← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

يهوي بعضها في أثر بعض, قوله: "بالرقق" يريد: الرقاق، فقصره للضرورة. قال الجوهري: الرَّقَاقُ بالفتح: أرض مستوية لينة التراب تحته صلابة (١). ٨٤ - قوله: "من ذروها" بفتح الذال المعجمة. يقال: مَرّ فلان يذرو ذروًا؛ أي: يمر مرًّا سريعًا. قوله: "شبراق" شد من شبرقت الثوب شبراقًا إذا قطعته ومزقته، و"ذي عمق" ذو بعد، أراد: عدوًا بعيدًا غزيرًا. قوله: "حتى احتدَاها"؛ أي: جمعها وسقاها، و"الرُّفَق" بضم الراء وفتح الفاء؛ وهي الجماعة، ورواه الأصمعي بكسر الراء، وأصله: رِفاق، فقصره للضرورة (٢). ٨٥ - قوله: "أو خارب" بالخاء المعجمة؛ وهو اللص، أراد ولص من اللصوص يسوق إبلًا وهي ثقال لجماعها بالحَزق؛ أي: صارت حذقًا، وهو بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي المعجمة وهي جمع حذقة، وهي الجماعة من الناس، والطير والنحل وغيرها مثل: فرق وفرقة، و"الصلب" بضم الصاد المهملة: اسم موضع، و "الوسق" بفتح الواو والسين: الطرد، وكلما طرد فقد وسق، والوسيقة: الطريدة. ٨٦ - قوله: "إذا تأنى حلمه" يعني: إذا ثبت في حلمه، و "الغلق" بفتح البش المعجمة [واللام] (٣): اسم من الإغلاق، حاصل معنى البيت: إذا ثبت في حلمه غلق، وإذا لامته نفسه في أمرها يكاذب لومه في أمرها، فيقول: أنا لم أفعل بها هذا، إنما القدر الذي أقحمها فيما أصابها، قوله: "أو صدق": يريد يصدق نفسه فيقول: أنا (٤) حملتها على ذلك فافهم. الإعراب: قوله: "وقاتم الأعماق" الواو فيه واو رب، وأصله: ورب قاتم الأعماق، وفي الحقيقة هذا صفة موصوفها محذوف. أي: ورب مهمه قاتم الأعماق، والقاتم مضاف إلى الأعماق إضافة لفظية. قوله: "خاوي المخترقن" كلام إضافي، مجرور على الوصفية، وكذا الكلام في الشعر الثاني وجواب هذا محذوف، والتقدير: ورب قاتم الأعماق إلى آخره قد قطعته، أوجبته، أو نحو ذلك. الاستشهاد فيه: أن النون الساكنة في قوله: "المخترقن" هي التنوين الغالي (٥) والغرض من إلحاقها: الدلالة

стр. 142

على الوقف فإن الشعر يسكن آخره وقفًا ووصلًا، فإذا ألحقت هذا التنوين دل على أنك واقف لا واصل؛ ولهذا لا يلحق إلا القافية المقيدة؛ أي: الساكنة لتظهر فائدتها دون القافية الطلقة، وإنما سمي الغالي لمجاوزته الوزن، والغلو: المجاوزة. قال ابن الناظم: التنوين الغالي: هو اللاحق الروي المقيد (١). أراد بالروي حرف القصيدة، وهو الحرف الذي تنسب إليه القصيدة من كونها لامية أو ميمية أو نحو ذلك، مأخوذ من الرواء بكسر الراء، والمد وهو حبل يشد به الرحل على ظهر البعير فكأن الشاعر شد حروف قصيدته بحبل وأراد بالمقيد الساكن، والروي المقيد في الرجز المذكور هو القاف، فافهم. الشاهد الخامس (٢) , (٣) أفِد الترحلُ غيرَ أنّ رِكَابَنَا … لما تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قد أقول: قائله النابغة الذبياني؛ واسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وهو (٤) بضم الذال المعجمة وكسرها. قال ابن الأعرابي (٥): رأيت الفصحاء يختارون الكسر، وحكى أبو عبيدة عن الكلبي (٦) قال: كان أبي يقول: ذبيان بالكسر وغيره ذُبيان. وقال ابن دريد: هو من ذبي الشيء يذبي ذبيًا إذا لان واسترخى (٧) والذبياني في قبائل. ففي قيس غيلان ذبيان بن بغيض بن ريث بن عطفان بن سعد بن قيس بن غيلان منهم النابغة المذكور، وفي جهينة: ذبيان بن رشدان بن قيس بن جهينة، وفي ربيعة بن نزار ذبيان بن كنانة بن يشكر، وفي بجيلة: ذبيان بن ثعلبة، وفي الأزد: ذبيان بن ثعلبة بن الدول، وفي

стр. 143

همدان: ذبيان بن مالك [بن مالك] (١) بن معاوية، والنابغة الذبياني متقدم على النابغة الجعدي (٢). والجعدي من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - (٣) والذبياني شاعر مفلق كان ممن يجالس النعمان بن المنذر (٤) وينادمه وكان عنده بمكانة. قال الأعلم (٥): وإنما سمي النابغة؛ لأنه لم يقل شعرًا حتى صار رجلًا وساد قومة فلم يفاجئهم إلا [وكان] (٦) قد نبغ عليهم بالشعر بعد ما كبر، فسمي النابغة. وقيل: [إنما] (٧) سمي بذلك لبيت قاله، وهو (٨): وَحَلَّت في بَني القَين بن جَسرٍ … فَقَد نَبَغَت لَنا مِنهُم شُؤونُ والبيت المذكور من قصيدة دالية قالها في المتجَردة امرأة النعمان بإشارة النعمان، وكان قاعدًا ليلًا وعنده المتجردة والنابغة، وقال: صفها يا نابغة في شعرك فوصفها فقال، وكنى عنها (٩): ١ - أمن آلِ ميَّةَ رائحٌ أو مُغْتَدِ … عَجلانَ ذا زاد وغيرَ مُزَوَّدِ ٢ - أفِدَ التَّرَحُّلُ غيرَ أنّ رِكَابَنَا … لمّا تَزُل بِرِحَالِنا وكأنْ قَدِ ٣ - زَعَمَ البَوارِحُ أَنَّ رِحلَتَنا غَدًا … وَبِذاكَ خَبَّرَنا الغُرابُ الأَسوَدُ ٤ - لا مرحَبا بِغَدٍ ولا أهلًا بِهِ … إنْ كان تفريقُ الأَحِبَّة فيِ غدِ ٥ - حَانَ الرَّحيلُ ولم نُوَدِّع مَهْدَدَا … والصبحُ والإمْسَاءُ منها مَوْعِدِي ٦ - فيِ إِثْرِ غَانِيةٍ رَمَتْكَ بسَهمِها … فأَصَابَ قَلْبَكَ غير أَنْ لم تُقْصدِ ٧ - غَنِيَتْ بذلك إذْ هُمُ لكَ جيرَةٌ … منها بعَطْفِ رِسَالةٍ وَتَودُّدِ

стр. 144

٨ - وَلَقَدْ أَصَابَ فُؤَادَهُ مِنْ حُبِّها … عنْ ظَهْرِ مِرْنَانٍ بسَهْمٍ مُصَرَّدِ ٩ - نَظَرَت بِمُقلَةِ شادِنٍ مُتَربِّبٍ … أَحوى أَحَمّ المُقلَتَينِ مُقَلَّدِ ١٠ - وَالنَظمُ في سِلكٍ يُزَينُ نَحرَها … ذَهَبٌ تَوَقَّد كَالشِهابِ الموقَدِ ١١ - صَفراءُ كَالسِيَراء أُكمِلَ خَلقُها … كَالغُصن في غُلَوائِهِ المُتَأَوِّدِ ١٢ - وَالبَطنُ ذو عُكَنٍ لَطيفٌ طَيُّهُ … وَالإِتبُ تَنفُجُهُ بثَديٍ مُقعَدِ ١٣ - مَحطوطَةُ المتَنَين غَيرُ مُفاضَةٍ … رَيّا الرَّوادِفِ بَضَّةُ المُتَجَردِ ١٤ - قامَت تَراءى بَينَ سَجفَي كِلَّةٍ … كَالشَمسِ يَومَ طُلوعِها بِالأَسعُدِ ١٥ - أَو دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها … بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ وَيَسجُدِ ١٦ - أَو دُميَةٍ مِن مَرمَرٍ مَرفوعَةٍ … بُنِيَت بآجُرٍّ تُشادُ وَقَرمَدِ ١٧ - سَقَطَ النَصيفُ وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ … فَتَناوَلَتهُ وَإتَّقَتنا بِاليَدِ ١٨ - بِمُخَضَّب رَخصٍ كَأَنَّ بَنانَهُ … عَنَمٌ يَكادُ مِنَ اللَطافَةِ يُعقَدِ ١٩ - نَظَرَت إِلَيكَ بِحاجَةٍ لَم تَقضِها … نَظَرَ السَقيمِ إِلى وُجوهِ العُوَّدِ ٢٠ - تَجلو بِقادِمَتَي حَمامَةِ أَيكَةٍ … بَرَدًا أُسِفَّ لِثاتُهُ بالإِثمِدِ ٢١ - كَالأقحُوانِ غَداةَ غِبَّ سَمائِهِ … جَفَّت أَعاليهِ وَأَسفَلُهُ نَدي ٢٢ - زَعَمَ الهُمامُ بِأَنَّ فاها بارِدٌ … عَذبٌ مُقَبَّلُهُ شَهِيُّ المَورِدِ ٢٣ - زَعَمَ الهُمامُ وَلَم أَذُقهُ أَنَّهُ … يُشفى بِرَيّا ريقِها العَطِشُ الصَدي ٢٤ - أَخَذَ العَذارى عِقدَها فَنَظَمنَهُ … مِن لُؤلُؤٍ مُتَتابِعٍ مُتَسَرِّدِ ٢٥ - لَو أَنَّها عَرَضَت لِأَشمَطَ راهِبٍ … عَبَدَ الإِلَه صَرورَة المتُعَبِّدِ ٢٦ - لَرَنا لِرُؤيتِها وَحُسنِ حَديثِها … وَلخَالهُ رُشدًا وَإِن لَم يَرشُدِ ٢٧ - بِتَكَلُّم لَو تَستَطيعُ سَماعَهُ … لَدَنَت لَهُ أَروى الهضابِ الصُخَّدِ ٢٨ - وَبِفاحِمٍ رَجلٍ أَثيثٍ نَبتُهُ … كَالكَرمِ مال عَلى الدِّعامِ المُسنَدِ ٢٩ - فَإِذا لَمسَتَ لَمَستَ أَخثَمَ جاثِمًا … مُتَحَيِّزًا بَمَكانِهِ مِلءَ اليَدِ ٣٠ - وإذا طعنْتَ طعنْتَ في مستهدفٍ … رابِي المَجَسَّةِ بالعبير مُقَرْمَدِ ٣١ - وإذا نزعت نزعت عن مُسْتَحَصِفٍ … نزْعَ الحَزَوِّرِ بالرِّشَاءِ المُحْصَدِ ٣ - لا وارِدٌ منها يحور لِمصْدَرِ … عنها ولا صَدِرٌ يحورُ لموْرِدِ

стр. 145

وهي من الكامل، وأصله في الدائرة: متفاعلن ست مرات (١) وقد دخله الإضمار وهو إسكان الثاني فيصير: متْفاعلن فيرد إلى مستفعلن، وقوله: (لما تزل) مستفعلن مضمر. ١ - قوله: "أمن آل مية رائِح" يخاطب نفسه يقول: أرائح أنت من آل مية أو مغتدي؛ أي: أتروح اليوم أم تغتدي غدًا، وليس هذا شكًّا لكنه كالمستثبت (٢) , قوله: "عجلان" من العجلة. ٢ - قوله: "أفد"؛ على وزن: فَعِل "بكسر العين" (٣) ومعناه قرب ودنا، وفي حديث الأحنف (٤): قد أفد الحج؛ أي: دنا وقته وقرب، ويقال رجل آفد (٥)؛ أي مستعجل، ويروى أزف الترحل، ومعناه: قرب أيضًا، و "الترحل" الرحيل، و "الركاب" الإبل الرواحل واحدها راحلة - ولا واحد لها من لفظها، وقيل: جمع ركوب وهو ما يركب من كل دابة فعول بمعنى مفعول، والركوبة أخص منه، والرحال من الرحل (٦) وجمع رحل أيضًا وهو مسكن الرجل ومنزله, قوله: "وكأن قد" أي: وكان قد زالت وذهبت بقرينة لم تزل. ٣ - قوله: "زعم الغراب" يعني الغراب نعب فأنذرهم برحيله، وكانوا يتطيرون به، ويسمونه حاتمًا؛ لأنه كان يحتم عندهم بالفراق. ٤ - قوله: "مهدد" اسم جارية، ويحتمل أن يريد بها مية، وقد يسمون المرأة في أشعارهم باسمين أو أكثر من ذلك اتساعًا. ٥ - و "الغانية" التي غنيت بجمالها عن الحلي, قوله: "لم تقصد" من الإقصاد؛ أي: لم تقتلك حين رمتك فتستريح؛ يقال: رماه فأقصده إذا قتله. ٦ - قوله: "غنيت بذلك"، أي: أقامت وعاشت بما أودعتك من حبها. ٧ - قوله: "مرنان" مفعال من الرنين، وهو صوت القوس عند الرمي، يريد: رمتك عن ظهر قوس ترن عند الرمي لشدة وترها, قوله: "مصرد"؛ أي منفذ. يقال صرد السهم أصردته أنا إذا أنفذته. ٨ - قوله: "شادن" الشادن من أولاد الظبَاء: الذي قد شدن وقوي على المشي، و"المتربب"

стр. 146

المحبوس في البيت، و ["الأحوى"] (١) الذي فيه خطتان سوداوان، وأحم المقلتين: أسودهما، و"المقلد" الذي زين بالحلي وقلائد اللؤلؤ. ١١ - قوله: "صفراء" يعني: أنها تطلى بالزعفران تتطب به، وصفها بالنعمة وتمكن الحال، والسيراء: الحريرة الصفراء، شبهها بها لصفرة الطب وللين بشرتها ولطافتها، و"الغلواء" ارتفاع الغصن ونماؤه، و "المتأوِّد" المنثني لطوله. ١٢ - قوله: "والبطن ذو عكن" أي: هي مهفهفة وخميصة البطن، ولو كانت مفاضة عظيمة البطن لم يكن لها عكن, قوله: "تنفحه" أي: تعليه وترفعه، والمقعد الغليظ الأصل في أول نهوده الذي لم يسترخ. ١٣ - قوله: "محطوطة المتنين" هي التي في متنيها حطان بالحاء المهملة، وهما كالخطين بالخاء المعجمة كما تخط جلود المصاحف إذا زينت بالحديدة، وقال الأصمعي: محطوطة؛ أي: ملساء الظهر غير منقبضة الجلد، و"المحط" بكسر الميم وبالحاء المهملة؛ حديدة يصقل بها الجلد، و "الفاضة": الواسعة البطن العطمة، و "الريا": المتلئة، و"البضة" بالباء الموحدة؛ الناعمة البيضاء، والمتجرد: الجسيم المجرد. ١٤ - تراءى أي: تعرض نفسها لنا وتتظاهر. و "السجف": الستر المشقوق الوسط. ١٥ - قوله: "بهج" أي: فرح مسرور. ١٦ - و "الدمية" بضم الدال: التمثال والصورة و "المرمر": الرخام الأبيض. قوله: "يشاد" أي: يبني ويرفع بالشَدّ وهو الجص، و "القرمد": خزف مضبوخ مثل الآجُر. ١٧، ١٨ - و "النصيف": نصف خمار أو نصف ثوب يعتجر به، يصف أنه فاجأها فسقط نصيفها فسترت وجهها بمعصمها، وهو قوله بمخضب "رخص"، أي ناعم كأن بنانه أصابعه، "عنم" بالعين المهملة: وهو شجر أحمر الثمر أشبه شيء بالأصابع المخضوبة. ١٩ - قوله: "العُوّد" بضم العين وتشديد الواو؛ جمع عائد, قوله: "تجلو بقادمتي حمامة أيكة" يعني: إذا ابتسمت كشفت عن أسنان؛ كأنها برد لبياضها وصفائها. ٢٠ - و "القادمتان": الريشتان اللتان في مقدم الجناحين؛ يريد أن في شفتيها لعسًا وحوة وهي سمرة في الشفتين، وهما لطيفتان براقتان، فشبههما بالقادمتين لذلك, قوله: "أسف لثاته"؛ أي: ذُرّ الإثمد على لثاتها، وكذلك كان يفعل أهل الجاهلية يغرزون اللثة بالإبرة ثم يذرون عليها

стр. 147

إثمدًا فيبقي سواده فيحسن بياض الثغر. ٢١ - و "الأقحوان" نبت له نوار أبيض، ووسطه أصفر، وغب الشيء: بعده، وأراد بالسماء المطر. ٢٢ - قوله: "زعم الهمام" أراد به النعمان بن المنذر، ومعناه: السيد، سمي به؛ لأنه إذا هم بأمر أمضاه. ٢٣ - و "الريا": الريح الطيبة، و"الصدِي" بكسر الدال المهملة: الشديد العطش. ٢٤ - و "العذارى": أبكار الجواري، و "المتسرد": الذي تبع بعضه بعضًا. ٢٥ - و "الأشمط": الأشيب، و "الصرورة": بالصاد المهملة؛ الملازم لصومعته لا يريد حجًّا ولا عمرة، وأراد به نصارى الشام الذين لا يعرفون الحج، وقيل: الصرورة هنا: الذي لا يأتي النساء، وقيل: هو الذي لم يذنب قط. ٢٦ - قوله: "لرنا" اللام جواب لو؛ أي: لأدام النظر إليها، ولأعرض عما هو فيه من عبادته ولظن ذلك رشدًا، ولم ير فيه حرجًا، وإن لم يكن فيه رشد. ٢٧ - قوله: "أروى الهضاب" الأروى: إناث الوعول، والهضاب: الجبال الصغار، والصخد: الملس، وقيل: المنتصبة، وقيل: الركد الثابتة. ٢٨ - قوله: "وبفاحم رجل" أراد به الشعر، والفاحم: الشديد السواد، و "الأثيث" الكثير الذي ركب بعضه بعضًا، و "الرجل": المرجل الممشوط، و "الدعام" بالكسر: جمع دعامة، و "المسند": الذي رفع وأسند بعضه إلى بعض. ٢٩ - قوله: "أخثم جاثمًا" الأخثم: العَريض في ارتفاع، و "الجاثم": الذي اتسع موضعه وتمكن. ٣٠ - و "المستهدف": المرتفع، و "الرابي": المرتفع من الربوة، وهو ما ارتفع من الأرض، و "العبير" هو الزعفران، وقيل هو الخلوق، و "المقرمد" هو المطلي. ٣١ - و "المستحصف": الشديد الضيق القليل البلل، و "الحَزَوّر" بفتح الحاء المهملة والزاي وتشديد الواو وفي آخره راء؛ وهو الغلام القوي، و "الرشاء": الحبل، و "المحصد": الشديد الفتل. ٣٢ - قوله: "لا وارد" إلى آخره معناه: الذي يرد من (١) هذه المرأة، أي: ينال منها ما يريد

стр. 148

بذلك بدلًا فيصدر عنها، ولا الذي يصدر عنها لا يريد منها بدلًا أيضًا، فيصدر ليريد غيرها، ومعنى يحور: يرجع. الإعراب: قوله: "أفد الترحل": جملة من الفعل والفاعل (١)، و "أن" مع جملتها في محل الجر بإضافة "غير" إليها، [قوله] (٢): لما "تزل": جملة وقعت خبرًا لأن, قوله: "وكأن" مخففة من الثقيلة، و "قد": حرف وحذف فعله؛ كما ذكرنا. فإن قلت: الاستثناء فيه منقطع أم متصل؟ قلت: منقطع؛ أي: قرب ارتحالنا ولكن (٣) رحالنا بعد لم تزل على عزمنا على الانتقال. الاستشهاد فيه: في دخول تنوين الترنم في الحرف، وذلك في قوله: "وكأن قدن" وذلك أن تنوين الترنم يشترك في الاسم والفعل والحرف. أما الاسم فكما في قوله: يا صاح ما هاج العيون الزرقن … ..................... (٤) وأما في الفعل كما في قوله: .......................... … كالأتحمى أنهجن وأما في الحرف فكما في هذا البيت (٥)، وفيه استشهاد آخر وهو حذف الفعل الواقع بعد كلمة "قد" (٦) ولكن لم يورد ها هنا (٧) إلا لما ذكرنا [فافهم] (٨).

стр. 149

الشاهد السادس (١) أَقِلّي اللَومَ عاذِلَ وَالعِتابن … وَقولي إِن أَصَبتُ لَقَد أَصابن أقول: قائله هو جرير بن عطية (٢) بن الخطفي بفتح الخاء العجمة، والطاء المهملة وبالفاء وهو لقب، واسمه حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم بن مرو التميمي الشاعر المشهور، كان من فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة: جرير والفرزدق (٣) والأخطل (٤). والجرير في اللغة: الحبل، توفي جرير سنة عشر، أو إحدى عشرة ومائة، وكان يكنى بأبي حَزْرَة بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء ساكنة، وهي المرة الواحدة من الحزر (٥)، والبيت المذكور هو من قصيدة بائية طويلة، وأولها هذا البيت المذكور، وبعده (٦): ٢ - أَجَدِّكَ ما تَذَكَّرُ أَهلَ نَجدٍ … وَحَيَّا طال ما انتَظَروا الإِيابا ٣ - بَلى فَارفَضَّ دَمعُكَ غَيرَ نَزرٍ … كَما عَيَّنتَ بِالسَرَبِ الطِبابا ٤ - وَهاجَ البَرقُ لَيلَةَ أَذرِعاتٍ … هَوىً ما تَستَطيعُ لَهُ طِلابا ٥ - أيجمع قلبه طربًا إليكم … وهجرًا بيت أهلك واجتنابا ٦ - سَأَلنَاها الشِّفاءَ فَما شَفَتنا … وَمَنَّتنا التَّوَدُّدَ وَالخِلابا (٧) ٧ - فَقُلتُ بِحاجَةٍ وَطَوَيتُ أُخرى … وَهاجَ (٨) عَلَيَّ بَينَهُم اكتِئابًا (٩) ٨ - أَباحَت أُمُّ حَزرَةَ مِن فؤادي … شِعابَ الحُبِّ إِنَّ لَهُ شِعابًا

стр. 150

٩ - وَوَجدٍ قَد طَوَيتُ يَكادُ مِنهُ … ضَميرُ القَلبِ يَلتَهِبُ التِهابا وهي من الوافر وفيه العصب بالمهملتين والقطف، فقوله: (وقولي إن) مفاعيلن معصوب، وقوله: (أصابن) فعولن مقطوف. ١ - قوله: (أقلِّي) أمر من الإقلال من القلة، واللوم - بالفتح؛ العذل، يقال: لمته لومًا، والرجل ملوم، والمليم هو الذي يستحق اللامة. ٢ - قوله: أجدك، معناه: أبجد منك هذا، ونصبها على طرح الباء، قاله الأصمعي، وقال أبو عمرو معناه: مالك أجدًّا منك ونصبها على المصدر (١)، وقال ثعلب (٢). ما أتاك في الشعر من قولك؛ أجدك فهو بالكسر، وإذا أتاك بالواو وجدك فهو مفتوح (٣) قال الجوهري: أجدك وأجدك بمعنى ولا يتكلم به إلا مضافًا (٤) , قوله: الإيابا بالكسر (٥) وهو الرجوع. ٣ - قوله: فارفض؛ أي: تفرق وذهب، وكل متفرق ذاهب مرفض وهو من ارفضاض (٦) الدمع، وهو ترششه، والنزر بفتح النون: القليل, قوله: "بالسرب الطبابا" [بكسر الطاء] (٧) جمع طبابة، قال الأصمعي: هي الجلدة التي يُغَطَّى بها الخُرَزُ، وهي معترِضة كالإِصْبَع، مَثْنِيَّةٌ على موضع الخَرز (٨). ٥ - قوله: "الخلابا" بكسر الخاء المعجمة وهو الخديعة باللسان، وأم حزرة كنية امرأة جرير. الإعراب: قوله: "أقلِّي": جملة من الفعل والفاعل, وهو أنت المستكن فيه، واللوم مفعوله. قوله: "عاذلَ" بفتح اللام: منادى مرخم حذف حرف ندائه، أصله: يا عاذلة, قوله: "والعتابن": عطف على قوله: "اللوم". قوله: "وقولي": جملة معطوفة على "أقلي". قوله: "لقد أصابن" جمله فعلية وفاعلها (٩) مستتر، وهي مقول القول.

стр. 151

فإن قلت: فأين جواب الشرط؟. قلتُ: محذوف تقديره: إن أصبت لا تعذلي وقولي: لقد أصاب. الاستشهاد: في قوله: "العتابن، وأصابن"؛ لأن أصلهما: العتابا وأصابا، فجيء بالتنوين "بدلًا" (١) من الألف لأجل قصد الترنم (٢). الشاهد السابع (٣)، (٤) ٧ / ق ......................... … وَيَعْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْن أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حُجْر بن الحرث (٥) بن عمرو بن الحُجْر الأكبر بن عمر بن معاوية بن الحرث بن معاوية بن كندة بن ثور بن مرتع بن عليم بن الحرث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الكندي الشاعر المفلق الفائق، مات في بلاد الروم عند جبل يقال له: عسيب، وكان قد صار إلى قيصر ملك الروم مستنجدًا به على بني أسد؛ لأنهم كانوا قد قتلوا والده حُجْرًا، فلما عاد من عند قيصر مات في عسيب، ويقال: إن ملك الروم سَمّه في حلة. قال الأصمعي: "وقد كان" (٦) يقال لامرئ القيس الملك الضليل، ومات بأنقرة منصرفًا من قيصر، وفيه يقول القائل (٧): يا جَبَلَةً مُتَحَيِرَه - وطَعْنَةً مُثْعَنْجَره - قَدْ غُودِرْتَ بأنْقَره قلتُ: عسيب بفتح العين وكسر السين المهملتين وفي آخره باء موحدة؛ وهو اسم جبل (٨).

стр. 152

وفيه يقول امرؤ القيس (١): أَجَارَتنَا إِنَّ الخُطُوبَ تَنُوبُ … وَإنِّي مُقِيِمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبٌ وكان أبو امرئ القيس حُجْر أول ملوك كندة، وهو ملك بن مالك (٢) وقد روينا عن أبي هريرة ﵁ من حديث خرجه الإمام أحمد (٣) في مسنده قال: قال رسول الله ﷺ : "امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار" (٤) وصدر البيت المذكور: أَحَارِ بْنَ عَمْرو كَأَني خَمِرن … ......................... وهو من قصيدة طويلة، وأولها هو البيت المذكور، وبعده (٥): ٢ - لَا وَأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِرِيّ … لا يَدَّعِي الْقَوْمُ أَنِّي أَفِر ٣ - تَمِيمُ بنُ مُرٍّ وَأَشيَاعُهَا … وَكِنْدَةُ حَوْلِي جَمِيعًا صُبُرْ ٤ - إِذَا رَكِبُوا الْخَيْلَ وَاسْتَلأمُوا … تَحَرَّقَتِ الأَرْضُ والْيَوْمُ قُرّْ ٥ - تَرُوحُ مِنَ الحق أَمْ تَبتَكِرْ … وَمَاذَا يَضُرُّكَ لَوْ تَنْتَظِرْ ٦ - أَمَرْخٌ خِيَامُهُمْ أَمْ عُشُرْ … أَمِ الْقَلْبُ في إِثْرِهِمُ مُنْحَدِرْ ٧ - أَفِيمَنْ أَقَامَ مِنَ الْحَيِّ هِرّ … أَمِ الظَّاعِنُونَ لَهَا فِي الشُّطُرْ ٨ - وَهَرٌّ تَصِيدُ قُلُوبَ الرجالِ … وَأَفْلَتَ منها ابنُ عَمْرٍو حُجرْ ٩ - رَمَتْنِي بسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ … غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ انْتَصِرْ ١٠ - فَأَسْبَلَ دَمْعِي كَغُصْنِ الجُمَانِ … أَو الدُّرِّ رَقْرَاقِهِ المُنْحَدِرْ ١١ - وَإذْ هِيَ تَمْشِي كَمَشْي النَّزِيـ … ـفِ يَصْرَعُهُ بِالْكَتِيبِ البُهُر ١٢ - بَرهْرَهَةٌ رَخْصَةٌ رَوْدَةٌ … كَخُرْعُوبَةِ الْبَانَةِ الْمُنْفَطِرْ

стр. 153

١٣ - فُتُورُ القيَامِ قَطِيعُ الكلا … مِ تَفْتَرُّ عَنْ ذِي غُرُوبٍ خَصِرْ ١٤ - كَأَنَّ المُدَامَ وَصَوْبَ الغُمَامِ … وَرِيحَ الحُزَامَى وَنَشْرَ القَطَرْ ١٥ - يُعلُّ بِهِ بَرْدَ أَنْيَابِهَا … إِذَا طَرَّبَ الطَّائِرُ المُسْتَحِر ١٦ - فَبِتُّ أُكُابِدُ لَيلَ التَّمَامِ … وَمَا الْقَلْبُ مِنْ خَشْيةٍ مَقشَعِرْ ١٧ - فَلَمَّا دَنَوْتُ تَسَدَّيْتُها … فَثَوْبًا نَسِيتُ وَثَوْبًا أَجُر ١٨ - فَلَم يَرَنَا كَالِئ كَاشِحٌ … وَلَمْ يَفْش مِنَّا لَدَى الْبَيَتْ سِرْ ١٩ - وقَدْ رَابَنِي قَوْلُهَا يَا هَنَاهُ … وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شرًّا بِشَر وهذا الذي ذكرناه أن قوله: "أحار بن عمرو كأني خمرن (١) " الذي هو أول القصيدة هو المنقول عن الأصمعي، وقال غيره: إن أولها هو قوله: لا وأبيك ابنة العامري … .......................... وقال الأصمعي: أنشدني أبو عمرو بن العلاء هذه القصيدة لرجل من النمر بن قاسط يقال له: ربيعة بن جشم، وقال أبو عمرو الشيباني (٢): لم يشك أحد أن هذه القصيدة لامرئ القيس ولكن تخلط بها أبيات للنميري وقد رواها أبو عمرو والفضل (٣). وهي من المتقارب من الدائرة الخامسة، وهي مشتملة على بحرين: المتقارب والمتدارك. وأصل المتقارب في الدائرة: فعولن ثمان مرات (٤) وفيه الحذف (٥) فإن قوله: (نمر)، فَعِل: محذوف، وكذا قوله: (خمر)، وفي أول القصيدة: ثرم (٦) وهو قوله: (لا و) فإن وزنه فعْل. ٢ - قوله: "لا وأبيك" بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنث؛ لأن تقديره: لا وحق أبيك يا ابنة العامري، والعامري من بني عمرو بن عامر بن الأزد. قوله: تميم بن مرٍّ: بدل من القوم، أو عطف بيان.

стр. 154

٣ - قوله: "صُبُرٌ" بضم الصاد والباء، جمع صابر. ٤ - قوله: "واستلأموا" أي يلبسوا (١) اللأمة وهي الدرع، وقيل: هي السلاح. قوله: "تحرقت الأرض" بالحاء المهملة، يعني من شدة ذلك, قوله: "قُر" بضم القاف أي: بارد ويروى: صِر بكسر الصاد أي: شديد البرد، والجملة وقعت حالًا. ٥ - قوله: "تروحُ" أصله: أتروح فأسقط الهمزة لدلالة أم عليها. ٦ - قوله: "أمرخ" الهمزة للاستفهام، والمرخ: شجر حواري (٢) ضعيف تتخذ منه الزناد واحدها: (٣) مرخة "وإذا" (٤) هبت له ريح فحك بعض عيدانه بعضًا احترقت, قوله: "وعُشَر" بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة: هو (٥) شجر لين، فالمرخ ينبت بالنجد، والعُشَر بالغور، والعشر لها ورق عراض ولها لبن إذا قطع الورق أو العود. ٧ - قوله: "هر" هي ابنة العامري، وهو سلامة بن عبد اللَّه بن عُلَيم, قوله: "أم الظاعنون" بالظاء المعجمة، من ظعن إذا سار، و "الشطر" بضم الشين المعجمة، جمع شطر؛ وهو الغريب. ١٠ - قوله: "كغصن الجمان" أي: كتفرق الجمان إذا انقطع سلكه، والجمان: اللؤلؤ الصغار يعمل من فضة، ويروى: كفيض الجمان من فاض إذا سال, قوله: "رقراقة" قال الأعلم: الرقراق ما جاء وذهب وهو مجرور على أنه بدل من الدر (٦) وقال غيره: رقراق الدمع: ما ترقرق منه العين؛ أي تردد (٧). ١١ - قوله: "النزيف" بفتح النون وكسر الزاي؛ وهو السكران الذي نزف عقله، والكثيب: ما اجتمع من الرمل، والبُهر بضم الباء الموحدة من الإبهار؛ وهو انقطاع النفس وعلوه من التعب. ١٢ - قوله: "برهرهة": هي الرقيقة الجلد، وقال الأصمعي: هي الممتلئة المترجرجة (٨)، قوله: "رخصة" أي: ناعمة، والرأدة بضم الراء؛ الشابة الناعمة، وكذلك الرادة والخُرعوبَة بضم الخاء؛ القضيب الناعم، والمنفطر: الذي ينفطر بالورق، وهو ألين ما يكون وأشده تثنيًا حين يجري فيه الماء ويورق بعضة جدًّا، وإنما لم يقل المنفطرة؛ لأنه رده على القضيب. ١٣ - قوله: "فتور " القيام؛ يعني أنها بطيئة القيام لثقل عجيزتها, قوله: "قطيع الكلام": يعني نزر الكلام لكثرة حيائها, قوله: "تفتر": أي تبتسم، وقيل معناه تبدي أسنانها ولا تضحك

стр. 155

ضحكًا شديدًا, قوله: "غروب"؛ أي: عن ثغر ذي غروب، وغروب السن: حدها، وغرب كل شيء: حده, قوله: "خَصْر" بفتح الخاء المعجمة وسكون (١) الصاد؛ أي بارد. ١٤ - قوله: "كأن المدام" وهي الخمر سميت بذلك؛ لأنها أديمت في الدن، أي: عتقت، والغمام: السحاب، وصوبه: ما صاب منه أي وقع، وهو المطر، و "الخزامى" خير البر بكسر (٢) الخاء المعجمة وهو خزامي البر، و "النشر" الرائحة، و "القُطُر" بضمتين: العود. ١٥ - قوله: "يعل" يعني: يسقى مرة بعد أخرى, قوله: "إذا طرب الطائر" أي: إذا صوت الديك ونحوه، ويقاك: أراد البلبل الذي يصوت في السحر, قوله: "المستحر" هو المصوت بالسحر. ١٦ - قوله: "أكابد" أي: أقاسي, قوله: "لَيْلَ التِّمِامَ" قال أبو عمرو: وليل التمام إذا كان الليل "اثنتي عشرة ساعة" (٣) وهو ليل التمام إلى خمس عشرة ساعة (٤) قال الأصمعي: (ليل التمام بالكسر، وولد الصبي لتمام) (٥) و "مقشعر" (٦) يعني: وجل من أهلها. ١٧ - قوله: "تسديتها" يعني: علوتها وركبتها، قاله الأصمعي. ١٨ - قوله: "كالئ" أي: حافظ راقب، و "الكاشح": المتولي بوده. ١٩ - قوله: "يا هناه" كناية بمنزلة يا رجل، يا إنسان، وأكثر ما تستعمل عند الجفاء والغلظة, قوله: "ألحقت شرًّا بشر" معناه: كنت متهما عند الناس، فلما رأوْك عندي ألحقتك تهمة بتهمة وشرًّا بشرٍّ الإعراب: "أحار بن عمرو" منادى مرخم، يعني: يا حارث بن عمرو، والراء في حار مكسورة كما كانت أولًا، وابن عمرو: كلام إضافي منصوب, قوله: "كأني" كأني هي (٧) حرف من الحروف المشبهة بالفعل، واسمه ياء المتكلم، وخبره قوله: "خمر" بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم، معناه: كأني خامر في داء أو وجع، وأصله من الخمر بفتحتين؛ وهو كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره، ومنه الخمر التي تشرب فإنها تستر العقل، وتخمير الأواني (٨) وهو تغطيتها.

стр. 156

قوله: "ويعدو" فعل وفاعله قوله: "ما يأتمر" وما مصدرية، والتقدير: ويعدو على الرجل ائتماره أمرًا ليس برشد، وذلك أن الرجل إذا ائتمر أمرًا ليس برشد، فكأنه يعدو عليه فيهلكه. وقال الأعلم: معناه يصيبه وينزل عليه مكروه ما يأتمر به ويحمل نفسه على فعله (١): وهذا نحو قول العامة: من حفر حفرة وقع فيها. فإن قلتَ: ما هذه الواو في قوله: "ويعدو"؟ قلتُ: تصلح لأن (٢) تكون للاستئناف، وتصلح (٣) أن تكون للتعليل على معنى لام التعليل على رأي من أثبت هذا، فيكون المعنى: يا حارثُ بن عمرو، كأني خامرني داء لأجل عدوان الائتمار بأمر ليس برشد، ويصلح أن تكون زائدة على رأي الكوفيين (٤) والأخفش. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما يأتمرن" حيث أدخل فيه التنوين الغالي، وهو اللاحق للروي المقيد (٥) وهو كتنوين الترنم في عدم الاختصاص بالاسم (٦). الشاهد الثامن (٧) , (٨) ٨ / قه قَالتْ بَنَاتُ العَمِّ يَا سَلْمَى وَإنْن … كَانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قَالتْ وَإِنْنْ أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج؛ كذا ذكروه، ولم أجده في ديوانه، وتمامه:

стр. 157

١ - قَالتْ سُلَيْمَى لَيْتَ لِي بَعْلًا يَمُنْ … يَغْسِلُ جِلْدِي ويُنَسِّينِي الحَزَنْ ٢ - وَحَاجَةً مَا إِنْ لَهَا عِنْدِي ثَمَنْ … مَيسُورَةً قضاؤها مِنَّهْ وَمِنْ ٣ - قَالتْ بَنَاتُ العَمِّ يَا سَلْمَى وَإِنْن … كَانَ فَقِيرًا (١) مُعْدِمًا؟ قَالتْ وَإنْنْ وهي (٢) من الرجز المسدس، وفيه الخبل وهو الخبهن والطي، فيصير متعلن فيرد إلى فعلتن (٣). ١ - قوله: "سليمى": تصغير سلمى ذكرها الراجز [مصغرة] (٤) ومكبرة، وكلتاهما واحدة, قوله: "بعلًا" أي زوجًا, قوله: "يمن" بتخفيف النون وأصله التشديد؛ لأنه من المنة ولكنه (٥) خفف للضرورة. ٣ - قوله: "معدمًا" يعني: ليس له شيء أصلًا، و "الفقير" على نوعين: فقير مقل، وهو الذي يملك شيئًا قليلًا، ويقال له المسكين أيضًا، وفقير معدم: وهو الذي لا يملك شيئًا أصلًا. ويروى: وإن كان عَيِيًّا معدمًا كما ذكرناه، وكذا أنشده الشيخ أبو حيان ﵀ (٦). وهو فعيل من العي وهو العجز (٧). الإعراب: "قالت" فعل، و "سليمى" فاعله، والجملة أعني قولها: "ليت لي بعلًا … إلخ": مقول القائل, قوله: "يمن": جملة في محل النصب على أنها صفة لـ"بعلًا"، وتقديره: يمن علي، وقوله: "يغسل جلدي": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقعت بيانًا عن قوله يمن، وهي من الجمل الكاشفة. قوله: "وينسيني الحزن": جملة بيانية معطوفة على الجملة الأولى. قوله: "وحاجة" بالنصب، عطف على (بعلًا)، وأرادت (٨) بها حاجة قضاء الشهوة، فسَّرتها بجملتين: الأولى: هي قوله: "ما إن لها عندي ثمن"، وكلمة "ما" للنفي، و "إن": زائدة لتأكيد

стр. 158

النفي كما في قوله: وما إن طبنا جبن. والثانية قوله: "قضاؤها مني ومن": أي قضاء تلك الحاجة من البعل ومني (١) وقوله: "ميسورة" صفة لقولها: حاجة. قوله: "قالت" فعل، و "بنات العم" كلام إضافي فاعل، والألف واللام في العم بدل من المضاف إليه: قالت بنات عمي. وقوله (٢): "يا سلمى": منادى مقول القول, قوله: "وإن كان فقيرًا"، إن حرف شرط، وكان من الأفعال الناقصة، واسمها (٣): الضمير المستتر فيه العائد إلى البعل، وخبرها: (٤) قوله: "فقيرًا"، والجملة فعل الشرط، والجواب محذوف تقديره: وإن كان البعل فقيرًا ترضين به أو تقبلينه، أو نحو ذلك. فإن قلت: هذه الجملة معطوفة على ماذا؟ قلت: على المقدر تقديره: كان البعل عَيِيًّا (٥) وإن كان فقيرًا. قوله: معدمًا: صفة (فقيرًا)،. قوله: "قالت": جملة من الفعل والفاعل، والمقول (٦) محذوف، وهو الذي عطف عليه، وإن تقديره: قالت وإن كان البعل غنيًّا وإن كان فقيرًا، وقد حذف الشرط والجزاء جميعًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "وإنن" في الموضعين؛ حيث أدخل الراجز فيه التنوين زيادة على الوزن، فلذلك سمي (٧) التنوين الغالي؛ ألا ترى أن الوزن لا يستقيم إلا بحذف التنوين؛ لأنك تقول: (قالت بنا) مستفعلن، (ت العم يا) مستفعلن (سلمى وإن) مستفعلن، فإذا قلت: (سلمى وإنن) يخرج عن الوزن، وكذا الكلام في قوله: قالت وإنن. وقد ارتكب الشاعر ها هنا أمورًا: الأول في قوله: يمنْ؛ إذ أصله يمنّ بالتشديد. والثاني في قوله: (منه ومن) أصله: ومني. والثالث: أدخل التنوين في؛ إن حتى خرج البيت عن الوزن (٨).

стр. 159

الشاهد التاسع (١)، (٢) ٩ / ق سلام الله يا مطر عليها … ........................ أقول: قائله هو الأحوص (٣)، [واسمه: عبد الله بن محمد بن ثابت بن قيس بن عصمة] (٤) ابن النعمان بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عمرو بن مالك بن الأوس، ويكنى أبا عاصم، وهو شاعر مجيد من شعراء الدولة الأموية، والأحوص هو الذي في مؤخرة عينيه ضيق، وتمام البيت: ............................. … وليس عليك يا مطر السلام وهو من قصيدة من الوافر، أولها قوله: ١ - أَإِنْ (٥) نادى هَدِيلًا يَوْم فَلْجٍ … معَ الإشْرَاقِ فيِ فَنَن حَمَامُ ٢ - ظَلَلْتَ كَأَنَّ دَمْعَكَ دُرُّ سِلْكٍ … وَهِيَ (٦) نَسَقًا وَأَسْلَمَهُ النّظامُ ٣ - كَأَنَّكَ مِنْ تَذَكُّرِ أمِّ عَمْرٍو (٧) … وَحَبْلُ وَصَالِهَا خَلَقٌ رِمَامُ ٤ - تَمُوُتُ تَشَوُّقًا طورًا (٨) وتَحْيا … وَأَنْتَ حَر (٩) بِدَائِكَ مُشتَهَامُ ٥ - صَرِيعُ مُدَامَةٍ غَلَبَت عَليْه (١٠) … تَمُوتُ لَها الْمفَاصِلُ وَالْعِظَامُ ٦ - وأنّي من بلادك أم عمرو (١١) … سَقَى بَلَدًا تَحُلُّ بِهِ الْغَمَامُ ٧ - تَحُلُّ النَّهْدَ (١٢) مِنْ أُحُدٍ وَأَدْنى … مَسَاكِنِها النسيكة (١٣) أو سَنَامُ ٨ - كَأَن المالِكيَن نِكَاحَ سَلْمى … غَدَاةَ نكاحها مطر نِيَامُ (١٤) ٩ - فَلَوْ لَمْ يَنْكِحُوا إلَّا كَفِيًّا … لَكَان كَفِيئُها (١٥) الملَكُ الهُمَام

стр. 160

١٠ - سَلامُ الله يَا مَطَرٌ عَلَيها … وَلَيسَ عَلَيك يَا مَطَرُ السَّلَامُ ١١ - فَإنْ يَكُنِ النِّكَاحُ أَحَلَّ شيئًا … فإِن نِكَاحَهَا مَطر (١) حَرامُ ١٢ - فَطلِّقْهَا فَلسْتَ لها بِكفْءٍ (٢) … وإلا يَعْل مَفْرِقَكَ الحُسَامُ ١٣ - فَلا غَفَرَ الإِلَهُ لِمنْكِحِيهَا … ذُنُوبَهُمُ وَإنْ صَلُّوا وَصَامُوا ١ - قوله: "هديلًا" بفتح الهاء؛ وهو الذكر من الحمام، ويقال: الهديل: فرخ كان على عهد نوح ﵇، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا. فليس من حمامة إلا وتبكي عليه، والهديل: صوت الحمام أيضًا؛ كالهدير (٣)، وانتصابه على المفعولية، والفاعل هو قوله: حمام، قوله: "يوم فلج" بفتح الفاء وسكون اللام وفي آخره جيم؛ وهو (٤) موضع بين البصرة وضربة، قوله: "في فنن" بفتحتين؛ وهو الغصن وجمعه (٥): أفنان. ٢ - قوله: "وهَي" [فعل ماض] (٦) أي: سقط من الضعف, قوله: (نسقًا) من قولهم: دُرٌّ نسقٌ، يعني: منظم، وثغر نسق إذا كانت الأسنان مستوية, قوله: "وأسلمه" أي: خذله. ٣ - قوله: "خَلَق" بفتح الخاء المعجمة واللام؛ أي: بالٍ، و "رمام" بكسر الراء؛ جمع رمة بالكسر؛ وهي العظام البالية، ويجمع على رمم أيضًا. ٤ - قوله: "وأنت حر" بكسر الراء، يقال: فلان حريٌّ بذلك، أي: لائق به، وكذلك حر وحري، وقلب مستهام: أي هائم؛ من الهيام، وهو كالجنون من العشق. ٩ - و "الكفي "على وزن فعيل؛ بمعنى النظير، وكذلك: "الكف والكفؤ" (٧). ١٠ - قوله: "يا مطر": مطر اسم رجل، وكان دميمًا أقبح الناس، وكانت امرأته من [أحسن النساء وأجملهن] (٨) وكانت تريد فراقه ولا يرضى [مطر] (٩) بذلك، فأنشد الأحوص هذه القصيدة يصف فيها أحوالهم. ١٢ - قوله: "فلست لها ببعل"، ويروى: بكفء, قوله: "وإلا يعل": من علا يعلو، و"المفرق": موضع فرق الشعر من الرأس، و "الحسام" بضم الحاء؛ السيف.

стр. 161

الإعراب: قوله: "سلام الله" كلام إضافي مبتدأ؛ و "عليها" خبره، والضمير يرجع إلى امرأة مطر وقوله: "يا مطر": منادى مفرد، نونه الشاعر للضرورة (١) وهو معترض بين المبتدأ والخبر. قوله: "وليس" من الأفعال الناقصة, قوله: "السلام" اسمه، و "عليك" خبره، وقوله: "يا مطر": معترض بين اسم ليس وخبرها، وهذا جاء على الأصل؛ لأن الأصل في المنادى المفرد أن يبنى على الضم (٢). الاستشهاد: في قوله: "يا مطر" فإنه منون في غير محله، فقيل (٣): إنه ضرورة، وليس هو تنوين تمكين، لأن الاسم مبني على الضم، وقد عده بعضهم من أقسام التنوين، وسماه تنوين الاضطرار. قلت: مثل هذا ضرورة، فلا يحتاج إلى عده من أقسام التنوين (٤). الشاهد العاشر (٥) , (٦) ١٠ / ظقه ما أنْتَ بِالحَكَيم التُّرْضَى حُكُومَتُهُ … ولا الأَصِيلِ ولا ذِي الرَّأيِ والجَدَلِ أقول: قائله هو الفرزدق، واسمه همام، وقيل هميم "بالتصغير" ابن غالب بن صعصعة [ابن ناحية] (٧) بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، واسمه: "بحر بن مالك"، واسمه: عرف (٨) بالراء، سمي بذلك لجوده -ابن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرة (٩) التميمي المعروف بالفرزدق؛ الشاعر المشهور صاحب جرير. وكان أبوه غالب من جلة قومه وسراتهم، وأمه ليلى بنت حابس أخت الأقرع بن حابس، وكان من الكرم على جانب عظيم، وكان جده صعصعة بن ناجية عطم القدر في الجاهلية

стр. 162

واشترى ثلاثين موؤودة، وفي ذلك قال (١) الفرزدق (٢): وجدي الذِي مَنَعَ الوَائِدَاتِ … وَأَحْيَا الوَئِيدَ فَلَمْ تُوْأد وهو أول من أسلم من أجداد الفرزدق، وقد ذكره أبو عمر في كتاب الاستيعاب (٣) في جملة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -. وكان الفرزدق يكنى بأبي فراس، وهو شاعر إسلامي لقي علي بن أبي طالب (٤) وروى عنه، وعن أبي هريرة، والحسن بن علي، وابن عمر (٥) - رضي اللَّه [تعالى] (٦) عنهم -. وهو في الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين (٧) وهم جرير والفرزدق والأخطل والراعي (٨)، وكان على فضله وتقدمه يروي للحطيئة (٩) كثيرًا، وكان الحطيئة راوية زهير (١٠)، وزهير راوية أوس بن حجر (١١) وطفيل (١٢) الغنوي جميعًا، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة وعمره قد ناهز مائة سنة.

стр. 163

والفرزدق في الأصل [قيل] (١): قطع العجين، واحدتها فرزدقة، لقب بذلك؛ لأنه كان جهم الوجه، وقيل: لقب به لغلظه (٢) وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء وهي الفرزدقة، والقول الأول أصح؛ لأنه أصابه جدري في وجهه ثم برئ منه فبقي وجهه جهمًا متغضبًا (٣)، ويروى أن رجلًا قال له: يا أبا فراس كأن وجهك أحراح مجموعة، فقال: تأمل هل ترى فيها حر أمك، والأحراح: جمع حرح؛ وهو الفرج فحذفت في المفرد حاؤه الثانية فبقي حرًّا، ومتى جمعت عادت الحاء؛ لأن الجمع يرد الأشياء إلى أصولها (٤)، وقبل البيت المذكور بيت آخر هو قوله (٥): يا أرغم الله أنفًا أنت (٦) حامله … يا ذا الخنا ومقال الزور والخَطل والأصل في ذلك ما حدثه الكلبي أن رجلًا من بني عذرة دخل على عبد الملك بن مروان (٧) يمدحه، وعنده جرير والفرزدق والأخطل فلم يعرفهم الأعرابي، فقال له عبد الملك: هل تعرف أهجى بيت في الإسلام؟، قال: نعم، قول جرير (٨): فَغُضِّ الطَّرفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ … فَلا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلا كِلابًا فقال: أحسنت، فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام؟ قال: نعم قول جرير (٩): أَلَسْتُمْ خَيرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا … وَأَنْدَى الْعَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ فقال: أصبت وأحسنت، فهل تعرف أرق بيت قالته العرب في الإسلام؟ قال: نعم قول جرير (١٠): إِنَّ العُيُونَ التي في طَرْفِهَا مَرَضٌ … قَتَلْنَنَا ثُمَّ لم (١١) يُحْيِينَ قَتْلانا فقال: أحسنت، فهل تعرف جريرًا؟ قال: لا والله، وإني لرؤيته مشتاق، فقال: هذا جرير،

стр. 164

وهذا الفرزدق، وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول (١): فحيا الإله أبا حزرة … وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به … ودق خياشمه الجندل فأنشد الفرزدق: يا أرغم الله أنفًا ........ … ............... إلخ (٢) البيتين ثم أنشد الأخطل (٣): يا شَرَّ مَنْ حَمَلَتْ سَاقٌ عَلَى قَدَمٍ … مَا مثلُ قَولكَ في الأقْوامِ يُحْتَمَلُ إنَّ الحكُومَةَ لَيسَتْ فيِ أبِيكَ ولا … فيِ مَعْشَرٍ أنتَ مِنهم إنَّهُمْ سُفُلُ فقام جرير مغضبًا وهو يقول (٤): شَتَمْتُمَا قَائِلًا بالحق مُهْتديًا … عِنْدَ الخليفةِ والأقوالُ تَنْتضِلُ (٥) أتشتمان شَفاهًا خَيْرَكُمْ حَسَبًا … ففيكما الأوهيان (٦) الزورُ والخطل شَتَمْتماهُ على رَفْعي وَوَضْعِكُما … لا زِلْتُمَا في سِفَال أيُّها السُّفُلُ ثم وثب فقبَّل رأس الأعرابي وقال: يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت خمسة عشر ألفًا، فقال عبد الملك: وله مثلها من مالي، فقبض ذلك كله. والبيت المستشهد به من البسيط، وهو من الدائرة الأولى، وهي دائرة المختلف المشتملة على: الطويل والمديد والبسيط، وأصله فيها: مستفعلن فاعلن أربع مرات، وله ثلاثة أعاريض وستة أضرب، وهو من العروض الأولى المخبونة (٧) والضرب الأول المخبون، وقافيته من المتراكب، وهو ما بين ساكنيه ثلاث حركات، وسمي بهذا الاسم؛ لأن الحركات توالت فيه فركب بعضها بعضًا (٨).

стр. 165

قوله: "يا أرغم الله" المنادى فيه محذوف تقديره: يا قوم أرغم اللَّه أنفًا، أي: ألصقه بالرغام بفتح الراء وهو التراب، و "الخنا" الفحش، والخطل: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة؛ الفاسد المضطرب، وقد خطل في كلامه بالكسر خطلًا، وأخطل؛ أفحش. قوله: "بالحكم" بفتح الحاء والكاف، وهو الذي يحكمه الخصمان ليحكم (١) بينهما, قوله: "ولا الأصيل" أي: ولا الجيد (٢)، يقال: فلان لا أصل له ولا فصل، قال الكسائي (٣): الأصل الحسب، والفصل: اللسان. قوله: "ولا ذي الرأي" ولا صاحب الرأي، والجدل بفتحتين شدة الخصومة، وهو اسم من جادله إذا خاصمه، مجادلة وجدالًا. الإعراب: قوله: "ما" للنفي، و "أنت" مبتدأ، وخبره, قوله: "بالحكم الترضى حكومته" والباء فيه زائدة للتأكيد، والخطاب لذلك الأعرابي الذي هو من بني عذرة، وقد ذكرناه. وقوله: "الترضى حكومته" جملة فعلية في محل الرفع؛ لأنها صفة لقوله "بالحكم" وَالحكم مرفوع (٤) تقديرًا لأنه خبر، ويجوز أن يكون في محل الجر باعتبار الظاهر؛ لأن الخبر في الظاهر مجرور بالباء، و "الترضى" على صيغة المجهول، و "حكومته" مرفوع بها. قوله: "ولا الأصيل" عطف على قوله: "بالحكم" أي: ولا أنت بالأصيل ولا بذي الرأي ولا بذي الجدل. الاستشهاد فيه: في دخول الألف واللام في الفعل المضارع تشبيهًا له بالصفة؛ لأنه مثلها في المعنى، وهذا ضرورة عند النحويين (٥) وقال ابن مالك: "ليس" (٦) بضرورة لتمكن الشاعر من أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته، فيدخل الألف واللام في اسم المفعول (٧)، قلت: وهذا الذي

стр. 166

قاله ابن مالك منقول عن سيبويه (١)، ثم عن ابن السراج، وليس هو القائل من ذاته، ولكن هذا لا يستقيم إلا إذا سكنت الياء من المرضي ليستقيم الوزن فافهم. وقال الأخفش: هي موصولة وليست للتعريف، كأنها لما كانت بمعنى الذي وصلت بصلتها (٢). وقال ابن عصفور (٣): ومنهم من ذهب إلى أن (أل) ها هنا مبقاة من الذي، وهو مردود؛ لأنها لو كانت كذلك لجاز أن يقع في صلتها الماضي كما جاز في صلة الذي، فلما اختصت بالفعل الشبه للوصف وهو المضارع دل على إبهامه. الشاهد الحادي عشر (٤) , (٥) ١١ / قه أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا … ............................. أقول: قائله رؤبة بن العجاج، وتمامه:

стр. 167

أَرَيْتَ إِنْ جَاءَتْ بِهِ جُلْمُودَا (١) … مُرَجَّلًا وَيْلبَسُ البُرُودَا أَقائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا … .............................. وهي من الرجز المسدس. ١ - قوله: "أريت" أصله: أرأيت، حذفت الهمزة منه للتخفيف، وكذلك قالوا في: أريتك بلا همزة، ومعنى "أرأيت" أخبرني, قوله: "أملودًا" بضم الهمزة وسكون اليم وضم اللام؛ وهو الناعم. ٢ - قوله: "مرجلًا" بالجيم أي: مزينًا، وأصله من رجلت شعره إذا سرحته، وضبطه بعضهم بالحاء المهملة؛ وهو برد يصور عليه الرجال، وقال الجوهري: مِرْط مُرَجَّلٌ: إِزَار خِزٍّ فيه عَلَمٌ (٢)، ويقال: الرجل بالجيم: ثوب فيه صور الرجال، والرحل بالحاء: ثوب فيه صور تشبه الرجال, قوله: "البرود" جمع برد؛ وهو نوع من الثياب معروف. الإعراب: قوله: "أقائلن" اسم فاعل دخل عليه حرف الاستفهام ونون التأكيد، والمعنى: هل أنتم قائلون؟ فأجراه مجرى: أتقولون: أحضروا الشُّهُودَا، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقعت مقولًا للقول. الاستشهاد فيه: حيث أدخل الشاعر فيه نون التأكيد على الاسم، وهي مختصة بفعل الأمر المستقبل طلبًا أو شرطًا بعد إما؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦]، و ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧] وقد تلحق الماضي نذورًا كما في قوله ﵇: "فإما أدركن واحد منكم الدجال" (٣)، وقال الشاعر (٤): دَامَنَّ سَعْدُكِ لَوْ رَحِمْتِ مُتَيَّمًا … .............................

стр. 168

كما سيأتي - إن شاء الله - وأندر من ذلك دخولها في اسم الفاعل، كما في البيت المذكور، وإنما سوغها شبه الوصف بالفعل (١). وقال ابن جني (٢): دل هذا على أن نون التوكيد ليست من خواص الفعل لدخولها على اسم الفاعل (٣) وفيه نظر؛ لأن دخولها على اسم الفاعل لا يلتفت إليه لندورته وقلته، لا سيما الشاعر فإنه مضطر، ويرتكب أمورًا متعسفة فلا يبنى عليه حكم. الشاهد الثاني عشر (٤) ١٢ / ق دَامَنَّ سَعْدُكِ لَوْ (٥) رَحِمْتِ مُتَيَّمًا … ............................ أقول: لم أقف على اسم قائله، وتمامه: .............................. … لولاكِ لَمْ يَكُ للصَّبَابَةِ جَانِحًا وهو من الكامل وفيه الإضمار. وقوله: "دامن" أصله دام من الدوام، ودخله نون التوكيد على وجه الشذوذ (٦)، و"سعدك" خطاب لمحبوبته، و"المتيم" من تيمه الحب إذا عبده بالتشديد، و "الصبابة": المحبة والعشق، يقال: رجل صب إذا غلبه الهوى، و "الجانح" من جنح إذا مال، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] أي: وإن مالوا.

стр. 169

الإعراب: قوله: "دامن" فعل، و"سعدك" كلام إضافي فاعله، وهي في الحقيقة جملة دعائية, قوله: "لو" للشرط، و"رحمت" جملة من الفعل والفاعل، والمفعول وهو "متيمًا" وقعت فعل الشرط، والجواب محذوف تقديره: لو رحمت متيمًا أدام الله سعدك، وأغنت عن ذلك الجملة المتقدمة. قوله: "لولاك" كلمة (لولا) لربط امتناع الثانية لوجود الأولى نحو: لولا زيد لأكرمتك، أي: لولا زيد موجود، فإن وجود زيد هو الذي منعه الإكرام، وقد وليها ها هنا ضمير (١) وكان حقها أن يكون ضميررفع نحو: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] , ولكن جاء قليلًا لولاك، ولولاي، ولولاه خلافًا للمبرد (٢)، ثم عند الجمهور أنها جارة للضمير، وموضع المجرور رفع بالابتداء، والخبر محذوف، وقد سد مسده جواب لولا وهي الجملة التي بعده (٣). وقال الخليل: لولا لا تجر، ولكنهم أنابوا الضمير الخفي عن المرفوع؛ كما عكسوا؛ إذ قالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا (٤). قوله: "لم يك" جواب لولا وأصله: لم يكن فحذفت النون تخفيفًا (٥) والضمير المستتر فيه العائد إلى المتيم هو اسم يكن، وقوله: "جانحًا" خبره، و "للصبابة" يتعلق به، والمعنى: لولا أنت موجودة لم يكن المتيم مائلًا للصبابة. الاستشهاد فيه: في قوله: "دامن" حيث دخلت فيه نون التوكيد وهو ماضٍ، ونون التوكيد من خواص الأمر والمضارع، وهو قليل شاذ (٦).

стр. 170

الشاهد الثالث عشر (١) , (٢) ١٣ / قه يَا لَيْتَ شِعْرِي منكم حنيفًا … أَشَاهِرُنَّ بَعْدَنَا السُّيُوفَا أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وهو من الرجز المسدس. قوله: "شعري" بمعنى: علمي من الشعور، قال ابن فارس: شعرت بالشيء إذا فطنت له (٣)، و "الحنيف" هو المسلم ها هنا، وله معان أخر: المختون والناسك، والمستقيم الطريقة، والمائل إلى الدين المستقيم، ويقال: فلان متحنف؛ أي: يتحرى أقوام بالطريق، وفلان يتحنف؛ أي: يذهب مذهب أبي حنيفة (٤) ﵁, قوله: "أشاهرن" من شهر سيفه: انتضاه فرفعه؛ يعني: أبرزه من غمده. الإعراب: قوله: "يا ليت" كلمة (يا) في مثل هذا الموضع تكون لمجرد التنبيه لدخولها على ما لا يصلح للنداء (٥)، وقد يقال: إنها على أصلها، والمنادى محذوف تقديره: يا قوم ليت شعري "أي: ليتني أشعر، فأشعر هو الخبر، وناب شعري الذي هو المصدر عن أشعر، ونابت الياء في شعري عن اسم ليت الذي في قولك: ليتني، وأشعر: من الأفعال المتعدية، وقد يعلق فيقال: ليت شعري أزيد قام أم محمد؟ ومعنى التعليق إبطال عمله في اللفظ وإعماله في الموضع" (٦)، فيكون موضع الاستفهام وما بعده نصبًا بالمصدر. قوله: "حنيفًا" نصب على أنه مفعول المصدر المضاف إلى فاعله, قوله: "منكم" في محل النصب على أنها صفة لـ (حنيفًا)، والتقدير: ليتني أشعر حنيفًا كائنًا منكم. قوله: "أشاهرن" اسم فاعل دخلت عليه همزة الاستفهام ونون التوكيد، وهو في معنى المستقبل؛ لأن تقدير الكلام: ليتني أشعر حنيفًا مسلمًا منكم يشهر بعدنا السيوف، و "بعدنا" كلام إضافي نصب على الظرف، و "السيوفا" نصب بقوله: أشاهرن.

стр. 171

الاستشهاد فيه: في قوله: "أشاهرن" حيث دخلت فيه (١) نون التوكيد وهو اسم، وهي مختصة بالأمر والمضارع كما ذكرنا (٢). الشاهد الرابع عشر (٣) , (٤) ١٤ / ق يَحْدُو بهَا كُلُّ فَتَى هَيَّاتٍ … وَهُنَّ نَحْوَ البَيْتِ عَامِدَاتِ أقول: قائله راجز لم أقف على اسمه، وقبله: تَرْمِي الأماعيزُ بمَجْمَراتِ … وأَرْجُلٍ رَوْحٍ مُحَنَّبَات وهي من الرجز المسدس. ١ - قوله: "ترمي الأماعيز" وهو جمع إمعاز، والإمعاز جمع معز؛ وهو المكان الصلب الكثير الحصى، وأرض معزى: بينة المعز، والأماعيز: جمع أمعوز أيضًا؛ وهو السرب من الطاء ما بين الثلاثين إلى الأربعين، و "مجمرات" بالجيم: جمع مجمرة بفتح الميم الثانية، وقال الفراء: يجوز الكسر، أي: قوى صلب (٥)، و "أرجل" جمع رجل، و "روح" بفتح الراء وسكون الواو وفي آخره حاء مهملة، وهي سعة في الرجلين، وهو دون الفحج، إلا أن الأروح تتباعد صدور قدميه، ويتدانى عقباه، وكل نعامة روحاء. و"الفحج" بفتح الحاء وسكون الحاء المهملة وفي آخره جيم؛ مشية الأفحج، وهو الذي تدانى صدور قدميه ويتباعد عقباه و "محنبات" جمع محنبة بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد النون وفتح الباء الموحدة. قال أبو عبيدة: المحنب: البعيد ما بين الرجلين من غير فحج، وهو مدح، وتحنب فلان أي: تقوس وانحنى (٦)، وقال الأصمعي: التحنيب في الفرس: إعياء وتوتير في الصلب واليدين، فإذا كان ذلك في الرجلين فهو تجنيب بالجيم (٧). ٢ - قوله: "يحدو بها" أي: بالإبل؛ أي: يزجرها للمشي. قال ابن فارس: الحدو بالإبل:

стр. 172

زجرها والغناء لها (١) , قوله: "هَيَّات" على وزن فعال بالتشديد، من هيت به إذا صاح به ودعاه وكذلك هوت به, قوله: "نحو البيت" أراد به الكعبة المشرفة, قوله؛ "عامدات" أي: قاصدات من عمد إذا قصد. الإعراب: قوله: "يحدو" فعل، و "بها" في محل النصب على المفعولية، "وكل فتى": كلام إضافي فاعله, قوله: "هيات" مجرور؛ لأنه صفة فتى، و "فتى" مجرور بالإضافة، والمعنى: يهيت بالإبل كل فتى صياح, قوله: "وهن" مبتدأ، و"نحو البيت" كلام إضافي في تقدير الرفع على الخبرية والتقدير: وهن كائنات نحو البيت، أو متوجهات نحوه. قوله: "عامدات" بالنصب حال، وقيل: تمييز، وفيه ما فيه (٢). الاستشهاد فيه: في قوله: "نحو البيت" فإن لفظة "نحو" ها هنا ظرف وهو يجيء لمعانٍ كثيرة: الأول: بمعنى إلى الظرف، وهو غير تقول: توجهت نحو الدار، أي: جهتها. الثاني: بمعنى القصد تقول: نحوت معروفه؛ أي: قصدته. والثالث: بمعنى الطريق، تقول: هذا نحو المدينة؛ أي: طريقها. الرابع: بمعنى مثل، تقول: هذا الطريق نحو ذاك؛ أي مثله. والخامس: بنو نحو قوم من العرب، ينسب إليهم النحوي. والسادس: نحو الكلام، وهو قصد القائل: أصول العربية ليتكلم بمثل ما تكلموا به، والنحو في اصطلاح القوم: معرفة كيفية كلام العرب وتصرفاتهم فيه، وما يستحق كل نوع منهم من الإعراب منه؛ كرفع الفاعل ونصب المفعول وجر الضاف، والنسبة إليه أيضًا نحوي، والفرق بينه وبين النسبة إلى بني نحو بالقرينة. والسابع: النحو يجيء بمعنى الإمالة، يقال: نحوت بصدري إذا أملته، وكذلك نحيته وأنحيته بمعنى أملته. والثامن: بمعنى القسم، يقال: هذا على أربعة أنحاء، أي: أربعة أقسام (٣).

стр. 173

شواهد المعرب والمبني الشاهد الخامس عشر (١) , (٢) ١٥ / ظهع فإما كرامٌ مُوسِرُونَ رأيتهم … فَحَسْبِي مِن ذِي عِنْدَهُم مَا كَفَانِيَا أقول: قائله هو منظور بن سحيم الفقعسي، شاعر إسلامي (٣)، وهو من قصيدة يقولها في امرأته، وأولها قوله (٤): ١ - ذَهَبْتُ إلَى الشَّيطَانِ أَخْطُبُ بِنْتَهُ … فَأَدْخَلَهَا مِنْ شِقْوَتِي فيِ حِبَالِيا ٢ - فَأنْقَذَنِي مِنْهَا حِمَارِي وَجُبَّتِي … جزى الله خيرًا جبتي وحِمَارِيَا ٣ - ولستُ بهَاجٍ في القِرَى أهل منزل … على زادِهِمْ أَبْكِي وأُبْكِي البواكِيا ٤ - فإما كرامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتُهم … فَحَسْبِي مِن ذِي عِنْدَهُم مَا كَفَانِيَا ٥ - وإما كرامٌ مُعسِرُونَ عذرتهم … وإمَّا لِئَامٌ فادَّخَرتُ حَيَائِيَا ٦ - وعرضي أبقى ما ادخرت دخيرة … وبطني أطويه كطي ردائيا

стр. 174

وهي من الطويل وقافيته من المتدارك (١). قوله: "فأنقذني منها حماري وجبتي"، وقصته أنه حلق شعر رأس امرأته، فرفعته إلى الوالي فجلده واعتقله، وكان له حمار وجُبَّة، فدفعهما إلى الوالي فسرحه. قوله: "كرام": جمع كريم؛ كعجاف جمع عجيف, قوله: "رأيتهم" ويروى أتيتهم كما ذكرنا, قوله: "فحسبي" أي يكفيني, قوله: "من ذي عندهم" أي من الذي عندهم، أي: عند الكرام، والألف في كفانيا للإشباع. الإعراب: قوله: "فإما": "الفاء" للعطف، وإما للتفصيل (٢)، وقوله: "كرام" مرفوع بفعل مضمر تقديره: فإما يقصد كرام موسرون، ويجوز أن يكون: كرام مبتدأ، وقد تخصص بالصفة وهي قوله: "موسرون"، وقوله: "رأيتهم" جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع على الخبرية، وفي الوجه الأول على الوصفية. وقوله: "فحسبي" مبتدأ، وخبره قوله: "ما كفانيا" والجملة على جواب الشرط، فلذلك دخلتها الفاء، وذلك أن "إما" التفصيلية أجاز فيها الكوفيون أن تكون هي "إن" الشرطية (٣). قوله: "من ذي عندهم" متعلق بقوله: "كفانيا"، و "ذي" بمعنى الذي، وعندهم صلة. الاستشهاد فيه: في قوله: "من ذي" حيث أعرب كإعراب ذي التي بمعنى الصاحب، ويجوز أن يقال: من ذو عندهم كما ذكرنا.

стр. 175

الشاهد السادس عشر (١) , (٢) ١٦ / ظقهع بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمِ … وَمَنْ يُشابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ أقول: قائله هو رؤبة (٣)، وهو من الرجز المسدس. قوله: "بأبه اقتدى عدي" أراد به عدي بن حاتم الطائي، وهو صحابي جليل، وهو عدي بن حاتم بن عدي بن سعيد بن الحشرج بن امرئ لقيس بن عدي بن أخرم بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن غوث بن طيء الطائي. وفد على النبي ﵇ سنة تسع في شعبان، وقيل: سنة عشر فأسلم، وكان نصرانيًّا (٤)، ولما توفي رسول الله ﷺ قدم على أبي بكر ﵁ (٥) في وقت الردة بصدقة قومه وثبت على الإسلام ولم يرتد وثبت قومه معه، وكان جوادًا شريفًا في قومه معظمًا عندهم وعند غيرهم، حاضر الجواب، شهد فتح العراق ووقعة القادسية ووقعة مهران، ويوم الجسر مع أبي عبيدة ﵁ وغير ذلك. وكان مع خالد بن الوليد ﵁ (٦) لما سار إلى الشام، وشهد معه بعض الفتوح، توفي سنة سبع وستين، وله مائة وعشرون سنة، قيل: مات بالكوفة أيام المختار (٧)، وقيل: مات بِقَرقِيسْيَا، والأول أصح. وأما أبوه حاتم بن عدي فهو الموصوف بالجود الذي يضرب به المثل، وكان يكنى أبا سفانة، وكانت له مآثرُ وأمورٌ عجيبة مستغربة، ولكنه لم يقصد بها وجه اللَّه تعالى والدار الآخرة، وإنما كان قصده السمعة.

стр. 176

وأخرج البزار (١) في مسنده عن ابن عمر ﵄ قال ذُكر حاتم عند النبي ﷺ ، فقال: "ذاك أراد أمرًا فأدركه" (٢)، والمعنى أن عدي بن حاتم اقتدى بأبيه حاتم الطائي في الجود والكرم فمن يشابه أباه أو يحاكيه في صفاته فما ظلم في هذا الاقتداء؛ لأنه أتى بالصواب ووضع الشيء في محله، والظلم: وضع الشيء في غير محله. وهذا البيت نظم فيه الشاعر المثل الثائر: "مَن يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ" (٣) واختلفوا في معنى "فما ظلم" في المثل، فقيل: فما وضع الشبه في غير موضعه، وقيل: فما ظلم أبوه حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، وقيل إنما الصواب: فما ظلمت، أي: فما ظلمت أمه، أي: لم تزن بدليل مجيء الولد مشابهًا أباه. قاله اللحياني، ويضعف هذين القولين أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ فلا بد في الغالب من ضمير يعود من الجزاء إليه (٤)، وهذا البيت يرد قول اللحياني. الإعراب: الباء في قوله: "بأبه" تتعلق بقوله: "اقتدى"، وكذا قوله: "في الكرم" قدم الظرف للاختصاص، أي: لم يقتد في الكرم إلا بأبيه. قوله. "ومن يشابه أبه"، كلمة (من) موصولة في محل الرفع على الابتداء بتضمن معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في خبره، وهو قوله: فما ظلم، وقوله: "أبه": منصوب بقوله: يشابه الذي هو صلة الموصول. فإن قلتَ: (فمن يشابه) قد روي بالفاء وبالواو، فما حكمهما؟ قلتُ: أما الواو فوجهه ظاهر، وأما الفاء فإن صح فوجهه أن يكون للتعليل (٥).

стр. 177

الاستشهاد فيه: هو أن الأب قد استعمل فيه في الموضعين بحذف اللام معربًا بالحركات، فهذا لغة بعض العرب (١)، وعلى هذه اللغة يقال في التثنية: أبان، وفي الجمع أبون، ولكن أكثر الاستعمال فيه أن يكون بالحروف، وقد يقال: إن الأصل أبيه وأباه فحذفت الياء والألف للضرورة (٢). الشاهد السابع عشر (٣) , (٤) ١٧ / ظقه إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا أقول: قائله هو أبو النجم، قاله الجوهري (٥)، ويقال: هو رؤبة بن العجاج وليس في ديوانه، وأنشد الجوهري (٦): ١ - وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهًا وَاهًا … هِيَ الْمُنَى لَوْ أَنّنَا نِلْنَاهَا ٢ - يَا لَيتَ عَينَاهَا لَنَا وَفَاهَا … بِثَمَنِ نرضي بِهِ أَبَاهَا ٣ - إِن أَباها وَأَبا أَباها … قد بلغا في المجد غايتاها وأنشد أبو زيد في نوادره (٧) عن المفضل الضبي (٨) قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:

стр. 178

١ - أَيُّ قَلُوص رَاكِبٍ تَرَاهَا … شالوا عَلَيهِنَّ فَشُلْ عَلاهَا (١) ٢ - واشْدُدْ بِمَثْنَي حَقَبٍ حَقْوَاها … نَاجِيَة وَنَاجِيًا أَبَاهَا ٣ - إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها (٢) وهي من الرجز، وفيه الخبن والقطع، والخبن هو حذف الثاني الساكن، والقطع: حذف ساكن السبب ثم إسكان متحركه في الوتد (٣). ١ - قوله: "واهًا" كلمة يقولها المتعجب، قال الجوهري: إذا تَعَجَبتَ مِنْ طِيبِ الشَّيءِ قلتَ: وَاهًا له ما أَطْيَبَهُ (٤)، وكذلك في التفجع وواه أيضًا, قوله: "لريا"، ويروى لليلى، وكلاهما اسم المحبوبة، وريا في الأصل مؤنث الريان الذي هو ضد العطشان، تقول؛ رجل ريان وامرأة ريا، وأصله من رويَ يَرْوَى من باب علم يعلم، ريا أصله: رويا قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. فإن قلت: لم لا تقلب الياء في ريا واوًا؛ لأنهم يقلبون الياء واوًا في فعلى كما في: التقوى والثروى؟ قلت: إنما يفعلون ذلك في فعلى إذا كانت اسمًا كما في المثال المذكور، وإذا كانت صفة تركوها على أصلها، وقالوا: امرأة خزيا وريا، ولو كانت اسمًا. لقالوا: رَوَّى؛ لأنك كنت تبدل الألف واوًا موضع اللام، وتترك الواو التي هي عين الفعل على الأصل، والشاعر أخرجه على الصفة فلذلك قال: ريا، فافهم (٥). ٣ - قوله: "إن أباها"، أي إن أبا ريا المذكورة وَجَدَّها قد بلغا في المجد، وهو الكرم، ومنه المجيد وهو الكريم. يقال: مجد الرجل بضم الجيم فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت (٦): الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد إذا كان له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل نفسه، وإن لم يكن له آباء لهم شرف (٧)، وهذا التفسير على ما ذكره الجوهري من أن قبل البيت: واهًا لريا ثم واهًا واهًا.

стр. 179

وأما على قول من قال: إنه في مدح قلوص كما ذكرنا يكون الضمير في قوله: "إن أباها" للقلوص أي: إن أبا القلوص المذكورة وأبا أباها قد بلغا في المجد؛ أي في شرف الأصالة غايتاها. ١ - [قوله: "فشل علاها" أي عليها، قال سيبويه ﵀ ألف "علا" منقلبة من الواو؛ لأنها تقلب مع الضمير ياء، تقول: عليك، وبعض العرب يتركها على حالها (١)، قال الراجز: أي قلوص راكب إلى قوله: "شالوا علاها" ويقال: هي لغة بلحارث بن كعب (٢) ويقال: طاروا علاهن فطر علاها ومعناهما واحد. يقال: شال يشول إذا ارتفع الأمر، شل بالضم، ويعدى بالهمزة وبالباء فيقال: أشلته وشلتُ به (٣)، والمفعول محذوف تقديره: شالوا علاهن بأرجلهم فشل علاها برجلك. والمعنى: أن الركبان قد رفعوا أرجلهم على قلائصهم، فارفع أنت أيضًا رجليك على قلوصك، و "الحقب" بالتحريك؛ حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذ به التصدير. ٢ - قوله: "حقواها" أي: حقويها وهو تثنية حقو، وهو الخاصرة، ومشد الإزار, قوله: "ناجية" بالنون والجيم، قال الجوهري: والناجية والنجاة: الناقة السريعة تنجو بمن يركبها، والبعير ناج. قال الشاعر: ............................ … ناجية وناجيا أباها (٤) فإن قلت: (ناجية) منصوب بماذا؟ قلت: بمحذوف تقديره: أمدح ناجية، و "أباها" فاعل ناج، وجاء على لغة القصر، أو هو مبني على لغة النقص (٥)، وحذفت النون للإضافة] (٦).

стр. 180

الإعراب: قوله: "لريا" اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره: أتعجب لها, قوله: "ثم واهًا" عطف على "واهًا" الأولى، وقوله: "واهًا" جميد لفظي, قوله: "وفاها" عطف على قوله: "عيناها" قوله: "بثمن" متعلق بقوله: "نُرضي" قوله: "أباها" كلام إضافي مفعول لنرضى, قوله: "إن أباها" إن حرف من الحروف المشبهة بالفعل وقوله: "أباها" اسمه، وقوله: "وأبا أباها" عطف عليه, قوله: "قد بلغا" خبره, قوله: "غايتاها"؛ في تقدير النصب على أنها مفعول بلغا، والضمير فيه رجع إلى رَيّا المذكورة فيما قبل البيت. الاستشهاد فيه: في موضعين: الأول: أنه استعمل الأب مقصورًا، وهو الذي أراده الشراح ها هنا (١). الثاني: فيه استعمال المثنى بالألف في حالة النصب وهو قوله: "غايتاها"، وكان القياس أن يقول: غايَتَيْها، فنسب الكسائي هذه اللغة إلى بلحارث وزبيد وخثعم وهمدان ونسبها أبو الخطاب (٢) لكنانة، ونسبها بعضهم لبلعنبر، وبلجهيم وبطون من ربيعة (٣)، وأنكره المبرد مطلقًا (٤)، وهو مردود بنقل الأئمة أبي زيد وأبي الخطاب وأبي الحسن والكسائي ومما سمع من ذلك قوله: ضربت يداه، ويشهد لذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "مما صنع أبو جهل" (٦)، فانطلق ابن مسعود (٧) فوجده قد ضربه ابنا عفراء (٨)
следующие страницы →