← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

على جملة الأمر التي هي قوله: "فطلق" (١). فإن قلت: هل يجوز عطف [النهي على] (٢) الأمر؟ قلت: هذا لا خلاف فيه (٣)، وإنما الخلاف في عطف الخبر على الإنشاء وفي عكسه، فمنعه أهل المعاني والبيان (٤)، ووافقهم على ذلك ابن عصفور وابن مالك (٥)، وابن عصفور نقل هذا عن الأكثرين، وأجازه الصفار (٦) وجماعة (٧). وأما عطف الاسمية على الفعلية وبالعكس ففيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والثالث قاله أبو علي: إنه يجوز في الواو فقط، وأضعفها القول الثاني (٨). الشاهد الثالث والأربعون (٩)، (١٠) مَا أَقْدَرَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِي عَلَى شَحَطٍ … مَنْ دَارُهُ الحَزْنُ مِمَّنْ دَارُهُ صُولُ أقول: قائله هو حُنْدُج بن حُنْدُج المري، وهو من قصيدة لامية، وأولها هو قوله: ١ - فيِ لَيْلِ صُولٍ تنَاهَى العَرْضُ والطُّولُ … كأنما ليلُهُ بالحَشْرِ موصولُ ٢ - لا فَارقَ الصبحُ كفي إِنْ ظَفَرْتَ … بِهِ وَإنْ بدتْ غُرَّةٌ منهُ وتحجيلُ ٣ - لساهرٍ طال في صولٍ تململُهُ … كأنه حيةٌ بالسَّوطِ مقتولُ ٤ - متَى أرى الصبحَ قدْ لاحتْ مخايلُه … والليلُ قدْ مُزِّقتْ عنهُ السرابيلُ ٥ - ليلٌ تحيرَ ما ينحطُّ في جِهَةٍ … كأنهُ فوق متنِ الأرضِ مشكولُ

стр. 247

٦ - نُجُومُهُ رُكَّدٌ ليستْ بزائلةٍ … كأنما هنَّ في الجوِّ القناديلُ ٧ - ما أقدرَ اللهَ أنْ يُدني على شَحَطٍ … مَنْ دَارُهُ الحَزْنُ ممَّنْ دارُه صُولُ ٨ - اللهُ يطوي بساط الأرضِ بينهما … حتى ترى الرَّبْعَ منه وهو مَأْهُولُ وهي من البسيط والقافية متواترة. ١ - قوله: "تناهى العرض والطول" جعل الليل من المجسمات حتى جعله ذا طول وعرض. ٢ - قوله: "لا فارق الصبح كفي "يجوز أن يكون [دعاء] (١) أي: لا فارق اللَّه بيني وبينه ويجوز أن يكون إخبارًا، والمعنى: أنه يتشبث به فلا يفارقه، وعني بالغرة والتحجيل: تباشير الصباح ممتزجة بالظلام. ٣ - و "التململ" القلق والانزعاج. ٤ - قوله: "متى أرى الصبح؟ " [لفظة: متى] (٢) استفهام ومعناه التمني، قوله: "قد مزقت عنه السرابيل" أي الظلام. ٧ - قوله: "أن يدني" من الإدناء، من دنا يدنو إذا قرب، قوله: "على شحط" بالشين المعجمة والحاء المهملة، أي [على] (٣) بعد، من شحط يشحط بفتح عين الفعل فيهما والمصدر: شحْط بفتح الشين وسكون الحاء، وها هنا حركت الحاء للضرورة، أو يكون الشحط بالتسكين مصدرًا وبالتحريك اسمًا. قوله: "من داره الحزن" بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة، وهو اسم موضع ببلاد العرب، قال الجوهري: الحزن: بلاد العرب، والحزْن في الأصل: ما غلظ من الأرض وفيه حُزُونة (٤)، قوله: "صول" بضم الصاد المهملة وسكون الواو؛ اسم موضع قاله الجوهري (٥)، قلت: هو اسم ضيعة من ضياع جرجان، ويقال لها جول بالجيم. الإعراب: قوله: "ما أقدر الله! " مثل: ما أعظم اللَّه! وكلاهما تعجب. فإن قلت: هذا مشكل [وذلك] (٦) لأنك إذا قلت: ما أحسن زيدًا! فإن معناه: أي شيء

стр. 248

جعله حسنًا، وها هنا كيف يقال: أي شيء جعل اللَّه قادرًا! وصفات الله قديمة؟! قلت: هذا السؤال وارد على قول الفراء؛ حيث جعل "ما" في باب التعجب استفهامية (١) وهو ضعيف لاقتضاء الاستفهام الجواب (٢)، والوجه في ذلك ما قاله سيبويه، وهو ما في قولك: ما أحسن زيدًا! نكرة معناه: شيء أحسن زيدًا، وهو في محل الرفع على الابتداء، وما بعده خبره (٣)، والمسوغ لذلك كون القصد منه التعجب لا الإخبار المحض. واشتراط تعريف المبتدأ إنما هو في الخبر المحض، وأما على قول الفراء فالتقصي عن ذلك بأن يقال: إن العباد اعتقدوا عظمة اللَّه وقدرته، وأنهما قديمتان ولا يخطر بالبال أن شيئًا صيره كذلك وقد خفي علينا، وكال: ما أقدر اللَّه! لفظة تعجب ومعناه: الطلب والتمني، ثم [إن] (٤) "ما" نكرة بمعنى شيء، والضمير في "أقدر" يرجع إليه، ولفظة "الله" مفعوله. قوله: "أن يدني" أي: على أن يدني، فحذف الجار، ومثل هذا الحذف يكثر مع أن لطوله بصلته، و "أن" مصدرية. والتقدير: ما أقدر اللَّه على إدناء من داره الحزن ممن داره صول! أراد: أن يدني من هو مقيم بالحزن ممن هو مقيم بالصول، قوله: "على شحط" يتعلق بقوله: "يدني" وموضعه النصب على الحال، قوله: "من داره الحزن" كلمة "من" موصولة، و "داره" كلام إضافي مبتدأ و "الحزن" خبره والجملة صلة الموصول، والموصول مع صلته في محل النصب على أنها مفعول لقوله: يدني. الاستشهاد فيه: في قوله: "أن يدني" حيث أثبت الشاعر [فيه] (٥) الياء ساكنة مع تقدير النصب، وهو قليل (٦).

стр. 249

الشاهد الرابع والأربعون (١)، (٢) ............................... … أَبَى اللهُ أَن أَسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أَبٍ أقول: قائله هو عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الجفري، كان سيد بني عامر في الجاهلية. قال أبو موسى (٣): اختلف في إسلامه وأورده أبو العباس المستغفري (٤) في الصحابة ﵃، وقال ابن الأثير (٥): قول المستغفري وغيره ليس بحجة في إسلام عامر؛ فإن عامرًا لم يختلف أهل النقل من المتقدمين أنه مات كافرًا، وقد دعا رسول الله ﷺ عليه، وعلى أربد بن قيس أخي لبيد لأمه، وقال (٦): "اللهم اكفنيهما بما شئت" فأنزل الله على أربد صاعقة، وأخذت عامر الغدة، فكان يقول: غدة كغدة البعير، ومات في بيت سلولية، فلم يختلفوا في ذلك، وأول البيت المذكور: فمَا سَوَّدَتْنِي عَامِر عَنْ ورَاثَةٍ … أَبَى اللهُ أَنْ أَسْمُوَ بأُمٍ ولا أَبٍ وهو من قصيدة بائية، وهي هذه (٧): ١ - تقولُ ابنَة العَمْرِيّ ما لك بعدما … أراكَ صحيحًا كالسَّليمِ المعذَّبِ ٢ - فقلتُ لها هَمِّي الذي تعرفينَهُ … منَ الثأرِ في حيِّيْ زُبَيْدٍ وأرْحَبِ ٣ - إنْ أغزُ زُبَيْدًا أغْزُ قومًا أعزةً … مراكبُهُم في الحيِّ خيرُ مراكبِ ٤ - وإنْ أَغْزُ حيَّيْ خثعمٍ فَدِمَاؤُهُمْ … شفاءٌ وخيرُ الثأرِ للمتأوِّبِ ٥ - فمَا أدْرَكَ الأوتارَ مثلَ محقِّقٍ … بأجردَ طاوٍ كَالعَسِيبِ المشذَّبِ

стр. 250

٦ - وأسمرَ خَطِّي وأبيضَ باترٍ … وزَغْفَ دِلاصٍ كالغديرِ المثوِّبِ ٧ - فإني وإن كنت ابنَ سيدِ عامرٍ … وفارسهَا المشهورَ في كلّ موكبِ ٨ - فَمَا سَوَّدَتْنِي عامرٌ عنْ وراثَةٍ … أبى اللهُ أن أسموَ بأمٍ ولا أبِ ٩ - ولكنني أحمِي حمَاهَا وأتَّقِي … أذَاهَا وأرْمِي من رماها بمَنْكِبِ وهي من الطويل. ١ - قوله: "كالسليم" أي: كاللديغ. ٢ - و "زبيد" بضم الزاي [المعجمة] (١) وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، و "أرحب" بالحاء المهملة؛ وهما قبيلتان. ٥ - قوله: "فما أدرك الأوتار" جمع وتِر بالكسر؛ وهي الجناية، و "الأجرد" الذي لا شعر عليه، و "الطاوي" هو طاوي البطن، و "العسيب" بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة؛ منبت الذنب، و "المشذب" بضم الميم وفتح الشين المعجمة والذال المعجمة المشددة؛ وهو الطويل، يقال: فرس مشذب، وجذع مشذب؛ أي: طويل، وكذا يقال لكل طويل. ٦ - و "الأسمر": الرمح، و "الخطي" بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة؛ نسبة إلى الخط؛ موضع باليمامة تنسب إليه الرماح، و "الأبيض" السيف، و "الباتر" القاطع، قوله: "وزغف" بفتح الزاي وسكون الغين المعجمتين وفي آخره فاء؛ جمع زغفة (٢) بفتحتين؛ وهي الدرع الواسعة، قوله: "دلاص" بكسر الدال، الدرع اللينة والتقدير في البيت: وزغف ودلاص. ٨ - قوله: "فما سودتني" من السيادة، قوله: "أن أسمو" من السمو، وهو العلو والارتفاع. ٩ - قوله: "حماها" الضمير فيه وفي قوله: "أذاها ورماها" وفي قوله: "وفارسها" كلها ترجع إلى عامر، وهو اسم قبيلة؛ فلذلك أنث الضمائر (٣)، قوله: "بمنكب" بفتح الميم وسكون النون وكسر الكاف؛ وهو (٤) أعوان العرفاء، وقيل: المنكب: رأس العرفاء، من النكابة وهي العرافة والنقابة. والمعنى: وأرمي من رماها بجماعة رؤساء من الفوارس، والدليل عليه ما جاء في رواية أخرى، و "بمقنب" (٥) بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون؛ وهي جماعة الخيل والفرسان، وقيل: هي

стр. 251

دون المائة، وقال ابن فارس: المقنب: نحو الأربعين من الخيل، والقنب: الجماعة من الناس (١). الإعراب: قوله: "فما سودتني" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقوله: "عامر" فاعله، وأراد بـ"عامر" بني عامر القبيلة؛ فلذلك أنث الفعل المسند إليها؛ لأنه كان سيد بني عامر، قوله: "من وراثة" متعلق (٢) بقوله: "سودتني" ومحلها النصب على أنها صفة لمصدر محذوف، والتقدير: ما سودتني عامر سيادة حاصلة عن وراثة، وأراد بهذا الكلام: أن سيادته من نفسه لأجل كرمه وشجاعته لا أنها وراثة من أبيه (٣) وأن الرجل الكريم وإن كان آباؤه لئامًا لم يضره، وإن كان آباؤه كرامًا لم ينفعه، والأصل: أن يكون كرم الشخص في ذاته وسليقته. قوله: "أبى اللَّه" من الإباء، وهو شدة الامتناع، وهي جملة من الفعل والفاعل، قوله: "أن أسمو" مفعول، و "أن" مصدرية، والتقدير: أبى الله سموي، أي: علوي وسيادتي لأم وأب، أي: من جهة الآباء والأمهات، قوله: "ولا أب" عطف على قوله: "بأم"، وزاد كلمة: "لا" تأكيدًا للنفي، وأخَّر الأب لأجل القافية. الاستشهاد فيه: في قوله: "أن أسمو" حيث سكن الشاعر الواو مع الناصب؛ لأن الحق أن يقال: أن أسموَ بنصب الواو، ولكنه سكنها للضرورة (٤). الشاهد الخامس والأربعون (٥)، (٦) ............................... .... تساويُ عَنْزِي غيرَ خَمْسِ دراهِمِ أقول: هذا البيت أنشده الفراء، ولم يذكر قائله، وقال أبو حيان (٧): لا يعرف قائله، بل لعله

стр. 252

مصنوع، قلت: قائله رجل من الأعراب، وله حكاية نذكرها الآن -إن شاء الله تعالى- وصدره: فَعَوَّضَنِي عَنْهَا غِنَايَ وَلَمْ تَكُنْ … .......................... وهو من قصيدة ميمية من الطويل، وأولها هو قوله (١): ١ - توسمتُهُ لمَّا رَأَيْتُ مَهَابَةً … عَلَيهِ وقلْتُ المرْءُ مِنْ آل هاشِمِ ٢ - وإلَّا فَمِنْ آلِ المُرَارِ فإنهمْ … ملوكٌ عِظَامٌ من كرامٍ أَعَاظِمِ ٣ - فقُمْتُ إِلَى عنزِ بقيَّةِ أَعْنُزٍ … لأذبحَهَا فعل امرِئ غيرِ نادمِ ٤ - فَعَوَّضَنِي عَنْهَا غِنَايَ وَلَمْ تَكُنْ … تساويّ عَنْزِي غيرَ خَمْسِ دراهِمِ ٥ - فقلتُ لأهلِي في الخَلاءِ وَصِبْيَتِي … أَحَقًّا أرى أم تلكَ أحلامُ نائمِ ٦ - فقالوا جَمِيعًا لا بل الحقُّ هذه … تخب بها الرُّكْبَانُ وسْطَ المواسِمِ ٧ - بخمسِ مئينَ من دنانيرَ عُوِّضَتْ … من العنزِ ما جادتْ به كفُّ حاتمِ وحكايته أنه خرج عبد اللَّه بن العباس - رضي الله تعالى عنهما - مرة يريد معاوية بن أبي سفيان - رضي الله تعالى عنهما - فأصابته سماء، فنظر إلى نويرة عن يمينه، فقال لغلامه: مل بنا إليها، فلما أتياها إذا شيخ ذو هيئة رثَّةٍ، فقال له الشيخ: انِخْ انزل حُيِّيتَ، ودخل إلى منزله فقال لامرأته: هيِّئِي لي شاتك أقضي بها ذمام هذا الرجل؛ فقد توسمت فيه الخير؛ فإن يكن من مضر فهو من بني عبد المطلب، وإن يكن من اليمن فهو من بني آكل المرار، فقالت له: قد عرفت حال صبيتي، وإن معيشتهم منها، فأخاف الموت عليهم إن فقدوها، فقال: موتهم أحبّ إليّ من اللؤم، ثم قبض على الشاة وأخذ الشفرة، وأنشد (٢): ١ - قَرِينَتِي لا تُوقِظُنِي بَنِيَّهْ … إِنْ يُوقَظُوا يَنْتَحِبُوا علَيَّهْ ٢ - وَيَنْزَعُوا الشَّفْرَةَ مِنْ يَدَيَّهْ … أَبْغَضُ هذا أن يُرَى لَدَيَّهْ ثم ذبحها وقشط جلدها وقطعها أرباعًا وقذفها في القدر حتى إذا استوى أثرد في جفنته (٣) فعشاهم ثم غداهم، فلما أراد عبد الله الرحيل، قال لغلامه: ارم للشيخ ما معك من نفقة، فقال: ذبح لك الشاة فكافأته بمثل عشرة أمثالها وهو لا يعرفك، فقال: ويحك! إن هذا لم يكن يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجادَ لنا بها، وإن كان لا يعرفني فأنا أعرف نفسي، ارم بها إليه، فرماها إليه

стр. 253

فكانت خمسمائة دينار، فارتحل عبد الله فأتى معاوية [- رضي اللَّه تعالى عنهما -] (١) فقضى حاجته، ثم أقبل راجعًا إلى المدينة حتى إذا قرب من ذلك الشيخ قال لغلامه: ملْ بنا إليه ننظر في أي حالة هو، فانتهينا إليه، فإذا برجل سريّ عنده دخان عال ورماد كثير وإبل وغنم ففرح بذلك، فقال له الشيح: انزل بالرحب والسعة، فقال: أتعرفني؟ قال (٢): لا واللَّه فمن أنت؟ قال (٣): أنا نزيلك ليلة كذا وكذا، فقام إليه وقبّل رأسه ويديه ورجليه، وقال: قد قلت أبياتًا، أتسمعها مني؟ فقال: هات، فأنشده هذه الأبيات، فضحك عبد الله وقال: قد أعطيتنا أكثر مما أخذت (٤) منا، يا غلام: أعطه مثلها، فبلغت فعلته معاوية ﵁، فقال: لله در عبد الله! من أي بيضة خرج؟ وفي أي عش درج؟ هي لعمري من فعلاته. ١ - قوله: "توسمته" من التوسم يقال: توسمت فيه الخير، أي تفرست، قوله: "من آل المرار" بضم الميم وتخفيف الراء؛ وهو شجر مرّ إذا أكلتْ منه الإبل قلصتْ عنه مشافرُها، الواحد مرارة، قال الجوهري: ومنه بنو آكل المرار، وهم قوم من العرب (٥). قلت: آكل المرار هو أول ملوك كِنْدَة واسمه حجر بن عمرو وهو من ولد كندة، واسمه ثور بن عفير بن الحرث من ولد زيد بن كهلان بن سبأ، وإنما سمي حجر آكل المرار لكون امرأته قالت: خدر كأنه جمل قد أكل المرار لبغضها فيه فغلب ذلك لقبًا عليه. الإعراب: قوله: "فعوضني عنها" أي عن العنز التي ذبحها الأعرابي لعبد اللَّه، فالفاء للعطف على ما قبله، و "عوضني" جملة من الفعل والمفعول والفاعل هو الضمير المستتر فيه العائد إلى عبد الله، والمفعول هو الضمير المتصل به والجار والمجرور يتعلق به، "غناي" كلام إضافي مفعول ثان لعوض. قوله: "ولم تكن" جملة وقعت حالًا، قوله: "تساوي" فعل مضارع من ساوى يساوي مساواة، يقال: هذا الشيء لا يساوي هذا الشيء أي لا يعادلُه، قوله: "عنزي" كلام إضافي فاعل يساوي، وقوله: "غير خمس دراهم" خبر كان (٦)، وخمس مجرور بالإضافة وكذلك قوله: "خمس دراهم".

стр. 254

الاستشهاد هيه: في قوله: "تساوي" حيث أبرز الشاعر فيه الضمة على الياء لضرورة (١) الوزن (٢)، وقد جاء نظير ذلك في الاسم وهو قول الشاعر (٣): تَرَاهُ وَقَدْ بَزَّ الزَّمَانُ كأَنَّهُ … أَقَامَ كلاب عنهمْ مُصْغِيُ الخَدِّ أصْلَمُ الشاهد السادس والأربعون (٤)، (٥) إذا قُلْتُ عَلَّ الْقَلْبَ يَسْلُوُ قُيِّضَتْ … هَوَاجِسُ لا تَنْفَكُّ تغْرِيه بِالوجْدِ أقول: هو من الطويل. قوله: "علَّ" أي لعلَّ، وعلَّ لغة في لعلَّ، وفيها: إحدى عشرة (٦) لغة: لعل وعلّ، ولعنَّ ولغَنَّ بالمعجمة (٧) ولأن ولعلت وعن، وغن بالعجمة وإن ورعنَّ، ورغنَّ بالمعجمة (٨)، واللام الأولى في: "لعل" أصل في أقوى القولين (٩)، وقال الجوهري: لعل: كلمة شك، وأصلها: علّ، واللام في أولها زائدة (١٠).

стр. 255

قوله: "يسلو" من سلوت عنه سلوًا، إذا أبرد قلبه من هواه، قوله: "قيضت" أي: سلطت، قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥]، قوله: "هواجس": جمع هاجسة، من هجس في صدري شيء إذا حدث، والهاجس: الخطر، قوله: "تغريه" من الإغراء؛ وهو التحريض، قوله: "بالوجد" وهو شدة الشوق. الإعراب: قوله: "إذا": للشرط، و "قلت": جملة من الفعل والفاعل، وقعت فعل الشرط، وقوله: "قيضت": جواب الشرط، قوله: "علَّ القلب يسلو": جملة من الفعل والفاعل، وقعت مقولًا للقول، والقلب: منصوب بعل، و "يسلو": جملة خبره، قوله: "هواجس": مفعول لقيضت، ناب عن الفاعل، قوله: "لا تنفك … إلى آخره" في محل الرفع على أنه صفة لهواجس، ولا تنفك من الأفعال الناقصة، ولا تعمل إلا إذا صحبت نفيًا موجودًا أو مقدرًا أو نهيًا أو دعاءً؛ كزال وبرح وفتئ (١)، وفيه ضمير مستتر يرجع إلى الهواجس وهو اسمه، وقوله: "تغريه بالوجد": خبره والضمير المنصوب فيه يرجع إلى القلب. الاستشهاد فيه: في قوله: "يسلو" حيث أظهر الضمة على الواو؛ فدل هذا أن المحذوف عند دخول الجازم هو الضمة الظاهرة التي كانت على الواو، وهذا على رأي بعض النحاة (٢). * * *

стр. 256

شواهد النكرة والمعرفة الشاهد السابع والأربعون (١)، (٢) وَمَا نُبَالِي إِذَا مَا كُنْتِ جَارَتِنَا … أَنْ لا يُجَاورُنَا إِلَّاكِ دَيَّارُ أقول: هذا البيت أنشده الفراء ولم ينسبه إلى أحد. وهو من البسيط، وفيه الخبن والقطع، وهو قوله: "ديار" فإنه فعلن، وهو مقطوع. قوله: "وما نبالي" أي: وما نكترث، من بالى يبالي مبالاة، قوله: "جارتنا" تأنيث الجار، قوله: "أن لا يجاورنا"، [جاء] (٣) فيه "علَّا يجاورنا" بإبدال الهمزة عينًا، [قوله:] (٤) "إلاك"، أي: إلا إياك، قوله: "ديار" أي أحد يقال ما بها (٥) ديار، أي ما بها أحدٌ، وكذلك ما بها دوري، وهو فَيْعَال من درت، وأصله: ديوار؛ قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. المعنى: إذا كنت أيتها (٦) المحبوبة جارة لنا، لا نبالي ألا يجاورنا أحدٌ غيرك؛ ففيك الكفاية وحاصله: أنتِ المطلوبة، فإذا حصلتِ فلا التفات إلى غيرك. الإعراب: قوله: "وما نبالي": جملة من الفعل والفاعل و "أن لا يجاورنا"، في محل النصب مفعوله،

стр. 257

و "أن": مصدرية، والتقدير: ما نبالي عدم مجاورة أحد غيرَك إيانا، إذا ما كنت أنت جارتنا، وكلمة: "ما": زائدة، والمعنى: حين كنت، ويجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: حين كونك جارتنا، قوله: "ديار": مرفوع بقوله: "يجاورنا"، و "إلا": بمعنى غير، وهو استثناء مقدم، والمعنى: أن لا يجاورنا ديار إلا أنت. الاستشهاد فيه: في قوله: "إلاك" فإنه أتى بالضمير المتصل بعد إلا، وكان القياس أن يقال: إلا إياك بالضمير المنفصل، وهذا شاذ لضرورة الشعر (١). الشاهد الثامن والأربعون (٢)، (٣) أَعُوذُ برَبِّ العَرْشِ مِنْ فِئَةٍ بَغَتْ … عَلَيَّ فَمَا لِي عَوْضٌ إلَّاهُ نَاصِرُ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الطويل. قوله: "من فئة" أي من جماعة، والهاء عوض من الياء التي نقصت في وسطه، وأصله: فيء مثال فيع؛ لأنه من فاء، ويجمع على فئون وفئات، قوله: "بغت" من البغي؛ وهو الظلم والعدوان. الإعراب: قوله: "أعوذ": جملة من الفعل والفاعل وهو أنا مستتر فيه، و "برب العرش" صلة، و "من فئة" متعلق بأعوذ، وفيه ضمير حذف تقديره: من شر فئة، أو من ظلم فئة، وما أشبه ذلك، قوله: "بغت": جملة من الفعل والفاعل في محل الجر؛ لأنها صفة لفئة، قوله: "علي": صلة [بغت]، (٤) في محل النصب، قوله: "فما لي" كلمة ما بمعنى ليس، و "ناصر" مرفوع

стр. 258

اسمه، وقوله: "إلاه": خبره، قوله: "عوض": ظرف لاستغراق المستقبل مثل: أبدًا، إلا أنه مختص بالنفي، وهو مبني على الضم، وقد جاء فيه البناء على الكسر والفتح- أيضًا، فإذا أضيف يعرب؛ كما في قولك: لا أفعله عوض العائضين (١). الاستشهاد فيه: في قوله: "إلاه" حيث وقع الضمير المتصل بعد "إلا"، وهو شاذ، وكان القياس أن يقال: إلا إياه (٢)، وأنكر المبرد وقوع المتصل بعد "إلا" مطلقًا، حتى إنه أنشد قوله: "إلاك ديار" في البيت السابق: سواك ديار، وأنكر رواية: إلاك. فافهم (٣). الشاهد التاسع والأربعون (٤)، (٥) وَمَا أُصَاحِبُ مِنْ قَوْمٍ فأَذكُرهُمْ … إلا يَزِيدُهُمْ حُبًّا إِلَيَّ هُمُ أقول: قائله هو زياد بن حمل بن سعد بن عميرة بن حريث، ويقال: زياد بن منقذ، وهو أحد بني العدوية من بني تميم، وأتى اليمن فنزع إلى وطنه ببطن الرمث، وهو من بلاد بني تميم (٦)،

стр. 259

وأنشد وهو من قصيدة طويلة، وأولها (١): ١ - لا حبَّذَا أَنْتِ يَا صَنْعَاءُ مِنْ بَلَدٍ … ولا شَعُوبُ هوًى منِّي ولا نُقُمُ ٢ - ولنْ أُحِبَّ بِلادًا قد رَأَيْتُ بِهَا … عَنْسًا ولا بَلَدًا حَلَّتْ بهِ قُدُمُ ٣ - إذا سقَى اللهُ أَرْضًا صَوْبَ غَادِيَةٍ … فلا سقاهنَّ إلا النَّارَ تَضْطَرِمُ ٤ - وحبذا حينَ تُمْسِي الريحُ بَارِدَةً … وادِي أُشَيَّ وفتيانٌ بهِ هُضُمُ ٥ - الحَامِلُونَ إِذَا مَا جَرَّ غيرُهُمُ … على العشيرَةِ والكافونَ ما جَرَمُوا ٦ - والمطعِمُونَ إِذَا ما هَبَّتْ شآمِيَةٌ … وباكر الحي مِنْ صُرَّادِهَا صِرَمُ ٧ - وشَتْوَةٍ فلَّلُوا أَنْيَابَ لزبتها … عنهم إذا كَلَحَتْ أنيابُها الأُزُمُ ٨ - حتى انْجلَى حَدُّهَا عنهم وجارهم … بِنَجْوَةٍ منْ حِذَارِ الشرِّ مُعْتَصِمُ ٩ - هُمُ البُحُورُ عَطَاءً حينَ تسأَلُهُمْ … وفي اللقاءِ إذَا تَلْقَى بهم بُهَمُ ١٠ - وَهُمْ إذا الخيلُ حَالُوا في كواثِبِهَا … فَوَارِسُ الخيلِ لا مِيلُ ولا قَزَمُ ١١ - لَمْ أَلْقَ بعدهم حيًّا فأخْبِرَهُمْ … إلَّا يَزِيدُهمْ حُبًّا إِلَيَّ هُمُ ١٢ - كمْ فيهمْ مِنْ فتًى حُلْوٌ شَمائِلُهُ … جَم الرَّمَادِ إذا ما أخمدَ البرمُ ١٣ - تحبّ زوجاتِ أقوامٍ حلايلَهُ … إذا الأنوفُ امتَرَى مكنُونَهَا الشَّبَمُ ١٤ - تَرَى الأرامِلَ والهلاكَ تتبعُهُ … يستنُّ منه عليهم وابلٌ رَذِمُ ١٥ - كَأَنَّ أَصْحَابَهُ بالقفرِ يَمْطُرُهُمْ … من مستجيرٍ غزيرٍ صوبُهُ دِيَمُ ١٦ - غَمْرُ النَّدَى لا يَبِيتُ الحقّ يَثمُدُهُ … إلا غدا وهو سَامِيَ الطرف مُبْتَسِمُ ١٧ - إلى المكارمِ يَبْنِيهَا وَيَعْمُرُهَا … حتى ينال أمورًا دونها قُحَمُ ١٨ - تشقى بهِ كلُّ مِزبَاعٍ مُودَّعَةٍ … عرفاءَ يَشْتُو عليها تَامِكٌ سَنِمُ ١٩ - من العَقَائِلِ لا يَدْعُو لِميْسِرِها … ولا يشحُ عليها حينَ تَقتَسِمُ ٢٠ - تَرَى الجِفَانَ منَ الشِّيْزَى مُكلَّلَةً … قدامَهُ زَانَهَا التشْرِيفُ والكرَمُ ٢١ - يَنُوبُهَا النَّاسُ أَفْوَاجًا إذَا نَهِلُوا … عَلُّوا كَمَا عَلَّ بعد النَّهْلَةِ النَّعَمُ ٢٢ - زَارَتْ رُوَيْقَةُ شُعْثًا بعدَمَا هجعُوا … لدَى النَّوَاحِلِ في أَرْسَاغِهَا الخَدَمُ ٢٣ - فقمتُ للزَّوْرِ مُرْتَاعًا وأَرَّقَنِي … فقلتُ أهي سرت أم عادني حُلُمُ

стр. 260

٢٤ - وَكَانَ عَهْدِي بِهَا والمَشْيُ ينهَضُهَا … من القريبِ ومعهَا النومُ والسَّأمُ ٢٥ - وبالتكَالِيفِ تأْتِي بيتَ جَارَتِهَا … تَمْشِي الهُوَيْنَى ومَا يَبْدُو لَهَا قَدَمُ ٢٦ - سُودٌ ذَوَائِبُهَا حُمْرٌ تَرَائِبُهَا … دُرْمٌ مَرَافِقُهَا في خَلْقِهَا عَمَمُ ٢٧ - رُوَيقُ إِنِّي ومَا حجَّ الحَجِيجُ لهُ … وَمَا أَهَلَّ بِجَنْبِي نَخْلةَ الحُرُمُ ٢٨ - لَمْ يُنْسَنِي ذِكْرَكُمْ مُذْ كَمْ أُلاقِكُمْ … عيشٌ سلوتُ به عنكمْ ولا قِدَمُ ٢٩ - ولمْ تُشَارِكْكَ عِنْدِي بعدُ غانِيَةٌ … لا والذي أصبحتْ عندِي لهُ نعمُ ٣٠ - مَتَى أَمرّ على الشقْرَاءِ مُعْتَسِفًا … خَلَّ النَّقَا بِمَروحٍ لَحْمُهَا زِيَمُ ٣١ - والوشمِ قد خَرَجَتْ مِنْهَا وقابلها … مِنَ الثَّنايَا التي لم أقلها ثَرَمُ ٣٢ - يا ليتَ شِعْرِي عنْ جَنْبِي مُكَشَّحَةٍ … وحيثُ يُبْنَي منَ الحِنَّاءَةِ الأطُمُ ٣٣ - عَنِ الأَشَاءَةِ هلْ زَالتْ مَخَارِمُهَا … وَهَلْ تَغَيَّرَ منْ آرامِهَا إِرَمُ ٣٤ - وَجَنَّةٍ مَا يَذُمُّ الدهرُ حاضِرُهَا … جَبَّارُهَا بالْحَيَا والحَمْلِ مُحْتَزِمُ ٣٥ - فيهَا عَقَائِلُ أَمْثَالُ المَهَا خُرُدٌ … لمْ يَغْذُهُنّ شَقَا عيش ولم يُتُمُ ٣٦ - يَنْتَابُهُن كِرَامٌ ما يَذُمُّهُمُ … جَارٌ غَرِيبٌ ولا يُؤْذَى لهم حشمُ ٣٧ - مُخَدَّمُونَ ثِقَالٌ في مَجَالِسِهِمْ … وفي الرِّحَالِ إذَا لاقيتَهمْ خَدَمُ ٣٨ - بلْ ليتَ شِعْرِي متى أَغْدُو تُعَارِضُنِي … جرداء سابِحَةٌ أو سابحٌ قدم ٣٩ - نحوَ الأُمَيْلِحِ أوْ سَمْنَانَ مبتكرًا … بِفِتْيَةٍ فيهم المَرَّارُ والحكمُ ٤٠ - ليسَتْ علَيْهمْ إذَا يَغْدُونَ أَرْدِيَةً … إلا جيَادُ قسيِّ النبعِ واللُّجُم ٤١ - مِنْ غَيْرِ عُدْمٍ ولكنْ مِنْ تبذلهم … للصيدِ حِين يُصِيخُ القَانِصُ اللَّحِمُ ٤٢ - فَيَفْزَعُونَ إِلى جُرْدٍ مُسَوَّمَةٍ … أَفْنَى دَوَابِرَهُنَّ الركْضُ والأكَمُ ٤٣ - يَصْرُخْنَ صمّ الحَصَا في كلِّ هَاجِرَة … كما تطايرَ عَنْ مُرْضَاحِهِ العَجَمُ ٤٤ - يغدُو أَمَامَهُمْ فيِ كُلِّ مَرْبَأَةٍ … طَلَّاعُ أَنْجِدَة في كَشْحِهِ هضمُ وهي من البسيط والقافية من المتراكب (١). ١ - قوله: "ولا حبذا أنت" أشار به (٢) إلى الشيء، والتقدير: لا أنت يا صنعاء محبوبة في

стр. 261

الأشياء، ولما كان "ذا" يشار به إلى الشيء وقع للمذكر والمؤنث على حالة واحدة، لكن (١) لفظ الشيء عام يشمل الكل، وصنعاء: مدينة اليمن، و "شعوب" بفتح الشين المعجمة وضم العين المهملة وفي آخره باء موحدة؛ موضع باليمن، و "نقم" بضم النون والقاف -أيضًا- موضع بها. ٢ - و "عنسًا" بفتح العين المهملة وسكون النون وفي آخره سين مهملة؛ حي باليمن، و "قدم" بضم القاف والدال كذلك. ٣ - قوله: "صوب غادية" الصوب: نزول المطر، والغادية بالغين المعجمة؛ سحابة تنشأ صباحًا، قوله: "تضطرم" في موضع الحال للنار. ٤ - قوله: "أشي" بضم الهمزة وفتح الشين المعجمة وتشديد الياء؛ اسم موضع يروى مصروفًا [وغير مصروف] (٢)، قوله: "هضم" بضمتين؛ جمع هضوم، وهو المنفاق في الشتاء. ٦ - قوله: "شآمية" نصب على الحال، قوله: "من صرادها" بضم الصاد المهملة وتشديد الراء، وهو السحاب البارد، و "صرم" بكسر الصاد وفتح الراء، ومعناه: القطع كأنها جمع صرمة. ٧ - قوله: "فللوا" أي كسروا، و "اللزبة" بفتح اللام وسكون الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة؛ السنة المجدبة، وجعل الأنياب مثلًا لشدائدها، و "الكلوح" بدوّ الأسنان عند العبوس، و "الأزم" بضم الهمزة والزاي المعجمة؛ جمع أزوم وهي العوارض. ٨ - و "النجوة": الأرض المرتفعة لا يبلغها السيل. ٩ - و "عطاء" نصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولًا له، قوله: "بهم بهم" الباء في الأول حرف جر في خلت على الضمير، وفي الثاني من نفس الكلمة وهي (٣) جمع بهمة؛ وهو الشجاع الذي لا يدري كيف يؤتى لاستبهام شأنه، وهو مبتدأ وخبره قوله: "في اللقاء". ١٠ - قوله: "كواثبها": جمع كاثبة؛ وهي قدام المنسج من الدابة، وهو أعلى الظهر منها، و "ميل" بكسر الميم؛ جمع أميل، وهو الذي يَزْوَرّ عن وجه الكتيبة عند الطعان، وقيل: هو الذي لا يثبتُ على ظهر الفرس، و "القزمُ" بفتح القاف والزاي المعجمة؛ الصغار، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر [والمؤنث. ١٢ - قوله: "إذا ما أخمد البَرَمُ" بفتح الباء الموحدة والراء المهملة؛ وهو الرجل الشحيح

стр. 262

الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، ومفعول أخمد محذوف تقديره:] (١) إذا أخمد البرم النار لبخله. ١٣ - قوله: "امترى": استخرج، و "الشَّبم" بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة؛ البرد، وأراد "بالمكنون" ما يسيل من الأنوف عند البرد. ١٤ - و "الأرامل": جمع أرملة وأرملٍ؛ لأنه يقع على الذكر والأنثى، و "الهلَّاك" بضم الهاء؛ هم الذين انقطع زادهم، قوله: "يستن" أي: ينصب، من سَنَنْتُ الماء إذا ما صببته وأسننته بمعنى، و "الوابل": المطر العظيم القطر، و "رذم" من رذم الشيء، إذا سال. ١٥ - قوله: "من مستحير" المستحير بالحاء المهملة؛ سحاب ثقيل متردد ليس له ريح تسوقه، و "غزيرًا" أي كثيرًا صوبُه، أي نزول مطره، و "ديم" بكسر الدال وفتح الياء آخر الحروف؛ جمع ديمة، وهو المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق، أقله ثلث النهار وثلث الليل، وأكثره ما بلغ من الغد. ١٦ - قوله: "يثمده" (٢): يكثر عليه حتى يفنى ما عنده، والماء الثمود: المزدحم عليه حتى يُنْزَفُ نزفًا. ١٧ - و "القحم" بضم القاف وفتح الحاء المهملة الشدائد؛ وهو (٣) جمع قحمة. ١٨ - و "المرباع": الناقة التي من شأنها أن تضع ولدها في الربيع، وهو المحمود في النتاج، وهو بناء المبالغة، و "المودعة": المُكْرَمَة يصونها عن الحمل لنفاستها عندهم، و "العرفاء": التي لسمنها صار لها كالعرف، ويقال: التي صار لها على عنقها كالعرف من الوبر، و "التأمك" بالتاء المثناة من فوق؛ السنام المشرف، و "السنِم" بفتح السين وكسر النون؛ العالي يقال: بعير سنم؛ أي: مشرف السنام. ١٩ - و "العقائل": جمع عقيلة؛ وهي كريمة الإبل، وعقيلة كل شيء: أكرمه. ٢٠ - و "الشيزى" بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الزاي المعجمة؛ وهو خشب أسود يُتَّخَذُ منه القصاع وكذلك الشيز، قوله: "مكللة" أراد أن الجفان المعدة للأضياف عليها كالأكاليل من فدر اللحم. ٢١ - و "أفواجًا" نصب على الحال، قوله: "إذا نهلوا" أي: إذا عطشوا، والناهل: العطشان

стр. 263

والريان -أيضًا- وهو من الأضداد، قوله: "علُّوا" من العلل، وهو الشرب الثاني، يقال: علل بعد نهل، وعله يعله ويعله إذا سقاه السقية الثانية، و "علّ" يتعدى ولا يتعدى، و "النعم" تقع على الأزواج الثمانية، والغالب عليها الإبل. ٢٢ - قوله: "وزادت رويقة" وهي امرأة، قوله: "شعثًا" أي: قومًا شعثًا، وهو جمع أشعث وهو الأغبر، و "الخدم" بفتح الخاء المعجمة والدال؛ جمع خدمة؛ وهي الخلخال. ٢٣ - و "الزور": الزائر، و "مرتاعًا" نصب على الحال، من الروع وهو الفزع. ٢٤ - قوله: "يبهظها" أي: يثقل عليها ويشق. ٢٥ - و "الهوينى" تصغير الهونا، والهونا: تأنيث الأهون، وموضعها من الإعراب النصب على المصدر. ٢٦ - قوله: "درم" بضم الدال المهملة وسكون الراء، يعني: لم يكن لمرافقها حجم لكثرة اللحم عليها، قوله: "عمم" بفتح [العين] (١) المهملة [والميم] (٢) أي: طول. ٢٧ - قوله: "رويق" منادى مرخم [يعني: يا رويقة] (٣)، قوله: "بجنبي نخلة" وهو مكان يقرب [من] (٤) مدينة النبي ﷺ ، قوله: "وما أهل" أي له. ٢٨ - قوله: "لم ينسني" جواب القسم. ويجاب اليمين من حروف النفي بما ولا (٥)، ولكنه اضطر، فوضع (لم ينسني) موضع (ما أنساني). ٢٩ - و "الغانية": التي غنيت بجمالها. ٣٠ - و "الشقراء" فرسه. قال الأصمعي: قيل: والشقراء بلد لعكل، وفيه نخل، وقيل: إنه هضبة، و "الاعتساف": الأخذ على غير هداية ولا دراية، قوله: "خل النقا" مفعول (معتسفًا) (٦)

стр. 264

والخل بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام؛ طريق في الرمل يذكر ويؤنث، و "النقا" مقصور؛ كثيب من الرمل، قوله: "بمروح" بفتح الميم وضم الراء وفي آخره حاء مهملة، يقال: فرس مروح وممراح، أي: نشيط، قوله: "زيم" بكسر الزاي المعجمة وفتح الياء آخر الحروف؛ أي متفرق، ويقال: مكتنز؛ أي: غليظ. ٣١ - قوله: "والوشم" بفتح الواو وسكون الشين المعجمة، قيل: إنه بلد ذو نخل دون اليمامة وهناك قبائل من مضر وربيعة، وقوله: "قد خرجت منه" أي الفرس المروح أو الناقة منه، أي من الوشم، و "الثنايا": العقبات، قوله: "لم أقلها" أي: لم أبغضها، و "الثرم" بفتح الثاء المثلثة والراء؛ وهو الذي يصيب الثنايا، ومنه الأثرم وهو الذي سقطت بعض ثناياه فصارت بينها فرجة. ٣٢ - قوله: "جنبي مكشحة" هي موضع، ويروى: جزعي مكشحة، و "الحنأة" بكسر الحاء المهملة وتشديد النون، اسم رمل، و "الأطم" بضمتين؛ الحصن وكل بناء مرتفع. ٣٣ - و "الأشاءة" بفتح الهمزة والشين المعجمة؛ موضع، و "الخارم": جمع مخرم بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء؛ منقطع أنف الجمل (١)، و "الآرام": جمع ريم بالكسر وهو الظبي الأبيض الخالص، و "الإرم" بكسر الهمزة وفتح الراء؛ حجارة تنصب علمًا في المفازة. ٣٤ - قوله: "جبارها" الجبار بفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة؛ من النخل ما طال وفات اليد، يقال: نخلة جبارة وناقة جبارة، أي: عظيمة سمينة، قوله: "بالحيا" (٢) أي بالخصب، ويروى: بالندي و "محتزم" بالحاء المهملة والزاي المعجمة أي ملتف. ٣٥ - قوله: "فيها" أي: في الجنة، "عقائل" أي: كرام من النساء، و "المها" جمع مهاة وهي البقرة الوحشية، ويروى: الدمى جمع [دمية] (٣) وهي الصورة من العاج ونحوه، قوله: "خرد" بضم الخاء المعجمة والراء جمع خريدة وهي الحيية من النساء (٤) تجمع (٥) على خرائد -أيضًا-. ٣٦ - و "حشم الرجل": أتباعه. ٣٧ - وأراد بـ"الثقال" ذوو الوقار والحلم. ٣٨ - و "الجرداء": الفرس الذي لا شعر عليها، و "السابح": الفرس الجاري، و "قدم" بمعنى متقدم.

стр. 265

٣٩ - و "الأميلح" بضم الهمزة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وكسر اللام وفي آخره حاء مهملة؛ وهو ماء لبني ربيعة، و "سمنان" بفتح السين؛ ديارهم، و "المرار" بفتح الميم وتشديد الراء؛ اسم رجل، وكذلك الحكم بفتحتين. ٤١ - و "العدم" بالضم؛ الفقر، و "التبذل" بالذال المعجمة: ترك التصاون (١)، و "القانص" الصائد، من قنص، و "اللحم" بفتح اللام وكسر الحاء؛ صفة مشبهة من لحم إذا اشتهى [اللحم] (٢). ٤٢ - قوله: "فيفزعون" أي يلجئون، و "الجرد" بالضم؛ جمع جرداء وقد ذكرناه الآن، و "مسومة": معلمة، ويروى: مسحجة؛ أي: سحج بعضها بعضًا بالعض، و "الدوابر": جمع دابرة، و "الحافر" وهو ما حاذى مؤخر الرسغ، و "الأكم": جمع أكمة. ٤٣ - قوله: "يضرحن" من ضرحه الفرس بيده إذا ضربه بها، ويروى: يرضخن، من الرضخ وهو الرمي، والمرضاخ: الحجر الذي يكسر عليه النوى أو به، قوله: "كما تطاير" ويروى: كما تطايح بمعناه، ويروى: تصايح، من الصيحة وتضابح من الضبح، وهو الصوت. ٤٤ - قوله: "مربأة" أي: مرقبة، من ربأت القوم وارتبأتهم إذا رقبتهم، قوله: "أنجدة": جمع نجد؛ كفرخ وأفرخة، و "النجد": ما ارتفع من الأرض، يقال: فلان طلاع أنجدة وطلاع الثنايا إذا كان ساميًا لمعالي الأمور، و "الكشح": ما بين الخاصرة إلى الضلع، و "الخلف والهضم" بفتحتين؛ انضمام الجنبين. الإعراب: قوله: "وما أصاحب" كلمة "ما" للنفي، و "أصاحب": جملة من الفعل والفاعل و "من قوم" مفعوله، وكلمة: "من" زائدة، وزيادة "من" في النفي كثيرة، والخلاف في زيادتها في الإثبات (٣). والمعنى: ولست أصاحب قومًا فأذكر لهم قومي إلا يزيدون أنفسهم حيًّا إليَّ، وحاصل المعنى: ما صاحبت قومًا بعد قومي فذكرت قومي لهم إلا بالغوا في الثناء عليهم حتى يزيدوا قومي حبًّا. قوله: "فأذكرهم" بنصب الراء؛ لأنه جواب النفي، ويجوز فيه الرفع عطفًا على قوله: "أصاحب"، قوله: "إلا يزيدهم … إلخ" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، أما الفعل فهو

стр. 266

يزيد وأما الفاعل فهو قوله: "هم" الذي في آخر البيت، وأما المفعول فهو قوله: "هم" الذي في "يزيدهم"، و "حبًّا" مفعول ثان، وقال ابن مالك: الأصل يزيدون أنفسهم، ثم صار يزيدونهم، ثم فصل ضمير الفعل للضرورة، وأُخِّر عن ضمير المفعول به (١). وقال ابن هشام: وحاصله على ذلك ظنه أن الضميرين لمسمى واحد، وليس كذلك؛ فإن مراده أنه ما يصاحب قومًا فيذكر قومه لهم إلا ويزيد هؤلاء القوم قومه حبًّا إليه؛ لما يسمعه من ثنائهم عليهم (٢). الاستشهاد فيه: في فصل الضمير المرفوع لأجل الضرورة؛ لأن القياس أن يقال: ألا يزيدونهم حبًّا إليَّ. وقال الخطيب التبريزي: ارتفع "هم" الأخير بـ"يزيد" ووقع المنفصل موضع المتصل لأن الوجه أن يقال: إلا يزيدونهم حبًّا إليَّ، وهذا كما يوضع الظاهر موضع المضمر، والمضمر موضع الظاهر. وزعم [بعض] (٣) من فسر الضرورة بما ليس للشاعر عنه مندوحة، أن هذا ليس بضرورة لتمكن الشاعر أن يقول: ألا يزيدونهم حبًّا إليَّ هم، ويكون الضمير المنفصل توكيدًا للفاعل (٤). ورَدَّه ابن مالك بأنه يقتضي كون الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وإنما يجوز في باب ظن، نحو قوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧] وهذا سهو؛ لأن مسمى الضميرين مختلفان؛ إذ ضمير الفاعل راجع لقوم، وضمير المفعول لقومه الممدوحين (٥) فافهم. الشاهد الخمسون (٦)، (٧) بِالبَاعِثِ الوَارِثِ الأَمْوَاتِ قَدْ ضَمِنَتْ … إِيَّاهُمُ الأرْضُ في دَهْرِ الدَّهَارِيرِ أقول: قيل: قائله أمية بن أبي الصلت ولا يوجد في ديوانه، والأكثرون على أنه للفرزدق،

стр. 267

وهو الأصح، وقبله (١): ١ - إِنِّي حَلَفْتُ وَلَمْ أَحْلِفْ عَلَى فَنَدٍ … فِنَاءَ بَيْتٍ مِنَ السَّاعِينَ مَعْمُورِ وهما من البسيط. ١ - [قوله: "على فند" بفتح الفاء والنون، وهو الكذب. وقد أفند إفنادًا إذا كذب] (٢) قوله: "فناء بيت" أراد به الكعبة المشرفة -عظمها الله تعالى-، وأراد "بالساعين" الطائفين والذين يسعون إليه من كل الجهات، ويروى: من السارين. ٢ - و "الباعث" الذي يبعث الأموات ويحييهم بعد فنائهم، و "الوارث" الذي ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك، قوله: "قد ضمنت" بكسر الميم المخففة بمعنى: تضمنت أي اشتملت عليهم، أو بمعنى كفلت؛ كأنها تكفلت بأبدانهم، قوله: "في دهر الدهاير" الدهر: الزمان، ويجمع على دهور، ويقال: الدهر: الأبد، ويقال: دهر داهر؛ كقولهم: أبد أبيد، وقولهم: دهر دهارير؛ أي شديد كقولهم: ليلة ليلاء، ونهار أنهر، ويوم أيوم، وساعة سوعاء، ويقال: دهرُ الدهارير: الزمن السالف، وقيل: أول الأزمنة السالفة، فهو من باب التشبيه (٣)؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ لأنه إذا بعث من تقادم دهره وتطاول عهده فما قرب أولى، وإذا قيل: دهر دهارير بالصفة فمعناه: شديد كما ذكرنا، وأنشد سيبويه لرجل من أهل نجد (٤): حَتَّى كَأَنْ لمْ يكنْ إلا تَذَكُّرَهُ … والدهرُ أيَّتَمَا حَالٍ دَهَارِيرُ الإعراب: قوله: "إني حلفت": جملة اسمية مؤكدة بإن، وقولهم: "ولم أحلف": جملة مؤكدة للجملة السابقة، وقوله: "على فند" متعلق بقوله: لم أحلف، قوله: "فناء البيت" كلام إضافي

стр. 268

نصب على الظرف، والعامل فيه حلفت، قوله: "من الساعين" يتعلق بقوله: معمور، ومعمور مجرور؛ لأنه صفة للبيت، وقوله: "من الساعين" معترض بين الصفة والموصوف (١)، قوله: "بالباعث" متعلق بقوله: إني حلفت، و "الأموات" إما منصوب بالوارث على أن الوصفين يتنازعان فيه وأعمل الثاني (٢)، وإما مخفوض بإضافة الأول والثاني على حد قولهم (٣): .......................... … بين ذراعي وجبهة الأسد قوله: "قد ضمنت" قد: للتحقيق، و "ضمنت": فعل ماض، و "الأرض" فاعله، و "إياهم" مفعوله. فإن قلت: [ما محل هذه الجملة؟ قلت: حال من الأموات، ويجوز أن يكون صفة. فإن قلت: الجملة بعد المعرفة] (٤) لا تكون صفة. قلت: الأموات جنس، وفيه معنى التنكير، قوله: "في دهر" يتعلق بقوله: "ضمنت"، وأضيف إلى الدهارير نحو: جرد قطفة (٥). الاستشهاد فيه: في قوله: "إياهم" حيث فصل الضمير المنصوب لأجل الضرورة، وكان القياس أن يقال: قد ضمنتهم، أي: تضمنتهم، كما ذكرنا (٦).

стр. 269

الشاهد الحادي والخمسون (١)، (٢) أَنَا الذَّائِدُ الحَامِي الذِّمَارُ وَإِنَّمَا … يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وهو من قصيدة لامية، وبعد البيت المذكور قوله: ٢ - فَمَهْمَا أَعِشْ لا يُضْمِنُونِي وَلَا أُضَع … لَهُمْ حَسَبًا مَا حَرَّكَتْ قَدَمِي نَعْلِي ٣ - يَوَدُّ لَكَ الأَدْنَوْنَ لَوْ مُتَّ قبلَهُمْ … يَرَوْنَ بِهَا شرًّا عَلَيْكَ من القَتْلِ ٤ - أَتَى أَبَدٌ مِنْ بَعْدِ حِدْثَانِ عَهْدِنَا … وَجَرَّتْ عَلَيْهِمْ كلُّ نَافِجَة شَمْلِي ٥ - وصدَّتْ فَأُعْلِنا بِهَجْرٍ صُدُودَهَا … وهُنَّ منَ الأَخْلافِ قبلكِ والمطلِ ٦ - ويوم شَهِدْنَاهُ تَسَامَى ملوكه … بمُعْتَرَكٍ بينَ الأَسِنَّةِ والنَّبْلِ ٧ - وَإِنَّا لَذَوَّادُونَ كُلَّ كَتِيبَةٍ … تَجُرُّ مَنَايَا القومِ صادقةَ القَتْلِ ٨ - أبَى لِكُلَيْبٍ أنْ تساوَى معشرًا … من الناسِ أنْ ليسُوا بفرعٍ ولا أَصْلِ ٩ - سواسية سود الوجوهِ كأنهم … ظرابِي غِرْبَانٍ بمجرودةٍ محلِ وهذه القصيدة من القصائد التي عارض بها الفرزدق جريرًا، ويذمه ويهجوه، وهي من الطويل. ٢ - قوله: "ولا أضع" من الإضاعة. ٣ - قوله: "الأدنون" أي الأقربون. ٤ - قوله: " [بعد] (٣) حدثان عهدنا" بكسر الحاء وسكون الدال، وحدثان الشيء: أوله، وهو مصدر حدث يحدث حدوثًا، وحدثًا وحدثانًا ضد القديم، قوله: "نافجة" بالجيم النافجة: أول كل شيء يبدأ بالشدة، يقال: نفجت الريح إذا أتت بقوة. ٧ - و "الكتيبة": الجيش، و "المنايا" جمع منية من الموت.

стр. 270

٩ - قوله: "سواسية" أي أشباه، قوله: "ظرابي": غربان، والظرابي جمع ظربان بفتح الظاء وكسر الراء، وهي دويبة منتنة، و "الغربان": جمع غراب، وجمع القلة أغربة، و"المجرودة" من جردت الأرض، إذا أكل الجراد نَبْتَهَا فصارت سوداء، والتقدير: بأرض مجرودة، قوله: "محل" صفة أخرى، يقال: أرض محل، وأرض محول؛ كما يقال: أرض جدبة، وأرض جدوب، و "المحل": انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، قوله: "أنا الذائد" بالذال المعجمة في أوله من ذاد يذود إذا منع، ويقال: أين الذود؟ وهو الطرد، وقال الجوهري: الذياد: الطرد، يقال: ذدته عن كذا ذيادًا وذدت الإبل: سقتها وطردتها والتذويد مثله ورجل ذائد وذوّاد: أي حامي الحقيقة دفاع (١)، و "الحامي" من الحماية؛ وهي الدفع وهذا شيء حِمًى على فِعَل؛ أي محظور لا يقرب، و "الذمار" بكسر الذال المعجمة وتخفيف الميم ما لزمك حفظه مما وراءك ويتعلق بك، وإنما سمي ذمارًا؛ لأنه يجب على أهله التذمر له أي؛ التشمر لدفع العار عنه، يقال: ذمرته أذمره ذمرًا إذا حثثته ومنه الذِّمَرِّ بكسر الذال وكسر الميم وتشديد الراء مثل فلز؛ وهو الشجاع، ويقال: الذمار: العهد، وفي حديث أبي سفيان [﵁] (٢) قال: "يوم الفتح حبذا يوم الذمار" (٣). يريد: الحرب؛ لأن الإنسان يقاتل على ما يلزمه حفظه، وفي الحديث: "فخرج يتذمر" أي يعاتب نفسه ويلومها على فوات الذمار. والمعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وقال الزوزني (٤): معناه: ما يدافع عن أحساب قومه إلا أنا ومن يماثلني في إحراز الكمالات، فصل مع إنما كما ترى. الإعراب: قوله: "أنا الذائد" جملة من المبتدأ والخبر، و "الحامي" خبر بعد خبر، قوله: "الذمار" يجوز فيه النصب والجر، فالنصب على المفعولية، والجر على الإضافة، قوله: "أنا" فاعل لقوله: "يدافع"، و "أو مثلي" عطف عليه، وقصد الفرزدق بهذا التركيب القصر والاختصاص (٥)، أما القصر؛ فلأنه ذكر إنما، وهي من أدوات القصر، وأما الاختصاص فبتقديمه: "عن أحسابهم" على قوله: "أنا"؛ وذلك لأن غرضه كان تخصيص المدافع لا المدافع عنه، فلذلك أخَّر أنا؛ إذ لو

стр. 271

قال: "وإنما أدافع أنا عن أحسابهم" لصار المعنى إلى أنه يزعم أن المدافعة تكون عن أحساب غيرهم؛ كما إذا قال: وما أدافع إلا عن أحسابهم، وليس ذلك مقصوده، بل مقصوده أنه يزعم أن المدافعَ هو لا غيره. فإن قلتَ: لمَ لا يجوز أن يكون ذلك للضرورة؟ قلتُ: لا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأن أدافع ويدافع واحد في الوزن. فإن قلتَ: كان يمكنه أن يقول: فإنما أدافع عن أحسابهم أنا، فيقدم الأحساب على أنا. قلتُ: لو كان كذلك كان الفاعل الضمير المستكن في الفعل، وكان "أنا" الظاهر تأكيدًا له والحكم يتعلق بالمؤكد دون التأكيد؛ لأن التأكيد كالتكرير، فلا يجيء إلا بعد نفوذ الحكم، فلا يكون تقديم: "عن أحسابهم" على الضمير الذي هو تأكيد تقديمًا على الفاعل؛ لأن تقديم المفعول (١) على الفاعل إنما يكون إذا ذكرت المفعول قبل أن تذكر الفاعل، لا بعد أن تذكر الفاعل، وقبل أن تذكر تأكيده، ولا سبيل لك إذا قلت: أنا أدافع عن أحسابهم إلا (٢) أن تذكر المفعول قبل ذكر الفاعل؛ لأن ذكر الفاعل هنا هو ذكر الفعل، من حيث إنه مستكن في الفعل فكيف يتصور تقديم شيء عليه؟ (٣). الاستشهاد فيه: في قوله: "وإنما يدافع عن أحسابهم أنا" حيث أتى فيه بضمير منفصل لغرض القصر فلم يتأت له الاتصال لمعنى إلا؛ لأنا قد قلنا: إن معنى: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا: ما يدافع [عن أحسابهم] (٤) إلا أنا. فافهم فإنه دقيق (٥)، وقال الشيخ عبد القاهر (٦): ولا يجوز أن ينسب فيه إلى الضرورة؛ لأنه ليس به ضرورة، وقد حققناه (٧).

стр. 272

الشاهد الثاني والخمسون (١)، (٢) لَئِنْ كَانَ حُبِّيْكِ لِي كَاذِبًا … لَقَدْ كَانَ حُبِّيكِ حَقًّا يَقِينًا أقول: هذا من أبيات الحماسة ولم ينسب فيه إلى أحد، ولم يوجد في أكثر نسخ الحماسة، وقبله: ١ - أمَّا والذي أَنَا عَبدٌ لَهُ … يَمِينًا وَمَا لَكِ أُبْدِي اليَمِينَا ٢ - لَئِنْ كُنْتِ أَوْطَأْتِنِي عَشْوَةً … لقدْ كنتِ أَصْفَيْتُكِ الوُدِّ حِينًا ٣ - ومَا كُنْت إلا كذِي نُهْزَةٍ … تَبَدَّلَ غَثًّا وأعطي سمِينَا وهو من المتقارب وفيه الحذف. ٢ - قوله: "أوطأتني" قال الجوهري: أوطأته الشيء فوطئه، يقال: أوطأك عَشْوَةً، وهي بفتح العين المهملة وسكون الشين المعجمة، وهي أن تركب أمرًا على غير بيان، يقال: أوطأني عَشْوَةً وعِشْوَةً وغشوة أي: أمرًا ملتبسًا (٣). ٣ - و "النهزة" بضم النون وسكون الهاء وفتح الزاي المعجمة؛ وهي الفرصة، ويقال: كذي بُهْزة بضم الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الزاي المعجمة؛ أي: كذي غلبة، و "الغث": المهزول. الإعراب: قوله: "لئن كان حبيك" وفي أصل الحماسة: وإن كان، وكذا أنشده أثير الدين في شرح التسهيل (٤) واللام فيه تسمى اللام الموطئة؛ لأن اللام الداخلة على أداة الشرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها، ولذلك تسمى اللام المؤذنة والموطئة -أيضًا- لأنها وطأت الجواب للقسم، أي مهدته (٥)، وإن: حرف شرط. وقوله: "كان حبيك" فعل الشرط، وقوله: "لقد كان": جواب الشرط، وكان: ناقصة،

стр. 273

وقوله: "حبيك": مصدر مضاف إلى مفعوله، وهو ياء المتكلم، والكاف فاعله، والتقدير: حبك إياي، والجملة في محل الرفع؛ لأنها اسم كان (١)، وقوله: "لئن كان حُبِّيْك" هكذا رأيته قد ضبطه أبو حيان ﵀ بيده (٢)، وعند غيره: "لئن كان حبك لي كاذبًا" بدون ضمير المتكلم، فالتقدير فيه: إن كان حبك إياي كاذبًا لقد كان حبي إياك حقًّا يقينًا، ويكون الاستشهاد في الشطر الثاني فقط، وعلى قول أبي حيان في الشطرين جميعًا. قوله: "لقد كان" قد قلنا: إنه جواب الشرط؛ ولذلك دخلت اللام فيه للتأكيد (٣)، و "قد" للتحقيق، وكان -أيضًا- ناقصة، وقوله: "حبيك": مصدر مضاف إلى فاعله، وهو الياء والكاف مفعوله، والتقدير: حبي إياك، والجملة اسم كان، وخبره قوله: "حقًّا"، ومعناه: ثابتًا محققًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "لئن كان حبيك" حيث أتى بالاتصال عند اجتماع الضميرين، مع أن الفصل أرجح، وكان ينبغي أن يقال: حبي إياك، ولكن أتى بالاتصال للضرورة، والأصح أن هذا غير مخصوص بالضرورة، فافهم (٤). الشاهد الثالث والخمسون (٥)، (٦) أَخِي حَسِبْتُكَ إِيَاهُ وَقَدْ مُلِئَتْ … أَرْجَاءُ صَدْرِكَ بالأَضْغَانِ والإِحَنِ أقول: هذا من البسيط، وفيه الخبن. قوله: "أرجاء صدرك" أي نواحي صدرك، وهو جمع رَجَى غير مهموز بوزن عصى، قال الجوهري: الرجا مقصور: ناحية البئر وحافتاها، وكل ناحية رجا، يقال: منه أرجيت البئر، والرجوان حافتا البئر (٧)، و "الإضغان": جمع ضِغن بكسر الضاد على وزن عِلْم، وهو الحقد، وقد

стр. 274

ضغن عليه بالكسر ضغنًا، وتضاغن القوم إذا انطووا على الأحقاد، و "الإحن" بكسر الهمزة وفتح الحاء المهملة؛ جمع إحنة وهي الحقد، وقد أحنيت عليه بالكسر والمؤاحنة؛ المعاداة. الإعراب: قوله: "أخي": منادى حذف حرف النداء منه، وأصله: يا أخي (١)، وقوله: "حسبتك" جملة من الفعل، والفاعل وهو التاء، والمفعول وهو الكاف، وقوله: "إياه" مفعول ثان لحسبت، وقوله: "قد ملئت … إلخ" جملة وقعت حالًا، و "أرجاء صدرك" كلام إضافي مفعول لقوله "ملئت" ناب عن الفاعل، والباء في: "بالأضغان" يتعلق بمُلِئَتْ، قوله: "والإحن" عطف عليه تقديره: وبالإحن. الاستشهاد فيه: في فصل الضمير في قوله: "حسبتك إياه" حيث لم يقل حسبتكه، والجمهور اختاروا فيه الانفصال نظرًا إلى أنه خبر في الأصل (٢)، واختار جماعة (٣) منهم ابن مالك الاتصال لكونه أخصر، هذا الذي اختاره ابن مالك في كتابه الألفية (٤)، وأما الذي اختاره في التسهيل فهو الانفصال (٥)، ونص سيبويه على أن الانفصال هو الوجه، قال سيبويه وتقول: حسبتك إياه، وحسبتني إياه؛ لأن حسبتنيه وحسبتكه قليل في كلامهم (٦).

стр. 275

الشاهد الرابع والخمسون (١)، (٢) بُلِّغْتَ صُنْعَ امْرِئٍ بَرٍّ إِخَالُكَهُ … إِذْ لَمْ تَزَلْ لاكْتِسَابِ الحَمْدِ مُبْتَدِرًا أقول: هذا البيت احتج به جماعة من النحاة، ولم أر أحدًا منهم نسبه إلى قائله. وهو من البسيط وفيه الخبن. قوله: "بَرٍّ" بفتح الباء الموحدة يقال: رجل برٌّ، أي: صادق، ومنه برَّ فلانٌ في يمينه؛ أي صدق، قوله: "إخالكه" أي: أظنكه، وهو بكسر الهمزة، وهو الأفصح، وإن كان القياس فتحها، وعلى القياس لغة بني أسد (٣) وهو من خلت الشيء خيلًا وخيلة ومخيلةً وخيلولةً، أي ظننته، قال الجوهري: وتقول في مستقبله: إخال بكسر الهمزة، وهو الأفصح (٤)، قوله: "مبتدرًا" من الابتدار، وهو الإسراع. الإعراب: قوله: "بلغت" على صيغة المجهول، والتاء مفعول ناب عن الفاعل، وقوله: "صنع امرئ": كلام إضافي وقع مفعولًا ثانيًا لبلغت، قوله: "بر": صفة لامرئ، قوله: "إخالكه" جملة من الفعل والفاعل، والمفعولين أحدهما الكاف، والآخر الهاء، قوله: "إذ" للتعليل، و "لم تزل" جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير الذي هو اسم: لم تزل، وقوله: "مبتدرًا" بالنصب خبره، وقوله: "لاكتساب الحمد" يتعلق به. الاستشهاد فيه: في قوله: "إخالكه" حيث أتى فيه بالضمير المتصل؛ حيث لم يقل إخالك إياه، وقد ذكرنا أن الجمهور على الفصل في مثل هذا الباب، واختار ابن الطراوة (٥) والرماني (٦) وابن مالك الاتصال، واستشهدوا بالبيت المذكور (٧).

стр. 276

الشاهد الخامس والخمسون (١)، (٢) بِنَصْرِكُمْ نَحْنُ كُنْتُمْ ظَافِرِينَ وَقَدْ … أَغْرَى العِدَا بِكُمْ اسْتِسْلَامُكُمُ فَشَلًا أقول: بهذا -أيضًا- من البسيط. قوله: "ظافرين" من الظفر، وهو الفوز، وقد ظفر بعدوه وظفره -أيضًا- مثل: لحق به ولحضه فهو ظَفِر، ومعنى الظَّفَر ها هنا: الاستيلاء على العدو، قوله: "أغرى": أي أشلى، من الإغراء، ومنه أغريت الكلب على الصيد وأغريت بينهم، قال تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤]، و "العدا" بكسر العين؛ جمع عدو، و "الاستسلام": الانقياد والطاعة، و "الفشل" بالفاء والشين المعجمة المفتوحتين؛ من فشِل بالكسر إذا جبن، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ (٣) [آل عمران: ١٥٢]. الإعراب: قوله: "بنصركم" الباء تتعلق بقوله: كنتم، والنصر: مصدر مضاف إلى مفعوله، و "نحن" فاعله، والتقدير: كنتم ظافرين على العدا بنصرنا إياكم، و "كان": ناقصة واسمها هو الضمير المتصل بها، وخبرها هو قوله: "ظافرين"، قوله: "وقد أغرى … إلخ": جملة فعلية وقعت حالًا، و "أغرى": فعل ماض، وفاعله هو قوله: "استسلامكم"، قوله: "العدا" مفعوله، والباء في: "بكم" تتعلق بأغرى، وهو بمعنى على؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: على قنطار، والتقدير: كنتم ظافرين على العدا بنصرنا إياكم في حالة إغراء استسلامكم أعداءكم عليكم، قوله: "فشلًا" نصب على التعليل؛ أي: لأجل الفشل، أي لأجل فشلكم وخوفكم، وهو معلل للاستسلام؛ لأن الاستسلام هو الانقياد والخضوع، وذلك لا يكون إلا من الفشل والخوف. الاستشهاد فيه: في قوله: "بنصركم نحن" حيث جاء الضمير فيه منفصلًا لعدم تأتي الاتصال، وقد علم أن المواضع التي يتعين فيها الانفصال لعدم تأتي الاتصال اثنا عشر موضعًا (٤) منها: أن ترفع بمصدر

стр. 277

مضاف إلى المنصوب؛ كما في البيت المذكور. الشاهد السادس والخمسون (١)، (٢) فَإِنْ أَنْتَ لَمْ يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ فَانْتَسِبْ … لَعَلَّكَ تَهْدِيكَ القُرُونُ الأَوَائِلُ أقول: قائله هو لبيد بن ربيعة العامريّ، وهو من قصيدته المشهورة التي يقول فيها: ألا كلُّ شيءٍ مَا خلا اللهَ باطلُ … .......................... وقد مر ذكرها مع ترجمته في أول الكتاب (٣). وهي من الطويل، وفيه القبض. قوله: "فانتسب" من الانتساب، وتمام معناه في البيت الذي يليه، وهو: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ من دُونِ عَدْنَانَ وَالِدًا … وَدُونَ مَعَدٍّ فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ المعنى: أن غاية الإنسان الموت، فينبغي أن يتعظ فينسب نفسه إلى عدنان أو معد، فإن لم يجد من بينه وبينهما من الآباء، فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي أن ينزع عما هو عليه، وهو معنى قوله: "فلتزعك العواذل" يقال: وزعه يزعه، إذا كفه. والمراد بـ: "العواذل" ها هنا حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليها مجاز (٤)، قوله: "تهديك" من هديته الطريق، والبيت هدايةً [إذا] (٥) عرفته، هذه لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقولون (٦): هديته إلى الطريق وإلى الدار، حكاها الأخفش (٧)، وهدى واهتدى بمعنى،

стр. 278

قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] قال الفراء: لا يهتدي (١)، و "القرون" جمع قرن، والقرن بفتح القاف، قال الجوهري: القرن من الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر (٢): إذا ذَهَبَ القَرْنُ الذي أَنْتَ فِيهِمُ … وَخُلِّفْتَ في قرْنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ (٣) ويقال: القرن: ثلاثون سنة، وقيل: مائة سنة (٤)، و "الأوائل": جمع أول، وهو نقيض الآخر وأصله: أوْأَلُ على وزن أفعَل، مهموز الأوسط، قلبت الهمزة واوا وأدغم، ويقال (٥): وَوْأَلُ على وزن فوعل، فقلبت الواو الأولى همزة (٦). الإعراب: قوله: "فإن أنت" إن: حرف الشرط، وهي تدخل على كلامين، تجعلهما كلامًا واحدًا، يسمى الأول منهما شرطًا والثاني جوابًا وجزاءً، وهي مختصة بالدخول على الجملة الفعلية، فإن وليها الاسم كان الفعل مقدرًا، فلذلك قُدِّر ها هنا الفعل، والتقدير: فإن ضللت لم ينفعك علمك فأضمر ضللت لفهم المعنى؛ فلذلك انفصل الضمير (٧)، ويقال: أصل "فإن أنت": "فإن إياك" ثم أناب المرفوع عن المنصوب؛ كقراءة الحسن (٨)، (٩): (إياك يعْبَدُ) [الفاتحة: ٥] (١٠)، وخرجه السهيلي (١١) على وجهين: أحدهما: أن يكون أنت مبتدأ، وذلك على ما أجازه سيبويه من جواز الرفع بالابتداء بعد أداة الشرط، إن كان في الجملة التي هي مطلوب الشرط فعل هو خبر؛ نحو: إن الله أمكنني من فلان (١٢). والوجه الثاني: أن يكون أنت في موضع نصب، وهو مما وُضِع فيه الضمير المرفوع موضع الضمير المنصوب؛ كما وضعوا المنصوب موضع المرفوع، قالوا: لم يضربني إلا إياه، وفي

стр. 279

الحديث: "من خرج إلى الصلاة لا ينهزه إلا إياها" (١) وفي المحكي من كلام العرب: إذا هو إياها وإذا هي إياه (٢). قوله: "علمك": كلام إضافي مرفوع بقوله: لم ينفعك، قوله: "فانتسب" جواب الشرط فلذلك دخلت فيه الفاء، والأصل فيه أن يكون فعلًا؛ كما أن الشرط الذي هو علة له فعل، وقد يكون الجواب جملة فعلية طلبية؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٠] ومنه قوله: "فانتسب" (٣)، قوله: "لعلك" لعل ها هنا للتعليل كما في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] والكاف اسمه، وقوله: "تهديك القرون" خبره، والقرون فاعل يهديك، و "الأوئل" صفتها. الاستشهاد فيه: انفصال الضمير في قوله: "فإن أنت" فإنه لما أضمر العامل، وهو فعل الشرط؛ وذلك لأن التقدير: فإن ضللت كما ذكرنا تعين انفصال الضمير. الشاهد السابع والخمسون (٤)، (٥) ............................... … تَكُونُ وَإيَّاهَا بِهَا مَثَلًا بَعْدِي أقول: قائله هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد بن محرث الهُذَليّ، وهو من قصيدة يخاطب بها خالدَ ابنَ أخته، وكان أبو ذؤيب يرسله قَوَادًا إلى معشوقة له تدعى أم عمرو، فأفسدها عليه واستمالها إلى نفسه، فقال فيه:

стр. 280

١ - تُرِيدينَ كَيْ مَا تَجْمَعِينِي وَخَالِدًا … وهَلْ يجْمَعُ السيفَان ويْحَكِ فيِ غِمْدِ ٢ - أخالدٌ مَا رَاعَيْتَ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ … فَتَحْفَظَنِي بالغَيْبِ أو بَعْض مَا تُبْدِي ٣ - دَعَاكَ إِلَيهَا مُقْلَتَاهَا وَجِيدُهَا … فَمِلْتَ كمَا مَال المُحِبّ عَلَى عَمدِ ٤ - فَكُنْتَ كَرَقْرَاقِ السَّرَابِ إِذَا جَرَى … لِقَوْمٍ وَقَدْ بَاتَ المطيُّ بهم تَخْذِي ٥ - فآليتُ لا أَنْفَكُّ أَحْذُو قصيدةً … تَكونُ وإيَّاهَا بِهَا مَثَلًا بَعْدِي وهي من الطويل. ١ - قوله: "تريدين" خطاب لأخ عمرو، قوله: "في غمد" بكسر الغين المعجمة وسكون [الميم] (١) وهو غلاف السيف. ٢ - قوله: "أخالد" أي: يا خالد، قوله: "أو بعض ما تبدي" أراد: وفي بعض ما تظهر لي من الإخاء والمودة، وأراد: "بالغيب" السر، ومن قوله: "ما تبدي به" العلانية. ٣ - قوله: "وجيدها" أي عنقها. ٤ - قوله: "كرقراق السراب" يعني: ظننت أن لك أمانة، فكنت كالسراب الذي يكذب من رآه، يظن أنه ماء وليس بماء، فكذلك أنت، و "الرقراق": الجاري، قوله: "تخدي" بالخاء المعجمة، يقال: خدت الناقة تخدي إذا أسرعت، مثل: وخدت وخوَّدت كله بمعنى. ٥ - قوله: "فآليت" أي: حلفت، من الإيلاء وهو اليمين، قوله: "لا أنفك" أي: لا أزال، قوله: "أحذو" بالحاء المهملة والذال المعجمة، من حذوت النعل بالنعل حذوًا إذا سويت إحديهما على قدر الأخرى، و "الحذو": التقدير والقطع، ويروى: أحدو بالدال المهملة؛ من قولهم: حدوت البعير إذا سقته وأنت تُغَنِّي في إثره لينشط في السير، وقال ابن يسعون: [عندي] (٢) في أحدو ثلاثة أوجه: الأول: أنه يريد أحدو قصيدة إليك، أي أسوقها حاديًا كما يسوق الحادي الإبل عند سوقها لأنه يتغنى، وإنما أراد بذلك الشهرة. الثاني: أن يريد أحدو غَدْرَتُكَ بي قصيدة، أَبْلُغُ بتخليدها فيك أملي. فحذف المفعول للحال الدالة عليه، ونصب قصيدة نصب الصدر، أي: حدو قصيدة، فإنما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. الثالث: أن يريد التحدي بها وأتبعها ناظمًا لها، حتى كأنه قال: أو إلى قصيدة.

стр. 281

الإعراب: قوله: "فآليت" الفاء للعطف، وآليت: جملة من الفعل والفاعل، قوله: "لا أنفك" من الأفعال الناقصة، فالضمير فيها اسمها، وخبرها قوله: "أحدو"، قوله: "قصيدة" [مفعول أحدو، وقال أبو سعيد السكري (١): أحدو معناه: أغني فعلى هذا ينبغي أن يكون قوله: "قصيدة"] (٢) مفعولًا بإسقاط حرف الجر أغني بقصيدة (٣). قوله: "تكون" في موضع الصفة لقصيدة وهي صفة جرت على غير من هي له ولو جعلتها صفة محضة لبرز ضمير الفاعل المستتر فيها فيقول: تكون أنت وإياها والضمير في قوله: "بها" يعود على القصيدة، و "إياها" يعود على المرأة كأنه قال: حلفت لا أزال أصنع قصيدة تكون في هذه المرأة بها مثلًا بعدي، والضمير في: "تكون" اسمه، وخبره قوله: "مثلًا" والواو في: "وإياها" للمصاحبة والباء تتعلق بتكون، و "بعدي" كلام إضافي في محل النصب على الظرف. فإن قلت: كيف يكون مثلًا خبرًا والتطابق شرط؟ قلت: هو مفرد، وقع موقع التثنية، وكذلك قد يقع موقع الجمع، لما فيه من العموم المقتضي للكثرة (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "تكون وإياها" حيث جاء الضمير منفصلًا لكونه ولي واو المصاحبة، وقال أبو علي مستشهدًا: إنه نصب قوله: "وإياها" على المفعول معه، بتوسط الحرف الذي هو واو العطف لما لم يمكنه العطف فيقول تكون، وهي لأمرين: أحدهما: كسر البيت لو فعل ذلك. والثاني: قبح العطف على الضمير المرفوع وهو غير مؤكد (٥)، قال أبو الفتح: وذهب أبو الحسن إلى انتصاب المفعول معه انتصاب الظرف (٦).

стр. 282

الشاهد الثامن والخمسون (١)، (٢) بِكَ أَوْ بِي استَعَانَ فَلْيَلِ إِمَّا … أَنَا أوْ أَنْتَ مَا ابْتَغَى المُسْتَعِينُ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الخفيف، وأصله في الدائرة: فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن مرتين. قوله: "استعان" من الاستعانة، وهي طلب العون، قوله: "فَلْيَلِ" أمر، من ولي الأمر يليَه ولَايَةً، قوله: "ما ابتغى" من الابتغاء، وهو الطلب. الإعراب: قوله: "بك" جار ومجرور يتعلق بقوله: "استعان"، وقوله: "أو بي" عطف عليه، و "استعان" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه، قوله: "فليل" الفاء فيه تصلح أن تكون للتعليل، وهو فعل أمر، وفاعله قوله: "أنا"، وقوله: "إما" ها هنا للتخيير، قوله: "أو أنت" عطف على قوله: "أنا" والتقدير: "ليل إما [أنا أو ليل"] (٣) أنت، قوله: "ما ابتغى المستعين" جملة في محل النصب على أنها مفعول "فَلْيلِ"، وما: موصولة، و "ابتغى المستعين": صلته والعائد محذوف تقديره: مما ابتغاه المستعين. الاستشهاد فيه: في قوله: "إما أنا" حيث جاء الضمير فيه منفصلًا؛ لأنه وقع فيما يلي إما، وتعذر الاتصال فيه، ومواضع الانفصال التي يتعذر فيها الاتصال اثنا عشر موضعًا منها: أن يلي الضمير (إما) كما في البيت المذكور (٤). الشاهد التاسع والخمسون (٥)، (٦) إِنْ وَجَدْتُ الصَّدِيقَ حَقًّا لإيَّا … كَ فَمُرْنِي فَلَنْ أَزَال مُطِيعًا أقول: هذا -أيضًا- من الخفيف وفيه الخبن، والمعنى ظاهر.

стр. 283

الإعراب: قوله: "إن وجدت" [إن: حرف الشرط] (١)، ووجدت: جملة من الفعل والفاعل، وقعت فعل الشرط، وقوله: "لإياك" جواب الشرط، واللام فيه تسمى اللام الفارقة (٢)، و "الصديق" منصوب؛ لأنه مفعول أول لوجدت، و "حقًّا" مفعوله الثاني، قوله: "فهرني" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، والفاء فيه فاء الجواب؛ لأن التقدير: إذا كنت أنت الصديق حقًّا فمرني فإني متمثل أمرك دائمًا وهو معنى قوله: "فلن أزال مطيعًا" والفاء فيه للتعليل، و "أزال" منصوب بلن، واسمه مستتر فيه، وخبره قوله: "مطيعًا". الاستشهاد فيه: في قوله: "لإياك" حيث جاء الضمير منفصلًا لعدم تأتي الاتصال، وقد ذكرنا أن المواضع التي يتعين فيها الانفصال اثنا عشر موضعًا، منها: أن يلي الضمير اللام الفارقة كما في البيت المذكور، ومثله: إن ظننت زيدًا لإياك. فافهم (٣). الشاهد الستون (٤)، (٥) فَلا تَطْمَعْ -أَبَيْتَ اللَّعْنَ- فِيهَا … وَمَنْعُكَهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ أقول: قد ذُكر في الحماسة البصرية أن قائله هو قحيف العجلي، ويقال: قائله رجل من تميم، وكان قد طلب منه ملك من الملوك فرسًا يقال له: سكاب، فمنعه إياها وقال: ١ - أَبَيْتَ اللَّعْنَ إِنّ سَكَابَ عِلْقٌ … نَفِيسٌ لا يُعَارُ ولا يُبَاعُ (٦) ٢ - مُفَدَّاةٌ مُكَرَّمَةٌ عَلَيْنَا … يُجَاعُ لَهَا العِيَالُ ولا تُجَاعُ ٣ - سَلِيلَةُ سَابِقِينَ تَنَاجَلاهَا … إذَا نُسِبَا يَضُمُّهُمَا الكراعُ ٤ - فَلا تَطْمَعْ -أَبَيْتَ اللَّعْنَ- فِيهَا … وَمَنْعُكَهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ

стр. 284

وهي من الوافر وقد دخله العصب والقطف. ١ - قوله: "أبيت اللعن": تحية الملوك في الجاهلية، قال ابن السكيت: معناه: أبيت أن تأتي من الأمر ما تلعن عليه (١)، و "اللعن" في الأصل: الطرد والإبعاد، ومنه سمى الشيطان لعينًا وملعونًا؛ لأنه مطرود مبعد (٢)، قوله: "إن سكاب" قد قلنا: إنه اسم فرس، وفيه وجهان: الأول: منع الصرف لأجل التأنيث والتعريف (٣) ويكون معربًا، والشاعر تميمي وهذه لغة قومه. والثاني: البناء على الكسر كحذامِ وإخوته؛ لأنه مؤنث، وهذه لغة الحجاز (٤)، قوله: "علق": نفيس، يعني: مال يبخل به، قال الجوهري: "العِلْق" بالكسر؛ النفيس من كل شيء ويقال: عِلْق مُضِنَّة، أي: ما يُضَنّ به، والجمع أعلاق. وأما قول الشاعر (٥): إِذَا ذُقْتَ فَاهَا قُلْتَ عِلْقٌ مُدَمِّسٌ … أُرِيدَ بِهِ قَيْلٌ فَغُودِرَ فيِ السَّأْبِ فإنما يريد به الخمر، وسماها بذلك لنفاستها (٦). قلت: "مدمس" من دمست الشيء: دفنتَهُ وأَخْفَيْتَهُ وخَبّأْتَهُ، وكذلك التدميس، و "القيل" بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام؛ وهو شرب نصف النهار، قوله: "فغودر" أي: نزل في السأب، وهو الزق وهو بفتح السين المهملة وسكون الهمزة وفي آخره باء موحدة، والجمع السؤب. ٣ - قوله: "سليلة سابقين" معناه: مسلولة سابقين، أراد أنها متولدة [من فرسين سابقين] (٧)، قوله: "تناجلاها" أي تناسلاها، من النجل، وهو النسل، يقال نجله أبوه أي: ولده، قوله: "إذا نسبا" أي إذا نسبت هذان السابقان يضمهما الكراع، أراد به الفحل المشهور فيما بينهم. ٤ - قوله: "فلا تطمع -أبيت اللعن- فيها" أي في هذه الفرس وهي سكاب، يعني: لا تطمع في أخذها، قوله: "ومنعكها" أي: منعك عنها.

стр. 285

الإعراب: قوله: "فلا تطمع" عطف على البيت الذي قبله، قوله: "فيها" يتعلق به، وقوله: "أبيت اللعن": جملة معترضة بينهما، وهي جملة دعائية، لا محل لها من الإعراب (١)، قوله: "ومنعكها": مصدر مضاف إلى فاعله، مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: "يستطاع"، قوله: "بشيء" يتعلق بالمصدر. الاستشهاد فيه: أنه وصل ثاني ضميرين عاملهما اسم واحد، وهو ضعيف، وكان القياس أن يقول: ومنعك إياها (٢). الشاهد الحادي والستون (٣)، (٤) ............................ … وَكَأَنَّ فِراقِيَهَا أَمَرُّ من الصَّبْرِ أقول: قائله هو يحيى بن طالب الحنفي، قاله حين حَنَّ إلى وطنه، وصدره: تَعَزَّيْتُ عَنْهَا كَارِهًا فَتَرَكْتُهَا … ........................... وهي من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: ١ - أحَقًّا عِبَادَ الله أَنْ لَسْتَ نَاظِرًا … إِلى قَرْقَرَى يَوْمًا وَأَعْلاقِهَا الغُبْرِ ٢ - كَأَنَّ فُؤَادِي كُلَّمَا مَرَّ رَاكِبٌ … جناحُ غُرابٍ رَامَ نهضًا إلَى وَكْرِ ٣ - إذا ارْتَحَلَتْ نَحْوَ اليمَامَةِ رُفْقَةٌ … دَعَاكَ الهَوَى وَاهْتَاجَ قَلْبُكَ للذِّكْرِ ٤ - فَيَا رَاكِبَ الوَجْنَاءِ أُبْتُ مُسَلَّمًا … ولا زِلْتَ مِنْ رَيْبِ الحَوَادِثِ في سَتْرِ ٥ - إذَا مَا أَتَيْتَ العِرْضَ فاهْتِفْ بِجَوِّه … سُقِيتَ عَلَى شَحَطِ النَّوَى سَبَل القَطْرِ
следующие страницы →