١ - عَفَا ذُو حُسَا مِنْ فَرْتِنَا فَالفَوَارِعُ … فَجَنْبًا أريكٍ فالتلاعُ الدوافعُ
٢ - فمُجْتمَعُ الأشْرَاجِ غيَّرَ رَسْمَهَا … مَصَايِفُ مَرَّتْ بَعْدَنَا وَمَرَابعُ
٣ - تَوَهَّمْتُ آياتٍ لها فعرفتُها … لِسِتَّة أعْوَامٍ وذَا العَامُ سَابِع
٤ - رَمَادٌ ككحلِ العينِ لأيًا أبِينُهُ … ونُؤْيٌ كَجَذْمِ الحَوضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ
٥ - كأن مَجَرَّ الرامسَاتِ ذُيُولَهَا … عَلَيهِ حَصِيرٌ نَمَّقَتْهُ الصَّوانِعُ
٦ - عَلَى ظَهْرِ مَبْنَاةٍ جَديدٍ سُيُورُهَا … يَطُوفُ بها وسطَ اللّطِيمَةِ بائعُ
٧ - فَكفْكَفْتُ مِنِّي عَبرَةٌ فَرَدَدْتُهَا … عَلَى النَّحْرِ مِنْهَا مُسْتَهَلٌّ وَدَامِعُ
٨ - على حين .............. … .................... إلخ
٩ - وقدْ حَال هَمٌّ دُونَ ذَلكَ شَاغِلٌ … مَكَانَ الشِّغَافِ تَبتَغِيهِ الأصَابعُ
١٠ - وعِيدُ أبِي قَابُوسَ في غَيرِ كُنهِهِ … أَتَانِي وَدُونِي رَاكِسٌ فالضَّوَاجِعُ
١ - قوله: "عفا" أي: اندرس، قوله: "ذو حسا" بضم الحاء والسين المهملتين، وهو موضع، قوله: "من فرتنا" أي: منازل فرتنا، وهو اسم امرأة، و"الفوارع" بالفاء؛ مواضع مرتفعة، و"الأريك" بفتح الهمزة وكسر الراء اسم موضع، و"التلاع" بكسر التاء المثناة من فوق: مجاري الماء، والواحدة تلعة، و"الدوافع": التي تدفع إلى الوادي.
٢ - قوله: "فمجتمع الأشراج" هو شعاب تدفع من الحرة، واحدها شرح بالجيم، و"المصايف": جمع مصيف، وهي زمن الصيف، و"المرابع": أزمنة الرَّبيع.
٣ - و"الآيات" علامات الدار.
٤ - قوله: "لأيًا أبينه" أي: لقلته وتغيره عن حالته لا أبينه إلَّا بعد بطء وجهد، و"النؤي" بضم النُّون وسكون الهمزة؛ حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، وجذم كل شيء، أصله، و"الأثلم": الذي تثلم وانهدم، و: "الخاشع" هنا المطمئن اللاصق بالأرض الذي ذهب شخوصه.
٥ - و"الرامسات" الرياح الشديدة، قوله: "نمقته" أي زينته.
٦ - قوله: "على ظهر مبناه" أي على ظهر نطع، وكانوا يبسطون النطع ويلقون عليها الحصر إذا عرضوها للبيع، و"اللطمة": سوق الطِّيب، وقيل: سوق فيها بز وطيب.
٧ - قوله: "مستهل" بضم الميم؛ أي: سائل منصب، و"الدامع": المترقرق في العين.
٨ - قوله: "أصح": من الصحو، وهو خلاف السكر، قوله: "وازع" بالزاي المعجمة والعين
стр. 1297
المهملة؛ من وزعت الرَّجل عن الأمر؛ أي: كففته وسمي الكلب وازعًا؛ لأنه يكف الذئب عن الغنم.
٩ - قوله: "الشغاف" بفتح الشين والغين المعجمتين، وهو حجاب القلب، قوله: "تبتغيه الأصابع" أي: أصابع الأطباء الذين يعالجونه.
١٠ - قوله: "في غير كنهه" أي: جاءني وعيده في غير قدر الوعيد وفي غير حقيقته، أي: لم أكن بلغت ما يغضب عليّ فيه ويتوعدني من أجله، قوله: "راكس بالراء والكاف والسين المهملة؛ اسم واد، و"الضواجع": جمع ضاجعة وهي منحنى الوادي ومُنْعطفه.
الإعراب:
قوله: "على حين" على ها هنا ظرف كفي؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ [القصص: ١٥] أي: في وقت غفلة.
والمعنى ها هنا: في وقت عاتبت، وحين ها هنا مبني مضاف إلى جملة، وهي فعل مبني بناء أصليًّا، ويجوز فيه الإعراب، ولكن البناء أرجح للتناسب، قوله: "عاتبت": جملة من الفعل والفاعل، و "المشيب" مفعوله، و "على الصبا" يتعلق بعاتبت، و"على" ها هنا للتعليل، والمعنى: عاتبت المشيب لأجل الصبا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي: لهدايته إياكم.
قوله: "وقلت" عطف على قوله: "عاتبت"، [قوله: "] (١) ألما" الهمزة للاستفهام على وجه الإنكار، ولما من الجوازم، و "أصح": مجزوم به، و"الشيب": مبتدأ، و"وازع": خبره والجملة وقعت حالًا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حين" حيث بني على الفتح لإضافته إلى فعل بناؤه لازم كما ذكرناه؛ ويجوز كسره للإعراب، ولكن البناء أرجح. فافهم (٢).
стр. 1298
الشاهد التاسع والأربعون بعد الستمائة (١)، (٢)
...................... … عَلَى حِينَ يَسْتَصْبِينَ كُلَّ حَلِيمِ
أقول: قائله لم أقف على اسمه، وصدره:
لَأَجْتَذِبَنْ مَنْهُن قَلْبِي تَحَلُّمًا … .....................
وهو (٣) من الطَّويل.
قوله: "تحلمًا" بتشديد اللام، وهو تكلف الحلم بكسر الحاء، وهو الأناة، قوله: "حين": مضاف إلى "يستصبين" من استصبيت فلانًا إذا عددته صبيًّا؛ يعني: جعلته في عداد الصبيان.
الإعراب:
قوله: "لأجتذبن" اللام للتأكيد، وأجتذبن: جملة من الفعل والفاعل مؤكدة بنون التأكيد الخفيفة، قوله: "منهن": جار ومجرور يتعلق بها، قوله: "قلبي": كلام إضافي مفعول لأجتذبن.
قوله: "تحلمًا" يجوز أن يكون حالًا بمعنى متحلمًا، ويجوز أن يكون نصبًا على التعليل، قوله: "على حين" لم يظهر الجر في حين لكونه مبنيًّا لإضافته إلى الجملة -أعني قوله: "يستصبين"، وهي جملة من الفعل والفاعل، قوله: "كل حليم": كلام إضافي مفعول.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "على حين" حيث جاء مبنيًّا على الفتح لإضافته إلى الجملة، وهذا البيت حجة على من ذهب إلى أن المضارع المتصل به نون الإناث باقٍ على إعرابه (٤).
стр. 1299
الشاهد الخمسون بعد الستمائة (١)، (٢)
....................... … على حينِ التواصلُ غير دان
أقول: لم أقف على اسم قائله، وصدره:
تَذكَّرَ ما تَذَكّرَ منْ سُلَيمَى … ......................
وهو من الوافر.
قوله: "على حين التواصل" ويروى: على حين التراجع. المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "تذكر": [جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "ما تذكر" جملة في محل النصب على أنها مفعول] (٣)، وكلمة من في: "سليمى" للغاية حيث جعل سليمى غاية؛ لتذكره، يعني: أنها في محل الابتداء والانتهاء، ويقال: إنها للمجاوزة، والأول أظهر.
قوله: "على حين" يجوز في حين الإعراب لتصدره باسم، وهو قوله: "التواصل" فإنَّه اسم مرفوع بالابتداء، وقوله: "غير دان": كلام إضافي خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "على حين" فإنَّه يجوز فيه الإعراب والبناء، ولكن البناء على الكسر أرجح على الإعراب، ولا يجيز البصريون غيره (٤).
стр. 1300
الشاهد الحادي والخمسون بعد الستمائة (١)، (٢)
أَلَم تَعْلِمِي يَا عَمْرَكِ الله أَنَّنِي … كَرِيمٌ عَلَى حيِن الكرامُ قليلُ
أقول: قائله هو مويال بن يهم المذحجي، ويقال: هو مبشر بن الهذيل الفزاري (٣).
وهو من قصيدة من الطَّويل هو أولها، وبعده:
٢ - وإِني لا أَخْزَى إذَا قِيلَ مُمْلَقٍ … سَخِيَّ وَأْخْزَى أن يُقَال بَخِيلُ
٣ - فإنْ لا يَكُنْ جِسْمِي طَويلًا فإنّنِي … لَهُ بالخِصَالِ الصَّالحاتِ وَصُولُ
٤ - إذا كُنْتُ فيِ القَومِ الطِّوالِ عَلَوْتَهُمْ … بِعَارِفَةٍ حَتَّى يُقَال طَويلُ
٥ - ولا خَيرَ فيِ حُسنِ الجُسُومِ وطُولِهَا … إذَا لَم يَزِنْ حُسْنَ الجُسومِ عقُولُ
٦ - وكَم قَدْ رَأَينَا من فروع كَثيرَةٍ … تَمُوتُ إذَا لَمْ يُحْيِهُنّ أُصُولُ
٧ - ولم أرَ كَالمعْرُوفِ أمَّا مَذَاقُهُ … فحُلْوٌ وأمَّا وَجْهُهُ فَجَميلُ
المعنى: ظاهر.
الإعراب:
قوله: "ألم تعلمي" الهمزة للاستفهام، وكلمة لم جازمة، وتعلمي مجزوم بها، و"أَنْتَ" فيه مستتر فاعله (٤)، قوله: "يَا عمرك الله": من عمِر الرَّجل بالكسر يعمر عَمرًا وعُمرًا بفتح العين وضمها على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك؛ أي: عاش زمانًا طويلًا.
ومنه قولهم: أطال الله عَمرك وعُمرك، وهما وإن كانا مصدرين بمعنى التعمير إلَّا أنَّه استعمل في القسم أحدهما، وهو المفتوح، فإذا أدخلت عليه اللام رفعته بالابتداء، فقلت: لعمر الله، واللام لتوكيد الابتداء، والخبر محذوف تقديره: لعمر الله قسمي، ولعمر الله ما أقسم به، فإن
стр. 1301
لم تأت باللام نصبته نصب المصادر، فقلت: عمر الله ما فعلت كذا، وعمرك الله ما فعلت.
ومعنى لعمر الله، وعمر الله: أحلف ببقاء الله ودوامه ، وإذا قلت: عمرك الله، فكأنك قلت: بتعميرك الله، أي: بإقرارك له بالبقاء، وقال عمر بن أبي ربيعة (١):
أيُّهَا المنكِحُ الثُّرَيا سُهَيلًا … عَمْرُكَ الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ
يريد: إنِّي سألت الله أن يطل عمرك، لأنه لم يرد القسم بذلك، وكذلك المعنى ها هنا: ألم تعلمي يَا فلانة سألت الله أن يطيل عمرك، فالتقدير هكذا والنادى محذوف، أو تقول: إن حرف النداء ها هنا لمجرد التنبيه، وذلك لأن "يا" إذا وليها ما ليس بمنادى تكون لمجرد التنبيه عند البعض، وعند البعض النادى محذوف، ويقدر بحسب ذلك المقام.
قوله: "أنني" أن مع اسمه وخبره سد مسد مفعولي تعلمي، قوله: "على" بمعنى الظرف، و"حين" معربة بالكسر؛ لأنه وقع قبل المعرب، أعني قوله: "الكرام" فإنَّه مرفوع بالابتداء، و"قليل" خبره.
الاستشهاد فيه:
وذلك لأن لفظة: "حين يوم" ونحوهما تعرب قبل المعرب نحو: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وقبل مبتدأ نحو: "حين الكرام قليل"، فالإعراب قبل هذين جائز بالاتفاق (٢).
وأما البناء فمنعه البصريون وأجازه الكوفيون، ومال أبو علي إلى تجويزه، واختاره ابن مالك، وعلى هذا روي البناء على الفتح ها هنا، أعني: على حين الكرام قليل، بفتح نون حين، فافهم (٣).
الشاهد الثاني والخمسون بعد الستمائة (٤)، (٥)
إذَا بَاهِلِيٌّ تَحْتَهُ حَنْظَلِيَّةٌ … لَهُ وَلَد مِنْهَا فَذَاكَ المُذرّعُ
أقول: قائله هو الفرزدق، واسمه همام بن غالب، وقد تكرر ذكره.
стр. 1302
وهو من الطَّويل.
قوله: "باهلي" [بالباء] (١) الموحدة؛ نسبة إلى باهلة قبيلة من قيس غيلان، وباهلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك، ومالك هو جماع مذحج.
"وحنظلية": نسبة إلى حنظلة، وهي أكرم قبيلة في تميم، يقال لهم: حنظلة الأكرمون، وأبوهم حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم، "المذرع" بضم الميم وفتح الذال المعجمة وتشديد الراء وفي آخره عين مهملة، وهو الذي أمه أشرف من أبيه، وهو الذي يسمى: إقرافًا، والإقراف: أن يكون الرَّجل والده وضيعًا وأمه شريفة، وقال له: المذرع، وقال ابن هشام اللخمي؛ وإنما سمي المذرع للرقمتين في ذراع البغل، وإنما صارتا فيه من قبل الحمار.
الإعراب:
قوله: "إذا" للشرط و"باهلي": مرفوع بكان المقدرة، تقديره: إذا كان باهلي، فحذف كان وأبقى اسمها وخبرها, ولا بد من هذا التقدير؛ لأن إذا الشرطية لا تدخل على الجملة الاسمية (٢).
قوله: "تحته حنظلية" جملة اسمية؛ لأن حنظلية مبتدأ وتحته خبره، والجملة في محل النصب لأنها خبر كان المقدرة، قوله: "له ولد": جملة اسمية يجوز أن تكون في محل الرفع على أنها صفة لباهلي، ويجوز أن تكون في محل النصب على الحال بدون الواو على القلة، قوله: "فذاك": مبتدأ، و"المذرع": خبره، والجملة جواب إذا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إذا باهلي" احتج به الأخفش والكوفيون على جواز دخول إذا الشرطية على الجملة الاسمية، وأجيب عنه بأن كان فيه مقدرة كما ذكرنا (٣).
الشاهد الثالث والخمسون بعد الستمائة (٤) , (٥)
....................... … ...... فَهَلًّا نَفْسُ لَيلَى شَفِيعُهَا
أقول: قائله هو قيس بن الملوح الملقب بالمجنون، ويقال: قائله هو ابن الدمينة، وقال
стр. 1303
ابن عصفور: قائله هو الصمة بن عبد الله القشيري (١)، وصدره (٢):
ونُبِّئتُ ليلَى أرسَلَتْ بشَفَاعَةٍ … إِلَيَّ فهلَّا ...............
وبعده:
٢ - أأكرَمُ مِنْ لَيلَى عَلَيَّ فَتَبْتَغِي … بِهِ الجَاهَ أَمْ كُنتُ امْرَأً لا أُطيعُهَا
وهما من الطَّويل.
قوله: "نبئت" أي: أخبرت.
الإعراب:
قوله: "ونبئت" على صيغة المجهول؛ فالتاء مفعوله الأول ناب عن الفاعل، وقوله: "ليلى": مفعول ثان، قوله: "أرسلت" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى ليلى مفعول ثالث، وقوله: بشفاعة" في محل النصب مفعول أرسلتْ، وقوله: "إليّ" يتعلق بأرسلت.
قوله: "فهلَّا": حرف تحضيض مختص بالجمل الفعلية الخبرية، فلذلك يقال ها هنا محذوف تقديره: فهلَّا كان هُو -أي: الشأن- نفس ليلى شفيعها، ويقال التقدير: فهلا شفعت نفس ليلى؛ لأن الإضمار من جنس المذكور أقيس، فعلى هذا قوله: "شفيعها" مرفوع على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي شفيعها، وعلى التقدير الأول قوله: "نفس ليلى" كلام إضافي مبتدأ، و"شفيعها" خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فهلا نفس" حيث أضمر فيه ضمير الشأن كما ذكرنا، والتقدير فيه: فهلا كان هو؛ لأن هذا مختص بالجملة الفعلية الخبرية كما ذكرناه (٣).
стр. 1304
الشاهد الرابع والخمسون بعد الستمائة (١) , (٢)
وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفاعةٍ … بِمُغْنٍ فَتِيلَا عَنْ سَوَاد بن قارِبِ
أقول: قائله هو سواد بن قارب الأَزدِيّ الصحابي ﵁، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في شواهد ما ولا وإن المشبهات بليس (٣).
والاستشهاد فيه:
في قوله: "يوم لا ذو شفاعة" فإن يوم فيه بمنزلة إذ في كونه اسم زمان مبهم لما يأتي؛ فلذلك نزل منزلته فيما أضيف إليه، وهذا ونحوه نزل فيه المستقبل لتحقيق وقوعه منزلة ما قد وقع ومضى.
الشاهد الخامس والخمسون بعد الستمائة (٤) , (٥)
إِنَّ لِلْخَيْر وللشَّرِّ مدًى … وَكِلَا ذَلكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ
أقول: قائله هو عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهو بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
وهو أحد شعراء قريش المعدودين، وكان يهجو المسلمين ويحرض عليهم كفار قريش، ثم أسلم بعد ذلك، وقبل النبي ﷺ إسلامه، وأمنَّه يوم الفتح، وقال ذلك يوم أحد وهو يومئذ
стр. 1305
مشرك، وهو من قصيدة أولها هو قوله (١):
يَا غُرَابَ البَينِ أَسَمَعْتَ فَقُلْ … إنَّما تَنْطقُ شيئًا قَدْ فُعِلْ
إلخ، ويروى:
إنَّ لِلخَيرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى … لِكِلَا ذَيْنِكَ وَقْتٌ وأَجَلْ
كُلُّ بُؤْسٍ ونَعِيمٍ زَائِلٌ … وبَنَاتُ الدَّهْرِ يَلْعَبْنَ بكُلْ
والعَطِيَّاتُ خِسَاسٌ بَينَهُمْ … وسَواءٌ قَبْرٌ مُثْرٍ ومُقِلْ
وهو من الرمل، وأصله في الدائرة: "فاعلاتن" ست مرات، وفيه الخبن والحذف.
قوله: "مدى" أي: غاية، قوله: "وقبل" بفتح القاف والباء الموحدة؛ أي: جهة.
الإعراب:
قوله: "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "مدى": اسمه، و" للخير" مقدمًا خبره، و"للشر": عطف عليه، قوله: "وكلا ذلك": كلام إضافي مبتدأ، قوله: "وجه": خبره، و"قبل": عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وكلا ذلك" فإن كلا فيه أضيف إلى ذلك، وهو لأن كان مفردًا في اللفظ ولكنه يرجع إلى شيئين في المعنى؛ لأن المذكور هو الخير والشر، فكأن المعنى: وكلا ما ذكر من الخير والشر، كما في قوله تعالى: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] أي: بين ما ذكر من الفارض والبكر.
وإنما قدر هكذا؛ لأن كلتا وكلا مما يلازم الإضافة إلى معرف مثنى لفظًا ومعنًى نحو: كلا الرجلين، وكلتا المرأتين، أو معنى دون لفظ؛ كما في قولك: كلانا فعلنا، ومنه البيت المذكور (٢).
الشاهد السادس والخمسون بعد الستمائة (٣) , (٤)
كِلا أَخِي وَخَلِيلي وَاجِدِي عَضُدًا … في النَّائِبَاتِ وَإلْمَامِ المُلِمَّاتِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
стр. 1306
قوله: "عضدًا" أي: معينًا ومساعدًا، [قوله: "] (١) في النائبات": جمع نائبة، وهي المصيبة، ونائبات الدهر: مصائبه، قوله: "وإلمام الملمات" الإلمام: الإتيان والنزول، وقد ألمَّ به؛ أي: نزل به، والملمات: جمع ملمة، وهي النازلة من نوازل الدهر.
الإعراب:
قوله: "كلا أخي": كلام إضافي مبتدأ، و"خليلي": عطف عليه، وقوله: "واجدي": كلام إضافي -أَيضًا- خبر المبتدأ، وإفراد الخبر باعتبار لفظ كلا؛ لأنه وإن كان مثنى في المعنى فهو مفرد في اللفظ، أو يكون التقدير: كل منهما واجدي عضدًا؛ فياء الإضافة هو المفعول الأول لواجد، وقوله: "عضدًا": مفعول ثان، قوله "في النائبات": جار ومجرور يتعلق بواجدي، و: "إلمام الملمات": عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
أن "كلا" أضيف إلى كلمتين، ولا يجوز ذلك، فلا يقال: كلا زيد: عمرو قاما، وهذا الذي جاء ضرورة نادرة (٢)، وأجاز ابن الأنباري إضافتها إلى المفرد بشرط تكررها نحو: كلاي وكلاك محسنان (٣).
الشاهد السابع والخمسون بعد الستمائة (٤)، (٥)
كِلَا الضَّيفَن المشنُوء والضيفِ واجدٌ … لَدَيّ المُنَى والأمنُ في اليُسْرِ والعُسْرِ
أقول: احتج به ابن الأنباري، ولم يعزه إلى قائله (٦).
وهو من الطَّويل.
стр. 1307
و"الضيفن" بفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء وفي آخره نون، وهو تابع للضيف، وهو الذي يسمى الطفيلي، والنون فيه زائدة؛ فوزنه فعلن لا فيعل.
قوله: "المشنوء" بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم النُّون وفي آخره همزة، ومعناه: المبغض من شنُؤَ الرجل فهو مشنوء، أي: مبغض وإن كان جميلًا.
الإعراب:
قوله: "كلا الضيفن": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "المشنوء" بالجر؛ صفة الضيفن، قوله: "والضيف" بالجر عطف على الضيفن، قوله: "واجد": خبر لمبتدأ، وإفراد الخبر بالنظر إلى لفظ كلا، كما ذكرنا في البيت السابق، ويروى: نائل مكان واجد؛ من نال إذا بلغ وأدرك.
قوله: "لدي": نصب على الظرف؛ أي: عندي، قوله: "المني": مفعول لقوله: "واجد"، و"الأمن" بالنصب؛ عطف عليه، واقتصر واجد على مفعول واحد؛ لأنه من وجدت بمعنى: أصبت.
[قوله: "في اليسر": جار ومجرور في محل النصب على الحال، و"العسر" بالجر، عطف عليه، وقوله: "في اليسر" يرجع] (١) في المعنى إلى المنى، وقوله: "العسر" إلى "الأمن".
الاستشهاد فيه:
إن: "كلا" أضيفت إلى مفرد معطوف عليه آخر، وهذا لا يجوز إلَّا في الضرورة النادرة؛ كما ذكرنا في البيت الذي قبله (٢).
الشاهد الثامن والخمسون بعد الستمائة (٣) , (٤)
..................... … أَيِّي وَأَيُّكَ فارسُ الأَحْزَابِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وصدره:
فَلَئِنْ لَقِيتُكَ خَالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ … .......................
وهو من الكامل.
стр. 1308
"الأحزاب": الجماعات؛ جمع حرب وهو الطائفة من كل شيء.
الإعراب:
قوله: "فَلَئِنْ "الفاء إما للعطف على شيء قبله، وإما جواب شرط ذكر فيما تقدم، والسلام للتأكيد، وإن للشرط.
وقوله: "لقيتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت فعل الشرط، وقوله: "خاليين" حال من الفاعل والمفعول جميعًا، وقوله: "لتعلمن": جملة من الفعل والفاعل وقعت جواب الشرط، وأكدت باللام والنون.
قوله: "أيّي": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "وأيك" -أَيضًا: كلام إضافي عطف عليه، وقوله: "فارس الأحزاب": كلام إضافي خبر المبتدأ، والجملة وقعت مفعولًا لقوله: لتعلمن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أيِّي وأيُّك" وذلك أن أي لا يضاف إلى مفرد معرفة إلَّا إذا تكررت، ولا يأتي ذلك إلَّا في الشعر؛ كما جاء ها هنا فافهم (١).
الشاهد التاسع والخمسون بعد الستمائة (٢) , (٣)
أَلَا تَسْأَلُونَ النَّاسَ أَيِّي وَأَيِّكُمْ … غَدَاةَ الْتقينَا كَانَ خَيْرًا وَأَكْرَمَا
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الطَّويل. المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "ألا" للتنبيه، و"تسألون": جملة من الفعل والفاعل، و"النَّاس": مفعوله، قوله: "أبي": كلام إضافي مبتدأ، و"أيكم": عطف عليه، وقوله: "غداة": نصب على الظرف أضيف إلى الجملة المركبة من الفعل والفاعل، قوله: "كان خيرًا": خبر المبتدأ، واسم كان مستتر فيه، و"خيرًا": خبره، و"أكرما": عطف عليه.
стр. 1309
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أبي وأيكم" والكلام فيه كالكلام في البيت السابق (١).
الشاهد الستون بعد الستمائة (٢) , (٣)
فَأَوْمَأْتُ إِيمَاءً خَفِيًّا لِحَبتَرٍ … فَلِلَّهِ عَينَا حَبتَرٍ أَيَّمَا فَتَى
أقول: قائله هو الراعي النميري، وكان نزل به رجل من بني بكر بن كلاب في ركب معه ليلًا، في سنة مجدبة وقد عزبت عن الراعي إبله، فنحر لهم نابًا من رواحلهم، فلما غدت الإبل أعطى الراعي ربَّ الناب نابًا مثلها وزاده ناقة ثنية، وقال (٤):
١ - عَجِبتُ مِنَ السَّارِينَ وَالرِّيحُ قَرَّةٌ … إِلَى ضَوء نَارٍ بينَ فَرْدَةَ والرَّجَا
٢ - إلى ضَوء نَارٍ يَشْتَوي القِدُّ أَهْلُهَا … وقَدْ تُكْرَمُ الأَضْيَافُ والقدُّ يُشْتَوَى
٣ - فلَمَّا أَتَوْنَا واشْتَكَينَا إلَيهم … بَكَوْا وكِلا الحَيَّينِ مِمَّا بهِ بَكَى
٤ - بَكى مُعْوِزٌ منْ أن يُلَامَ وطَارِقٌ … يَشُدُّ مِنَ الجُوع الإزَارَ عَلَى الحَشَا
٥ - فأَلْطَفْتُ عَينِي هَلْ أَرَى مِنْ سَمِينَةٍ … ووَطَّنْتُ نَفْسي بالغَرَامَةِ والقِرَى
٦ - فأبصَرْتُهَا كَوْمَاءَ ذَاتَ عَرِيكَةٍ … هِجَانًا مِنَ اللائي تَمتَّعْنَ بالصُّوَى
٧ - فأومأت ................. ......................... إلخ
٨ - وقُلتُ لَه أَلْصق بأَيْبَسِ سَاقِهَا … فإن يُجْبَرِ العُرْقُوبُ لَا يَرْقَإِ النَّسَا
٩ - وفَدَّيْتُهُ لَمَّا رَأَيتُ فُؤَادَهُ … مَضَى غَيرَ مَنْكُوب ومُنْضلِهُ انْتَضَى
١٠ - كأَنِّي وقَدْ أَشْبَعْتُهُمْ مِنْ سَنَامِهَا … جَلَوتُ غِطَاءً عَنْ فُؤَادِيَ فَانْجلَى
١١ - فَبتْنَا وبَاتَتْ قدْرُنَا ذَاتَ هزَّةٍ … لَنَا قَبلَ ما فيها شِوَاءٌ ومُصْطَلَى
١٢ - فأصْبَحَ رَاعِينَا بُرَيْمَةُ عِندَنَا … بستِّينَ أَبْقَتْهَا الأخِلَّةُ والخِلا
١٣ - فَقُلْتُ لِرَبِّ النَّاب خُذْها ثَنِيَّةً … ونَابٌ عَلَينَا مثْلُ نابِك في الحيَا
стр. 1310
وهي من الطَّويل.
١ - قوله: "قرة" بفتح القاف وتشديد الراء؛ أي: باردة، قوله: "فردة": اسم موضع، وكذلك: "الرجا" بالراء والجيم.
٢ - قوله: "القد" بكسر القاف؛ السير الذي يقطع من الجلد.
٤ - و"الطارق": الذي يأتي أهله ليلًا.
٦ - و"الكوماء" بفتح الكاف؛ الناقة العظيمة السنام، وتجمع على كُوم بضم الكافُ وعريكة السنام: بقيته، قوله: "هِجانا" بكسر الهاء، وهو من الإبل البيض، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، يقال: بعير هجان، وناقة هجان، وإبل هجان، قوله: "بالصُّوى" بضم الصاد المهملة، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع ولم يبلغ أن يكون جبلًا.
٨ - [قوله: "ألصق" من قولهم: ألصق فلان بعيره إذا عقره، وربما قالوا: ألصق بساق بعيره، وقيل لبعض العرب: كيف أنت عند القرى؟ قال: ألصق والله بالناب الفانية والبكر الضرع، وأراد الشَّاعر: ألصق السيف بساقها وأعقرها] (١).
٧ - قوله: "فأومأت": من الإيماء وهو الإشارة، قوله: "لحبتر" بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح التاء المثناة من فوق وفي آخره راء، وهو اسم رجل، والحبتر في اللغة: القصير.
٨ - قوله: "النسا" بفتح النُّون، وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتَّى يبلغ الحافر. قوله: "مُنْصَلِه" بضم الميم وسكون النُّون وفتح الصاد، وهو السيف، قوله: "انتضى": [من انتضيت السيف إذا سللته- بالضاد المعجمة] (٢)، [وهو يجوز بالصاد المهملة والمعجمة، وكلاهما بمعنى واحد] (٣).
١٢ - قوله: "الأخلة" بالخاء المعجمة؛ جمع خلال وهو العود، "والخلاء" بالخاء -أَيضًا-[الكلأ] (٤).
١٣ - و"الناب" بالنُّون؛ الناقة المسنة، قوله: "في الحبا" بكسر الحاء المهملة وبالباء الموحدة؛ أي: العطاء.
الإعراب:
قوله: "فأومأت": جملة من الفعل والفاعل، و"إيماء": نصب على أنَّه مفعول مطلق،
стр. 1311
و"خفيًّا": صفته، قوله: "لحبتر": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية.
قوله: "فللَّه" اللام فيه للتعجب والقسم، وقوله: "عينا حبتر": كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "فللَّه"، قوله: "أيما" في محل الجر؛ لأنه صفة لحبتر، ومعناه: كامل؛ كما في قولك: مرت برجل أيما رجل، ويجوز أن يكون حالًا؛ لمعرفة أي: كاملًا، وقال أبو إسحاق: المعنى: أيما فتى هو.
والاستشهاد فيه:
أن "أيًّا" فيه صفة، وقد علم أنَّه صفة لمعرفة وحال من نكرة (١)، ولا يضاف إلَّا إلى نكرة، وأنشده ابن مالك مثالًا لوقوع: "أي" حالًا لمعرفة (٢).
وقال أبو حيان في شرحه: أصحابنا أنشدوه بالرفع على أنَّه مبتدأ، أو خبر مبتدأ، وقدّروه: أي فتى هو، ولم يذكر أصحابنا كون أي تقع حالًا، وإنما ذكروا لها خمسة أقسام: موصولة، وشرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة، ومنادى (٣).
الشاهد الحادي والستون بعد الستمائة (٤) , (٥)
.......................... … لَدُنْ شَبَّ حَتَّى شَابَ سُودُ الذَّوَائب
أقول: قائله هو القطامي، واسمه عمير بن شييم (٦)، وقد ذكرناه، وصدره:
صريعُ غَوَانٍ راقَهُنَّ ورُقْنَهُ … .......................
стр. 1312
وهو من قصيدة بائية من الطَّويل، وأولها هو قوله (١):
١ - نَأَتْكَ بلَيلَي نِيَّةٌ لَم تُقَارِبِ … ومَا حُبُّ لَيلَى منْ فُؤَادِي بذَاهِب
٢ - مُنَعَّمَة تَجْلُو بِعُودِ أرَاكَةٍ … ذُرَى بَرَدٍ عَذْبٍ شَتِيتِ المنَاصِب
٣ - كَأَن فَضيضًا من غرِيضِ غَمَامَةٍ … عَلَى ظَمَأٍ جَادَتْ به أُمّ غَالِب
٤ - صريع غَوانٍ ............... … ..................... إلخ
٥ - لِمسْتَهْلِكٍ قَدْ كَادَ منْ شِدَّة الجَوَى … يَمُوتُ وَمن طُولِ العِدَاتِ الكَوَاذِبِ (٢)
٦ - قُدَيْدِيمَةَ التَّجْريب والحِلْمِ أنَّنِي … أَرَى غَفَلاتِ العَيش قَبلَ التَّجَارِب
٢ - قوله: "ذرى برد" بضم الذال المعجمة، وذرى كل شيء: أعاليه والبرد: حب الغمام.
٣ - و: "الفضيض" بضادين معجمتين؛ الماء السائل، "والغريض": الطري الناعم.
٤ - قوله: "غوان": جمع غانية، وهي الجارية التي غنيت بحسنها عن العلي، قوله: "راقهن" أي: أعجبهن، و"رقنه" أي: أعجبنه، وذكر في شرح ديوانه معنى راقهن: أصبنه حتَّى لا حراك به، و"الذوائب": جمع ذؤابة الشعر.
الإعراب:
قوله: "صريع غوان": كلام إضافي خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو صريع غوان، وقوله: "راقهن": جملة من الفعل والفاعل والمفعول صفة لغوان، وقوله: "رقنه": عطف على راقهن، ويجوز أن يكون "صريع غوان" مرفوعًا بالابتداء، ويكون قوله: "راقهن" خبره.
قوله: "لدن": اسم لأول الغاية زمانًا أو مكانًا، وهي لازمة البناء، والإضافة لا تمنعها عن البناء، وقوله: "شب": جملة من الفعل والفاعل في محل الجر بالإضافة، والمعنى: عند شبيبته.
قوله: "حتَّى" للغاية، و"شاب سود الذوائب": جملة من الفعل والفاعل، والمعنى: صريع غوان راقهن ورقنه من عند شبيبته إلى شيب سود ذوائبه.
الاستشهاد فيه:
في جواز إضافة لدن إلى الجملة كما في قوله: "لدن شب" (٣).
стр. 1313
الشاهد الثاني والستون بعد الستمائة (١) , (٢)
تَنْتَهِضُ الرَّعْدَةُ في ظُهَيْري … مِن لَدُنِ الظُّهْرِ إلى العُصَيرِ
أقول: قائله هو راجز من رجاز طيء لم أقف على اسمه.
قوله: "الرعدة": من الارتعاد، قوله: "في ظهيري": تصغير ظهري بفتح الظاء.
والمعنى: يقوم عليَّ الارتعاد من عند الظهر إلى العصر.
الإعراب:
قوله: "تَنْتَهضُ [الرعدة] (٣) ": جملة من الفعل والفاعل، وكلمة: "في" تتعلق بمحذوف؛ أي: الرعدة الكائنة في ظهري، و "من" و"إلى" يتعلقان بقوله: "تَنْتَهضُ".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من لدن" حيث جاءت معربة وهي لغة قيس (٤).
الشاهد الثالث والستون بعد الستمائة (٥) , (٦)
وَمَا زَال مُهْرِي مَزْجَرَ الكَلْب منْهُمُ … لَدُنْ غدْوَةً حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوب
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل.
المعنى: ظاهر.
الإعراب:
قوله: "وما زال": من الأفعال الناقصة، فقوله: "مهري": كلام إضافي اسمه، قوله: "مزجر
стр. 1314
الكلب" كلام إضافي -أَيضًا- خبره، قوله: "منهم": جار ومجرور في محل النصب على الحال.
قوله: "لدن" قد قلنا إن لدن لابتداء الغاية في زمان أو في مكان، ولا تمنعها الإضافة عن البناء؛ كما لم تمنع كم لأن بناءها لازم وهي بمعنى عند، ولكن الفرق بينهما أن لدن لما حضرك، وعند لما حضرك ولما غاب عنك، فعند أعم في الاستعمال، فتقول: عندي مال وإن كان بمكة، ولا تقول: لديّ مال إلَّا لما هو بحضرتك، وقد نصبت العرب بها غدوة تشبيهًا لنونها بالتنوين في اسم الفاعل؛ حيث رأوها تثبت تارة وتحذف تارة، فلذلك نصبوا غدوة بعدها على التشبيه بالمفعول.
ويقال: نصبوا ما بعدها كما نصبوا ما بعد كم الخبرية، ومنهم من رفع غدوة تشبيهًا بالفاعل؛ كما نصب تشبيهًا بالمفعول، ومنهم من جرها على القياس، ولم تقع غدوة بعد لدن إلَّا مصروفة، وهي معرفة مؤنثة لكثرة الاستعمال؛ ألا ترى أنَّهم لم يقولوا: لدن شحرة ولا لدن بكرة، ويقال: انتصاب غدوة على التمييز، وهو اختيار ابن مالك.
وقيل: هي خبر لكان المقدرة، والتقدير: لدن كانت الساعةُ غدوة، وحكى الكوفيون رفعها بكان المحذوفة، والتقدير: لدن كانت غدوة، قوله: "حتَّى دنت" أي: الشَّمس، "لغروب"، أي: لوقت غروبها (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لدن غدوة" حيث جاءت غدوة منصوبة كما ذكرنا مفصلًا.
الشاهد الرابع والستون بعد الستمائة (٢) , (٣)
حَنَنْتَ إلَى رَيَّا وَنَفْسُكَ بَاعَدَتْ … مزارَكَ من ريَّا وشَعْباكما مَعَا
أقول: قائله هو الصمة بن عبد الله القشيري، وهو من قصيدة عينية من الطَّويل يتغزل بها في
стр. 1315
بنت عمه رَيَّا، وأولها:
١ - أمِنْ ذِكْرِ دَارٍ بالرِّقاشَيِن أَعْصَفَتْ … بِهَا بَارِحَاتُ الصّيفِ بَدْءًا ورُجَّعَا؟
٢ - فمَا حَسَنٌ أنْ تَأْتِي الأمْرَ طَائِعًا … ويَجْزَعُ إنْ دَاعِي الصَّبَابَةِ أَسْمَعَا
٣ - كأنكَ لَم تَسْمَعْ وَدَاعَ مُفَارِقٍ … ولَمْ تَرَ شَعْبَي صَاحِبَيِن تَقَطَّعَا
٤ - بَكَتْ عَينِي اليُسرَى فَلَمَّا زَجَرْتُهَا … عَنْ الجَهْلِ بَعدَ الحِلمِ أَسْبَلَتَا مَعَا
٥ - ألا يَا خَلِيلَيَّ اللَّذَينِ تَوَاصَلا … بِلَومِي إلَّا أنْ أُطِيعَ وأسْمَعَا
١ - قوله: "بالرقاشين" بكسر الراء؛ اسم موضع، قوله: "أعصفت" يقال: أعصفت الريح إذا اشتدت، هذه لغة أسد، وغيرهم يقولون: عصفت بلا همزة، و"البارحات" بالباء الموحدة؛ جمع بارحة، وهي الريح الشديدة الهبوب.
٦ - قوله: "حننت": من الحنين وهو الشوق وتوقان النفس، تقول: حن إليه يحنُّ حنينًا فهو حانّ، و"ريَّا" بفتح الراء وتشديد الياء آخر الحروف [اسم امرأة] (١)، قوله: "وشعباكما" أي: اجتماعكما، وهذا اللفظ من الأضداد، يقال: شعبت الشيء فرقته، وشعبته جمعته، يقال: التأم شعبهم؛ أي: اجتمعوا بعد التفرق، وتفرق شعبهم إذا تفرقوا بعد الاجتماع.
الإعراب:
قوله: "حننت": جملة من الفعل والفاعل، و"إلى ريا": يتعلق به في محل النصب على المفعولية، قوله: "ونفسك": كلام إضافي مبتدأ، و"باعدت": خبره، والجملة حال.
قوله: "مزارك": كلام إضافي منصوب بقوله: "باعدت"، يقال: أبعده وباعده وبعّده كلها بمعنى واحد، قوله: "من ريا" في موضع النصب على الحال من المزار.
قوله: "وشعباكما": كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "مَعَا" بمعنى جميعًا، والجملة حال أَيضًا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "مَعَا" حيث وقع منقطعًا عن الإضافة بمعنى جميعًا في محل الرفع على الخبرية كما ذكرنا، وهو قليل (٢).
стр. 1316
الشاهد الخامس والستون بعد الستمائة (١) , (٢)
فَريشِي مِنكمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ … وَإنْ كانت زِيَارَتُكُمْ لِمَامَا
أقول: قائله هو جرير الخطفي، يمدح هشام بن عبد الملك، وهو من قصيدة ميمية من الوافر، وأولها هو قوله (٣):
١ - ألَا حيّ المنازلَ والخِيامَا … وَسَكْنًا طال فيها ما أقامَا
٢ - أُحيِّيهَا وَمَا بي غيرَ أنِّي … أُرِيدُ لأُحْدِثَ العَهْدَ القُدامَى
٣ - منازِلَ قدْ خَلَت من سَاكنِيهَا … عَفَتْ إلَّا الدَّعَائمَ والثُّمامَا
٤ - مَحَتهَا الرِّيحُ والأَمْطارُ حتَّى … حَسِبْتُ رَسُومَهَا فيِ الأرضِ شَامَا
قوله: "فريشي" بكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره شين معجمة، وهو اللباس الفاخر: وكذلك الرياش، قال الله تعالى: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦] ويقال: الريش والرياش: المال والخصب والمعاش، قوله: "لمامَا" بكسر اللام وتخفيف الميم، مال: فلان يزورنا لمامًا؛ أي: في الأحايين.
الإعراب:
قوله: "فريشي": مبتدأ، وخبره: "منكم" وكذلك قوله: "هواي" مبتدأ، وخبره: "معكم"، قوله: "وإن": واصلة بما قبلها، وقوله: "كانت": من الأفعال الناقصة، وقوله: "زيارتكم": اسمه، و"لمامَا": خبره، والجملة فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه الشطر الأول.
стр. 1317
فإن قلت: هذه الجملة معطوفة على ماذا؟
قلت: على محذوف تقديره: إن لم يكن وإن كانت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "معْكم" حيث بني على السكون وهذه لغة ربيعة وتميم، وعند الجمهور عينها مفتوحة معربة (١).
الشاهد السادس والستون بعد الستمائة (٢) , (٣)
وَمِنْ قَبلِ نَادَى كُلُّ مَوْلى قَرَابَةٍ … فَمَا عَطَفَتْ مَوْلَى عَلَيهِ العَوَاطِفُ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل.
قوله: "مولى قرابة" أراد به ابن العم؛ لأن المولى يقع على جماعة كثيرة وهم الرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر والعبد والعتق والمنعم عليه، ويضاف كل واحد إلى ما يقتضيه، وها هنا المقتضى أن يكون ابن العم بدليل إضافته إلى قرابة.
قوله: "فما عطفت": من العطف وهو الحنو والرأفة، فالمعنى: نادى كل ابن عم [يزعم] (٤) إلى قرابته وصرخ حتَّى يعينوه فيما هوفيه إما من الحرب، وإما من نازلة نزلت به، فما رحم عليه أحد منهم ولا أجاب لدعائه.
стр. 1318
الإعراب:
قوله: "ومن قبل" الواو للعطف إن تقدمه شيء من الكلام، وقبل مجرور بمن، وهو معرب ها هنا، وقوله: "فأدى": فعل، و"كل مولى": كلام إضافي فاعله، و"قرابة" مجرور بإضافة مولى إليه، قوله: "فما عطفت" الفاء للتعقيب، وما للنفي، وعطفت فعل، و"العواطف": فاعله، وقوله: "عليه": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية، والضمير يرجع إلى قوله: "مولى قرابة"، وقوله: "مولى" قيل: أنَّه بدل من الضمير ولكنه قدم لأجل الضرورة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ومن قبل" فإنَّه معرب؛ لأن المضاف إليه منوي تقديره: من قبل ذلك ونحوه (١).
الشاهد السابع والستون بعد الستمائة (٢) , (٣)
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكنْتُ قَبلًا … أَكَادُ أَغَصُّ بالمَاء الحَمِيمِ
أقول: قائله هو عبد الله بن يعرب بن معاوية بن غيلان بن البكاء بن عامر، وكان له ثأر فأدركه فأنشده.
وهو من الوافر.
قوله: "فساغ" أي: استمرأ، قال الجوهري: ساغ يسوغ سوغًا؛ أي: سهل مدخله في الحلق، وسُغتُه أنا أسيغه وأسوغه، يتعدى ولا يتعدى، والأجود: أسغته إساغة (٤).
قوله: "أغص بالماء" أي: أَشْرق به؛ من غصص يغصص وغص يغص من باب علم يعلم، قوله: "بالماء الحميم" والأظهر: بالماء الفرات؛ أي: العذب، ولكن المشهور: "بالماء الحميم"، والذي رواه الثعالبي والزمخشري: "بالماء الفرات" (٥)، وهو الأنسب لأن الحميم الحار، ومنه اشتقاق الحمام، وقد قيل: الحميم ها هنا بمعنى البارد وهو من الأضداد.
стр. 1319
الإعراب:
قوله: "فساغ": فعل ماض، و"الشراب": فاعله, و"لي": يتعلق بساغ، قوله: "وكنت قبلًا" الواو للحال، والتاء اسم كان، والجملة -أعني: قوله: "أكاد أغص": خبره، و"قبلًا":
نصب على الظرفية، واسم: "أكاد" الضمير المستتر فيه، وقوله: "أغص": خبره، و"بالماء" يتعلق به، و"الحميم": صفته.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "قبلًا" فإنَّه حذف المضاف إليه منه ولم ينوه؛ فلذلك أعربه، ولو كان المحذوف منويًّا لكان "قبل" مبنيًّا على الضم؛ كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:] (١).
الشاهد الثامن والستون بعد الستمائة (٢) , (٣)
وَنَحْنُ قَتَلْنَا الأُسْدَ أُسْدَ خَفِيَّةٍ … فَمَا شَرِبُوا بَعْدًا عَلَى لَذَّةٍ خَمْرًا
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الطَّويل.
قوله: "الأسد" بضم الهمزة وسكون السين؛ جمع أسد، ويجمع على أسود -أَيضًا- بضمتين وأسْد وآساد، قوله: "خفية" بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف، قال الجوهري: قولهم أُسُود خفية؛ كقولهم: أسود جلية وهما مأسدتان (٤)، وقال ابن سيده: الخفية: اسم علم لموضع، ثم أنشد البيت المذكور (٥).
الإعراب:
قوله: "ونحن": مبتدأ، وخبره قوله: "قتلنا الأسد" وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول،
стр. 1320
قوله: "أسد خفية": كلام إضافي بدل من الأسد، قوله: "فما شربوا": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "خمرًا": مفعوله، قوله: "بعدًا": نصب على الظرف، قوله: "على لذة": جار ومجرور يتعلق بقوله: "فما شربوا"، ومحله النصب على أنَّه صفة لقوله: "خمرًا" (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بعدًا" فإنَّه أعرب؛ لأنه لم تنو فيه الإضافة (٢).
الشاهد التاسع والستون بعد الستمائة (٣) , (٤)
لعَنَ الإِلهُ تَعِلَّةَ بنَ مُسَافِرٍ … لَعْنًا يُشَنُّ عَلَيهِ منْ قُدَّامُ
أقول: قائله هو رجل من بني تميم، وقبله (٥):
١ - أَلْبَانُ إِبْلِ تَعِلَّةَ بن مُسَافِرٍ … مَا دَامَ يَمْلِكهَا عَلَيَّ حَرَامُ
٢ - وطَعَامُ عِمْرَانَ بْنِ أَوْفَى مِثْلُهُ … مَا دَامَ يَسْلُكُ في الحُلُوقِ طَعَامُ
٣ - إنَّ الذِينَ يَسُوغُ في أَعْنَاقِهْم … زَادٌ يَمُنُّ عَلَيهمُ لَلِئامُ
وهي من الكامل.
قوله: "تعلة بن مسافر"، ويروى: تعلة بن مزاحم، وتعلة بفتح [التاء] (٦) المثناة من فوق وكسر العين المهملة، وهو اسم رجل، وفي البسيط أول هذه الأبيات هكذا: ألبان ثعلبة بن نبت مسافر، فعلى هذا لفظ تعلة الذي ضبطاه مصحف، ويحتمل أن يكون صحيحًا, ولكنه بعيد فافهم قوله: "يشن عليه" ويروى: يصب عليه ومعناهما واحد.
الإعراب:
قوله: "لعن الإله": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "تعلة بن مسافر": مفعوله، و"لعنًا"
стр. 1321
نصب على أنه مفعول مطلق، قوله: "يشن عليه" على صيغة المجهول؛ جملة وقعت صفة لقوله: "لعنًا"؛ فيكون محلها من الإعراب النصب، قوله: "عليه": صلة يشن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من قدام" فإن أصله: من قدامه، فلما قطعه عن الإضافة ونواها بناه على الضم (١).
الشاهد السبعون بعد الستمائة (٢)، (٣)
........................... … عَلَى أَيِّنَا تَغدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ
أقول: قائله هو معن بن أوس، وكان متزوجًا بأخت صديق له فطلقها، فأقسم أن لا يكلمه، فقال قصيدة من الطويل يستعطفه، وأولها هو قوله:
١ - لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لأرْجَلُ … عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ
٢ - وإنِّي أَخُوكَ الدَّائمُ العَهْدِ لَمْ أَحُلْ … إنْ أَبْزَاكَ خَصْمٌ أوْ نَبَا بِكَ مَنْزِلُ
٣ - أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتَ مِنْ ذِي عَدَاوَةٍ … وأَحْبِسُ مَالِي إنْ غَرَمْتَ فَاعْقِلِ
٤ - وإنْ سُؤتَنِي يَوْمًا صَفَحْتُ إلَى غَدٍ … ليُعْقِبَ يَومًا مِنكَ آخرُ مُقبِلِ
٥ - كأنَّكَ تَشْفِي مِنكَ دَاء مَسَاءَتِي … وسُخْطِي وَمَا في رَيْثَتِي مَا تَعَجَّلُ
٦ - وإنِّي عَلَى أَشْيَاءَ مِنكَ تُرِيبُنِي … قَدِيمًا لَذُو صَفْحٍ عَلَى ذَاكَ مُجْمِلُ
٧ - سَتقطعُ في الدّنيَا إذا ما قطّعْتنِي … يَمِينُك فَانْظُرْ أيَّ كَفٍّ تُبَدِّلُ
٨ - وفيِ النَّاسِ إن رَثَّت حِبَالُكَ وَاصِلٌ … وفي الأرْضِ عَنْ دَارِ القِلَى مُتَحَوَّلُ
٩ - إذا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أخَاكَ وَجَدْتَهُ … عَلَى طَرَفِ الهِجْرَانِ إنْ كَانَ يَعقِلُ
١٠ - ويَرْكَبُ حَدَّ السَّيفِ مِنْ أنْ يُضِيمَهُ … إذا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السَّيفِ مَزْحل
١١ - وكُنتُ إذَا مَا صَاحِبٌ رَامَ ظَنَّتِي … وبُدِّلَ سُوءًا بالذِي كُنتُ أفْعَلُ
١٢ - قَلَبتُ لَهُ ظَهرَ المجَنِّ فَلَم أدُمْ … عَلَى ذاكَ إلَّا رَيثَمَا أتَحَوَّلُ
١٣ - إذَا انْصَرَفَتْ نَفْسِي عَن الشَّيءِ لَمْ تَكَدْ … إلَيهِ بِوَجْهٍ آخَرَ الدَّهْرِ تُقْبِلِ
стр. 1322
١ - قوله: "لأوجل" أي: لأخاف، من وجل يوجل، قوله: "المنية" أي: الموت، و "تغدو": بالغين المعجمة والدال المهملة، من الغدو، وهو نقيض الرواح.
٢ - قوله: "لمْ أُحَل": من حال عن العهد حؤولًا: انقلب، وهو بالحاء المهملة، [قوله: "] (١) إن أبزاك" بالباء الموحدة والزاي المعجمة، يقال: أبزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره، قوله: "أو نبا بك منزل" بالنون ثم الباء الموحدة، يقال: نبا بفلان منزله إذا لم يوافقه، وكذلك فراشه.
٥ - قوله: "وما في ريثتي" بالراء المفتوحة والياء آخر الحروف الساكنة ثم الثاء المثلثة من راث عليَّ خبرك يريث ريثًا، أي: أبطأ.
٦ - قوله: "تريبني": من الريب وهو الشك، قوله: "مجمل" بالجيم، من الإجمال وهو الإحسان.
٨ - قوله: "رثت" أي بليت وخلقت، "عن دار القلى" بكسر القاف، وهو البغض والعداوة.
١٠ - قوله: "مزحل" بالزاي المعجمة والحاء المهملة؛ من زحل عن مكانه زحولًا، وتزحل إذا انتحى وتباعد، والمزحل: مصدر ميمي بمعنى الزحول.
١٢ - قوله: "إلا ريثما" يعني: إلا قدر التحول، وما مصدرية وقد يستعمل بغير ما نحو:
لا يَصْعُبُ الأمْرُ إلا رَيْثَ تَرْكَبُهُ … ..........................
الإعراب:
قوله: "لعمرك": مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: لعمرك يميني أو قسمي، وقد تكرر نحو هذا في الكتاب (٢)، قوله: "ما أدري": جواب القسم، ومفعوله محذوف تقديره: ما أدري ما يفعل بنا، أو ما أدري ما يكون ونحو ذلك.
وقوله: "وإني" الياء اسم إن، وخبره قوله: "لأوجل"، واللام فيه للتأكيد مفتوحة، قوله: "على أينا" يتعلق بقوله: "تغدو" وهو فعل مضارع، و "المنية" فاعله، قوله: "أول": مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة، تقديره: أول الوقت أو أول الساعة ونحو ذلك.
والاستشهاد فيه وهو ظاهر (٣).
стр. 1323
الشاهد الحادي والسبعون بعد الستمائة (١)، (٢)
فَأَدْرَكَ إرْقَال العَرَادَةَ ظَلْعُهَا … وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِنْ حَزِيمَةَ إِصْبَعَا
أقول: قائله هو الأسود يصف فرسًا؛ كذا قاله الزمخشري (٣)، وقال ابن الناظم: وقول الكلحبة اليربوعي:
فأدرك ....................... … ................... إلخ
وهو كلحبة بن عبد الله بن كلحبة، ويقال: اسمه هبيرة بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع (٤)، وكلحبة لقبه، وهو بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، والذي قال ابن الناظم هو الصحيح (٥)، وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله (٦):
١ - فإنْ تَنجُ مَنهَا يَا حَزِيمَ بنَ طَارِقٍ … فقدْ تَرَكَتْ مَا خَلْفَ ظَهرِكَ بَلْقَعَا
٢ - ونادى مُنادِي الحيَّ أَنْ قد أُتيتُمُ … وقدْ شَرِبَتْ مَاءَ المَزَادَةِ أجمعَا
٣ - وقُلْتُ لِكَأْسِ أَلْجمِيهَا فَإِنَّمَا … نَزَلْنَا الكَثِيبَ مِنْ زَرُود لِنَفْزَعَا
٤ - كَأَنَّ بَلِيَتَيْهَا وبَلْدَةِ نَحْرِهَا … مِنَ النَّبْلِ كُرَّاثَ الصَّرِيمِ المُنْزَعَا
٥ - فأدرك .................... … ................. إلخ (٧)
٦ - أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرِجِ اللِّوَى … ولَا أَمْرَ لِلْمَعْصِيِّ إلا مُضَيَّعَا
٧ - إذَا المَرْءُ لَمْ يَغْشَ الكَرِيهَةَ أَوْشَكَتْ … حِبَالُ الهُوَيْنَى بالفَتَى أنْ تَقَطعَا
١ - قوله: "فإن تنج منها" أي: من فرس الكلحبة، وكانت تسمى العرادة، وذلك أنه أغار
стр. 1324
عليه فاستاق ماله وأفْلَتَ بنفسه، فقال: إن نجوت منها فقد ذهبت بمالك، و "البلقع": الأجرد الذي لا شيء فيه.
وقال المفضل: أغار حزيمة بن طارق أخو بني ثعلبة علي بني يربوع بزرود فاستاق إبلهم، فأتى بني يربوع الصريخ فركبوا في إثره فهزموه واستنقذوا ما كان أخذه، وأسروا خزيمة بن طارق، فقال في ذلك هبيرة بن عبد مناف:
فإن تنج منها يا حزيم بن طارق … .................... إلخ (١)
و"حزيم": ترخيم حزيمة، يقول: فإن نجوت يا خزيمة من فرسي، وهي العرادة، فلم تفلت إلا بنفسك، وقد استبيح مالك وما كنت حويته وغنمته، فلم تدع لك هذه الفرس شيئًا.
٣ - قوله: "لكأس" هي ابنته، وقال أحمد بن عبيد: كأس جاريته، و "الكثيب": قطعة من الرمل مستطيلة محدودبة، و "زرود" بفتح الزاي المعجمة وضم الراء وسكون الواو وفي آخره دال مهملة؛ اسم موضع، قوله: "لنفزعا" أي: لنغيث، يقول: ما نزلنا في هذا الموضع إلا لنغيث من استغاث بنا ونجيب الداعي.
٤ - [قوله: "] (٢) بليتيها" الليتان: صفحتا العنق، و "الصريم": قطع من الرمل، الواحدة صريمة، و "الكراث": نبت، وهي ثلاث ورقات تشبه قذذ السهم، وإنما خص الصريم لأن الكراث لا ينبت إلا في الرمل، وإنما قال: "المنزعا" لأن ساق الكراثة تكون غائبة في الرمل، فإذا نزعت أشبهت النبل بكمالها.
٥ - قوله: "إرقال العرادة" الإرقال -بكسر الهمزة: نوع من السير، وقال الجوهري: الإرقال: نوع من الخبب (٣)، و "العَرادة" بفتح العين المهملة والراء المهملتين- أيضًا: اسم لفرس كانت لهبيرة كما ذكرنا، قوله: "ظلعها" بالظاء المعجمة؛ من ظلع البعير يظلع ظلعًا؛ أي: غمز في مشيه.
قوله: "من حزيمة" بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي المعجمة، وهو حزيمة بن طارق (٤) كما ذكرنا، ولقد غلط جماعة من شرح المفصل (٥) في تفسيرهم حزيمة بالقبيلة (٦)، وكان كلحبة على فرسه عرادة، وكانت مجروحة، فقصرت لما قربت من حزيمة ففاته، فقال:
стр. 1325
فأدرك إرقال العرادة ....... … ....................... إلخ
يعني: أدرك سير العرادة، "ظلعها" يعني: غمزها في مشيها، والحال أنها قد كانت جعلتني من حزيمة قدر مسافة أصبع، فالحاصل أنه لما تبعه لحقه، ولم تبق بينه وبينه إلا قدر مسافة أصبع حتى أدركه فرسه الظلع فقصرت ففاته حزيمة.
٦ - قوله: "بمنعرج اللوى" اللوى مقصور الرمل ومنعرجه، حيث انثنى منه وانعطف، قوله: "إلَّا مضيعَا" أي: إلا أمرًا مضيعًا، قوله: "الهوينى" بضم الهاء؛ أي: الرفق والدعة.
الإعراب:
قوله: "فأدرك": فعل ماض، و "ظلعها": كلام إضافي فاعله، وقوله: "إرقال العرادة": كلام إضافي منصوب لأنه مفعول لأدرك، قوله: "وقد جعلتني": جملة فعلية وقعت حالًا، "من حزيمة" أي: من جهة حزيمة، قوله: "إصبعَا": مفعول ثان لجعلتني؛ أي: قدر مسافة إصبع.
والاستشهاد فيه:
حيث حذف فيه المضاف والمضاف إليه جميعًا، وأقيم المضاف إليه الثاني الذي هو الثالث مقامهما (١).
الشاهد الثاني والسبعون بعد الستمائة (٢)، (٣)
أَكُلَّ امرئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً … وَنَارٍ تَوَقدُ باللّيْلِ نَارًا
أقول: قائله هو أبو دؤاد، واسمه: جارية بن الحجاج، وقيل: جريرة بن الحجاج، وقيل: جارية ابن حمران الحذاقي من إياد، وقد بسطا الكلام فيه فيما مضى (٤) وبعده:
٢ - ودَارٍ يقُولُ لَهَا الزَّائِرُو … نَ وَيْلُ أُمِّ دَارِ الحَذَاقِيِّ دَارًا
وهما من المتقارب.
стр. 1326
المعنى: أَكُلَّ رجل تحسبينه رجلًا وكُلَّ نار تحسبينها نارًا، يعني: ليس كل من له صورة امرئ بامرئ كامل، بل المراد بالكامل (١): من له خصال سنية وأوصاف بهية، وليس كل نار توقد بالليل نارًا، إنما النار نار توقد لقرْي الزوار.
الإعراب:
قوله: "أكل امرئ" الهمزة للاستفهام، "وكل امرئ": كلام إضافي مفعول لقوله: "تحسبين"، وقوله: "امرأ" مفعوله الثاني.
قوله: "ونار" بالجر لأن أصله: وكل نار، فلما حذف كل، أبقي نار على أصله بالجر، و "تحسبين" -أيضًا- فيه مقدرة؛ لأن المعنى: وتحسبين كل نار، ويروى: ونارًا بالنصب، قال النحاس: ومن لم يعطف على عاملين رواه: "ونارًا" بالنصب.
قوله: "توقد" أصله: تتوقد، فحذفت منه إحدى التاءين وهي [جملة] (٢) وقعت صفة للنار، قوله: "نارًا" نصب لأنه مفعول ثان لتحسبين المقدرة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ونار" حيث حذف المضاف فيه، وترك المضاف إليه بإعرابه؛ إذ تقديره: وكل نار" كما ذكرنا، فحذف كل وترك نار بالجر على ما كان عليه، ولا يجوز أن يعطف نار المجرور على امرئ؛ إذ فيه عطف على عاملين بواو واحدة فافهم (٣).
الشاهد الثالث والسبعون بعد الستمائة (٤)، (٥)
............................... … وَأَتَيْتُ فَوْقَ بَنِي كُلَيْبٍ مِنْ عَلُ
أقول: قائله هو الفرزدق يهجو جريرًا، وصدره:
ولَقدْ سَدَدتُ عليكَ كُل ثَنِيَّةٍ … ............................
стр. 1327
وبعده (١):
٢ - رَمَحَتْكَ حِيَن عَجِلَتْ دُونَ وَدَاقِهَا … لَكِنْ أبُوكَ وَدَاقَهَا لا يَعْجَلُ
٣ - وأَنَخْتَ أمّكَ يَا جَرِيرُ كَأَنَّهَا … للنَّاسِ بَارِكَةً طَرِيقٌ مُعْمَلُ
وهي من الكامل.
١ - قوله: "ثنية" بفتح الثاء المثلثة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف، وهي طريقة العقبة.
٢ - و "الوداق" بفتح الواو وبالقاف المطر، وكذلك الودق، ولكن المراد هاهنا الماء؛ من ودق الماء إذا سال.
الإعراب:
قوله: "سددت": فعل وفاعل، و "كل ثنية": كلام إضافي مفعوله، و "أتيت": جملة من الفعل والفاعل عطف على قوله: "سددت"، وقوله: "فوق": نصب على الظرف مضاف إلى بني كليب.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من عل" حيث جاء مبنيًّا على الضم كفوق؛ فإنه يوافق فوق في معناه وفي بنائه على الضم؛ لأن معناه هاهنا: من فوقهم (٢).
واعلم أن عل - بلام خفيفة اسم بمعنى فوق، والتزم فيه أمران:
أحدهما: استعماله مجرورًا بمن.
والثاني: استعماله غير مضاف؛ فلا يقال: أخذته من عل السطح؛ كما يقال: من علوه ومن فوقه، ومتى أريد به المعرفة كان مبنيًّا على الضم تشبيهًا بالغايات؛ كما في البيت المذكور؛ إذ المراد فوقية معينة لا فوقية مطلقة، ومتى أريد به النكرة كان معربًا (٣)؛ كما في
стр. 1328
البيت الذي يأتي بعد بيت واحد (١).
الشاهد الرابع والسبعون بعد الستمائة (٢)، (٣)
أَقَبُّ مِنْ تَحْتُ عَرِيضٌ مِنْ عَلُ … .........................
أقول: قائله هو أبو النجم العجلي، وهو من قصيدة مرجزة يصف فيها أشياء كثيرة، وبهذا الشطر يصف الفرس.
قوله: "أقب" بالقاف وتشديد الباء الموحدة، وهو الضامر البطن؛ من القبب وهو دقة الخصر، والأنثى قباء، قوله: "من عل" أي: من علوه؛ أي: من فوقه.
الإعراب:
قوله: "أقب": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أقب، قوله: "من تحت": جار ومجرور في محل الرفع على الوصفية، وقوله: "عريض": خبر بعد خبر، و "من عل": صفته.
الاستشهاد فيه:
والكلام فيه كالكلام في البيت السابق (٤).
الشاهد الخامس والسبعون بعد الستمائة (٥)، (٦)
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعًا … كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها
стр. 1329
قوله (١):
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل … بسِقْطِ اللِّوَى بَيَن الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ
وهي من الطويل.
قوله: "مِكَرٍّ" بكسر الميم؛ يعني: لا يسبق في الكر، و "مفرٍّ" - أيضًا -بكسر الميم؛ يعني: لا يسبق في الفرار، قوله: "مقبل مدبر" يعني: إذا استدبرته حسن، وإذا استقبلته حسن.
قوله: "كجلمود" بضم الجيم، وهي الصخرة الملساء، قوله: "حطه السيل" يعني: حدره السيل من عل، يعني: من فوق، يعني: من مكان عال، يمدح به فرسه، يقول: إذا أردت الكر وأنا عليه وجدته عنده كجلمود حدره السيل من مكان عال.
الإعراب:
قوله: "مكر" بالجر لأنه صفة لقوله: "بمنجرد قيد الأوابد هيكل" في البيت السابق يعني بفرس منجرد مكر، "ومفر" -أيضًا- بالجر صفة أخرى، وكذلك قوله: "مقبل ومدبر"، وهذه كلها صفات مجرورة.
قوله: "معًا" يعني: جميعًا، نصب على الحال، يعني: مجتمعين، والكاف في قوله: "كجلمود" للتشبيه، وجلمود مجرور به، وهو مضاف إلى صخر من قبيل إضافة الخاص إلى العام.
قوله: "حطه": فعل ومفعول، و "السيل": فاعله، والضمير المنصوب يرجع إلى الجلمود.
قوله: "من عل": يتعلق بقوله: "حطه"، وفيه ثمان لغات: [جئته] (٢) من علُ، ومن علِ، ومن علو، ومن علا، ومن علو، ومن عال، ومن معال، ومن معالا، فمن قال: من عل بالتنوين جعله نكرة، كأنه، قال: من موضع عال، ومن قال: مِن عَلُ فهو مَعرفة، وتقديره: من فوق ما يعلم.
وكان الواجب أن لا يحرك، إلا أنه لما ضارع المتمكن أعطوه فضيلته، وهي الحركة، واختير له الضمة لأنها غاية الحركات، ومن قال: جئتُكَ بن عُلُوٍّ جعله نكرة -أيضًا- وجاء به على التمام، ومن ضم قدره معرفة، ومن قال: جئتك من عَالٍ، فمعناه: من مكان عال (٣).
стр. 1330
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من عل" فإنه معرب لأنه أريد به النكرة؛ إذ المراد تشبيه الفرس في سرعته بجلمود انحط من مكان ما عال، لا من علوّ مخصوص، فقوله من عل، أي: من مكان عال (١).
الشاهد السادس والسبعون بعد الستمائة (٢)، (٣)
................................ … بِمِثْلِ أَوْ أَنْفَعَ مِنْ وَبْلِ الدِّيَمْ
أقول: هذا رجز ما وقفت على اسم راجزه، وصدره:
عَلَّقْتُ آمالي فَعَمَّتِ النِّعَمْ … .........................
قوله: "من وبل الديم" الوبل: المطر الشديد، وكذلك: الوابل، "والديم" بكسر الدال؛ جمع ديمة، قال أبو زيد: الديمة: المطر الذي ليس فيه رعدٌ ولا برق، أقله ثلث النهار، أو ثلث الليل، وأكثره ما بلغ من الغد، والجمع الديم.
الإعراب:
قوله: "علقت": جملة من الفعل والفاعل، و "آمالي": كلام إضافي مفعوله، قوله: "فعمت": جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر الراجع إلى الآمال، و "النعم": مفعوله، قوله: "بمثل": جار ومجرور يتعلق بقوله: "علقت"، والمضاف إليه محذوف تقديره: بمثل وبل الديم أو أنفع من وبل الديم كما في قوله ﵊ (٤) "إن أحدكم ليفتن في قبره مثل أو قريبًا من فتنة الدجال"، والتقدير: مثل فتنة الدجال أو قريبًا من فتنة الدجال، قوله: "أو أنفع": عطف على المقدر الذي ذكرناه (٥).
стр. 1331
والاستشهاد فيه:
هو ما ذكرناه.
الشاهد السابع والسبعون بعد الستمائة (١)، (٢)
................................. … بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ
أقول: قائله هو الفرزدق، وصدره:
يا مَنْ رَأَى عَارِضًا أُسَرُّ بِهِ … ..............................
وهو من المنسرح، وأصله: مستفعلن مفعولات [مستفعلن] (٣) مرتين، وفيه الطيّ فافهم.
قوله: "عارضًا" أي: سحابًا، قوله: "أسر به" أي أفرح به، ويروى: أكفكفه، يقال: يكفكف دمعه: يمسحه مرة بعد أخرى ليرده، ويروى: أرقت له؛ بمعنى: سهرت لأجله، قوله: "بين ذراعي" أراد بذراعي الأسد الكوكبين اللذين يدُلان على المطر عند طلوعهما، وذراعا الأسد وجبهتا الأسد: منزلتان من منازل القمر، والذراع والجبهة من أنواء الأسد.
الإعراب:
قوله: "يا من رأى" يا حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا قوم من رأى سحابًا أفرح به، ويحتمل أن يكون "من" منادى مفردًا، وعلى الأول تكون من استفهامية، و "عارضًا" مفعول رأى.
قوله: "أسر به" على صيغة المجهول، وهي جملة في محل النصب؛ لأنها صفة لقوله: "عارضًا"، قوله: "بين": نصب على الظرف، وهو معمول الرؤية دون السرور لفساد المعنى، و "ذراعي": مضاف إلى مقدر، تقديره: بين ذراعي الأسد؛ وجبهة الأسد فحذف من الأول لدلالة الثاني عليه.
стр. 1332
والاستشهاد فيه:
وهو أنه فصل بين ذراعي وجبهة الأسد بما ليس بظرف وهو قوله: "وجبهة"، والفصل بدون الظرف لا يجوز، فلذلك قلنا: إن المضاف إليه مقدر في الأول.
ويقال: مذهب سيبويه هاهنا أن المضاف إليه محذوف من الثاني، والمذكور آخرًا هو المضاف إليه الأول، وإنما أُخِّر ليكون كالعوض عن المضاف إليه الثاني؛ إذ لو قدم وقيل: بين ذراعي الأسد وجبهته، لم يكن للثاني مضاف إليه لفظًا، ولا ما يقوم مقامه، فأخر الأول ليكون كالقائم مقامه (١).
الشاهد الثامن والسبعون بعد الستمائة (٢)، (٣)
إلّا عُلَالةَ أوْ بُدَا … هَةَ سابِحٍ نَهْدِ الجُزَارَهْ
أقول: قائله هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من قصيدة طويلة من الكامل، وأولها هو قوله (٤):
١ - يَا جَارَتَا مَا كنتِ جَارَهْ … بَانَتْ لِتُحْزنُنَا عُفَارهْ
٢ - تُرْضِيِكَ مِنْ حُسنٍ ومِنْ … دَلٍّ مُخَالِطُهُ غَرَارَهْ (٥)
[إلى أن قال] (٦).
٣ - وهُناكَ يَكْذِبُ ظنُّكُمْ … أَنْ لا اجتماعَ ولَا زِيارَهْ (٧)
٤ - ولا بَرَاءَةَ للبَرِي … ءِ ولَا عَطَاءَ ولَا خُفَارَهْ
стр. 1333
٥ - ولا نُقَاتِلُ بالعصِيِّ … ولا نُرَامِي بالحِجَارَهْ (١)
٦ - إلّا عُلَالةَ أوْ بُدَا … هَةَ سابِحٍ نَهْدِ الجُزَارَهْ
١ - قوله: "يا جارتا ما كنت جاره" يعني: آية جارة كنت، وما في موضع نصب؛ كما تقول: يا رجل أي رجل كنت.
٢ - قوله: "غراره": من الغرة.
٣ - قوله: "وهناك يكذب إلخ" يخاطب بها الأعشى شيبان بن شهاب يقول: إذا غزوناكم علمتم أن ظنكم بأننا لا نغزوكم ولا نجتمع ولا نزوركم بالخيل والسلاح كذب.
٤ - قوله: "ولا براءة" يعني: البريء منكم لم تنفعكم براءته؛ لأن الحرب إذا عظمت لحق شرها البريء وغيره، قوله: "ولا عطاء" أي: نحن ننال جماعتكم بما يكرهون ولا نقبل منهم عطاء ولا خفارة [تفتدون بهما منا، وأراد: لا قبول عطاء لكم ولا خفارة] (٢) "إلا علالة أو بداهة … إلخ".
٥ - قوله: "بالعصي" بكسر العين؛ جمع عصا.
٦ - قوله: "إلا علالة" بضم العين المهملة وتخفيف اللام، وهي بقية جري الفرس، وبقية كل شيء: علالة، قوله: "أو بداهة" بضم الباء الموحدة وتخفيف الدال المهملة، وهي أول جري الفرس.
قوله: "سابح" ويروى: قارح، يقال: فرس قارح؛ من قرح إذا انتهت أسنانه، وإنما تنتهي في خمس سنين؛ لأنه في السنة الأولى حولي ثم جذع ثم ثني ثم رباع ثم قارح، يقال: أجذع المهر وأثنى وأربع وقرح، وهذه وحدها بلا ألف، والفرس قارح، والجمع قرح، والإناث قوارح.
وأما السابح [فهو بالباء الموحدة؛ من سَبْح الفرس وهو جريه، يقال: فرس سابح، ويحتمل أن يكون] (٣) من ساح الماء يسيح إذا جرى، يشبه به الفرس الشديد الجري.
قوله: "نهد الجزارة" النهد بفتح النون وسكون الهاء وفي آخره دال مهملة، يقال: فرس نهد؛ أي: جسيم مشرق تقول منه: نَهُد الفرسُ بالضم نهودة.
"والجزارة" بضم الجيم وتخفيف الزاي المعجمة وبعد الألف راء مهملة، وهي أطراف البعير اليدان والرجلان والرأس، سميت بذلك لأن الجزار يأخذها فهي جزارته؛ كما يقال: أخذ العامل
стр. 1334
عمالته، فإذا قالوا: فرس نهد الجزارة أو عبل الجزارة، فإنما يراد غلظ اليدين والرجلين وكثرة عصبهما، ولا يدخل الرأس هنا لأن عظم الرأس هجنة في الخيل.
الإعراب:
قوله: "إلا علالة": استثناء من قوله: "ولا عطاء ولا خفارة" استثناء منقطع؛ أي: لا يقبل منكم عطاء ولا خفارة، ولكن نزوركم بالخيل والمضاف إليه فيه محذوف تقديره: إلا علالة سابح لما نذكره الآن -إن شاء الله تعالى- قوله: "أو بداهة سابح": كلام إضافي منصوب لأنه عطف على المستثنى، قوله: "نهد الجزارة": كلام إضافي مجرور؛ لأنه صفة لسابح.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إلا علالة" أصله: إلا علالة سابح أو بداهته؛ فحذف من الثاني ما تكرر في الأول وهو الهاء؛ كما قال تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١] ثم أخر سابحًا، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بقوله: "أو بداهة"، وهذا مذهب سيبويه في جميع هذا النوع (١).
وقال الفراء وغيره من الكوفيين والبصريين كالمبرد وغيره: أصله: إلا علالة سابح أو بداهة سابح، ثم حذف المضاف إليه من الأول، ولا فصل على هذا الوجه في البيت بين مضاف ولا مضاف إليه.
والمبرد [﵀] (٢) استشهد بهذا البيت على قوله (٣):
يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لَا أَبَا لَكُمُ … لا يَكفِينكُمُ في سَوْأَةٍ عُمَرُ
أراد: إلا علالة سابح أو بداهة سابح، ويا تيم عدي تيم عدي (٤)، وقد قيل: إن في كل من القولين مخالفة للأصل؛ أما المبرد فلأنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه (٥)، وأما سيبويه فلأنه فصل بين المتضايفين (٦)، وقال الفراء: والاسمان مضافان معًا إلى سائح أو قارح على الاختلاف في الرواية، وهذا يلزم منه توارد عاملين على معمول واحد (٧).
стр. 1335
الشاهد التاسع والسبعون بعد الستمائة (١)، (٢)
يَفرُكْنَ حَبَّ السُّنْبُلِ الكُنَافِجِ … بالْقَاعِ فَرْكَ القُطُنَ المَحَالِجِ
أقول: قائله هو أبو جندل الطهوي، كذا قاله أبو حاتم في كتاب الطير.
وهو من قصيدة جيمية من الرجز المسدس يصف بها الجراد، وأولها هو قوله (٣):
١ - يا رَبُّ رَبَّ القُلُصِ النَّوَاعِجِ … الحُنُفِ الضَّوَابِعِ الضُّماعجِ
٢ - مُعْصَوْصَبَات بذَوي الحَوَائِجِ … اصْبُبْ عَلَى زَرْعِ الخَبِي الوَالِجِ
٣ - بَيْنَ إنَا حيَن الحَصَادِ الهَائِجِ … وبَيَن خُرْفَنْجِ النَّبَاتِ البَاهِجِ
٤ - فيِ غُلْوَاءِ القُصُبِ النَّوَاهِجِ … مِنَ الدَّبَا ذَا طَبَقٍ أفَايِجِ
٥ - مِنْ ثَابِرٍ ونَاقِزٍ ودَارِج … ومُسْتَقِلٍّ فَوْقَ ذَاكَ مَائِجِ
٦ - يَجِنُّ مِنْ مَشَافِرِ الحَنَادِجِ … بَيْنَ تَنَاهِي القُفِّ ذِي الفَوَائِجِ
٧ - يَفرُكْنَ .................. … ..................... إلخ
٨ - ثُمَّ يَسِيحُ وهْوَ ذُو مَسَاحِجٍ … قُعْسَ الرِّقَابِ مُشْرِف المَنَاسِجِ
١ - قوله: "القلص" بضم القاف [واللام] (٤)؛ جمع قلوص، وهو الفتى من الإبل، و "النواعج" من الإبل، السراع، و "الحنف" بضم الحاء المهملة والنون؛ جمع حنفاء، وهي التي [لها] (٥) ميل في صدر قدمها، و "الضوابع " بالضاد المعجمة، يقال: ناقة ضابع إذا مدت أضباعها في سيرها، وهي أعضادها، ويجمع على ضوابع على غير قياس؛ كفوارس جمع فارس، و: "الضماعج" بضم الضاد المعجمة، قال ابن دريد: الضمعج والعمضج والضماعج والعماضج: الصلب الشديد (٦).
٢ - قوله: "معصوصبات" من اعصوصب اليوم إذا اشتد، وأصله من العصب وهو الطي