وأخرج البزار (١) في مسنده عن ابن عمر ﵄ قال ذُكر حاتم عند النبي ﷺ ، فقال: "ذاك أراد أمرًا فأدركه" (٢)، والمعنى أن عدي بن حاتم اقتدى بأبيه حاتم الطائي في الجود والكرم فمن يشابه أباه أو يحاكيه في صفاته فما ظلم في هذا الاقتداء؛ لأنه أتى بالصواب ووضع الشيء في محله، والظلم: وضع الشيء في غير محله.
وهذا البيت نظم فيه الشاعر المثل الثائر: "مَن يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ" (٣) واختلفوا في معنى "فما ظلم" في المثل، فقيل: فما وضع الشبه في غير موضعه، وقيل: فما ظلم أبوه حين وضع زرعه حيث أدى إليه الشبه، وقيل إنما الصواب: فما ظلمت، أي: فما ظلمت أمه، أي: لم تزن بدليل مجيء الولد مشابهًا أباه. قاله اللحياني، ويضعف هذين القولين أن اسم الشرط إذا كان مبتدأ فلا بد في الغالب من ضمير يعود من الجزاء إليه (٤)، وهذا البيت يرد قول اللحياني.
الإعراب:
الباء في قوله: "بأبه" تتعلق بقوله: "اقتدى"، وكذا قوله: "في الكرم" قدم الظرف للاختصاص، أي: لم يقتد في الكرم إلا بأبيه.
قوله. "ومن يشابه أبه"، كلمة (من) موصولة في محل الرفع على الابتداء بتضمن معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في خبره، وهو قوله: فما ظلم، وقوله: "أبه": منصوب بقوله: يشابه الذي هو صلة الموصول.
فإن قلتَ: (فمن يشابه) قد روي بالفاء وبالواو، فما حكمهما؟
قلتُ: أما الواو فوجهه ظاهر، وأما الفاء فإن صح فوجهه أن يكون للتعليل (٥).
стр. 177
الاستشهاد فيه:
هو أن الأب قد استعمل فيه في الموضعين بحذف اللام معربًا بالحركات، فهذا لغة بعض العرب (١)، وعلى هذه اللغة يقال في التثنية: أبان، وفي الجمع أبون، ولكن أكثر الاستعمال فيه أن يكون بالحروف، وقد يقال: إن الأصل أبيه وأباه فحذفت الياء والألف للضرورة (٢).
الشاهد السابع عشر (٣) , (٤)
١٧ / ظقه إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا … قَدْ بَلَغَا فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا
أقول: قائله هو أبو النجم، قاله الجوهري (٥)، ويقال: هو رؤبة بن العجاج وليس في ديوانه، وأنشد الجوهري (٦):
١ - وَاهًا لِرَيَّا ثُمَّ وَاهًا وَاهًا … هِيَ الْمُنَى لَوْ أَنّنَا نِلْنَاهَا
٢ - يَا لَيتَ عَينَاهَا لَنَا وَفَاهَا … بِثَمَنِ نرضي بِهِ أَبَاهَا
٣ - إِن أَباها وَأَبا أَباها … قد بلغا في المجد غايتاها
وأنشد أبو زيد في نوادره (٧) عن المفضل الضبي (٨) قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
стр. 178
١ - أَيُّ قَلُوص رَاكِبٍ تَرَاهَا … شالوا عَلَيهِنَّ فَشُلْ عَلاهَا (١)
٢ - واشْدُدْ بِمَثْنَي حَقَبٍ حَقْوَاها … نَاجِيَة وَنَاجِيًا أَبَاهَا
٣ - إن أباها وأبا أباها … قد بلغا في المجد غايتاها (٢)
وهي من الرجز، وفيه الخبن والقطع، والخبن هو حذف الثاني الساكن، والقطع: حذف ساكن السبب ثم إسكان متحركه في الوتد (٣).
١ - قوله: "واهًا" كلمة يقولها المتعجب، قال الجوهري: إذا تَعَجَبتَ مِنْ طِيبِ الشَّيءِ قلتَ: وَاهًا له ما أَطْيَبَهُ (٤)، وكذلك في التفجع وواه أيضًا, قوله: "لريا"، ويروى لليلى، وكلاهما اسم المحبوبة، وريا في الأصل مؤنث الريان الذي هو ضد العطشان، تقول؛ رجل ريان وامرأة ريا، وأصله من رويَ يَرْوَى من باب علم يعلم، ريا أصله: رويا قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء.
فإن قلت: لم لا تقلب الياء في ريا واوًا؛ لأنهم يقلبون الياء واوًا في فعلى كما في: التقوى والثروى؟
قلت: إنما يفعلون ذلك في فعلى إذا كانت اسمًا كما في المثال المذكور، وإذا كانت صفة تركوها على أصلها، وقالوا: امرأة خزيا وريا، ولو كانت اسمًا. لقالوا: رَوَّى؛ لأنك كنت تبدل الألف واوًا موضع اللام، وتترك الواو التي هي عين الفعل على الأصل، والشاعر أخرجه على الصفة فلذلك قال: ريا، فافهم (٥).
٣ - قوله: "إن أباها"، أي إن أبا ريا المذكورة وَجَدَّها قد بلغا في المجد، وهو الكرم، ومنه المجيد وهو الكريم. يقال: مجد الرجل بضم الجيم فهو مجيد وماجد، قال ابن السكيت (٦): الشرف والمجد يكونان بالآباء، يقال رجل شريف ماجد إذا كان له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان في الرجل نفسه، وإن لم يكن له آباء لهم شرف (٧)، وهذا التفسير على ما ذكره الجوهري من أن قبل البيت: واهًا لريا ثم واهًا واهًا.
стр. 179
وأما على قول من قال: إنه في مدح قلوص كما ذكرنا يكون الضمير في قوله: "إن أباها" للقلوص أي: إن أبا القلوص المذكورة وأبا أباها قد بلغا في المجد؛ أي في شرف الأصالة غايتاها.
١ - [قوله: "فشل علاها" أي عليها، قال سيبويه ﵀ ألف "علا" منقلبة من الواو؛ لأنها تقلب مع الضمير ياء، تقول: عليك، وبعض العرب يتركها على حالها (١)، قال الراجز: أي قلوص راكب إلى قوله: "شالوا علاها" ويقال: هي لغة بلحارث بن كعب (٢) ويقال: طاروا علاهن فطر علاها ومعناهما واحد. يقال: شال يشول إذا ارتفع الأمر، شل بالضم، ويعدى بالهمزة وبالباء فيقال: أشلته وشلتُ به (٣)، والمفعول محذوف تقديره: شالوا علاهن بأرجلهم فشل علاها برجلك.
والمعنى: أن الركبان قد رفعوا أرجلهم على قلائصهم، فارفع أنت أيضًا رجليك على قلوصك، و "الحقب" بالتحريك؛ حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذ به التصدير.
٢ - قوله: "حقواها" أي: حقويها وهو تثنية حقو، وهو الخاصرة، ومشد الإزار, قوله: "ناجية" بالنون والجيم، قال الجوهري: والناجية والنجاة: الناقة السريعة تنجو بمن يركبها، والبعير ناج. قال الشاعر:
............................ … ناجية وناجيا أباها (٤)
فإن قلت: (ناجية) منصوب بماذا؟
قلت: بمحذوف تقديره: أمدح ناجية، و "أباها" فاعل ناج، وجاء على لغة القصر، أو هو مبني على لغة النقص (٥)، وحذفت النون للإضافة] (٦).
стр. 180
الإعراب:
قوله: "لريا" اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره: أتعجب لها, قوله: "ثم واهًا" عطف على "واهًا" الأولى، وقوله: "واهًا" جميد لفظي, قوله: "وفاها" عطف على قوله: "عيناها" قوله: "بثمن" متعلق بقوله: "نُرضي" قوله: "أباها" كلام إضافي مفعول لنرضى, قوله: "إن أباها" إن حرف من الحروف المشبهة بالفعل وقوله: "أباها" اسمه، وقوله: "وأبا أباها" عطف عليه, قوله: "قد بلغا" خبره, قوله: "غايتاها"؛ في تقدير النصب على أنها مفعول بلغا، والضمير فيه رجع إلى رَيّا المذكورة فيما قبل البيت.
الاستشهاد فيه:
في موضعين: الأول: أنه استعمل الأب مقصورًا، وهو الذي أراده الشراح ها هنا (١).
الثاني: فيه استعمال المثنى بالألف في حالة النصب وهو قوله: "غايتاها"، وكان القياس أن يقول: غايَتَيْها، فنسب الكسائي هذه اللغة إلى بلحارث وزبيد وخثعم وهمدان ونسبها أبو الخطاب (٢) لكنانة، ونسبها بعضهم لبلعنبر، وبلجهيم وبطون من ربيعة (٣)، وأنكره المبرد مطلقًا (٤)، وهو مردود بنقل الأئمة أبي زيد وأبي الخطاب وأبي الحسن والكسائي ومما سمع من ذلك قوله: ضربت يداه، ويشهد لذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ (٥) قال: قال رسول الله ﷺ : "مما صنع أبو جهل" (٦)، فانطلق ابن مسعود (٧) فوجده قد ضربه ابنا عفراء (٨)
стр. 181
[حتى] (١) برد، فقال له: أنت أبا جهل؟ قال ابن علية: (٢) قال سليم هكذا (٣).
قال أنس ﵁: وهو واضح، وهو مما روي بلفظه لا بمعناه (٤) وهذا يؤيد ما روي عن الإمام أبي حنيفة ﵁ من قوله: "لا وَلَوْ رَمَاهُ بِأَبَا قُبَيْسٍ" حيث لم يقل بأبي قبيس، وأن هذه لغة صحيحة، وأنه ليس بخطأ؛ كما زعم بعض المتعصبين حتى لحنوا الإمام في ذلك بجهلهم وإفراطهم في تعصبهم، ومن شأن المسلم ومقتضى الإسلام أن لا يتكلم في حق إمام من هؤلاء الأئمة؛ ولا سيما الأئمة الأربعة؛ فإنهم من خواص الله تعالى وسرج دينه المتين.
الشاهد الثامن عشر (٥) , (٦)
١٨ / ق ......................... … يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ
أقول: قائله هو رؤبة بنُ العَجَّاج وهو من قصيدة طويلة مرجزة، وأوَّلُهَا قوله:
١ - قلتُ لِزَيرٍ لم تَصْلهُ مريمه … هل تعرف الرَّبعَ المحيل أرسُمُه
٢ - عفت عوافيه وطال قدمه … بل بلدٍ ملءِ الفِجَاج قَتَمُهْ
٣ - لا يشترى كتانه وجَهْرَمُه … يجتاب ضحضاح السراب أَكَمُهُ
٤ - كالحوت لا يُرْويهِ شَيءٌ يَلهَمُهْ … يُصْبحُ ظَمْآنٌ وَفِي الْبَحْر فَمُهْ
٥ - من عطش لوّحه مُسْلَهْممُهْ … والدهر أخنى لا يزال ألمه
٦ - يثلم أركان الشداد ثلمه … أفنى قرونًا وهْوَ باق أزْلَمُهْ
٧ - بذاك باذت عاده وإرمه … .........................
١ - قوله: "لزيرٍ" بكسر الزاي المعجمة؛ وهو الذي يكثر زيارة النساء وخلطتهن.
٢ - [قوله: "قتمه" أي: غباره] (٧).
стр. 182
٣ - قوله: "كتانه" قال ابن يسعون (١): الكتان هنا: السبائب، قلت: هو جمع سبيبة. قال الجوهري: السِّبُّ: شَقَّةُ كِتَّان رَقِيقَةٌ وكذلك السَّبيبَةُ (٢) , قوله: "جهرمه" أصله جهرميته، أراد: الثياب الجهرمية، أي المنسوبة إلى جهرم قرية بفارس (٣)، قال ابن يسعون: الجهرمية: بسط شعر تنسب إلى جهرم، وقال أبو حاتم (٤) والزيادي (٥): الجهرم: البساط من الشعر، والجمع: الجهارم، قلت: فَعَلَى هذا ليس فيه نسب ولا تأويل حذف المضاف، وقال صاحب العين (٦): جعل الجهرم اسمًا بإخراج ياء النسب منه (٧)، وأراد رؤبة بذلك السراب، وبذلك قال لا يشترى, قوله: "يجتاب" أي: يلبس، و"الضحضاح": ماء قريب القعر.
٤ - قوله: "يلهمه"؛ أي: يبتلعه من اللهَّام، فَعَّال من لهمت الشيء ألهمه إذا ابتلعته، ومنه سمي الجيش لهّامًا. قوله: "ظمآن" أي: عطشان، وكذلك وقع في بعض المواضع.
٥ - قوله: "مسْلهممه"، قال الجوهري: الْمُسْلَهِمُّ: المُتَغَيِّرُ في جِسْمِهِ وَلَوْنِهِ، وقد اسْلَهَمَّ لونُه اسْلِهْمَامًا، وَسِلْهِمُ حيٌّ من مذحج بكسر السين (٨). قوله: "أخنى" بالخاء المعجمة، يقال: أخنى عليه الدهر، أي: أتى عليه وأهلكه، ومعناه ها هنا: شديد، ويقال: معوج لا يستقيم.
٦ - قوله: "أزلمه" بالزاي المعجمة؛ وهو الدهر, قوله: "بادت" أي: أهلكت.
الإعراب:
قوله: "يصبح" فعل من الأفعال الناقصة، واسمه هو الضمير المستتر فيه، وخبره قوله: "ظمآن" ومُنِعَ "ظمآن" من الصرف للوصف، والألف والنون المزيدتين, قوله: "وفي البحر فمه" جمله اسمية وقعت حالًا.
стр. 183
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فَمُه" حيث أثبت الشاعر الميم فيه حالة الإضافة، وليس ذلك للضرورة خلافًا لأبي علي ﵀ (١).
الشاهد التاسع عشر (٢) , (٣)
١٩ / هـ طَال لَيْلِي وَبِتُّ بالْمَجْنُونِ … واعْتَرَتْني الهَمُومُ بالْمَاطرونِ
أقول: قائله هو أبو دهبل الخزاعي، واسمه: وهب بن وهب بن زمعة بن أسيد -بكسر الهمزة- بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحي الشاعر المجيد المحسن المداح. وهو من قصيدة نونية، وأولها هو قوله:
١ - طال ليلي وبت بالمجنون … ..............................
وبعده (٤):
٢ - صاحِ حيَّا الإلهُ حيًّا ودورا … عند أصْلِ القَنَاة من جَيْرُونِ
٣ - عن يساري إذا دخلتُ إلى الدَّا … رِ وَإنْ كنت خارجًا فَيَمينِي
٤ - فلتلك اغْتَربْتُ بالشَّام حتى … ظَنَّ أَهلي مُرجّمَات الظُنُونِ
٥ - وَهيَ زَهراءُ مِثلُ لُؤلُؤَةِ الغَوّ … اصِ ميزَت من جَوهَر مَكنونِ
٦ - وإذا ما نَسَبتَها لم تَجدْهَا … في سَناءٍ من المكارِم دُونِ
٧ - تجعل المسك واليلنجوحَ والنَّـ … ـدَّ صَلاءً لها على الكانُونِ
٨ - ثم خَاصَرْتُها إلى القُبَّةِ الخضـ … ـراء تمشي في مَرْمَرٍ مَسْنُونِ
٩ - قبةٌ من مراجل ضربتْها … عند حَدّ الشتاء في قَيْطُون
١٠ - ثم فَارَقْتُهَا على خير ما كا … ن قرينٌ مفارقًا لقرين
стр. 184
١١ - فَبَكَتْ خَشْيَةَ التَّفَرُّقِ للبَيْـ … ــــنِ بكاءَ الحزِينِ إثر الحزين
١٢ - ليت شِعْرِي أَمِنْ هَوًى طَارَ نَوْمِي … أم بَرَانِي رَبِّي قَصِيرَ الجُفُونِ
وسبب ذلك: أن أبا دهبل شبب بعاتكة بنت معاوية حين حجت، ورجع معها إلى الشام فمرض بها وقال ذلك.
ويقال: إن يزيد (١) قال لأبيه معاوية: إن أبا دهبل ذكر رملة ابنتك فاقتله، فقال: أي شيء قال: قال:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوّ … اص ميزت من جوهر مكنون
قال معاوية: ﵁[أحسن، قال] (٢) فقد قال:
وإذا ما نسبتها لم تجدها … في سناء من المكارم دوني
قال: صدق، فقد قال:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضـ … ــــراء تمشي في مرمر مسنون
فقال معاوية: كذب.
وقال ثعلب (٣): حدثنا الزبير (٤) قال: حدثني مصعب (٥) قال: حدثني إبراهيم بن أبي عبد الله (٦) قال: خرج أبو دهبل يريد الغزو، وكان رجلًا صالحًا جميلًا، فلما كان بجيرون جاءته امرأة فأعطه كتابًا فقالت: اقرأ لي هذا الكتاب فقرأه لها، ثم ذهبت فدخلت قصرًا ثم خرجت إليه فقالت: لو تبلغت معي إلى هذا القصر، فقرأت الكتاب على امرأة فيه كان لك في ذلك أجر - إن شاء اللَّه تعالى؛ فإنه أتاها من غائب يَعْنِيهَا أمْرهُ، فبلغ معها القصر، فلما دخله فإذا فيه
стр. 185
جوارٍ كثيرة فأغلقن عليه القصْر، وإذا امرأة وضيئة دعته إلى نفسه فأبى فحبس وضيق عليه حتى كاد يموت، ثم دعته إلى نفسها، فقال: أما الحرام فو الله لا يكون ذلك، ولكن أتزوجك فتزوجته، وأقام معها زمانًا طويلًا لا يخرج من القصر حتى يئس منه، وتزوج بنوه وبناته واقتسموا ماله، وأقامت زوجته تبكي عليه حَتَّى عَمِيَت (١) ثم إن أبا دهبل قال لامرأته: إنك قد أثمت فِيَّ وفي أهلي وولدي فأذَنِي لي في المسير (٢) إليهم وأعود إليك، فأخَذَتْ عليه العهود أن لا يقيم إلا سنة، فخرج من عندها وقد أعطته مالًا كثيرًا حتى قدم على أهله فرأى حال زوجته وما صارت إليه من الضر، فقال لأولاده: أنتم قد ورثتموني وأنا حَيُّ وهو حظكم، والله لا يشرك زوجتي فيما قَدِمْتُ به أحد، فتَسَلَّمَتْ جميع ما أتى به، ثم إنه اشتاق إلى زوجته الشامية وأراد الخروج إليها فبلغَه موتُها، فأقام وقال:
طال ليلي وبت كالمجنون … .......................... إلخ
ويقال هذه القصيدة لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري ﵄ وذهب إليه الجوهري وغيره (٣)، وقال ابن بَرِّي: والصحيح أنها لأبي دهبل الجمحي، والدليل عليه الحكاية المذكورة (٤).
وهي من الخفيف وهو من الدائرة الرابعة المسماة بالمشتبه وهي تشتمل على السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث (٥)، وأصله في الدائرة فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن مرتين، وفيه الخبن والتشعيث [فالخبن في قوله "وبت بال" والتشعيث] (٦) فإنه مفعولن وهو مشعث، وهو إسقاط أحد متحركي الوتد فيصير: فاعاتن (٧)، أو فالاتن، فيرد إلى مفعولن.
٢ - قوله: "صاح" أصله يا صاحبي، و "جيرون" [بفتح الجيم] (٨) وسكون الياء آخر الحروف، وقال الجوهري: الجيرون: باب من أبواب دمشق (٩).
стр. 186
٤ - قوله: "مرجمات الظنون" من الترجيم، والرجم أن يتكلم الرجل بالظن. قال الله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]، قال الجوهري: ومنه الحَدِيثُ المُرَجَّمُ بالتشديد (١).
٧ - قوله: "اليلنجوج" بفتح الياء آخر الحروف واللام وسكون النون وبجيمين بينهما واو ساكنة؛ وهو عود يُتَّبَخّرُ به، وكذلك: يلنجج وألنجج وهو يَفَنْعِل وأفَنْعَل، و "النَّدَّ" بفتح النون وتشديد الدال المهملة، وهو نوع من الطيب وليس بعربي, قوله: "صِلاء" بكسر الصاد وبالمد؛ صلاء النار.
٨ - قوله: "ثم خَاصَرْتُها" من خاصَر الرجلُ صاحَبه إذا أخذ بِيَدِه في المشي، ومادته: خاء معجمة وصاد مهملة. [وراء مهملة] (٢) , قوله: "مسنون" أي: أملس.
٩ - و: "المراجل" جمع مرجل وهو القدر النحاس.
١ - قوله: "بالمجنون" ويروى: كالمجنون، ويروى: كالمحزون، فالأولان من الجِنَّة وهو الجنون والمعنى: بت بالجِنة، ويجيء المصدر على وزن مفعول، كما في قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦] أي الفتنة، والثالث من الحزن وهو الهم.
قوله: "واعترتني" من عراه هذا الأمر إذا غَشِيَه, قوله: "بالماطِرُون" بالميم والطاء المهملة وضم الراء، وهو اسم موضع، وقال أبو الحسن القفطي (٣): الماطرون: بستان بظاهر دمشق، وقال الجوهري: الناطرون موضع بناحية الشام، وذكره بالنون موضع الميم (٤)، وفي شرح كتاب سيبويه: الماطرون بالميم وطاء مفتوحة، والمشهور أن الماطرون بالميم وكسر الطاء (٥).
стр. 187
الإعراب:
قوله: "طال" فعل ماض و "لَيْلِي" كلام إضافي فاعله, قوله: "وَبِتُّ بالمجنون" جملة وقعت حالًا، وقد عُلِمَ أن الحال إذا كانت مصدرة بفعل ماضٍ فهي على سبعة أضرب منها: أن تكون مقرونة بالواو، وحدها كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] وقوله: "وبت بالمجنون" من هذا القبيل (١).
قوله: "واعترتني الهموم" جملة من الفعل والمفعول والفاعل، وهو الهموم، وهي معطوفة على الجملة الأولى. قوله: "بالماطرون" متعلق بقوله: "واعترتني" والباء فيها ظرفية أي: فيها.
الاستشهاد فيه:
قوله: [بالماطرون فإنه] (٢) جمع مسمًّى به، وفي الجمع المسمى به أربعة أوجه (٣): وجهان فصيحان ووجهان ضعيفان، وأفصح الفصيحين الحكاية؛ كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩، ١٨].
والثاني من الفصيحين: التزام الياء وإعرابه بالحركات؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦].
وأضعف الضعيفين: التزام الواو وفتح النون على حكاية حالي الرفع التي هي أشرف أحوال الاسم، وعلى ذلك قولهم: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان، وقراءة بعضهم: (تبت يدا أبو لهب) (٤)، وقوله: "بالماطرون".
وأسهلهما: التزام الواو والإعراب بالحركات تشبيهًا لها بالزيتون ونحوه من الأسماء المفردة التي آخرها واو ونون.
стр. 188
الشاهد العشرون (١)، (٢)
وَلَهَا بِالْمَاطِرُون إذا … أكلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا
أقول: قائله هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأُمَويّ، وهو من قصيدة عَينيَّةٍ يتغزل بها يزيد بن معاوية في نصرانية كانت قد ترهبت في "دير خَراب" عند الماطرون، وهو بُستَانٌ بظاهر دمشق، ويسمى اليوم (المنطور)، وأولها (٣):
١ - آَبَ هَذَا اللَّيلُ فَاكْتَنَعَا … وَأُمِرَّ النومُ فَامْتَنَعَا
٢ - رَاعِيًا للنَّجْم أَرقُبُهُ … فإذا ما كوكبٌ طَلَعَا
٣ - حَال حَتَّى إنَّنِي لأَرَى … أَنَّهُ بالفَوْر قَدْ رَجَعَا
٤ - وَلَهَا بِالْمَاطِرُون إذا … أكلَ النَّملُ الَّذِي جَمَعَا
٥ - خُرفةٌ حِتَى إذا ارتبَعْتْ … سكنت من جِلَّق بِيَعا
٦ - في قِبَاب حَوْلَ دَسْكِرة … حَوْلَهَا الزيتونُ قَدْ يَنَعَا
وهو من الرمل، وهو من الدائرة الثالثة المسماة بدائرة المجتلب، وهي تشتمل على الهزج والرمل والرجز (٤)، وأصله في الدائرة "فاعلاتن" ست مرات، وفيه الخبن والحذف فإن قوله: "ولها بال" فعلاتن مخبون، وقوله: "ماطرو" فاعلن محذوف؛ وقوله: "ن إذا" فعلن مخبون محذوف وكذا الشطر الثَّاني.
١ - قوله: "آب" أي: رجع، قوله: "فاكتنعا" أي: قرب؛ من كنع الأمر إذا قرب، ومادته كاف ونون وعين مهملة.
٥ - وقوله: "خرفة" قال الخطابي (٥): الخرفة تقع على كل ما يُجْتَنَى من النبات والثمار
стр. 189
وغيرها، وقال ابن القوطية (١): الرّواية هي: الخلفة باللام وهو ما يطلع من الثمر بعد الثمر الطيب والخرفة: ما يخترف من الثمر؛ أي: يجتنى، قوله: "ارتبعت" من ارتبع البعير إذا أكل الرَّبيع، وارتبعنا في موضع كذا؛ أي أقمنا به في الربيع، قوله: "من جلق" بكسر الجيم وتشديد اللام وفي آخره قاف؛ وهو موضع بالشام، وسوق الجلق بدمشق مشهور، قوله: "بيعا" بكسر الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف، وهو جمع بيعة. قال الجوهري: البيعة بالكسر للنصارى، قلت: البيعة لليهود، والكنيسة للنصارى (٢).
٦ - قوله: "في قباب" بكسر القاف؛ جمع قبة، و "الدَّسكرة" بفتح الدال؛ بناء على هيئة القصر فيه منازل وبيوت للخدم والحشم، وليست بعربية محضة، قوله: "ينعا" بفتح الياء آخر الحروف ثم النون من: ينع الثمر يينع من باب: ضرب يضرب ينعًا ويُنعا وينوعًا إذا نضج وكذلك أينع.
الإعراب:
قوله: "ولها" الضمير يرجع إلى النصرانية التي يتغَزَّل بها الشاعر، وهو في محل الرفع على أنَّه خبر مبتدأ مذكور في البيت الذي يليه، وهو قوله: "خرفة".
قوله: "بالماطرون"؛ أي: في الماطرون، والباء ظرفية ومحلها الرفع؛ لأنها صفة لخرفة، والتقدير: خرفة كائنة بالماطرون لها (٣)، قوله: "إذا" للوقت، والتقديرُ: لها خرفة وقت أكل النمل الذي جمعه، وأراد به أيَّام الشتاء؛ فإن النمل يخزن ما يجمعه تحت الأرض ليأكله أيَّام الشتاء لأنها لا تخرج أيَّام الشتاء على وجه الأرض.
قوله: "النَّمل" فاعل أكل، و "الذي" موصول و "جمعا" صلته، والموصوف والعائد محذوفان، تقديره: الشيء الذي جمعه، والألف للإطلاق.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بالماطرون" حيث نزل منزلة الزيتون في إلزامه الواو وإعرابه بالحروف، وقد مر
стр. 190
تحقيق الكلام فيه في البيت السابق (١).
الشاهد الحادي والعشرون (٢)، (٣)
........................ … خَالطَ مِنْ سَلْمَى خَيَاشِيمَ وَفَا
أقول: قائله هو العجاج والدُ رُؤبة، وهو من قصيدته المرجوزة الطويلة التي ذكرنا عدة أبيات عند قوله (٤):
١ - مِن طَلَل أمَسَى يُحَاكِي المُصْحَفَا … رُسُومَه والمذهب المزخرفا
إلى أن قال:
٢ - فعمها حولين ثم استودفا … صهباء خرطومًا عقارًا قرقفَا
٣ - فشن في الإبريق منها نُزَفا … من رصف نازع سيلًا رصفا
٤ - حتَّى تناهى في صهاريج الصفا … .......................
قوله: "خالط" من المخالطة، و "سلمى" اسم امرأة، و "الخياشيم" جمع خيشوم وهو الأنف، قوله: "وفا" أي: وفمها، يصف الراجز عذوبة ريقها؛ كأنه عقار خالط خياشيمها وفاها، وأصل الفم فوه؛ لقولك في الجمع أفواه، فحذفت منه الهاء وأبدل من الواو ميم ليصح تحريكها في الإعراب، فإذا أضفته رددته إلى الأصل فقلت: أفوه وفاه وفيه، ولا يستعمل هكذا إلَّا مضافًا (٥) وأمَّا قول العجاج: "وفا" بدون الإضافة فإنَّه حذف المضاف إليه للعلم به (٦).
وقال أبو علي في التذكرة: الألف في "فا" عين الفعل وليست بدلًا من التنوين (٧)، وفي شرح كتاب سيبويه: حكم ألف "فا" أن تكون بدلًا من التنوين، والمنقلبة من العين سقطت لالتقاء الساكنين؛ لأنَّه الساكن الأول، وبقي الاسم على حرف واحد وجاز هذا في الشعر للضرورة.
стр. 191
الإعراب:
قوله: "خالط": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر الذي يرجع إلى العقار، وقوله: "خياشيم": مفعوله، وقوله: "وفا" عطف عليه، والتقديرُ: خياشيمها وفاها، وقوله: "من سلمى": بيان لصاحب الخياشيم والفم.
الاستشهاد فيه:
أن أصل "فا" فاها؛ أي: فمها كما ذكرنا وقال محمد بن يزيد: كثير من النَّاس نسبوا العجاج فيه إلى اللحن، وهو ليس عندي بِلاحِنٍ؛ لأنَّه حيث اضطر أتى به في قافية لا يلحقه تنوين، ومن كان سرى تنوين القوافي لم ينون هذا (١)، وقال شارح الكتاب: القول فيه أنَّه أجراه في الإفراد مجراه في الإضافة للضرورة.
الشاهد الثاني والعشرون (٢)، (٣)
والله أسماكِ سُمًا مُبَارَكًا … آثَرَك الله بهِ إيثاركا
أقول: قائله أبو خالد القناني (٤) الراجز، والقناني بالقاف والنون نسبة إلى قنان بن سلمة، وهو في مذحج من قولهم: قن في الجبل إذا صار في قَنَّتِهِ.
وهو من الرجز المسدس وفيه الطي والخبن.
قوله: "أسماك" بمعنى سماك، ويروى: والله سَمَّاك، قوله: "سُمًا" بضم السِّين على وزن هُدًى.
قوله: "آثرك الله"؛ أي: اختصك الله به؛ أي: بالاسم المبارك. قال ابن جني في شرح إصلاح المنطق (٥) قوله: "آثرك الله إيثارك"؛ أي: آثرك بالتسمية الفاضلة كما آثرك بالفضل وقيل: إيثارك للمعالي وللذكر الحسن.
стр. 192
الإعراب:
قوله: "والله" مبتدأ، و "أسماك" جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبره، قوله: "سمًا" مفعول ثانٍ لأسماك، و "مباركًا" صفته، قوله: "آثرك الله" جملة من الفعل والفاعل والمفعول وبه يتعلق بآثرك، والضمير يرجع إلى "سما".
قوله: "إيثاركا" نصب بنزع الخافض؛ أي: كإيثاركا، والمصدر مضاف إلى مفعوله، وطوي ذكر الفاعل، والتقدير: آثرك الله بالاسم المبارك كإيثاره إياك.
فإن قيل: "آثرك الله" ما وجه ارتباطها بما قبلها؟
قلت: هي جملة كاشفة معنى المبارك، فلذلك تكون كالصفة، ولهذا ترك العاطف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "سمًا" فإنَّه استشهد به من يحكي اللغة الخامسة في الاسم، وذلك لأنهم نقلوا خمس لغات: اسم -بكسر الهمزة وهو أشهرها، واسم بضمها، وسِمٌ بكسر السِّين، وسُم بضمها، واللغة الخامسة هي: سُمًى على وزن هدًى (١)، حكاها من يستشهد بالبيت المذكور (٢)، ولكن لا يتم به دعواه؛ لاحتمال أن يكون هذا على لغة من قال: "سُم" بضم السِّين ثم نصبه مفعولًا ثانيًا لأسماك كما قلنا (٣).
وفي شرح كتاب سيبويه أنَّه قد يكون (سمًا) في البيت غير المقصود سيكون ألفه ألف التنوين بدليل رواية: سِمًا فيه بالكسر.
الشاهد الثالث والعشرون (٤)، (٥)
وَكَانَ لَنَا أبو حَسَنٍ عَلِيٌّ … أبًا برًّا ونحنُ لَهُ بنينُ
أقول: قائله هو أحد أولاد علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 193
وهو من الوافر، وعروضه وضربه مقطوفان وأراد بأبي الحسن علي بن أبي طالب … رضي الله تعالى عنه.
الإعراب:
و"كان" من الأفعال الناقصة، و "أبو حسن" اسمه، و "أبًا" خبره، وقوله: "لنا" نعت لـ (أبًا) فلما تقدم عليه صار حالًا و "برًّا" صفة لـ (أبًا)، وقوله: "علي" عطف بيان وهو من عطف الاسم على الكنية؛ كقوله: أبو حفص عمر.
قوله: "ونحن" مبتدأ، وقوله "بنين" خبره، والمعنى: بنين أبرار، فحذف الصفة لفهم المعنى، ولولا هذا لم يكن له فائدة؛ لأنَّه معلوم من الأول.
قوله: "له" في محل الرفع صفة لبنين، والتقديرُ: ونحن بنون كائنون له؛ أي لأبي الحسن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بنين" حيث أجراه الشاعر مجرى غسلين، فأجرى الإعراب على النون حيث رفعها؛ لأنها خبر عن قوله ونحن، والقياس: له بنون (١).
الشاهد الرابع والعشرون (٢)، (٣)
كِلاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَريُ بَينَهُمَا … قَدْ أَقْلَعَا وكِلا أَنْفَيهمَا رَابِي
أقول: قائله هو الفرزدق، وقد ترجمناه فيما مضى، وبعده (٤):
٢ - مَا بَالُ لَوْمَكَهَا إِذْ جِئْتَ تَعْتُلها … حين اقتحمتَ بها أُسْكفَّة البَابِ
وهما من البسيط وقافيته من المتواتر (٥)، وقد دخله الخبن والقطع.
قوله: "كلاهما" يعني: كلا الفرسين، قوله: "حين جد الجري"؛ أي: حين اشتد الجري وقوي لين الفرسين المذكورتين وهذا من الإسناد المجازي (٦)، وأصله: جدًّا في الجري؛ أي: اجتهدا فيه.
стр. 194
قوله: "قد أقلعا" أي قد كفا عنه، يقال: أقلع عن كذا إذا كف عنه وامتنع، قوله: "رابي" اسم فاعل من ربا يربو ربوًا وهو النَّفَسُ العالي، يقال: ربا إذا أخذه الربو، وَرَبا الْفَرَسُ إذا انتفخ من عدو أو فزع، قال بشر بن أبي حازم (١):
كَأَنَّ حَفِيفَ منْخَرِه إِذَا مَا … كَتَمنَ الرَّبْوَ كِيرٌ مُستَعار (٢)
وهو من الوافر، والربو في الأصل الزيادة، ومنه: الربا لأن فيه فضلًا، وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] أي: زائدة (٣).
قوله: "تعتلها" من عَتَلَهُ إذا حمله حملًا عَنِيفًا، وقال ابن دريد: إذا جَذَبَهُ جَذْبًا عَنِيفًا (٤)، وقال صاحب العين: إذا أخذ بتلبيبه فجرَّ وذهب به (٥)، ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ [الدخان: ٤٧].
قوله: "اقْتَحَمتَ بِهَا" من اقْتَحَمَ المنْزِلَ إِذَا هَجَمَهُ، و "أُسكفَّة" بضم الهمزة وتشديد الفاء؛ العتبة السفلى.
الإعراب:
قوله: "كلاهما" مبتدأ، وخبره قوله: "قد أقلعا" وهو العامل في قوله: حين جد الجري، و "الجري" بمعنى الجريان يجوز أن يكون مرفوعًا بقوله: "جد" الذي هو فعل ماض من جد يَجُد من باب نصر ينصر، ويجوز أن يكون مجرورًا بالإضافة على أن يكون الجد مصدرًا، والعامل [في] (٦) بينهما هو قوله: "جَدَّ" في الحالتين.
قوله: "وكلا أنفيهما" كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "رابي" خبره، والجملة حالية.
стр. 195
الاستشهاد فيه:
في موضعين:
الأول: أنَّه اعتبر معنى (كلا) وثنى الخبر؛ حيث قال: "أقلعا".
الثَّاني: أنَّه اعتبر لفظ "كلا" ووحد الخبر حيث قال: "رابي".
ويقال: فيه استشهاد آخر حيث قال: "أنفيهما" ولم يقل آنافهما على الأفصح مثل قوله تعالى: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
قلت: فيه نظر من وجهين:
الأول: أنَّه لو قال آنافهما لخرج الكلام عن الوزن.
والثاني: أنَّه ذكر على الأصل؛ لأنَّ الفرسين ليس لهما إلَّا أنفان، وذكر الآناف وإرادة الأنفين مجاز، والأصل ترك المجاز إلَّا لنكتة، فافهم (١).
الشاهد الخامس والعشرون (٢)، (٣)
في كِلْتَ رِجلَيهَا سُلامَى وَاحِدَهْ … ..........................
أقول: قائله راجز من الرجاز لم أقف على اسمه، وتمامه:
......................... … كِلْتاهُمَا مَقْرُونَةٌ بزَائِدَهُ
وهو من الرجز المسدس.
قوله: "في كلتا رجليها"؛ أي: "في أحد رِجلَيهَا سُلامَى"، بضم السِّين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم؛ وهي واحدة السلاميات، وهي العظام التي تكون بين مفصلين من مفاصل الأصابع في اليد والرجل.
الإعراب:
قوله: "سُلامى" مبتدأ و "واحده" صفَتُه، وخبره قوله: "في كلتا رجليها".
стр. 196
الاستشهاد فيه:
في قوله: "في كلت" استدل به البغداديون أن "كلت" تجيء للواحدة، وكلتا للمثناة (١)، ويقال: أراد الشاعر في كلتا رجليها، فحذف الألف في "كلتا" كما قال الشاعر (٢):
دَرَسَ المَنَا بمُتَالِعَ فَأبَان … .................. (٣)
أراد المنازل فحذف بعض الكلمة وهو شاذ نادر، و "متالع وَأبان" جبلان، وتحقيق هذا الموضوع أن "كلا" في تأكيد الاثنين نظير "كل" في المجموع، وأنه اسم مفرد غير مثنى.
وقال الفراء: هو اسم مثنى مأخوذ من "كل" فخففت اللام وزيدت الألف للتثنية، وكذلك كلتا للمؤنث، ولا يكونان إلَّا مضافين، ولا يتكلم منهما بواحد، ولو تكلم به لقيل: كل، وكلت، وكلان، وكلتان، واحتج الفراء بالبيت المذكور أنها تجيء للواحد.
وهذا القول ضعيف عند البصريين؛ لأنَّه لو كان مثنى لوجب أن ينقلب ألفه في النصب والجر ياءً مع الاسم الظاهر، ولأن معنى كلا [مخالف لمعنى كل؛ لأنَّ كلا] (٤) للإحاطة، وكذا يدل على شيء مخصوص.
وأمَّا البيت فإن شاعرهُ قد حذف الألف للضرورة، وقدر أنها زائدة، فلا يجوز الاحتجاج به، فثبت أن "كلا" اسم مفرد كمعًى، إلَّا أنَّه وضع ليدل على التثنية؛ كما أن قولهم: "نحن" اسم مفرد يدل على الاثنين فما فوقهما (٥).
стр. 197
وأما "كلتا" فقد قال سيبويه: إن ألفها للتأنيث، والتاء بدل من لام الفعل وهي واو، والأصل: كِلوا، وإنما أبدلت تاء؛ لأنَّ في التاء علم التأنيث، وقد تصير هذه الألف تاءً مع المضمر فيخرج عن علم التأنيث فصار في إبدال الواو تاء تأكيد للتأنيث (١).
وقال الجرمي: التاء ملحقة والألف لام الفعل، وتقديرها عنده: فعتل، وليس الأمر كذلك؛ إذ لو كان كذلك لقالوا في النسبة إليها كلتوي، فلما قالوا: كلوي وأسقطوا التاء دل [على] (٢) أنهم أجروها مُجْرَى التاء التي في أخت إذا نَسَبتَ إليها قلت: أخوي (٣).
الشاهد السادس والعشرون (٤)، (٥)
تلاعب الريح بالعصرين قسطله … والوابلون وتهتان التجاويد
أقول: قائله هو أبو صخر (٦) واسمه عبد الله بن مسلم السهمي الهذلي، شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأمويَّة، وكان مواليًا لبني أميَّة متعصبًا لهم، وحبسه ابن الزُّبير (٧) - رضي الله [تعالى] (٨) عنهما - إلى أن قتل، وهو من قصيدة دالية أولها:
١ - عَرَفْتُ بن هنْدَ أطلالًا بِذِي التُّودِ … قَفْرًا وَجَاراتِها البِيضِ الرَّخاويد
٢ - وَحشًا سِوَى زَجَل القُمريّ كُلِّ ضُحَى … والمطفِلاتِ وَفُرَّاد مَوَاحِيدِ
٣ - وَغَيرَ أشعثٍ قَد بَلَّ الزَّمَانُ بِهِ … مُقَلَّدٍ في حَديدِ التقريب مَوتُودِ
٤ - يَرمِي بِدِق رَغَام الترب مصطبرًا … والجلِّ كُلَّ غَدَاة من حَصَا البيدٍ
٥ - وَصَفَّ أَحْدَبَ شقَّته وليدتُهَا … تُبَادِرُ السَّيلَ بالمسحَاة مَخْدُودِ
стр. 198
٦ - وغيرَ وتْرٍ ظُؤَار حَوْلَ مُلتَبدٍ … هَابي الرّوَاكد من دَفَع الذَّكَا سُودِ
٧ - مَحَا مَغَانيهُ جَولانُ منتَخلٍ … يَشتنُّ ريعانه بالموزِ مطرود
٨ - تلاعب الريح بالعصرين قَسطَلَه … والوابلون وتهتانُ التَّجاويد
وهو من البسيط وفيه الخبن.
١ - قوله: "أطلالًا": جمع طلل؛ وهو ما شخص من آثار الدار، قوله: "بذي التود" بضم التاء المثناة من فوق وسكون الواو وفي آخره دال مهملة؛ وهو شجر، وذو التود: موضع سمي بهذا الشجر، ويروى بذي البيد بكسر الباء الموحدة.
قوله: "وجاراتها"؛ أي: وجارات هند، وهو جمع جارة، و "البيض" بكسر الباء الموحدة جمع بيضاء، و "الرخاويد": جمع رِخْوَدّة بالخاء المعجمة، ومعناها: الرخصة الناعمة.
٢ - قوله: "والمطفلات" جمع مطفل، وهي الظبية معها (١) طفلها، وهي قريبة عهد بالنتاج، وكذلك الناقة، والقياس في جمع مطفل: مطافيل (٢)، "فُرَّاد" بضم الفاء وتشديد الراء جمع فارد، بمعنى منفرد، و "المواحيد" جمع ميحاد، والميحاد من الواحد كالمعشار من العشرة.
٣ - قوله: "وغير أشعث" بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة؛ وهو الوتد، ولهذا وصفه بقوله: موتود، وهو من وتدت الوتد إذا دققته في الأرض، قوله: "قد بل الزمان به"؛ أي: ظفر الزمان به، يقال: بللت برجل صدق؛ أي: ظفرت به.
٤ - قوله: "بِدقّ رَغَام التراب"؛ أي: بدقاقه، والرغام -بفتح الراء والغين المعجمة-: التُّراب، وصحت إضافته إلى التُّراب لاختلاف اللفظين، والجل بكسر الجيم وتشديد اللام؛
стр. 199
جلال التُّراب، والبيد بكسر الباء جمع بيداء.
٥ - قوله: "مخدود" بالخاء المعجمة؛ أي محفور.
٦ - قوله: "ظؤار" بضم الظاء المعجمة وفتح الهمزة وفي آخره راء؛ وهي الأثافي، سميت بذلك لتعطفها على الرماد، والملتبد: شجرة كثيرة (١) الأوراق، و"الرواكد": الرياح الساكنة من ركدت إذا سكنت، و "الذّكا" بالذال المعجمة؛ مقصور من ذكت النَّار تذكو أي: اشتعلت، و "السفع" بالضم؛ السود تضرب إلى العمرة، ومنه تسمى الأثافي سفعًا؛ لأنَّ النَّار سفعتها.
٧ - قوله: "مغانيه" أي منازله، وأراد بالمنتخل: انتخال الودق والثلج، و "وريعان" الشيء: أوله، و "المنثور" بضم الميم؛ الغبار بالريح.
٨ - وقوله: "بالعصرين" أراد بهما الغداة والعشي، قوله: "قسطله" بالقاف وبالسين وبالصاد أيضًا، وهو الغبار، وجاء فيه القسطال؛ كأنه ممدود منه مَع قِلّة فِعلال من غير المضاعف، وقال (٢) أوس بن حجر يرثي رجلًا (٣):
ولَنِعْمَ وفْدُ الْقَوم يَنتِظِروُنَهُ … ولَنِعمَ حشْوُ الدِّرع والسِّربَالِ
ولَنعْمَ مَثوَى المستضيفَ إذا دعَا … وَالخيلُ خَارجَةٌ من القَسطَال
[من الكامل] (٤).
قوله: "والوابلون" جمع وابل. قال الجوهري: والوابل: المطر الشديد، وقد وبلت السماء
стр. 200
تبل والأرض موبولة (١). قال الأخفش: ومنه قوله تعالى: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]، أي شديدًا (٢)، وضرب وبيل وعذاب وبيل؛ أي: شديد، وقال البعلي (٣): قالوا للمطر الذي يعظم شأنه ويعم نفعه وابلون.
قوله: "وتهتان التجاويد" التهتان بتاءين مثناتين من فوق مفتوحتين بينهما هاء ساكنة؛ نحو من الديمة. قال أبو زيد (٤) وأنشد (٥):
يَا حَبَّذَا نَضْحُك بِالمشافر … كأنَّه تَهتَانُ يَوْم مَاطِر
من الرجز، وقال النضر بن شميل (٦): التهتان مطر ساعة ثم يفتر ثم يعود، وأنشد للشماخ (٧):
أَرْسَلَ يَوْمًا دِيمةً تهْتَانَا … سيلِ المتان يَمْلأُ القُربَانَا (٨)
والتهتان ها هنا مصدر على وزن تَفْعَال بفتح التاء للمبالغة كالتَرْدَاد والتَجْوَال، وكل ما جاء من هذه الصيغة فهو بالفتح إلَّا كلمتين جاءَتَا بالكسر وهما: تِبيَان وتِلْقَاء (٩)، يقال: هتن المطر والدمع يهتن هتنًا وهتونًا وتهتانًا إذا قطر، وسَحَابٌ هاتِنٌ وسَحَائِبُ هُتَّن نحو: رَاكِعٌ وَرُكَّعٌ، وسحاب هَتُون، والجمع هُتُن مثل عمود وعُمُدُ، و "التجاويد" أصله: الأجاويد جمع: أجواد، جمع: جود وهو المطر، والمعنى: وقطر الأمطار.
стр. 201
الإعراب:
قوله: "تلاعب" فعل، و: "الريح" فاعله (١)، وقوله: "قسطله" كلام إضافي مفعوله والباء في "بالعصرين" ظرفية تتعلق بتلاعب، قوله: "والوابلون" عطف على قوله الريح، و "وتهتان التجاويد" كلام إضافي عطف على "الوابلون".
فإن قيل: كيف إضافة التهتان إلى التجاويد؟
قلت: إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى وقطر التجاويد وسيلانها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والوابلون" فإنَّه جمع وابل، وقد جمعه في الشعر بالواو والنون مع أنَّه ليس بعَلَم ولا صفة ولا مسماه عاقل (٢).
الشاهد السابع والعشرون (٣)، (٤)
مِنَّا الذِي هو مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ … والعَانسُونَ ومِنَّا المُردُ والشِّيبُ
أقول: قائله هو أبو القيس بن رفاعة الأنصاري (٥)؛ كذا قاله ابن السيرافي (٦) في شرح أبيات الإصلاح لابن السكيت، وقال البكري (٧): اسمه دثار وهو من شعراء يهود، وقال أبو عبيدة:
стр. 202
أحسبه جاهليًّا، وقال القاضي (١) في أماليه: هو قيس بن رفاعة، وقال الأصبهاني (٢): قائل هذا البيت أبو قيس بن الأسلت الأوسي في حديث ثعلب واسمه: دثار (٣).
وهو من البسيط وفيه الخبن.
قوله: "طرد شاربه" بفتح الطاء، معناه: نبت شاربه، قيل: كثير منهم ينشدونه بضم الطاء وهو خطأ؛ لأنَّ طُرَّ بالضم معناه قطع، ومنه طر النَّبَات، قلت: المخطئ مخطئ؛ لأنَّ الصاغاني (٤) حكى في العباب أن طر بالضم في طر الشارب لغة.
قوله: "والعانسون" جمع عانس، وهو من بلغ حد التزوج ولم يتزوج مذكرًا كان أو مؤنثًا، و "المُردُ" بضم الميم؛ جمع أمرد، و "الشّيب" بكسر الشين المعجمة، جمع أشيب، وهو المبيض الرأس.
الإعراب:
قوله: "الذي" مبتدأ، وخبره مقدم هو قوله: "منا"، وقوله: "هو ما إن طر شاربه" صلة الموصول، وكلمة "ما" بمعنى حين. قاله ابن السكيت. قال معناه: حين طر وزيدت "إن" بعدها لشبهها في اللفظ بما النافية كما في قول الشاعر (٥):
وَرَجِّ الفَتَى لِلْخَيرِ مَا إِنْ رَأَيتَهُ … ...................... (٦)
وقال بعض الفضلاء: الأولى أن تكون (ما) نافية؛ لأنَّ زيادة (إن) حينئذ قياسية (٧).
стр. 203
قلتُ: نظر ابن السكيت إلى لزوم الفساد في الذهاب إلى هذا؛ وذلك لأنَّ ذكر المُرد بعد ذلك لا يحسن؛ لأنَّ الذي لم ينبت شاربه أمرد، ومن هنا قيل: إن في هذا الشعر عيبًا؛ لأنَّ الذي ما طر شاربه لا يضاد المرد، والعانسون لا يضاد الشيب، وإذا لم تكن الأقسام متقابلة كانت القسمة باطلة، وقوله: "شاربه" فاعل طر، و "العانسون" عطف عليه، قوله: "ومنا المرد" جمله اسمية من المبتدأ وهو المرد، وخبره وهو قوله: "منا"، والشيب عطف على قوله: "المرد"، والتقدير: ومنا الشيب.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والعانسون" فإن الكوفيين جوزوا جمع الصفة بالواو والنون مع كونها غير قابلة للتَّاء محتجين بهذا. وعند الجمهور فيه شذوذان:
الأول: إطلاق العانس على المذكر، وإنَّما الأشهر استعماله في المؤنث.
والثاني: جمعه بالواو والنون (١).
الشاهد الثامن والعشرون (٢)، (٣)
دَعَانِي منْ نَجْدٍ فَإن سِنِينَهُ … لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وَشَيَّبنَنَا مُرْدَا
أقول: قائله هو الصِّمة بن عبد الله بن الطفيل بن قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير ابن قشير بن كعب بن ركعة بن عامر، شاعر إسلامي بدوي مقل، من شعراء الدولة الأموية، ولجده قرة بن هبيرة صحبة للنبي ﷺ ، وهو أحد وفود العرب عليه، وكان الصمة يَهْوَى بِنْتَ عَمٍّ له دنية أوثر عليه في تزويجها غيره؛ لأنَّ عَمَّهُ لَؤُمَ في المهر واشتط فيه، ولؤم أبوه في إكماله، فأنف الصمة من فعلهما وخرج إلى طبرستان، وهي مقر الدولة فأقام بها حتَّى مات، وخبره مشهور، والبيت، المذكور من قصيدة أولها هو قوله:
стр. 204
١ - خَليلَيَّ إن قَابَلْتُمَا الهَضْبَى أَوْ بَدَا … لَكُم سَنَدَ الْوَركَاء أن تَبكيَا جَهْدَا
٢ - سَلا عبدًا لعلي حيث أَوْفَى عَشِيَةً … خزَازي ومد الطرف هل أنسى النَّجْدَا
٣ - فما عنَّ قِلَى للنجد أصبحت ها هنا … إلى جبل الأوشال مُسْتَخْبيًا بُردَا
٤ - دَعَاني من نجد فإن سنينَه … لعبن بنا شيبًا وشيبننا مُردا
٥ - لَحَا الله نجدًا كَيفَ يَتْرُكُ ذَا النَّدى … بَخيلًا وحُرَّ الناسِ تحسَبُه عَبدَا
٦ - عَلَى أَنَّ نجدًا قَدْ كَسَاني حُلَّةً … إِذَا مَا رَآنِي جاهلٌ ظَنَّنِي عبدَا
٧ - سَوَادًا وأَخْلاقًا من الصُّوف بَعدَمَا … أَرَانِي بنَجدٍ نَاعِمًا لابسًا بُردَا
٨ - سَقَى الله نَجْدًا من ربيع وَصَيِّفٍ … وماذا تُرجي من ربيع سقى نجدًا
٩ - ألم تر أن الليلَ يقصُر طوله … بنجد ويزدادُ النّطافُ به بُردَا
١٠ - عَلى أنَّه قد كان للعين قُرَّة … وللبيض والفتيان منزله حَمْدَا
وإنَّما قال هذه الأبيات، وقد اشتاق إلى ذي الود من وطنه بنجد، وهي من الطَّويل معروف، وفيه القبض.
١ - قوله: "الهَضْبُ" بفتح الهاء وسكون الضَّاد المعجمة، وهو موضع معروف، و "الوركاء" هضبة شمال يذبل؛ وهو جبل، والجمع ورك. هكذا قال أبو علي الهجري في نوادره (١).
٢ - وقوله: "سلا عبدًا لعلي" أصله عبد الأعلى، قوله: "خزازي" بالخاء المعجمة والزاءين المعجمتين، وهو اسم جبل توقد عليه العرب نار الغارة.
٣ - قوله: "الأوشال" جمع وشل بالتحريك؛ وهو الماء القليل، ووشل اسم جبل عظيم بناحية تهامة، وفيه مياه عذبة، قوله: "مستخبيًا بردًا" أي متخذه خباءً.
٤ - قوله: "دعاني"؛ أي: اتركاني؛ يخاطب خليليه، ومن عادة العرب أنهم يخاطبون الواحد بصيغة التثنية؛ كما في قول امرئ القيس (٢):
стр. 205
قفَا نَبكِ من ذِكْرَى حَبِيب وَمَنْزلٍ … .................................
فإن (قفا) صيغة تثنية يخاطب بها الواحد، وكذلك ها هنا (دعاني) صيغة تثنية يخاطب بها الواحد وهو صاحبه وخليله، [وأصله] (١) من يدع دع أي اترك، وهذا فعل قد أمات العرب استعمال ماضيه، فلا يقال: ودع، وهذا قول الجمهور من أهل الأدب (٢).
ولكن قد جاء استعماله في القرآن على قراءة من قرأ ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف (٣)، وروى بعضهم ذراني موضع دعاني ومعناهما واحد، وهو أيضًا أمر من يذر معناه يترك، ويجوز أن يراد به التأكيد؛ لأنهم يخاطبون الواحد بصيغة التثنية للتأكيد ومعناه: [دعني دعني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] ومعناه] (٤) ألق ألق (٥).
قوله: "من نجد" النجدُ اسم للبلاد التي أعلاها تِهامَة واليمنُ، وأسفلُها العراقُ والشامُ، وأولها من ناحية الحجاز ذاتُ عرق إلى ناحية العراق.
قوله: "فإنّ سَنِينَهُ" جمع سنة، وفيها معنيان:
الأول: يراد به الأعوام مطلقًا.
والثاني: يراد به الأعوام المجدِبَة، يقال: أرض بني فلان سنة إذا كانت مجدبة، وأصل سنة سنوة، والمحذوف منها واو، ويقال: المحذوف منها الهاءُ، وأصلها: سنهة مثل: جبهة؛ لأنها من سنهْت النخلةُ إذا أتت عليها السنون، ونخلةٌ سنهاء إذا حملت سنة وتركت سنة وفي التصغير تقول: على الأول: سنية أصلها سنيوة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الباء في الياء فصار سُنَيّة، وعلى الثَّاني: سُنَيهة، وإذا جمعتها بالواو والنون تقول: سنون بكسر السِّين، وبعضهم يقول: سنون بضم السِّين (٦)، وأمَّا الكلام في حركة النون فيجئ عن قريب إن شاء الله تعالى-.
قوله: "شِيبًا" بكسر الشين؛ جمع أشيب وهو المبيضُّ الرأس، وقد شاب رأسُه شيبًا وشيبةً فهو أشيب على غير قياس؛ لأنَّ هذا النعت إنَّما يكون من باب فَعِل تفعَل مثل: عَلِم يعلَمُ، والشيب بفتح الشين المعجمة هو المشيب وقال الأصمعي: الشيب بياض الشعر والمشيب: دخول الرجل في حد الشيب (٧).
стр. 206
قوله: "شَيَّبنَنَا" من شيّب بالتشديد يُشيّبُ تَشْييبًا، قوله: "مُردًا" جمع: أمرد، يقال: غلامٌ أمرد بيِّن المَرَد بالتحريك من قولهم: رملةٌ مرداء: لا نبت فيها، وغصن أمرد: لا ورق عليه، ويقال: مَّردتُ الغصنَ تمريدًا إذا جردته من ورقه.
٨ - قوله: "سقى نجدًا" من سقي الماء.
٩ - قوله: "النطاف" بكسر النون وبالطاء المهملة وفي آخره فاء، وهو جمع نُطْفة، وهو الماء الذي في إناء قل أو كثر، وأمَّا النطفة التي هي ماء الرجل فجمعها نطف (١).
١٠ - قوله: "حمدًا" أي محمودًا.
الإعراب:
قوله: "دعاني" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "من نجد": يتعلق به، وفيه حذف تقديره: دعاني من ذكر نجد، قوله: "فإن سنينه" الفاء فيه للتعليل، و "سنينه": اسم إن وقوله: "لعبن بنا" جمله في محل الرفع لأنها خبر إن، و "لعبن": فعل وفاعله النون، و "بنا" في محل النصب مفعوله.
قوله: "شيبًا" حال عن قوله: "بنا" أي حال كوننا في الشَّيب، قوله: "وشيبننا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على قوله: "لعبن"، قوله: "مردًا" حال من ضمير المفعول في قوله: "شيبننا".
الاستشهاد فيه:
في إجراء السنين مجرى العين في الإعراب بالحركات، والتزام النون مع الإضافة، ولو لم يجعل الإعراب بالحركة على نون الجمع لحذفت النون وقال: فإن سنيه (٢).
وأعلم أن هذه لغة بني عامر فإنهم يعربون المعتل اللام بالحركات في النون كما في غسلين.
ويقولون: هذه سنينٌ، ورأيت سنينًا، وأقمت بسنين، وعلى هذا ما جاء في قوله ﷺ : "اللَّهم اجعلها عليهم سنينًا كسنين يوسفَ" (٣)، وتميم أيضًا يجعلون الإعراب في النون ولكن لا ينونونها فيقولون: سنونُ وسنينَ وسنيِن جره بالكسر، ولا تسقط النون ها هنا، ولو عند الإضافة؛ لأنها
стр. 207
نزلت منزلة نون مسكين (١).
الشاهد التاسع والعشرون (٢)، (٣)
رُبَّ حَيٍّ عَرَنْدَسٍ ذي طَلالٍ … لا يَزَالُون ضَارِبينَ القِبَابَ
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الخفيف.
قوله: "عرندس" بفتح العين والراء المهملتين وسكون النون وفتح الدال المهملة وفي آخره سين مهملة، ومعناه: الشديد، قوله: "ذي طلال" بفتح الطاء المهملة؛ وهي الحالة الحسنة والهيئة الجميلة، قوله: "ضاربين القباب" ويروى: ضاربين الرقاب وهو الأشهر.
الإعراب:
قوله: "رب" حرف جر، و "حي" مجرور بها، و "عرندس"، و "ذي طلال": صفتان لحي، قوله: "لا يزالون" الضمير المستتر (٤) فيه اسم لا يزال، و "ضاربين القباب" كلام إضافي خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ضاربين القباب" حيث أجراه الشاعرُ مجرى غسلين في الإعراب، فصار إعرابه على النون؛ فلذلك أثبتت في الإضافة، وقد يُخَرَّجُ على أن يكون على حذف "ضاربي"؛ أي:
стр. 208
ضاربين ضاربي القباب، وحذف ضاربي لدلالة ضاربين عليه، فصار نظير قول الشاعر (١):
رَحِمَ الله أَعْظُمًا دَفَنُوهَا … بِسِجِستَانَ طلحةَ الطَّلَحَاتِ
وهنا وجه آخر، وهو ما ذكره أبو علي في تخريجه، وهو أن يكونَ القبابُ منصوبًا بضاربين، ويريدُ القبابي فَأَلْحَق الجمع ياء النسبة، ثم حذف إحدى الياءين، ثم أسكن الياء الباقية كما كان الاسم في موضع نصب قال (٢):
كفى بالنأي من أسماء كافي … ..................................
يريد: كافيًا، ولما نَسَب إلى الجمع جعل ياءَ النِّسْبَةِ غيرَ مُعْتدٍّ بها، فلذلك لم يَرُدّ القبابَ إلى المفرِد؛ كما جاء في شعر الشماخ (٣):
خُضر أنبات .............. … ..............................
فلم يرد خضر إلى الواحد، ومن مجيء ياء النسبة زائدة في الاسم قول ابن أحمر (٤):
كَم دون لَيلى من تَنُوفِيَّةٍ … لمَّاعَة تُنْذَرُ فيها النُّذُر (٥)
стр. 209
الشاهد الثلاثون (١)، (٢)
على أحوذيينَ اسْتَقَلَّت عشية … فما هِيَ إلَّا لمحةٌ وتَغِيبُ
أقول: قائله هو حميد بن ثور بن حزن بن عمرو بن عامر بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة، وكنيته: أبو المثني، وقيل: أبو الأخضر، وقيل: أبو خالد شهد حنينًا مع الكفار ثم قدم على النَّبيِّ ﷺ فأسلم وأنشد أبياتًا، والبيت المذكور من قصيدة بائية يصف بها حميدٌ القطاةَ، وأولها قوله:
١ - إذا وُجِّهَتْ وَجهًا أَبَانَتْ مُدِلَّةً … كَذَاتِ الهَوَى بالمشْفَرَين لَعوْبُ
٢ - كما جَبَّبَتَ كدراءُ تَسقِي فِرَاخَها … بشَمطَةَ رِفْهًا والميَاهُ شُعُوبُ
٣ - غَدَتْ لم تُصَعّدْ في السماءِ وتحتَها … إذا نَظَرتْ أُهْويَّةٌ وصُبوبُ
٤ - قرينة سبع إِن تَوَاتَرنَ مرةً … ضربْنَ فَصَفت أَرْؤُسٌ وجنوبُ
٥ - ثمانٍ على سِكْرين ما زدن عِدَّةَ … غدون قُرَانَى ما لهُنّ جَنِيبُ
٦ - إذا ما تَبَالينَ البُلَيَّ تَزَغَّمَتْ … لَهُنّ قَلَوْلاةُ النجاء طلوبُ
٧ - فجاءتْ وما جاءَ القَطَا ثُمَّ شَمرتْ … لمسكِنها والوارِدَاتُ تنوُبُ
٨ - [تبادر أطفالًا مَسَاكِينَ دونها] … فَلا لا تَخَطَّاهُ العُيُونُ رَغِيبُ (٣)
٩ - وجاءت ومسقاها الذي وَرَدَتْ به … [إلى النَّحْرِ مَشْدُودُ العِصَامِ كتيبُ]
١٠ - وَصَفْنَ لَهُنَّ مُزْنًا بأرضِ تنوفةٍ … فما هي إلا نهلةٌ فَوُثُوبُ
١١ - على أحوذيّيِن استقلّتْ عشيّةَ … فما هي إلا لمحة وتَغِيبُ
١٢ - ثمان بإسْتَارَيْنِ يَهْوْين مَقْدَمًا … صبيحة خِمسٍ ما لهن جنيبُ
١٣ - تجوبُ الدجى كدريةٌ دونَ فَرَخها … بمطل أريك سَبسَبٌ وسُهوبُ
وهو من الطويل وفيه القبض والحذف على ما لا يخفى.
стр. 210
١ - قوله: "إذا وجهت وجهًا"؛ أي: إذا توجهت إلى جهة، والجهة والوجه بمعنى واحد، والهاء عوض من الواو و "مدلة" من الإدلال وهو التغنج (١).
٢ - و "كدراء" هي نوع من القطا، ويقال بها: الكدرى أيضًا ضرب من القطا غير الألوان، رقش الظهور صفر الحلوق. قوله: "رفهّا" من الرفاهية، و "شعوب" أي: متفرقة.
٣ - و "لم تصعد" أصله ولم تتصعد، فحذفت إحدى التاءين، و "أهوية" بضم الهمزة وسكون الهاء وكسر الواو وتشديد الياء آخر الحروف على وزن أفعولة، وهي الوهدة العميقة، وكذلك الهوة وارتفاعها على الابتداء، وخبرها قوله: "وتحتها" مقدمًا، و "صبوب" عُطِفَ عليه، وأراد بها ما انحدر من الأرض.
٥ - و "السكر" بكسر السِّين؛ ما يسكر فيه الماء من الأرض؛ أي: يحبس فيه، والسَّكر بالفتح؛ حبسك الماء.
٦ - قوله: "تزغمت" بالزاي والغين المعجمتين؛ من تزغم الفصيل: حَنَّ حنينًا خفيفًا.
٩ - و "كتيبُ" من كتبت البغلة إذا جمعت بين شفريها بحلقة أو سير.
١٠ - و "أرض تنوفة": هضبة في جبل طيئ.
١١ - قوله: "على أحوذيين" تثنية أحوذي، والأحوذي بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف؛ وهو الخفيف في الشيء لحذقه.
وفي ديوان الأدب: الأحوَذِيّ: الراعي المشمر للرعاية الضابط لما ولي وكذلك الأحوزي بالزاي المعجمة، وأراد بهما الشاعر ها هنا: جناحي قطاة يصفهما بخفتهما، وليست الياء فيه للنسبة وهذا كما يقال: النوع من الحصير بردي، ولنوع من التمر بَرْنِيّ (٢) ولنوع من الكلب زفتي (٣).
قوله: "استقلت" أي: استبدت، يقال: [استقل] (٤) الطائر: ارتفع في الهواء، قوله: "لمحة" أي: نظرة من لمح البرق والنجم لمحا، ورأيته لمحة البرق، ويروى:
............... اسْتَقَلَّتْ عَلَيهِمَا … نَجَاةً فَتَبْدُو تَارَةً وتَغِيبُ.
١٢ - قوله: "خِمس" بكسر الخاء المعجمة، وهو ورود الماء في اليوم الرابع بعد الرعي ثلاثة أيَّام.
стр. 211
١٣ - قوله: "تجُوب" أي: تقطع، و "الدّجى" بضم الدال جمع دجية بضم الدال، وهي فترة الصائد؛ أي: ناموسه، وهو المكان الذي يستتر فيه، قوله: "بمطل أريك" أي بطول الأريك، والأريك بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره كاف؛ وهو اسم واد، و "سبسب" بسينين مهملتين مفتوحتين وباءين موحدتين؛ وهي المفازة، و "سهوب" بضم السِّين المهملة، وهو جمع سَهب؛ وهو الفلاة.
الإعراب:
قوله: "على أحوذيين" يتعلق بقوله: "استقلت"، والضمير فيه يرجع إلى القطاة، وهي التي وصفها بقوله: "كدراء" في الأبيات السابقة، و "عشية" نصب على الظرفية، وهي ظرف زمان والمراد بها: إما عشية ما، أو عشية معينة، ولو أريد بها معينة تمنع من الصرف عند البعض، وهو القياس (١).
قوله: "فما هي" كان أصله: فما مشاهدتها، ثم حَذَف المضاف فصار فما هي، ويقال تقديره فما مسافة رؤيتها، ثم حذف المضاف الأول، وأناب عنه الثَّاني، ثم الثَّاني وأناب عنه الثالث فارتفع وانفصل، ومثله في حذف مضافين: أنت مني فرسخان؛ أي: ذو مسافة فرسخين؛ إلَّا أن هذا حذف من الخبر، وقد يقدر: بُعْدُك مني فرسخان، فالمحذوف واحد من المبتدأ، وكلمة "ما" بطل عملها لوجود إلَّا، وهي مبتدأ "ولمحة" خبره، وإلا بمعنى غير.
قوله: "وتغيب" معناه تغيب بعدها، وهي جملة فعلية عطفت على الجملة الاسمية، وفيه خلاف مشهور، فأجازه بعضهم مطلقًا، وهو المفهوم من قول النحويين في باب الاشتغال الذي مثل: قام زيد وعمرًا أكرمته، إن نصب عمرو أرجح؛ لأنَّ تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى من تخالفهما، ومنعه بعضهم مطلقًا (٢)، وقال أبو علي: يجوز في الواو فقط (٣).
стр. 212
الاستشهاد فيه:
في فتح نون (١) التثنية، والقياس: كسرها، ولكن الفتح ها هنا ليس بضرورة؛ إذ الوزن لا ينكسر بالكسر، وإنَّما هي لغة بني أسد من العرب نقلها الفراء عنهم، وكذلك جاء الضم في بعض اللغات، حكى أبو علي عن أبي عمرو الشيباني: هما خليلانُ بضم النون، وقال: ضم نون التثنية لغة (٢)، قال الشاعر (٣):
١ - يَا أبَتَا أَرَّقَنِي القذَّانُ … فَالنّوْمُ لا تَطْعمهُ العَينَانُ
٢ - مِنْ عَضِّ بَرغُوثٍ لَهُ أَسْنَانُ … وللخَمُوشِ فَوْقَنَا تَطْنَانُ
قال أبو علي البغدادي: "القذان" بكسر القاف وإعجام الذال المشددة، جمع قذذ، وهو البرغوث، وقال الخليل: القذان جمع قذة (٤)، وقال المبرد: "الخموش" البعوض، والواحد أيضًا خموش، سمي بذلك لأنَّه يخمش الجلد.
الشاهد الحادي والثلاثون (٥)، (٦)
أَعْرِفُ مِنْهَا الجِيدَ وَالعَينَانَا … ومَنْخَريْن أَشْبَهَا ظَبيَانَا
أقول: قيل: إن قائله لا يعرف، وهو غير صحيح، وقيل: قائله هو رؤبة بن العجاج، وهو أيضًا غير صحيح، والصحيح ما قاله أبو زيد: أنشدني المفضل لرجل من بني ضبة، هلك منذ أكثر من مائة سنة، وهي (٧):
стр. 213
٣ - ..................... … وَهيَ تَرَى سَيِّئَهَا إحسَانَا
٤ - أَعرِفُ منهَا الجِيدَ وَالعَينَانَا … ومَنْخَرَيْن أَشْبَهَا ظَبيَانَا
ويروى:
أَعرِفُ مِنْهَا الأَنْفَ والعَينَانَا … ...........................
وأنشدوا قبله:
١ - إنَّ لِسَلْمَى عِنْدَنَا دِيوَانَا … أَخْزَى فُلانًا وابنَهُ فُلانًا
٢ - كانتْ عجُوزًا عمَّرَت زَمَانَا … فَهيَ ترى سَيِّئَهَا إحسَانَا
إلى آخره.
وهي من الرجز المسدس.
قوله: "الجيد" بكسر الجيم؛ وهو العنق.
قوله: "ظبيانا" بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة، وبالياء آخر الحروف، وهو اسم رجل بعينه، وليس هو تثنية ظبي. فافهم.
الإعراب:
قوله: "أعرف" جملة من الفعل والفاعل، و "الجيد" مفعوله، والضمير في "منها" يرجع إلى سلمى المذكورة في البيت السابق، قوله: "والعينانا" تثنية عين عُطِفَ على الجيد، وكان القياس أن يقال: والعينين؛ لأنَّ نصب التثنية بالياء كجرها، و "منخرين" عطف على ما قبله "أشبها" جملة من الفعل والفاعل وقعت صفة لمنخرين، و "ظبيانا" منصوب لأنَّه مفعول أشبها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "والعينانا" حيث فتح الشاعر نون التثنية والقياس كسرها (١) وقد قيل: الاستشهاد فيه في قوله: "ظبيانا" وادعى أن "ظبيانا" تثنية ظبي، وإليه مال الهروي (٢) أيضًا؛ حيث قال
стр. 214
في الذخائر (١): "والتقدير: أشبها منخري ظبيين" فجعله تثنية ظبي، وليس هذا بصحيح، بل الظبيان اسم رجل كما ذكرنا، والتقدير: ومنخرين أشبها منخري ظبيانا.
وفيه استشهاد آخر وهو إجراء المثني بالألف في حال النصب كما في قوله: "والعينانا" تثنية عين، والقياس: والعينين، وليس هذا بضرورة، بل هي لغة بني الحارث بن كعب، ونسبها بعضهم إلى بني العنبر وبني الهجيم"، وبهذه اللغة قرأ نافع وابن عامر (٢) والكوفيون إلَّا حفصًا (٣) قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] فإن هؤلاء يجرون المثني مجرى المقصور، فيجعلونه بالألف في كل حال (٤)، وقال ابن كيسان: من فتح نون الاثنين في النصب والخفض استخف الفتحة بعد الياء فأجراها مُجرى أين وكيف، ولا يجوز عند أحد من الحُذّاق علمته فتحها مع الألف، وإنشادهم:
أعرف منها الأنف والعينانا … ...................................
لا يلتفت إليه؛ لأنَّه لا يعرف قائله ولا له وجه. انتهى.
ولو ثبت أنَّه من لسان العرب لكان له وجه من القياس؛ لأنها ألف ثابت عن الياء؛ لأنها ليست للرفع، بل الكلمة منصوبة، وكان القياس أن يقول: والعينين، فلما ثابت عن الياء اضطر إلى ذلك؛ لأنَّ ما قبله من النظم مفتوح الآخر عَامَل هذه الألف معاملة الياء بخلاف قولك: قام الزيدان، فالألف لم تنُبْ عن الياء؛ لأنَّ الاسم مرفوع.
الشاهد الثاني والثلاثون (٥)
عَرِينٌ مِنْ عُرَيْنة ليس منا … بَرِئتُ إِلى عُرَيْنَةَ مِنْ عَرِينٍ
عَرَفْنَا جَعْفَرًا وَبَنِي أَبِيهِ … وَأَنْكَرْنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ
أقول: قائله هو جرير بن عطية بن الخطفي، وهما من قصيدة نونية، وأولها (٦):
стр. 215
١ - أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاح … كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي
٢ - لَنِعْمَ الوفْدُ وَفْدُ بَنِي رِيَاحِ … وَنِعْمَ فَوَارِسُ الفَزَعِ المبين
٣ - عَرينٌ مِنْ عُرَيْنة ليس منا … بَرِئْتُ إِلَى عُرَيْنَةَ مِنْ عَرِينٍ
٤ - عَرَفْنَا جَعْفَرًا وَبَنِي أَبِيهِ … وَأَنْكَرْنَا زَعَانِفَ آخَرِينِ
٥ - قَبَيلَةٌ أَنَاخَ اللُّؤْمُ فِيهَا … فليسَ اللُّؤْمُ تَاركَهُم لحِيِن
وهو من الوافر وفيه العصب والقطف وسبب هذا الشعر ما حكاه النَّارَنْجي أن ابن الفهم (١) حدثه عن ابن سلام قال: حدثني أبو البيداء، قال: أوعد جريرًا بعضُ عشرين فقالت بنو رياح: كذبتم إنه يمدح أَحْيَانَا ويؤبِّن مَؤتَانَا، قال ابن سلام فسألت يونس (٢) عن التأبين فقال: مدح البيت وأنشد قوله (٣):
وامدح بلالًا غير مأبون … ..........................
وذكر في ديوان جرير: وقال جرير يهجو فَضَالة العريني (٤) وعرين (٥) بن ثعلبة (٦):
عَرِينٌ مِنْ عُرينَة لَيسَ مِنَّا … ........................... إلخ
قوله: "عرين" بفتح العين وكسر الراء المهملتين؛ وهو بطن من تميم، و "عرينة" مصغرة بطن من بجيلة، والعرين في الأصل مأوى الأسد الذي يألفه، يقال: ليث عرينة، وليث غاية وأصل العرين جماعة الشجر، والمراد من العرين ها هنا: رجل مسمًّى به، كذا قاله القزاز (٧)، وهو عرين بن ثعلبة بن يربوع، وقال الأخفش: عرين في البيت وابن يربوع وهو وهم.
و"وبني أبيه"؛ أي: بني أبي جعفر، وفي بعض الروايات:
عَرَفْنَا جَعْفَرًا وَبني رِيَاح … ...............................