الشاهد السابع والثلاثون بعد الألف (١) , (٢)
عليه مِن اللُّؤْمِ سِرْوَالةٌ … فليسَ يَرِقُّ لِمُسْتَعْطِفِ
أقول: قائله مجهول، وقيل البيت مصنوع، وهو من المتقارب.
قوله: "من اللؤم" وهو [بضم اللام وهو الدناءة في الأصل والخساسة في الفعل، وبالفتح] (٣) العذل (٤)، و"المستعطف": طالب العطف وهو الشفقة.
الإعراب:
قوله: "سروالة": مرفوع بالابتداء، وخبره هو قوله: "عليه" مقدمًا، أي على ذلك المذموم، و "من اللؤم" يتعلق بمحذوف، وكذلك: "عليه"، والتقدير: سروالة كائنة عليه من اللؤم، و "من اللؤم": صفة لسروالة فيكون محلها الرفع (٥) , قوله: "فليس" الفاء تصلح للتفسير وللتعليل، وهو الظاهر، والضمير المستتر فيه اسم ليس، و "يرق": جملة خبره، و "لمستعطف": يتعلق به.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "سروالة" حيث احتج به من قال إن سراويل جمع: سروالة، وأن سراويل منع من الصرف لكونها جمعًا، وقال سيبويه: سراويل واحد وهو أعجمي أعرب؛ كما أعرب الآخر، إلا أن سراويل يشبه من كلامهم ما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة [كما أشبه بَقَّمَ الفعل ولم يكن له نظير في الأسماء (٦)، فسيبويه يرى أنه لا ينصرف في معرفة ولا نكرة] (٧).
وقال أبو الحسن: بعضهم يجعلها اسمًا مفردًا فهي مصروفة عنده في النكرة على هذا المذهب، قال: ومن العرب من يراها جمعًا وواحدها سروالة، وأنشد البيت المذكور؛ فعلى هذا لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وهذا نقل الأخفش عن العرب وإنما علينا اتباعهم.
стр. 1787
قال أبو حيان: ولعل سيبويه لم يسم من صرف لقلتها ولم يتقرر عنده أن سراويل جمع سروالة بل هو اعتقاده؛ ألا ترى أنه يقول: هو واحد وهو أعجمي، وقال ابن الحاجب: وسراويل إذا لم يصرف فقد قيل إنه أعجمي حمل على موازنه.
وقيل: عربي جمع سروالة تقديرًا، فإذا صرف فلا إشكال (١)، وقال النيلي (٢): في سراويل ثلاثة أقوال (٣): أما سيبويه فيقول: سراويل اسم مفرد أعجمي نكرة، ولا ينصرف لأنه وافق بناؤه بناء ما لا ينصرف من العربي نحو قناديل.
الثاني: أنه جمع سروالة في التقدير، وليس فيه عجمة بل هو عربي.
الثالث: قيل: بل هو جمع محقق وأنشد البيت المذكور، وقال السيرافي: سروالة لغة في السراويل؛ إذ ليس مراد الشاعر عليه [من اللؤم] (٤) قطعة من جزء السراويل.
الشاهد الثامن والثلاثون بعد الألف (٥) , (٦)
أَنَا ابنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا … متَى أَضَعِ الْعمَامَةَ تَعْرِفُونِي
أقول: قائله هو سحيم بن وثيل الرياحي (٧)، وقيل: المثقب العبدي، وقيل: أبو زبيد، ونسبه بعضهم إلى الحجاج بن يوسف الثقفي، وليس بصحيح، وإنما هو أنشده على المنبر لما قدم الكوفة واليًا عليها، وقيل: إنه من قصيدة سحيم التي أولها:
١ - أَفَاطِمَ قبل بينِكِ متِّعِينِي … ومنعك ما سألت كأن تبيني
وهو من قصيدة طويلة، وقد ذكرنا طرفًا منها في شواهد المعرب والمبني (٨).
стр. 1788
قوله: "وطلاع الثنايا": مبالغة طالع من طلع القمر، يقال: رجل طلاع الثنايا إذا كان ساميًا لمعالي الأمور؛ كما يقال: طلاع أنجد، و"الثنايا": جمع ثنية وهي السن المشهورة (١).
الإعراب:
قوله: "أنا": مبتدأ، و"ابن جلا": كلام إضافي خبره, قوله: "وطلاع الثنايا": كلام إضافي -أيضًا- معطوف على الخبر.
قوله: "متى": اسم شرط هاهنا، و"أضع": جملة مت الفعل والفاعل، و"العمامة": مفعوله، وقوله: "تعرفوني": جواب الشرط؛ ولهذا جزم به، وعلامة الجزم سقوط النون من: تعرفوني؛ إذ أصله: تعرفونني.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أنا ابن جَلَا" فإن عيسى بن عمر استدل به على أنه إذا سمي بنحو: ضرب ودحرج منع الصرف، وأنه ليس من باب الحكاية، وليس فيه ضمير، ولكنه سماه بلفظ الفعل فامتنع الصرف وإن كان وزنًا مشتركًا (٢).
وردّ بأنه سمي بجلا من قولك: زيد جلا، ففيه ضمير مستتر فيه؛ فهو من التسمية بالفعل المحكي فقط، وأيضًا فلا نسلم أنه اسم بالكلية، بل هو صفة لمحذوف تقديره: أنا ابن رجل جلا (٣)؛ كما في
стр. 1789
قول الآخر (١):
والله مَا زَيدٌ بِنَامَ صَاحِبُهْ … ...................................
يريد: برجل نام صاحبه، ومع هذه الاحتمالات لا يكون في الاستشهاد بهذا البيت حجة.
الشاهد التاسع والثلاثون بعد الألف (٢) , (٣)
على حِينَ عاتبتُ المَشيبَ عَلى الصِّبا … ...................................
أقول: قائله هو النابغة الذبياني، وتمامه:
................................. … وقلتُ أَلمَّا أَصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ؟
وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد الإضافة (٤).
والاستشهاد فيه هاهنا:
في قوله: "على [حين] " (٥)؛ حيث جاز فيه الإعراب والبناء على الفتح على ما تقدم ذكره (٦).
الشاهد الأربعون بعد الألف (٧) , (٨)
لقدْ رَأَيْتُ عَجَبًا مُذْ أَمْسًا … عَجَائِزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسًا
أقول: قائله مجهول لا يعرف، وبعده (٩):
стр. 1790
٢ - يأكُلْنَ ما في رَحْلِهِنَّ هَمْسًا … ولا لَقِينَ الدَّهرَ إلَّا تَعْسًا
٣ - فيهَا عَجُوزٌ لا تُسَاوي فِلْسًا … لَا تَأكُلُ الزُّبدَةَ إلَّا نَهْسًا
٤ - لا تَرَكَ الله لَهُنَّ ضِرْسًا … ........................
[وهي من الرجز المسدس] (١).
و"العجائز": جمع عجوز، و"السعالي": جمع سعلاة بكسر السين المهملة، وهي أخبث الغيلان، وقيل: هي ساحرة الجن، و"الهمس": الصوت الخفي، و"النهس": أخذ اللحم بمقدم الأسنان، يقال: نهست اللحم وأنهسته (٢) بمعنى واحد.
الإعراب:
قوله: "لقد" اللام جواب قسم محذوف تقديره: والله لقد رأيت عجبًا، و"رأيت" بمعنى أبصرت؛ فلذلك اكتفى بمفعول واحد وهو قوله: "عجبًا"، و"مذ أمسًا": جار ومجرور، ومذ هاهنا حرف وهي بمنزلة في؛ كأنه قال: في أمس، والعامل فيها: رأيت، والفتحة فتحة إعراب وهي علامة الجر؛ كما في باب ما لا ينصرف، قوله: "عجائزا": بدل من قوله: "عجبًا"، وقوله: "مثل السعالي": صفته, قوله: "خمسًا": صفة بعد صفة أو عطف بيان أو بدل له.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "مذ أمسًا" حيث أعرب إعراب ما لا ينصرف على لغة بني تميم؛ ولهذا جر بالفتحة، والألف فيه للإطلاق (٣).
стр. 1791
الشاهد الحادي والأربعون بعد الألف (١) , (٢)
ألم تَرَوْا إِرْمًا وَعَادًا … أَوْدَى بِهَا الليلُ والنَّهَارُ
ومرَّ دَهْرٌ على وَبَارِ … فَهَلَكَتْ جَهْرَةً وبارُ
أقول: قائله هو الأعشى ميمون بن قيس، وهما من قصيدة من الوافر (٣).
قوله: "إرمًا" بكسر الهمزة، وهو اسم قبيلة عاد، أو اسم بلدتهم, قوله: "أودى بها" أي: أهلكها الليل والنهار، [قوله: "بها" صلة أودى] (٤) قوله: "وبار" بفتح الواو وتخفيف الباء الموحدة على وزن قطام، وهي أرض كانت لعاد.
الإعراب:
قوله: "ألم تروا" الهمزة للاستفهام، "ولم تروا": جملة من الفعل والفاعل، وهي [من] (٥) رؤية العين فلذلك اكتفى بمفعول واحد، وهو قوله: "إرمًا", قوله: "وعادًا": عطف عليه.
قوله: "أودى": فعل، و"الليل": فاعله، و"النهار": عطف عليه؛ أي: أهلكها مرور الليل والنهار, قوله: "بها": صلة أودى, قوله: "ومر دهر": جملة من الفعل والفاعل, قوله: "على وبار" في محل النصب على المفعولية، و"وبار": مبني على الكسر.
قوله: "فهلكت": فعل، وقوله: "وبار" بالرفع فاعله، وإعرابه إعراب ما لا ينصرف لأن القوافي مرفوعة، [و "جهرة": نصب على الحال] (٦).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "وبار" حيث جمع فيه بين اللغتين: إحداهما البناء على الكسر وذلك في قوله: "على وبار"، والأخرى: هي الإعراب كإعراب ما لا ينصرف، وذلك في قوله: "جهرة وبار" فرفع وبار بهلكت (٧).
стр. 1792
وقال أبو حيان: ويحتمل وجهًا آخر من الإعراب؛ فلا يكون جمعًا بين اللغتين بل يكون بناه في البيت، ويكون وبار فعلًا ماضيًا؛ لأن المعنى أن الدهر أهلك أهل وبار، ولا يريد بذلك المكان وإنما المراد أهله، وأعاد الضمير في هلكت مؤنثًا على وبار مراعاة للفظ وبار، ثم أعاد الضمير جمعًا على الأهل المحذوف؛ أي: وبار أهلها، أي: هلكوا؛ على جهة التأكيد من حيث المعنى، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] فأهلكناها نطره: فهلكت، و"هم" نظير وبار.
ويحتمل أن يكون الضمير في: "وبار" لا يعود على محذوف بل على ما علم من سابق الكلام وهم أهل وبار، فيكون قد أخبر بأن البلد هلك بخرابه وهلك أهله بموتهم وفنائهم (١).
الشاهد الثاني والأربعون بعد الألف (٢) , (٣)
قدْ عَجِبَتْ مِنِّي ومِنْ يُعَيْلِيَا … لما رأتني خَلقًا مُقْلَوْلِيا
أقول: أنشده سيبويه ولم يعزه إلى قائله (٤)، وهو من الرجز المسدس.
قوله: "يعيليا" بضم الياء آخر الحروف وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وكسر اللام وتخفيف الياء آخر الحروف، وهو مصغر يعلى؛ اسم رجل.
قوله: "خلقًا" بفتح الخاء واللام وبالقاف، يقال: ثوب خلق، إذا كان عتيقًا جدًّا، وأراد:
стр. 1793
رثاثة الهيئة، ودمامة الخلقة, قوله: "مقلوليا" بضم الميم وسكون القاف وفتح اللام وسكون الواو وكسر اللام وبالياء آخر الحروف؛ من اقلولى إذا ارتفع، و"المقلولي": المتجافي المستوفز، ويقال: اقلولى الرجل في أمره إذا انكمش، وهذا أظهر هنا.
الإعراب:
قوله: "قد" للتحقيق، و"عجبت": جملة من الفعل والفاعل، و"مني": يتعلق به, قوله: "ومن يعيليا": عطف عليه, قوله: "لما": ظرف بمعنى حين، والعامل فيه عجبت، و"رأتني": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، و"خلقًا": مفعول ثان، و"مقلوليَا": عطف عليه في التقدير وحذف العاطف.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يعيليا" حيث حرك الياء للضرورة؛ لأنه ردّه إلى أصله، وأصل الياءات الحركة، وإنما لم ينون لأنه لا ينصرف، واستدل به يونس فيما ذهب إليه من أن الفتحة تظهر في حالة الجر كما تظهر في حالة النصب، فتقول في "جوارٍ" إذا سميت بها في حالة الرفع [قام جواري، ورأيت جواريَ، ومررت بحواريَ فلا ينون مطلقًا لا رفعًا ولا نصبًا ولا جرًّا (١)، ووافقه] (٢) على ذلك أبو زيد والكسائي والبغداديون.
وحجتهم في ذلك: أن انصراف جوارٍ قبل أن يسمى به إنما سببه نقصان البناء، فإذا سميت به رجلًا امتنع الصرف للعلمية ووجود شبه العجمة، فإذا سميت به امرأة امتنع للتأنيث والتعريف، وإذا امتنع صرفه يجب أن يذهب علم الصرف وهو التنوين، وإذا ذهب عادت الياء التي كانت حذفت بسببه، وكذلك يعيليا منع الصرف في حال الجر للتعريف ووزن الفعل، وحرك الياء بالفتح لخفتها (٣)، وذهب سيبويه والبصريون إلى أنه ينون رفعًا وجرًّا وتحذف ياؤه فيهما ويتم في النصب ولا ينون (٤).
стр. 1794
الشاهد الثالث والأربعون بعد الألف (١) , (٢)
يرى الرَّاؤُونَ بالشَّفَرَاتِ منها … وُقُودَ أبِي حُبَاحِبَ والظُّبِينَا
أقول: قائله هو الكميت بن زيد الأسدي، وهو من قصيدة أولها هو قوله (٣)
١ - وآل مزيقياء غَدَاةَ لاقَوْا … بَنِي سَعدَ بْنَ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينَا
٢ - وأضْحَكَتِ الضِّباعُ سُيوفَ سَعْدٍ … بقَتلِي مَا دُفِنَّ ولا وُدِينَا
٣ - سُيوفٌ ما تَزالُ خلال قَومٍ … يُهتِّكنَ البُيوتَ ويستبينا
٤ - يرَى الرَّاؤونَ ........... … ...................... إلخ
وهي من الوافر، وهذه القصيدة يفخر فيها الكميت بالعدنانية، ويجلب مناقبها، ويسب القحطانية ويطلب مثالبها.
٤ - قوله: "بالشفرات" بفتح الشين المعجمة والفاء؛ جمع شفرة السيف وهي حَدُّهُ, قوله: "وقود أبي حباحب" ويروى: "كنار أبي حباحب"، و"الوقود" بضم الواو؛ الإيقاد، وبالفتح الحطب، والأول هو المراد، وفي التيجان: الحباحب: رجل من قضاعة وهو أول من قدح بالزناد فأورى نارًا.
وقال ابن الأعرابي: نار الحباحب: ما يخرج من الحجر عند ضرب الحافر، وهو -أيضًا- نار أبي الحباحب (٤)، وقال الجاحظ: نار الحباحب ونار أبي الحباحب واحد، وقد ذكرهما الشعراء كثيرًا، قال: وكل نار تراها العين ولا حقيقة لها عند التماسها فهي نار أبي الحباحب، قال: ولم أسمع في أبي حباحب نفسه شيئًا (٥)، وقال أبو حنيفة: لا يعرف حباحب ولا أبو حباحب (٦).
قوله: "والظبينا" بضم الظاء المعجمة وكسر الباء الموحدة؛ جمع ظبة وهي طرف النصل،
стр. 1795
المعنى: إن سيوفهم مذكرات توقد النار عند الضرب بها من جميع الجهات.
الإعراب:
قوله: "يرى": فعل، و"الراؤون": فاعله, قوله: "بالشفرات" أي: في الشفرات، ويروى: -أيضًا- هكذا, قوله: "منها" أي: من سيوفهم، وهي في محل الجر لأنها صفة للشفرات، أي: في الشفرات الكائنة من سيوفهم, قوله: "وقود أبي حباحب": كلام إضافي مفعول ليرى, قوله: "والظبينا": عطف على قوله: "بالشفرات".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أبي حباحب" حيث منع صرفه للضرورة (١)، ويقال: جعله الشاعر اسمًا مؤنثًا فلذلك لم يصرفه، وفيه نظر؛ لأنه لو كان تركه الصرف للتأنيث والتعريف لم تدخل عليه الألف واللام؛ كما لا تدخلان على ما وضع علمًا للمؤنث؛ كزينب وجيئل ونحوهما فافهم.
الشاهد الرابع والأربعون بعد الألف (٢) , (٣)
طَلَبَ الأزارِقَ بالكتائب إذْ هَوَتْ … بِشَبِيبَ غائلةُ النُّفُوسِ غَدُورُ
أقول: قائله هو الأخطل، وهو من قصيدة من الوافر، يذكر فيها الأخطل ما جرى بين سفيان بن الأبرد نائب الحجاج بن يوسف زوج ابنته، وبين شبيب بن يزيد بن نعيم بن قيس بن عمرو بن الصلت بن قيس بن شراحيل بن مرة بن ذهل بن شيبان رأس الخوارج الأزارقة الذي كان ادعى الخلافة وتسمى بأمير المؤمنين، وكانت زوجته غزالة -أيضًا- خارجية، وكانت شديدة البأس، وكان الحجاج مع هيبته يخاف منها.
стр. 1796
قوله: "الأزارق" أصله الأزارقة بالهاء؛ فحذفها الشاعر للضرورة، وهم طائفة من الخوارج ينسبون إلى أبي راشد نافع بن الأزرق، و"الكتائب": جمع منيبة وهي الجيش, قوله: "هوت" يقال: هوى به الأمر إذا أطمعه وغرَّه، ويقال: المعنى هاهنا أسقطه ورماه؛ من هوى يهوي هويًا من باب ضرب يضرب، والهوي السقوط, قوله: "بشبيب" بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء أخرى موحدة، وهو شبيب بن يزيد الذي ذكرناه الآن، و"غائلة النفوس": شرها، يقال: فلان قليل الغائلة؛ أي: الشر.
[الإعراب] (١):
قوله: "طلب": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى سفيان بن الأبرد الذي ذكرناه، و"الأزارق" بالنصب مفعوله، وقوله: "بالكتائب" يتعلق بقوله: "طلب"، وقوله: "إذ": ظرف بمعنى حين، والعامل فيه قوله: "طلب".
قوله: "هوت": فعل، و"غائلة النفوس": كلام إضافي فاعله، وقوله: "بشبيب": صلة هوت في محل النصب على المفعولية, قوله: "غدور" على وزن فعول بفتح الفاء كصبور، مبالغة من الغدر وهو نقض العهد والإغراء والغش، وارتفاعه على أنه بدل من الغائلة؛ لأن غائلة النفوس هي الغادرة -أيضًا- وهو من غال إذا هلك، وقيل: إنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو غدور، أي: شبيب والأول أظهر.
الاستشهاد فيه.
في قوله: "بشبيب" حيث منعه من الصرف، وهو اسم مصروف للضرورة (٢).
الشاهد الخامس والأربعون بعد الألف (٣) , (٤)
ومِمَّنْ وَلَدُوا عَامِـ … ـــرُ ذو الطُّول وذو العرضِ
أقول: قائله هو ذو الأصبع حُرْثان بن الحرث شاعر جاهلي، وهو من قصيدة من الهزج وفيه
стр. 1797
الكف، وأولها هو قوله (١):
١ - ولَيسَ الأمْرُ فِي شَيءٍ … مِنَ الإبْرَامِ والنَّقضِ
٢ - إذَا أبْرَمَ أمْرًا خَا … لَهُ يَقْضِي ومَا يَقْضِي
٣ - يَقُولُ اليَومَ أُمْضِيهِ … ولَا يَميكُ ما يُمضِي
٤ - عَذِيرُ الحَيّ مِن عَدْوَا … ن كَانُوا حَيَّةَ الأرْضِ
٥ - بَغَى بَعضُهُمُ بَعضًا … فَلَمْ يُبْقُوا عَلَى بَعضِ
٦ - ومِنهُمْ كانت السَّادَا … تُ والمُوفُونَ بالقَرْضِ
٧ - ومِنهُمْ حَكَمٌ يَقضِي … فَلا يُنقَضُ مَا يَقضِي
٨ - ومنهُم مَنْ يُجيزُ النَّا … سَ بالسّنة والفَرضِ
٩ - وممن ولدوا عامر … ذو الطول وذو العرض
٩ - قوله: "ذو الطول وذو العرض": كناية عن عظم الجسم وبسطته وقوته.
الإعراب:
قوله: "وممن" الواو للعطف، ومن حرف جر، و"مَن" موصولة، و"ولدوا": جملة صلتها، والعائد محذوف تقديره: وممن ولدوهم, قوله: "عامر" بضم الراء بلا تنوين: مبتدأ، وخبره قوله: "ممن ولدوا", قوله: "ذو الطول": كلام إضافي صفته, قوله: "وذو العرض": عطف عليه.
والاستشهاد فيه:
في قوله: "عامر" حيث منعه من الصرف وهو اسم مصروف للضرورة (٢).
الشاهد السادس والأربعون بعد الألف (٣) , (٤)
فما كانَ حِصْنٌ ولَا حَابِسٌ … يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ
أقول: قائله عباس بن مرداس الصحابي ﵁، وهو من قصيدة قالها يوم أَعْطَى النبي ﷺ المؤلفة
стр. 1798
قلوبهم من سبي حنين مائة من الإبل فأعطى أبا سفيان بن حرب بن أمية مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى عباس بن مرداس دون المائة ولم يبلغ به أولئك، فأنشأ يقول (١):
١ - أَتَجعلُ نَهبِي ونَهبَ العُبيـ … ـدِ بينَ عُيَينةَ والأقْرَعِ
٢ - وَما كَانَ حِصنٌ ........ … ........... إلى آخره
٣ - وما كنتُ دُونَ امْرِيِء مِنهُمَا … ومَنْ تَضعِ اليَومَ لا يُرفَعِ
٤ - وقد كنتُ فيِ القَومِ ذا تُدْرَأ … فَلمْ أُعْطَ شيئًا ولمْ أُمنَعِ
٥ - إلّا أَقائِلُ أَعْطيتَهَا … عدِيدَ قَوَائِمِهِ الأَرْبَعِ
٦ - فكانَتْ نِهَابًا تَلافَيْتُها … بِكَرِّي على المهر في الأجرع
٧ - وإيقَاظِي القَومَ أنْ يَرقُدُوا … إذَا هَجَعَ القَومُ لمْ أهْجَعِ
قال سفيان بن عيينة: فأتم له رسول الله ﷺ مائة، وحصن والد عيينة، وحابس والد الأقرع، وهي من المتقارب، وفيه الثلم، وهو في قوله: "إلا أفائل" وهو جمع أفيلة، وهي بنت المخاض وبنت اللبون، والمذكر أفيل، وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد النعت (٢).
الإعراب:
قوله: "فما" للعطف، وما نافية، و"حصن": اسم كان، و"حابس": عطف عليه, قوله: "يفوقان": خبر كان, قوله: "مرداس": مفعول يفوقان، و"في مجمع": يتعلق بيفوقان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "مرداس" حيث منعه من الصرف وهو اسم مصروف للضرورة (٣).
стр. 1799
الشاهد السابع والأربعون بعد الألف (١) , (٢)
وقائِلَةٍ ما بالُ دَوْسَرَ بَعْدَنَا … صَحَا قَلْبُهُ عَنْ آلِ لَيْلَى وعن هِنْدِ
أقول: قائله هو دوسر بن دهبل القريعي (٣)، قال ابن عصفور: والجيد الصحيح عندنا في هذا البيت: وقائلة ما للقريعي بعدنا (٤).
وهو من الطويل، والمعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "وقائلة" مجرور بواو رب، أي: رب امرأة قائلة, قوله: "ما بال دوسر": مقول القول، و"ما" استفهامية، و"بال دوسر": كلام إضافي مبتدأ، و"بعدنا": نصب على الظرف, قوله: "صحا قلبه" جملة من الفعل والفاعل؛ خبر المبتدأ، وقوله: "عن آل ليلى": يتعلق بقوله: "صحا" وأراد به: عن ليلى، ولفظة: آل مقحمة, قوله: "وعن هند": عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "دوسر" حيث منعه من الصرف وهو اسم مصروف للضرورة (٥).
الشاهد الثامن والأربعون بعد الألف (٦) , (٧)
أؤمِّلُ أنْ أعيشَ وأنَّ يَوْمِي … بأوَّلَ أوْ بِأَهْوَنَ أو جُبَارِ
أو التالي دُبَارَ فإِنْ أَفُتْهُ … فمُوْنِسَ أوْ عَرُوبةَ أو شِيَارِ
أقول: قائله بعض شعراء الجاهلية، كذا قاله الجوهري وأبو حيان في التذكرة ولم ينسباه (٨)،
стр. 1800
وهما من الوافر.
١ - قوله: "بأول" هو اسم يوم الأحد في أسمائهم القديمة, قوله: "بأهون" بفتح الهمزة، وهو اسم يوم الاثنين في أسمائهم القديمة, قوله: "أو جبار" بضم الجيم وتخفيف الباء الموحدة، وهو اسم يوم الثلاثاء في أسمائهم القديمة.
٢ - قوله: "دبار" بضم الدال المهملة وتخفيف الباء الموحدة، وهو اسم يوم الأربعاء في أسمائهم القديمة, قوله: "فمونس" بضم الميم وسكون الواو وكسر النون وفي آخره سين مهملة، وهو اسم يوم الخميس في أسمائهم القديمة.
قوله: "أو عَرُوبة" بفتح العين المهملة وضم الراء وفتح الباء الموحدة، وهو اسم يوم الجمعة في أسمائهم القديمة, قوله: "أو شيار" بكسر الشين المعجمة وتخفيف الياء آخر الحروف، وهو اسم يوم السبت [في أسمائهم القديمة] (١).
الإعراب:
قوله: "أؤمل": من التأميل من الأمل وهو الرجاء، وهي جملة من الفعل والفاعل, قوله: "أن أعيش": في محل النصب على المفعولية، وأن مصدرية، والتقدير: آمل العيش.
قوله: "وأن يومي" الواو للحال، ويومي: كلام إضافي اسم أن، وخبره: "بأول"، والباء بمعنى في، والمعنى: أرجو العيش والحال أن يوم موتي في أول، أي: في يوم الأحد.
قوله: "أو بأهون": عطف عليه، أي: والحال أن يوم موتي بأهون؛ أي: في أهون, أي في يوم الاثنين، قوله: "أو جبار" بالجر عطف على ما قبله؛ أي: والحال أن موتي بجبار أي: في جبار؛ أي: في يوم الثلاثاء، وإنما دخله الجر لأنه منصرف, قوله: "أو التالي" أي: التابع لجبار وهو دبار، وهو عطف على قوله: "أو جبار" والتقدير: والحال أن يوم موتي في التالي جبار وهو دبار، وهو يوم الأربعاء كما ذكرنا.
وقوله: "دبار" بدل من قوله: "أو التالي"، وإنما لم يدخله الجر لكون الشاعر منعه من الصرف, قوله: "فإن أفته" أي: فإن أفت الدبار، وإن للشرط، وأفته جملة من الفعل والفاعل والمفعول؛ فعل الشرط, قوله: "فمونس": جواب الشرط، ومنع من الصرف -أيضًا- للضرورة، قوله: "أو عروبة": عطف على قوله: "فمونس"، وهو غير منصرف للتأنيث والعلمية, قوله: "أو شيار": عطف عليه وهو منصرف فلذلك ظهر فيه الجر.
стр. 1801
الاستشهاد فيه:
في قوله: "دبار، ومونس" فإنهما مصروفان، وقد ترك الشاعر صرفهما للضرورة، وفيه خلاف قد بين في موضعه (١).
الشاهد التاسع والأربعون بعد الألف (٢) , (٣)
تَبَصَّرْ خليلي هَلْ تَرَى من ظعائنٍ … ..............................
أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وتمامه:
............................ … سَوَالِكَ نَقبًا بَينَ حَزْمَيْ شَعَبْعَبِ
وهو من قصيدة طويلة من الطويل أولها هو قوله (٤):
١ - خليليَّ مرَّا بي على أمِّ جُنْدُبٍ … نُقَضِّي لُبانَات الفُؤَادِ المُعَذَّبِ
٢ - فإنَّكُمَا إِنْ تنْظُرَانِي سَاعَةً … مِنَ الدَّهْرِ تَنفَعُنِي لدَى أُمِّ جُندُبِ
إلى أن قال:
٣ - تبصر ................. … .................. إلخ
٤ - عَلَوْنَ بأنطاكيّة فوق عِقمَة … كجرمة نخلٍ أو كجنة يثربِ
١ - قوله: "لبانات": جمع لبانة وهي الحاجة.
٢ - قوله: "إن تنظراني" أي: تنتظراني، والمعنى: إن تنتظراني ساعة حتى أعرج إليها وأسلم عليها ينفعني ذلك عندها أو تنفعني ساعة انتظاركما.
٣ - قوله: "من ظعائن" وهي النساء في الهوادج، و"السوالك": جمع سالكة، و"النقب" بالنون المفتوحة؛ الطريق في الجبل, قوله: "لين حزمي": تثنية حزم بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة، وهو ما غلظ من الأرض، و"شعبعب": اسم ماء، معناه: هذه الظعائن سلكن هذا الطريق بين هذين الموضعين المحيطين بشعبعب, قوله: "علون بأنطاكية" أي: علون الخدور بثياب عملت بأنطاكية، وتلك الثياب فوق عقمة، وهي ضرب من الوشي.
стр. 1802
٤ - و"جرمة النخل" بكسر الجيم، وهي ما يصرم من البسر، فشبه ما على الهوادج من ألوان الوشي والعهون بالبسر الأحمر والأصفر مع خضرة النخل، و"الجنة": البستان، وخص يثرب وهي مدينة الرسول ﵊ لأنها كثيرة النخل.
الإعراب:
قوله: "تبصر": جملة من الفعل والفاعل وهو أنت المستكن فيه، وتبصر هاهنا بمعنى: انظر؛ ولهذا عدوه في التعليق، ولكن الأظهر هاهنا أنه من الإبصار بالعين, قوله: "خليلي": منادى مضاف حذف منه حرف النداء، والتقدير: يا خليلي.
و"هل" للاستفهام، و "ترى": جملة من الفعل والفاعل, قوله: "من ظعائن": كلمة من للغاية؛ كما تقول: رأيته من ذاك الموضع فجعلته غاية لرؤيتك؛ أي: محلًّا للابتداء والانتهاء، ويقال: من في هذه المواضع للمجاوزة، والظاهر أنها للابتداء؛ لأن الرأي ابتدأ من عنده وانتهى إليه. فافهم.
قوله: "سوالك": صفة الظعائن، ومنع الصرف لكونه على صيغة منتهى الجموع, قوله: "نقبًا": منصوب بسوالك، و "بين": نصب على الظرف مضاف إلى حزمي الذي هو مضاف إلى شعبعب.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "من ظعائنٍ" حيث صرفه الشاعر وهو غير مصروف؛ لأنه مثل مساجد ففيه العلة التي تقوم مقام العلتين، وإنما صرفه للضرورة (١).
الشاهد الخمسون بعد الألف (٢) , (٣)
نُبِّئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدُ … ...........................
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وتمامه:
.............................. … ظُلْمًا عَلَينَا لَهُمْ فَدِيدُ
وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد العلم (٤).
стр. 1803
والاستشهاد فيه هاهنا:
في قوله: "بني يزيد" فإنه من المحكيات (١).
الشاهد الحادي والخمسون بعد الألف (٢) , (٣)
إذا قالت حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فإنَّ القوْلَ ما قالتْ حَذَامِ
أقول: قائله هو لجيم بن صعب والد حنيفة وعجل ابني لجيم، وكانت حذام امرأته، وقاله لجيم فيها، وهو من الوافر.
قوله: "حذام" وهي أم عجل وأم حنيفة البرشاء، سميت حذام لأن ضُرَّتَها البرشاء حذمت يدها بشفرة وصبت عليها حذام جمرًا فبرشت فسميت البرشاء، وقال ابن كرشم الكلبي: حذام هي بنت الريان بن جسر بن تميم بن يقدم بن عنزة، وهي أم عجل بن لجيم.
وكان عاطس بن الجلاح الحِمْيَرِيّ قد سار إلى الريان في جموع من خثعم وجعفى وهمدان؛ فلقيهم الريان في عشرين حيًّا من أحياء ربيعة ومضر؛ فاقتتلوا وصبروا لا يولي أحد منهم دبره، ثم إن القيل الحميري رجع إلى معسكره وهرب الريان تحت ليلته [فسار ليلته] (٤)، ومن الغد ونزل الليلة الثانية، فلما أصبح عاطس الحميري ورأى خلاء معسكرهم أتبعهم جمْلةٌ من سُمَاةِ رِجَالِهِ وأهل الغِنَاء منهم فجدوا في اتباعهم، فانتبه القطَا في إسرائهم من وقع دوابهم، فمرت على الريان وأصحابه عُرفًا عُرفًا فخرجت حذام بنت الريان إلى قومها فقالت (٥):
ألا يَا قَومَنَا ارْتَحِلُوا فسِيرُوا … فَلَوْ تُركَ القَطَا لَيلًا لَنَامَا
فقال ديسم بن ظالم [الأعصري] (٦):
إذَا قالت حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فإنَّ القوْلَ ما قالت حَذَامِ
стр. 1804
فارتحلوا حتى اعتصموا بالجبل ويئس منهم أصحاب عاطس فرجعوا عنهم.
[قلت: الحذم بالحاء المهملة والذال المعجمة، وهو القطع، وحذمه يحذمه حذمًا من باب ضرب يضرب، و"البرش" بفتح الباء الموحدة وفي آخره شين معجمة وهو في شعر الفرس نكت صغار تخالف سائر لونه، ومنه الأبرش، قال الخليل: سمي الأبرش لحرق أصابعه، وبقي إثره نقطًا, قوله: "عرفًا" بضم العين وسكون الراء وفي آخره فاء، ومعناه متتابعات، وهو مستعار من عرف الفرس, ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]] (١).
الإعراب:
قوله: "إذا" للشرط، و"قالت حذام": جملة من الفعل والفاعل؛ فعل الشرط، وقوله: "فصدقوها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت جواب الشرط, قوله: "فإن القول" الفاء للتعليل، والقول اسم إن، وقوله: "ما قالت حذام": خبره، و"ما" موصولة، و"قالت حذام" صلتها، والعائد محذوف تقديره: ما قالته.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حذام" فإنه فاعل في الموضعين، وحقة الرفع، ولكنه بني على الكسر تشبيهًا له بنزالِ، وهو مذهب أهل الحجاز (٢).
الشاهد الثاني والخمسون بعد الألف (٣) , (٤)
اعتصمْ بالرّجاء إِنْ عَنَّ بأْسُ … وتناسَ الذي تضمَّنَ أمسُ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الخفيف.
قوله: "إن عنّ": من عن يُعْنُّ بضم العين في المستقبل وكسرها عننًا إذا اعترض وعرض،
стр. 1805
ويروى: "عز" بالزاي المعجمة؛ أي: غلب، قوله: "وتناس": أمر من المناساة، وهو أن يرى من نفسه أنه نسيه.
الإعراب:
قوله: "اعتصم": جملة من الفعل والفاعل، و"بالرجاء": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية, قوله: "إن" للشرط، و"عن": فعل، و"بأس": فاعله، والجملة وقعت فعل الشرط، والجواب محذوف دل عليه الكلام الأول، قوله: "وتناس": عطف على قوله: "اعتصم"، قوله: "الذي": صفة لموصوف محذوف، والتقدير فيه: وتناس الأمر الذي، وقوله: "تضمن أمس": جملة من الفعل والفاعل وقعت صلة للموصول.
والاستشهاد فيه:
في قوله: "أمس" حيث جاء معربًا في حالة الرفع إعراب ما لا ينصرف؛ هذه لغة نقلها سيبويه عن بني تميم، واعلم أن في "أمس" ثلاث لغات:
الأولى: لغة الحجازين: أنه يبنى على الكسر [مطلقًا في موضع الرفع والنصب والجر.
الثانية: أنه يبنى على الكسر] (١) في حالتي النصب والجر، ويعرب في حالة الرفع إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمسُ واستحسنت أمسِ وما رأيته مذ أمسِ، وعليه قول الشاعر.
والثالثة: أنه يعرب إعراب ما لا ينصرف في الأحوال الثلاثة (٢).
الشاهد الثالث والخمسون بعد الألف (٣) , (٤)
............................... … ومَضَى بَفَضلِ قَضَائِهِ أمْسِ
أقول: قائله أسقف نجران، ويقال: قائله هو تبع بن الأقرن، ونسبه أبو علي القالي في ذيل النوادر إلى روح بن زنباع (٥)، وقال: أنشده روح عند عبد الملك بن مروان لما قال لجلسائه:
стр. 1806
أنشدوني أكرم أربعة أبيات قالتها العرب، وقبله (١):
١ - مَنَعَ البَقَاءَ تَصَرُّفُ الشّمسِ … وطُلُوعُهَا مِنْ حَيثُ لا تُمسِي
٢ - وطُلُوعُهَا حَمرَاءَ صَافِيةً … وغُرُوبُهَا صَفرَاءَ كَالوَرسِ
٣ - تَجرِي علَى كَبدِ السَّماءِ كَمَا … يَجرِي حِمامُ الموتِ بالنَّفسِ
٤ - اليومُ أَجْهَلُ ما يجيءُ به … ومَضَى بِفَضْلِ قضائِهِ أمسِ
ويروى: منع الحياة تقلب الشمس، وكذا روي: اليوم أعلم ما يجيء به والأول أظهر وهي من الكامل.
الإعراب:
قوله: "ومضى": فعل ماض، وفاعله هو قوله: "أمس" على ما نذكره، [والجملة معطوفة على ما قبلها، والباء في قوله: "بفضل" تتعلق بقوله: "مضى"، والضمير في قضائه يرجع إلى اليوم في قوله: "اليوم أجهل ما يجيء به"] (٢)، وهو مصدر مضاف إلى فاعله، والمفعول متروك.
الاستشهاد فيه هاهنا:
أن: "أمس" مبنية على الكسر مع أنها في موضع رفع؛ لأنها فاعل لقوله: "مضى" كما ذكرنا، وهذا شاهد لقول أهل الحجاز: إنها مبنية لتضمنها لام التعريف، والكسرة فيها لالتقاء الساكنين (٣).
الشاهد الرابع والخمسون بعد الألف (٤) , (٥)
ويومَ دخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عَنِيزَةٍ … فقالتْ لَكَ الوَيْلاتُ إِنك مُرْجِلِي
أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها هو قوله:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل … ...............................
стр. 1807
قوله: "الخدر" بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال، وهو الستر، وقال الأعلم: هو الهودج وهو من مراكب النساء (١)، و "عنيزة" بضم العين المهملة وفتح النون وكسر الياء آخر الحروف وكسر الزاي، وهو اسم امرأة، قوله: "مرجلي": تاركي راجلة أمشي.
الإعراب:
قوله: "ويوم": نصب على الظرف وعطف على ما قبله، و"دخلت الخدر": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "خدر عنيزة" بالنصب بدل من الخدر، قوله: "فقالت": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر الذي يرجع إلى عنيزة، قوله: "الويلات" بالرفع مبتدأ، و "لك" مقدمًا خبره، وهي جملة معترضة بين القول ومقوله وهي قوله: "إنك مرلجي".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "عنيزة" حيث صرفه الشاعر مع أنه غير منصرف للعلمية والتأنيث وذلك لأجل الضرورة (٢).
الشاهد الخامس والخمسون بعد الألف (٣)، (٤)
............................. … ولكنَّ عَبْدَ اللَّه مَوْلَى موَالِيَا
أقول: قائله هو الفرزدق يهجو به عبد اللَّه بن أبي إسحاق الحضرمي النحوي (٥)، وكان مولى الحضرميين وهم حلفاء بني عبد شمس بن مناف، والحليف عند العرب مولى، وإنما هجاه لأنه كان يطعن عليه في شعره، فقال الفرزدق:
فلَوْ كَانَ عَبْدُ الله مَوْلًى هجوتُهُ … ولكنَّ عبدَ الله مولى مواليا
فقال عبد الله بن أبي إسحاق: لقد لحنت -أيضًا- في قولك: "مولى مواليا"، وكان ينبغي أن يقال: مولى موالٍ، وإنما قال: مواليا فنصبه لأنه رده إلى أصله للضرورة، وإنما لم ينون؛ لأنه جعله بمنزلة غير المعتل الذي لا ينصرف.
стр. 1808
وهذا البيت من الطويل.
الإعراب:
قوله: "فلو" الفاء للعطف، ولو للشرط، وقوله: "كان عبد الله مولى": جملة وقعت فعل الشرط، و "مولى": منصوب لأنه خبر كان، وأراد به المولى الأعلى، وقوله: "هجوته": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت جواب الشرط، قوله: "ولكن" للاستدراك، و "عبد الله" اسمه، و "مولى مواليا": كلام إضافي خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "مواليا" وقد ذكرناه الآن (١).
الشاهد السادس والخمسون بعد الألف (٢)، (٣)
إنِّي مُقَسِّمُ ما مَلَكْتُ فَجَاعِلٌ … أَجْرًا لآخِرَتِي ودُنْيًا تَنْفَعُ
أقول: قائله هو المثلم بن رياح بن ظالم المري (٤)، وهو من قصيدة من الكامل، وأولها هو قوله (٥):
١ - بَكَرَ العَوَاذِلُ بالسَّوَادِ يَلُمْنَنِي … جَهلًا يَقُلنَ ألَا تَرَى مَا تَصنعُ
٢ - أفْنَيتَ مالكَ في السَّفَاهِ وإنَّمَا … أمْرُ السَّفَاهَةِ ما أَمَرْنَكَ أجْمَعُ
٣ - وقَتُودُ ناجِيةٍ وَضَعْتُ بِقَفرَةٍ … والطيرُ غَاشِيَةُ العَوَافيِ وُقَّع
٤ - بِمُهَنَّدٍ ذِي حِلْيَةٍ جَرَّدْتُهُ … يَبرِي الأصَمَّ منَ العِظَامِ ويَقطَعُ
٥ - لِتَنُوبَ نائبة فَتَعلَمَ أنني … ممَّنْ يُغَزُّ عَن الثَّناءِ فَيُخْدَعُ
٦ - إنِّي مُقَسِّمٌ .......... … .................... إلى آخره
١ - قوله: "العواذل": جمع عاذلة من العذل وهو اللوم.
стр. 1809
٣ - قوله: "وقتود": جمع قتد وهو خشب الرّحْل.
٤ - قوله: "بمهند" وهو السيف المطبوع من حديد الهند، قوله: "يبري الأصم من العظام" أراد به العظم الذي به قوام العضو.
الإعراب:
قوله: "إني" الياء اسم إن، وقوله: "مقسم": خبره، وهو مضاف إلى قوله: "ما ملكت" "وما" موصولة، وقوله: "ملكت": جملة صلتها، والعائد محذوف تقديره: ما ملكته.
قوله: "فجاعل" الفاء فيه لعطف المفصل على المجمل، وارتفاعه على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: فمنه جاعل أجرًا، و "أجرًا": منصوب بجاعل، وقوله: "لآخرتي": يتعلق بمحذوف، تقديره: أجرًا كائنًا لآخرتي [فيكون محل لآخرتي من الإعراب النصب، قوله: "ودنيًا" عطف على أجرًا] (١)، ولكن فيه حذف تقديره: ومنه جاعل دنيا، قوله: "ينفع": جملة في محل النصب على أنها صفة لدنيا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ودنيا" حيث نونه الشاعر، وفيه رد على من يقول: إن ما فيه ألف التأنيث المقصورة يمنع صرفه للضرورة؛ لأنه لا فائدة فيه؛ إذ يزيد بقدر ما ينقص، وقد رد عليه بهذا البيت؛ فإن ابن الأعرابي أنشده بتنوين دنيا. فافهم (٢).
стр. 1810
الشاهد السابع والخمسون بعد الألف (١)، (٢)
وأتاهَا أُحَيْمِرٌ كأخي السّهْـ … ـمِ بِعَضْب فقال كُونِي عقيرًا
أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت الثقفي شاعر جاهلي، وقد ترجمناه فيما مضى، وهو من الخفيف. والضمير في "أتاها" يرجع إلى ناقة صالح ﵇، وأراد بأحيمر الذي عقر الناقة، واسمه: قدار بن سالف، وكان أحمر أزرق أصهب، وكان ولد زنية، ولد على فراش سالف وهو من رجل يقال له: صبيّان.
وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁ "ألا أحدثك بأشقى الناس" قال: بلى، قال: "رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا -يعني قرنه- حتى تبتل منه هذه -يعني لحيته" رواه ابن أبي حاتم (٣)، و "االعضب" بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو السيف القاطع.
الإعراب:
قوله: "وأتاها": جملة من الفعل والمفعول، وقوله: "أحيمر": فاعلها، قوله: "بعضب": يتعلق بقوله: "وأتاها"، وقوله: "كأخي السهم" الكاف للتشبيه، والتقدير: أتاها مثل السهم بعضب، وقيل: التقدير: أتاها بعضب كأخي السهم، أي: كمثل السهم، فعلى الأول: محل الكاف النصب، وعلى الثاني: الجر على ما لا يخفى على الفطن.
قوله: "فقال": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الراجع إلى أحيمر، وقوله: "كوني عقيرًا": الجملة وقعت مقول القول، و "كوني" خطاب للناقة، والياء اسم كان، وعقيرًا خبره، وهو على وزن فعيل، وفعيل إذا كان بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث؛
стр. 1811
كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] (١).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أحيمر" حيث نونه مع أنه يستحق المنع، وذلك لأجل الضرورة.
فإن قيل: قد علم أن كل ما لا ينصرف مكبرًا يصرف مصغرًا، وأحيمر مصغر أحمر فينبغي أن يكون صرفه لذلك لا للضرورة.
قلت: هذا له شروط منها: أن لا يكون له شبه بالفعل المضارع سابق على التصغير، فأحمر يمنع من الصرف مكبرًا ومصغرًا؛ لأن شبه الفعل المضارع فيه سابق على التصغير، وكذلك الكلام في: أحمد. فافهم.
* * *
стр. 1812
شواهد إعراب الفعل
الشاهد الثامن والخمسون بعد الألف (١)، (٢)
كَيْ تَجْنَحُونَ إلى سِلْمٍ وما ثُئِرتْ … قَتْلاكُمُ ولظَى الهَيْجَاءِ تَضْطَرِمُ
أقول: أنشده سيبويه ولم يعزه إلى قائله، وهو من البسيط.
قوله: "تجنحون": من جنح إذا مال يجنَح ويجنُح بفتح العين وضمها جنوحًا واجتنح مثله، و "السِلم" بكسر السين؛ الصلح.
قوله: "ومما ثئرت": صيغة مجهول من ثأرت القتيل وبالقتيل ثأرًا وثؤرة؛ أي: قتلت قاتله، قوله: "ولظى الهيجاء" اللظى: النار، والهيجاء: الحرب يمد ويقصر، وهاهنا ممدودة، قوله: "تضطرم" أي: تلتهب؛ من الضرام بالكسر وهو اشتعال النار في الحلفاء ونحوها.
الإعراب:
قوله: "كي تجنحون" أي: كيف تجنحون، وكي لغة في كيف وهو للاستفهام (٣)، وتجنحون: جملة من الفعل والفاعل، و "إلى سلم": يتعلق [به] (٤)، قوله: "وما ثئرت قتلاكم": جملة حالية، وما نافية، وثئرت على صيغة المجهول، وقتلاكم: كلام إضافي مفعول ثئرت ناب عن الفاعل، قوله: "ولظى الهيجاء": كلام إضافي مبتدأ، و "تضطرم": خبره، والجملة وقعت حالًا -أيضًا-.
стр. 1813
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كي" فإنه بمعنى: كيف؛ [كما يقال: سوْ، في: سوف] (١)، وهو اسم لا شك فيه ككيف لدخول حرف الجر عليه (٢).
الشاهد التاسع والخمسون بعد الألف (٣)، (٤)
إِذَا أنت لم تَنْفَعْ فضر … فإنَّمَا يُرَادُ الفَتَى كَيمَا يَضُرَّ ويَنفَعَا
أقول: قائله هو النابغة، وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد حروف الجر (٥).
الاستشهاد فيه هاهنا:
في قوله: "كيما" حيث دخلت عليها (ما) المصدرية، والمعنى: إنما يرجى الفتى للنفع والضر (٦).
الشاهد الستون بعد الألف (٧)، (٨)
فقَالتْ أَكُلَّ النَّاسِ أَصْبَحْتَ مَانِحًا … لِسَانَكَ كَيمَا أنْ تَغُرَّ وتَخْدَعَا
أقول: قائله هو جميل بن معمر؛ كذا قال أبو حيان في شرحه (٩)، وقال غيره: هو حسان بن ثابت ﵁، وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد حروف الجر (١٠).
стр. 1814
والاستشهاد فيه:
في قوله: "كيما أن" حيث جمع فيه بين "كي"، "وما"، ولا يجوز ذلك إلا في الضرورة (١)، وعن الأخفش أن "كي" جارة دائمًا وأنّ النصب بعدها بأن ظاهرة أو مضمرة (٢)، ويرده نحو (٣) [قوله تعالى]: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: ٢٣].
الشاهد الحادي والستون بعد الألف (٤)، (٥)
كَيْ لِتَقْضَيِني رُقَيَّةُ مَا … وَعَدَتْنِي غَيْرَ مُخْتَلَسِ
أقول: قائله هو عبيد الله بن قيس الرقيات، وقبله هو قوله (٦):
١ - يا ل فهر عادَ لي نُكْسِي … مِنْ عِدَاة البُدَّنِ الشُّمْسِ
٢ - ليتَنِي أَلْقَى رُقَيَّةَ في … خَلْوَةٍ من غيرِ مَا بَئْسِ
٣ - كَيْ لِتَقْضِيني في رُقَيَّةَ ما … ......... إِلى آخره
وبعده:
٤ - حُلْوَةٌ إِذَا تُكَلِّمُهَا … تَمْنَعُ الماعونَ بِاللقْسِ
[وهي من المديد، وفيه الخبن، والحذف والكف] (٧).
١ - قوله: "يال فهر" أصله: يا آل فهر، قوله: "نكسي" بضم النون وهو عود المرض بعد النقه، والنكس بالكسر؛ الرجل الضعيف، [والبدن بضم الباء الموحدة وتشديد الدال؛ جمع بادنة، وهي السمينة، و"الشمس" بضم الشين؛ جمع شمساء، وهي البيضاء] (٨).
٣ - قوله: "كي لتقضيني" أي: لتوفيني، قوله: "غير مختلس" بفتح اللام؛ مصدر ميمي
стр. 1815
بمعنى الاختلاس؛ من اختلست الشيء إذا استلبته وكذلك خَلَسته.
٤ - قوله: "الماعون" أراد به الطاعة هاهنا، و "اللقس" من قولهم: فلان لقس؛ أي: عسر.
الإعراب:
قوله: "كي" للتعليل، وقوله: "لتقضيني": جملة من الفعل والمفعول، و "رقية": فاعله، قوله: "ما وعدتني": مفعول ثان لتقضيني، و "ما" يجوز أن تكون موصولة، والجملة صلتها والعائد محذوف تقديره: الذي وعدتني إياه، ويجوز أن يكون "ما" مصدرية تقديره: لتقضيني رقية وعدها لي، قوله: "غير مختلس": نصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: لتقضيني ما وعدتني قضاء غير مختلس.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كي لتقضيني" فإن كي فيه تعليلية لتأخر اللام عنها (١)، وقال أبو علي في التذكرة: إن كي هاهنا بمعنى: "أن"، ولا تكون الجارة؛ لأن حروف الجر لا تعلق، وإذا كانت الأخرى كانت زائدة كالتي في قوله (٢):
..................... … كأن ظبية تعطو ...............
وقال النيلي (٣): ويحتمل أن تكون لكي تقضينني فقدم وأخر.
الشاهد الثاني والستون بعد الألف (٤)، (٥)
أَنْ تَقْرَآنِ عَلَى أَسْمَاءَ وَيْحَكُمَا … مِنِّي السلامَ وأنْ لا تُشْعِرَا أحَدًا
أقول: لم أقف على اسم قائله، وقبله (٦):
١ - يَا صَاحِبَيّ فَدَتْ نَفْسِي نُفُوسَكُمَا … وحَيثُمَا كُنتُمَا لاقيتُمَا رَشدَا
٢ - إِنْ تَقْضِيَا حَاجَةً لِي خَفَّ مَحمَلُهَا … تَسْتَوجِبَا نِعْمَةً عِندِي بِهَا ويَدَا
стр. 1816
٣ - أن تقرآن على أسماء ........ … ............... إلخ
وهي من البسيط. المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "أن" بفتح الهمزة أهملت عن العمل، و "تقرآن": جملة من الفعل والفاعل وهو أنتما المستتر فيه.
فإن قلت: ما محل أن هذه؟
قلت: إما نصبٌ بدلًا من حاجة، أو رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أن تقرآن مني السلام على هذه المرأة، قوله: "على أسماء": يتعلق به، قوله: "ويحكما": خطاب لصاحبيه اللذين خاطبهما في أول القصيدة، وهي كلمة ترحم بخلاف لفظة: ويل (١)، قوله: "مني" يتعلق بمحذوف، و "السلام" بالنصب مفعول تقرآن، تقديره: السلام الكائن مني، قوله: "وأن" بالفتح عطف على أن الأولى، و "لا تشعرا": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "أحدًا": مفعوله.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن تقرآن" حيث أهملت فيه أن عن العمل حملًا لها على أختها ما المصدرية، وهذا من قبيل قراءة (٢) ابن محيصن: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] برفع الميم (٣)، وزعم الكوفيون أن: "أن" هذه هي المخففة من الثقيلة شذ اتصالها بالفعل (٤).
الشاهد الثالث والستون بعد الألف (٥)، (٦)
إذا مِتُّ فَادْفِنِّي إلَى جَنْبِ كِرْمَةٍ … تُرَوّي عِظَامِي في الممات عُرُوقُهَا
وَلَا تَدْفِنَنِّي فِي الفَلاةِ فَإنَّنِي … أخافُ إِذَا مَا مِتُّ أنْ لَا أَذُوقُهَا
أقول: قائله هو أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عقدة بن غيرة الثقفي، أسلم
стр. 1817
حين أسلمت ثقيف، وسمع النبي ﷺ وروى عنه، وكان من أهل البأس والنجدة، وكان شاعرًا مطبوعًا، وكان منهمكًا في الشراب، ذكر عبد الرزاق عن ابن جُريج، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ حدَّ أبا محجن سبع مرات، ولولعه بالخمر له فيها أشعار كثيرة.
وقال ابن حبيب: اختلف في اسمه فقيل: مالك، وقيل: عبد اللَّه، وقيل: اسمه كنيته، وضبط عن أبي عمرو: حُبَيْب مصغرًا، وبعد البيتين بيتان آخران وهما (١):
٣ - أُبَاكِرُهَا عِندَ الشُّرُوقِ وتَارَةً … يُعَاجِلُنِي عِندَ المَسَاءِ غَبُوقُهَا
٤ - وللكَأسِ والصَّهْبَاءِ حَقٌّ مُعَظَّمُ … فمِنْ حَقِّهَا أنْ لا تُضَاعَ حُقُوقُهَا
وهي من الطويل، والمعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "إذا مت" إذا ظرف يتضمن معنى الشرط، و "مت": جملة من الفعل والفاعل؛ فعل الشرط، قوله: "فادفني": جواب إذا، وقوله: "إلى جنب كرمة": يتعلق بالجواب.
قوله: "تروّي" بتشديد الواو فعل مضارع، وقوله: "عروقها": فاعله، و "عظامي": كلام إضافي مفعوله، والجملة في محل الجر لأنها صفة كرمة، قوله: "في الممات" يعني: في حالة الممات، والممات مصدر ميمي، والألف واللام فيه بدل عن المضاف إليه.
قوله: "ولا تدفنني": جملة معطوفة على قوله: "فادفني"، و "في الفلاة" يتعلق بها، قوله: "فإنني" الفاء فيه للتعليل، والضمير المتصل اسم إن، وخبره قوله: "أخاف"، وهو جملة من الفعل والفاعل.
قوله: "إذا ما مِتُّ" إذا ظرف، وما زائدة، ومِتُّ: جملة من الفعل والفاعل، قوله: "أن لا أذوقها" أن مصدرية [وهي ومدخولها] (٢) في محل النصب على أنها مفعول أخاف، والتقدير: أخاف عدم ذوق الكرمة، أي: من عروقها.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن لا أذوقها" حيث أهملت أن ولم تعمل في قوله: "لا أذوقها"، هكذا زعم
стр. 1818
بعضهم (١)، والصحيح، أن: "أن" هاهنا مخففة من الثقيلة، والتقدير: أخاف إذا ما مت أنه لا أذوقها؛ لأن أخاف هاهنا بمعنى: أتيقن وأعلم (٢).
الشاهد الرابع والستون بعد الألف (٣)، (٤)
لَئِنْ عَادَ لِي عَبْدُ العَزِيزِ بِمِثْلِهَا … وَأَمْكنَنِي مِنْهَا إذن لا أُقِيلُها
أقول: قائله هو كثير عزة، وهو من قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان، وهي طويلة من الطويل، وأولها هو قوله (٥):
١ - عَجِبْتُ لِتَرْكِي خُطَّةَ الرُّشْدِ بَعْدَمَا … بَدَا لِي مِنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَبُولُهَا
٢ - حَلَفْتُ بِربِّ الرَّاقِصَاتِ إِلَى مِنًى … يُغُولُ البِلادَ نَصُّهَا وذَمِيلُهَا
٣ - لئن عاد لي .............. … ................... إلخ
١ - قوله: " [خطة الرشد] (٦) بضم الخاء المعجمة، وأراد بها: خصلة الهداية.
٢ - والمراد: "بالراقصات" إبل الحجيج التي تتبخترن في مشيهن كأنهن يرقصن، قوله: "يغولُ" أي: يجوبها ويقطعها، قوله: "نصها" النص: السير الشديد، و "ذميلها" بفتح الذال
стр. 1819
المعجمة وكسر الميم، وهو نوع من السير.
٣ - قوله: "لا أقيلها": من أقال إقالة، والمعنى: لا أتركها.
الإعراب:
قوله: "لئن عاد" اللام فيه لام [التوطئة] (١) للإيذان بالقسم، وتسمى -أيضًا- لام التلقي، وإن شرط، وعاد: في موضع جزم بالشرط، وقوله: "لا أقيلها" في موضع جزم على جواب الشرط، وعملت إن في الموضع دون اللفظ (٢)، قوله: "عبد العزيز": فاعل عاد، قوله: "بمثلها" يتعلق بعاد، والضمير يرجع إلى خطة الرشد المذكور في البيت السابق، والتقدير: لئن عاد لي عبد العزيز بمثل تلك الخصلة الحميدة الحسنة التي كانت ظهرت لي منه لا أتركها أبدًا، قوله: "وأمكنني": جملة معطوفة على قوله: "عاد لي"، قوله: "منها": يتعلق بأمكنني.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إذن" حيث ألغيت عن العمل لوقوعها بين القسم والجواب، فالقسم قوله في البيت الذي قبله: "حلفت برب الراقصات إلى مِنًى"، وجواب القسم: "لا أقيلها" والتقدير: حلفت برب الراقصات لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها لا أقيلها إذن (٣).
الشاهد الخامس والستون بعد الألف (٤)، (٥)
لا تَتْرُكَنِّي فيهُمُ شطيرًا … إِنِّي إذنْ أَهْلِكَ أو أطِيرَا
أقول: لم أقف على اسم راجزه.
стр. 1820
قوله: "شطيرًا" بفتح الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة، قال الأصمعي: الشطير: البعيد، يقال: بلد شطير، وشطر عني فلان؛ أي: نأى عني، قال الجوهري: والشطر أيضًا الغريب، قال الشاعر:
لا تَتْرُكَنِّي فيهُمُ شطيرًا … ........................... (١)
الإعراب:
قوله: "لا تتركني" لا ناهية، و "تتركني": جملة من الفعل والفاعل والمفعول أكدت بنون التأكيد، قوله: "فيهم" يتعلق بشطيرًا، و "شطيرًا": نصب على الحال، والتقدير: لا تتركني حال كوني شطرًا كائنًا فيهم، قوله: "إني" الضمير اسم إن، وخبره قوله: "أهلك"، قوله: "أو أطيرا": عطف عليه، والألف فيه للإشباع.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إذن" حيث أعملها الشاعر مع أنها معترضة بين إن وخبرها، وهو ضرورة (٢) خلافًا للفراء (٣)، وقد أول على حذف خبر إن، أي: إني لا أقدر على ذلك ثم استأنف ما بعده (٤).
الشاهد السادس والستون بعد الألف (٥)، (٦)
............................ … كَأَنْ ظَبْيَةٍ تعطُو إلَى وارق السلمِ
أقول: قائله هو علباء بن أرقم اليشكري، وصدره:
وَيَومًا تُوَافِينَا بوَجْهٍ مُقَسَّمٍ … ...........................
وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد إن وأخواتها (٧).
قوله: "تعطو" أي: تتناول وتأخذ، قوله: "إلى وارق السلم" [أي: إلى مورق السلم] (٨)، وهو بفتح السين واللام؛ شجر من شجر العضاة، واحدتها (٩) سلمة.
стр. 1821
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كأن ظبية" على رواية من جر ظبية حيث وقعت فيه أن زائدة بين الكاف ومجرورها، وهو قوله: "ظبية" فلم تعمل شيئًا، وروي: ظبيةً بالنصب على أن: "أن" خففت من الثقيلة، وحذف اسمها وجاء خبرها مفردًا، وقد ذكرناها في شواهد إن مستوفى، والله أعلم.
الشاهد السابع والستون بعد الألف (١)، (٢)
لأستسهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى … فَمَا انْقَادَت الآمالُ إلا لصابرٍ
أقول: قائله لم أعرفه، وهو من الطويل.
قوله: "لأستسهلن" من قولهم: فلان استسهل أمره، أي: عده سهلًا، و "المنى" بضم الميم وتخفيف النون؛ جمع منية، و "الآمال" بالمد؛ جمع أمل وهو الرجاء.
الإعراب:
قوله: "لأستسهلن" اللام فيه للتأكيد، "وأستسهلن": جملة من الفعل والفاعل أكدت بالنون الثقيلة، و "الصعب": مفعوله، قوله: "أو": بمعنى إلى، و "أدرك": فعل وفاعل، و "المنى": مفعوله، قوله: "فما انقادت" الفاء للتعليل، وما نافية، وانقادت فعل، و "الآمال": فاعله، والاستثناء من النفي.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أو أدرك المنى" حيث جاءت أو فيه بمعنى إلى، وانتصب الفعل بعدها بأن مضمرة؛ كما في قولك: لألزمنك أو تقضيني حقي، وكذلك التقدير هاهنا: إلى أن أدرك المنى (٣).
стр. 1822
الشاهد الثامن والستون بعد الألف (١)، (٢)
وَكُنْتُ إذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ … كَسَرْتُ كُعُوبَهُا أو تَسْتَقِيمَا
أقول: قائله هو زياد الأعجم، وهو من الوافر.
قوله: "غمزت": من غمزت الشيء بيدي، و "القناة": الرمح، ويجمع على قنى وقنوات وقناء، قوله: "كعوبها": جمع كعب، وكعوب الرمح: النواشز في أطراف الأنابيب، والمعنى: هجوت القوم إلا من يستقيم أو يترك هجائي.
الإعراب:
قوله: "وكنت" الواو للعطف إن تقدمه شيء، والضمير المتصل اسم كان، وقوله: "كسرت كعوبها": خبره، قوله: "إذا": ظرف يتضمن معنى الشرط، و "غمزت": فعل وفاعل، و "قناة قوم": كلام إضافي مفعوله.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أو تستقيما" حيث جاءت فيه "أو" بمعنى إلا في الاستثناء، فانتصب المضارع بعدها بإضمار أن؛ كما في قوله: لأقتلنه أو يسلم؛ أي: إلا أن يسلم، والتقدير: إلا أن تستقيما (٣).
стр. 1823
الشاهد التاسع والستون بعد الألف (١)، (٢)
لأُجْدِلَنَّكَ أو تملِك فِتْيَتِي … بِيَدِي صَغَارٍ طَارِفًا وتَلِيدَا
أقول: أنشده سيبويه ولم ينسبه إلى أحد، وهو من الكامل.
قوله: "لأجدلنك" من قولهم: طعنه فجدّله بتشديد الدال، [أي] (٣): رماه بالأرض، قوله: "فتيتي" بكسر الفاء وسكون التاء؛ جمع فتى، وأراد بهم غلمانه وخدامه، قوله: "صغار" بفتح الصاد المهملة والغين المعجمة، وهو الذلة والهوان، و "الطارف" والطريف من المال: المستحدث، وهو خلاف التالد والتليد وهو المال القديم الأصلي الذي ولد عندك، والتاء فيه مبدلة من الواو، تقول منه: تلد المال يَتْلَد ويتلُدُ تلودًا، وأتلد الرجل إذا اتخذ مالًا.
الإعراب:
قوله: "لأجدلنك" اللام للتأكيد، وأجدلنك: جملة من الفعل والفاعل والفعول، قوله: "أو تملك" أي: إلا أن تملك، قوله: "فتيتي": كلام إضافي مفعوله، قوله: "بيدي صغار": كلام إضافي في محل النصب على الحال من الضمير الذي في تملك، قوله: "طارفًا": مفعول ثان لتملك؛ كما تقول: ملكت زيدًا عبدي، أو داري، قوله: "وتليدًا" عطف عليه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أو تملك" فإدن أو فيه بمعنى إلا، تقديره: إلا أن تملك فتيتي فافهم (٤).
الشاهد السبعون بعد الألف (٥)، (٦)
فَمَا زَالت القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءهَا … بِدِجْلَةَ حَتَّى ماءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ
أقول: قائله هو جرير بن الخطفي، من قصيدة يهجو بها الأخطل، وهي طويلة من الطويل،
стр. 1824
وأولها هو قوله:
١ - أَجِدَّكَ لا يَصْحُو الفُؤَادُ المُعَلَّلُ … وقد لاحَ مِنْ شَيْبٍ عِذَارٌ وَمِسْحَلُ
٢ - ألا لَيْتَ أن الظَّاعِنيَن بذِي الغَضَا … أَقَامُوا وَبَعْضَ الآخَرِينَ تَحَمَّلُوا
قوله: "القتلى": جمع قتيل، قوله: "تمج" أي: ترمي وتقذف، و "دجلة" بكسر الدال؛ نهر العراق، قوله: "أشكل" يقال: ماء أشكل إذا خالطه الدم، والأشكل: الذي تخالطه حمرة، وعين شكلاء إذا خالط بياضها حمرة، فإن كان سوادها يضرب إلى الخضرة فهي الزرقاء.
الإعراب:
قوله: "فما زالت القتلى" الفاء للعطف، و "القتلى": اسم ما زالت، و "تمج دماءها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول؛ خبرها، قوله: "بدجلة" الباء ظرفية، أي: في دجلة، قوله: "حتى" حرف ابتداء، وقوله: "ماء دجلة": كلام إضافي مبتدأ، و "أشكل": خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حتى" حيث دخلت على الجملة الاسمية لأنها ابتدائية؛ يعني: حرف تبتدئ بعده الجمل أي تستأنف. فافهم (١).
الشاهد الحادي والسبعون بعد الألف (٢)، (٣)
يا ناقَ سِيرِي عَنَقًا فسِيحًا … إلى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
أقول: قائله هو أبو النجم العجلي، واسمه الفضل بن قدامة، وهو من الرجز المسدس.
стр. 1825
قوله: "عنقًا" بفتح العين المهملة وبالنون والقاف، وهو ضرب من سير الدابة، وهو سير مسبطر، و "الفسيح" بفتح الفاء وكسر السين المهملة بعدها الياء آخر الحروف ساكنة وفي آخره حاء مهملة، ومعناه: الواسع منه، ومكان فسيح ومجلس فسيح.
الإعراب:
قوله: "يا ناق" يا حرف نداء، "وناق" بفتح القاف منادى مرخم أصله: يا ناقة، ويجوز فيه ضم القاف؛ كما في: يا حار يجوز الوجهان، وكسر القاف لحن (١)، قوله: "سيري": خطاب للناقة؛ جملة من الفعل والفاعل، و "عنقًا" نصب على أنه ناب عن المصدر أو صفة مصدر محذوف، أي: سيرًا عنقًا، وقوله: "فسيحًا": نعت لعنقًا، قوله: "إلى سليمان": يتعلق بسيري، وأراد به سليمان بن عبد الملك بن مروان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فنستريحا" حيث جاء منصوبًا؛ لأنه جواب الأمر بالفاء، ولا خلاف في نصب الفعل جوابًا للأمر إلا ما نقل عن العلاء بن سيابة، وهو معلم الفراء أنه كان لا يجيز ذلك، وهو محجوج بثبوته عن العرب؛ كما في البيت المذكور، وله أن يقول: هذا نصب على الضرورة.
فافهم (٢).
الشاهد الثاني والسبعون بعد الألف (٣)، (٤)
رَبِّ وَفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ … سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنِ
أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الرمل.
قوله: "فلا أعدل" أي: فلا أميل عن سنن الساعين، و "السنن" بفتح السين والنون الطريقة، يقال: استقام فلان على سنن واحد، وقال الجوهري: يقال: تنح عن سَنَنِ الطريق وسُنَنِه وسِنَنِه ثلاث لغات (٥).