الإعراب:
قوله: "فآليت" الفاء للعطف، وآليت: جملة من الفعل والفاعل، قوله: "لا أنفك" من الأفعال الناقصة، فالضمير فيها اسمها، وخبرها قوله: "أحدو"، قوله: "قصيدة" [مفعول أحدو، وقال أبو سعيد السكري (١): أحدو معناه: أغني فعلى هذا ينبغي أن يكون قوله: "قصيدة"] (٢) مفعولًا بإسقاط حرف الجر أغني بقصيدة (٣).
قوله: "تكون" في موضع الصفة لقصيدة وهي صفة جرت على غير من هي له ولو جعلتها صفة محضة لبرز ضمير الفاعل المستتر فيها فيقول: تكون أنت وإياها والضمير في قوله: "بها" يعود على القصيدة، و "إياها" يعود على المرأة كأنه قال: حلفت لا أزال أصنع قصيدة تكون في هذه المرأة بها مثلًا بعدي، والضمير في: "تكون" اسمه، وخبره قوله: "مثلًا" والواو في: "وإياها" للمصاحبة والباء تتعلق بتكون، و "بعدي" كلام إضافي في محل النصب على الظرف.
فإن قلت: كيف يكون مثلًا خبرًا والتطابق شرط؟
قلت: هو مفرد، وقع موقع التثنية، وكذلك قد يقع موقع الجمع، لما فيه من العموم المقتضي للكثرة (٤).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "تكون وإياها" حيث جاء الضمير منفصلًا لكونه ولي واو المصاحبة، وقال أبو علي مستشهدًا: إنه نصب قوله: "وإياها" على المفعول معه، بتوسط الحرف الذي هو واو العطف لما لم يمكنه العطف فيقول تكون، وهي لأمرين:
أحدهما: كسر البيت لو فعل ذلك.
والثاني: قبح العطف على الضمير المرفوع وهو غير مؤكد (٥)، قال أبو الفتح: وذهب أبو الحسن إلى انتصاب المفعول معه انتصاب الظرف (٦).
стр. 282
الشاهد الثامن والخمسون (١)، (٢)
بِكَ أَوْ بِي استَعَانَ فَلْيَلِ إِمَّا … أَنَا أوْ أَنْتَ مَا ابْتَغَى المُسْتَعِينُ
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الخفيف، وأصله في الدائرة: فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن مرتين.
قوله: "استعان" من الاستعانة، وهي طلب العون، قوله: "فَلْيَلِ" أمر، من ولي الأمر يليَه ولَايَةً، قوله: "ما ابتغى" من الابتغاء، وهو الطلب.
الإعراب:
قوله: "بك" جار ومجرور يتعلق بقوله: "استعان"، وقوله: "أو بي" عطف عليه، و "استعان" جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه، قوله: "فليل" الفاء فيه تصلح أن تكون للتعليل، وهو فعل أمر، وفاعله قوله: "أنا"، وقوله: "إما" ها هنا للتخيير، قوله: "أو أنت" عطف على قوله: "أنا" والتقدير: "ليل إما [أنا أو ليل"] (٣) أنت، قوله: "ما ابتغى المستعين" جملة في محل النصب على أنها مفعول "فَلْيلِ"، وما: موصولة، و "ابتغى المستعين": صلته والعائد محذوف تقديره: مما ابتغاه المستعين.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إما أنا" حيث جاء الضمير فيه منفصلًا؛ لأنه وقع فيما يلي إما، وتعذر الاتصال فيه، ومواضع الانفصال التي يتعذر فيها الاتصال اثنا عشر موضعًا منها: أن يلي الضمير (إما) كما في البيت المذكور (٤).
الشاهد التاسع والخمسون (٥)، (٦)
إِنْ وَجَدْتُ الصَّدِيقَ حَقًّا لإيَّا … كَ فَمُرْنِي فَلَنْ أَزَال مُطِيعًا
أقول: هذا -أيضًا- من الخفيف وفيه الخبن، والمعنى ظاهر.
стр. 283
الإعراب:
قوله: "إن وجدت" [إن: حرف الشرط] (١)، ووجدت: جملة من الفعل والفاعل، وقعت فعل الشرط، وقوله: "لإياك" جواب الشرط، واللام فيه تسمى اللام الفارقة (٢)، و "الصديق" منصوب؛ لأنه مفعول أول لوجدت، و "حقًّا" مفعوله الثاني، قوله: "فهرني" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، والفاء فيه فاء الجواب؛ لأن التقدير: إذا كنت أنت الصديق حقًّا فمرني فإني متمثل أمرك دائمًا وهو معنى قوله: "فلن أزال مطيعًا" والفاء فيه للتعليل، و "أزال" منصوب بلن، واسمه مستتر فيه، وخبره قوله: "مطيعًا".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لإياك" حيث جاء الضمير منفصلًا لعدم تأتي الاتصال، وقد ذكرنا أن المواضع التي يتعين فيها الانفصال اثنا عشر موضعًا، منها: أن يلي الضمير اللام الفارقة كما في البيت المذكور، ومثله: إن ظننت زيدًا لإياك. فافهم (٣).
الشاهد الستون (٤)، (٥)
فَلا تَطْمَعْ -أَبَيْتَ اللَّعْنَ- فِيهَا … وَمَنْعُكَهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ
أقول: قد ذُكر في الحماسة البصرية أن قائله هو قحيف العجلي، ويقال: قائله رجل من تميم، وكان قد طلب منه ملك من الملوك فرسًا يقال له: سكاب، فمنعه إياها وقال:
١ - أَبَيْتَ اللَّعْنَ إِنّ سَكَابَ عِلْقٌ … نَفِيسٌ لا يُعَارُ ولا يُبَاعُ (٦)
٢ - مُفَدَّاةٌ مُكَرَّمَةٌ عَلَيْنَا … يُجَاعُ لَهَا العِيَالُ ولا تُجَاعُ
٣ - سَلِيلَةُ سَابِقِينَ تَنَاجَلاهَا … إذَا نُسِبَا يَضُمُّهُمَا الكراعُ
٤ - فَلا تَطْمَعْ -أَبَيْتَ اللَّعْنَ- فِيهَا … وَمَنْعُكَهَا بشيءٍ يُسْتَطَاعُ
стр. 284
وهي من الوافر وقد دخله العصب والقطف.
١ - قوله: "أبيت اللعن": تحية الملوك في الجاهلية، قال ابن السكيت: معناه: أبيت أن تأتي من الأمر ما تلعن عليه (١)، و "اللعن" في الأصل: الطرد والإبعاد، ومنه سمى الشيطان لعينًا وملعونًا؛ لأنه مطرود مبعد (٢)، قوله: "إن سكاب" قد قلنا: إنه اسم فرس، وفيه وجهان:
الأول: منع الصرف لأجل التأنيث والتعريف (٣) ويكون معربًا، والشاعر تميمي وهذه لغة قومه.
والثاني: البناء على الكسر كحذامِ وإخوته؛ لأنه مؤنث، وهذه لغة الحجاز (٤)، قوله: "علق": نفيس، يعني: مال يبخل به، قال الجوهري: "العِلْق" بالكسر؛ النفيس من كل شيء ويقال: عِلْق مُضِنَّة، أي: ما يُضَنّ به، والجمع أعلاق.
وأما قول الشاعر (٥):
إِذَا ذُقْتَ فَاهَا قُلْتَ عِلْقٌ مُدَمِّسٌ … أُرِيدَ بِهِ قَيْلٌ فَغُودِرَ فيِ السَّأْبِ
فإنما يريد به الخمر، وسماها بذلك لنفاستها (٦).
قلت: "مدمس" من دمست الشيء: دفنتَهُ وأَخْفَيْتَهُ وخَبّأْتَهُ، وكذلك التدميس، و "القيل" بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام؛ وهو شرب نصف النهار، قوله: "فغودر" أي: نزل في السأب، وهو الزق وهو بفتح السين المهملة وسكون الهمزة وفي آخره باء موحدة، والجمع السؤب.
٣ - قوله: "سليلة سابقين" معناه: مسلولة سابقين، أراد أنها متولدة [من فرسين سابقين] (٧)، قوله: "تناجلاها" أي تناسلاها، من النجل، وهو النسل، يقال نجله أبوه أي: ولده، قوله: "إذا نسبا" أي إذا نسبت هذان السابقان يضمهما الكراع، أراد به الفحل المشهور فيما بينهم.
٤ - قوله: "فلا تطمع -أبيت اللعن- فيها" أي في هذه الفرس وهي سكاب، يعني: لا تطمع في أخذها، قوله: "ومنعكها" أي: منعك عنها.
стр. 285
الإعراب:
قوله: "فلا تطمع" عطف على البيت الذي قبله، قوله: "فيها" يتعلق به، وقوله: "أبيت اللعن": جملة معترضة بينهما، وهي جملة دعائية، لا محل لها من الإعراب (١)، قوله: "ومنعكها": مصدر مضاف إلى فاعله، مرفوع على الابتداء، وخبره قوله: "يستطاع"، قوله: "بشيء" يتعلق بالمصدر.
الاستشهاد فيه:
أنه وصل ثاني ضميرين عاملهما اسم واحد، وهو ضعيف، وكان القياس أن يقول: ومنعك إياها (٢).
الشاهد الحادي والستون (٣)، (٤)
............................ … وَكَأَنَّ فِراقِيَهَا أَمَرُّ من الصَّبْرِ
أقول: قائله هو يحيى بن طالب الحنفي، قاله حين حَنَّ إلى وطنه، وصدره:
تَعَزَّيْتُ عَنْهَا كَارِهًا فَتَرَكْتُهَا … ...........................
وهي من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله:
١ - أحَقًّا عِبَادَ الله أَنْ لَسْتَ نَاظِرًا … إِلى قَرْقَرَى يَوْمًا وَأَعْلاقِهَا الغُبْرِ
٢ - كَأَنَّ فُؤَادِي كُلَّمَا مَرَّ رَاكِبٌ … جناحُ غُرابٍ رَامَ نهضًا إلَى وَكْرِ
٣ - إذا ارْتَحَلَتْ نَحْوَ اليمَامَةِ رُفْقَةٌ … دَعَاكَ الهَوَى وَاهْتَاجَ قَلْبُكَ للذِّكْرِ
٤ - فَيَا رَاكِبَ الوَجْنَاءِ أُبْتُ مُسَلَّمًا … ولا زِلْتَ مِنْ رَيْبِ الحَوَادِثِ في سَتْرِ
٥ - إذَا مَا أَتَيْتَ العِرْضَ فاهْتِفْ بِجَوِّه … سُقِيتَ عَلَى شَحَطِ النَّوَى سَبَل القَطْرِ
стр. 286
٦ - فَإِنَّكَ مِنْ وَادٍ إِلَيَّ مُرَحِّبٌ … وَإنْ كُنْتَ لا تُزَارُ إِلا عَلَى عُفْرِ
٧ - فيا حزنَا ماذَا أُجِنُّ مِنَ الهَوَى … ومن مُضْمَرِ الشَّوْقِ الدَّخِيلِ إِلَى حِجْرِ
٨ - تَعَزَّيْتُ عَنْهَا كَارِهًا فَتَرَكْتُهَا … وكأن فُرَاقِيهَا أمرُّ من الصبرِ
١ - قوله: "قوقرى" على وزن فعللى؛ اسم موضع، ويقال: قرقرى: [اسم] (١) ماء لبني عبس، قال الحطيئة (٢):
بِذِي قَرْقَرَى إِذْ شُهَّدُ النَّاسِ حَوْلَنَا … فَأَسْدَيْتَ ما أَعْيا بِكَفَّيْكِ نائره
قوله: "الغبر" بضم الغين المعجمة وسكون الباء الموحدة؛ جمع أغبر، و "الوجناء": الناقة الشديدة، شبهت بصلابتها بالوجين، وهو ما غلظ من الأرض.
٤ - [قوله: "] (٣) أبت" أي: رجعت، من آب يئوب أوبًا، وهو الرجوع.
٥ - قوله: "إذا ما أتيت العرض" بكسر العين المهملة وسكون الراء وفي آخره ضاد معجمة وهو اسم واد باليمامة، وكلُّ واد فيه شجر فهو عِرْضٌ (٤)، قوله: "فاهتف" أمر، من هتف إذا صاح، يقال: هتفت الحمامة تهتف هتفًا، من باب ضرب يضرب، و "الجوّ" بفتح الجيم وتشديد الواو؛ اسم بلد باليمامة (٥)، و "الشحط": البعد، و "النوى": التحول من واد إلى واد، و"السبل" بتحريك الباء؛ المطر.
٦ - قوله: "إلا على عفر" بضم العين المهملة وسكون الفاء، يقال: لقيت فلانًا على عفر، أي بَعْدَ شهر ونحوه.
٧ - قوله: "إلى حجر" بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم، وهو حجر الكعبة [المشرفة] (٦) - شرفها الله تعالى- ولكنه ذكره وأراد به الكعبة التي كانت [في] (٧) وطنه.
٨ - قوله: "تعزيت" بالعين المهملة والزاي المعجمة؛ من العزاء وهو الصبر والتأسّي، وقد ضبطه بعضهم بالغين المعجمة والراء المهملة، وهو من التغرب، وله وجه، والأول أصح وأشهر.
стр. 287
الإعراب:
قوله: "تعزيت": جملة من الفعل والفاعل، و "عنها" يتعلق به، والضمير يرجع إلى الحجر، و"كارها": نصب على الحال من التاء في تعزيت، قوله: "فتركتها" عطف على قوله: "تعزيت" والضمير فيه -أيضًا- يرجع إلى الحجر، قوله: "وكان" من النواقص، و "فراقيها" كلام إضافي اسمه. وقوله: "أمر من الصبر": خبره، وأمرُّ: أفعل تفضيل فلذلك استعمل بمن.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فراقيها" حيث جاء الضمير فيه متصلًا لضرورة الوزن، وإلا لكان الأحسن أن يكون منفصلًا نحو: وكان فراقي إياها، وذلك أن الضمير المنصوب بمصدر مضاف إلى ضمير قبله هو فاعل يجوز فيه الاتصال والانفصال، ولكن الانفصال أحسن؛ إلا أن ها هنا جاز الاتصال للضرورة (١).
الشاهد الثاني والستون (٢)، (٣)
لَا تَرْجُ أَوْ تَخْشَ غَيْرَ اللَّه إِنَّ أَذًى … وَاقِيكَهُ اللَّهُ لا تَنْفَكُّ مَأْمُونَا
أقول: استشهد به ابن مالك ولم يعزه إلى أحد، ولا وقفت على اسم قائله.
وهو من البسيط.
قوله: "لا ترج" من رجا يرجو رجاء، وهو الأمل. والأذى: مصدر من أذى يؤذي أذىً وأذاه وأذيَّة، قوله: "واقيكه الله" الواقي: اسم فاعل من وقى يقي وقايةً وهي الحفظ.
الإعراب:
قوله: "لا ترج" نهي، فلذلك سقطت منه الواو علامة الجزم، قوله: "أو تخش" "أو" ها هنا بمعنى "ولا"، والمعنى: لا ترج ولا تخش، وأراد: لا ترج غير اللَّه ولا تخش غير اللَّه.
فإن قلت: هل تأتي "أو" بمعنى ولا؟
قلت: ذكر جماعة منهم ابن مالك أن "أو" تجيء بمعنى ولا، واستدلوا على ذلك
стр. 288
بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١] معناه: ولا بيوت آبائكم، وهذا غريب (١)، قوله: "غير اللَّه" كلام إضافي تنازع فيه الفعلان، فلك أن تعمل أيهما شئت، فإن أعملت الثاني أضمرت المفعول في الأول، والتقدير: لا ترج غير الله ولائتخش غير اللَّه (٢)، وإن أعملت الأول أضمرت في الثاني نحوه (٣).
قوله: "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، قوله: "أذًى" اسمه، قوله: "لا تنفك مأمونًا" خبره، قوله: "واقيكه اللَّه": جملة في محل النصب على أنها صفة لأذى، وقوله: "واقي" اسم فاعل أضيف إلى كاف الخطاب، والضمير الذي بعد الكاف منصوب؛ لأنه مفعول ثان للواقي، والكاف مفعوله الأول، ولكنه مجرور بالإضافة، وقوله: "اللَّه" مرفوع؛ لأن اسم الفاعل عمل فيه عمل فعله على معنى: إن أذى يقيكه اللَّه، يعني: يحفظك اللَّه منه لا ينفك مأمونا، وقوله: "لا ينفك" من الأفعال الناقصة، واسمه ضمير مستتر فيه، و "مأمونا" خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "واقيكه اللَّه" حيث جاء الضمير فيه متصلًا مع جواز الانفصال في مثل هذا الكلام، ولكن هاهنا لا يتيسر لأجل الوزن، والأصل فيه أن يقال: إنَّ أذى واقيك اللَّه إياه، والضمير إذا كان منصوبًا باسم فاعل مضاف إلى ضمير هو مفعول أول يجوز فيه الوجهان، والمختار الانفصال عند الضرورة (٤).
الشاهد الثالث والستون (٥) , (٦)
فَإِنْ لا يَكنْهَا أوْ تَكُنْهُ فَإنَّهُ … أَخُوهَا غَذَّتْهُ أُمُّهُ بِلبَانِهَا
أقول: قائله هو أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر، ويقال:
стр. 289
عثمان بن عمرو، ويقال: عمرو بن سفيان، وقال الواقدي (١): عويمر بن ظويلم البصري قاضيها، وهو أول من تكلم في النحو، والأصح: أن أوك من وضع النحو علي بن أبي طالب (٢) ﵁ وأخذه عنه أبو الأسود الدؤلي.
وقال الزبيدي (٣) في طباقات النحاة (٤) أبو الأسود الدؤلي اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن حليس بن نفاثة بن عدي بن بكر بن كنانة.
وكان صاحب علي - رضي الله [تعالى] (٥) عنه - خذ عنه النحو، وهو شيخ البصريين في العربية، وهو أول من أوضح سُبُلَها وقياسها, وذلك حين اضطرب كلام العرب.
وتوفي أبو الأسود الدؤلي سنة تسع وستين في طاعون الجارف، وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقبل البيت المذكور:
١ - دع الخمْرَ يشربْهَا الغوَاةُ فإنني … رَأيتُ أخَاها مُغنِيًا بمكانها
وهما من الطويل.
١ - قوله: "دع الخمر" أي: اتركها، يخاطب به أبو الأسود مولًى له، كان حمل له تجارة إلى الأهوار، وكان إذا مضى إليها يتناولُ شيئًا من الشراب فاضطرب أمرُ البضاعة، فقال أبو الأسود: دع الخمر … الخ، ينهاه عن ذلك ويقول له: إنَّ الزبيب يقوم مقامها، فإن لم تكن الخمرة نفسُها من الزبيب فهي أخته اغتذتا من شجرة واحدة.
قوله: "الغواة": جمع غاوٍ وهو الضال، قوله "رأيت أخاها" أراد بأخيها: النبيذ الذي يُعْمَلُ من الزبيب.
٢ - قوله: "بلبانها" بكسر اللام. تقول: هو أخوك بلبان أمه، قال إبن السكيت: ولا يقال بلبن أمه. إنما اللبن الذي يشرب (٦)، قال الكميت (٧) يمدح مخلد بن يزيد (٨):
стр. 290
ترى الندَى ومخلدًا حليفين … كانا معًا في مَهدِهِ رَضِيعَينِ (١)
تنازَعَا فيهِ لِبَانَ الثدْيَينِ … ...................................
واللبان بالفتح: الصدر، وبالضم: هو الحاجة.
الإعراب:
قوله: "فإن لا يكنها" الفاء فيه تفسيرية، تفسر معنى الشطر الثاني من البيت الذي قبله (٢) و "إن" للشرط، وقوله: "لايكنها" فعل الشرط، وقوله: "فإنه أخوها" جواب الشرط واسم يكن مضمر فيه يرجع إلى قوله: "أخاها" في البيت السابق، وخبره: الضمير المتصل به.
والمعنى: فإن لا يكن النبيذ الخمر بعينها فإنه أخوها؛ لأنه يعمل عملها، وكلاهما من أصل واحد؛ حيث قال: غذته أمه بلبانها.
قوله: "أو تكنه" عطف على قوله: "لا يكنها" أي: ولا يكنه، أي: ولا يكن الخمر النبيذ فاسم لا يكن هو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الخمر، وخبره الضمير المتصل به الذي يرجع إلى النبيذ.
قوله: "فإنه" جواب الشرط؛ كما ذكرنا، و "إن" حرف من الحروف المشبهة بالفعل، والضمير المتصل بها اسمها، وقوله: "أخوها" خبرها، أي: فإن النبيذ أخو الخمر، قوله: "غذقه أمه" جملة من الفعل والمفعول والفاعل وهو قوله: "أمه" أي: غذته النبيذ أمه بلبان الخمر، والجملة في محل الرفع على أنها خبر بعد خبر، ويجوز أن تكون حالًا من الهاء في "أخوها"، والعامل فيها: إن (٣).
قال سيبويه في قولهم: مررت بزيد قائمًا، إن العامل في الحال الباء في: بزيد، واحتج بأنه لا يجوز تقديم قائم على الباء هنا، فلا يقال: مررت قائمًا بزيد؛ لأن الحال لا يتقدم على عاملها فافهم (٤).
стр. 291
الاستشهاد فيه:
على وصل الضمير المنصوب بكان، فإن القياس: فإن لا يكن إياها أو تكن إياه (١).
الشاهد الرابع والستون (٢) , (٣)
لَئِنْ كَانَ إِياهُ لَقَدْ حَال بَعْدَنَا … عَنِ العَهْدِ وَالإِنْسَان قَدْ يَتَغَيَّر
أقول: قائله هو عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار القرشي المخزومي الشاعر المشهور، لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل والنوادر والخلاعة والمُجُون.
توفي [في سنة] (٤) ثلاث وتسعين للهجرة بالغرق في سفينة، وولد يوم مقتل عمر بن الخطاب (٥) - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة ثلاث وعشرين للهجرة، فقال الحسن البصري (٦) - رضي الله تعالى عنه - وقد جرى ذكر عمر بن أبي ربيعة: أي حق رفع وأي باطل وضع.
والبيت المذكور من قصيدة طويلة من الطويل، وهي قصيدة عظيمة حتى ذكر المبرد في الكامل (٧) أن ابن عباس (٨) - رضي اللَّه تعالى عنهما - سمع الكلمة التي منها هذا البيت وعدّ أبياتها ثمانين فحفظها من مرة.
стр. 292
وزعم الهيثم بن عدي (١) أن الحرث بن أبي ربيعة عم عمر بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة أتى بعمر إلى ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فقال له: إن ابن أخي هذا قال شعرًا، فإن كان مما يَجْمُلُ بمثله تركته وإلا حبسته، فاستنشده ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - فأنشده عمر:
أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَاب فَمُبكِرُ … ...........................
حتى أتى على آخرها، فقال ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - للحرث: لئن بقي ابن أخيك هذا ليُخْرِجَنَّ الخبّآت من خدورهن، وهذه هي القصيدة (٢):
١ - أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبكِرُ … غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُ
٢ - بِحَاجَةِ نَفْسٍ لَمْ تَقُلْ فيِ جَوَابِهَا … فَتُبْلِغَ عُذْرًا وَالمقَالةُ تُعْذِوُ (٣)
٣ - تَهِيمُ إِلَى نُعْمِ فَلَا الشَّملُ جَامِعٌ … ولا الحَبْلُ مَوْصُولٌ ولا القَلْبُ مُقْصِرْ
٤ - وَلا قُرْبُ نُعْمٍ إِنْ دَنَتْ لَكَ نَافِعٌ … ولا نَأْيُهَا يُسلِي وَلا أَنْتَ تَصْبرُ
٥ - وَأُخْرَى أَتَتْ مِنْ دُونِ نُعْم وَمِثْلُهَا … نَهَى ذَا النُّهَى لَوْ تَرْعَوي أَوْ تُفَكِّرُ
٦ - إِذَا زُرْتَ نُعْمًا لَمْ يَزَلْ ذُو قَرَابَة … لَهَا كُلَّمَا لاقَيتُهَا يَتَنَمَّرُ
٧ - عَزِيزٌ عَلَيهِ أَنْ أُلِمَّ بِبَيتِهَا … يُسِرُّ لِي الشَّحْنَاءَ وَالبغْضُ مُظْهَرُ
٨ - أَلِكْنِي إِلَيْهَا بالسَّلامِ فإِنُّهُ … يُشَهرُ إِلْمامِي بِهَا وَيُنَكَّرُ
٩ - بِآيَة مَا قَالتْ غدَاةَ لَقِيتُهَا … بِمَدْفَعِ أكْنَانِ أَهَذَا المشُهَّرُ
١٠ - قِفِي فَانْظُرِي أَسْمَاء هَلْ تَعْرِفِينَهُ … أَهَذَا المُغيرِيُّ الذِي كَانَ يُذْكَرُ
١١ - أَهذَا الذي أَطْرَيْتِ نَعْتًا فَلَم أكُنْ … وَعَيشِكِ أَنْسَاهُ إِلَى يَوْمِ أُقْبَرُ
١٢ - فقالتْ نَعَم لا شَكَّ غَيَّرَ لَوْنَهُ … سرَى الليلِ يُحْييِ نَصُّهُ والتَّهجُّرُ
١٣ - لَئِنْ كَانَ إِيَّاهُ لَقَدْ حَال بَعْدَنَا … عَنْ العَهْدِ والإِنْسَان قُد يَتَغَيرُ
١٤ - رَأَتْ رَجُلًا أمَّا إذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ … فَيضْحَى وَأَمَا بِالْعَشِي فَيَخْضَرُ
١٥ - أَخَا سَفَرٍ جَوَّابَ أَرْضٍ تَقَاذَفَتْ … بِهِ فَلَوَاتٌ فَهْوَ أَشعَثُ أَغْبَرُ
• الثالث: قلَّ من يقف عليها وهي صحيحة سالمة من التصحيفات والتحريفات.
• الرابع: طلبًا لزيادة الفائدة.
• الخامس: حتى ينصف الحاسد من جهلة الأقران، ويرى ما فيه من قوة اجتهاد من ساق هذه وأمثالها في هذا الكتاب على نمط الصحة والصواب، ولعله يصفى خلده، ويهاجر حسده ليربح قلبه وجسده.
١ - قوله: "أمن آل نُعْم" بضم النون وسكون العين المهملة وفي آخره ميم؛ وهي اسم المرأة التي كان يشبب بها عمر بن أبي ربيعة، قوله: "فمهجّر" بتشديد الجيم [أصله: متهجر] (١) من التهجر وهو السير في الهاجرة.
٢ - قوله: "والمقالة تعذر" من الإعذار.
٥ - قوله: "لو يرعوي" أي: لو يكف عن القبيح.
٧ - و "الشحناء": العداوة.
٨ - قوله: "ألكني" معناه: كن رسولي وتحمل رسالتي إليها، وقد أكثروا من هذا اللفظ في الأشعار، قال عبد بني الحسحاس قوله (٢):
أَلِكْنِي إليهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى ......................................
والقياس أن يقال: ألاكه يليكه إلاكة، وقد حكي هذا عن أبي زيد، وهو وإن كان من الألوك في هذا المعنى وهو الرسالة، فليس منه في اللفظ؛ لأن الألوك فعول، والهمزة فاء الفعل إلا أن يكون مقلوبًا أو على التوهم.
٩ - و "الأكنان" جمع كن، وهي السترة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل: ٨١].
١٣ - قوله: "لئن كان إياه" المعنى: لئن كان هذا الرجل هو الرجل الذي رأيناه قبل، لقد
стр. 297
حال، أي تغير عن العهد، أي الذي كنا نعهده من الشبيبة إلى الشيب، وهكذا الإنسان يتغيم من حال إلى حال.
١٤ - قوله: "فيضحى" أي يظهر للشمس. يقول يسير نهارًا، وإذا جاء الليل خَصِر، بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة، يقال: خصر الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه, وماء خصر أي بارد.
١٥ - و "الجوّابُ" بالتشديد من جاب يجوب جوبًا إذا خرق وقطع، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ [الفجر: ٩].
١٦ - و "المحبر" المزين.
١٩ - قوله: "ذي دَوْرَان" بفتح الدال وسكون الواو: وفتح الراء وبعد الألف نون؛ وهو موضع بين القديد والجحفة، قوله: "جشمتي السرى" أي كلفتي إياه، يقال: جشمته الأمر. تجشيمًا وأجشمته إذا كلفته إياه، والسرى هو السير بالليل.
٢٠ - قوله: "على شفا" أي: على طرف النهار أي: آخره.
٢١ - قوله: "لولا اللبانة" بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف نون؛ الحاجة، و "أعور" الذي قد عور ولم تقض حاجته ولم يصب ما طلب، وليس من عور العين.
٢٢ - و "القلوص" من النوق: الشابة، ويجمع على قلائص وقُلُص، و "العراء" بالمد؛ الفضاء لا ستر به، قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ (١) [الصافات: ١٤٥]، ويقال: هذا مكان معور يخاف فيه القطع.
٢٧ - قوله: "مشية الحبُاب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة؛ وهي الحية، و "الأزور" من الزور بتحريك الواو؛ وهو الميل.
٣٣ - قوله: "أفرخ روعها" أي: ذهب فزعها، يقال: ليفرخ روعك، أي: ليخرج عنك
فزعك؛ كما يخرج الفرخ من البيضة، قوله: "كلاك" أي: حفظك من كلأ يكلأ إذا حفظ.
٣٨ - قوله: "ذو غُروب" بضم الغين المعجمة والراء؛ هو حدة الأسنان وماؤها، قال عنترة (٢):
стр. 298
إِذْ تَسْتَبِيكَ بِذِي غرُوبٍ وَاضِحٍ … عَذْبٌ مُقَبَّلهُ لَذِيذُ المَطْعَمِ
و"المؤشر" بتشديد الشين المعجمة من الوشر وهو أن تحدد المرأة أسنانها وترققها، وفي الحديث: "لعن اللَّه الواشرة والمؤتشرة" (١).
٣٩ - و"الأقحوان" بضم الهمزة؛ لون أبيض فيه أصفر، قال الجوهري: هو البابونج على أفعْلان، هو نبت طيب الرائحة (٢) حواليه ورق أبيض ووسطه أصفر (٣).
٤٠ - قوله: "وترنو" من رنا إليه إذا نظر، و "الخميلة" بفتح الخاء المعجمة؛ وهو الشجر المجتمع الكثيف، وقال الأصمعي: الخميلة: رملة تُنبِت الشجر (٤)، و "جُؤْذَر" بضم الجيم وسكون الهمزة وفتح الذال المعجمة وفي آخره راء؛ وهو ولد البقرة الوحشية، ويقال: جوْذر -أيضًا- بلا همزة، والجمع جآذر.
٤٢ - قوله: "عَزْوَر" بفتح العين المهملة وسكون الزاي المعجمة، وهو مكان وهو ثنية الجحفة، وهو -أيضًا- موضع بمكة، وأيضًا: جبل يقابل رضوى.
٤٦ - و"الكاشح" بالشين [المعجمة] (٥)، وهو الذي يضمر لك العداوة، يقال: كشح له بالعداوة وكاشحه بمعنى.
٤٩ - "أحصر" بالحاء والصاد المهملتين، من الحصر وهو الضيق.
٥٢ - و "دمقص" بكسر الدال وفتح اليم وسكون القاف، وهو القز.
٥٦ - قوله: "فكان مجني" المجن بكسر اليم: الترس، و "كاعب" تثنية كاعب، وهي الجارية حين يبدو ثديها للنهود، وقد كعب تكعُب بالضم كعوبًا وكعّب بالتشديد مثله، و "المعصر": الجارية أول ما أدركت وحاضت، يقال: قد أعصرت كأنها دخلت عصر شبابها أو بلغته.
٥٨ - قوله: "سادرًا" من سدر إذا تحير، والسادر هو الذي لا يهتم ولا يبالي ما صنع.
стр. 299
٦٠ - قوله: "ومحجِر" بفتح اليم وسكون الحاء المهملة وكسر الجيم، وهو الموضع الذي يقع القناع منه، ومحجر العين: مشق جفنيها.
٦١ - قوله: "والعتاق" بكسر العين؛ جمع عتيق وهو الفرس الرائع، و "الأرحبيات": النجائب منها، وهي نسبة إلى أرحب وهي قبيلة من همدان.
٦٣ - و "العنس" بفتح العين المهملة وسكون النون وفي آخره سين مهملة؛ وهي الناقة الصلبة، قوله: "تَخَوَّنَ نِيّها" أي: انتقص لحمها وشحمها، و "النِّي" بكسر النون وتشديد الياء؛ وهو الشحم.
٦٤ - قوله. "بقية لوح" أي: عطش، و "الشجار" بكسر الشين وبالجيم، وهو مركب دون الهودج، و "مؤسر" أي: مشدود، قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ (١) [الإنسان: ٢٨].
٦٥ - و "الموماة" واحدة الموامي وهي المفاوز، و "البسابس" جمع بسبس وهي القفر.
٦٦ - و "الأرجاء": النواحي، وهي جمع رجا مقصور.
٦٨ - قوله: "مِغْلاة أرض" المغلاة بكسر اليم وسكون الغين المعجمة، وهي السهم، يقال: غلوت السهم غلوًّا إذا رميت به أبعد ما تقدر عليه، والغلوة: الغاية مقدار رمية.
٦٩ - قوله: "تكسر" أي تتكسر.
٧٠ - قوله: "معصّر" بتشديد الصاد المفتوحة؛ أي ملجأ، وأصله من العصر بالتحريك وهو الملجأ والمنجى.
٧١ - قوله: "كقاب الشبر" أي كقدره.
٧٢ - وكذا قوله: "قدى الكف" أي كقدر الكف، قوله: "مسأر" مفعل، من السؤر وهو بقية الماء التي يبقيها الشارب، معناه: إذا التفت شفتاها عليه لم تبق منه شيئًا، ويروى: مؤسر بتقديم الهمزة على السين، من أسرت الحوض إذا سددته.
٧٣ - و "النِّسْع" بكسر النون وسكون السين المهملة وفي آخره عين مهملة، جمع نسعة وهي التي تنسج عريضًا للتصدير، و "الجديل" بفتح الجيم وكسر الدال؛ الزمام المجدول من أدم.
٧٤ - قوله: "فسافت" من السوف، وهو الشم، يقال: سفت الشيء أسوفه سوفًا ومنه المسافة؛ وذلك لأن الدليل يسوف التراب ليعلم أعلى قصد هو أم على جور، قوله: "وما عافت"
стр. 300
من عاف الرجل الطعام والشراب يعافه عيافًا، أي: كرهه فلم يشربه فهو عائف، قوله: "مطروق" المطروق والطرق: ماء السماء الذي تبول فيه الإبل وتبعر.
الإعراب:
قوله: "لئن كان" اللام فيه هي اللام الداخلة على أداة الشرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط، ومن ثمة تسمى: اللام المؤذنة واللام الموطئة -أيضًا- لأنها وطّأت الجواب للقسم، أي مهدته له نحو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: ١٢]، و "إن" للشرط، و "كان إياه" فعل الشرط.
وقوله: "لقد حال" جواب الشرط، و "كان" ناقصة واسمها مستتر فيه، وقوله: "إياه" خبره، قوله: "لقد حال" اللام فيه للتأكيد، وقد للتحقيق، والضمير في حال هو الضمير الذي في (كان)، قوله: "بعدنا": ظرف يتلق بحال وهو العامل فيه، و "عن العهد" يتعلق به، وقوله: "والإنسان": مبتدأ، و "قد يتغير" خبره، والجملة وقعت حالًا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لئن كان إياه" حيث جاء خبر كان منفصلًا، قال ابن الناظم: الصحيح اختيار الاتصال لكثرته في النظم والنثر الفصيح (١)، وقال الزمخشري: الاختيار في ضمير خبر (كان) وأخواتها الانفصال كقوله: لئن كان إياه (٢)، والصواب ما قاله الزمخشري؛ لأن منصوب (كان) خبر في الأصل، والأصل في الخبر أن يكون منفصلًا وليس للاتصال فيه دخل (٣).
стр. 301
الشاهد الخامس والستون (١)، (٢)
وَقَدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطِيبُ بِضَغْمَةٍ … لِضَغْمِهِمَاهَا يَقْرَعُ العَظْمَ نَابُهَا
أقول: قائله هو المغلس بن لقيط بن حبيب بن خالط بن نضلة الأسدي، جاهلي، هو وأخواه: بعثر (٣) ونافع ابنا لقيط شعراء، وهو من قصيدة هائية يرثي بها أخاه أطيطًا ويشتكي من قرينين له يؤذيانه، وقيل: هما أبناء أخيه وهما: مدرك ومرة، وأولها هو قوله:
١ - وَأبْقَتْ لِيَ الأَيَّامُ بَعْدَكَ مُدْرِكًا … وَمُرَّةً والدُّنْيَا قَلِيلٌ عِتَابُهَا
٢ - قَرِينَيِن كَالذَّئْبَيِن يَقْتَسِمَانِنِي … وَشَرُّ صَحَابَاتِ الرَّجَالِ ذِئَابُهَا
٣ - إِذَا رَأَيَا لِي غَفْلَةً أَسَّدَا بِهَا … أَعَادِي والأَعْدَاءُ كَلِبَيْ كِلابُهَا
٤ - وَإِنْ رَأَيَانِي قَدْ بَحَوْتُ تَبَغَّيَا … لِرَجْلِي مُغَوَّاةً هَيَامًا تُرَابُهَا
٥ - فَلَوْلا رَجَائِي إِنْ تَئُوبَا وَلا أَرَى … عُقُولَكُمَا إلا شَدِيدًا ذَهَابُهَا (٤)
٦ - سَقَيْتُكُمَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ شَرْبَةً … يَمُرُّ عَلَى بَاغِي الظَّلامِ شَرَابُهَا
٧ - وَقُدْ جَعَلْتُ نَفْسِي تَهُمُّ بِضَغْمَةٍ … عَلَى عَلّ غَيْظٍ يَقْصِمُ العَظْمَ نَابُهَا
هكذا رواه أبو عمرو في كتاب: "الحروف" له، وابن الناظم رواه كما رواه سيبويه (٥)، وأبو علي في الإيضاح (٦).
وهو من الطويل.
٢ - قوله: "قرينين" أي: متقاربين، قوله: "يقتسمانني" أي: يختصمانني ويروى: يصطحبانني، قوله: "ذئابها": جمع ذئب.
٣ - قوله: "أسّدا بها" أي أغريا بها، أي بسبب الغفلة، يقال: أسّدته وأوسدته إذا أغريته بالصيد، والواو منقلبة عن الألف. وأسدت بين القوم أي أفسدت، قوله: "كلبي": جمع كلب
стр. 302
بفتح الكاف وكسر اللام، قال الفراء وغيره: رجل كلب وقوم كلبى إذا أصابهم الكلب، والكلب بفتح اللام؛ الذي لا يبرأ منه (١).
٤ - قوله: "تبغيا" أي طلبا، قوله: "مغواة" بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد الواو؛ وهي حفرة كالزبية، يقال: من حفر مغواة وقع فيها، وتجمع على مغويات، قوله: "هيامًا" الهيام بكسر الهاء وتخفيف الياءآخر الحروف؛ وهو الرمل اليابس (٢)، ورواه أبو علي في التذكرة: هيالي ترابها، [قال: وهذا يدل على أن التراب جمع ترب، ولو كان مفردًا لقال: هائل ترابها]، (٣)، وقال صاحب العين: الهائل والأهيل والهيل من الرمل؛ الذي لا يثبت (٤)، وضرب ذا مثلًا لكثرة معرفتهما بالشر والتحيل في جلب أنواع الضر.
٦ - قوله: "الظلام" بالضم؛ بمعنى الظلم، قال أبو الحجاج (٥) وقد يكون جمعًا لظلم؛ كما ذهب إليه أبو علي في التراب أنه جمع ترب، فيلحق بالألفاظ التي جمعت على فُعال، وقد قيل فيه الظلام بكسر الظاء. وكذا رأيته مكسورًا في نسخة من شعر أبي دؤاد، زعم كاتبها أنه قابلها بنسخة كانت بخط سيبويه [رحمه اللَّه تعالى] (٦)، وقد قيده صاحب كتاب الموعب (٧) عن أبي زيد فقال: فلان يريد ظِلامِي بكسر الظاء وظلامتي وظلمي وأنشد (٨):
.......................... … وسامته العشيرة الظّلاما
وقال ابن دريد: الظلام مصدر ظالمه (٩) وقال كراع: جمع الظلم ظلام، وأنشد للمثقب (١٠)
стр. 303
العبدي (١):
وَهُنَّ عَلَى الظِّلامِ مُطَلِبَاتٍ … قَوَاتِلُ كُلِّ أَشْجَعِ مُسْتَكِينِ
وقال ابن يسعون: وقد يكون الظلام لغة في ظلم؛ كلبس ولباس ونحوه، وقد يكون جمع ظلم كما قال كراع، وإن كنت لا أعلم فِعَالًا في جمع فعل إلا في المضاعف في نحو: قِفّ وقِفَاف كما قد يكون الظلام جمع ظلامة وهو أشبه وجوهه.
٧ - قوله: "لضغمة" بالضاد والغين المعجمتين، وهي العضة، يكنى بها عن الشدة والصيبة؛ لأن من عرضت له الشدة يعض على يديه، يقال: ضَغَمَتْه الشدة إذا أصابته، ويقال: الضغم هو العض بجميع الفم، ومنه سمي الأسد ضيغمًا، والياء فيه زائدة، قوله: "يقرع العظم" أي يدقه وهذه مبالغة في أنه عضت الشدة عضًّا قويًّا بلغت منتهى ما يبلغ العض وكنى ببلوغ العظم الناب عن ذلك.
وحاصل المعنى: قد رَضِيَتْ (٢) نفسي وطابت للشدة التي أصابتني؛ لإصابتها من قصدني بمثلها.
وقال ابن الحاجب (٣) في الأمالي: إنه يقول: طابت نفسي للشدة التي أصابتني لوقوع العارض لي في أعظمي (٤)، وقال شيخ شيخي شمس الدين اليشكري ﵀ في شرحه (اللب) والمعنى: قد جعلت نفسي تطب لضغمتي إياهما ضغمة شديدة تشبه ضغمتهما لي، يعني: إنما تطب نفسي بأن يصيبهما مثل هذه الشدة التي أصابتني (٥).
الإعراب:
قوله: "وقد جعلت" هذه من أفعال المقاربة التي يجب أن يكون خبرها مضارعًا، قوله: "نفسي": اسمها، وقوله: "تطيب": خبرها، قوله: "لضغمة": مفعول تطيب؛ كما تقول طبت بزيد، فاللام بمعنى الباء وليست بمعنى المفعول لأجله؛ لأنه لم يرد أنها طابت لأجل الضغمة، وإنما يريد أنها طابت بالضغمة.
قوله: "لضغمهماها" اللام فيه للتعليل، والضمير الأول في موضع خفض من الإضافة وهي
стр. 304
فاعل في المعنى يرجع إلى الرجلين المذكورين في البيت السابق وهما: "مدرك ومرة"، والضمير الثاني في موضع نصب على المفعولية، وهو عائد إلى الضغمة، والتقدير: وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة يقرع العظم نابها لأجل ضغمهما إياها مثل هذه الضغمة التي أصابتها.
وقيل: الضمير الأول يرجع إلى الذئبين المذكورين في البيت السابق، والثاني إلى النفس يقول: لكثرة ما أصابه من المحن ورزايا الدهر عادت نفسي تروم وتطيب لأن يعضها السباع وتهلكها لتتخلص مما [هي] (١) عليه.
وقيل: الضمير الأول مفعول به، والثاني: فاعل، أي تطيب نفسي لأن ضغمتهما ضغمة كما ضغمتني.
قوله: "يقرع العظم نابها" في موضع [خفض إما] (٢) صفة لضغمة الأولى، وفصل للضرورة بالجار والمجرور وهو لضغمهماها، وهذا ضعيف لأجل الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي، وإما في موضع الصفة لمثل محذوف؛ لأن معناه: لضغمهما مثلها؛ لأن الضغمة الأولى لم تصب هذين، وإنما أصابهما مثلها، فهو في المعنى مراده، ومثلٌ: نكرة وإن أضيف إلى المعرفة فجاز أن يوصف بالجملة ويجوز أن [يكون] (٣) "يقرع العظم نابها": جملة مستأنفة تبين أمر الضغمة في الموضعين جميعًا؛ فلا موضع لها من الإعراب؛ لأنها لم تقع موقع مفرد.
فإن قلتَ: فإذا كان اللام في لضغمهما للتعليل على ما ذكرت فما موقعه؟
قلتُ: هو بدل من قوله: "لضغمة".
فإن قلتَ: الضغم مصدر، والضغمة مرة منه، فكيف يجوز إبدال العام من الخاص؟ وهذا عندهم من بدل الغلط؛ كما في قولك: مررت بزيد القوم؟
قلت: يجوز أن تكون الضغمة بمعنى الضغم؛ كالرجمة بمعنى الرجم، فالتاء ليست للمرة، أو نكون التاء محذوفة من الأخيرة للضرورة، أي لضغمتهماها.
الاستشهاد فيه:
في اجتماع الضميرين، وكان القياس في الثاني منهما الانفصال فجاء متصلًا على غير القياس نحو: لضغمهماها، والقياس لضغمهما إياها، وقال ابن يسعون: استشهد به أبو علي في الإيضاح على وقوع الضمير المتصل موقع المنفصل؛ لأن مجيء الضمير المنفصل مع المصدر أحسن. والمصدر هو لضغمهما، وهو مضاف إلى هما، وهما في المعنى فاعلان، والمفعول المضغوم محذوف،
стр. 305
ولو ذكره مع هذه المتصلة العائدة على ضغمة لقال: لضغمهماها (١) إياي وإياها، ولو أتى بضمير الضغمة منفصلًا على الوجه الأحسن لقال: لضغمهما إياي إياها، وكان إياي يتقدم لوجهين:
أحدهما: لأنه ضمير الخاطب، وهو أولى بالتقديم من الضمير الغائب.
والوجه الآخر: أن إياي ضمير المفعول به، وإياها ضمير المصدر، فهي فضلة مستغنى عنها بما هو آكد منها، وكان الأصل: لضغمهما إياي، مثلها أي مثل تلك الضغمة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فكان ينبغي أن يأتي بالضمير المنصوب المنفصل، وحذفُ المفعول مع المصدر إذا كان معه الفاعل كثير؛ كما قد يحذف معه الفاعل - أيضًا - (٢).
الشاهد السادس والستون (٣)، (٤)
لوجهِكَ في الإحْسَانِ بَسْطٌ وَبَهْجَةٌ … أَنَا لهُمَاهُ قَفْوًا أكْرَم وَالِدِ
أقول: هذا لم أقف على اسم قائله.
وهو من الطويل.
قوله: "في الإحسان" أي وقت الإحسان، قوله: "بسط" أي: بشاشة وترك تعبّس، قوله: "وبهجة" أي: حسن وسرور؛ وذلك لأن الكريم يَسُوُّهُ إحسانه إلى العفاة، قوله: "أنا لهما" من أنال ينيل إنالةً، وثلاثيه: نال إذا بلغ ووصل، قوله: "قفو" بالقاف بعدها الفاء، من قفوت أثره قفوًا وقفوًّا إذا أتبعته، يعني: اتباع أكرم الوالدين، أراد كرام الآباء والأسلاف.
وحاصل المعنى: وجهك منبسط ومبتهج في وقت الإحسان إلى الناس، وقد حصل لك ذلك من اتباع آثار آبائك الكرام وأسلافك الكرماء.
الإعراب:
قوله: "بسط" مبتدأ، و "بهجة" عطف عليه، وخبره قوله: "لوجهك"، وقوله: "في الإحسان" يتعلق بقوله: بسط. والمضاف إليه محذوف كما ذكرنا، قوله: "أنالهما" جملة من الفعل والفاعل وهو أنال، والمفعولين أحدهما هو قوله: "هما" اللذان يرجعان إلى البسط
стр. 306
والبهجة، والآخر هو الضمير الذي بعدهما يرجع إلى الوجه، والفاعل وهو قوله: "قفو أكرم والد"، وقوله: "قفو" مضاف إلى أكرم، وأكرم مضاف إلى والد، وأصل والد: والدين بكسر الدال؛ جمع والد، حذف منه بعض الكلمة، ومثله [كثير] (١) في الأشعار.
فإن قلتَ: ما موقع هذه الجملة؟
قلتُ: الرفع؛ لأنها صفة لقوله: بسط وبهجة.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أنالهماه" وكان القياس أن يقال: أنالهما إياه بالانفصال، فجاء متصلًا، قيل: إن الاتصال ها هنا أحسن؛ لأن العامل فعل وهو قوله: "أنال" بخلاف البيت السابق؛ فإن الانفصال فيه أحسن؛ لأن العامل هناك اسم وهو (٢) قوله: "الضغم" والفعل أجمل للوصل من الاسم (٣).
الشاهد السابع والستون (٤) , (٥)
.......................... … إذ ذهَبَ القَوْمُ الكِرَامُ لَيسِي
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وصدره:
عَدَدْتُ قَوْمِي كَعَدِيدِ الطَّيْسِ … ................................
وهو من الرجز المسدس، وفيه الطي والخبن والقطع.
قوله: "عددت": من العد والإحصاء، والعديد -بفتح العين وكسر الدال؛ الاسم مثل العدد، يقال: هم عديد الحصى والثرى في الكثرة، و "الطيس" بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناه من تحت وفي آخره سين مهملة؛ وهو الرمل الكثير، وكذلك يقال للماء الكثير: الطس، ويقال: الطيسل بزيادة اللام، قال الشاعر يصف حميرًا (٦):
стр. 307
وَصَبَّحْتُ مِنْ شُبرُمَانَ مَنْهلًا … أَخْضَرَ طَيسًا زَغْرَبيًّا طَيْسِلًا
اللام فيه زائدة، و "شبرمان" موضع، و "المنهل": المورد، وهو عين ماء ترده الإبل في المرعى، و "الزعزب" بزاءين معجمتين بينهما عين مهملة، وهو الماء الكثير؛ والنسبة إليه: زعزبي، قوله: "الكرام": جمع كريم؛ كالعجاف جمع عجيف، والمعنى: عددت قومي وكانوا بعدد الرمال في الكثرة، ومع تلك الكثرة ما فيهم كرام غيري.
الإعراب:
قوله: "قومي": كلام إضافي مفعول عددت، قوله: "كعديد الطيس": صفة لمصدر محذوف تقديره: عدًّا كعدِّ الطيس، قوله: "إذ" ظرف زمان، و "ذهب": فعل ماض، و "القوم" فاعله، و "الكرام" صفته، قوله: "ليسي" أي [ليس] (١) الذاهب إياي، فاسم ليس مستتر فيها، وخبرها الضمير المتصل بقوله: ليسي.
الاستشهاد فيه:
حيث حذف فيه نون الوقاية للضرورة مع لزومهًا جميع الأفعال قبل ياء المتكلم، وحيث جاء خبر ليس التي هي من أخوات كان مضمرًا متصلًا على خلاف القياس في الاختيار؛ لأن الاختيار هو الانفصال، ولكنه لم يرد لذلك فافهم (٢).
الشاهد الثامن والستون (٣) , (٤)
كَمُنْيَةِ جَابِر إِذْ قَال لَيْتِي … أصَادِفُة وَأفْقِدُ بَعْض مَالِي
أقول: قائله هو زيد الخيل، وهو زيد بن مهلهل بن يزيد بن منهب بن عبد رُضَى، وكان رُضَى صَنَمًا لطيء بن مختلس بن ثور بن عدي بن كنانة بن مالك بن نائل بن نبهان، وهو أسد بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وهي طيء، سمي به؛ لأنه كان يطوي المناهل في غزواته ابن أدد وهو مذحج بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر وهو هود النبي، ﵇ (٥) , وكان زيد الخيل من المؤلفة قلوبهم ثم أسلم وحسن إسلامه، وفد على النبي ﷺ في وفد طيء سنة تسع، وسماه النبي ﷺ زيد الخير وأقطعه أرضين، وكان يكنّى أبا مكنف، وكان له ابنان: مكنف وحريث أسلما وصحبا النبي ﷺ وشهدا قتال الردة مع خالد بن الوليد، ولما انصرف
стр. 308
زيد من عند النبي ﷺ أخذته الحُمّى، فلما وصل إلى أهله مات، قيل: توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁ (١) وقبله:
١ - تَمَنَّى مَزْيَدٌ زَيْدًا فَلاقَى … أَخًا ثِقَةً إذا اخْتَلَفَ العَوَالِي
وهما من الوافر وفيه العصب والقطف.
١ - و "مزيد" بفتح الميم وسكون الزاي العجمة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة؛ وهو رجل من بني أسد وكان يتمنى لقاء زيد فلما لقيه طعنه زيد فهرب، وكذلك جابر كان عدوه، وكان يتمنى لقاءه فلما لقيه طعنه فهرب فقال زيد الخيل حينئذ: تمنى مزيد … إلخ، وإنما لم يقل تمناني مزيد؛ لأن زيدًا اشتهر بالشجاعة فكأنه قال: تمنى مزيد الشجاع المشهور؛ ولأن بين مزيد وزيد تجانسًا (٢).
قوله: "العوالي": الرماح، واحدها العالية، قال الجوهري: عالية الرمح: ما دخل في السنان إلى ثلثه (٣).
٢ - قوله: "كمنية جابر" المنية بضم الميم؛ المتمنى وهو في الأصل: الشيء المتمنى كالفرقة والأكلة، قوله: "أصادفه" يعني: أجده من قولهم: صادفت فلانًا إذا وجدته، والمعنى: تمني مزيد كتمني جابر حين، قال: ليتني أجد زيد الخيل في الحرب ولا أجد بعض مالي، وروى الجوهري: وأفقد جل مالي وهو الأحسن (٤)، ومن زعم أن بعضًا ترد بمعنى كل، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وقول الأعشى (٥):
قدْ يُدْرِكُ المُتَمَنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ … وَقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
صح عنده حمل رواية الجماعة على ذلك فيكون أبلغ من رواية الجوهري إلا أن هذا القول مردود (٦)، ويروى: وأتلف بعض مالي موضع: وأفقد، ويروى: وأغرم (٧).
стр. 309
الإعراب:
قوله: "كمنية جابر": كلام إضافي في محل النصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: تمنى مزيد تمنيًّا كتمني جابر، قوله: "إذ" ظرف بمعنى حين، والعامل فيه المصدر، والضمير في (قال): يرجع إلى جابر، قوله: "ليتي أصادفه" مقول القول، واسم ليت مضمر متصل، وخبرها قوله: "أصادفه"، قوله: "وأفقد بعض مالي" بالرفع: جملة فعلية عطف على أصادفه؛ كذا قيل، وفيه نظر؛ لأنه يلزم أن يكون فقد بعض ماله متمنيًا، وليس كذلك، والصحيح أنه مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقدوره: وأنا أفقد بعض مالي، وتكون الواو للحال، وبعض منصوب بـ "أفقد" (١).
ويقال: وأفقد منصوب؛ لأنه جواب التمني؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَاليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣] (٢).
قلت: هذا لا يتمشى إلا إذا قرئ بالفاء: فأفقد (٣)، ولكن يجوز نصبه بإضمار أن تقديره: ليتني أصادفه وأن أفقد بعض مالي (٤).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ليتي" حيث جاءت مضافة إلى ياء المتكلم بدون نون الوقاية، وذلك لأجل الضرورة (٥).
الشاهد التاسع والستون (٦)، (٧)
فَقُلْتُ أَعِيرَانِي القَدُومَ لَعَلَّنِي … أَخُطُّ بِهَا قَبْرًا لِأَبْيَضَ مَاجِدِ
أقول: لم أقف على اسم قائله.
стр. 310
وهو من الطويل.
قوله: "القَدُوم" بفتح القاف وضم الدال المخففة، وهي الآلة التي يُنجّر بها الخشب، قوله: "أخط بها" أي؛ أنحت بها، وأصل الخط من خط بإصبعهِ في الرمل، ومنه اختط فلان الأرض بأن يخطّ عليها خطًّا ليعلم أنه قد اختارها، وبها سميت خطط الكوفة والبصرة، والمراد ها هنا: ما ذكرناه من معنى النحت.
قوله: "قبرًا" أي؛ غلافًا. أراد بها أنحتُ بها غلافًا للسيف؛ لأن المراد من الأبيض هو السيف، وسمي الغلاف بالقبر لمعنى المواراة؛ لأن الغلاف يواري السيف؛ كما أن القبر يواري الميت، والضمير في "بها" يرجع إلى القدوم، وهو دليل على تأنيث القدوم.
الإعراب:
قوله: "فقلت" جملة من الفعل والفاعل، و "أعيراني القدوم" مقول القول، والقدوم: منصوب؛ لأنه مفعول ثان لأعيراني، يقال: أعرته ثوبًا، قوله: "لعلني" اسم لعل هو الضمير المتصل به وخبره قوله: "أخط بها قبرًا"، "أخط" جملة من الفعل والفاعل، وهو"أنا" مستتر فيه، و "قبرًا" مفعوله و "بها" صلة أخط، والباء فيه للاستعانة؛ كما في: كتبت بالقلم، واللام في "لأبيض" للتعليل، و "ماجد" مجرور؛ لأنه صفة لأبيض، و "أبيض" لا ينصرف للصفة ووزن الفعل، وقيل ويروى: لأكرم ماجد، ثم قيل: ماجد صفة عند من روى: لأبيض، ومضاف إليه عند من روى لأكرم، فأبيض مفتوح وأكرم مكسور.
قلت: فعلى رواية من روى "لأكرم ماجد" يكون القبر على حقيقته، ويكون الماجد اسم رجل ويكون إضافة أكرم إليه من قبيل إضافة جرد قطفة، وسحق عمامة (١)، وفي الرواية المشهورة: الماجد صفة لأبيض الذي هو السيف؛ من مجد الشيء إذا عظم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "لعلني" فإنها جاءت بنون الوقاية، والأشهر فيها بدون النون؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] و "لعل" في هذا الباب عكس "ليت" (٢).
стр. 311
الشاهد السبعون (١)، (٢)
أَيُّهَا السَّائِلُ عَنْهُمْ وَعَنِّي … لَسْتُ مِنْ قَيْسٍ ولا قيس مِنِّي
أقول: قائله مجهول لا يعرف؛ كذا قال صاحب التحفة (٣).
وهو من المديد، وأصله في الدائرة: فاعلاتن فاعلن ست مرات وفيه الخبن والحذف (٤).
قوله: "عنهم" أي عن القوم المعروفين عندهم، و "قيس" أبو قبيلة من مضر، وهو قيس غيلان، واسمه: إلياس بن مضر بن نزار، وقيس لقبه، وعبد القيس أيضًا [أبو] (٥) قبيلة من أسد بن ربيعة، وهو عبد القيس بن أقصى بن دُعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة، والنسبة إليهم: عَبْقَسي، وإن شئت قلت عبديّ (٦).
الإعراب:
قوله: "أيها السائل"، يعني يا أيها فحذف حرف النداء، وأي: أتى بها للتوصل إلى نداء المعرف، والهاء مقحمة للتنبيه، قوله: "عنهم وعني" كلاهما يتعلقان بالسائل، قوله: "لست من قيس" أي من قبيلة قيس، فالتاء اسم ليس، وخبره قوله: "من قيس"، قوله: "ولا قيس مني" أي ولا قيس مني أيضًا، وارتفاع قيس بالابتداء؛ لأن "لا" إنما تعمل في النكرات (٧) فافهم.
الاستشهاد فيه:
على ترك نون الوقاية من: "عني ومني" وقيل: هو ضرورة (٨)، وقيل: هو شاذ، وقال
стр. 312
الزمخشري: وعن بعض العرب: عني ومني، وهو شاذ (١).
الشاهد الحادي والسبعون (٢)، (٣)
إذَا قَال قَدْنِي قَال بِاللَّه حَلْفَةً … لِتُغْنِيّ عَنَّي ذَا إِنَائِكَ أَجْمَعَا
أقول: قائله هو حريث بن عنّاب (٤) بتشديد النون الطائي، وقبله:
دَفَعْتُ إليه رسْل كَوْمَاءَ جَلْدَةٍ … وَأَغْضَيْتُ عَنْهُ الطَّرْفَ حَتَّى تَضَلَّعا
وهما من الطويل.
قوله: "دفعت إليه" أي: إلى الضيف؛ لأنه يصف ضيفًا قدم له إناءً فيه لبن فشرب منه، ثم قال يكفيني فحلف عليه ليَشْرَبَنَّ جميعَه، وهو معنى الشطر الأول من البيت المستشهد به، قوله: "رسل كوماء" بكسر الراء وسكون السين المهملة؛ وهو اللبن، و "الكوماء": الناقة عظيمة السنام. قوله: "جَلْدة" بفتح الجيم وسكون اللام؛ واحدة الجلاد وهي أدسم الإِبل لبنًا، قوله: "وأغضيت عنه الطرف" أي: غمضت عنه عيني حتى تضلع، أي: امتلأ شِبغًا، وريًّا، والألف فيه للإطلاق.
قوله: "إذا قال قدني" أي إذا قال الضيف قدني، أي يكفيني، قوله: "قال" أي المضيف ويروى قلت وهو الاُصح، قوله: "لتغني" أي لتبعد وأصله: لتغنين بالنون المشددة، ثم حذف النون فبقي لتغني، وقال بعض من تكلم في هذا البيت: لتغني عني؛ من قولهم: أغن عني وجهك، أي اجعله بحيث يكون غنيًّا عني، أي: لا يحتاج إلى رؤيتي.
قوله: "ذا إنائك" أضاف الإناء إلى الضيف، وإن كانت هي للمضيف لأدنى الملابسة؛ لأن الضيف ملابس له.
الإعراب:
قوله: "إذا": ظرف، و "قال": فعل وفاعله مستتر فيه، وهو الضمير الذي يعود إلى الضيف،
стр. 313
قوله: "قدني": مقول (قال)، قوله: "قال" أي المضيف كما ذكرنا قبل هذه الرواية على ما رواها ابن الناظم (١)، وجماعة آخرون (٢) تدل على أن الشاعر لا ضيف ولا مضيف بل هو حاكٍ عنهما، وليس كذلك، وروى بعضهم: "إذا قلت قدني"فهذا يدل على أن الشاعر هو الضيف (٣) وليس كذلك، فالصحيح: إذا قال قدني قلت باللَّه حلفة، على ما رواه الزمخشري وغيره (٤).
قوله: "حلفة" مفعول مطلق؛ لأن التقدير في قوله: "باللَّه حلفة"، أي: أحلف باللَّه حلفة، قوله: "لتغني" بكسر اللام لأجل التعليل وبياء مفتوحة للناصب المضمر، وهو رواية أبي الحسن (٥) الأخفش، واستدل بها على جواز إجابة القسم بلام كي (٦)، والجماعة يمنعون ذلك؛ لأن الجواب لا يكون إلا جملة، ولام كي وما بعدها جار ومجرور (٧).
والبيت محمول على حذف الجواب وبقاء معموله، أي: لتَشْرَبن لتغني عني، ويروى: لَتغنِينَّ بلام مفتوحة للتوكيد، ونون مكسورة وهي عين الفعل، بعدها نون مشددة مفتوحة للتأ كيد، وهي رواية ثعلب (٨) وهي دليل على أن الياء التي هي لام الفعل المؤكد بالنون قد تحذف وتبقى الكسرة دليلًا عليها، وهي لغة فزارة يقولون: ارمن يا زيد، وابكن يا عمرو (٩)، قال الشاعر (١٠):
وابْكِنّ عَيْشًا تَقضَّى بَعْد جِدَّتِهِ … طَابَتْ أَوَائِلُهُ في ذلِك البَلَدِ
ولغة الأكثرين: ارمين وابكين، ولتغنين بإثبات الياء مفتوحة (١١)، قوله: "ذا إنائك": مفعول لقوله: لتغني، قوله: "أجمعًا" تأكيد للمفعول، فأكد به وإن لم يسبقه كل (١٢).
стр. 314
الاستشهاد فيه:
في قوله: "قدني" بإلحاق النون (١)، وأنشده الزمخشري استشتهادًا على أنه أضاف الإناء إلى الخاطب في قوله: "ذا إنائك" لأدنى ملابسة بسبب شربه منه، وإن كان الإناء في الحقيقة لساقي اللبن وهو المضيف، وذلك كما يقول كلُّ من حامِلِي الخشبةَ للآخر: خذ طرفك (٢).
الشاهد الثاني والسبعون (٣)، (٤)
قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَين قَدِي … ...................................
أقول: قائله هو حميد بن مالك الأرقط (٥)، قاله الجوهري (٦)، وقال ابن يعيش (٧): قائله أبو بجدلة، وتمامه (٨):
....................... … لَيْسَ الإِمَامُ بِالشَّحِيحِ الملحِدِ
ولا بِوتْنٍ بالْحِجَازِ مُفْرَدِ … إنْ يُرَ يَوْمًا بِالفَضَاءِ يُصْطَدِ
стр. 315
أو يَنْجَحِرْ فَالجُحْرُ شَرُّ مَحْكِدِ … ................................
وهو من الرجز.
قوله: "قدني" يعني: حَسْبِي، قوله: "من نصر الخبيبين" تثنية خُبَيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة أيضًا، وهو خبيب بن عبد اللَّه بن الزبير بن العوام - رضي اللَّه تعالى عنهم - وكان عبد اللَّه يكنى بأبي خبيب، وأراد بهما عبد اللَّه بن الزبير وأبنه خبيبًا المذكور، ويقال: أراد بهما عبد اللَّه وأخاه مصعب بن الزبير بن العوام، ويروى الخبيبيين على صيغة الجمع (١)، قال ابن السكيت: على إرادة عبد اللَّه ومن كان على رأيه، وكلاهما تغليب (٢)، ويحتمل على الجمع أن يريد مجرد أصحاب عبد اللَّه على أن الأصل: الخبيبين ثم حذف الياء كقولهم: الأشعرين، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨]، فإنه ليس جمعًا لأعجم؛ لأنه تلحقه الياء؛ لأنه أفعل فعلاء كأحمر وأسود (٣)، ورد ابن السيد في شرح الكامل رواية التثنية بأن حميدًا قال هذا الشعر عند حصار طارق، ومصعب مات قبل ذلك بسنين.
قوله: "قدي" بمعنى: حسبي أيضًا، قوله: "بالشحيح" أي: ليس الإمام بالبخيل " الملحد" أي: الجائر المائل عن الحق، ويقال: الملحد: الظالم في الحرم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ (٤) [الحج: ٢٥].
قوله: "وَلا بِوَتْن" بفتح الواو وسكون التاء المثناة من فوق وفي آخره نون؛ بمعنى واتن، يعني: ولا بدائم ثابت بأرض الحجاز مفرد، ويقال للماء المعين الدائم الذي لا يذهب: واتن، وكذلك واثن بالثاء المثلثة. قوله: "مَحْكِد" بفتح الميم وكسر الكاف؛ وهو المحتد وهو الأصل.
الإعراب:
قوله: "قدني" في محل الرفع على الابتداء، قوله: "من نصر الخبيبين" في محل رفع على
стр. 316
الخبرية، و (النصر) مصدر مضاف إلى مفعوله؛ لأن حميدًا يصف فيه لعبد الملك بن مروان تقاعده عن نصرة عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - ويجوز أن يكون النصر ها هنا بمعنى العطية؛ كقول بعض السؤال: من ينصرني نصره اللَّه، وخُرِّجَ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ (١) [الحج: ١٥]، وعلى هذا فالإضافة للفاعل، ويرجح الأول أنه لم يفرده بالذكر، وإنما يكون العطاء غالبًا من ولي الأمر.
قوله: "قدي" تأكيد للأول، قوله: "ليس الإمام" الإمام: اسم ليس، وخبره قوله: "بالشحيم" والباء فيه زائدة، قوله: "والملحد": صفة للشحيح.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "قَدْنِي" حيث ألحق فيه النون تشبيهًا له بِقَطْنِي. وفي قوله: "قدي" أيضًا؛ حيث أضيف قدي إلى ياء المتكلم بلا نون الوقاية تشبيهًا له بحسبي، وقال الجوهري: أما قولهم قَدْكَ بمعنى حَسْبُكَ فهو اسم، تقول: قدِي وقدْنِي أيضًا بالنون على غير قياس؛ لأن هذه إنما تزاد في الأفعال وقاية لها مثل: ضربني وشتمني.
ثم أنشد هذا البيت (٢)، وقد يقال: إن أصل "قدي" بغير النون: قَدْ بِسُكُون الدال، ثم ألحق ياء القافية لا ياء الإضافة وكسر الدال لالتقاء الساكنين لا لمناسبة الياء (٣).
стр. 317
الشاهد الثالث والسبعون (١) , (٢)
امْتَلأَ الْحَوْضُ وَقَال قَطْنِي … مَهْلًا رَوَيدًا قَدْ مَلْأَتَ بَطْني
أقول: قائله راجز من الرجاز لم أقف على اسمه [وهو من الرجز] (٣).
"وقال قطني" أي: قال الحوض حسبي، فالحوض لا يتكلم، وإنما يريد أنه قد امتلأ وبلغ نهاية الملء التي لا يزاد عليها، فكأنه قد تكلم بذلك، واعلم أن للقول خمسة معان:
أحدها: اللفظ الدال على معنى مفيد كان أو غير مفيد.
والثاني: ما في النفس. بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨].
والثالث: الحركة والإمالة. يقولون: قال برأسه أي: حركها، وقالت النخلة كذا؛ أي مالت.
والرابع: ما يشهد به لسان الحال؛ كهذا البيت، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
الخامس: الاعتقاد كقولك: هذا قول الخوارج (٤).
قوله: "مهلًا" يعني: أمهل مهلًا، تقول: مهلًا يا رجل، مهلًا يا رجلان، مهلًا يا رجال، مهلًا يا امرأة، مهلًا يا امرأتان، مهلًا يا نساء، ويروى: (سلا رويدًا) بفتح السين المهملة، ومعناه: ارفق بصب الماء لئلَّا يفيض، ويقال: أنه بالشين المعجمة، وهو مصدر شللت الإبل إذا طردتها.
قوله: "رويدًا" صفة لقوله مهلًا، وقد علم أن رويدًا على أربعة أوجه: اسم للفعل وصفة وحال ومصدر (٥).
الإعراب:
قوله: "امتلأ الحوض": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "قطني" مقول قال، قوله: "مهلًا" نُصِبَ على المصدرية، و"رويدًا" صفته، وقوله: "قد ملأت" جملة من الفعل والفاعل، و"بطني" مفعوله.
стр. 318
الاستشهاد فيه (١):
في قوله: "قطني" حيث استعمله بنون الوقاية، وإنما جعلت النون ليسلم السكون الذي بني الاسم عليه، وهذه النون لا تدخل الأسماء، وإنما تدخل الفعل الماضي إذا دخلته ياء المتكلم كقولك: ضرَبَنِي وكَلَّمَني لتسلم الفتحة التي بني عليها الفعل (٢)، ولتكن وقاية للفعل من الجر، وإنما أدخلوها في الأسماء مخصوصة نحو: قدني وقطني وعني ومني ولدُني، ولا يقاس عليها ولو كانت النون من أصل الكلمة لقالوا: قطنك. وهذا غير معلوم، وفيه استشهاد آخر وهو نِشْبة القول إلى ما لا نطق له؛ لأن الحوض لا ينْطق، فافهم (٣).
الشاهد الرابع والسبعون (٤) , (٥)
يُمَلُّ النَّدَامَى مَا عَدَاني فَإنَّنِي … بِكُلِّ الَّذِي يَهْوَى نَدِيِمي مُوْلَعُ
أقول: احتج به جماعة من النحاة في كتبهم، ولم يعزوه إلى أحد، وهو من الطويل.
قوله: "الندامى": جمع ندمان، وهو شريب الرجل (٦) الذي ينادمُه، ويقال له النديم أيضًا.
قوله: "يهوى" أي: يُريد مِن: هَويَ يَهْوَى، من باب علم يَعْلَم، قوله: "مولَع بفتح اللام، من أولع به، وثلاثيه: ولع، يقال: ولعت بالشيء أولع ولعًا ووَلوعًا بفتح الواو في المصدر والاسم جميعًا، وأولعته بالشيء وأولع به فهو مولَع به بفتح اللام، أي: مغرى به.
الإعراب:
قوله: "الندامى" فاعل يمل، قوله: "ما عداني" عدا ها هنا فعل للاستثناء، وكلمة "ما" مصدرية. وفاعل "عدا" ضمير مستتر واجب الاستتار عائد على مصدر الفعل المتقدم عليها،
стр. 319
والتقدير: يمل الندامى مللًا ما عداني، يعني: مجاوزًا إلى غيري.
والمعنى في الحقيقة: جانبت أنا مللهم، قوله: "فإنني" الفاء تفسيريةٌ، واسمُ إن الضمير المتصل به، وخبره قوله: "مولع"، والتقدير: فإنني مولعٌ بكل الذي يهوى نديمي، والباء تتعلق بمولع.
قوله: "نديمي": كلام إضافي فاعل يهوى، ومفعوله محذوف تقديره: الذي يهواه.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "ما عداني" حيث أدخل نون الوقاية فيه على تقدير كونه فعلًا نحو: دعاني، ويكرمني، وأعطي.
الشاهد الخامس والسبعون (١) , (٢)
فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ … ولجْتُ وكنتُ أوّلَهُمْ ولُوُجَا
أقول: قائله هو ورقة بن نوفل بن عبد العزى بن قصي القرشي بن عم خديجة - رضي اللَّه تعالى عنها - وهو الذي أخبر خديجة -[رضي الله تعالى عنها] (٣) - أن رسول الله ﷺ نبيُّ هذه الأمة لما أخبرته بما رأى النبي ﷺ لما أوحي إليه، وخبره معه مشهور (٤).
وهو من قصيدة جيمية، قالها ورقة بن نوفل لما ذكرت له خديجة عن غلامها ميسرة (٥) ما رأى من رسول اللَّه ﷺ في سفره، وما قاله بحيرى الراهبُ (٦) في شأنه (٧)، وأوّلُها هو قوله (٨):
١ - لجَجْتُ وكنتُ في الذكرى لجُوجَا … لِهَمٍّ طَالمَا بَعَثَ النَّشِيجَا
стр. 320
٢ - ووصفٍ من خديجةَ بَعْدَ وصْفٍ … فَقَدْ طَال انْتِظَاري يا خديجَا
٣ - ببَطْنِ المكَّتَيِن على رَجَائِي … حديثَك أَنْ أَرَى منه خرُوجَا
٤ - بمَا خَبّرْتِنَا من قول قُسّ … مِنَ الرُّهْبانِ أَكْرهُ أَنْ يَعُوجَا
٥ - بأن محمدًا سَيَسُودُ قومًا … ويخصِمُ مَنْ يكونُ له حَجِيجَا
٦ - ويظهرُ في البلاد ضياءَ نورٍ … يُقيمُ به البَرِيَّةَ أنْ تَمُوجَا
٧ - فيلقى مَنْ يحاربُه خروجًا … ويَلْقَى مَنْ يسالمُه فُلُوجَا
٨ - فَيَا لَيْتي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ … ولَجْتُ وكنتُ أوّلَهُمْ وُلُوُجَا (١)
٩ - ولوجًا في الذي كَرِهَتْ قريشٌ … ولَوْ عَجّتْ بمكتِها عَجِيجَا
١٠ - أَرَجّى بالذي كَرِهُوا جميعًا … إلى ذي العرش إنْ سَفلُوا عُرُوجَا
١١ - فإنْ يبقُوا وَأَبْقَ تكنْ أمورًا … يَضُجُّ الكافرونَ لهَا ضَجِيجَا
١٢ - وإن أَهْلَك فكلُّ فتَى سيلقى … مِن الأَقدَارِ متلفه خُرُوجَا
وهي من الوافر.
١ - قوله: "لججت" من باب علم يعلم تقول: لجّ يلجُّ لجاجًا ولجاجةً فهو لجوج: إذا كان متماديًا في الخصومة، و "الذكرى" مصدر، قوله: "النشيجا" بفتح النون؛ مصدر نشج الباكي ينشج نشيجًا ونشجًا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتِحَابِ.
٢ - قوله: "يا خديجا" أصله: يا خديجة.
٣ - والباء في "ببطن" يتعلق بانتظاري، وسمي كلًّا من جانبي مكة أو كلًّا من أعلامها وأسفلها مكة؛ فلذلك ثناها ونطيره قولهم: صدنا بقنوين، وإنما هو قنا: اسم جبل، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ (٢) [الكهف: ٣٢]، بدليل: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ (٣) [الكهف: ٣٥] قوله: "على رجائي" حال من انتظاري، و "حديثك" مفعوله، و "منه" يتعلق بـ"خروجًا".
٦ - قوله: "ضياء نور"، قال السهيلي: الضياء والنور غيران، فإن النور هو الأصل والضياء