الإعراب:
قوله: "سبتني": جملة من الفعل والمفعول، قوله: "الفتاة" فاعلها، و "البضة" بالرفع صفة الفتاة، قوله: "المتجرد" مجرور بإضافة البضة إليه، وقوله: "اللطيفة": مرفوع لأنَّه صفة أخرى للفتاة، وهو مضاف إلى كشحه، والضمير في كشحه يرجع إلى المتجرد، قوله: "وما خلت": جملة من الفعل والفاعل، و "أن أسبى": على أنَّه في محل النصب مفعول.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "البضة المتجرد اللطيفة كشحه" فإن الكشح مضاف إلى ضمير المتجرد المضاف إليه البضة، ونظيره: مررت برجل حسن الوجنة جميل خالها، فإن المعمول مضاف إلى ضمير معمول صفة أخرى، وهذا تركيب نادر (١).
الشاهد الثَّاني والخمسون بعد السبعمائة (٢)، (٣)
فَعُجْتُهَا قبلَ الْأَخيَار مَنزلَةً … وَالطَّيِّبِي كُلِّ مَا التَاثَتْ بِهِ الأُزُرُ
أقول: قائله هو الفرزدق، وهو من قصيدة من البسيط، وأولها هو قوله (٤):
١ - تَقُولُ لَمَّا رَأَتْنِي وَهيَ طيبةٌ … عَلَى الفراش ومنهَا الدَّلُ والحفرُ
٢ - أصدِر هُمُومَكَ لَا يَقتُلكَ وَاردُهَا … فَكلُّ وَاردَةٍ يَومًا لها صدرُ
٣ - فعجتها قِبَلَ الأَخيَار مَنزلَةً … وَالطَّيِّبي كُلِّ مَا التَاثَت بِهِ الأُزُرُ (٥)
٤ - إذَا رَجَا الرَّكْبُ تَعْرِيسًا ذكرتُ لهُم … غَيثًا يَكُونُ عَلَى الأَيْدِي لَهُ دِرَرُ
٥ - وَكَيفَ تَرجُونَ تغميضًا وَأَهْلُكُم … بِحَيثُ تَلْحَسُ عن أولادِها البقرُ
٦ - سِيرُوا فإنَّ ابنَ ليلَى مِنْ أمامِكُم … وَبادِرُوهُ فإنَّ العُرفَ يُبتَدَرُ
٧ - فأصْبَحُوا قدْ أعادَ الله دولتَهم … إذ هم قريشٌ وإذ ما مثلَهم بشرُ
стр. 1437
٨ - ولن يَزَال إمامٌ منهمُ ملكٌ … إليه يَشخَصُ فوقَ المنبرِ البصرُ
٣ - قوله: "فعجتها" أي: فعجت الناقة؛ يقال: عجت البعير أعوجه عوجًا ومعاجًا إذا عطفت رأسه بالزمام، وانعاج عليه: انعطف، قوله: "قبل الأخيار" بكسر القاف وفتح الباء الموحدة؛ أي: نحوهم وجهتهم، والأخيار: جمع خيِّر بالتشديد.
قوله: "والطيبي" أصله: والطيبين، سقطت النون للإضافة، وهو جمع طيب قوله: "التاثت": من الالتياث، وهو الاختلاط والالتفاف، يقال: التاث برأس القلم شعرة، ومادته: لام وياء وثاء مثلثة، "والأزر": جمع إزار، وهو كناية عن وصفهم بالعفة، والعرب تكني بالشيء عما يحويه ويشتمل عليه؛ كما قالوا: فلان ناصح الجيب؛ أي: الفؤاد، وكذلك ها هنا، أراد أنهم موصوفون بالعفة فافهم.
الإعراب:
قوله: "فعجتها" الفاء للعطف، وعجتها: جملة من الفعل والفاعل والمفعول، و "قبل الأخيار": كلام إضافي منصوب على الظرفية، و "منزلة" نصب على التمييز.
قوله: "والطيبي كل ما التاثت": عطف على الأخيار، ولفظ "كل" مضاف إلى ما الموصولة و "التاثت": فعل ماض، و "الأزر": فاعله، والجملة صلة الموصول، والضمير في "به" يرجع إلى لفظ ما.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والطيبي كل ما التاثت" فإن قوله: "الطيبي" صفة مشبهة مضافة إلى كل الذي هو مضاف إلى موصول، وقد علم أن معمول الصفة المشبهة على أنواع منها المضاف إلى موصول؛ كما في البيت المذكور، والباقي عرف في موضعه (١).
الشاهد الثالث والخمسون بعد السبعمائة (٢)، (٣)
........................... … وَثيرَاتُ مَا الْتَفَّتْ عَلَيها المآزِرُ
أقول: قائله هو عمر بن أبي ربيعة، وصدره:
стр. 1438
أَسِيلَاتُ أَبْدَانٍ دِقَاقُ خصُورُهَا … ...................................
وهو من الطَّويل.
قوله: "أسيلات أبدان": جمع أسيلة، وهي الطويلة، وكل مسترسل أسيل؛ ومنه سمي الرماح أسيلًا، ورجل أسيل الخد إذا كان لين الخد طويله، وقد أسل بالضم أسالة.
و"الدقاق" بكسر الدال جمع دقيق، و "الخصور": جمع خمس، قوله: "وثيرات": جمع وثيرة -بفتح الواو وكسر الثاء المثلثة، والوثير: الفراش الوطيء، وأراد بها ها هنا وطيآت الأرداف والأعجاز.
الإعراب:
قوله: "أسيلات أبدان": كلام إضافي خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هن أسيلات أبدان، قوله: "دقاق": جمع اسم فاعل عَمِل عَمَل فعله؛ حيث رفع خصورها وهو -أيضًا- خبر بعد خبر.
قوله: "وثيرات ما التفت": كلام إضافي خبر بعد خبر [وما موصولة، و "التفت": فعل ماض، و "المآزر": فاعله، والجملة] (١) صلة للموصول، والضمير في "عليها" يرجع إلى "ما" باعتبار معناها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وثيرات ما التفت" فإن وثيرات صفة مشبهة أضيفت إلى الموصول، وقد علم أن الصفة المشبهة المضافة على أنواع: منها المضاف إلى الموصول كما في البيت المذكور (٢).
الشاهد الرابع والخمسون بعد السبعمائة (٣)، (٤)
أَزور امرأ جَمًّا نوالٌ أعده … لمن أَمَّه مُستَكْفِيًا أَزْمَةً الدَّهْرِ
أقول: قائله مجهول، وهو من الطَّويل.
قوله: "جمًّا" بالجيم وتشديد الميم؛ أي: عظيمًا، قوله: "نوال" بفتح النون، وهو العطاء وكذلك النول، قوله: "لمن أمه" أي: قصده، قوله: "أزمة الدهر" أي: شدته.
стр. 1439
الإعراب:
قوله: "أزور": جملة الفعل والفاعل، و "امرأ": مفعوله، و "جمًّا": صفة مشبهة منصوب لأنَّه صفة لامرئ، وقوله: "نوال": مرفوع بقوله: "جمًّا" لأنه صفة مشبهة عمل عمل فعله.
قوله: "أعده": من الإعداد، جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه، والفعول وهو الهاء الذي يرجع إلى النوال، والجملة في محل الرفع لأنها صفة للنوال، والأَوْلى أن تكون في محل النصب على أنها صفة لامرئ ويكون الضمير فيها راجعًا إليه (١).
وقوله: "لمن أمه": يتعلق بقوله: "مستكفيًا"، ومن موصولة، و "أمه" جملة صلتها، و "مستكفيًا" نصب على أنَّه مفعول ثان لأعده، وقوله: "أزمة الدهر": كلام إضافي منصوب بقوله: "مستكفيًا".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "جمًّا نوالُ" حيث [رفع جمًّا نوال] (٢) مع أنَّه غير متلبس بضمير صاحب الصفة لفظًا، وفي المعنى التقدير: جمًّا نواله (٣).
الشاهد الخامس والخمسون بعد السبعمائة (٤)، (٥)
حَسَنُ الوَجهِ طَلْقُهُ أَنْتَ فِي السِّلْـ … ـمِ وَفِي الحَربِ كَالِحٌ مُكفَهِرٌّ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف.
قوله: "طلقه" أي طلق الوجه؛ يقال: رجل طلق الوجه وطليق الوجه؛ أي: غير عبوس، "والسلم" بكسر السِّين؛ الصلح، "والكالح": من الكلوح وهو التكشير في عبوس، وقد كلح الرجل كلوحًا وكلاحًا، و "المكفهر": من اكفهر الرجل إِذا عبس.
الإعراب:
قوله: "حسن الوجه" كلام إضافي، وقد عمل في الضمير البارز وهو قوله: "أنت"، وقوله:
стр. 1440
"طلقه" بالرفع بدل من قوله: "حسن الوجه" (١)، قوله: "في المسلم": حال من أنت؛ أي: حال كونك في المسلم، [قوله:] (٢) "وفي الحرب": طف على قوله: "في المسلم"، وهو متعلق بكالح، و "كالح": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنت في الحرب كالح، و "مكفهر": خبر بعد خبر.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حسن الوجه طلقه أنت" حيث عمل حسن الوجه وهو صفة مشبهة في الضمير البارز وهو أنت مع أنَّه غير سببي، وقد شرط أن يكون معمول الصفة المشبهة سببيًّا بخلاف اسم الفاعل فإنَّه يعمل في السببي والأجنبي، والمراد بالسببي المتلبس بضمير صاحب الصفة لفظًا أو معنًى، وأجيب عن ذلك بأن المراد من السببي أن لا يكون أجنبيًّا، فإنَّها لا تعمل في الأجنبي، وأمَّا عملها في الموصوف فلا إشكال فيه (٣).
* * *
стр. 1441
شواهد التعجب
الشاهد السادس والخمسون بعد السبعمائة (١)، (٢)
وَاهًا للَيلَى ثُمَّ وَاهًا وَاهًا … .......................................
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، ويقال أبو النجم العجلي، وقد ذكرناه مع الاختلاف فيه مع شواهد المعرب والمبني عند قوله (٣):
إن أبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … ...................................
وقوله: "واهًا لليلى" أول القصيدة المرجزة، وهي (٤):
١ - وَاهًا لِلَيلَى ثُمَّ وَاهًا وَاهًا … هِيَ المُنَى لَو أنَّنا نِلْنَاهَا
٢ - يا لَيتَ عينَاهَا لَنَا وَفَاهَا … بثَمَنٍ نُرضى بِهِ أَبَاها
٣ - إن أبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قدْ بَلَغَا فِي المَجْدِ غَاياهَا
قوله: "واهًا" كلمة يقولها المتعجب، فإذا تعجبت من طيب شيء، قلت: واهًا له ما أطيبه!، وكلمة: "وا" ها هنا اسم لأعجب كما في قوله (٥):
وَا بِأَبي أنْتِ وفُوكِ الأَشْنَبُ … ...................................
стр. 1442
وقد يزاد فيها الهاء، فيقال: واهًا كما في البيت المذكور، قوله: "لليلى" اللام فيه للتعجب، وهي مكسورة ليفرق بينها وبين لام الاستغاثة، قوله: "لم واهًا": عطف على: واهًا [لليلى، قوله: "واهًا] (١) تأكيد للأول.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "واهًا" فإنَّه كلمة للتعجب؛ كما ذكرنا، وقد علم أنَّه يستعمل على صيغ مختلفة منها كلمة: "واهًا"، ومنها كلمة: كيف؛ كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، ومنها لفظ: سبحان الله؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁ (٢): "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس" (٣).
الشاهد السابع والخمسون بعد السبعمائة (٤)، (٥)
.............................. … يَا جَارَتَا مَا أَنْتِ جَارَهْ!
أقول: قائله هو الأعشى ميمون بن قيس، وأوله:
بَانَت لِتُحْزِنَنَا عفَارَة … ...................................
وهي من قصيدة طويلة، من الكامل المجزوء المرفل المصرع (٦)، وأولها هذا البيت، وبعده قوله (٧):
٢ - تُرضِيكَ مِن حُسْنٍ وَمِن … دلّ مُخَالطُةُ غَرَارَهْ
٣ - بَيضَاءُ ضَحوَتهَا وَصَف … رَاءُ العَشِيَّة كالعَرَارَة (٨)
٤ - وَسَبَتْكَ حِينَ تَبَسَّمَت … بينَ الأَريكةِ وَالسِّتَارَهْ
стр. 1443
١ - قوله: "بانت": من البين، و "عفارة": اسم امرأة يحتمل أن تكون هي الجارة أو غيرها، فإن كانت عينها فقد انتقل من الإخبار إلى الخطاب بقوله: يا جارتا، والجارة ها هنا زوجته، وأصله: يا جارتي، فأبدل من الكسرة فتحة، فانقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ويجوز أن تكون الألف فيها ألف الندبة، فلما وصلها حذف الهاء، فكأنه لما فقدها ندبها.
٢ - قوله: "غراره" بالغين المعجمة؛ من الغرة، "والعَرارة" بفتح العين المهملة، وهو شجر له نور أصفر يكون قدر شبر، "والأريكة" السرير المتخذ في حجلة، ويجمع على: أرائك.
الإعراب:
قوله: "بانت": فعل، و "عفاره": فاعله، واللام في: "لتحزننا" للتعليل، قوله: "يا جارتا": منادى منصوب؛ لأنَّه مضاف؛ إذ أصله: يا جارتي؛ كما نقول؛ يا غلامي ثم نقول: يا غلامًا.
قوله: "ما أنت" ما نافية، و "أنت": مبتدأ، و "جاره": خبره، ويروى: ما كنت جاره، فهذا يؤكد (١) معنى النفي، ويجوز أن تكون ما استفهامًا في موضع الرفع على الابتداء، وأنت خبره، وجاره يكون تمييزًا، والمعنى: عظمت من جارة.
[الاستشهاد فيهِ:
في قوله: "ما أنت جارة! " حيث يدل على التعجب؛ إذ التقدير: عظمت من جارة] (٢) كما ذكرنا (٣).
الشاهد الثامن والخمسون بعد السبعمائة (٤)
يَا هَيْء مَا لِي مَن يُعَمِّر يُفْنِهِ … مَرَّ الزَّمَانِ عَلَيهِ وَالتَّقْلِيبُ
أقول: قائله هو جميح بن الطماح الأسدي، ويقال: نافع بن لقيط الأسدي؛ قاله ابن بري، وعن أبي الحسن الأخفش عن ثعلب أنَّه لنافع بن نويفع الفقعسي (٥)، وهو من قصيدة طويلة من الكامل، وأولها هو قوله:
١ - بَانتْ لِطَيِّبِهَا الغدَاةَ جَنُوبُ … وَطَرِبْتَ أَنَّكَ مَا عَلِمْتُ طَرُوبُ
стр. 1444
قوله: "يا هيء" ذكر بعض أهل اللغة أن هيء اسم لفعل أمر ومعناه تنبه واستيقظ كمعنى: صه ومه في كونهما اسمين لاسكت واكفف (١)، وإنما بنيت على حركة بخلاف: صه ومه؛ لئلا يلتقي ساكنان، وخصت بالفتحة طلبًا للخفة بمنزلة: أين وكيف.
قوله: "ما لي" يعني: أي شيء لي، يريد بذلك من تغير حاله عما كان يعهده، ثم استأنف ذلك فأخبر عن تغير حاله، فقال: لا من يعمر يفنه مر الزمان عليه"، "والتقليب": أي: التغيير من حال إلى حال، ويروى: يا فيء ما لي بالفاء وسكون الياء، والعرب تقول: يا فيء ما لي؛ تتأسف بذلك، قوله: "من يعمر يفنه" ويروى: يبله؛ من بلي الثوب إذا خَلِق.
الإعراب:
قوله: "يا هيء" يا ها هنا لمجرد التنبيه؛ لأنها دخلت على ما لا يصلح للنداء، وقال ابن بري: دخل حرف النداء على هيء كما دخل على فعل الأمر في قول الشماخ (٢):
ألا يا اسقياني قبل غارة سنجال … ...................................
والسنجال -بكسر السيد: اسم قرية من قرى أرمينية، قوله: "ما لي": جملة من المبتدأ والخبر، وكلمة ما للاستفهام، قوله: "مَن" شرطية، و "يعمر": على صيغة المجهول فعل الشرط فلذلك جزم، وقوله: "يفنه مر الزمان" جواب الشرط، "ويفنه": فعل ومفعول، و "مر الزمان": كلام إضافي فاعله، قوله: "عليه": يتعلق بكر، قوله: "والتقليب" بالرفع عطف على المضاف في قوله: "مر الزمان".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا هيء ما لي" حيث يدل على التعجب؛ كما ذكرنا (٣).
стр. 1445
الشاهد التاسع والخمسون بعد السبعمائة (١)، (٢)
يا مَا أُمَيلِحَ غِزْلَانًا شدَنَّ لَنَا … منْ هَؤُلَيَّائِكُنَّ الضّالّ والسمُر!
أقول: قائله هو العرجي، وهو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفَّان الأموي، وقد مرَّ ذكره مع البيت في شواهد اسم الإشارة (٣).
قوله: "أميلح": تصغير أملح؛ من ملح الشيء ملاحة، و "شدن": جمع مؤنث (٤) من شدن الظبي إذا صلح جسمه، و "الضال" بالضاد المعجمة وتخفيف اللام وهو السدر البري، واحدها: ضالة بالتخفيف -أيضًا-.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا ما أميلح" فإن الكوفيين استدلوا به على أن صيغة ما أفعله! في التعجب اسم؛ لأنَّه صغر ها هنا، والتصغير لا يكون إلَّا في الأسماء، وأجاب البصريون عن ذلك أنَّه شاذ وقد استوفينا الكلام هناك (٥).
стр. 1446
الشاهد الستون بعد السبعمائة (١)، (٢)
ومُستَبدِلٍ مِن بَعد غَضبَى صُرَيمَةً … فَأَحرِ بِه منْ طُولٍ فَقرٍ وَأَحْريَا
أقول: أنشده ثعلب ولم يعزه لقائله، وهو من الطَّويل.
قوله: "ومستبدل": اسم فاعل من الاستبدال، قوله: "غضبى" بفتح الغين وسكون الضَّاد المعجمتين وفتح الباء الموحدة، وهو المائة من الإبل، وفي كتاب القالي: غضيى بالياء آخر الحروف موضع الباء (٣)، وفي كتاب ابن ولاد: غضنى بالنون موضع الياء وهو تصحيف.
قوله: "صريمة": تصغير صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، وهي قطعة من الإبل نحو الثلاثين، صغرها للتقليل، قوله: "فأحر به" أي: أجدر به، وهو صيغة التعجب؛ من قولهم: فلان حري أن يفعل كذا؛ أي: جدير ولائق، قوله: "وأحريا" أصله: أحرين بنون التوكيد فأبدلت الألف من النون، وهو -أيضًا- صيغة التعجب.
الإعراب:
قوله: "ومستبدل" مجرور بالعطف على ما قبله إن تقدمه شيء، وإلا فبإضمار رب، قوله: "صريمة" منصوب على أنَّه مفعوله.
قوله: "فأحر به" على وزن أفعل به من صيغة التعجب، ولكن معناه: ما أفعله!؛ كما تقول: أكرم يزيد!، معناه: ما أكرمه!، لفظه أمر ومعناه تعجب، وفاعله المجرور بالباء عند البصريين، وهو ضمير مستتر عند الكوفيين على ما عرف في موضعه.
قوله: "من طول فقر" كلام إضافي مجرور بمن يتعلق بأحر به قوله: "وأحريا" عطف على قوله: فأحر به! كرر للتأكيد، والتقدير: وأحرين به، فأبدلت النون ألفًا، وحذف به ها هنا لدلالة الأول عليه.
الاستشهاد فيه:
أمران: أحدهما: الاستدلال على فعلية هذه الصيغة، أعنى: أفعل به! لمرادفته لما ثبتت فعليته مع
стр. 1447
كون وزنه من الأوزان التي تخص الأفعال نحو [قوله تعالى] (١): ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] (٢).
والثاني: توكيده بنون التوكيد الخفيفة في قوله: "وأحريا" [كما ذكرنا] (٣).
الشاهد الحادي والستون بعد السبعمائة (٤)، (٥)
أرأَيْتَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ أملودًا … مُرَجلًا ويلبسُ البرودَا
أقائلُن أحضِرُوا الشُّهُودَا … ...................................
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفًى في شواهد الكلام في أوائل الكتاب (٦)، وقد ذكرنا أن الاستشهاد فيه دخول نون التوكيد في اسم الفاعل، وهو قوله: "أقائلن" تشبيهًا له بالفعل، وقد دل هذا على أن الاستدلال على فعلية أفعل به! في التعجب بدخول نون التوكيد عليه، كما في قوله: "وأحريا" في البيت السابق ليس بقوي، لاحتمال أن يقال النون فيه كالنون في قوله:
أقائلُنَّ أحضروا الشهودا … ......................................
الشاهد الثاني والستون بعد السبعمائة (٧)، (٨)
جَزَى اللهُ عَنِّي وَالْجَزَاءُ بِفَضلِهِ … ربيعَةَ خَيرًا مَا أعَفَّ وَأكرَمَا
أقول: قائله هو ........................................................
стр. 1448
[أمير المؤمنين] (١) علي بن أبي طالب ﵁، وهو من الطَّويل، والمعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "جزى الله": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "ربيعة": مفعول به، و "خيرًا":
مفعول ثان، والجملة دعائية لا محل لها من الإعراب إنشاء في صورة الإخبار.
قوله: "والجزاء": مبتدأ، و "بفضله": خبره؛ أي: بفضل [الله] (٢) وقد اعترضت بين الفاعل والمفعول، قوله: "ما أعف" صيغة التعجب؛ أي: ما أعفهم!، قوله: "وأكرما": عطف عليه، وأصله: ما أكرمهم والألف فيه للإطلاق.
والاستشهاد فيه:
وذلك لأن المتعجب [منه] (٣) إذا علم جاز حذفه سواء كان معمول أفعل كما في قوله: "ما أعفَّ وأكرمَا"؛ إذ أصله: ما أعفهم وأكرمهم؛ كما ذكرنا، أو معمول أفعل به. فافهم (٤).
الشاهد الثالث والستون بعد السبعمائة (٥)، (٦)
فَذَلِكَ إِنْ يَلْقَ المَنِيَّةَ يَلْقَهَا … حَمِيدًا وَإنْ يَستَغنِ يَومًا فأجدر
أقول: قائله هو عروة بن الورد بن زيد، وقيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد الله بن ثابت بن هرم بن لديم بن عرذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن غيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية، وفارس من فرسانها، وصعلوك من صعاليكها المعدودين
стр. 1449
المعدمين الأجواد، وكان [يلقب] (١) عروة الصعاليك لجمعه إيَّاهم وقيامه بأمرهم، وقيل: لقب بقوله:
لحى الله صعلوكًا ....... … ........................ إلى آخره
وهو من قصيدة رائية من الطَّويل، وأولها هو قوله (٢):
١ - لحَى الله صُعلُوكًا إذا جَنَّ لَيلُهُ … مصافي المُشاشِ آلفًا كل مجزرِ
٢ - يَعُدُّ الغِنَى مِن نفسِهِ كل ليلَةٍ … أصابَ قراهَا من صَدِيقٍ مُيَسّرِ
٣ - ينامُ عِشَاءً ثمَّ يُصْبحُ ناعِسًا … يَحُتُّ الحَصَى عنْ جَنْبِهِ المتَعَفِّرِ
٤ - يُعِينُ نِسَاءَ الحَيِّ مَا يستعِنَّهُ … ويُضْحِي طَلِيحًا كالبعيرِ المحسرِ
٥ - ولله صعلوكٌ صفيحةُ وجهِهِ … كضوءِ شِهَابِ القَابِسِ المتنوّرِ
٦ - مطِلٌّ على أعدائِهِ يزجُرُونَهُ … بساحتهِم زجرَ المنيحِ المشَهَّر
٧ - إذا بعدُوا لا يأمنُونَ اقترابَه … تَشَوُّفَ أَهْلِ الغائبِ المتُنَظّرِ
٨ - فذلك .................. … ........................ إلى آخره (٣)
١ - أقول: [قوله: "] (٤) لحى الله"، أصله: اللوم والقشر، ويستعمل في السب، و "الصعلوك": الفقير، و "المشاش"، بضم اليم، كل عظم هش دسم، الواحدة مشاشة، و "المجزر": الموضع الذي تجزر فيه الإبل.
٢ - و "المُيَسّر" بضم الميم وفتح الياءآخر الحروف وتشديد السِّين المهملة، الذي قد نتجت إبله وكثر لبنه، وضده المجنّب، ويحت ويحط متقاربان.
٣ - و "المتعفر" بالعين المهملة، المتمرغ في التُّراب.
٤ - و "الطليح" بالحاء المهملة؛ من طلح البعير أعيا فهو طليح، و "المحسر" بالحاء والسين المهملتين، من حسر البعير يحسر حسورًا إذا كلَّ وأعيا وحسره غيره.
٥ - قوله: "صفيحة وجهه" أراد ضوء صفيحة وجهه.
٦ - قوله: "مطلّ": من أطل على كذا إذا أوفى عليه، و "المنيح" بفتح الميم وبالحاء المهملة يستعمل في معنيين: أحدهما: أن يكون قدحًا لاحظ به، والآخر: في معنى المستعار، لأنَّ العارية يقال لها المنحة، وكانوا يستعيرون القداح بعضهم من بعض، والبيت يحتمل الوجهين.
стр. 1450
٧ - قوله: "تشوف أهل الغائب": نصب على المصدر، والمفعول محذوف، والتقدير: تشوف أهل الغائب رجوعه.
٨ - و "المنية": الموت.
الإعراب:
قوله: "فذلك": إشارة إلى الصعلوك الثَّاني من القصيدة، والفاء تصلح أن تكون للترتيب الذكري، وهو الذي يفصل المجمل الذي سبق وهو مبتدأ، والجملة الشّرطيّة خبره.
وقوله: "إن" للشرط، و "يلق": فعل وفاعل، و "لمنية" مفعول، والجملة: فعل الشرط، قوله: "يلقها": جواب الشرط فلذلك جزم الفعل، والهاء ترجع إلى المنية في محل النصب على المفعولية.
وقوله: "حميدًا": نصب على الحال من الضمير المنصوب بمعنى محمودة، وصيغة فعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث إذا كان بمعنى المفعول؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (١).
قوله: "وإن يستغن": عطف على الجملة الأولى، وهي -أيضًا- شرطية، و "يومًا": نصب على الظرف، قوله: "فأجدر": وقع جوابًا للشرط فلذلك دخلت الفاء.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فأجدر" فإن صيغة التعجب على وزن أفْعِل، ولكن حذف منه المتعجب منه، ولا يسوغ ذلك في أفعل به إلَّا إذا كان معطوفًا على آخر مذكور معه المتعجب منه، كما في قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]، والتقدير: وأبصر بهم (٢)، وقد حذف ها هنا بدون ذلك؛ لأنَّ أصل قوله: "فأجدر" أي: فأجدر بكونه حميدًا، وذلك للضرورة وهو قليل (٣).
الشاهد الرابع والستون بعد السبعمائة (٤)، (٥)
وقَال نَبِيُّ المُسلِمِينَ تَقَدَّمُوا … وَأَحْبِبْ إِلَينَا أَنْ يَكُونَ المُقدَّمَا
أقول: قائله هو عباس بن مرداس، وهو من المؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم رسول الله ﷺ من
стр. 1451
سبي حنين مائة من الإبل، وهو من قصيدة طويلة من الطَّويل، وأولها هو قوله (١):
١ - أَلا مُبلِغُ الأقْوامِ أن مُحمدًا … رَسُولَ الإله راشدٌ حَيثُ يمَّمَا
٢ - دَعَا رَبَّهُ وَاسْتَغْفَرَ الله وحْدَهُ … فَأصْبَحَ قَدْ وَفَّى إايهِ وأَنْعَمَا
٣ - سَرَينَا وَوَاعَدْنَا قُدَيدًا مُحَمَّدًا … يَؤُمُّ بِنَا أمْرًا مِنَ الله مُحْكَمَا
٤ - تَمَارَوْا بنَا فيِ الفَجْرِ حَتَّى تَبَيَّنوا … مَعَ الفَجْر فِتْيَانًا وغَابًا مُقَوَّمَا
٥ - علَى الخيلِ مَشْدُودًا عَلَينَا دُرُوعُنَا … ورَجلًا كدَفَّاعِ الآتي عَرَمرَمَا
٦ - فإنَّ سرَاةَ الحَيِّ إنْ كُنتَ سَائلًا … سُلَيمٌ وفِيهِم منهُمُ مَنْ تَسَلَّمَا
٧ - وَجِيدٌ منَ الأنْصَارِ لا يَخْذُلُونَهُ … أطَاعُوا فلَا يَعْصُونَهُ مَا تَكَلَّمَا
٨ - وإنْ تَكُ قَدْ أمَّرتَ فيِ القَومِ خَالِدًا … وقَدَّمْتَهُ فإنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَا
٩ - بجُندٍ هدَاهُ الله أنْتَ أمِيرُهُ … تُصِيبُ بهِ في الحقِّ مَنْ كَان أظْلَمَا
١٠ - حَلَفْتُ يَمينًا بَرَّةً لمُحمَّدٍ … فَأكمَلْتُها أَلْفًا منَ الخَيل مُلْجَمَا
١١ - وقال نَبيُّ المُسلمين .......... … ................... إلى آخره
١، ٣ - [قوله: "] (٢) يمما" أي: قصد، و "قديد" بضم القاف؛ موضع بين مكّة والمدينة.
٤، ٥ - قوله: "تماروا" أي: شكوا، و: "الآتيّ" بفتح الهمزة وكسر التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف، وهو السيل العظيم.
٦، ٧ - و "العرمرم": الكثير، ومنه قيل للجيش الكثير: عرمرم، و "سراة القوم": ساداتهم.
الإعراب:
قوله: "وقال": فعل، و "نبي المسلمين": كلام إضافي فاعله، ويروى: وقال أمير المؤمنين، وكذا رواه ابن عصفور، قوله: "تقدموا": جملة من الفعل والفاعل وهو أنتم، وقعت مقولًا للقول.
قوله: "وأحبب إلينا": صيغة التعجب معناه: ما أحب إلينا!، قوله: "أن يكون" أصله: بأن
стр. 1452
يكون، واسم يكون هو الضمير الذي يرجع إلى النبيِ ﷺ ، وقوله: "المقدما": خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أحبب إلينا أن يكون" حيث فصل الشاعر فيه بين فعل التعجب ومعموله بالظرف وهو قوله: "إلينا"، وقد منع ذلك الأخفش والمبرد، والبيت حجة عليهما (١).
الشاهد الخامس والستون بعد السبعمائة (٢)، (٣)
أُقيمُ بدَارِ الحَزْمِ ما دام حَزْمُهَا … وَأَحْرِ إذا حَالتْ بأنْ أتَحَوَّلَا
أقول: قائله هو أوس بن حجر، وهو من قصيدة طويلة من الطَّويل، وأولها هو قوله (٤):
١ - صَحَا قَلْبُهُ عَنْ سُكْرِه وَتَأَمَّلَا … وَكَانَ بِذكْرَى أُمِّ عَمْرو مُوكّلَا
٢ - وَكَانَ لَهُ الحينُ المتَاحُ حمولةً … وَكُلُّ امرِيءٍ رَهْنٌ بمَا قد تحَمَّلَا
стр. 1453
٣ - أَلَا أَعْتِبُ ابْنَ العَمِّ إِنْ كَانَ ظَالِمًا … وأغفِرُ عَنْهُ الجهلَ إن كَانَ أَجْهَلَا
٤ - وَإنْ قَال لي مَاذا تَرَى يَشتَشِيرُنِي … يَجدْنِي ابنَ عمٍّ مُخْلِطَ الأَمْرِ مزيلَا
٥ - أُقِيمُ بِدَارِ الحزْمِ ............. … ........................ إلى آخره
٥ - قوله: "أقيم بدار الحزم ما دام حزمها" معناه: ما دامت [هي] (١) حازمة في الإقامة فأنا -أيضًا- حازم بها، فإذا تحولت هي فالأَولى لي أن أتحول، وقال ابن السكيت في معنى هذا البيت: يريد ما كانت الإقامة بها حزمًا، ويقول: أخلق أن أتحول عنها إذا انقلبت وتغيرت فصارت داره معجزة.
وأخلق وأحر وأقمن به معناه كله واحد (٢).
الإعراب:
قوله: "أقيم": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه وهو أنا، قوله: "ما دام" أي: مدة دوام حزمها، قوله: "وأحر": صيغة التعجب، ومعموله هو قوله: "بأن أتحولا"، قوله: "إذا حالت" إذا للظرف، والعامل فيه أتحولا، والضمير في "حالت" وفي قوله: "حزمها" ورجع إلى أم عمرو المذكورة في البيت السابق (٣).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وأحر إذا حالت بأن أتحولا" حيث فصل بين فعل التعجب وبين فاعله وهو: "بأن أتحولا" بالظرف وهو قوله: "إذا حالت"، وهذا مختلف فيه فأجازه الجرمي ومنعه المبرد والأخفش (٤).
الشاهد السادس والستون بعد السبعمائة (٥)، (٦)
خَليليَّ مَا أَحرَى بِذي اللُّبِّ أَن يُرَى … صَبُورًا وَلكن لا سبيلَ إلى الصبر
أقول: احتج به الجرمي وغيره ولم يذكر أحد منهم اسم قائله، وهو من الطَّويل. المعنى ظاهر.
стр. 1454
الإعراب:
قوله: "خليلي": منادى حذف منه حرف النداء، وأصله: يا خليلي، وفي التقدير: يا خليلان لي فسقطت النون للإضافة، قوله: "ما أحرى": صيغة التعجب، قوله: "بذي اللب": جار ومجرور يتعلق بأحرى.
قوله: "أن يرى" أصله: بأن يرى، وهو في محل الرفع لأنَّه فاعل أحرى، والضمير الذي فيه مفعول ناب عن الفاعل، "وصبورًا" مفعول ثان، قوله: "ولكن" للاستدراك.
وقوله: "لا سبيل" كلمة لا لنفي الجنس، "وسبيل" اسمه وخبره محذوف تقديره: لا سبيل موجود، وقوله: "إلى الصبر" يتعلق بالمحذوف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن يرى" حيث حذف منه الباء وفصل بينه وبين فعله وهو أحرى بالجار والمجرور وهو قوله: "بذي اللب" (١).
الشاهد السابع والستون بعد السبعمائة (٢)، (٣)
ما كَانَ أَسعَدَ مَن أَجَابَكَ آخِذًا … بِهُدَاكَ مُجْتنبًا هَوًى وَعِنَادًا
أقول: قائله هو عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ يخاطب به النَّبيّ ﵊ (٤) - وهو من الكامل.
الإعراب:
قوله: "ما كان أسعد": لفظة كان زائدة بين ما وفعل التعجب، والتقدير: ما أسعد، وقوله: "من أجابك" في محل الرفع لأنَّه فاعل فعل التعجب (٥)، و "من": موصولة، و "أجابك":
стр. 1455
جملة من الفعل والفاعل والمفعول صلة.
قوله: "آخذًا": حال من الضمير المرفوع الذي في أجابك، و "بهداك": يتعلق به، قوله: "مجتنبًا":
حال أخرى إما مترادفة أو متداخلة، قوله: "هوىً": مفعول مجتنبًا، و "عنادًا": عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ما كان أسعد" حيث زيدت فيه لفظة كان؛ كما ذكرنا (١).
الشاهد الثامن والستون بعد السبعمائة (٢)، (٣)
................................ … كفَى الشَّيبُ وَالإسْلامُ لِلْمَرء نَاهيَا
أقول: قائله هو سحيم عبد بني الحسحاس، شاعر إسلامي، وهو من قصيدة يائية من الطَّويل، وأولها هو قوله (٤):
١ - عُمَيرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِيًا … كفَى الشَّيبُ وَالإسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيَا
٢ - تُرِيكَ غَدَاةَ البَين كفًّا ومِعْصَمَا … وَوَجْهًا كدِينَار الهِرَقْلِيِّ صَافِيَا
٣ - كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فَوقَ نَحْرهَا … وَجَمْرُ غضَى هَبتْ لَهُ الرِّيحُ ذَاكِيَا
٤ - فمَا بَيضَة بَاتَ الظَّلِيمُ يَحُفُّهَا … ويَرْفَعُ عَنهَا جُؤْجُؤًا مُتَجَافِيَا
٥ - بأحْسَنَ مِنهَا يَومَ قَالتْ أرائِحٌ … مَعَ الرَّكبِ أمْ يأتي لَدَينَا ليَالِيَا
٦ - فَإنْ تثوَ لا تهل وإنْ تضْحَ نَاويًا … تُزَوَّدْ وَتَرجِعْ عَنْ عُمَيرَةَ راضِيَا
١ - قوله: "عميرة": منصوب بقوله: "ودع"، وهو اسم محبوبته التي كان يتشبب بها، قوله: "غاديًا" بالغين المعجمة؛ من الغدو وهو الذهاب.
٢ - و: "البين" بفتح الباء الموحدة؛ الفراق.
٣ - و "الدينار الهرقلي" منسوب إلى هرقل ملك الروم، قوله: "ذاكيا" بالذال المعجمة؛ من: [ذكى يذكى من باب فتح يفتح إذا فاح.
стр. 1456
٤ - و "الظليم" بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام؛ ذكر النعام] (١)، و "الجؤجؤ": المصدر.
٥ - قوله: "أم ثاو": من ثوى إذا أقام.
الإعراب:
قوله: "كفى": فعل، و "الشَّيب": فاعله [و: "الإسلام": عطف عليه، وقوله: "للمرء": يتعلق بقوله: "كفى"، وقوله: "] (٢) ناهيًا: مفعول كفى، وهو ها هنا متعد إلى واحد (٣).
الاستشهاد فيه:
في ترك دخول الباء على فاعل كفى؛ كما لم يترك في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨] فإن زيادتها غير لازمة ها هنا، بخلاف باب التعجب؛ فإن زيادتها فيه لازمة نحو أفعل به (٤).
الشاهد التاسع والستون بعد السبعمائة (٥)، (٦)
أَرَى أُمِّ عَمْرٍو دَمعُهَا قَد تَحَدَّرَا … بُكاءً عَلَى عَمرو وَمَا كَانَ أَصبَرَا
أقول: قائله هو امرؤٌ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدة [رائية] (٧) من الطَّويل، وأولها هو قوله (٨):
١ - سَمَا بكَ شوقٌ بَعدَ مَا كانَ أَقصَرَا … وحَلَّت سُلَيمَى بَطْن قَوّ فعَرعَرَا
٢ - كِنَانِيَّة بانَت وفي الصَّدْرِ وُدُّهَا … مجاورة غسانَ والحي يَعمُرَا
إلى أن قال:
٣ - أَرَى أُمِّ عَمْرو ................ … ................. إلى آخره
١ - قوله: "سما بك" أي: ارتفع وذهب بك كل مذهب لبعد الأحبة عنك بعد ما كان
стр. 1457
أقصر عنك، و "قوّ" بفتح القاف، و "عرعر" موضعان، يقول: جل قومها بهذين الموضعين المتباعدين عن ديارك فاشتد لذلك شوقك.
٢ - قوله: "كنانية" أي: من بني كنانة أو من بلادهم، قوله: "بانت" أي: ذهبت وانقطعت عنك وجاورت حيًّا غير حيك، وودها مع ذلك باقٍ في صدرك، ووصف أنها من كنانة، وكنانة من مضر، وأنها جاوزت غسان، وغسان من اليمن؛ إشارة إلى أن حيها ليس من حيه فذلك أشد عليه وأبعد لاجتماعها به، و "يعمر": من بني كنانة، يريد أنها مرَّة تجاور في هذا الحي من كنانة ومرة تجاور من اليمن.
٣ - قوله: "أرى أم عمرو" يعني: عمرو بن قميئة اليشكري صاحبه، يصف أن السَّفر بعيد وأن أم عمرو باكية عليه لبعدها عنه وشوقها إليه، قوله: "وما كان أصبرَا! ": تعجب؛ أي: وما كان أصبرها!.
الإعراب:
قوله: "أرى": جملة من الفعل والفاعل، وهو من رؤية البصر، فلذلك اكتفى بمفعول واحد وهو قوله: "أم عمرو"، وقوله: "دمعها" كلام إضافي مبتدأ، و "تحدرا": خبره، والجملة وقعت حالًا بدون الواو، والألف في: تحدرا للإطلاق.
قوله: "بكاء": نصب على التعليل؛ أي: لأجل البكاء على عمرو، قوله: "وما كان أصبرَا": صيغة التعجب؛ أي: وما كان أصبرها!، والضمير المنصوب بأصبر الذي للتعجب قد حذف لدلالة ما قبله عليه، وفيه الاستشهاد.
الشاهد السبعون بعد السبعمائة (١)، (٢)
وَلَم أَرَ شيئًا بَعْدَ لَيلَى أَلذُّهُ … وَلَا مَنْظَرًا أَروَى بِهِ فَأَعِيجُ
أقول: هذا أنشده أحمد بن يَحْيَى عن ابن الأعرابي، ولم يعزه إلى قائله، وبعده:
٢ - كَوسطَى لَيَالِي الشَّهْرِ لَا مُقْسَئِنَّةٌ … وَلَا وَثَبَى عَجْلَى القِيَامِ خَروجُ
وهما من الطَّويل.
قوله: "ولا منظرًا أروى به" ويروى: ولا مشربًا أروى به، وكذا ضبطه الشَّيخ أبو حيان -رحمه الله تعالى- بيده وهو الصَّحيح، قوله: "فأعيج" أي: أنتفع، يقال: شربت دواء فما عجت
стр. 1458
به؛ أي: ما انتفعت به، وقال ابن مالك (١): يعيج من الكلم التي لا تستعمل إلَّا في النفي.
وهذا البيت يرد عليه، قوله: "ولا مقسئنة": من اقسأن العود إذا صلب، ومادتها: القاف والسين المهملة والهمزة والنون والمقسئنة: الكبيرة العاسية، والعاسية بالعين والسين المهلتين من عسا الشيخ يعسو الشيخ يعسو عسيًا إذا كبر وولى، قوله: "ولا وثبى": من وثب وثبة، وكنى بها عن عدم الصغر؛ يعني لا كبيرة ولا صغيرة بل هي وسط.
الإعراب:
[قوله: "] (٢) ولم أر": جملة من الفعل والفاعل المنفي، وقوله: "شيئًا": مفعوله، و "بعد ليلى": كلام إضافي نصب على الظرف، قوله: "ألذه": من لذذت الشيء ألذه لذًّا ولذاذة، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنها صفة لقوله: "شيئًا".
قوله: "ولا منظرًا": عطف على قوله: "شيئًا" أي: ولم أر منظرًا، قوله: "أروى به": جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنها صفة لمنظرًا، قوله: "فأعيج": عطف على أروى.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فأعيج" وذلك أنَّه قد علم أن شروط ما يصاغ منه فعلًا التعجب ثمانية منها: أن يكون مثبتًا؛ فلا يصاغان من فعل مقصود نفيه لزومًا كم يعِج، أو جوازًا كم يعج، معناه: أن عاج يعيج بمعنى: انتفع لم يستعمل إلَّا منفيًّا، وعاج يعوج بمعنى: مال استعمل مثبتًا ومنفيًّا؛ كذا قال في شرح التسهيل (٣)، ولكن نُوزع في اختصاص المعنى بالنفي بوروده مثبتًا في البيت المذكور؛ حيث قال: فأعيج. فافهم (٤).
* * *
إلى هنا انتهى المجلد الثالث ويليه المجلد الرابع مبتدءًا بـ: شواهد "نعم وبئس" وما جرى مجراها
стр. 1459
شواهد "نعم وبئس" وما جرى مجراهما
الشاهد الحادي والسبعون بعد السبعمائة (١)، (٢)
صَبَّحَكِ اللهُ بِخَيْرٍ بَاكِرٍ … بِنِعْمَ طَيْرٍ وشَبَابٍ فَاخِرِ
أقول: لم أقف على اسم راجزه.
قوله: "باكر" أي: عاجل؛ يعني: خير سريع غير متأخر؛ من بكرت إذا أسرعت أيَّ وقت كان، قوله: "بنعم طير" أي: بخير طير، أراد: صبحك الله بكلمة نعم منسوبة إلى الطائر الميمون.
الإعراب:
قوله: "صبحك الله": جملة إنشائية دعائية في صورة الإخبار، والباء في: "بخير" تتعلق بصبحك، و "باكر" بالجر صفة خير، قوله: "بنعم طير": بدل من قوله: "بخير باكر"، قوله: "وشباب": عطف على ما قبله، و "فاخر": صفته.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بنعم طير" حيث أدخل حرف الجر على: "نعم"، وذلك لا يدل على اسمية نعم؛ لأن تأويله أنه نزل نعم منزلة خير، أي: بخير طائر كما ذكرناه، فجعل نعم اسمًا للخير وأضافها لطير، ولو كانت نعم هاهنا على أصلها لجاء بعدها اسم معرف، وقال ابن الناظم: وأما قوله: "بنعم طير" فهو على الحكاية، ونَقْل الكلمة عن الفعلية إلى جعلها اسمًا.
стр. 1460
والمعنى: صبحك الله بكلمة [نعم] (١) منسوبة إلى الطائر الميمون (٢).
قلتُ: هذا تكلف، والأَوْلى حمله على الشذوذ (٣).
الشاهد الثاني والسبعون بعد السبعمائة (٤)، (٥)
عَمْرُكَ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ … وَلَا مُخَالِطَ اللَّيانِ جَانِبُهْ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز المسدس، فإذا حركت الهاء يكون من مربع الكامل (٦).
و"الليان" بفتح اللام وتخفيف الياء آخر الحروف؛ مصدر من اللين، يقال: فلان في ليان من العيش، أي: لين الجانب، وكذلك فلان ملينه.
الإعراب:
قوله: "عمرك": قسم ويمين بدليل ما روي في رواية: والله ما ليلى بنام" صاحبه، وهو مبتدأ محذوف الخبر تقديره: عمرك قسمي أو يميني، وكلمة ما نافية بمعنى ليس، وقوله. "ليلى":
كلام إضافي اسمه.
وقوله: "بنام صاحبه": خبره بالتأويل، تقديره: ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه؛ فلما حذف الخبر أقيم قوله: "نام صاحبه" مقامه، وأدخلت فيه الباء التي كانت في الخبر، قوله: "ولا مخالط الليان" عطف على المنفي قبله، وهو كلام إضافي، قوله: "جانبه" مرفوع لأنه اسم لا التي بمعنى
стр. 1461
ليس، قوله: "ولا مخالط الليان" بالنصب مقدمًا خبره، تقديره: وليس جانبه مخالط الليان (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بنام صاحبه" حيث أدخلت الباء على الفعل الماضي بالطريق الذي ذكرناه؛ فلا يدل ذلك على اسمية نام، فكذلك دخول حرف الجر على: "نعم وبئس" في قوله: "بنعم الولد (٢)، وعلى بئس العير" (٣) لا يدل على اسميتهما، وروى ابن سيده هذا البيت في المحكم:
بِالله مَا زَيْدٌ بِنَامَ صَاحِبُهْ … ولَا مُخَالِطَ اللِّيَانِ جَانِبُهْ
ثم قال: قيل إن: "نام صاحبه" علم رجل، وإذا كان كذلك جرى مجرى:
"شاب قرناها".
فإن قلتَ: فإن قوله: "ولا مخالط الليان جانبه" ليس علمًا وإنما هو صفة، وهو معطوف على نام صاحبه، فيجب أن يكون قوله: "نام صاحبه" -أيضًا- صفة.
قيل: قد يكون في الجمل إذا سمي بها معاني الأفعال؛ ألا ترى أن: "شاب قرناها"، تصر وتحلب هو اسم علم، وفيه مع ذلك معنى الذم، وإذا كان كذلك جاز أن يكون قوله: "ولا مخالط الليان جانبه" معطوفًا على ما في قوله: "نام صاحبه"، من معنى الفعل. فافهم (٤).
الشاهد الثالث والسبعون بعد السبعمائة (٥)، (٦)
فنعْمَ ابنُ أخْتِ القَوْمِ غيرَ مُكَذِّبٍ … زُهَيْرٌ حسام مفرد مِنْ حَمَائِل
أقول: قائله هو أبو طالب، عم النبي ﷺ ، وهو من قصيدة من الطويل تشتمل على اثنين
стр. 1462
وثمانين بيتًا، وأولها هو قوله (١):
١ - لَمَّا رَأَيْتُ القَوْمَ لَا وُدَّ فِيهم … وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ العُرَى والوَسَائِلِ
٢ - وَقَدْ صَارَحُونَا بَالْعَدَاوَةِ والأَذَى … وقدْ طَاوَعُوا أَمْرَ العدو المزَايِلِ
٣ - وَقَدْ حَالفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أظِنَّةً … يَعضُّونَ غَيْظًا خلْفَنَا بالأَنَامِلِ
إلى أن قال:
٤ - فَكُلُّ صَدِيقٍ وابنُ أختٍ نَعُزُّهُ … لَعَمْرِي وجدنَا غبهُ غير طَائِلِ
٥ - سوَى أنّ رَهْطًا مِنْ كِلاب بْنِ مرَّةٍ … بَرَاءٌ إِلَيْنَا مِنْ مَعَقَّةِ خَاذِلِ
٦ - فنعْمَ ابنُ أخْتِ القَومِ .......... … ................. إلى آخره
وفي أول البيت ثرم، وهو فعلن على ما لا يخفى على العروضي، و "العرى" بضم العين؛ جمع عروة، و"الوسائل": جمع وسيلة، قوله: "غبه" بكسر الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة؛ أي: عقيبه، قوله: "زهير" بضم الزاي؛ اسم رجل، و "الحسام": السيف، و "الحمائل": جمع حمالة السيف بالكسر.
الإعراب:
قوله: "فنعم" الفاء للعطف، ويروى: ونعم بالواو، ونعم من أفعال المدح كما علم، قوله: "ابن أخت القوم": كلام إضافي فاعله، وقوله: "غير مكذب": كلام إضافي منصوب على الحال، قوله: "زهير": مخصوص بالمدح، وارتفاعه على الابتداء، والجملة مقدمًا خبره، قوله: "حسام": صفة زهير (٢)، وقوله: "مفرد من حمائل": صفة للحسام.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فنعم ابن أخت القوم" فإن فاعل نعم فيه مظهر مضاف إلى ما أضيف إلى المعرف بالألف واللام؛ وذلك لأن شرط الظاهر الذي هو فاعل نعم أن يكون معرفًا بأل، أو مضافًا إلى
стр. 1463
المعرف بها، أو إلى مضاف إلى المعرف [بها] (١) , (٢).
الشاهد الرابع والسبعون بعد السبعمائة (٣) , (٤)
لَنِعْمَ مَوْئِلًا المَوْلَى إِذَا حُذِرَتْ … بَأْسَاءُ ذِي البَغْيِ وَاسْتِيلَاءُ ذِي الإِحَنِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.
قوله: "موئلًا" أي: ملجأ، و "البأداء": الشدة، و "البغي": الظلم والعدوان، و "الإحن" بكسر الهمزة وفتح الحاء المهملة؛ جمع إحنة وهي الحقد.
الإعراب:
قوله: "لنعم" اللام للتأكيد، ونعم من أفعال المدح، وفاعله مستتر فيه، وقد فسره التمييز الذي بعده وهو قوله: "موئلًا"، وقوله: "المولى": مخصوص بالمدح وهو مبتدأ، والجملة مقدمًا خبره، قوله: "إذا" للظرف، و "حذرت" على صيغة المجهول مسندًا إلى قوله: "بأداء"، وهو مضاف إلى: "ذي البغي"، ويجوز أن يكون إذا للشرط ويكون الجواب محذوفًا دل عليه الكلام السابق، قوله: "واستيلاء" بالرفع عطف على قوله: "بأساء".
الاستشهاد فيه:
[في قوله: "] (٥) [لنعم] (٦) " فإن فاعل نعم مستتر فيه مفسر بالتمييز وهو قوله: "موئلًا"، والتقدير: لنعم الموئلًا موئلًا المولى فافهم (٧).
стр. 1464
الشاهد الخامس والسبعون بعد السبعمائة (١) , (٢)
وَالتَّغْلَبِيُّونَ بِئْسَ الفَحْلُ فَحْلُهُمُ … فَحْلًا وَأُمُّهُمُ زَلَّاءُ مِنْطِيقُ
أقول: قائله هو جرير بن الخطفي، يهجو الأخطل، وهو من البسيط.
قوله: "زلاء" بفتح الزاي المعجمة وتشديد اللام وبالمد، يقال: امرأة زلاء إذا كانت رسحاء، وهي اللاصقة العجز خفيفة الإلية، قوله: "منطيق" بكسر الميم؛ مبالغة ناطق، ويستوي فيه المذكر والمؤنث وهو البليغ، ولكن المراد به هاهنا المرأة التي تأتزر بحشية تعظم بها عجيزتها، والحشية: كساء غليظ خشن.
الإعراب:
قوله: "والتغلبيون": مبتدأ وهو جمع تغلبي بالغين العجمة وكسر اللام؛ نسبة إلى بني تغلب، قوم من نصارى العرب بقرب الروم، والأخطل منهم، والجملة أعني قوله: "بئس الفحل فحلهم" خبره، وقوله: "فحلهم": مخصوص بالذم مرفوع بالابتداء، و "بئس الفحل" مقدمًا خبر.
قوله: "فحلًا" نصب على التمييز ذكره على سبيل التأكيد، قوله: "وأمهم": كلام إضافي مبتدأ، و "زلاء": خبره، و "منطيق": خبر بعد خبر.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فحلًا" حيث جمع بينه وهو تمييز وبين الفاعل الظاهر على سبيل التوكيد، وقد ذكرنا أن هذه مسألة فيها خلاف (٣) , ..................................................
стр. 1465
وقد ذهب بعضمهم إلى أن فحلًا حال مؤكدة فافهم (١).
الشاهد السادس والسبعون بعد السبعمائة (٢) , (٣)
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا
أقول: قائله هو أبو طالب عم النبي ﵊.
وهو من الكامل، وقد احتجت به طائفة من الشيعة على إسلام أبي طالب، وجمهور أهل السنة على خلافه (٤).
المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "ولقد" الواو للعطف إن تقدمه شيء؛ هكذا قيل [وليس بصواب] (٥) بل الواو للقسم، واللام للتأكيد، وقد للتحقيق، و "علمت": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "بأن دين محمد" الباء فيه زائدة، وأن مع اسمها وخبرها سد مسد مفعولي علمت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "دينًا" [فإنه تمييز مؤكد، وقد استشهد به على كون فحلًا في البيت السابق تمييزًا مؤكدًا كما ذكرناه] (٦) , (٧).
стр. 1466
الشاهد السابع والسبعون بعد السبعمائة (١) , (٢)
............................ … لبئس الفَتَى المدْعُوُّ باللَّيْلِ حَاتمُ
أقول: قائله هو يزيد بن قنافة بن عبد شمس العدوي، وصدره:
لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِنِّ … ..............................
وبعده (٣):
٢ - غَدَاةَ أَتَى كالثَّوْرِ أُحْرِجَ فاتَّقَى … بِجَبْهَتِهِ أَقْتَالهُ وَهُوَ قَائِمُ
٣ - كَأَنَّ بصَحْرَاءِ المُرَيْطِ نَعَامَةً … تُبَادِرُهَا جُنْحَ الظَّلَامِ نَعَائِمُ
٤ - أَعَارَتْكَ رِجْلَيْهَا وَهَا في لُبِّهَا … وَقَدْ جُرِّدَتْ بيضُ المتُونِ صَوَارِمُ
٢ - قوله: "أحرج": من الحرج، وهو من الإبل التي لا تركب ولا يضربها الفحل ليكون أسمن لها، إنما هي معدة لذلك، قوله: "أقتاله" بفتح الهمزة وسكون القاف، وهو جمع قتل بكسر القاف، وهو العدو.
٣ - و "صحراء المريط": موضع، قوله: "نعائم": جمع نعامة.
٤ - و "البيض" بكسر الباء؛ جمع أبيض، و "المتون": جمع متن السيف، و "الصوارم": القواطع، جمع صارم، مثل فوارس جمع فارس على غير القياس، وأصل الصرم القطع.
الإعراب:
قوله: "لعمري": مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: لعمري يميني أو قسمي، قوله: "وما" للنفي، وقوله: "عمري": اسمه، وقوله: "بهين": خبره، والباء زائدة، "وعليَّ": يتعلق به، قوله: "لبئس": من أفعال الذم، و "الفتى": فاعله، و "المدعو بالليل": صفته، و "حاتم" هو المخصوص بالذم مرفوع على الابتداء، والجملة مقدمًا خبره.
стр. 1467
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لبئس" حيث دخلت عليه لام القسم الدال دخولها على فعلية أفعال المدح والذم (١).
الشاهد الثامن والسبعون بعد السبعمائة (٢) , (٣)
فَنِعْمَ أَخُو الْهَيْجَا وَنِعْمَ شَهَابُهَا … ................................
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو شطر بيت من الطويل.
قوله: "أخو الهيجا" أي: صاحب الهيجاء، وهو كناية عن ملازمة الحرب وشدة مباشرتها، والهيجاء ممدود اسم للحرب وقصرت هنا للوزن، قوله: "ونعم شهابها" أي: شهاب الهيجاء، أراد: نار الحرب، وهو أيضًا كناية عن شدة حربه وغاية شجاعته فيها، وعدم توليه كالنار إذا قويت لا تولى عن شيء، وتحرق كل شيء أصابته.
الإعراب:
قوله: "أخو الهيجا": كلام إضافي مرفوع؛ لأنه فاعل نعم، وكذلك الكلام في قوله: "ونعم شهابها".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ونعم شهابها" حيث أضيف فاعل نعم إلى ضمير ما فيه الألف واللام، وقد استدل به البعض على جواز ذلك، والصحيح أنه لا ينقاس عليه لقلته (٤).
الشاهد التاسع والسبعون بعد السبعمائة (٥) , (٦)
إِنِّي اعْتَمَدْتُكَ يَا يَزِيدُ … فَنِعْمَ معْتمدُ الوَسَائِلِ
أقول: قائله هو الطرماح، وهو من مربع الكامل وفيه الترفيل.
стр. 1468
المعنى ظاهر، وهو من قصيدة يمدح بها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة (١)، وبعده (٢):
٢ - أَرْجُو نَوَافِلَ مِنْ يَدَيْـ … ـكَ وَأَنْتَ مَبْسْوطُ النَّوَافِلِ
الإعراب:
قوله: "إني" الضمير المتصل اسم إن، وقوله: "اعتمدتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول؛ خبرها، وقوله: "يا يزيد": منادى مفرد مبني على الضم، قوله: "فنعم": كلمة المدح، و "معتمد الوسائل": فاعله، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: نعم معتمد الوسائل أنت؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات: ٧٥] أي: نحن.
الاستشهاد فيه:
وهو حذف المخصوص بالمدح (٣) فافهم.
الشاهد الثمانون بعد السبعمائة (٤) , (٥)
أَلَا حَبَّذَا أَهْلُ المَلَا غيرَ أَنَّهُ … إِذَا ذُكِرَتْ مَيُّ فَلَا حَبَّذا هِيَا
أقول: قائلته هي أم شملة بن برد المنقري (٦)، قالت ذلك في مية صاحبة ذي الرمة، وهو من قصيدة بائية، وهو أولها، وبعده (٧):
стр. 1469
٢ - عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِنْ ملَاحَةٍ … وَتَحْتَ الثِّيَابِ الخِزْيُ لَوْ كانَ بَادِيَا
٢ - أَلَمْ تَرَ أَنَّ الماءَ يخْلفُ طَعْمُهُ … وإنْ كانَ لَوْنُ الماءِ فيِ العَيِنْ صَافِيَا
٣ - إِذَا مَا أَتَاهُ وارِدٌ مِنْ ضَرُورَةٍ … تَوَلَّى بِأَضْعَافِ الَّذِي جَاءَ ظَامِيَا
٤ - كَذَلِكَ مَيٌّ فيِ الثِّيَابِ إِذَا بَدَتْ … وأَثْوَابُهَا يُخْفِينَ مِنْهَا المَخَازِيَا
٥ - فَلَوْ أَنَّ غَيْلَانَ الشَّقِيَّ بَدَتْ لَهُ … مُجَرَّدَةً يَوْمًا لما قَال ذَا لِيَا
٦ - كقولٍ مَضَى فِيهَا ولَكنْ لَرَدَّهُ … إِلَى غَيْرِ مَيٍّ أَوْ لأَصْبَحَ سَالِيَا
وهي من الطويل، قوله: "مي": ترخيم مية، وأرادت بغيلان ذي الرمة، فإن اسمه غيلان.
الإعراب:
قولها: "ألا": للتنبيه و "حبذا": فعل المدح، وهو جملة من الفعل والفاعل، وقولها: "أهل الملا": كلام إضافي مخصوص بالمدح مرفوع بالابتداء، والجملة مقدمًا خبره.
قولها: "غير": نصب على الاستثناء، والهاء في "أنه" ضمير الشأن، وهو اسم أن، والجملة بعدها خبرها، وكلمة "إذا" للشرط، و "ذكرت مي": جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل وقعت فعل الشرط، قولها: "فلا حبذا هيا": جواب الشرط وهي كناية عن مية، والألف فيه للإشباع لإقامة القافية.
الاستشهاد فيه:
في قولها: "فلا حبذا هيا" حيث صار حبذا هاهنا للذم بدخول حرف "لا" عليها.
الشاهد الحادي والثمانون بعد السبعمائة (١) , (٢)
.............................. … فَنِعْمَ المَرْءُ مِنْ رَجُلٍ تِهَامِي
أقول: قائله هو أبو بكر بن الأسود المعروف بابن شعوب الليثي، وشعوب أم الأسود، وصدره (٣):
стр. 1470
تَخَيَّرَهُ وَلَمْ يَعْدِلْ سِوَاهُ … ................................
وقبله:
١ - فَذَرْنِي أَصْطَبِحْ يَا بَكْرُ إِنِّي … رَأَيْتُ الموتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ
وقال ابن دريد في كتاب الاشتقاق: قال أبو حاتم عن أبي عبيدة: قال: لما هلك هشام بن المغيرة (١) نادى مناد بمكة: اشهدوا جنازة ربكم، فقال بجير بن عبد اللَّه بن سلمة الخير بن قشير (٢) يرثيه (٣):
١ - فَدَعْنِي أَصْطَبِحْ يَا بَكْرُ إِنِّي … رَأَيْتُ المَوْتَ نَقَّبَ عَنْ هِشَامِ
٢ - تَعَمَّدْهُ وَلَمْ يعظمْ عليهِ … ونِعْمَ المرءُ مِنْ رَجلٍ تهَامِيّ
٣ - فَوَدَّ بنو المغُيرةِ لَوْ فَدَوْه … بألْفِ مُقَاتلٍ وبألفِ رَامِي
٤ - وَوَدَّ بنو المُغِيرةِ لَوْ فَدَوْهُ … بأَلْفٍ مِنْ رِجَالٍ أَوْ سَوَامِ
٥ - فبَكِيهِ ضِبَاع ولَا تَمَلِّي … هِشَامًا إِنَّهُ غَيْثُ الأَنَامِ
وهي من الوافر.
قوله: "فذرني" أي: دعني، و "أصطبح": من الصبوح، قوله: "نقَّبَ" بالنون والقاف المشددة، معناه: هجم عليه وقطع آثاره، وقد مر الكلام فيه مستوفًى في شواهد التمييز (٤).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من رجل" فإنه فيه: "من" ليس بتمييز، وإنما هي مبعضة، فكأنه قال: ونعم المرء الذي هو بعض الحي التهامي؛ أي: جزء منه، ولا يقع تمييزًا لنعم وبئس شيء من الأشياء الموغلة في الإبهام نحو: شيء ومن وما إلا أن يخصص بالوصف، وأجازه بعضهم بغير وصف وهو قول أبي (٥) موسى (٦).
стр. 1471
الشاهد الثاني والثمانون بعد السبعمائة (١) , (٢)
حُبَّ بِالزَّوْرِ الذِي لَا يُرَى … ................................
أقول: قائله هو الطرماح، وتمامه (٣):
................................ … مِنْهُ إلا صَفْحَةٌ أَوْ لِمَامُ
وهو من المديد، وفيه الحذف.
قوله: "بالزور" بفتح الزاي وسكون الواو بمعنى الزائر، قال الجوهري: الزَّوْر: الزائرون، يقال: رجل زائر وتوم زَوْر (٤)، وصفحة كل شيء: جانبه، و "اللمام" بكسر اللام وتخفيف الميم؛ جمع لمة بكسر اللام وتشديد الميم، وهو الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جمة، وتجمع على لمم -أيضًا-.
الإعراب:
قوله: "حب بالزور" أصله: حبب الزور؛ جملة من الفعل والفاعل، فنقلت حركة الباء وهي الضمة إلى الحاء بعد سلب حركتها فصار: "حب"، وزيدت الباء في الفاعل أعني: "الزور"، قوله: "الذي": موصول، و "لا يرى": فعل مجهول، وقوله: "صفحة": مرفوع به، والجملة صلة الموصول، قوله: "أو لمام" بالرفع عطف على صفحة.
الاستشهاد فيه:
في زيادة الباء في حب، وأدغمت إحدى الباءين من حبب في الأخرى كما ذكرناه مستقصًى في موضعه.
стр. 1472
الشاهد الثالث والثمانون بعد السبعمائة (١) , (٢)
أَلَا حَبَّذَا عَاذِرِي فِي الهَوَى … وَلَا حَبَّذَا الجَاهلُ العَاذِلُ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من المتقارب وفيه الحذف.
قوله: "عاذوي": من عذره فيما صنع، وضده: عذله إذا لامه فيما صنع.
الإعراب:
قوله: "ألا": للتنبيه، و "حبذا": كلمة المدح؛ جملة من الفعل والفاعل أعني: ذا، وقوله: "عاذري": كلام إضافي مخصوص بالمدح مرفوع على الابتداء، و "في الهوى"، يتعلق به، قوله: "ولا حبذا": بمنزلة بئس، و "الجاهل": مخصوص بالذم، و "العاذل": صفته.
الاستشهاد فيه:
أن حبذا التي للمدح تكون للذم إذا دخلت فيه لا كما ذكرناه (٣).
الشاهد الرابع والثمانون بعد السبعمائة (٤) , (٥)
فَنِعْمَ صَاحِبُ قَوْمٍ لَا سِلَاحَ لَهُمْ … ................................
أقول: قائله هو كثير بن عبد الله المعروف بابن الغريرة، قال أبو الفرج: الغريرة هي أم عبد اللَّه وكانت سبية من تغلب، وهو جاهلي إسلامي، قال أبو عبيد: أدرك معاوية ﵁ (٦)؛ كذا نسب هذا البيت أبو محمد بن السيرافي في شرحه لأبيات الإيضاح (٧)، ونسبه صاحب الموعب في اللغة (٨)
стр. 1473
لأوس بن مغراء، وكذا نسبه أبو حاتم في إصلاح المفسد (١)، وتمام البيت المذكور (٢):
................................ … وَصَاحِبُ الركْبِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَا
وقبله:
١ - ضَحُّوا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ … يقطَّعُ الليلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنا
وهما من البسيط.
١ - قوله: "بأشمط" أي: بأشيب، أشار بذلك إلى قلة غلبة الشيب عليه أو إلى أن قوته كانت لم تذهب ذهاب من بلغ مثل سنه، وكان سنه ﵁ يوم قتل ستًّا وثمانين سنة.
قوله: "عنوان السجود به" أي: علامة السجود به ورونقه فيه، قوله: "فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم": إشارة إلى فضل عثمان [﵁] (٣)، وأنه يغني يوم القيامة بالشفاعة غنى من دافع في الدنيا بسلاحه عن عزل الجماعة، وقد يكون السلاح أيضًا عبارة عن بذله لماله وتوسعته لصحبه فيه، فيكون ذلك أجدى من السلاح لحامله، والسلاح يذكر ويؤنث.
الإعراب:
قوله: "عنوان السجود": نصب على الحال من الضمير في يقطع الليل، ويجوز أن تكون مجرورة على النعت لأشمط؛ كأنه قال: ضحوا بأشمط ظاهر الخير، قال أبو الحجاج: "وقد يكون حالًا من أشمط وإن كان نكرة؛ لأنها مفهوم من يراد بها" (٤)، وقد حكى سيبويه هذه مائة بيضاء (٥).
قوله: "قرآنًا": مصدر، يريد: وقراءة، قوله: "فنعم": من أفعال المدح، و "صاحب قوم": كلام إضافي فاعل نعم، قوله: "لا سلاح لهم" في محل الجر على أنها صفة لقوم، قوله: "وصاحب الركب": عطف على صاحب قوم، وقوله: "عثمان": مخصوص بالمدح، وارتفاعه بالابتداء، وقوله: "فنعم صاحب قوم" مقدمًا خبره.
стр. 1474
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فنعم صاحب قوم" حيث رفع "فنعم" "صاحب قوم"، وهو نكرة مضافة، وهذا لغة قوم من العرب حكاها الأخفش عنهم أنهم يرفعون بنعم النكرة مفردة ومضافة، ولذلك استشهد به أبو علي في الإيضاح على دخول نعم على مرفوع مضاف إلى ما لا ألف ولا لام فيه على الوجه الشاذ، وقال: هي لغة قوم من العرب فيما زعم الأخفش، يرفعون النكرة المضافة بنعم وبئس تشبيهًا لها بما أضيف إلى ما فيه الألف واللام (١).
الشاهد الخامس والثمانون بعد السبعمائة (٢)، (٣)
بِئْسَ قَوْمُ اللهِ قَوْمٌ طُرِقُوا … فَقَرَوْا جَارَهُمْ لَحْمًا وَحِرْ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وبعده:
٢ - وَسَقَوْهُ فِي إِنَاءٍ كَلِعٍ … لَبَنًا مِنْ درِّ مخْرَاطٍ فَئِرْ
وهما من الرمل.
قوله: "طُرقوا": من الطروق وهو إتيان الأهل ليلًا، قوله: "فقروا": من قري الضيف، وقوله: "وَحِر" بفتح الواو وكسر الحاء المهملة وفي آخره راء، وهو اللحم الذي تدب عليه الوحرة وهي دابة تشبه العظاية.
٢ - قوله: "كلع" بفتح الكاف وكسر اللام وفي آخره عين مهملة، يقال: إناء كلع إذا التبد عليه الوسخ، وسقاء كلع إذا تركب عليه تراب (٤).
قوله: "من در مخراط" أي: من لبن مخراط، يقال: شاة مخراط؛ من الخرط وهو داء يصيب الضرع فيخرج اللبن متعقدًا كقطع الأوتار، وقال ابن فارس: يقال: شاة مخراط بكسر
стр. 1475
الميم، فإذا كان عادة لها فهي مخراط بكسر الميم، قوله: "فئر" بفتح الفاء وكسر الهمزة، أي: سقطت فيه فأرة.
الإعراب:
قوله: "بئس": فعل الذم، وقوله: "قوم الله": كلام إضافي فاعله، قوله: "قوم": مخصوص بالذم مرفوع بالابتداء [والجملة] (١) مقدمًا خبره، قوله: "طرقوا" على صيغة المجهول في محل الرفع على أنها صفة لقوم.
قوله: "فقروا": جملة من الفعل والفاعل، و "جارهم": مفعول، قوله: "لحمًا": مفعول ثان؛ لأن قروا معناه أطعموا، قوله: "وحر": صفة اللحم، وأصله: وحرًا، فأسكنت الراء لضرورة الوزن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بئس قوم الله" حيث أسند بئس إلى قوم أضيف إلى لفظة اللَّه، ومثل ذلك لا يجوز؛ لأن الشرط أن يكون فاعل بئس ونعم إذا كان ظاهرًا: أن يكون معرفًا بأل نحو: [قوله تعالى] (٢)، (٣): ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى﴾ [الحج: ٧٨]، أو مضافًا إلى المعرف بالألف واللام نحو:
فَنِعْمَ ابْنُ أُختِ القَوْمِ … ................. إلى آخره
وهاهنا ليس كذلك؛ لأن القوم ليس معرفًا بالألف واللام ولا مضافًا إلى ما عرف بهما؛ كما لا يجوز أن يقال: نعم عبد الله هذا؛ لأن عبد الله ليس معرفًا بالألف واللام ولا مضافًا إلى ما عرف بهما (٤) خلافًا للجرمي، وإنما ذلك للضرورة (٥)، والذي سهل ذلك كون قوم يقع على ما يقع عليه القوم معرفًا بالألف واللام، وهو مع ذلك مضاف في اللفظ إلى ما فيه الألف واللام، وإن لم [يكن] (٦) تعريفه بهما (٧).