كائن لمؤمل.
стр. 1078
قوله: "وإن" حرف من الحروف المشبه بالفعل، وقوله: "سواك": اسمه، كذا قال الشيخ ابن عقيل، ثم قال: هذا تقرير كلام المصنف (١)، يعني: انتصاب سوى هاهنا ليس على الظرفية؛ بل لكونها اسم إن، والجملة أعني قوله: "من يؤمله يشقى" خبره، و: "من" موصولة، و "يؤمله يشقي": صلتها، ومحل: "من" رفع على الابتداء، وكذلك محل "يشقى" مرفوع على الخبرية.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "سواك" حيث جاء منصوبًا [على الظرفية] (٢) على أنه اسم أن؛ كما ذكرنا [ولكنه يحتمل التأويل (٣)] (٤).
الشاهد الخامس والثمانون بعد الأربعمائة (٥) , (٦)
رأيتُ الناسَ ما حاشا قُرَيْشًا … فإنَّا نَحْنُ أَفْضَلُهُمْ فَعَالا
أقول: قائله هو الأخطل غوث بن غياث، وهو من الوافر وفيه العصب والقطف.
قوله: "فعالًا" بفتح الفاء والعين المهملة، ومعناه: الكرم، وفعال -أيضًا- مصدر من فعل كذهب ذهابًا.
الإعراب:
قوله: "رأيت": جملة من الفعل والفاعل، و "الناس" بالنصب مفعوله، ورأيت هذا من الرأي، ولهذا اكتفى بمفعول واحد، ويروى: فأما الناس وهو الأصح.
قوله: "ما حاشا" كلمة ما نافية وحاشا هاهنا فعل متعد؛ ولهذا نصب قريشًا، ونحوه ما جاء في الحديث أنه ﵊ قال (٧): "أسامة أحب الناس إليَّ ما حاشا فاطمة".
стр. 1079
قوله: "فإنا" إن: حرف من الحروف الشبهة بالفعل، والضمير المتصل به اسمه، و "نحن" تأكيد، وقوله: "أفضلهم": خبره، وقوله: "فَعَالًا": نصب على التمييز، أي: من حيث الفعال؛ أي: الكرم.
فإن قلت: ما الفاء في: فإنا؟
قلت: "الفاء الداخلة في جواب [أما] (١)، وأما مقدرة في رواية من روى: رأيت الناس، تقديره: وأما إني رأيت الناس ما حاشا قريشًا فإنا نحن فافهم".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ما حاشا قريشًا" حيث دخلت ما على حاشا وهو قليل، والأكثر أنها مثل خلا في أنها تنصب ما بعدها وتجر، لكن لا يتقدم عليها ما كما يتقدم على خلا (٢).
الشاهد السادس والثمانون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
حَاشَا قُرَيْشًا فَإِنَّ اللهَ فَضَّلَهُمْ … على البريَّةِ بالإسْلامِ والدِّينِ
أقول: قائله لم أقف على اسمه، وهو من البسيط، المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "حاشا": فعل ماض هاهنا، و "قريشًا" منصوب به، ولفظة: "الله" اسم إن، وقوله: "فضلهم": جملة خبرها، و "على البرية": يتعلق بها، وكذلك "بالإسلام":
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حاشا" فإنه وقع هاهنا فعلًا، فلذلك نصب قريشا، والأكثر أنه لا يكون إلا حرف جر (٥).
стр. 1080
الشاهد السابع والثمانون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
خلَا اللهِ لَا أَرْجُو سِواكَ وإِنَّمَا … أَعُدُّ عِيَالِي شُعْبَةً مِنْ عِيَالِكَا
أقول: هذا من الطويل.
قوله: "شعبة" أي: طائفة.
الإعراب:
قوله: "خلا" هاهنا حرف جر؛ فلذلك جر لفظة الله، وقوله: "لا أرجو": فعل وفاعل، و "سواك" كلام إضافي مفعوله، قوله: "وإنما" بطل عمل إن بدخول ما الكافة عليه، قوله: "أعد": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "عيالي" كلام إضافي مفعوله، وقوله: "شعبة": مفعول ثان، وقوله: "من عيالكا" في محل النصب على أنها صفة لشعبة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "خلا الله لا أرجو سواك" حيث جر لفظة اللهِ بخلا (٣).
الشاهد الثامن والثمانون بعد الأربعمائة (٤) , (٥)
لُذْ بقيسٍ حينَ يأْبَى غيرَهُ … ................................
أقول: هذا رجز لم أقف على اسم راجزه (٦)، وتمامه:
.............................. … تلفه بحرًا مُفِيضًا خَيرَهُ
قوله: "لذ" بضم اللام وسكون الذال المعجمة، أمر من لاذ يلوذ، قوله: "تلفه" بضم التاء
стр. 1081
المثناة من فوق وسكون اللام وكسر الفاء؛ من ألفى يلفي إذا وجد، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: وجداه، ومعنى تلفه: تجده، "بحرًا مفيضًا": من أفاض وثلاثيه فاض، يقال: فاض الماء يفيض فيضًا وفيضوضة إذا كثر حتى سال على صفحة (١) الوادي.
الإعراب:
قوله: "لذ": جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت المستتر فيه، و "بقيس" في محل النصب مفعوله، و "حين": نصب على الظرف، قوله: "غيره": مبني على الفتح على ما يأتي الآن بيانه.
قوله: "تلفه بحرًا" مجزوم لأنه جواب الأمر وهو لذ، وقوله: "بحرًا": مفعول ثان لتلف،
قوله: "مفيضًا": صفة لبحر، وقوله: "خيره": مفعول لقوله مفيضًا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "غيره"؛ حيث بني على الفتح لإضافته إلى مبني، ومع هذا هو فاعل لقوله: "يأبى"، فيكون محله مرفوعًا بالفاعلية (٢) فافهم.
الشاهد التاسع والثمانون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
داينتُ أَرْوَى والدُّيُونُ تُقْضَى … فَمَطَلَتْ بَعْضًا وأدَّتْ بَعْضًا
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج؛ كذا قال ابن بري، وقبله (٥):
وَهْيَ تَرَى ذَا حَاجَةٍ مُؤْتَضًّا … ...................................
وهي من الرجز المسدس.
قوله: "مؤتضًّا" أي: مضطرًا؛ من ائتض إليه ائتضاضًا، أي: اضطر إليه، قوله: "داينت":
стр. 1082
من المداينة، يقال: داينت فلانًا إذا عاملته فأعطته دينًا وأخذت بدين، و "أروى" بفتح الهمزة وسكون الراء؛ اسم امرأة، قوله: "فمطلت": من المطل وهو التسويف، قوله: "وأدت" ويروى: وفت.
الإعراب:
قوله: "داينت": جملة من الفعل والفاعل، و "أروى": مفعوله، قوله: "والديون تقضى": جملة اسمية وقعت حالًا، قوله: "فمطلت": جملة من الفعل والفاعل، و "بعضًا": مفعوله، وكذلك: "أدت بعضًا".
الاستشهاد فيه:
على أن لفظة: "بعض" يصح وقوعه على النصف وعلى أزيد منه، وهذا حجة على الكسائي وهشام حيث قالا: إن البعض لا يقع إلا على ما دون النصف، وهذا البحث هاهنا استطرادي (١).
* * *
стр. 1083
شواهد الحال
الشاهد التسعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
فلولا اللهُ والمُهْرُ المفدَّا … لرحتَ وأنتَ غِرْبَالُ الإهابِ
أقول: قائله هو منذر بن حسان، وهو من قصيدة بائية من الوافر، ومنها قوله:
١ - وبَادِيَةِ الجَوَاعِر مِن نُمَيرٍ … تُنَادَى وَهْيَ سَافِرَةُ النِّقَاب (٣)
٢ - تُنَادي بالجَزِيرَة يَا لَقَيسٍ … وَقَيْسٌ بِئسَ فِتيَانُ الضِّرَابِ
٣ - قَتَلنَا مِنهُمْ مَائَتَيِن صَبرًا … وأَلْفًا بالتِّلاع وبالرَّوَابِي
٤ - وأَفْلَتْنَا هُجَينَ بَنِي سُلَيمٍ … يُفَدِّي المهُرَ مِنْ حُبِّ الإيَابِ
٥ - فلَوْلا اللهُ .................. … ................................ إلخ
١ - قوله: "وبادية الجواعر من نمير" أي: مكشوفة الإست، والجواعر: جمع جاعرة وهي حلقة الدبر.
٢ - قوله: "بالجزيرة" بالجيم والزاي ثم الراء، اسم موضع بعينه ما بين الفرات ودجلة.
٣ - و "التلاع" بكسر التاء المثناة من فوق؛ جمع تَلْعَةٍ، وهي ما ارتفع من الأرض، وما انهبط -أيضًا- من الأضداد، قاله أبو عبيدة، وقال أبو عمرو: التلاع: مجاري الماء على الأرض إلى بطون الأودية (٤)، و "الروابي": جمع رابية، وهي ما ارتفع من الأرض مثل التل.
стр. 1084
٥ - قوله: "والمهر المفدا" بفتح الدال؛ من قولهم: فديت فلانًا إذا قيل له: جعلت فداك، وأراد به شكر المهر الذي يقال له عند جريه وسبقه: جعلت فداك، و "الغربال" بكسر الغين المعجمة؛ آلة مشهورة، و "الإهاب": الجلد، والمعنى: لولا عناية الله والفرس الذي تحتك لرحت وأنت مقطع الجلد مثقوب البشرة مثل الغربال.
الإعراب:
قوله: "فلولا الله" الفاء للعطف على ما قبله، وكلمة لولا لامتناع الثاني لوجود الأول؛ نحو: لولا زيد لهلك عمرو، فهلاك عمرو منتف لوجود زيد، ولفظة الله مبتدأ، و "المهر": عطف عليه، و "المفدا": صفته والخبر محذوف، والتقدير: لولا الله معين والمهر موجود لرحت، أي: لقتلت وأدركتك الأسنة فمزقت جلدك وجعلتك كالغربال، ودخلت اللام فيه؛ لأنه جواب لولا، ويروى: لأبت، أي: لرجعت، وقوله: "وأنت غربال الإهاب" أي: وأنت مثقب الجلد، قوله: "وأنت" مبتدأ، و: "غربال الإهاب": كلام إضافي خبره، والجملة في محل النصب على الحال.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "غربال الإهاب" فإنه جامد ولكنه في تأويل المشتق تقديره: وأنت مثقب الجلد كما ذكرنا، ولهذا نقول: فيه ضمير يعود إلى المبتدأ. ذكر هذا استئناسًا لوقوع الجامد حالًا على تأويله بالمشتق (١).
الشاهد الحادي والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
أَفِي السِّلْمِ أعْيَارًا جَفَاءً وغِلْظَةً … وفي الحرْبِ أمثال النساءِ العوَاركِ
أقول: قالته هند بنت عتبة بن أبي لهب، قالت ذلك حين انصرف الذين خرجوا إلى زينب بنت رسول الله ﷺ ، وذلك حين تجهزت وخرجت من مكة إلى المدينة النبوية، وهم رجال من قريش منهم: هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وذلك بعد وقعة بدر حين وقع أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس خَتَنُ رسول الله ﷺ وزوج ابنته زينب ﵄
стр. 1085
في جملة من أسر من أهل مكة، وأرسل رسول الله ﷺ إليها واستحثها في المهاجرة.
وهي من الطويل.
قولها: "في السلم" بفتح السين وكسرها وهو الصلح، قولها: "أعيارًا" بفتح الهمزة وسكون العين المهملة؛ جمع عَيْر بفتح العين وسكون الياء آخر الحروف، وهو الحمار الوحشي والأهلي، والأنثى عيرة، قولها: "العوارك": جمع عارك وهي الحائض، يقال: عركت المرأة تعرك عروكًا؛ أي: حاضت، ومنه قول الشاعر (١):
...................................... … ... وهي شمطاء عارك
الإعراب:
قولها: "أفي السلم" الهمزة للاستفهام، "وفي السلم" يتعلق بمحذوف، و "أعيارًا": حال من المحذوف تقديره: أتتحولون في السلم أعيارًا؟ أي: شبه أعيار، والأعيار وإن كان جامدًا، ولكنه وقع حالًا بهذا التأويل؛ كما في قولك: كَرَّ زيد أسدًا، أي: مثل أسد.
قولها: "جفاء" نصب على التعليل، أي لأجل الجفاء، و "غلظة": عطف عليه، قولها: "وفي الحرب": يتعلق بالمحذوف الذي قدرناه، أي: تتحولون في الحرب أمثال النساء العوارك، [أي: كأمثال النساء] (٢) فنصبه بنزع الخافض.
وحاصل المعنى: أتتحولون هذا التحول وهو كونكم أعيارًا في السلم، وأشباه النساء الحيض في الحرب؟
الاستشهاد فيه:
في قولها: "أعيارًا" فإنه جامد وقع حالًا بالتأويل الذي ذكرناه (٣).
стр. 1086
الشاهد الثاني والتسعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
مَشَقَ الهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مع السُّرَى … حتى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا
أقول: قائله هو جرير بن عطية الخطفي، وهو من قصيدة يهجو بها الأخطل، وأولها هو قوله (٣):
١ - صَرَمَ الخليطُ تبايُنًا ونكورًا … وَحَسِبتُ بَينَهُمُ عليكَ يسيرًا
٢ - عَرَضَ الهَوَى فَتَبَلَّغَتْ حَاجَاتُهُ … منْكَ الضَّمِيرَ فَلَمْ يَدَعْنَ ضَمِيرًا
٣ - إنَّ الغَوَانِيَ قدْ رَمَيْنَ فُؤَادَهُ … حَتَّى تَرَكْنَ بِسَمْعِهِ توقيرًا
إلى أن قال:
٤ - حَيَّيْتُ زَوْرَكِ إِذ أَلَمَّ ولمْ تَكُنْ … هِنْدْ لِقَاصِيةِ البُيُوتِ زؤورًا
٥ - مَشَقَ الهَوَاجِرُ .............. … ......................... إلى آخره
٦ - مِنْ كل جُرْشعةِ الهَوَاجِرِ زَادَهَا … بُعْدُ المَسَافَةِ جُرْأةً وضَرِيرًا
٧ - قَرَعَتْ أخِشّتُهَا العِظَامَ وَغَادَرَتْ … مِنهَا عَجَارِفَ جَمَّةً وَنَكِيرًا
وهي طويلة من الكامل.
١ - قوله: "صرم الخليط": من صرمت الشيء صرمًا إذا قطعته، و "الخليط" بفتح الخاء المعجمة؛ الخالط كالنديم بمعنى المنادم، والجليس بمعنى المجالس، قوله: "ونكرًا" بضم النون؛ من نكرت الرجل بالكسر أنكره نكرًا بالتحريك [ونكرًا] (٤) بالضم، ونكورا ونكيرًا من الإنكار.
٣ - و "الغواني": جمع غانية وهي المرأة التي غنيت بحسنها وجمالها.
٤ - قوله "ألمّ": من الإلمام وهو النزول، قوله: "زؤورا" بفتح الزاي المعجمة وضم الهمزة على وزن فعول من الزيارة.
٦ - قوله: "جُرْشُعة" الجرشع بضم الجيم وسكون الراء وضم الشين المعجمة وفي آخره عين
стр. 1087
مهملة، وهو من الإبل العظيم الصدر المنتفخ الجنبين، قوله: "بعد المسافة"، ويروى: بعد المفازة (١)، قوله: "ضريرًا" بفتح الضاد المعجمة، يقال: إنه لذو ضرير على الشيء إذا كان ذا صبر عليه ومقاساة له.
قوله: "أخشتها": جمع خشاش بالكسر، وهو الذي يدخل في عظم أنف الجمل، وهو من خشب، والبرة من حديد، والخزامة من شعر، و "العجارف": جمع عجرف، وهو جمل فيه تعجرف، وعجرفة وعجرفية، كأن فيه خرقًا وقلة مبالاة لسرعته.
٥ - قوله: "مشق" من المشق، وهو السرعة في الطعن والضرب والأكل والكتابة، و"الهواجر": جمع هاجرة، وهي وقت اشتداد الحر وقت الظهيرة، وكذلك الهجر، و "السرى" بضم السين المهملة وتخفيف الراء، وهو السير بالليل، و "الكلاكل": جمع كلكل وهو الصدر، وكذلك الكلكال، وربما تشدد اللام للضرورة.
الإعراب:
قوله: "مشق": فعل ماض، و "الهواجر": فاعله، و "لحمهن": كلام إضافي مفعوله، قوله: "مع السرى" يرتبط بالهواجر، والتقدير: مشق حَرُّ الهواجر مع السير في الليل لحمهن، والضمير فيه يرجع إلى الإبل وهي مؤنثة؛ لأنها جمع لما لا يعقل ولا واحد لها من لفظها.
قوله: "حتى" للغاية، و "ذهبن": جملة من الفعل والفاعل، قوله؛ "كلاكلًا وصدورًا": منصوبان على الحالية، والتقدير: ذهبن علي هذه الحالة شيئًا بعد شيء حتى لم يبق منهن شيء إلا رسم الكلاكل والصدور.
وذهب المبرد إلى أن النصب هاهنا على التمييز، والمعنى على قوله: إنها ذهبت دفعة واحدة كلاكلًا وصدورًا.
ومنهم من قال: إن النصب على البدل من الهاء والنون في لحمهن، وأقوى الأوجه (٢) أن يكون حالًا (٣)، والمعنى: حتى ذهبن علي هذه الحال شيئًا بعد شيء كما ذكرنا؛ كما يقال:
стр. 1088
ذهب فلان ظهرًا وبطنًا، أي: ذهب جسده كله ظهرًا وبطنًا، قال سيبويه: إنما هو على قوله: ذهب قُدْمًا وذهب أُخْرًا، وقال أبو الحسن: يريد أن معناه متقدمًا ومتأخرًا (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كلاكلًا وصدورًا" حيث نصبا على الحال، وهو من الجوامد على التأويل الذي ذكرناه.
الشاهد الثالث والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
وفي الجِسْمِ مِنِّي بَيِّنًا لَوْ عَلِمْتِهِ … شُحُوبٌ وَإنْ تَسْتَشْهِدِ العَينَ تَشْهَدِ
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الطويل.
قوله: "شحوب" بضم الشين المعجمة والحاء المهملة وفي آخره باء موحدة، من شحَب جسمه يشحُب بالضم شحُوبًا إذا تغير، وشحُب جسمه بالضم شحوبة لغة فيه حكاها الفراء (٤) قوله: "وإن تستشهد العين" أي: وإن تطلبي الشهادة من العين تشهد لك العين بأن في جسمي شحوبًا بينًا؛ أي: ظاهرًا.
الإعراب:
قوله: "وفي الجسم" ويروى: وبالجسم وهو في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ متأخر، وهو قوله: "شحوب"، قوله: "مني" في محل الجر؛ لأنه صفة للجسم على تقدير زيادة الألف واللام فيه، أو حال منه على تقدير عدم الزيادة.
قوله: "بيِّنًا" حال من شحوب، قوله: "لو علمته": جملة معترضة، ويروى: إن نظرته والخطاب للمؤنث، قوله: "وإن": حرف جزم، و "تستشهد" مجزوم، ولكنه لما اتصل بالعين الذي هو مفعوله حركت داله بالكسرة؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر (٥)، وقوله:
стр. 1089
"تشهد" مجزوم؛ لأنه جواب الشرط، ولكنه حرك للقافية، وأصله: تشهد لك.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بينًا" حيث وقع حالًا مقدمًا على ذي الحال؛ لكون ذي الحال نكرة، وقد علم أن الحال في الأصل خبر، وذا الحال مخبر عنه؛ فالأصل فيه أن يكون معرفة؛ كما في المبتدأ، وكما جاز الابتداء بالنكرة بالخصص، فكذلك جاز وقوع الحال عن النكرة بالخصص، [ومن جملة المخصصات] (١) لجواز وقوع الحال عن النكرة: تقدم الحال على ذي الحال؛ كما في قوله: "بَيِّنًا" فإنه في الأصل خبر عن شحوب تقديره: وفي جسمي شحوب بيِّنٌ (٢) فافهم.
الشاهد الرابع والتسعون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
نَجَّيْتَ يا ربِّ نُوحًا واستجَبتَ لهُ … في فُلُكٍ مَاخرٍ فِي اليَمِّ مشْحْونَا
أقول: احتج به جماعة من النحاة، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله، وبعده بيت آخر، وهو قوله:
٢ - وَظَلَّ يَدْعُو بآياتٍ مُبَيِّنَةٍ … في قومِهِ ألفَ عامٍ غيرَ خَمْسِينَا
وهما من البسيط.
قوله: "في فلك" أي: سفينة، والفلك -بضم الفاء وسكون اللام واحد وجمع يذكر ويؤنث، ولكن ضمت لامه للضرورة، قوله: "ماخر" بالخاء المعجمة، وهو الذي يشق الماء، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢].
قوله: "في اليم" أي: في البحر، قوله: "مشحونًا" بالشين المعجمة والحاء المهملة؛ من شحنت السفينة ملأتها، وشحنت البلد بالخيل ملأته، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] أي: المملوء.
стр. 1090
الإعراب:
قوله: "نجيت": جملة من الفعل والفاعل، و "نوحًا" مفعوله، وقوله: "يا رب": دعائية معترضة بين الفاعل والمفعول، قوله: "واستجبت": عطف على نجيت، وفيه دلالة على بطلان قول من يقول إن الواو تدل على الترتيب؛ لأن النجاة لا تكون إلا بعد الاستجابة.
قوله: "في فلك" يتعلق بقوله: "نجيت"، وقوله: "ماخر" بالجر صفة الفلك، قوله: "في اليم": يتعلق بماخر، قوله: "مشحونًا": حال من فلك وإن كان نكرة؛ لأنه وصفه بماخر، وهذا محل الاستشهاد، وهو ظاهر (١).
الشاهد الخامس والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
لا يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إلى الإِحْجامِ … يَوْمَ الوَغَى مُتَخَوِّفًا لحِمَامِ
أقول: قائله هو قطري بن الفجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي، وكان من الشجعان المشاهير، ويقال: إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه من الخوارج بالخلافة.
قتل في سنة تسعة وسبعين للهجرة، قتله عسكر الحجاج من جهة عبد الملك بن مروان الأموي.
ووقع في نسخة ابن الناظم أن قائل هذا البيت [هو] (٤) الطرماح (٥)، وهو غلط فاحش، فالسهو إما منه، وإما إلحاق من الناسخ، وبعده ستة أبيات أخر، وهي (٦):
٢ - فلَقَدْ أَرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمَامِي
٣ - حَتَّى خَضَبتُ بِمَا تَحَدَّرَ مِنْ دَمِي … أَكْنَافَ سَرْجِي أوْ عِنَانَ لِجَامِي