أن لا تلاقي لنا، وألفه للإطلاق، والجملة في محل النصب مفعول ثان لقوله: "فبلغن"، وقال البطليوسي (١): أن مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر فيها، وتقديره: أن لا تلاقي، فخبر لا التبرئة محذوف، والجملة في موضع خبر إن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أيا راكبًا" حيث نصب راكبًا؛ لأنه منادى مفرد نكرة، وقال أبو عبيدة: أراد: أيا راكباه للندبة، فحذف الهاء؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، ولا يجوز [يا راكبًا] (٢) بالتنوين لأنه قصد به راكبًا بعينه (٣)، وإنما جاز أن يقال: يا رجلًا بالتنوين إذا لم يقصد به رجل بعينه، وأريد به واحد ممن له هذا الاسم.
فإن قيل: حرف النداء يفيد التعريف بالاتفاق ومع ذلك كيف يدخل على المفرد النكرة ويبقى على تنكيره بعد دخوله؟ فيلزم من هذا أحد أمرين: إما خلو حرف النداء عن التعريف، وذلك خلاف الإجماع، وإما زوال التنكير بعد دخول حرف النداء، وذلك يستلزم: انتفاء كون المنادى مفردًا نكرة.
قلتُ: المنادى يبقى على تنكيره بعد دخول حرف النداء؛ كما أن تعريفه يزيل تعريف العلمية في: يا زيد على أحد التأويلين، وقولهم: حرف النداء يفيد التعريف محمول على عدم المعارض فافهم (٤).
стр. 1647
الشاهد التاسع عشر بعد التسعمائة (١) , (٢)
يَا حَكَمَ بْنَ المنذِرِ بْنِ الجَارُود … سُرَادِقُ المجدِ عَلَيكَ مَمْدُودْ
أقول: قائله هو رؤبة، قال الجوهري (٣): والصحيح أنه راجز من بني الحرماز، وبعد الشطر الأول:
................................ … أَنْتَ الجَوادُ ابنُ الجَوَادِ المحمُود
وهو من الرجز المسدس.
قوله: "سرادق المجد" أي: العز والعظمة، والسرادق بضم السين المهملة يسمى بالفارسية: سرايرده.
الإعراب:
قوله: "يا حكم" يا حرف نداء، و"حكم بن المنذر": منادى مفتوح، ويجوز فيه الضم على ما يجيء الآن، قوله: "ابن الجارود" بالجر لأنه صفة المنذر، قوله: "سرادق المجد": كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "ممدود"، و"عليك" يتعلق به.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا حكم بن المنذر" فإن حكم منادى علم موصوف بابن مضاف إلى علم، فيجوز فيه الضم على الأصل، والفتح على الاتباع والتخفيف؛ كما في قولك: يا زيدَ بنَ سعيد، يجوز فيه الوجهان، وقال المبرد: الضم أولى ثم أنشد البيت المذكور بالفتح، ثم قال: ولو قال: يا حكمُ بنُ المنذر يعني بالضم كان أجود (٤). ووافقه ابن مالك على ذلك (٥)، وهذا مخالف لقول الجمهور من البصريين؛ فعندهم أن الفتح أرجح لأنه أخف (٦).
стр. 1648
الشاهد العشرون بعد التسعمائة (١) , (٢)
سَلامُ اللهِ يَا مَطَرٌ عَلَيهَا … وَلَيسَ عَلَيكَ يَا مَطَرُ السَّلَامُ
أقول: قائله هو الأحوص، وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد الكلام في أول الكتاب (٣).
والاستشهاد فيه هاهنا:
في قوله: "يا مَطَرٌ" حيث نونه للضرورة، وقد علم أن المنادى المفرد المعرفة يستحق البناء على الضم، ثم إذا اضطر الشاعر إلى تنوينه جاز ذلك للضرورة، فإذا نونه فله أن يضمه وله أن ينصبه، وقد ضمه هاهنا كما نصبه الشاعر في البيت الآتي (٤).
الشاهد الحادي والعشرون بعد التسعمائة (٥) , (٦)
ضَرَبَتْ صَدْوَهَا إِلَيَّ وَقَالت … يَا عَدِيًّا لَقَدْ وَقَتْكَ الأَوَاقِي
أقول: قائله هو المهلهل واسمه امرؤ القيس (٧)، وكان أصل ذلك أن مهلهلًا أسره عمرو بن مالك، فطلبت أمه وخالته إلى عمرو في ذلك أن يدع مهلهلًا ففعل، ففي ذلك يقول مهلهل يتغزل في ابنة المجلل (٨):
стр. 1649
١ - طَفْلَةٌ مَا ابنَةُ المُجَلِّلِ بَيضا … ءُ لَعُوبٌ لَذِيذَةٌ فيِ العنَاقِ
٢ - ظَبيَة مِنْ ظِبَاءِ وَجْرَةَ تَعْطُو … ويَداهَا في ناضرِ الأَوْرَاقِ
٣ - ضرَبَتْ صَدْرَهَا ......... … .......................... إلى آخره
٤ - ارحلِي ما إليكَ غَيرَ بَعيدٍ … لَا يُؤَاتي العنَاقُ مَنْ فيِ الوَثَاق
٥ - مَا أرجى فيِ العيشِ بَعْدَ ندامَى … قدْ أَراهُم سُقُوا بكَأْس حلَاقِ
٦ - بَعْدَ عَمْرو وَعَامِرٍ وحُيَيِّ … ورَبيع الصدوفِ وابْنَي عَنَاقِ
٧ - وَكُلَيبٍ سُمّ الفَوَارِسِ إذ عَيَّ … رُمَاةُ الكُمَاة بالإيفَاقِ
٨ - إنَّ تحتَ الأَحْجَارِ حَزْمًا وجُودًا … وَخَصِيمًا ألدَّ ذَا مِعْلَاقِ
٩ - حَيَّةٌ في الوَجَار أربدُ لا تنـ … ـفَعُ منهُ السليمَ نَفْثَةُ رَاق
وهي من الخفيف.
١ - قوله: "طفلة" بفتح الطاء؛ أي: ناعمة، وقيل: رخصة اليدين، وقيل: رخصة على الإطلاق، وبكسر الطاء: صغيرة يقال: طِفْلةٌ طَفلةٌ.
٢ - قوله: "وجرة" بفتح الواو وسكون الجيم؛ اسم موضع، قوله: "تعطو" أي: تتناول.
٣ - قوله: "ضربت صدرها" يعني: متعجبة من حالي إلى هذه الغاية مع ما لقيت من الحروب والأسر والخروج عن الأهل، وهو من فعل النساء، قوله: "وقتك": من وقى يقي وقاية أي: حفظ، و"الأواقي": جمع واقية وهي الحافظة، والأصل: وواقي، فأبدلت الواو الأولى همزة فصار: أواقي (١).
٥ - قوله: "ندامى": جمع ندمان بمعنى النديم، قوله: "حلاق" بكسر الحاء المهملة، وهي المنية لأنها تحلق من حلت به.
٦ - قوله: "والصدوف" بفتح الصاد المهملة وفي آخره فاء؛ اسم فرس الربيع الذي أضيف إليها، وقيل: اسم امرأة (٢).
٧ - قوله: "الكماة": جمع كام، وهو الكمي المتغطي بالسلاح، قوله: "بالإيفاق" بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف بعدها ألف وبعد الألف قاف، وهو إيتار السهم ليرمى به؛ من
стр. 1650
أوفقت السهم إذا وضعته على فوقه.
٨ - قوله: "معلاق" بالعين المهملة، وهو اللسان البليغ، وبالمعجمة: الذي يغلق باب الحجة عن خصمه.
٩ - قوله: "في الوجار" بكسر الواو وفتحها وبالجيم؛ جحر الضبع، ويستعار لغيرها، قوله: "أربد" بالراء وبالباء الموحدة، يقال: حية أربد وهي التي يضرب لونها إلى السواد، و"السليم": اللديغ، و"الراقي": الذي يرقي.
الإعراب:
قوله: "ضربت": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى ابنة المجلل المذكورة في أول القصيدة، وقوله: "صدرها": كلام إضافي مفعوله، قوله: "إليَّ" يعني: لي، وهو في موضع النصب على الحال من الضمير الذي في ضربت، والتقدير: ضربت صدرها حال كونها مخاطبة لي، قوله: "وقالت": فعل وفاعل، وقوله: "يا عديًّا .... إلى آخره": مقول القول، قوله: "لقد وقتك" اللام للتأكيد، وقد للتحقيق، "ووقتك": جملة من الفعل والمفعول، و"الأواقي": فاعله.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا عديًّا" فإن الشاعر لما اضطر نون عديًّا الذي هو منادى مفرد معرفة، ثم لما نونه نصبه تشبيهًا بالمضاف (١).
الشاهد الثاني والعشرون بعد التسعمائة (٢) , (٣)
لَيتَ التحِيةَ كَانَتْ لِي فَأَشْكُرَهَا … مَكَانَ يَا جَمَلٌ حُيِّيتَ يَا رَجُلُ
أقول: قائله هو كثير عزة، وهو من قصيدة لامية من البسيط، وأولها هو قوله (٤):
١ - حَيّتكَ عَزَّةُ بَعْدَ الهَجْرِ وانْصَرَفَتْ … فَحَي وَيْحَكَ مَن حَياكَ يَا جَمَلُ
الأصل فيه أن عزة هجرت كثيرًا وحلفت أن لا تكلمه، فلما تفرق الناس من مِنًى لقيته
стр. 1651
فحيت الجمل ولم تحيه، فقال: "حَيَّتْكَ عَزَّةُ ....... إلى آخره".
وبعده:
٢ - لَوْ كُنْتَ حَييتَهَا مَا زِلْتَ ذَا مِقَةٍ … عِنْدِي ولا مَسَّكَ الإدْلَاج والعملُ
٣ - فَحَنَّ مِنْ وَلَهٍ إِذْ قُلْتُ ذَاكَ لَهُ … وظَلّ مُعْتَذِرًا قَدْ شَفَّهُ الخجَلُ
٤ - وَرَدَّ مِنْ جَزعٍ مَا كُنْتُ أَعْرِفُهَا … وَرَامَ تَكلِيمَهَا لَوْ تَنْطِقُ الإِبِلُ (١)
٥ - لَيتَ التَّحِيَّةَ ................. … ..................... إلى آخره
[الإعراب:
قوله: "] (٢) ليت": كلمة تمنّ تتعلق بالممكن والمستحيل، و"التحية" بالنصب اسمه، وقوله: "كانت لي": خبره، قوله: "فأشكرها" بنصب الراء لأنه جواب تمن؛ أي: فأن أشكرها، والفاء للجزاء، والتقدير: إن كان لي تحية فأشكرها، قوله: "مكان": نصب على الظرفية، والعامل فيه فعل محذوف، والتقدير: ليت التحية كانت لي فأشكرها، فعوضت مكان حييت يا جمل: حييت يا رجل، وحذف -أيضًا- حييت الأول لدلالة الثاني عليه، وقوله: "يا رجل" بالضم بلا تنوين لأنه منادى مفرد معرفة.
والاستشهاد فيه:
في قوله: "يا جمل" حيث نونه مضمومًا ويروى: يا جملًا بالنصب، والمشهور الضم (٣).
الشاهد الثالث والعشرون بعد التسعمائة (٤) , (٥)
أعَبدًا حَلَّ في شُعَبَى غَرِيبًا … أَلُؤمًا لَا أَبَا لَكَ واغْتِرَابًا
أقول: قائله هو جرير، وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد المفعول المطلق (٦).
стр. 1652
والاستشهاد فيه:
في قوله: "أعبدًا" فإنه نون عبدًا وهو منادى مفرد معرفة، نونه للضرورة ثم نصبه؛ كما في قوله: "يا عديًّا" في البيت المذكور آنفًا (١).
الشاهد الرابع والعشرون بعد التسعمائة (٢) , (٣)
فَيَا الغُلَامَان اللذَانِ فَرَّا … إيَّاكُمَا أَن تَكْسِبَانَا شَرًّا
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرجز وفيه الخبن والكسف بالسين المهملة.
الإعراب:
قوله: "فيا" الفاء للعطف إن تقدمه شيء، ويا حرف نداء، و"الغلامان": منادى، قوله: "اللذان": موصول، و"فرا": صلته، والموصول مع صلته صفة للغلامان.
قوله: "إياكما": تحذير، أن تكسبانا" أي: من أن تكسبانا، و"أن" مصدرية، والتقدير: من كسبكما إيانا، وكسبه أفصح من أكسبه، قوله: "شرًّا": مفعول ثان لتكسبانا، ويروى: إياكما أن تكتمانا سرًّا بكسر السين المهملة وتشديد الراء.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "الغلامان" فإنه جمع فيه بين حرف النداء وبين الألف واللام للضرورة، وقال ابن يعيش: الصفة والموصوف كالشيء الواحد فصار حرف النداء كأنه باشر (اللذان) (٤).
стр. 1653
الشاهد الخامس والعشرون بعد التسعمائة (١) , (٢)
إني إِذَا مَا حَدَثٌ ألَمَّا … أَقُولُ يا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
أقول: قائله هو أبو خراش الهذلي، وقبله:
إِنْ تَغْفِر اللَّهُمَّ تغْفِر جَمًّا … وَأَيُّ عَبدٍ لَكَ لَا ألَمَّا
وهي من الرجز المسدس.
قوله: "حدث" بفتحتين، وهو الأمر الذي يحدث من مكاره الدنيا، قوله: "ألما" أي: نزل، وأصله: "ألمَّ بي" من قولك: ألممت بالرجل إذا نزلت به، ومنه الملمة وهي النازلة من نوازل الدنيا.
الإعراب:
قوله: "إني" الضمير المتصل به اسم إن، وخبره قوله: "أقول"، قوله: "إذا" للظرف، والعامل فيه "أقول"، وما زائدة، "وحدث" مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر تقديره: إذا ألم حدث أقول يا ألله يا ألله، قوله: "يا اللَّهم" يا حرف نداء، واللَّهم أصله: يا ألله؛ فعوضت الميم عن حرف النداء، ولا يجمع بينهما إلا في الضرورة كما في البيت، وقال الكوفيون: أصله: يا ألله أمنا بخير، وهذا لا يصح من وجوه:
الأول: أنه لو كان كذلك لكثر الجمع بينهما ولم يخص بالضرورة.
والثاني: أنه يصح أن يقع بعدها الاسم أمنا بخير.
والثالث: أنه لو كان كذلك لجاز أن يقال: يا ألله أمنا ارحمنا بغير عطف؛ كما يقال: اللهم ارحمنا.
الرابع: أنه لو كان كذلك لجاز باطراد أن يقال: اللهم وارحمنا بالعطف؛ كما يقال: اللهم أمنا بخير وارحمنا، قوله: "يا اللهما": تأكيد للأول (٣).
стр. 1654
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا اللَّهم" حيث جمع فيه بين العوض والمعوض للضرورة كما قلنا (١).
الشاهد السادس والعشرون بعد التسعمائة (٢) , (٣)
ألا أيُّهذا الباخعُ الوَجدُ نفسَهُ … لشيءٍ نَحَتْهُ مِنْ يَدَيْهِ المقَادِرُ
أقول: قائله هو ذو الرمة غيلان، وهو من قصيدة طويلة من الطويل يمدح بها بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري (٤) ﵁، وأولها هو قوله (٥):
١ - لِميَّةَ أَطلَالٌ بِحُزْوَى دَوَاثِرُ … عَفَتْهَا السَّوَافيِ بَعْدَنَا والمواطِرُ
٢ - كأَنَّ فُؤَادِي هَاض عِرفَانَ رَبْعِهَا … بِهِ وَعْيَ سَاقٍ أَسْلَمَتْهَا الجبائِرُ
إلى أن قال:
٣ - ألا أيّهذا الباخعُ ............... … ................. إلى آخره
١ - قوله: "أطلال": جمع طلل وهو ما شخص من آثار الدار، و"حزوى" بضم الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة، وهو اسم موضع، وقوله: "عفتها" أي: محتها ودرستها، و"السوافي "بالفاء؛ هي الرياح التي تسفي التراب، و"المواطر": جمع ماطرة.
٢ - قوله: "هاض" بالضاد المعجمة؛ من هاض العظم كسره، بعد جبر، قوله: "وعي ساقه" الوعي: الجبر، والجبائر: جمع جبيرة.
٣ - قوله: "الباخع" بالخاء المعجمة والعين المهملة، يقال: بخع إذا هلك.
و"الوجد": الحزن وشدة الشوق، قوله: "نحته" بالنون والحاء المهملة والتاء المثناة من فوق؛ أي: صرفته عن يديه، و"المقادر": جمع مقدرة، وأراد بها التقادير.
الإعراب:
قوله: "ألا": حرف تنبيه، و"أيهذا": منادى، وحرف النداء محذوف تقديره: ألا يا أيهذا،
стр. 1655
وهذا في محل الرفع صفة المنادى.
قوله: "الباخع": رفع صفة، بعد صفة، والألف واللام فيه بمعنى الذي تقديره: يا أيها الذي بخع الوجد نفسه؛ فالوجد مرفوع لأنه فاعل اسم الفاعل؛ فلا ضمير في: الباخع نفسه حينئذ، ويروى: بنصب الوجد على التعليل، أي: الباخع بنفسه لأجل الوجد؛ فحينئذ يكون في الباخع ضمير مستتر هو فاعله تقديره: الباخع هو نفسه لأجل الوجد.
قوله: "لشيء": جار ومجرور يتعلق بقوله: "نحته"، والجملة أعني: قوله: "نحته المقادر" في محل الجر لأنها صفة لقوله "شيء"، وأصل المقادر: المقادير بالمد إلا أنها خففت بالحذف للتخفيف ورعاية للقافية.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ألا أيهذا" حيث وصف المبهم الذي هو أي باسم الإشارة فقال: أيهذا، ووصف اسم الإشارة بما فيه أل وهو قوله: "الباخع" (١).
стр. 1656
الشاهد السابع والعشرون بعد التسعمائة (١) , (٢)
يَا أيُّهَا الجَاهلُ ذُو التَّنَزِّيّ … ................................
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وتمامه:
................................ … لَا تُوعدَنِّي حَيَّةً بالنَّكْزِ
قوله: "ذُو التَّنَزِّيّ" بفتح التاء المثناة من فوق والنون وتشديد الزاي المعجمة المكسورة، وهو نزع الإنسان إلى الشر، وأصله: من نزأت بين القوم إذا حرشت بينهم، قوله: "بالنكز" بفتح النون وسكون الكاف وفي آخره زاي معجمة؛ من نكزت الحية بأنفها، وقال ابن فارس: النكز بالشيء المحدود كالغرز (٣).
الإعراب:
قوله: "يا أيها الجاهل" يا حرف نداء، وأي منادى، وها تنبيه، والجاهل صفة، وها تنبيه، و"ذُو التَّنَزِّيّ": كلام إضافي صفة الجاهل.
الاستشهاد فيه:
أنه وصف: "أيا" بما فيه أل، ووصف ما فيه أل بمضاف إلى ما فيه أل (٤)، وقال أبو حيان: رفع ذو التنزي لأنه تابع لصفة، فدل على أن الوصف للمفرد مرفوع لا مضموم؛ فانفصل عن ذلك.
وقال أبو الحسن: "الجاهل" صلة لأي، وليس بصفة، والتقدير عنده: يا أيها هو الجاهل ذو التنزي، فالحركة فيه ليست حركة إتباع، فيكون في موضع نصب؛ بل حركته إعراب لأنه خبر المبتدأ المحذوف، ونعت المرفوع مرفوع (٥).
стр. 1657
الشاهد الثامن والعشرون بعد التسعمائة (١)، (٢)
يَا زَيدُ زَيْدَ اليَعْمُلَاتِ الذُّبَّلِ … تَطَاوَلَ الليْلُ عَلَيكَ فَانْزِلِ
أقول: قائله هو بعض ولد جرير، وقال النحاس: قائله عبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁ (٣). وهو من الرجز المسدس.
وأراد بزيد زيد بن أرقم، و"اليعملات" بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة؛ جمع يعملة وهي الناقة القوية الحمولة، وإنما أضاف زيدًا إلى اليعملات لأنه كان يحدو لها، ولهذا قال:
................................ … تَطَاوَلَ الليْلُ عَلَيكَ فَانْزِلِ
أي: انزل عن ظهرها واحْدُ لها فقد تطاول الليل، و"الذبل" بضم الذال المعجمة وتشديد الباء الموحدة، جمع ذابل بمعنى الضامر؛ كرُكَّع جمع راكع.
الإعراب:
قوله: "يا": حرف نداء، قوله: "زيد" يجوز فيه الوجهان: النصب على تقدير: يا زيد اليعملات، لأنه يكون منادى مضاف، والضم لأنه منادى مفرد معرفة، وأما زيد الثاني فهو منصوب على الوجهين لأنه تأكيد للأول، وقوله: "الذبل" بالجر صفة اليعملات، قوله: "تطاول": فعل و"الليل": فاعله، قوله: "فأنزل": جملة من الفعل والفاعل معطوفة بالفاء على ما قبلها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا زيد زيد" حيث وقع المنادى في حال الإضافة مكررًا، ويجوز في الأول الوجهان الضم والفتح، ويجب النصب في الثاني؛ كما بينا (٤).
стр. 1658
الشاهد التاسع والعشرون بعد التسعمائة (١)، (٢)
يَا ابْنَ أُمِّي وَيا شُقَيّقَ نَفْسِي … أَنْتَ خَلَّيتَنِي لدَهْرٍ شَدِيدِ
أقول: قائله هو أبو زبيد (٣)، واسمه: حرملة بن المنذر (٤)، وقد ترجمناه فيما مضى، وهذا البيت من شعر يرثي به أخاه، وأوله:
١ - إِنَّ طُولَ الحياةِ غَيرُ سعُودِ … وَضَلَالٌ تَأْمِيلُ نَيلِ الخُلُودِ
٢ - عُلِّلَ المَرْءُ بِالرَّجَاءِ ويُضْحِي … غرَضًا للمَنُونِ نَصْبَ العُودِ
٣ - كلّ يَوْمٍ تَرْمِيهِ منهَا برَشْقٍ … فَمُصِيبٌ أَوْصَافَ غَيْرَ بَعِيدٍ
٤ - كُل مَيْتٍ قَدْ اغْتَفَرْتُ فَلَا … أوْجَعَ منْ والِدٍ ولَا مولودِ
٥ - غيرَ أَنَّ اللَّجْلَاجَ هَزَّ جَنَاحِي … يَوْمَ فَارَقْتُهُ بِأَعْلَى الصَّعِيدِ
٦ - عن يَمِيِن الطرِيقِ عِنْدَ صَدّى … حَرَّانَ يَدْعُو بالوَيلِ غيرَ مَقُودِ
٧ - صَاديًا يسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ … ولَقَدْ كَانَ عصْرَةَ المنْجُودِ
٨ - يا ابن أمي ................ … ........................ إلخ
وهي من الخفيف.
قوله: "شقيق": تصغير شقيق، تصغير ترخيم [معناه] (٥) يا أخا نفسي، قوله: "لدهر" الدهر: الأمد الممدود، والمعنى: يا ابن أمي ويا أخا نفسي أنت خليتني لأمر شديد أكابده وحدي وقد كنت لي ظهرًا عليه وركنًا أستند إليه، فأوحشني فقدك وأتلف حالي بعدك.
الإعراب:
قوله: "يا ابن أمي" يا حرف نداء، و"ابن أمي": منادى مضاف، و "يا شقيق نفسي": عطف عليه، قوله: "أنت": مبتدأ و"خليتني": جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل
стр. 1659
الرفع على الخبرية، قوله: "لدهر" يتعلق بها، و"شديد": صفة لدهر.
الاستشهاد فيه:
في إثبات الياء في "أمي"، والأصل هو إثبات الياء في المضاف إلى ياء المتكلم إذا نودي المضاف إلا في: يا ابن أمي، ويا ابن عمي، وذلك لكثرة الاستعمال فيهما خصا بالتخفيف بحذف الياء وبقاء الفتحة، وقد أثبتها الشاعر هنا لأجل الضرورة، وقد جوزوا في هذا خمسة أوجه:
الأول: أيا ابن أميَ بتحريك الياء.
والثاني: يا ابن أمي بتسكين الياء.
والثالث: يا ابن أما؛ على قلب الكسرة فتحة فتنقلب الياء ألفًا.
الرابع: يا ابن أم، على حذف الياء.
الخامس: يا ابن أم، على وجهين أحدهما: أن يكون الأصل: يا ابن أما، فحذفت الألف؛ كما تحذف الياء فبقي: يا ابن أم، والوجه الثاني: أن يبنى الاسمان على الفتح بناء خمسة عشر بعد أن ينوي الإفراد في كل واحد منهما، حتَّى كأنهما لم يكونا مضافين ثم يقع البناء بعد ذلك، وإنما جاز البناء فيهما لكثرة الاستعمال (١).
الشاهد الثلاثون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
يَا ابْنَةَ عَمَّا لَا تَلُومِي وَاهْجَعِي … ..........................................
أقول: قائله هو أبو النجم العجلي، وهو من قصيدة مرجزة، وأولها هو قوله (٤):
١ - قَدْ أَصْبَحَتْ أُمِّ الخيَارِ تَدَّعِي … عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ
стр. 1660
٢ - مِن أَنْ رَأَت رَأسِي كرَأْسِ الأَقْرَعِ … ميزْ عَنْهُ قُنْزُعًا عن قَنْزَغَ
٣ - جَذَبُ الليَالِي أبطئي أَوْ أَسْرِعِي … أَفْنَاهُ قيلَ اللهُ للشَّمْسِ اطْلُعِي
٤ - حَتَّى إِذَا واراك أُفقٍ فارجَعِي … حتَّى بدَا بَعْدَ السُّخَامِ الأَقْرَعِ
٥ - جَرّ بكِرْشِ الأخْرجِ الهَجَنَّعِ … يَمْشِي كَمَشْي الأَهْدَأ المُكَنَّعِ
٦ - يَا ابْنَةَ عَمَّا لَا تَلُومِي وَاهْجَعِي … لَا يَخْرِقُ اللومُ حجَابَ مسمعي
٧ - ألَمْ يَكُنْ يَبيَضُّ مَا لَمْ يَصْلَعِ … ................................
١ - قوله: "أم الخيار" اسم امرأته، وذكر في غالب شروح تلخيص المفتاح أن أم الخيار اسم محبوبته، وليس كذلك، قوله: "كله" يروى بالرفع والنصب؛ فالرفع مبتدأ، و"لم أصنع" خبره، والنصب مفعول لم أصنع.
٢ - قوله: "الأقرع"، ويروى: الأصلع، وكلاهما واحد، و"القنزع" والقنزعة: واحدة القنازع وهو شعر حوالي الرأس.
٣ - قوله: "قيل الله" أي: قول الله.
٤ - قوله: "السُّخَامِ" بضم السين المهملة وبالخاء المعجمة، يقال: شعر سخام إذا كان لينًا وهو من السخمة وهو السواد.
٥ - و"الأخرج": الَّذي له لونان من بياض وسواد، يقال: كبش أخرج وظليم أخرج، قوله: "الهجنع" بتشديد النون، وهو الطويل الضخم، و"الأهدأ" بالهمزة في آخره، يقال: رجل أهدأ؛ أي: أحدب، و"المكنع" بالنون من التكنيع وهو التقبض، و"الصلع": ذهاب شعر الرأس.
٦ - قوله: "يا ابنة عمّا" خاطب به امرأته أم الخيار المذكور فيما مضى وهي ابنة عمه، و"اهجعي": من الهجوع وهو النوم بالليل خاصة، يقول لها: يا ابنة عما دعي لومي على صلع رأسي فإنه كان يشيب لو لم يصلع.
الإعراب:
قوله: "يا": حرف نداء، و"ابنة عما": منادى مضاف، قوله: "لا تلومي": جملة من الفعل والفاعل، وحذف النون منه علامة للجزم، قوله: "واهجعي": أمر عطف على النهي.
стр. 1661
الاستشهاد فيه:
في إثبات الألف في: "يا ابنة عما" وإبدالها من الياء؛ إذ أصله: يا ابنة عمي (١).
الشاهد الحادي والثلاثون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
يَا أمَّتَا أَبْصَرَنِي رَاكِبٌ … يَسِيرُ في مُسْحَنْفِرٍ لَاحِبِ
فَقُمْتُ أخْشِي التربَ في وَجْهِهِ … عمدًا وأَحْمِي حَوْزَةَ الغَائِبِ
أقول: قالت هذا صبية من بنات العرب، وكان بعلها قد غاب عنها، فبينما هي إذ مر بها راكب فطمعت نفسه في الفجور بها، فكلمها في ذلك فحثت التراب في وجهه، وامتنعت عنه، ثم أخبرت بذلك أمها، وأنشدت البيتين، وقالت: (يا أمتا … ) إلى آخره.
وهما من الرجز (٤)، فردت عليها أمها، وقالت [من السريع]:
الحِصْنُ أدنى لوْ تَأييتهُ … من حثيكِ التربَ عَلَى الرَّاكِبِ
قول الأم: "الحصن": الحصانة، قولها: "لو تأييته" بالمد؛ أي: تعمدته.
قول البنت: "في مسحنفر" أي: طريق ماض ممتد، ومادته: ميم وسين مهملة وحاء ونون وفاء وراء، قولها: "لاحب" بالحاء المهملة؛ أي: بين واضح ظاهر، قولها: "أحثي": من حثى يحثي حثيًا، وكذلك: حثى يحثو حثوًا، و"الترب": التراب، وقولها: "وأحمي" أي: أحفظ حوزة الغائب، أي: ناحيته، قال ابن فارس: الحوز والحوزة: الناحية، ثم أنشد هذا البيت (٥)، ويقال: فلان يحمي حوزة الغائب؛ أي: يمنع من يريده بسوء.
الإعراب:
قوله: "يا أمتا" يا حرف نداء، و"أمتا": منادى، قولها: "أبصرني": جملة من الفعل والمفعول، و"راكب": فاعله، قولها: "يسير في مسحنفر": جملة وقعت صفة لراكب، قولها: "لاحب" بالجر صفة لقولها: "مسحنفر".
قولها: "فقمت" ويروى: فظلت، قولها: "أحثي الترب": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت حالًا من الضمير الَّذي في "قمت"، قولها: "عمدًا" أي: قصدًا، نصب على
стр. 1662
الحال بمعنى عامدة، قولها: "وأحمي": عطف على "أحثي"، و"حوزة الغائب": كلام إضافي مفعول أحمي.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا أمتا" حيث أبدلت تاء التأنيث من ياء المتكلم وأتت بالألف لمد الصوت (١).
الشاهد الثاني والثلاثون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَانًا عَن فُلِ … ....................................
أقول: قائله هو أبو النجم العجلي، واسمه الفضل بن قدامة، وهي من قصيدة مرجزة طويلة، وأولها هو قوله (٤):
١ - الحَمْدُ لله الوَهُوبِ المُجْزِلِ … أَعْطَى فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ يُبَخَّلِ
إلى أن قال:
٢ - تُثِيرُ أَيْدِيَهَا عَجَاجُ القَسْطَلِ … إذا عَصَبَتْ بالعَطَنِ المغَرْبِلِ
وقد ذكرنا أبياتًا كثيرة منها في أثناء الكتاب، يصف إبلًا أقبلت، وقد أثارت أيديها الغبار لكثرتها.
٢ - و"القسطل": الغبار.
٣ - قوله: "في لجة" اللجة -بفتح اللام- اختلاط الأصوات في الحرب، واللجة بالضم معظم الماء، والمراد هاهنا هو الأول، قوله: "عن فل" أي: عن فلان، وفلان كناية عن أسماء الأعلام نحو: زيد وعمرو؛ كما أن هناه كناية عن المنكرات، شبه تزاحم الإبل ومدافعة بعضها بعضًا بقوم شيوخ في لجة دفع بعضهم بعضًا، فيقال: أمسك فلانًا عن فلان؛ أي: أحجز بينهم، وخص الشيوخ لأن الشباب فيهم التسرع إلى القتال فلذلك قال:
стр. 1663
تُدَافِعِ الشَّيبَ ولَمْ تُقَتَّلِ … ...................................
أي: لم تقتل هذه الإبل وهي في ازدحام، ولا يقاتل كالشيوخ.
الإعراب:
قوله: "في لجة": جار ومجرور يتعلق بقوله: "تدافع الشيب" قوله: "أمسك فلانًا": جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنها مفعول لمحذوف تقديره: في لجة مقول فيها أمسك فلانًا، وقوله: "عن فل" أي: عن ذكر فلان، و "عن" للمجاوزة.
الاستشهاد فيه:
فإنه مرخم في غير النداء للضرورة (١).
الشاهد الثالث والثلاثون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
أُطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوي … إِلَى بَيْت قَعِيدتُهُ لَكَاعِ
أقول: قائله هو الحطيئة، واسمه جرول بن أوس، وقد تقدم الكلام فيه مستوفى في شواهد الموصول (٤).
والاستشهاد فيه هاهنا:
استعمال: "لكاع" في غير النداء للضرورة (٥).
стр. 1664
الشاهد الرابع والثلاثون بعد التسعمائة (١)، (٢)
حُمِّلْتَ أَمْرًا عَظيمًا فَاصْطَبَرْتَ لَهُ … وقُمتَ فِيهِ بِأَمْرِ الله يَا عُمَرَا
أقول: قائله هو جرير بن الخطفي، يرثي به عمر بن عبد العزيز الأموي ﵁ لما نعي، وأوله:
نَعَى النَّعَاةُ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ لَنَا … يَا خَيرَ مَنْ حَجَّ بَيتَ الله واعْتَمَرَا
حُمَّلْتَ أَمْرًا عَظِيمًا فَاضْطَلَعْتَ لَهُ … ...................... إلى آخره
هكذا روى المبرد هذا الشطر (٣)، وبعده:
فالشَّمْسِ طَالِعَةٌ لَيسَتْ بِكَاسِفَةٍ … تَبْكِي عَلَيكَ نُجُومَ الليلِ والقَمَرَا
قوله: "النعاة" بضم النون؛ جمع ناعٍ وهو الَّذي يأتي بخبر الموت، قوله: "فاضطلعت به" من قولهم: فلان مضطلع بهذا الأمر؛ أي: قوي عليه، وهو مفتعل من الضلاعة، ولا يقال: "مطلع".
الإعراب:
قوله: "حملت" على صيغة المجهول، والتاء فيه مفعول ناب عن الفاعل، وقوله: "أمرًا" مفعول ثان، و"عظيمًا" صفته، قوله: "فاصطبرت" جملة معطوفة على الجملة الأولى ومحل "له" نصب على المفعولية، قوله: "وقمت": جملة -أيضًا- معطوفة، وكلمة: "في"، "والباء" كليهما يتعلق بقمت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا عمرَا" فيا حرف نداء، وعمرا: منادى مندوب لأن الألف فيه للندبة، والهاء تزاد في الوقف لخفاء الألف، فإذا وصلت لم تزدها فقلت: يا عمرا ذا الفضل، فإذا وقفت، قلت: يا عمراه، وإنما حذف الشاعر الهاء لاستغنائه عنها (٤).
стр. 1665
الشاهد الخامس والثلاثون بعد التسعمائة (١)، (٢)
ذَا ارْعِوَاءً فَلَيسَ بَعْدَ اشْتِعَالِ الرْ … أْسِ شَيبًا إلى الصِّبَا مِنْ سَبِيلِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف.
قوله: "ارعواء": من ارعوى عن القبيح إذا رجع، يقال: فلان حسن الرعو والرعوى، قوله: "اشتعال" بالعين المهملة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤].
الإعراب:
قوله: "ذا": اسم إشارة منادى، وحرف النداء محذوف؛ أي: يا ذا ارعواء، و"ارعواء": نصب على المصدر، وتقديره: يا ذا ارعو ارعواءً، ويجوز أن يكون مفعولًا به، تقديره: يا ذا افعل ارعواء، ونحو ذلك.
قوله: "فليس" الفاء فيه للتعليل، واسم ليس هو قوله: "سبيل"، وكلمة "من" زائدة، تقديره: فليس سبيل بعد شيب الرأس إلى الصبا، [قوله: "إلى الصبا"] (٣) خبره، و"بعد": نصب على الظرف، و"شيبًا": نصب على التمييز.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ذا ارعواء" حيث حذف منه حرف النداء، والمنادى اسم الإشارة، وأصله: يا ذا ارعواء كما ذكرنا، ونص البصريون على أن حذف حرف النداء مع اسم الإشارة لا يجوز، وقال الكوفيون: يجوز ذلك، واستدلوا بالبيت المذكور، وهو اختيار ابن مالك - أيضًا - (٤).
стр. 1666
الشاهد السادس والثلاثون بعد التسعمائة (١)، (٢)
يا أَبْجَرَ بْنَ أَبْجَرٍ يَا أنْتَا … ...................................
أقول: قائله هو الأحوص، وتمامه:
............................. … أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتا
قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أسَأْتَا … فَأَدّ رِزْقَهَا الَّذِي أَكَلْتَا
وهو من الرجز المسدس، والمعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "يا أبجر" يا حرف نداء، وأبجر: منادى، و"ابن أبجر": صفته، وقد علم أن المنادى إذا وصف بابن، والابن بين العلمين، بُني المنادى مع الابن علي الفتح؛ كما تقول: يا زيد بن عمرو، وهاهنا كذلك.
وإن لم يقع بين علمين ترك المنادى على ضمه ونصب الابن؛ كما تقول: يا زيدُ ابنَ أخينا.
الاستشهاد:
في قوله: "يا أنتا" فإن يا حرف نداء، وأنت منادى، وأنت ضمير رفع، وحق المنادى أن يكون منصوبًا؛ فلذلك حكم بشذوذه.
وقال أبو حيان (٣): وأما "يا أنتا" فشاذ؛ لأن الموضع موضع نصب، وأنت ضمير رفع، فحقه ألا يجوز؛ كما يجوز في: إياك، لكن بعض العرب قد جعل بعض الضمائر نائبًا عن غيره؛ كقولهم: رأيتك أنت، بمعنى: رأيتك إياك، فناب ضمير الرفع عن ضمير النصب، وكذلك قالوا: يا أنتا، والأصل: يا إياك، وقد يقال: إن يا في: يا أنتا حرف تنبيه، وأنت مبتدأ، وأنت الثانية!
стр. 1667
تأكيد لفظي، والخبر هو الموصول، وهو قوله: "الَّذي طلقت عام جعتا"، وهذا أَوْلى من ادعاء نداء المضمر بصورة المرفوع وجعله شاذًّا.
وقال ابن عصفور: لا ينادى مضمر إلا نادرًا، والأسماء كلها تنادى إلا المضمرات، أما ضمير الغيبة وضمير التكلم فهما مناقضان لحرف النداء؛ لأن حرف النداء يقتضي الخطاب، ولم يجمع بين حرف النداء والضمير المخاطب؛ لأن أحدهما يغني عن الآخر؛ فلم يجمع بينهما إلا في الشعر مثل قوله:
يا أقْرَعُ بنُ حَابِسٍ يا أنتا … أنت الَّذي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتا
فمنهم من جعل يا تنبيهًا، وجعل أنت مبتدأ، وأنت الثاني إما توكيدًا أو مبتدأ أو فصلًا أو بدلًا. انتهى (١).
وقال أبو حيان: دل كلامه على أن العرب لا تنادي ضمير المتكلم؛ فلا تقول: يا أنا، ولا ضمير الغائب، فلا تقول: يا إياه، ولا: يا هو، فكلام جهلة الصوفية في نداء الله تعالى: يا هو ليس جاريًا على كلام العرب (٢).
الشاهد السابع والثلاثون بعد التسعمائة (٣)، (٤)
هَذِي بَرَزْتِ لنا فَهِجْتِ رَسِيسًا … ..................................
أقول: قائله هو أبو الطيب [أحمد بن الحسين] (٥) المتنبي، وهو من قصيدة طويلة يمدح بها أبا بكر بن محمد بن زريق الطرسوسي، وهو أول القصيدة وتمامه (٦):
........................... … ثمّ انْصَرَفتِ وما شفَيْتِ نَسِيسًا
стр. 1668
وبعده:
٢ - وجعلتِ حَظِّي مِنْكِ حظِّي في الكَرَى … وتركْتنِي للفَرْقَدَيْن جَلِيسًا
٣ - قَطَّعْتِ ذَيَّاكِ الخُمَار بسَكْرَةٍ .... وأدَرْت منْ خمْرِ الفِرَاقِ كُؤُوسًا
وهي من الكامل.
قوله: "برزت" أي: ظهرت، قوله: "فهجت": من هاجه إذا أثاره، قوله: "وسيسًا" بفتح الراء وكسر السين المهملة، وهو مس الحمى أو الهم أو الوجد، قوله: "نسيسًا" بفتح النون وكسر السين المهملة الأولى، وهو بقية النفس.
الإعراب:
قوله: "هذي": منادى حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا هذه، و"برزت": جملة من الفعل والفاعل، و"لنا" يتعلق به، قوله: "فهجت": جملة أيضًا عطف على برزت، و"رسيسًا": مفعوله.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "هذي" حيث حذف منه أبو الطيب حرف النداء، وحَذْف حرف النداء مع اسم الإشارة لا يجوز، نص على ذلك البصريون؛ فلذلك لحنوا أبا الطيب في ذلك.
وخرج على أن "هذي" إشارة إلى البرزة فهي مصدر؛ كقولهم: ظننت ذاك، فذاك إشارة إلى المصدر.
وأما الكوفيون فإنهم جوَّزوا هذا على ما ذكرنا؛ فلا وجه حينئذ إلى تلحين أبي الطيب (١).
стр. 1669
الشاهد الثامن والثلاثون بعد التسعمائة (١)، (٢)
......................... … بِمِثْلِكِ [هذا] (٣) لَوْعَةٌ وَغَرَامُ
أقول: قائله هو ذو الرمة غيلان، وصدره (٤):
إذا هَمَلَتْ عَيْنِي لَها قَال صَاحبي … ....................................
وهو من قصيدة ميمية، أولها هو قوله (٥):
١ - عَلَيْكُنَّ يا أَطْلال مَيٍّ بشَارِعٍ … علَى ما مضَى منْ عهدِكُنَّ سلامُ
٢ - ولا زَال نَوْءُ الدَّلْو يَبْعَقُ وَدْقُهُ … بِكُنَّ ومِنْ نَوْءِ السماء غَمَامُ
إلى أن قال:
إذا هملت .................... … ........................ إلخ
وهو (٦) من الطويل.
قوله: "هملت" أي: همرت، يعني: صبت، قال ابن فارس: الهمْرُ: صبُّ الدمعِ والماء (٧)، قوله: "وغرام": من أغرم بالشيء: أولع به، والغرام: اللازم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥].
الإعراب:
قوله: "إذا" للشرط، و"هملت عيني": فعل وفاعل، وقعت فعل الشرط، قوله: "لها" أي: لأجلها، قوله: "قال صاحبي": جملة من الفعل والفاعل وقعت جوابًا لإذا، قوله: "هذا" يعني: يا هذا؛ فحذف حرف النداء، قوله: "لوعة" بالرفع مبتدأ، وخبره قوله: "بمثلك"، و"غرام": عطف على لوعة.
стр. 1670
الاستشهاد فيه:
في قوله: "هذا" حيث حذف منه حرف النداء، والمنادى اسم إشارة، واستدل به الكوفيون على جواز حذف حرف النداء من اسم الإشارة، وقد مر الكلام فيه مستقصى (١).
الشاهد التاسع والثلاثون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
أدارًا بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَين عَبرَةً … .............................
أقول: قائله هو ذو الرمة غيلان، وتمامه (٤).
.............................. … فَمَاءُ الهَوَى يَرْفَضُّ أو يَتَرَقْوَقُ
وهو من قصيدة قافية من الطويل، وأولها هذا البيت، وبعده:
كَمُسْتَعْبِري في رسمِ دارٍ كأنها … بوَعْسَاءَ تَنْضُوهَا الجماهيرُ مُهْرَقُ
وقفنا فسلَّمْنَا فكادت بِمُشْرِفٍ … لِعِرْفَان صوْتِي دِمْنَةُ الدَّارِ تَنْطِقُ
قوله: "بحزوى" بضم الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الواو؛ اسم موضع بعينه، قوله: "هجت" أي: حركت، وكذلك: هيجت بمعناه، و"العبرة": الدمع (٥).
قوله: "فماء الهوى" يعني: الدمع؛ لأنه يبعثه؛ فلذلك أضيف إليه، قوله: "يرفضَّ" أي. يسيل بعضه في إثر بعض، قال ابن فارس: إرْفَضّ دمعُ العيِن: سأل، وكلُّ متَفَرِّقٍ مُرْفَصٌّ، ومادته: راء وفاء وضاد معجمة (٦).
قوله: "أو يترقرق" بمعنى: يبقى في العين متحيرًا يجيء ويذهب، ورقراق السراب من ذلك، وحكى بعضهم أن معنى يترقرق هاهنا يتدفق.
الإعراب:
قوله: "أدارًا" الهمزة حرف النداء، يعني: يا دارًا، ودارًا منادى نكرة، قوله: "بحزوى": يتعلق بمحذوف، والتقدير: أدارًا مستقرة بحزوى، قوله: "هجت": فعل وفاعل، و"عبرة": مفعوله.
стр. 1671
و"للعين" يتعلق به، قوله: "فماء الهوى": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "يرفض": خبره، وقوله: "أو يترقرق": عطف عليه.
قال ابن هشام اللخمي: "أو" هاهنا للإباحة، ويجوز أن تكون بمعنى الواو.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أدارًا" حيث نصب وإن كان هو مقصودًا بالنداء، قال الأعلم (١): هو منكور في اللفظ لاتصاله بالمجرور، ووقوعه موقع صفته، فكأنه قال: أدارًا مستقرة بحزوى، فجرى لفظة على التنكير وإن كان معرفة مقصودًا بالنداء ونظيره مما ينتصب، وهو معرفة، لأن ما بعده من صلته، فضارع المضاف نحو قولهم: يا خيرًا من زيد، وكذا ما نقل إلى النداء موصوفًا بما توصف به النكرة يجري عليه لفظ المنادى المنكور وإن كان في المعنى معرفة.
وقال الفراء (٢): النكرة [المقصودة (٣)] الموصوفة المناداة تؤثر العرب نصبها، يقولون: يا رجلًا كريمًا [أقبل (٤)] فإذا أفردوا رفعوا أكثر مما ينصبون.
وقال أبو حيان (٥): يؤيد ذلك ما روي من قوله ﵇ في سجوده: "يا عظيمًا يرجى لكل عظيم" (٦).
وقال صاحب رؤوس المسائل: وإذا جئت بعد النكرة بفعل أو ظرف أو جملة وجب معها نصب المنادى عند البصريين قصدت به واحدًا بعينه أو لم تقصد، وأجاز [فيه] (٧) الكسائي الرفع والنصب مطلقًا (٨).
стр. 1672
الشاهد الأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
كَحِلْفَةٍ مِنْ أبِي رَبَاحٍ … يَسْمَعُهَا لَاهُمُ الكُبَارُ
أقول: قائله بعض العرب، أنشده الفراء، ولم يبين قائله (٣)، وذكر بعض شراح الكتاب أن قائله هو الأعشى، وكذا قاله ابن جني في سر الصناعة (٤)، وكذا الصاغاني في العباب، ولكن روايته:
.................... … ......... إلاهُهُ الكُبارُ (٥)
فعلى هذا لا استشهاد فيه.
قوله: "كحلفة" أي: كيمين من أبي رباح، وهو كنية رجل، و"الكبار" بضم الكاف وتخفيف الباء الموحدة؛ صيغة مبالغة للكبير؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَكْرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] قرئ بالتخفيف والتشديد.
الإعراب:
قوله: "كحلفة" الكاف للتشبيه وتتعلق بمحذوف، تقديره: حلف كحلف أبي رباح، وقوله: "من أبي رباح" في محل الجر صفة للحلفة، تقديره؛ كحلفة كائنة أو صادرة من أبي رباح، قوله: "يسمعها": جملة من الفعل والمفعول وهو الضمير الَّذي يرجع إلى الحلفة، وقوله: "لا هم": فاعلهم (٦)، و"الكبار" بالرفع صفته.
стр. 1673
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لاهم" فإن فيه شذوذين:
أحدهما: استعماله في غير النداء؛ لأنه فاعل يسمعها.
والثاني: تخفيف ميمه، والأصل فيه التشديد؛ لأنه عوض في آخره من حرف النداء من أوله؛ ألا ترى أنَّه لا يجمع بينهما إلا في ضرورة الشعر، ولكن الأعشى خففها للضرورة (١).
الشاهد الحادي والأربعون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
أَيُّهَذَانِ كُلَا زادكُمَا … ...............................
أقول: لم أقف على اسم قائله، وتمامه:
............................ … وَدَعَاني وَاغِلًا فيمن يَغِلْ
وهو من الرمل:
[قوله] (٤) و"دعاني" أي: اتركاني، قوله: "واغلًا" بالغين المعجمة، وهو الَّذي يدخل على القوم يشربون ولم يُدْعَ، وذلك الشراب الوغل، قوله: "فيمن يغل" أصله: يوغل لأنه من وغل، حذفت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ويروى: فيمن وغل.
الإعراب:
قوله: "أيهذان" أي: يا أيهذان، حذف منه حرف النداء، و"أي" هو المنادى وصف باسم الإشارة وهو هذان، قوله: "كُلا": جملة من الفعل والفاعل وهو أنتما المستكن فيه (٥)، و"زادكما": كلام إضافي مفعوله، قوله: "ودعاني" -أيضًا- جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على قوله: "كُلا"، قوله: "واغلًا": حال من الضمير المنصوب في: "دعاني"،
стр. 1674
قوله: "فيمن يغل" يتعلق بواغلًا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أيهذان" حيث وصف المنادى فيه باسم الإشارة؛ كما في قوله:
ألَا أَيُّهَذَا البَاخِعُ الوَجْد نَفْسَهُ … .................................. (١)
وقد مَرَّ بيانه.
الشاهد الثاني والأربعون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ لَا أَبَا لكُمُ … .................................
أقول: قائله هو جرير بن عطية الخطفي، وتمامه (٤):
.............................. … لا يُلْفِيَنَّكُمْ في سَوْأةٍ عُمَرُ
وهو من قصيدة يهجو بها عمرو بن لجأ التميمي، وقبله:
١ - والتيمُ عبدٌ لِأقوامٍ يلُوذُ بِهِمْ … يُعْطَى المقُاداةَ إِنْ أَوْفَوْا وإنْ غَدَرُوا
٢ - أَتَبْتَغِي التيمُ عُذْرًا بعدَ ما غَدَرُوا … لا يَقْبَلُ اللهُ من تَيْمٍ إذَا اعْتَذَرُوا
٣ - يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ .............. … ............................... إلخ
وهو من البسيط.
٣ - قوله: "يا تيمُ تيمَ عَدِيٍّ" إنما أضاف التيم إلى عدي ليفرق بينها، وبين تيم مرة في قريش، وتيم غالب بن فهر في قريش - أيضًا، وهم بنو الأدرم، وتيم قيس بن ثعلبة، وتيم شيبان، وتيم ضبة، وعدي الَّذي أضاف تيمًا إليه هو أخوه، وهما - تيم وعدي - ابنا عبد مناف بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، قوله: "لا أبا لكم" للغلظة في الخطاب، وأصله أن ينسب الخاطب إلى غير أب شتمًا له واحتقارًا، ثم كثر في الاستعمال حتَّى جعل في
стр. 1675
كل خطاب يغلظ فيه على المخاطب.
وحكى علي أبو الحسن بن الأخضر (١) أن العرب كانت تستحسن. لا أبا لك، وتستقبح: لا أم لك؛ لأن الأم مشفقة ضانة، والأب جائر مالك، قوله: "لا يلفينكم": من ألفى إذا وجد، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ أي: وجداه (٢).
قوله: "في سوأة" بفتح السين وسكون الواو وفتح الهمزة، وهي الفعلة القبيحة، والخطاب في ذلك إلى قومه، ويقول لهم: انْهَوْهُ عن شتمي ولا تساعدوه على ذلك، فإن لم تفعلوا ألفاكم في سوأة من هجوي إياكم، فلما توعّد جرير قوم عمرو بن لجأ في شعره التقدم أتَوْا بِهِ موثوقًا وحكموه فيه، فأعرض عن هجوهم.
الإعراب:
قوله: " [يا تيم] (٣) يا: حرف نداء، وتيم: بالنصب منادى مضاف مع تأكيده، وحذف المضاف إليه من الأول لدلالة الثاني عليه، وتقديره: يا تيم عدي تيم عدي، قوله: "لا أبا لكم" لا لنفي الجنس، "وأبا لكم"، نصب اسمها تشبيهًا له بالمضاف، وقيل: إنه مضاف.
قوله: "لا يلفينكم" لا نهي، "ويلفينكم": في موضع جزم بالنهي لأنه مبني لدخول النون الثقيلة عليه، فلذلك حكم على الموضع بالجزم، والكاف والميم مفعول بهما، و"عمر": فاعله، والنهي في اللفظ واقع على عمر، وفي المعنى واقع عليهم، ويروى: لا يوقعنكم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا تيمُ تيمَ عدي" فمذهب سيبويه في هذا الباب إذا نصبهما جميعًا أن يكون الثاني مقحمًا، ويجوز أن يكون تيم الأول مضمومًا على أنَّه منادى علم، والثاني بدلًا من الأول، أو عطف بيان، أو منادى مضاف، وحذف المضاف إليه لدلالة الثاني عليه، والتقدير: يا تيم عدي يا تيم عدي؛ كما ذكرنا فحذف الأول، ويكون تيم الثاني على ما قدمنا من النداء أو البدل أو عطف البيان أو على إضمار: أعني (٤).
стр. 1676
الشاهد الثالث والأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
رَضِيتُ بِكَ اللَّهُمَّ رَبًّا فَلَنْ أُرَى … أدِينُ إِلَهًا غَيْرَكَ اللهُ رَاضِيًا
أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله (٣):
١ - إلَى الله أُهْدِي مِدْحَتِي وثَنَائِيَا … وقَوْلًا رَصِينًا لَا يَفي الدَّهْرَ بَاقِيَا
٢ - إلَى الملَكِ الأَعلَى الذِي لَيْسَ فَوقَهُ إِلَهٌ … ولَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا
٣ - ألا أيُّهَا الإِنْسَانُ إيَّاكَ والرَّدَى … فإنَّكَ لَا تَخْفَى مِنَ الله خَافِيَا
٤ - وإِيَّاكَ لا تَجْعَلْ مَعَ الله غَيرَهُ … فإن سبِيلَ الرُّشدِ أَصْبَحَ باديَا
٥ - حَنَانَيكَ إنَّ الجِنَّ كُنْتَ رَجَاءَهُمْ … وأَنتَ إِلَهِي رَبَّنَا ورَجَائِيَا
٦ - رضِيتُ بكَ اللَّهُمَّ ............. … ...................... إلخ
وأنتَ الذِي مِن فَضْلِ مَنٌّ ورَحْمَةٍ … بَعَثْتَ إلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيًا
قوله: "رصينًا" أي: محكمًا، قوله: "باقيًا" صفة لقوله: "رصينًا"، و"الدهر": نصب
стр. 1677
على الظرف، قوله: "مدانيًا" أي: مقاربًا، و"الردى": الهلاك، وأراد به العمل الَّذي يؤدي إلى الهلاك، قوله: "باديًا" أي: ظاهرًا.
قوله: "حنانيك": مصدر مثنى كلبيك، والمعنى: تحننًا بعد تحنن غير منقطع إليك، وقال ابن يعيش: التحنن: الرحمة والخير، وقد استعمل مفردًا -أيضًا -كما في قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَّدُنًا﴾ [مريم: ١٣] أي: رحمة (١).
قوله: "رسولًا مناديًا" أراد به جبريل الَّذي أنزله الله - تعالى - إلى موسى ﵇.
الإعراب:
قوله: "رضيت": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "بك": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية، [وقوله] (٢) "اللَّهم" أصله: يا الله كما علم، قوله: "ربًّا": منصوب على التمييز، والتمييز لان كان في الأصل أن يكون في المعنى فاعلًا فقد يكون مفعولًا -أيضًا-؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوُنًا﴾ [القمر: ١٢]، ويجوز أن يكون منصوبًا على المفعولية؛ لأن رضي إذا عدي بالباء يتعدى إلى مفعول آخر.
قوله: "فلن أرى" الفاء تصلح أن تكون للتفسير، وتصلح أن تكون جواب شرط محذوف، أي: إذا رضيت بك ربًّا فلن أرى، وهو من الرأي في الأمر، وقوله: "إلهًا" [منصوب] (٣) بقوله: أدين، و"غيرك": كلام إضافي صفته.
قوله: "راضيًا" نصب على أنَّه مفعول: رضيت، وهذا من قبيل قولك: قمت قائمًا، أي: قيامًا، والمعنى هاهنا: رضيت رضًا بك ربًّا، يعني: قنعت بك واكتفيت بك ولم أطلب ربًّا غيرك، ويروى: ثانيًا في موضع راضيَا على أنَّه صفة لقوله: "إلهًا".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "اللهَ" حيث حذف منه حرف النداء؛ إذ أصله: يا ألله، وقد علم أن حرف النداء لا يحذف من اسم اللَّه إذا لم تعوض الميم، ولكن قد أجاز ذلك بعضهم بدون التعويض مستدلًا بالبيت المذكور (٤).
стр. 1678
الشاهد الرابع والأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
عَبَّاسُ يا المَلِكُ المُتَوَّجُ والذِي … عَرَفَتْ لَهُ بَيتَ العُلَا عَدْنَانُ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل.
قوله: "المتوج" هو الَّذي على رأسه تاج، و"عدنان": أبو العرب، وجميع العرب من عدنان وقحطان، فمن قحطان سبأ وحضر موت، ومن عدنان: ربيعة ومضر، ولما كان عباس المذكور من عرب عدنان عينه من شعره.
الإعراب:
قوله: "عباس": منادى مفرد معرفة حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا عباس، قوله: "يا الملك" -أيضًا- منادى، و"المتوج" بالرفع صفته حملًا على اللفظ، ويجوز النصب حملًا على المحل، قوله: "والذي": عطف على ما قبله، وقوله: "عرفت": فعل، و"عدنان": فاعله، و"بيت العلا": كلام إضافي مفعول، وقوله: "له" يتعلق بقوله: "عرفت".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا الملك" فإن الكوفيين استدلوا به على جواز دخول حرف النداء على المعرف بالألف واللام، فأجازوا أن يقال: يا الغلام، ويا الَّذي قام، ويا الحرث، ويا الفرزدق، وحكى ذلك أيضًا أبو العباس عن البغداديين يقولون: يا الرجل أقبل، وأجيب عن ذلك بوجهين:
الأول: أن ذلك محمول على الضرورة.
والثاني: أن المنادى فيه محذوف تقديره: يا أيها الملك، وكذلك يقدر في الأمثلة المذكورة (٣).
стр. 1679
الشاهد الخامس والأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
دَرَسَ المَنَا بِمُتَالِعٍ فَأَبَانِ … ........................................
أقول: قائله هو لبيد بن ربيعة العامري، وتمامه:
............................. … فتقادَمَتْ بالحبسِ والسُّوبَانِ
وهو من الكامل.
قوله: "درس المنا" أي: درس المنازل فحذف منه حرفين، يقال: درس المنزل إذا عفى، و"المُتالع" بضم الميم وبالتاء المثناة من فوق وفي آخره عين مهملة، وهو اسم موضع، وقال الجوهري: اسم جَبَل (٣).
وكذلك: "أبان" اسم موضع، ويقال: اسم جبل، وهو بفتح الباء والهمزة وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره نون، قوله: "بالحبس" بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الباء الموحدة وفي آخره سين مهملة، وهو اسم موضع، وقيل: جبل، "والسوبان" [بضم السين] (٤) المهملة وبعد الواو الساكنة باء موحدة، وهو أيضًا اسم موضع.
الإعراب:
قوله: "درس": فعل، وقوله: "المنا": فاعله، والباء في "بمتالع" في محل الرفع على أنها صفة للمنازل، أي: المنازل الكائنة في متالع وأبان، والفاء بمعنى الواو؛ كما في قول امرئ القيس (٥):
.................. … ....... بين الدخول فحومل
стр. 1680
الاستشهاد فيه:
في قوله: "المنا" فإن أصله: المنازل؛ كما ذكرنا، وحذف منه الزاي واللام، وهو حذف قبيح (١).
الشاهد السادس والأربعون بعد التسعمائة (٢)، (٣)
......................... … إلى أُمّا ويُرْوينِي النَّقِيعُ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وصدره (٤):
أُطَوِّفُ ما أُطَوَّفُ ثُمَّ آوي … ...................................
وهو من الوافر.
قوله: "أطوف": من طوف تطويفًا وتطوافًا، والتشديد فيه للتكثير، ومعناه: أكثر من الديوان والطواف، قوله: "ثم آوي": من أوى الإنسان إلى منزله يأوى أويًّا، قوله: "النقيع" بفتح النون وكسر القاف وهو اللبن المحض يبرد.
الإعراب:
قوله: "أطوف": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "ما أطوف" كلمة ما مصدرية، والمعنى: أطوف الطواف الكثير، وهو من المصادر السادة مسد الظروف؛ كأنه قال: مدة طوافي، قوله: "ثم آوي": جملة من الفعل والفاعل عطف على قوله: "أطوف"، وقوله: "إلى" يتعلق بقوله: آوي، و"يرويني": جملة من الفعل والمفعول، و"النقيع": فاعله، والجملة حال مقدرة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إلى أُمّا" إذ أصله: أمي، فقلبت الياء ألفًا، ومنه ما أجازه المازني من قوله: قام غلاما، أصله: غلامي (٥).
стр. 1681
الشاهد السابع والأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
ولسْتُ برَاجعٍ ما فاتَ مِنِّي … بِلَهْفَ وَلَا بِلَيْتَ ولا لَوْ أَنِّي
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الوافر.
قوله: "بلهف": من لهف يلهف لهفًا إذا تحسر.
الإعراب:
قوله: "ولست" الواو للعطف إن تقدمه شيء، والتاء اسم ليس، وقوله: "براجع": خبره، والباء فيه زائدة، قوله: "ما": موصولة، و"فات مني": جملة صلتها، والموصول مع صلته في محل النصب على أنها مفعول لراجع، وراجع يتعدى ولا يتعدى.
قوله: "بلهف" أي: بقولي لهف، والباء تتعلق بقوله: "براجع"، قوله: "ولا بليت": عطف على ما قبله، والتقدير: ولا بقولي ليت التي هي كلمة التمني، قوله: "ولا لو أني" أي: ولا بقولي: لو أني فعلت، إن كان تحسره على عدم الفعل، أو لو أني تركت، إن كان تحسره على الفعل، والحاصل أن الأمر الَّذي فات لا يعود ولا يتلاقى، لا بكلمة التلهف، ولا بكلمة التمني ولا بكلمة لو التي تفتح أبوابًا من الشيطان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "بلهف" فإن أصله: لهفا بالألف، ولكنه حذف الألف واكتفى بالفتحة، وأصله؛ "يا لهفي "فحذف حرف النداء، ثم قلبت الياء ألفًا، ثم حذفت الألف اجتزاء بالكسرة (٣).
стр. 1682
الشاهد الثامن والأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
.......................... … ............. وَإِنَّمَا أهْلَكْتُ مَالُ
أقول: قائله هو أوس بن غلفاء، وصدره:
ذَرِيْنِي إِنَّمَا خَطَئِي وَصَوبِي … عَلَيَّ ...............................
وقبله:
أَلَا قَالتْ أُمَامَةُ يَوْمَ غَوْلٍ … تقطع بابْنِ غَلْفَاءَ الحِبَالُ
وهما من الوافر.
قوله: "ذريني" أي: اتركيني، قوله: "صوبي" أي: صوابي، قوله: "أهلكت مال" أي: إِن الَّذي أهلكته مالي لا مال غيري.
الإعراب:
قوله: "ذريني": جمل من الفعل والفاعل والمفعول، وبطل عمل أن بدخول ما الكافة، وقوله: "خطي": كلام إضافي مبتدأ، و"صوبي": عطف عليه، وقوله: "عليَّ": خبره، قوله: "أهلكت": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "مال" مفعوله.
والاستشهاد فيه:
إذ أصله: "مالي" فحذف ياء الإضافة مبنية فظهر إعراب ما قبلها، قاله أبو عمرو، وخالفه البعض، وقال: إنما أراد: وإن الَّذي أهلكته مال لا عرض؛ فحينئذ لا شاهد فيه؛ لأن مال يكون مرفوعًا على أنَّه خبر إن، وهكذا قدره الصاغاني في العباب، وقال بعد أن أنشد البيتين المذكورين: أي: وإن الَّذي أهلكت إنما هو مال، وينبغي أن يكون الصواب هذا، لأن على التقدير الأول يكون في البيت إقواء، فافهم (٣).
стр. 1683
الشاهد التاسع والأربعون بعد التسعمائة (١)، (٢)
كُنْ لِي لا عليَّ يا ابنَ عمَّا … نَعِشْ عَزِيزَيْنِ ونكفي الهما
أقول: أنشده أبو الفتح ولم يعزه إلى قائله، وهو من الرجز المسدس، المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "كن": أمر، واسم كان الضمير الَّذي فيه، وقوله: "لي": جار ومجرور خبره، قوله: "لا عليّ": عطف على قوله: "لي"، أي: لا تكن عليَّ، وقوله: "يا ابن عما" كلمة يا حرف النداء، "وابن عما": كلام إضافي منادى، قوله: "نعش": فعل مجزوم جواب الأمر، قوله: "عزيزين": حال من الضمير الَّذي في نعش، قوله: "ونكفي الهما": جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على الجملة الأولى.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا ابن عمَّا" حيث قلب الشاعر ياء الإضافة ألفًا، والألف في "الهما" للإطلاق (٣).
стр. 1684
الشاهد الخمسون بعد التسعمائة (١)، (٢)
أَيَا أَبَتِي لَا زِلْتَ فِينَا فَإِنَّمَا … لَنَا أَمَلٌ في العَيْشِ ما دُمْتَ عَائِشًا
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل.
الإعراب:
قوله: "أيا": حرف نداء، و"أبتي": منادى مضاف، وقوله: "لا زلت" الضمير فيه اسم لزال، وخبره قوله: "فينا"، والمعنى: لا زلت موجودًا فينا، قوله: "فإنما" الفاء للتعليل، وإِن أبطل عملها دخول ما الكافة، وقوله: "أمل": مبتدأ، وقوله: "لنا" مقدمًا خبره، و"في العيش" يتعلق بأمل، قوله: "ما دمت" كلمة ما مصدرية زمانية، والتقدير: مدة دوامك عائشًا، و"عائشًا" منصوب لأنه خبر ما دمت.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يا أبتي" حيث جمع فيه بين العوض والمعوض، وهما التاء وياء المتكلم؛ لأن التاء عوض عن ياء المتكلم في قولنا: يا أبت، وهذا لا يجوز إلا عند الضرورة؛ كما في البيت المذكور، ومذهب البصريين أنَّه لا يجوز الجمع بينهما في الكلام، وأجازه كثير من الكوفيين (٣).
стр. 1685
الشاهد الحادي والخمسون بعد التسعمائة (١)، (٢)
......................... … يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَنْ
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وأوله:
تقولُ بِنْتِي قد آنى أَنَاكَا … .................................
قوله: "قد أنى أناك" أي: قد جاء وقتك وزمانك، يقال: أنى يأني أنًى، أي: حان، وأنى -أيضًا- أدرك، "وأناك" بفتح الهمزة وتخفيف النون أصله: أناؤك، والأناء على وزن فعال: اسم من الفعل المذكور، المعنى: تقول ابنتي: يا أبتي قد جاء زمن سفرك علك تجد رزقًا.
الإعراب:
قوله: "تقول": فعل، و"بنتي": كلام إضافي فاعله، "قد أنى": فعل ماض محقق بقد، و"أناك": كلام إضافي فاعله، قوله: "يا أبتا" يا حرف نداء، وأبتا: منادى مضاف إلى ياء المتكلم، والتاء والألف عوضان عن يائه، قوله: "علك": لغة في: لعلك (٣)، والكاف اسم لعل، وخبره محذوف، تقديره: لعلك تجد رزقًا، قوله: "أو عساكن" عطف عليه، والكاف اسم عسى، وخبره محذوف، أي: أو عساك تجده.
والاستشهاد فيه:
في مواضع:
الأول: وقوع الضمير المتصل بعد عسى على اللغة القليلة، والكثير فيه: عسيت.
الثاني: دخول تنوين الترنم في عساكن.