الشاهد الثاني والتسعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
مَشَقَ الهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مع السُّرَى … حتى ذَهَبْنَ كَلاكِلًا وصُدُورًا
أقول: قائله هو جرير بن عطية الخطفي، وهو من قصيدة يهجو بها الأخطل، وأولها هو قوله (٣):
١ - صَرَمَ الخليطُ تبايُنًا ونكورًا … وَحَسِبتُ بَينَهُمُ عليكَ يسيرًا
٢ - عَرَضَ الهَوَى فَتَبَلَّغَتْ حَاجَاتُهُ … منْكَ الضَّمِيرَ فَلَمْ يَدَعْنَ ضَمِيرًا
٣ - إنَّ الغَوَانِيَ قدْ رَمَيْنَ فُؤَادَهُ … حَتَّى تَرَكْنَ بِسَمْعِهِ توقيرًا
إلى أن قال:
٤ - حَيَّيْتُ زَوْرَكِ إِذ أَلَمَّ ولمْ تَكُنْ … هِنْدْ لِقَاصِيةِ البُيُوتِ زؤورًا
٥ - مَشَقَ الهَوَاجِرُ .............. … ......................... إلى آخره
٦ - مِنْ كل جُرْشعةِ الهَوَاجِرِ زَادَهَا … بُعْدُ المَسَافَةِ جُرْأةً وضَرِيرًا
٧ - قَرَعَتْ أخِشّتُهَا العِظَامَ وَغَادَرَتْ … مِنهَا عَجَارِفَ جَمَّةً وَنَكِيرًا
وهي طويلة من الكامل.
١ - قوله: "صرم الخليط": من صرمت الشيء صرمًا إذا قطعته، و "الخليط" بفتح الخاء المعجمة؛ الخالط كالنديم بمعنى المنادم، والجليس بمعنى المجالس، قوله: "ونكرًا" بضم النون؛ من نكرت الرجل بالكسر أنكره نكرًا بالتحريك [ونكرًا] (٤) بالضم، ونكورا ونكيرًا من الإنكار.
٣ - و "الغواني": جمع غانية وهي المرأة التي غنيت بحسنها وجمالها.
٤ - قوله "ألمّ": من الإلمام وهو النزول، قوله: "زؤورا" بفتح الزاي المعجمة وضم الهمزة على وزن فعول من الزيارة.
٦ - قوله: "جُرْشُعة" الجرشع بضم الجيم وسكون الراء وضم الشين المعجمة وفي آخره عين
стр. 1087
مهملة، وهو من الإبل العظيم الصدر المنتفخ الجنبين، قوله: "بعد المسافة"، ويروى: بعد المفازة (١)، قوله: "ضريرًا" بفتح الضاد المعجمة، يقال: إنه لذو ضرير على الشيء إذا كان ذا صبر عليه ومقاساة له.
قوله: "أخشتها": جمع خشاش بالكسر، وهو الذي يدخل في عظم أنف الجمل، وهو من خشب، والبرة من حديد، والخزامة من شعر، و "العجارف": جمع عجرف، وهو جمل فيه تعجرف، وعجرفة وعجرفية، كأن فيه خرقًا وقلة مبالاة لسرعته.
٥ - قوله: "مشق" من المشق، وهو السرعة في الطعن والضرب والأكل والكتابة، و"الهواجر": جمع هاجرة، وهي وقت اشتداد الحر وقت الظهيرة، وكذلك الهجر، و "السرى" بضم السين المهملة وتخفيف الراء، وهو السير بالليل، و "الكلاكل": جمع كلكل وهو الصدر، وكذلك الكلكال، وربما تشدد اللام للضرورة.
الإعراب:
قوله: "مشق": فعل ماض، و "الهواجر": فاعله، و "لحمهن": كلام إضافي مفعوله، قوله: "مع السرى" يرتبط بالهواجر، والتقدير: مشق حَرُّ الهواجر مع السير في الليل لحمهن، والضمير فيه يرجع إلى الإبل وهي مؤنثة؛ لأنها جمع لما لا يعقل ولا واحد لها من لفظها.
قوله: "حتى" للغاية، و "ذهبن": جملة من الفعل والفاعل، قوله؛ "كلاكلًا وصدورًا": منصوبان على الحالية، والتقدير: ذهبن علي هذه الحالة شيئًا بعد شيء حتى لم يبق منهن شيء إلا رسم الكلاكل والصدور.
وذهب المبرد إلى أن النصب هاهنا على التمييز، والمعنى على قوله: إنها ذهبت دفعة واحدة كلاكلًا وصدورًا.
ومنهم من قال: إن النصب على البدل من الهاء والنون في لحمهن، وأقوى الأوجه (٢) أن يكون حالًا (٣)، والمعنى: حتى ذهبن علي هذه الحال شيئًا بعد شيء كما ذكرنا؛ كما يقال:
стр. 1088
ذهب فلان ظهرًا وبطنًا، أي: ذهب جسده كله ظهرًا وبطنًا، قال سيبويه: إنما هو على قوله: ذهب قُدْمًا وذهب أُخْرًا، وقال أبو الحسن: يريد أن معناه متقدمًا ومتأخرًا (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كلاكلًا وصدورًا" حيث نصبا على الحال، وهو من الجوامد على التأويل الذي ذكرناه.
الشاهد الثالث والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
وفي الجِسْمِ مِنِّي بَيِّنًا لَوْ عَلِمْتِهِ … شُحُوبٌ وَإنْ تَسْتَشْهِدِ العَينَ تَشْهَدِ
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الطويل.
قوله: "شحوب" بضم الشين المعجمة والحاء المهملة وفي آخره باء موحدة، من شحَب جسمه يشحُب بالضم شحُوبًا إذا تغير، وشحُب جسمه بالضم شحوبة لغة فيه حكاها الفراء (٤) قوله: "وإن تستشهد العين" أي: وإن تطلبي الشهادة من العين تشهد لك العين بأن في جسمي شحوبًا بينًا؛ أي: ظاهرًا.
الإعراب:
قوله: "وفي الجسم" ويروى: وبالجسم وهو في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ متأخر، وهو قوله: "شحوب"، قوله: "مني" في محل الجر؛ لأنه صفة للجسم على تقدير زيادة الألف واللام فيه، أو حال منه على تقدير عدم الزيادة.
قوله: "بيِّنًا" حال من شحوب، قوله: "لو علمته": جملة معترضة، ويروى: إن نظرته والخطاب للمؤنث، قوله: "وإن": حرف جزم، و "تستشهد" مجزوم، ولكنه لما اتصل بالعين الذي هو مفعوله حركت داله بالكسرة؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر (٥)، وقوله:
стр. 1089
"تشهد" مجزوم؛ لأنه جواب الشرط، ولكنه حرك للقافية، وأصله: تشهد لك.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بينًا" حيث وقع حالًا مقدمًا على ذي الحال؛ لكون ذي الحال نكرة، وقد علم أن الحال في الأصل خبر، وذا الحال مخبر عنه؛ فالأصل فيه أن يكون معرفة؛ كما في المبتدأ، وكما جاز الابتداء بالنكرة بالخصص، فكذلك جاز وقوع الحال عن النكرة بالخصص، [ومن جملة المخصصات] (١) لجواز وقوع الحال عن النكرة: تقدم الحال على ذي الحال؛ كما في قوله: "بَيِّنًا" فإنه في الأصل خبر عن شحوب تقديره: وفي جسمي شحوب بيِّنٌ (٢) فافهم.
الشاهد الرابع والتسعون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
نَجَّيْتَ يا ربِّ نُوحًا واستجَبتَ لهُ … في فُلُكٍ مَاخرٍ فِي اليَمِّ مشْحْونَا
أقول: احتج به جماعة من النحاة، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله، وبعده بيت آخر، وهو قوله:
٢ - وَظَلَّ يَدْعُو بآياتٍ مُبَيِّنَةٍ … في قومِهِ ألفَ عامٍ غيرَ خَمْسِينَا
وهما من البسيط.
قوله: "في فلك" أي: سفينة، والفلك -بضم الفاء وسكون اللام واحد وجمع يذكر ويؤنث، ولكن ضمت لامه للضرورة، قوله: "ماخر" بالخاء المعجمة، وهو الذي يشق الماء، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: ١٢].
قوله: "في اليم" أي: في البحر، قوله: "مشحونًا" بالشين المعجمة والحاء المهملة؛ من شحنت السفينة ملأتها، وشحنت البلد بالخيل ملأته، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩] أي: المملوء.
стр. 1090
الإعراب:
قوله: "نجيت": جملة من الفعل والفاعل، و "نوحًا" مفعوله، وقوله: "يا رب": دعائية معترضة بين الفاعل والمفعول، قوله: "واستجبت": عطف على نجيت، وفيه دلالة على بطلان قول من يقول إن الواو تدل على الترتيب؛ لأن النجاة لا تكون إلا بعد الاستجابة.
قوله: "في فلك" يتعلق بقوله: "نجيت"، وقوله: "ماخر" بالجر صفة الفلك، قوله: "في اليم": يتعلق بماخر، قوله: "مشحونًا": حال من فلك وإن كان نكرة؛ لأنه وصفه بماخر، وهذا محل الاستشهاد، وهو ظاهر (١).
الشاهد الخامس والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
لا يَرْكَنَنْ أَحَدٌ إلى الإِحْجامِ … يَوْمَ الوَغَى مُتَخَوِّفًا لحِمَامِ
أقول: قائله هو قطري بن الفجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي، وكان من الشجعان المشاهير، ويقال: إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه من الخوارج بالخلافة.
قتل في سنة تسعة وسبعين للهجرة، قتله عسكر الحجاج من جهة عبد الملك بن مروان الأموي.
ووقع في نسخة ابن الناظم أن قائل هذا البيت [هو] (٤) الطرماح (٥)، وهو غلط فاحش، فالسهو إما منه، وإما إلحاق من الناسخ، وبعده ستة أبيات أخر، وهي (٦):
٢ - فلَقَدْ أَرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمَامِي
٣ - حَتَّى خَضَبتُ بِمَا تَحَدَّرَ مِنْ دَمِي … أَكْنَافَ سَرْجِي أوْ عِنَانَ لِجَامِي
стр. 1091
٤ - ثُمّ انْصَرَفْتُ وقَدْ أَصَبتُ ولَمْ أُصَبْ … جَذَعَ البَصِيرَةِ قَارِحَ الإقدَامِ
٥ - مُتَعَرِّضًا للموت أَضْرِبُ مُعْلَمًا … بُهْمَ الحُرُوب مُشَهَّرَ الأعْلامِ
٦ - أدْعُو الكُمَاةَ إلى النّزَالِ ولا أَرَى … نَحْرَ الكريمِ عَلَى القَنَا بِحَرَامِ
وهو من الكامل وفيه الإضمار والقطع.
١ - قوله: "لا يركنن": من ركن إلى الشيء يركن من باب نصر ينصر، وركن يركن من باب علم يعلم إذا مال إليه، وقد جاء ركن يركن بالفتح فيهما وهو لغة متداخلة (١).
قوله: "الإحجام" بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة بعدها الجيم، ومعناه: النكوص والتأخر، و "الإجحام" بتقديم الجيم مثله وهو مقلوب، قوله: "يوم الوغى" بالغين المعجمة، أي: يوم الحرب، قوله: "متخوفًا" المتخوف: الخائف شيئًا بعد شيء، قوله: "لحمام" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم، أي: للموت، وقال الجوهري: الحمام بالكسر: قدر الموت (٢).
٢ - قوله: "دريئة" يهمز ولا يهمز، فيجعل من الدرء وهو الدفع، ومن الدرى وهو الختل، وبهذا سمي البعير الذي يسيب فتألفه الوحش لا تنفر منه، ثم يجيء صاحبه يستتر به فيرمي الوحش، والحلقة التي يتعلم عليها الطعن دريئة، ويمكن حمل معنى البيت عليهما جميعًا، فإذا أراد بالدريئة الحلقة، فالمراد أن الطعن يقع فيه كما يقع في تلك الحلقة، وإن أراد به الدابة التي يستتر بها؛ فالمراد أنه يتقى به فيصير سترة لغيره من الطعن؛ كما تكون الدابة سترة للصائد، وعلى هذا معنى للرماح: من أجل الرماح.
قوله: "من عن يميني" كلمة عن هاهنا اسم، والمعنى: من جانب يميني.
٣ - قوله: "أو عنان لجامي" "أو" هاهنا ليست للشك، وإنما هي التي يراد بها أحد الأمرين على طريق التعاقب [أي] (٣) إما ذا وإما ذا، ولك أن تريد الجمع لأنه أصله الإباحة.
٤ - قوله: "جذع البصيرة" الجذع: قبل الثني بسنة، وانتصابه على الحال، وجذع البصيرة قارح الأقدام: أصلهما في الخيل وذوات الحوافر كلها، وذلك أن المهر يركب بعد حول سياسة ورياضة، فإذا بلغ حولين، فهو جذع فحينئذ يستغني عن الرياضة، يقول: استبصاري ويقيني لا يحتاجان إلى تهذيب وتأديب؛ كما لا يحتاج الجذع إلى الرياضة، وإقدامي قارح، أي: قد بلغ النهاية؛ كما أن القروح نهاية سن الفرس ولا سن بعده.
стр. 1092
٦ - قوله: "أدعو الكماة" بضم الكاف؛ جمع كمي، وهو الشجاع المتغطي بسلاحه، قوله: "إلى النزال" بكسر النون، وهو أن يتنازل الفريقان في الحرب.
الإعراب:
قوله: "لا يركنن": فعل نهي مؤكد بالنون الخفيفة، وقوله: "أحد": فاعله، و "إلى الإحجام": يتعلق به، قوله: "يوم الوغى": كلام إضافي نصب على الظرف، قوله: "متخوفًا" حال من أحد، وإن كان نكرة لوقوعه في سياق النهي، وهو محل الاستشهاد (١)، قوله: "لحمام" أي: لأجل حمام، يتعلق بقوله: "متخوفًا".
الشاهد السادس والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
يَا صَاحِ هَلْ حُمَّ عَيْشٌ باقِيًا فَتَرَى … لِنَفْسِكَ العُذْرَ في إِبْعَادِهَا الأَمَلَا
أقول: قائله رجل من طيء لم يعلم اسمه، وهو من البسيط.
قوله: "حُمَّ" بضم الحاء المهملة وتشديد اليم، ومعناه: هل قدر، ومنه: حمة الفراق ما قدر وقضى.
الإعراب:
قوله: "يا صاح": جملة ندائية، "وصاح" أصله: صاحب فرخم، قوله: "هل" للاستفهام على وجه الإنكار، قوله: "حم" فعل ماض مجهول، و"عيش": مرفوع لأنه ناب عن الفاعل، وقوله: "باقيًا": حال من عيش، وإن كان نكرة؛ لأنه في سياق الاستفهام [على وجه الإنكار] (٤).
قوله: "فترى": جملة من الفعل والفاعل، وكلمة: "أن" مقدرة بعد الفاء، تقديره: فأن ترى (٥)، وقوله: "العذر" بالنصب مفعوله، قوله: "في إبعادها" الإبعاد، مصدر من أبعد، مضاف إلى فاعله وهو الضمير الذي يرجع إلى النفس، قوله: "الأملا": مفعوله، وألفه للإشباع.
стр. 1093
الاستشهاد فيه:
في قوله: "باقيًا" حيث وقع حالًا عن النكرة وهو قوله: "عيش" لأنه في سياق الاستفهام كما ذكرنا (١).
الشاهد السابع والتسعون بعد الأربعمائة (٢) , (٣)
فَإِنْ تَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ … فَلَنْ تَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ
أقول: قائله هو طُلَيْحَة بن خويلد بن نوفل الأسدي من بني ثعلبة، فارس مشهور، وبطل مذكور يعدل بألف، خرج خالد بن الوليد ﵁ إلى قتاله في خلافة الصديق ﷺ وبعث بين يديه عكاشة بن محصن وثابت بن الأَقْرَم الأنصاري طليعة، وخرج طُلَيحَة وأخوه أبو حبال سلمة طليعة لأصحابهما فقتلا عكاشة وثابتًا ﵄.
وقال ابن سعد (٤): لما دنا خالد من طُلَيحَة وأصحابه بعث عكاشة وثابتًا طليعة بين يديه يأتيانه بالخبر فلقيا طُلَيحَة [وأخاه طليعة] (٥) لقومهما، فانفرد طُلَيْحَة بعكاشة، وأخوه بثابت، فلم يلبث سلمة أن قتل ثابتًا، وصرخ طُلَيحَة بسلمة: أعني على الرجل فإنه قاتلي، فكرّ سلمة على عكاشة فُقتلا جميعًا، وأنشد طُلَيْحَة هذه القصيدة.
وهي من الطويل وأولها قوله:
فإنْ تَكُ أَذْوَادٌ أُصِبنَ ............ … .......................... إلى آخره
وبعده:
٢ - عَشِيَّةَ غَادَرتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاويًا … وَعُكَاشَةَ الغُنْمي عِنْدَ مَجَالِ
٣ - نَصَبْتُ لهم صَدْرَ الحِمَالةِ إِنَّهَا … مُعَوِّدَةٌ قِيلَ الكُمَاةُ نَزَالِ
٤ - فَيَوْمًا تَرَاهَ فيِ الجَلَالِ مَصُونَةً … ويَومًا تَرَاهَا غَيرَ ذَاتِ جَلالِ
стр. 1094
ثم أسلم طُلَيْحَة وحسن إسلامه، ثم شهد القادسية فأبلى فيها بلاء حسنا، وكان مع النعمان بن مقرن ﵁ في وقعة نهاوند، واستشهد بها سنة إحدى وعشرين للهجرة.
١ - قوله: "أذواد": جمع ذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وفي آخره دال مهملة، وهو من الإبل ما بين الثلاث إلى العشرة، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، و "أذواد": جمع قلة، قوله: "فرغًا" بكسر الفاء وفتحها وسكون الراء وبالعين المعجمة، يقال: ذهب دمه فرغًا، أي: هدرًا يطلب به.
قوله: "حبال" بكسر الحاء المهملة وبالباء الموحدة، هو اسم ابن أخي طُلَيْحَة المذكور.
وكان المسلمون أصابوه في الردة وأخذوا مال بني أسد وسبوا نساءهم، فقَتَل طُلَيْحَة بابن أخيه حبال هذا عكاشةَ وثابتَ بن الأَقْرَم كما ذكرنا، يقول طُلَيْحَة في ذلك: إن أصبتم سبيًا وإبلًا فذهبتم بها ولم يؤخذ منكم مثلها، فما ذهبتم بدم حبال باطلًا فإني قتلت به عكاشة وثابتًا، وهو معنى قوله: "عشية غادرت ابن أَقْرَم" أي: عشية تركت ثابت بن أَقْرَم.
٢ - و "ثاويًا": نصب على الحال، وقوله: "وعكاشة" عطف على قوله: "ابن أَقْرَم" فقوله: "عند مجال" أي عند الحرب، قوله: "صدر الحمالة" بكسر الحاء المهملة، وهو اسم فرس لطُلَيْحَة مشهورة، و"الكماة" بالضم جمع كمي، وهو المتغطي في السلاح.
الإعراب:
قوله: "فإن" حرف شرط، وقوله: "تك" أصله: تكن وهو فعل الشرط، وقوله: "أذواد" بالرفع لأنه اسم تكن، قوله: "أصبن": خبره، "ونسوة" بالرفع عطف على أذواد، قوله: "فلن تذهبوا": جواب الشرط، قوله: "فرعًا" حال من قوله: "بقتل" مقدم عليه مع كونه مجرورًا، فدل هذا على جواز القول: بمررت جالسة بهند، ويكون التقدير في البيت: فلن تذهبوا بدم حبال فرغًا، أي: حال كونه فرغًا؛ أي: هدرًا، وقوله: "حبال" مجرور بالإضافة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فرغًا" حيث وقع حالًا مقدمًا كما ذكرنا (١).
стр. 1095
الشاهد الثامن والتسعون بعد الأربعمائة (١) , (٢)
لَئِنْ كانَ بَرْدُ المَاءِ هَيمَانَ صَادِيًا … إِلَيَّ حَبِيبًا إِنَّهَا لَحَبِيبُ
أقول: قائله هو كثير عزة، وهو من قصيدة بائية، وأولها هو قوله (٣):
١ - أبَى القَلْبُ إلا أُمَّ عَمْرٍو وَبَغَّضَتْ … إلَيَّ نِسَاءً مَا لَهُنَّ ذُنُوبُ
٢ - حَلَفْتُ لَهَا بالمَأْزِمينِ وَزَمْزَمٍ … ولله فَوقَ الحَالِفِينَ رَقِيبُ
٣ - لئن كان .................. … .......................... إلخ
٤ - لعَمْرُ أبِيهَا إِنَّ دَهْرًا يَرُدُّهَا … إلَيَّ عَلَى شَحَطِ النَّوَى لَطَلُوبُ
وهي من الطويل.
٢ - قوله: "بالمأزمين" بالهمزة الساكنة بعد الميم وكسر الزاي المعجمة؛ تثنية مأزم، وهو كل طريق ضيق بين الجبلين، والمراد به: هو الموضع الذي بين عرفة والمشعر.
٣ - قوله: "هيمان" بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف، وقال الأصمعي: الهيمان: العطشان، والهُيام بالضم: أشد العطش، ويروى: حران بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهو العطشان- أيضًا، والأنثى حَرًّا مثل عطشى، والحرة -بكسر الحاء العطش، والحرار العطاش.
قوله: "صاديًا": اسم فاعل من الصدا، وهو العطش، وقد صدى يصدى صَدًا فهو صيدٍ وصاد وصديان وامرأة صديا.
٤ - قوله: "على شحط النوى" الشحط -بفتح الشين المعجمة والحاء المهملة هو البعد، و "النوى" بفتح النون؛ هو الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد.
الإعراب:
قوله: "لئن" اللام فيه تسمى اللام المؤذنة وتسمى الموطئة -أيضًا-، أما المؤذنة فللإيذان (٤) بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط، وأما الموطئة فلأنها وطأت الجواب
стр. 1096
للقسم، أي: مهدته له نحو [قوله تعالى] (١): ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: ١٢].
وكلمة: "إن" للشرط، قوله: "كان برد" [فعل] (٢) الشرط، وقوله: "إنها لحبيب": جواب الشرط، وقوله: "برد الماء" كلام إضافي مرفوع؛ لأنه اسم كان وخبره قوله: "حبيبًا".
قوله: "هيمان": حال من الياء في قوله: "إليّ" وتقدمت عليه مع كونه مجرورًا، تقديره: لئن كان برد الماء حبيبًا إليَّ حال كوني هيمان صاديًا إنها لحبيب، و "صاديًا" أيضًا حال؛ إما من الأحوال المترادفة أو من الأحوال المتداخلة، وقد أول الجمهور هذا بأن برد في "برد الماء" مصدر، وأن "هيمان" منصوب به على أنه مفعول به، وكأنه قال: لئن كان برد الماء جوفًا هيمان صاديًا إليَّ حبيبًا إنها لحبيب، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه (٣)، وأراد بالجوف جوف نفسه.
وقال أبو الفتح: يجوز أن يكون حران حالًا من الماء، أي: في حال حرارة الماء وصداه على حد المبالغة؛ لأنه [إذا] (٤) عطش الماء فهو الغاية، وفيه بعد.
وهذه التأويلات كلها لأجل الهروب عن القول بجواز وقوع الحال من المجرور المتقدمة عليه؛ فلذلك أولوا هذه التأويلات، وقالوا أيضًا: فلو لم يؤول فلا حجة فيه؛ لأن الشعر يجيء فيه ما لا يسوغ في الكلام.
فإن اعتُرضَ عليهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، فإن كافة حال من المجرور باللام وهو الناس، وقد تقدم عليه.
أجابوا بأن كافة حال من ضمير النبي ﷺ فيكون المعنى؛ وما أرسلناك إلا كافًّا للناس، ودخلت التاء التي للمبالغة؛ كما في قولهم: رَاويَةُ الشِّعْرِ.
فإن قيل: باب به التاء للمبالغة مقصور على السماع، ولا يأتي غالبًا إلا على أحد أمثلة المبالغة؛ كنسابة وفروقة ومهذارة، وكافة بخلاف ذلك، فبطل أن تكون منها لكونها على فاعلة، فإن حملت على راوية حملت على شاذ الشاذ؛ لأن إلحاق تاء المبالغة أحد أمثلة المبالغة شاذ وإلحاقه لما لا مبالغة فيه أشذ.
قيل: هذا مجرد دعوى ولا برهان فيه، ولئن سلمنا ذلك فنقول: إن كافة مصدر؛ لأن الفاعل قد يجيء بمعنى المصدر؛ كالكاذبة والعاقبة فتكون كافة بمعنى كف وهو مصدر لفعل محذوفٍ
стр. 1097
وهو يكف، أي: ما أرسلناك إلا لتكفى كفًّا، وقال الزمخشري: كافة صفة لمصدر محذوف، أي: إلا إرساله كافة شاملة لجميع الناس (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "هيمان" فإنه حال من الياء في: "إليّ" كما ذكرناه مفصلًا (٢).
الشاهد التاسع والتسعون بعد الأربعمائة (٣) , (٤)
تسلَّيْتُ طُرًّا عَنْكُمُ بعدَ بيْنِكمْ … بذكراكم حتَّى كَأَنَّكُمْ عِنْدِي
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل، المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "تسليت": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "طرًّا": حال من الكاف والميم في: "عنكم".
فإن قلت: شرط الحال أن يكون من المشتقات.
قلت: طرًّا بمعنى جميعًا وهو المشتقات، قوله: "عنكم" يتعلق "بتسليت"، وقوله: "بعد بينكم": كلام إضافي، وبعد نصب على الظرف، والباء في بذكراكم تتعلق بتسليت، والذكرى على وزن فِعْلَى: مصدر مضات إلى مفعوله، والفاعل محذوف تقديره: بذكري إياكم.
قوله: "حتى" هاهنا حرف ابتداء يعني: حرف يبتدأ بعده الجملة، فيدخل على الجملة الاسمية، وهاهنا كذلك؛ فإن قوله: "كأنكم عندي" جملة اسمية، وتدخل على الفعلية -أيضًا- نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥] (٥).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "طرًّا" فإنه حال عن المجرور وقد تقدم عليه (٦).
стр. 1098
الشاهد المتمم للخمسمائة (١) , (٢)
غافلًا تَعْرِضُ المَنِيَّةُ لِلْمَرْ … ءِ فَيُدْعَى وَلَاتَ حِينَ إِبَاءِ
أقول: لم يعرف قائله مَنْ هُوَ، وهو من الخفيف وفيه الخبن.
قوله: "المنية" أي: الموت، قوله: "إباء" أي: امتناع، من أبي يأبى، والمعنى: ليس الحين حين إباء وامتناع.
الإعراب:
قوله: "غافلًا": حال من قوله: "للمرء" تقدمت عليه مع أنه مجرور، قوله: "تعرض المنية": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "للمرء" في محل النصب على المفعولية.
قوله: "فيدعى" على صيغة المجهول عطف على قوله: "تعرض"، والفاء للتعقيب في غير تراخ؛ يعني: عقيب عروض المنية يدعى.
وقد قيل: إن الفاء للحال؛ كما في قوله ﵊ (٣) "إذا كَبَّرَ الإمام فكبروا" حتى إن أبا حنيفة ﵁ استدل على أن القوم يكبرون مع تكبير الإمام مقارنًا كمقارنة حلقة الخاتم للأصبع، وذكروا فيه أن الفاء في قوله: "فكبروا" للحال هكذا ذكروا، ولم أدر أثبت في اللغة مجيء الفاء للحال أم لا؟ (٤).
قوله: "ولات" بمعنى ليس وتعمل عملها، فقوله: "حين إباء": كلام إضافي في محل الخبر للات، واسمها محذوف، والتقدير: ليس الحين حين إباء، وقد علم أنه لا يذكر بعد لات إلا أحد المعمولين، والغالب أن يكون المحذوف هو المرفوع (٥)، واختلف في معمولها، فنص الفراء على أنها لا تعمل إلا في لفظة الحين، وهو ظاهر قول سيبويه (٦)، وذهب الفارسي
стр. 1099
وجماعة إلى أنها تعمل في الحين وفيما رادفه؛ كالزمان والأوان ونحوهما (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "غافلًا" حيث وقع حالًا عن المجرور، وقد تقدم عليه (٢).
الشاهد الأول بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
مَشْغُوفَةً بِكِ قد شُغِفْتُ وإِنما … حُمَّ الفراقُ فما إلَيْكِ سَبيلُ
أقول: احتج به جماعة من النحاة، ولم أر أحدًا عزاه إلى قائله.
وهو من الكامل وفيه الإضمار والقطع.
قوله: "مشغوفة": من شغفه الحب، أي: بلغ شغافه وهو غلاف القلب وهي جلدة دونه كالحجاب، ويجوز بالعين المهملة -أيضًا- فيقال: شعفه الحب؛ أي: أحرق قلبه، وقال أبو زيد: أمرضه (٥)، وقرأ الحسن: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] بالعين المهملة (٦)، قوله: "حم الفراق" أي: قدر.
الإعراب:
قوله: "مشغوفة" بالنصب؛ لأنه حال من الكاف الذي في بك وهي كاف المؤنث، والمعنى: قد شغفت بك مشغوفة، وقوله: "قد شُغِفت" على صيغة المجهول، قوله: "وإنما" إن كفت عن العمل بدخول ما الكافة عليها، وقوله: "حم" على صيغة المجهول أسند إلى الفراق، وهو مفعول ناب عن الفاعل، قوله: "فما إليك سبيل" الفاء تصلح أن تكون للتعليل، وما بمعنى ليس، "وسبيل": اسمه، "وإليك" مقدمًا خبره (٧).
стр. 1100
الاستشهاد فيه:
في قوله: "مشغوفة" فإنه حال من المجرور، وقد تقدم عليه (١).
الشاهد الثاني بعد الخمسمائة (٢) , (٣)
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … ................................
أقول: قائله هو كثير [بن عبد الرحمن، المشهور بكثير] (٤) عزة، وتمامه:
........................... … يَلُوحُ كَأَنَّهُ يخلَلُ
وهو من الوافر من العروض الثانية المجزوءة وضربها مثلها (٥).
قوله: "لمية" بفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف وهو اسم امرأة، و "الطلل" بفتحتين؛ ما شخص من آثار الديار، قوله: "يلوح" أي يلمع من لاح يلوح لوحًا.
قوله: "خلل" بكسر الخاء المعجمة؛ جمع خلة-[أيضًا-] (٦)، قال الجوهري: الخلة بالكسر واحدة خِلَل السيوف، وهي بطائن كانت تُغَشَّى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، وهي -أيضًا- سيور تَلْبِسُ ظهور القوس (٧).
الإعراب:
قوله: "لِمَيَّةَ": خبر مبتدأ متأخر، أعني: قوله: "طلل"، وقوله: "موحشًا": حال من طلل تقدمت عليه لكون ذي الحال نكرة، قوله: "يلوح": جملة وقعت صفة لطلل، قوله: "كأنه خلل" كأن للتشبيه؛ والهاء اسمه، وخلل خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "موحشًا" حيث تقدم على ذي الحال لكونه نكرة وتقديم الحال على ذي الحال واجب إذا كان ذو الحال نكرة غير مختصة بوجه من وجوه التخصيص ليتميز بالتقديم عن
стр. 1101
الصفة، فإن الحال يتقدم على ذي الحال والصفة لا تتقدم على الموصوف وهذا من جملة الفروق بينها وبين الصفة.
قيل: والحق أن هذه الحال ليست حالًا عن النكرة؛ بل هي حال من الضمير في الخبر والضمير معرفة؛ لأن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، والعامل في صاحبها هو الابتداء والحال فضلة، والابتداء لا يعمل في الفضلات، اللَّهم إلا أن يقال: العامل في الحال لا يجب أن يكون هو العامل في صاحبها بدليل (١) [قوله تعالى]: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، فإن العامل في الحال غير العامل في صاحبها.
قلت: هذا مشكل؛ لأن المضمر لا يعمل، والابتداء -أيضًا- لا يعمل في الفضلات (٢).
الشاهد الثالث بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
تَقُولُ ابنَتِي إنَّ انْطِلَاقَكَ وَاحِدًا … إلى الرَّوْعِ يَوْمًا تَارِكِي لا أَبَا لِيَا
أقول: قائله هو مالك بن الريب بن حوط بن قوظ بن حِسْل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، قتل بخراسان مع سعيد بن عثمان نائب معاوية على خراسان (٥).
وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله (٦):
١ - ألَا لَيتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلَةً … بِجَنْبِ الغَضَى أُزْجِي القِلاصَ النَّوَاجِيَا
стр. 1102
٢ - فلَيتَ الغَضَى لَمْ يَقْطَعِ الرَّكْبُ عَرضَهُ … وليتَ الغَضَى مَاشَى الرِّكَابَ لَيَالِيَا
٣ - لقدْ كَانَ فيِ أَهْلِ الغَضَى لَوْ دَنَا الغَضَى … مَزَارٌ وَلَكنَّ الغَضَى ليسَ دَانِيَا
٤ - ألمْ تَرَنِي بِعْتُ الضلالةَ بالهُدَى … وأصْبَحْتُ فيِ جِيشِ ابن عفَّانَ غَازِيَا
٥ - وأصْبَحْتُ فيِ أَرْضِ الأعَادِي بُعَيْدَمَا … أُرَانِي عَنْ أَرْضِ الأعَادي قَاصيَا
٦ - دَعَانِي الهَوَى مِنْ أهْلِ أُودٍ وَصُحْبَتِي … بِذِي الشطَّين فَالتَفَتُّ ورَائِيَا
٧ - أَجَبْتُ الهَوَى لَمَّا دَعَانِي بِزَفْرَةٍ … تَقَنَّعْتُ مِنْهَا أنْ أُلامَ رِدَائِيَا
٨ - أقُولُ وقَدْ حَالتْ قَرَي الكُردِ بيننا … جَزَى الله عَمَرًا خَيرَ مَا كَانَ جَازِيَا
٩ - إنِ الله يُرْجِعُنِي منَ الغَزْو لَا أُرَى … وَإنْ قَلّ مَالِي طَالِبًا مَا وَرَائِيَا
١٠ - تقول ابنتي ................ … ...................................... إلخ
١ - قوله: "بجنب الغضى" بفتح الغين والضاد المعجمتين، قال أبو علي: الغضا: شجر ينبت في الرمل ولا يكون غضًّا إلا في الرمل، قوله: "أزجي" أي: أسوق، يقال: أزجاه يزجيه إزجاء وزجاه [يزجيه] (١) تزجية، قوله: "القلاص" بكسر القاف؛ جمع قلوص وهو الشاب من الإبل، و "النواجي": السراع.
٢ - و: "الركاب": الإبل، ويجمع على ركائب، والمعنى: ليت الغضا طال بهم.
٤ - قوله: "ألم ترني بعت" يعني: بعت ما كنت فيه من الفتك والضلالة بأن صرت في جيش سعيد بن عثمان بن عفان ﵁.
٥ - قوله: "قاصيا" من قصى إذا بَعُد.
٦ - قوله: "بذي الشطين"، قال أبو علي القالي: شطين بخراسان أو قريبًا منها، يقول: دعاني هواي وتشوقي من ذلك الموضع وأصحابي بالموضع الآخر.
٧ - قوله: "تقنعت منها" يقول: لما ذكرت ذلك الموضع استعبرت واستحييت فتقنعت بردائي لكي لا يري ذلك مني.
٨ - [قوله: "قوي الكرد" بفتح الكاف وسكون الراء وفي آخره دال مهملة، وهو الطرد] (٢).
١٠ - قوله: "إلى الروع" بفتح الراء، وهو الفزع والخوف، ولكن أريد به الحرب الذي من لوازمه الفزع والخوف.
стр. 1103
الإعراب:
قوله: "قول": فعل مضارع، و "ابنتي": كلام إضافي فاعله، والجملة التي بعده مقول القول، قوله: "إن انطلاقك" الانطلاق: مصدر مضاف إلى فاعله وقع اسمًا لإن، وخبره قوله: "تاركي".
قوله: "واحدًا" حال من الكاف التي أضيف إليها الانطلاق، قوله: "إلى الروع": يتعلق بالانطلاق، قوله: "يومًا": نصب على الظرف، قوله: "لا أبا ليا" في محل النصب على المفعولية وأصله: لا أب لي، وأب: اسم لا، وخبره محذوف، أي: لا أب لي موجود حينئذ، وإنما زِيدَتْ الألف فيه كما يقال في: يا غلامي: يا غلامًا، قال أبو النجم (١) , (٢):
يا ابنة عما لا تلومي واهجعي … ...........................
وقال أبو علي: تقول العرب: قم لا أب لك، ولا أبا لك على توهم الإضافة؛ كما قال الشاعر (٣):
............................ … يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
يريد: يا بؤس الجهل، قال: ويروى: لا أبًا ليا بالتنوين، ولا أبا ليا بغير تنوين (٤).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "واحدًا" فإنه وقع حالًا عن المضاف إليه وهو الكاف في: "انطلاقك"، وإنما جاز ذلك؛ لأنها فاعل بالمصدر، والتحقيق هاهنا أن صاحب الحال لا يجوز أن يكون مجرورًا
стр. 1104
بالإضافة نحو: جاءني غلام هند كريمة إلا في ثلاثة مواضع:
أحدها: أن يكون المضاف عاملًا في الحال [مجرورًا] (١) مثل أن يكون فيه معنى الفعل كقولك: اعتكافي صائمًا، وصومي ذاكرًا، وصلاتي خاشعًا، قال الله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ومنه البيت المذكور.
والثاني: أن يكون المضاف جزء ما أضيف إليه؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾ [الحجر: ٤٧].
الثالث: أن يكون كجزئه نحو: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] (٢).
الشاهد الرابع بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
لَهِنَّكَ سَمْحٌ ذَا يَسَارٍ ومُعْدمًا … كَمَا قَدْ أَلِفْتَ الحِلْمَ مَرْضي ومُغْضَبَا
أقول: استشهد به أبو علي، وأبو الفتح وغيرهما، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله (٥)، وهو من الطويل.
قوله: "لهنك" أصله: لإنك فأبدلوا الهاء من همزة أن، قال الشاعر، وهو (٦) محمد
стр. 1105
ابن سلمة (١):
ألَا يَا سَنَا بَرْقٍ عَلَى قُلَلِ الحمَى … لَهِنَّكَ مِنْ بَرْقٍ عَلَيّ كَرِيمُ
ويقولون: هِن فعلتَ فعلتُ، يريدون: إن فعلت (٢).
قوله: "سمح" بفتح السين المهملة وسكون الميم، وفي آخره حاء مهملة ومعناه: كريم؛ من السماح والسماحة وهو الجود، وسمح به، أي: جاد به، وسمح لي، أي: أعطاني، ولقد سمُح بالضم فهو سمح، وقوم سمحاء؛ كأنه جمع سمح، ومساميح كأنه جمع مسماح، وامرأة سمحة ونسوة سماح لا غير، وعن ثعلب: المسامحة: المساهلة، وتسامحوا تساهلوا.
قوله: "ذا يسار" أي ذا غنى، و "معدمًا" أي: فقيرًا، و "العدم" بفتحتين: الفقر، وكذا العُدْم بضم العين وسكون الدال، وأعدم افتقر فهو معدم وعديم، قوله: "مرضي": اسم مفعول من الإرضاء، وكذا قوله: "مغضب": اسم مفعول من الإغضاب.
الإعراب:
قوله: "لهنك" اللام فيه لام التوكيد وهي مفتوحة، وهنك بكسر الهاء، وأصلها: إنك، والكاف اسمه، و "سمح" خبره، قوله: "ذا يسار": كلام إضافي وقع حالًا من ضمير سمح، و "معدمًا" معطوف عليه.
قوله: "كما قد ألفت" الكاف للتشبيه، وما مصدرية، وقد للتحقيق، وألفت جملة من الفعل والفاعل، و "الحلم" مفعوله، وقوله: "مرضي": حال من الضمير الذي في ألفت، وكذلك قوله: "مغضبَا" حال إما من المتداخلة، أو المترادفة، وتقدير الكلام: كألفتك الحلم والرأفة في حال الرضى وحالة الغضب، والمعنى: إن الحلم لا يفارقك، سواء كنت راضيًا أو غضبان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ذا يسار" فإنه حال قدم على عاملها، ويجوز في الكلام تقديم الحال على سمح بأن يقال: إنك ذا يسار ومعدمًا سمح؛ لقوة عمل الصفة المشبهة (٣) فافهم.
стр. 1106
الشاهد الخامس بعد الخمسمائة (١) , (٢)
رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحْقِبي أَدْرَاعِهِم … فيهمْ وَرَهْط ربيعةَ بن حُذار
أقول: قائله هو النابغة الذبياني، وهو من قصيدة من الكامل يخاطب بها زرعة بن عمرو، وقد ذكرناها وما يتعلق بها مستوفاة في شواهد العلم (٣).
قوله: "رهط ابن كوز" رهط الرجل: قومه وقبيلته، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]، وهو جمع معنى، وليس له واحد من لفظه، مثل: ذود، والجمع أرهط وأرهاط وأراهط؛ كأنه جمع أرهط وأراهيط.
قوله: "ابن كوز" بضم الكاف وسكون الواو وفي آخره زاي معجمة، وهو يزيد بنُ حُذَيْفَةَ بن كوز، قال الجوهري: اسم رجل من بني ضبَّةَ (٤)، قوله: "محقبي أدراعهم" من أحقب زاده خلفه على راحلته إذا جعله وراءه حقيبة، والأدراع: جمع دِرْع الحديد وهي مؤنثة، وحكى أبو عبيدة أنه يذكر ويؤنث (٥)، و"الأدراع": جمع قلة، وكذلك الأَدْرُع، والجمع الكثير دُرُوع، قوله: "ابن حُذَار" بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة، وهو من بني أسد.
الإعراب:
[قوله: "] (٦) رهط" مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو رهط ابن كوز، والضمير يرجع إلى قوله: "ألقى إليك" في البيت الذي قبله، ويجوز أن ينتصب على أن يكون تفسيرًا لقوله: ألقي إليك قوادم الأكوار"، قوله: "محقي أدراعهم" كلام إضافي حال من
стр. 1107
الضمير المجرور، قوله "ورهط ربيعة": كلام إضافي -أيضًا- عطف على رهط (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "محقبي أدراعهم" حيث وقع حالًا من الضمير المجرور، وهو قوله: "فيهم"، وهذا شاذ لا يقاس عليه، وقد قال بعضهم: إن "محقبي أدراعهم" نصب على المدح، فحينئذ لا شاهد فيه ولا حكم بالشذوذ فافهم (٢).
الشاهد السادس بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
بِنَا عَاذَ عَوْفٌ وَهُوَ بَادِيَ ذِلَّةٍ … لَدَيْكُمْ فَلَمْ يعْدَمْ وَلاءً ولا نَصْرًا
أقول: لم أقف على اسم قائله، قيل: إن قائله مجهول، وهو من الطويل.
قوله: "وهو بادي ذلة" أي ظاهر ذلة؛ من البدو وهو الظهور، قوله: "فلم يعدم": من عدمت الشيء بالكسر أعدمه عَدَمًا بالتحريك على غير قياس؛ أي: فقدته، قوله: "ولاء" بفتح الواو؛ من الموالاة وهو ضد المعاداة.
الإعراب:
قوله: "بنا": جار ومجرور يتعلق بعاذ، و: "عاذ عوف": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "وهو بادي ذلة": جملة وقعت حالًا من الضمير المستتر في: "لديكم"، وفيه دليل على جواز: زيد جالسًا في الدار وهو قول الأخفش (٥).
стр. 1108
قوله: "فلم يعدم" عطف على قوله: "عاذ"، وهو جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه، قوله: "ولاء" بالنصب مفعوله، "ولا نصرًا" عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بادي ذلة" فإنه وقع حالًا من الضمير المجرور بالظرف وتقدم عليه، وهو شاذ (١).
الشاهد السابع بعد الخمسمائة (٢) , (٣)
ونَحْنُ مَنَعْنَا البَحْرَ أَنْ تَشْرَبُوا به … وقد كَانَ منكُمْ مَاؤُه بمكَانِ
أقول: قد ذكر بعضهم أن هذا البيت من أبيات قالها بعض الخوارج (٤) حين حالوا بين الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ وبين الماء بأرض كربلاء حتى مات أكثر شيعته عطشًا.
وهو من الطويل، المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "ونحن منعنا" الواو للعطف على شيء قبله، ونحن مبتدأ، ومنعنا جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع على أنه خبر، قوله: "البحر": منصوب بنزع الخافض تقديره: عن البحر، وقوله: "أن تشربوا": مفعول منعنا، وأن مصدرية، تقديره: منعنا شربكم عن البحر، يقال: منعت زيدًا عن الكلام ونحوه، قوله: "به" الباء هاهنا يصح أن تكون للتبعيض؛ كما في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وكما في قول الشاعر (٥):
شَرِبْنَ بِمَاء البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ .... .............................
стр. 1109
ويجوز أن يضمن تشربوا معنى: ترووا، يعني: منعنا أن ترووا بماء البحر، وهذه اللفظة -أعني قوله: "أن تشربوا به" هكذا وقعت في نسخ ابن المصنف بإعمال أن وبحرف الجر، وربما أشار ابن هشام إلى التأويل الذي ذكرناه، وأنشده الشيخ عبد العزيز بن جمعة الموصلي المعروف بالقواس (١) في شرحه لألفية ابن معطٍ هكذا (٢):
ونَحْنُ مَنَعْنَا البَحْرَ أنْ تَشْرَبُونَهُ … ..........................
بإثبات نون الجمع في النصب؛ لأنه أتى به شاهدًا لإثبات النون حالة النصب، فعلى هذا لا يحتاج إلى التأويل المذكور، ولكن يحتاج إلى تأويل آخر، وهو أن التقدير: أن تشربوا منه، فافهم ذلك فإنه موضع النظر.
قوله: "وقد كان" جملة وقعت حالًا من الضمير الذي في منكم، وهو الضمير المجرور بالحرف (٣)، قوله: "ماؤه" كلام إضافي مرفوع لأنه اسم كان، قوله: "بمكان": في محل النصب على الخبرية.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وقد كان" حيث وقع حالًا عن المجرور بالحرف وهو شاذ؛ لأن تقديم الحال على العامل الحرفي لا يجوز، وما جاء من ذلك شاذ، وكذلك لا يجوز تقديها على العامل الظرفي (٤)؛ كما في البيت السابق (٥).
الشاهد الثامن بعد الخمسمائة (٦) , (٧)
متَى مَا نَلْتَقِي فَرْدَيْنِ ترجُفْ … روانِفُ إِليتَيكَ وتستطارَا
أقول: قائله هو عنترة بن شداد العبسي، وهو من قصيدة رائية من الوافر، وأولها هو
стр. 1110
قوله (١):
١ - أحَوْلِي تَنْفُضُ استك مِذرَويهَا … لِتَقْتُلَنِي فَهَا أَنَا ذَا عُمارَا
٢ - متَى مَا .................. … .................................... إلى آخره
٣ - وَسيْفِي صَارِمٌ قَبَضَتْ عليهِ … أشَاجعٌ لا تَرَى فيها انتشارَا
٤ - حُسَامٌ كالعقيقةِ فهوَ كِمْعِي … سِلاحِي لا أَفَلَّ ولَا فُطَارَا (٢)
٥ - ومُطَّرِدُ الكُعُوبِ أَحَصُّ صَدْقٍ … تَخَالُ سِنَانَهُ في اللَّيل نَارَا
٦ - سَتَعْلَمُ أَيُّنَا للموْتِ أدْنَى … إذَا دانيت لي الأَسَلَ الحِرَارَا
٧ - ولِلرُّعيَانِ فِي لُقُحٍ ثَمَانٍ … تُهَادِنُهُنَّ صَرًّا أو غِرَارَا
٨ - أقَامَ علَى خَسِيسَتِهنَّ حَتَّى … لَقَحْنَ وَنَتَّجَ الأُخَرَ العِشَارَا
٩ - وقِظْنَ على لَصَافٍ وَهنَّ غُلْبٌ … تَرَنُّ مُتُونُهَا لَيلًا ظُئَارَا
١٠ - ومَنجُوبٌ لهُ مِنْهُن صَرْعٌ … يَميلُ إذا عَدَلْتَ به الشوارَا
١١ - أقلُّ عَلَيكَ ضُرًّا مِنْ قَرِيحٍ … إذَا أَصْحَابُهُ ذَمَرُوهُ سارا
١٢ - وخَيْلٍ قدْ زَحَفْتُ لها بخيلٍ … عليهَا الأسْدُ تهْتَصرُ اهتِصَارَا (٣)
قال الأعلم (٤): يهجو عنترة بهذه القصيدة عمارة بن زياد، وكان يحسد عنترة ويقول لقومه: إنكم أكثرتم ذكره، والله لوددت أن لقيته خاليًا حتى أعلمتكم أنه عبد، وكان عمارة جوادًا كثير الخير مضيعًا لماله مع جوده، وكان عنترة لا يكاد يمسك إبلًا يعطيها أخوته فيقسمها، فبلغه ما يقول عمارة، فقال [في ذلك] (٥):
١ - أحَوْلِي تَنفُضُ استك مِذرَوَيْهَا … .............................
стр. 1111
يقال: جاء ينفض مذرويه إذا جاء باغيًا يتهدد، و "المذروان": طرفًا الإليتين ولا واحد لهما؛ لأنه لو كان واحدهما مِذْرَي على ما قاله (١) أبو عبيدة لقالوا: مذريان في التثنية؛ لأن المقصور إذا كان على أربعة أحرف يثنى بالياء على كل حال؛ نحو: مقلى ومقليان (٢).
قوله: "عمارَا" بضم العين؛ منادى مرخم، أصله: يا عمارة، فلما حذف حرف النداء رخمه.
٢ - قوله: "نلتقي": من اللقى، قوله: "فردين" أي: منفردين، قوله: "ترجف" أي: تضطرب وتتحرك، و "الروانف": جمع رانفة، وهي طرف الإلية، قال الجوهري: الرانفة [أسفل] (٣) الإلية وطرفها الذي يلي الأرض من الإنسان إذا كان قائمًا، قوله: "وتستطارا" من قولهم: استطار (٤) الشيء إذا طير، والألف فيه ضمير الروانف؛ لأنه (٥) في معنى رانفتين، ويجوز أن يكون ضمير الإليتين.
٣ - قوله: "صارم" أي: قاطع، والأشاجع": عصب ظاهر الكف، واحدها أشجع (٦)، وصفها بقوله: لا ترى فيها انتشارًا أنه سليم العصب شديد الخلق.
٤ - قوله: "كالعقيقة" أي: كالسحابة تنشق عن البرق، قال الجوهري: وعقيقة البرق ما انعق منه أي: تضرَّبَ في السحاب، وبه شبه السيف، قال عنترة:
وسيفي كالعقيقة ........... … ......................... إلى آخره (٧)
قوله: "كمعي" بكسر الكاف؛ أي: ضجيعي، وأراد: هو ملازم لي وإن كنت مضطجعًا كان مضاجعي، قوله: "لا أفل": من الفلول، و "الفطار" بضم الفاء؛ المشقق.
٥ - قوله: "ومطرد الكعوب" أراد به رمحًا طويلًا؛ وكعوبه: رؤوس أنابيبه، واطرادها: تتابعها واستقامتها، قوله: "أحص" أي: أملس لا لحاء عليه ولا عقدة، قوله: "صدق" بفتح الصاد المهملة وسكون الدال وفي آخره قاف، وهو الرمح المستوي المستقيم الصلب.
٦ - و"الأسل" بفتحتين؛ أطراف الرماح، و "الحرار" بكسر الحاء المهملة، أي: العطاش إلى الدم.
٧ - و "الرعيان": جمع راعٍ، و "اللقح": جمع لقحة، وهي ذوات الألبان، "تهادنهن" أي تخادعهن الرعيان وتداريهن لتسكن عند الحلب، و "الصرّ" بفتح الصاد المهملة وتشديد
стр. 1112
الراء؛ أن تصر ضروعها لتحتفل درتها، و "الغرار" بكسر الغين المعجمة؛ نقصان اللبن.
٨ - قوله: "أقام على خسيستهن" أي: قام الراعي "وخسيستهن": مهازيلُهنّ ورذالُهُنَّ، قوله: "لقحن" أي: حملن، و "العشار": التي عليها عشرة أشهر منذ حملت.
٩ - قوله: "وقِظْن" بكسر القاف وسكون الظاء المعجمة؛ من القيظ، أراد: أنهن أقمن أيام القيظ على لصاف، وهو منزل من منازل بني تميم، وهو بفتح اللام والصاد وفي آخره فاء، ويجوز كسر الفاء على البناء كقطام وفتحها للإعراب لأنه لا ينصرف، و"الغلب" بضم الغين المعجمة وسكون اللام، أراد أنها غلاظ الرقاب، و "متونها": شدادها وصلابها على البرد، ومعنى "ترن": تصوت وتئن، و "الظؤار" بضم الظاء المعجمة؛ جمع ظئر وهي التي تعطف على ولد غيرها.
١٠ - قوله: "ومنجوب" أي: زق مدبوغ بالنجب، وهو قشر شجرة يدبغ به، وهو بفتح النون والجيم وفي آخره باء موحدة.
قوله: "صرع" بفتح الصاد وسكون الراء وفي آخره عين كلها مهملات، وهي الناقة التي تتخذ لأداة الراعي، و "الشَّوار" بفتح الشين المعجمة؛ متاع الراعي ومتاع الرجل.
١١ - و "القريح" بفتح القاف، وهو الرجل الذي به القرحات، قوله: "دفروه" أي: زجروه وحثوه على القتال، [قوله: "] (١) سار": من السورة، وهي الوثبة على القرن والإقدام عليه.
١٢ - قوله: "قد زحفت": من الزحف وهو النهوض إلى القتال، و "الاهتصار": جذب الشيء ليكسر.
الإعراب:
قوله: "متى ما نلتقي" يخاطب به عنترةُ عمارةَ بن زياد، ويصف نفسه بالشهامة، ومتى مِنْ كَلِم المجازاة، و: "نلتقي" جزم به، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "فردين": حال من الفاعل والمفعول معًا، أي: أنا فرد وأنت فرد (٢)، قوله: "ترجف": مجزوم لأنه جواب الشرط، قوله: "روانف": مرفوع لأنه فاعل ترجف، وهو مضاف إلى إليتيك.
و"تستطارا" يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون مجزومًا بحذف النون، والأصل: تستطاران؛ فالضمير للروانف، وعاد إليها الضمير بلفظ التثنية وإن كان جمعًا؛ لأنها تثنية في المعنى (٣)؛ لأن كل إلية لها رانفة (٤) فهو من
стр. 1113
قبيل [قوله تعالى (١)]: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
والثاني: أن يكون عائدًا إلى الإليتين.
والثالث: أن يكون الضمير مفردًا عائذا إلى المخاطب، والألف بدل من نون التوكيد، والأصل: تستطارن فأبدل من النون ألفًا؛ كما في قوله (٢):
........................... … فَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ واللهَ فاعْبُدَا
أصله: فاعبدن، ويقال: الضمير المفرد عائد إلى الروانف تقديره: تستطارن هي، ويقال: يجوز أن يكون منصوبًا بإضمار أن في تقدير مصدر مرفوع بالعطف على مصدر ترجف، تقديره؛ ليكن منك رجف الروانف والاستطارة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فردين" فإنه وقع حالًا من الفاعل والمفعول جميعًا (٣).
الشاهد التاسع بعد الخمسمائة (٤) , (٥)
عَهِدْتُ سُعَادَ ذَاتَ هَوًى مُعَنًّى … فَزِدْتُ وَزَادَ شلْوَانًا هَوَاهَا
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الوافر وفيه العصب والقطف.
قوله: "مُعَنًّى" أي: أسيرًا في الحب، من عناه يعنيه، والعاني: الأسير، قوله: "سلوانًا" بضم السين؛ بمعنى السلوة، قال الأصمعي؛ يقول الرجل لصاحبه: سقيتني منك سلوة وسلوانًا، أي: طيبت نفسي عنك، ويقال: السلوان: دواء يسقاه الحزين فيسلو، والسلوانة: خرزة كانوا يقولون إنها إذا صببت عليها ماء المطر ثم شربه العاشق سلا.
стр. 1114
الإعراب:
قوله: "عهدت": جملة من الفعل والفاعل، و "سعاد": مفعوله وهو لا ينصرف للعلمية والتأنيث، قوله: "ذات هوي": كلام إضافي حال من سعاد، قوله: "معنًّى": حال من التاء في عهدت.
قوله: "فزدت": جملة من الفعل والفاعل وهو فعل لازم هاهنا، وقوله: "سلوانًا": نصب على التمييز، وقوله: "زاد" -أيضًا- فعل لازم، وقوله: "هواها": كلام إضافي فاعله، والضمير ورجع إلى سعاد، أراد: أنه لما كان مغرمًا بها كانت هي خالية، فلما زاد سلوانًا زادت هي غرامًا، وهذا هو من عكس الزمان؛ حيث يأتي دائمًا بضد المقصود، ومن هذا القبيل قول الشاعر (١):
سَأَطلُبُ بُعْدَ الدَّارِ عنكُم لِتَقْرَبُوا … وَتَسْكُبُ عَينَايَ الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ذات هوى معنًّى" فإن "ذات هوى" حال من المفعول وهو سعاد، "ومعنًّى" حال من الفاعل وهو التاء في: "عهدت" كما ذكرناه (٢).
الشاهد العاشر بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
وتُضِيءُ فِي وَجْهِ الظَّلَامِ مُنِيرَةً … كَجُمَانَة البَحْريُّ سُلَّ نِظَامُهَا
أقول: قائله هو لبيد بن ربيعة بن عامر العامري، وقد ترجمناه في أول الكتاب (٥).
وهو من قصيدة طويلة من الكامل، يصف بالبيت بقرة، وأول القصيدة هو قوله (٦):
١ - عَفَتِ الدِّيارُ مَحَلُّها فمُقامُها … بِمنًى تأبدَ غَوْلُهَا فرِجَامُهَا
стр. 1115
٢ - فمُدافِعُ الريَّانِ عُرِّي رَسْمُهَا … خَلَقًا كما ضَمِنَ الوَحِيّ سِلامُهَا
٣ - حتَّى إذَا حَسَرَ الظَّلامُ وأَسْفَرَتْ … بَكرتْ تَزِلَّ عن الثّرى أزْلامُها
إلى أن قال:
وتضيء ......................... … ............................ إلخ
١ - قوله: "عفت الديار" أي: درست؛ من العفى وهو الدروس، "ومحلها": حيث حلوا ونزلوا، و "المقام": حيث أقاموا، قال الأصمعي: "منى": موضع ببلاد قيس قريب من طخفة في الشق الأيسر وأنت مصعد إلى مكة، وصرفه لأنه ذكر، وكذلك منى الحرم مصروف، قوله: "تأبد" أي: توحش، قوله: "غولها" الغول -بفتح الغين المعجمة مكان بعينه، وكذلك "الرجام": مكان، وهو بكسر الراء وبالجيم.
٢ - و"الريان": اسم واد، و"مدافعه": أعاليه التي تدفع الماء إلى أسفله، قوله: "عُرِّى رسمها" أي: لم يبق فيه أحد، قوله: "خلقًا": نصب على القطع من الرسم؛ لأنه مضاف إلى معرفة، والمعنى: إن هذا الرسم خلق فلا تكاد تبينه إلا كما ترى من الكتاب القديم في الحجارة، وهي السلام بكسر السين، و"الوحيّ" بفتح الواو وكسر الحاء [المهملة] (١) وتشديد الياء آخر الحروف، بمعنى المكتوب.
٤ - قوله: "وتضيء" أي: تضيء هذه البقرة، يعني: لونها يضيء إذا تحركت في وجه الظلام، ويروى:
وتضيء في غلس الظلام منيرة … ............................................
و"الجمانة" بضم الجيم وتخفيف الميم؛ حبّة تعمل من فضة كالدُّرة، والجمع جمان، و "البحري" بتشديد الياء آخر الحروف، من أهل الريف والأمصار، قال الراجز (٢):
حَسِبْتُ فيهَا تَاجِرًا بَحْرِيًّا … نشر من ملائه البَصْرِيّا
قوله: "سل": من سللت الشيء أسله سلًّا، و "النظام" بكسر النون؛ هو الخيط الذي ينتظم به اللؤلؤ، قوله: "إذا حسر" أي: انكشف، و "أسفرت" يعني: البقرة، قوله: "أزلامها" يعني: أظلافها، ويقال: قوائمها، أرد أن قوائمها كالقداح، وإنما تزل للسرعة والخفة.
стр. 1116
الإعراب:
[قوله: "] (١) وتضيء": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى البقرة التي يصفها، قوله: "في وجه الظلام" يتعلق به، قوله: "منيرة": حال من الضمير الذي في تضيء، قوله: "كجمانة البحري" الكاف للتشبيه وجمانة مجرور به، والبحري مجرور بالإضافة، قوله: "سل" على صيغة المجهول، و "نظامها": مفعول ناب عن الفاعل، والجملة صفة لجمانة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "منيرة" فإنه حال مؤكدة لعاملها (٢).
الشاهد الحادي عشر بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
سَلَامَكَ رَبَّنَا في كُلِّ فَجْرٍ … بَرِيئًا ما تَغَنَّثُكَ الذُّمُومُ
أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن غبرة بن ثقيف أبو عثمان.
ويقال: أبو الحكم الثقفي، شاعر جاهلي، قدم دمشق قبل الإسلام، وقيل: إنه كان صالحًا، وأنه كان في أول أمره على الإيمان، ثم زاغ عنه، وأنه هو الذي أراد الله بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥] الآية.
والبيت المذكور من الوافر.
قوله: "ما تغنثك الذموم" قال الخليل: تغنثني كذا؛ أي: لاق بي، وأنشد البيت المذكور، أي: لا يليق بك، وقال أبو حيان في التكميل: معنى ما تغنثك: ما تلزق بك، قلت: ومادته غين معجمة ونون وثاء مثلثة، و "الذموم": جمع ذم وهو خلاف المدح.
стр. 1117
الإعراب:
قوله: "سلامك": مصدر ناب عن فعله، أي: سلمت عن النقائص في كل وقت، قوله: "ربنا": منادى حذف منع حرف النداء، أي: يا ربنا، قوله؛ "في كل فجر" ويروى: في كل وقت، أراد: سلمت من النقائص في كل وقت، قوله: "بريئًا": حال من الكاف في سلامك، قوله: "ما تغنثك الذموم": جملة منفية مركبة من الفعل والمفعول وهو الكاف، والفاعل هو قوله: "الذموم" وهذه الجملة مؤكدة لقوله: "بريئًا" في المعنى؛ لأن معناها البراءة مما لا يليق بجلاله.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بريئًا" فإنه حال من الكاف في "سلامك" من الأحوال المؤكدة؛ لأن سلامك معناه: سلمت كما ذكرنا (١).
الشاهد الثاني عشر بعد الخمسمائة (٢) , (٣)
قمْ قَائِمًا قمْ قَائِمًا … صَادَفْتَ عبْدًا نَائِمًا
وعُشْرَاءَ رائِمًا … ..............................
أقول: هذا رجز قالته امرأة من العرب.
٢ - قوله: "صادفت": دعاء بلفظ الخبر دعت لولدها أن يصادف عبدًا نائمًا، و "عشراء" أي: ناقة عشراء، و "رائمًا": من رئمت الناقة ولدها رئمًا إذا أحبته وحنت عليه، والناقة رؤوم ورائمة، وإنما قالت: رائما ولم تقل: رائمة إما للضرورة، وإما على تأويل: ذات رئمان.
٣ - والناقة العشراء هي التي يأتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر وزال عنها اسم الخاض ثم لا يزال اسمها عشراء حتى تضع وبعد ما تضع أيضًا، يقال: ناقتان عشراوان، ونوق عشار وعشراوات، ويبدلون من همزة التأنيث واوًا.
الإعراب:
قوله: "قم": جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت المستتر فيه، و "قائمًا": حال مؤكدة
стр. 1118
لصاحبها لفظًا ومعنى، والتكرير فيه لأجل التاكيد، قوله: "صادفت": جملة من الفعل والفاعل، و "عبدًا": مفعوله، و "نائمًا" صفته، وقد قلنا: إنها جملة دعائية بلفظ الخبر، قوله: "وعشراء": عطف على عبد، و "رائمًا": صفته على التأويل الذي ذكرناه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "قائمًا" فإنه حال مؤكدة كما ذكرنا (١).
الشاهد الثالث عشر بعد الخمسمائة (٢) , (٣)
أَصِخْ مُصِيخًا لِمَنْ أَبْدَى نَصِيحَتَهُ … والزَمْ تَوَقِّي خَلْط الجدِّ باللَّعِبِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
قوله: "أصخ": أمر من أصاخ؛ أي: استمع، ومادته: صاد مهملة وياء آخر الحروف وخاء معجمة، قوله: "لمن أبدى" أي: أظهر، و"التوقي": التحفظ والتحرز، و "الجد" بالكسر (٤)؛ ضد الهزل.
الإعراب:
قوله: "أصخ": جملة من الفعل والفاعل وهو أنت المستتر فيه، قوله: "مصيخًا": نصب على الحال من الضمير في أصخ، قوله: "لمن أبدى": يتعلق بقوله أصخ.
قوله: "من" موصولة، و "أبدى نصيحته": جملة من الفعل والفاعل والمفعول صلة الموصول، قوله: "والزم": أمر عطف على قوله: " [أصخ"، وقوله: "توقي" بالنصب مفعول الزم، وهو مضاف إلى الخلط المضاف إلى الجد، قوله: "] (٥) باللعب": يتعلق بالخلط.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "مصيخًا" حيث وقع حالًا من ضمير أصخ مؤكدة لعاملها لفظًا ومعنًى فافهم (٦).
стр. 1119
الشاهد الرابع عشر بعد الخمسمائة (١) , (٢)
أنَا ابنُ دَارَةَ مَعرُوفًا بِهَا نَسَبِي … وَهَلْ بدَارَةَ يَا لَلنّاسِ مِن عَارِ؟
أقول: قائله هو سالم بن دارة اليربوعي (٣)، وهو من قصيدة يهجو بها فزارة، وقبله (٤):
١ - لا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ … عَلَى قُلُوصكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ
٢ - لا تَأَمَنَنَّ عَليهَا أن يُبَيِّتَهَا … عَارِي الجوَاعِرِ يعْلُوهَا بقُسْبَارِ
٣ - أنا ابن دارة ........... … ........................... إلخ
وهي من البسيط.
١ - قوله: "قلوصك" القلوص -بفتح القاف: الفتى من الإبل كالشاب من الرجال، قوله: "بأسيار": جمع سير (٥).
٢ - و "الأجاعر": الإست، و "القسبار" بضم القاف وسكون السين المهملة وبالباء الموحدة، وهو الذكر الطويل الضخم (٦).
٣ - قوله: "أنا ابن دارة" بالدالة والراء المهملتين، وهو اسم أم الشاعر.
الإعراب:
قوله: "أنا" مبتدأ، و "ابن دارة": كلام إضافي خبره، وقوله: "معروفًا": حال مؤكدة، و "بها" ناب (٧) عن الفاعل، ويروى: "معروفًا لها نسبي"، وقوله: "نسبي": مرفوع بقوله: "معروفًا".
стр. 1120
قوله: "وهل": استفهام على وجه الإنكار وتقديره (١): هل عار بدارة؟، وكلمة "من" في قوله: "من عار" زائدة وهو في الأصل مبتدأ، وبدارة خبره.
قوله: "يا للناس": معترض بين المبتدأ والخبر، وكلمة: "يا" يجوز أن تكون لمجرد التنبيه، فحينئذ لا يحتاج إلى المنادى، ويجوز أن تكون للنداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قومي للناس، واللام فيه للتعجب المجرد، ولا يستعمل إلا في النداء؛ كما في قولك: يا للماء إذا تعجبت من كثرته فافهم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "معروفًا" فإنه حال مؤكدة لمضمون الجملة الاسمية؛ كما في قولك: زيد أبوك عطوفًا (٢).
الشاهد الخامس عشر بعد الخمسمائة (٣) , (٤)
عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا … زَعْمًا -لَعَمْرُ أَبِيكَ؟ لَيسَ بِمَزْعَمِ
أقول: قائله هو عنترة بن شداد العبسي، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها هو قوله (٥):
١ - هَلْ غَادَرَ الشعراءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ … أمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ؟ (٦)
٢ - أعْيَاكَ رَسْمُ الدارِ لَم يتكلَّمِ … حَتَّى تَكَلَّمَ كَالأَصمِّ الأعْجَمِ
إلى أن قال:
٣ - حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ … أقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيثَمِ
٤ - حَلَّتْ بأرْضِ الزَّائِرِينَ فأصْبَحَتْ … عسِرًا عليَّ طِلَابُهَا ابنةُ مُخْرَمِ
стр. 1121
٥ - علقتها ..................... … ............................ الخ
وهي من الكامل.
قوله: "علقتها" على صيغة المجهول؛ من علق الرجل امرأة من علاقة الحب، وثلاثيه علِق بالكسر، ويقال: قد علقتها وعلق حبها بقلبه، أي: هوايها، وعلق بها علوقًا.
٥ - قوله: "عرضًا" بفتح العين والراء المهملتين وبالضاد العجمة وهو ما يعرض للإنسان من الأمور، والمعنى (١) هنا: هويتها وعلقتها من غير قصد، كما جاء نحوه في قول الأعشى (٢):
عُلِّقْتُهَا عرضًا وعُلِّقَتْ رَجُلًا ...... غيري وعُلِّقَ أُخْرَى غَيرَهَا الرَّجُلُ
قوله: "زعمًا" بفتح الزاي [المعجمة] (٣) والعين المهملة أي: طمعًا، وقد زعم بالكسر؛ أي: طمع، يزعم زعما وأزعمته أنا، وقوله: "ليس بمزعم" بفتح الميم؛ أي: ليس بمطمع.
الإعراب:
قوله: "علقتها" التاء نائب عن الفاعل، والهاء مفعول ثان، قوله: "عرضًا" لا نصب على التمييز، أي من جهة العرض لا من جهة القصد، قوله: "وأكمل قومها": جملة وقعت حالًا ولكن التقدير: وأنا أقتل قومها، لأن المضارع المثبت إذا وقع حالًا لا يقترن بالواو؛ فلا يقال: جاء زيد ويضحك، فإذن لا بد من التقدير بما ذكرنا.
قوله: "زعمًا": منصوب على المصدرية، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى زاعما، قوله: "لعمر أبيك": قسم واللام للتأكيد، و "عمر أبيك" كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: لعمر أبيك قسمي أو يميني، قوله: "ليس بمزعم": جملة وقعت صفة لقوله: "زعمًا" ولعمر أبيك معترض بينهما.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وأقتل قومها" حيث وقع حالًا، وهو مضارع مثبت؛ فلا يجيء بالواو، ويقدر بالجملة الاسمية، وتقديره: وأنا أقتل، كما قيل: قمت وأصك عينه، حكاه الأصمعي، وتأول على: قمت وأنا أصك عينه (٤).
стр. 1122
ويقال: هذا ضرورة، ويقال: الواو فيه للعطف، والمضارع مؤول بالماضي تقديره: علقتها عرضًا وقتلت قومها (١).
الشاهد السادس عشر بعد الخمسمائة (٢)، (٣)
فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ … نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكًا
أقول: قائله هو عبد الله بن همام السلولي، وهو من المتقارب وفيه الحذف والقبض.
المعنى: لما خشيت حملته وأنشاب أظفاره نجوت وخليت بينه وبين مالك، والذي خشيه هو عبيد اللَّه (٤) بن زياد، وكان قد توعده فهرب إلى الشام واستجار بيزيد فأمنه وكتب إلى عبيد اللَّه [يأمره أن يصفح عنه، قوله: "وأرهنهم مالكًا" يريد: تركت عريفي في يد عبيد اللَّه بن زياد وكان اسم] (٥) عريفه مالكًا.
الإعراب:
قوله: "فلما" بمعنى: حين، الفاء للعطف على ما قبله من الأبيات، قوله: "خشيت": جملة من الفعل والفاعل، و"أظافيرهم": كلام إضافي مفعوله، قوله: "نجوت": جواب لما.
قوله: "وأرهنهم" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وأنا أرهنهم؛ كما تقول: قمت وأصك قفاه، أي: وأنا أصك، و"مالكًا": مفعول ثان [قال ثعلب: الرواة كلهم على: أرهنتهم مالكًا على أنه يجوز: رهنته وأرهنته إلا الأصمعي، فإنه روى: وأنا أرهنهم مالكا؛ على أنه عطف بفعل مستقبل على فعل ماض، وشبهه بقولهم: قمت وأصك وجهه، وهو مذهب حسن؛ لأن الواو واو حال، فيجعل أصك حالا للفعل الأول على معنى: قمت صاكًّا وجهه؛ أي: تركته مقيمًا عندهم ليس من طريق الرهن؛ لأنه لا يقال: أرهنت الشيء، وإنما يقال: رهنته] (٦).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وأوهنهم مالكًا" حيث وقع حالًا، وهو مضارع مثبت، ولا يجيء بالواو، تقديره: وأنا أرهنهم كما ذكرنا (٧).
стр. 1123
الشاهد السابع عشر بعد الخمسمائة (١)، (٢)
ولو أن قَوْمًا لارْتِفَاعِ قَبِيلَةٍ … دَخَلُوا السَّمَاءَ دَخلتُها لا أحجَبُ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل، المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "ولو أن قومًا" الواو للعطف، ولو للشرط في المستقبل إلا أنها لا تجزم، وتقع أن بعدها كثيرًا، "وقومًا" اسم أن، وخبره قوله: "دخلتها".
فإن قلت: ما موضع أن هاهنا؟
قلت: الرفع، ولكنهم اختلفوا (٣):
فقال سيبويه: بالابتداء، ولا تحتاج إلى خبر لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه (٤).
وقال ابن عصفور: يقدر له الخبر مؤخرًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٣]، أي: ولو أن إيمانهم ثابت (٥).
وقال المبرد والزجاج والكوفيون: الرفع على الفاعلية، والفعل مقدر بعدها تقديره: ولو ثبت أن قومًا، والتقدير في الآية: ولو ثبت أنهم آمنوا، فافهم (٦)، قوله: "لارتفاع قبيلة" يتعلق بقوله: "دخلوا السماء" وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول وهو السماء، وقعت صفة للقوم، وقوله: "لا أحجب" جملة وقعت حالًا من ضمير دخلت مجردة عن الواو؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: ٢٠]، و ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤمِنُ بِاللهِ﴾ [المائدة؛ ٨٤].
стр. 1124
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لا أحجب" لأن الحال إذا كان مضارعًا مثبتًا أو منفيًّا بلا استغنت عن الواو (١).
الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة (٢)، (٣)
......................... … وَكُنْتُ ولَا يُنَهْنِهُنِي الوَعِيدُ
أقول: قائله هو مالك بن رقية، وصدره:
أمَاتُوا مِنْ دَمِي وتَوَاعَدُونِي … ...................................
وقبله:
١ - كفَانِي مصْعَبٌ وَبَنُو أَبِيهِ … فأينَ أحيدُ عنهُمْ لا أحيدُ؟
وهما من الوافر.
١ - قوله: "فأين أحيد": من حاد يحيد عن الشيء حيدًا وحيودًا وحيدودة إذا مال وعدل عنه، قوله: "ولا ينهنهني" أي: ولا يزجرني الوعيد؛ من نهنهت الرجل عن الشيء فتنهنه أي: كففته وزجرته فكف، ونهنهت السبع إذا صحت به ليكف، والأصل في نهنهه: [نهّهه] (٤) بثلاث هاءات، وإنما أبدلوا من الهاء الوسطى نونًا للفرق بين فعّل وفعلل، وإنما زادوا النون من بين سائر الحروف؛ لأن في الكلمة نونًا.
٢ - و"الوعيد، والإيعاد": يستعملان في الشر، والوعد يستعمل في الخير والشر جميعًا، قال الفراء: يقال وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا (٥).
الإعراب:
قوله: "وكنت": من كان التامة فلا تحتاج إلى خبر، والمعنى: وجدت غير منهنه بالوعيد، أي: غير منزجر به، ولا يجوز أن تجعل ناقصة والواو زائدة؛ لأن زيادة الواو لا تنقاس فافهم.
стр. 1125
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ولا ينهنهني الوعيد" فإنه مضارع منفي وقع حالًا، وقد جاء بالضمير والواو، وهذا قليل، والأكثر مجيئه بالضمير بلا واو (١).
الشاهد التاسع عشر بعد الخمسمائة (٢)، (٣)
أَكسَبَتْهُ الوَرِقُ البيضُ أَبًا … ولقد كانَ ولا يُدْعَى لأَبِ
أقول: قائله هو مسكين الدارمي، واسمه: ربيعة بن عامر، وهو من الرمل، وفيه الخبن والحذف.
قوله: "الورق" بفتح الواو وكسر الراء، وهي الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة [بالتخفيف] (٤)، والهاء عوض عن الواو، قال الفراء: في الورق ثلاث لغات: ورِق مثل كبِد، ووَرْق مثل كَبْد، وورْق مثل كِبْد (٥)، قوله: "ولا يدعى" أي: لا ينتسب؛ من الدعوة بكسر الدال.
المعنى: أنَّه كان مجهول النسب، ولم يكن يعرف له أب يدعى إِليه، فلما أعطي [له] (٦) مالًا ظهر له نسب واشتهر له أب يدعى إليه.
الإعراب:
قوله: "اكسبته الورق": جملة من الفعل وهو أكسبته، والمفعول وهو الهاء الَّذي يرجع إلى المعهود، والفاعل وهو الورق، وقوله: "البيض" بكسر الباء جمع أبيض صفة للورق، قوله: "أبا": مفعول ثان لأكسبت.
قوله: "ولقد كان" الواو للحال، واللام للتأكيد، وقد للتحقيق، وكان تامة فلا تحتاج إلى خبر، قوله: "ولا يدعى لأب": جملة وقعت حالًا -أيضًا- وهي مضارع منفي، جاء بالواو،