← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الخبرية، و (النصر) مصدر مضاف إلى مفعوله؛ لأن حميدًا يصف فيه لعبد الملك بن مروان تقاعده عن نصرة عبد اللَّه بن الزبير - رضي اللَّه تعالى عنهما - ويجوز أن يكون النصر ها هنا بمعنى العطية؛ كقول بعض السؤال: من ينصرني نصره اللَّه، وخُرِّجَ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ (١) [الحج: ١٥]، وعلى هذا فالإضافة للفاعل، ويرجح الأول أنه لم يفرده بالذكر، وإنما يكون العطاء غالبًا من ولي الأمر. قوله: "قدي" تأكيد للأول، قوله: "ليس الإمام" الإمام: اسم ليس، وخبره قوله: "بالشحيم" والباء فيه زائدة، قوله: "والملحد": صفة للشحيح. الاستشهاد فيه: في قوله: "قَدْنِي" حيث ألحق فيه النون تشبيهًا له بِقَطْنِي. وفي قوله: "قدي" أيضًا؛ حيث أضيف قدي إلى ياء المتكلم بلا نون الوقاية تشبيهًا له بحسبي، وقال الجوهري: أما قولهم قَدْكَ بمعنى حَسْبُكَ فهو اسم، تقول: قدِي وقدْنِي أيضًا بالنون على غير قياس؛ لأن هذه إنما تزاد في الأفعال وقاية لها مثل: ضربني وشتمني. ثم أنشد هذا البيت (٢)، وقد يقال: إن أصل "قدي" بغير النون: قَدْ بِسُكُون الدال، ثم ألحق ياء القافية لا ياء الإضافة وكسر الدال لالتقاء الساكنين لا لمناسبة الياء (٣).

стр. 317

الشاهد الثالث والسبعون (١) , (٢) امْتَلأَ الْحَوْضُ وَقَال قَطْنِي … مَهْلًا رَوَيدًا قَدْ مَلْأَتَ بَطْني أقول: قائله راجز من الرجاز لم أقف على اسمه [وهو من الرجز] (٣). "وقال قطني" أي: قال الحوض حسبي، فالحوض لا يتكلم، وإنما يريد أنه قد امتلأ وبلغ نهاية الملء التي لا يزاد عليها، فكأنه قد تكلم بذلك، واعلم أن للقول خمسة معان: أحدها: اللفظ الدال على معنى مفيد كان أو غير مفيد. والثاني: ما في النفس. بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]. والثالث: الحركة والإمالة. يقولون: قال برأسه أي: حركها، وقالت النخلة كذا؛ أي مالت. والرابع: ما يشهد به لسان الحال؛ كهذا البيت، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. الخامس: الاعتقاد كقولك: هذا قول الخوارج (٤). قوله: "مهلًا" يعني: أمهل مهلًا، تقول: مهلًا يا رجل، مهلًا يا رجلان، مهلًا يا رجال، مهلًا يا امرأة، مهلًا يا امرأتان، مهلًا يا نساء، ويروى: (سلا رويدًا) بفتح السين المهملة، ومعناه: ارفق بصب الماء لئلَّا يفيض، ويقال: أنه بالشين المعجمة، وهو مصدر شللت الإبل إذا طردتها. قوله: "رويدًا" صفة لقوله مهلًا، وقد علم أن رويدًا على أربعة أوجه: اسم للفعل وصفة وحال ومصدر (٥). الإعراب: قوله: "امتلأ الحوض": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "قطني" مقول قال، قوله: "مهلًا" نُصِبَ على المصدرية، و"رويدًا" صفته، وقوله: "قد ملأت" جملة من الفعل والفاعل، و"بطني" مفعوله.

стр. 318

الاستشهاد فيه (١): في قوله: "قطني" حيث استعمله بنون الوقاية، وإنما جعلت النون ليسلم السكون الذي بني الاسم عليه، وهذه النون لا تدخل الأسماء، وإنما تدخل الفعل الماضي إذا دخلته ياء المتكلم كقولك: ضرَبَنِي وكَلَّمَني لتسلم الفتحة التي بني عليها الفعل (٢)، ولتكن وقاية للفعل من الجر، وإنما أدخلوها في الأسماء مخصوصة نحو: قدني وقطني وعني ومني ولدُني، ولا يقاس عليها ولو كانت النون من أصل الكلمة لقالوا: قطنك. وهذا غير معلوم، وفيه استشهاد آخر وهو نِشْبة القول إلى ما لا نطق له؛ لأن الحوض لا ينْطق، فافهم (٣). الشاهد الرابع والسبعون (٤) , (٥) يُمَلُّ النَّدَامَى مَا عَدَاني فَإنَّنِي … بِكُلِّ الَّذِي يَهْوَى نَدِيِمي مُوْلَعُ أقول: احتج به جماعة من النحاة في كتبهم، ولم يعزوه إلى أحد، وهو من الطويل. قوله: "الندامى": جمع ندمان، وهو شريب الرجل (٦) الذي ينادمُه، ويقال له النديم أيضًا. قوله: "يهوى" أي: يُريد مِن: هَويَ يَهْوَى، من باب علم يَعْلَم، قوله: "مولَع بفتح اللام، من أولع به، وثلاثيه: ولع، يقال: ولعت بالشيء أولع ولعًا ووَلوعًا بفتح الواو في المصدر والاسم جميعًا، وأولعته بالشيء وأولع به فهو مولَع به بفتح اللام، أي: مغرى به. الإعراب: قوله: "الندامى" فاعل يمل، قوله: "ما عداني" عدا ها هنا فعل للاستثناء، وكلمة "ما" مصدرية. وفاعل "عدا" ضمير مستتر واجب الاستتار عائد على مصدر الفعل المتقدم عليها،

стр. 319

والتقدير: يمل الندامى مللًا ما عداني، يعني: مجاوزًا إلى غيري. والمعنى في الحقيقة: جانبت أنا مللهم، قوله: "فإنني" الفاء تفسيريةٌ، واسمُ إن الضمير المتصل به، وخبره قوله: "مولع"، والتقدير: فإنني مولعٌ بكل الذي يهوى نديمي، والباء تتعلق بمولع. قوله: "نديمي": كلام إضافي فاعل يهوى، ومفعوله محذوف تقديره: الذي يهواه. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما عداني" حيث أدخل نون الوقاية فيه على تقدير كونه فعلًا نحو: دعاني، ويكرمني، وأعطي. الشاهد الخامس والسبعون (١) , (٢) فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ … ولجْتُ وكنتُ أوّلَهُمْ ولُوُجَا أقول: قائله هو ورقة بن نوفل بن عبد العزى بن قصي القرشي بن عم خديجة - رضي اللَّه تعالى عنها - وهو الذي أخبر خديجة -[رضي الله تعالى عنها] (٣) - أن رسول الله ﷺ نبيُّ هذه الأمة لما أخبرته بما رأى النبي ﷺ لما أوحي إليه، وخبره معه مشهور (٤). وهو من قصيدة جيمية، قالها ورقة بن نوفل لما ذكرت له خديجة عن غلامها ميسرة (٥) ما رأى من رسول اللَّه ﷺ في سفره، وما قاله بحيرى الراهبُ (٦) في شأنه (٧)، وأوّلُها هو قوله (٨): ١ - لجَجْتُ وكنتُ في الذكرى لجُوجَا … لِهَمٍّ طَالمَا بَعَثَ النَّشِيجَا

стр. 320

٢ - ووصفٍ من خديجةَ بَعْدَ وصْفٍ … فَقَدْ طَال انْتِظَاري يا خديجَا ٣ - ببَطْنِ المكَّتَيِن على رَجَائِي … حديثَك أَنْ أَرَى منه خرُوجَا ٤ - بمَا خَبّرْتِنَا من قول قُسّ … مِنَ الرُّهْبانِ أَكْرهُ أَنْ يَعُوجَا ٥ - بأن محمدًا سَيَسُودُ قومًا … ويخصِمُ مَنْ يكونُ له حَجِيجَا ٦ - ويظهرُ في البلاد ضياءَ نورٍ … يُقيمُ به البَرِيَّةَ أنْ تَمُوجَا ٧ - فيلقى مَنْ يحاربُه خروجًا … ويَلْقَى مَنْ يسالمُه فُلُوجَا ٨ - فَيَا لَيْتي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ … ولَجْتُ وكنتُ أوّلَهُمْ وُلُوُجَا (١) ٩ - ولوجًا في الذي كَرِهَتْ قريشٌ … ولَوْ عَجّتْ بمكتِها عَجِيجَا ١٠ - أَرَجّى بالذي كَرِهُوا جميعًا … إلى ذي العرش إنْ سَفلُوا عُرُوجَا ١١ - فإنْ يبقُوا وَأَبْقَ تكنْ أمورًا … يَضُجُّ الكافرونَ لهَا ضَجِيجَا ١٢ - وإن أَهْلَك فكلُّ فتَى سيلقى … مِن الأَقدَارِ متلفه خُرُوجَا وهي من الوافر. ١ - قوله: "لججت" من باب علم يعلم تقول: لجّ يلجُّ لجاجًا ولجاجةً فهو لجوج: إذا كان متماديًا في الخصومة، و "الذكرى" مصدر، قوله: "النشيجا" بفتح النون؛ مصدر نشج الباكي ينشج نشيجًا ونشجًا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتِحَابِ. ٢ - قوله: "يا خديجا" أصله: يا خديجة. ٣ - والباء في "ببطن" يتعلق بانتظاري، وسمي كلًّا من جانبي مكة أو كلًّا من أعلامها وأسفلها مكة؛ فلذلك ثناها ونطيره قولهم: صدنا بقنوين، وإنما هو قنا: اسم جبل، وهو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ (٢) [الكهف: ٣٢]، بدليل: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ (٣) [الكهف: ٣٥] قوله: "على رجائي" حال من انتظاري، و "حديثك" مفعوله، و "منه" يتعلق بـ"خروجًا". ٦ - قوله: "ضياء نور"، قال السهيلي: الضياء والنور غيران، فإن النور هو الأصل والضياء

стр. 321

منتشر عنه، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فعلق الإذهاب بالنور لينتفي الضياء بانتفائه بخلاف العكس، وفي أسمائه تعالى: النور لا الضياء (١). ٧ - قوله: "فلوجًا" بالضم. والفلوج على الخصم: الظفر به. ٨ - قوله: "ولجت" ويروى: شهدت، ويروى: دعيت، قوله: "ولوجًا" أي دخولًا في الذي كرهت قريش، وأراد به: الدخول في الإسلام، فإن قريشًا كانوا كرهوا ذلك، قوله: "أولهم ولوجًا" أي: أول قريش، أو أول الناس دخولًا، أي: في الإسلام، وبهذا حكم الجمهور بإسلام ورقة - رضي اللَّه تعالى عنه - (٢). ٩ - قوله: "عجت" من العجِّ. وهو رفع الصوتِ، قوله: "بمكتها" الضمير يرجع إلى قريش، وإنما نكر مكة باعتقاد الشياع (٣) فيها. ١٠ - قوله: "عروجًا" مفعول لقوله: أُرَجّي. الإعراب: قوله: "فيا ليتي" كلمة "يا" إما حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: فيا قومي ليتي، وإما لمجرد التنبيه؛ لأنها دخلت على ما لا يصح للنداء (٤). قوله: "إذا" للظرف وفيه معنى الشرط، و "ما" زائدة، و "كان" تامة بمعنى: وُجِدَ، قوله: "ذاكم" فاعله، وهو إشارة إلى ما ذكر من سيادة محمد ﷺ ومخاصمته مع المحاجين وظهور نوره في البلاد، ولقاء من يحاربه الخروج ومن يسالمه الولوج. قوله: "ولجت" جملة من الفعل والفاعل وقعت جواب الشرط، قوله: "وكنت" عطف على قوله: "ولجت" والضمير المتصل به اسمه، و "أوّلهم" كلام إضافي خبره، وقوله: "ولوجًا" نصب على التمييز.

стр. 322

الاستشهاد فيه: في قوله: "فيا ليتي" حيث جاء بدون نون الوقاية، وهذا لأجل الضرورة عند سيبويه، فإن نون الوقاية ها هنا واجبة كالفعل واسم الفعل نحو: دعاني وداركني ونحوهما (١). الشاهد السادس والسبعون (٢) , (٣) أَرِيني جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لعَلّنِي … أرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلّدَا أقول: قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قال (٤) جماعة من النحاة، منهم الشيخ أثير الدين (٥)، وذُكِرَ في الحماستين البصرية وأبي تمام أن قائله هو حطائِط بن يعفر أخو الأسود النهشلي، قال أبو تمام: قال حطائِط بن يعفر (٦): ١ - تقول ابنةُ العَبَّاب رُهْمُ حَربْتَنَا … حَطَائطُ لُمْ تتْرُكْ لنفسِك مَقْعَدًا ٢ - إذا ما أفَدْنَا صِرْمةً بعد هجمة … تكونُ عليها كابْنِ أمِّك أسْوَدَا ٣ - فقلتُ ولم أَعْيَ الجوابَ تثبتي … أكان الهُزَال حتف زيدٍ وأرْبَدَا ٤ - ذَرِيني أكنْ للمالِ ربًّا ولم يكنْ … لي المالُ ربًّا تحمدي غيّه غدا ٥ - أريِني جَوَادًا مات هزلًا لعلني … أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا والذي قاله الجماعة هو الأصح، فلعل حطائط بن يعفر أدخل هذا البيتَ في شعره عمدًا أو يكون هذا من تَوَارُد الخواطر، وهو من قصيدة قالها حاتم الطائي، وأولها هو قوله (٧):

стр. 323

١ - وَعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلٍ تَلُومُنِي … وقد غاب عَيُّوقُ الثُّرَيَّا فعَرَّدا ٢ - تلومُ على إعطائِي المال ضِلَّةً … إذا ضنَّ بالمال البخيلُ وَصرَّدا ٣ - تقول ألا أَمْسِكْ عليك فإنني … أرى المال عند المُمْسِكينَ مُعَبَّدَا ٤ - ذريني وحَالِي إنَّ مالك وَافِرٌ … وكلُّ امريُ جارٍ على ما تعوّدا (١) ٥ - ذريني يكنْ مالي لِعِرْضِي جُنّةً … يقي المالُ عِرْضِي قبل أنْ يَتَبدّدا ٦ - أَرِينِي جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لعَلّنِي … أرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلّدَا ٧ - وإلا فَكُفِّي بعضَ لومِكِ واجعلي … إلى رَأْيِ مَنْ تَلْحَيْنَ رَأيكِ مُسْنَدَا ٨ - أَلَمْ تعلمي أني إذا الضيفُ نَابَنِي … وعزَّ القِرَى أَقْرِي السَّدِيفَ المُسَرْهَدَا ٩ - وإني لأعراضِ العشيرةِ حافظٌ … وحقَّهم حتى أكونَ مُسَوًدا ١٠ - يقولونُ لي أهلكتَ مالك فاقْتَصِدْ … وما كنتُ لولا ما يقولُونَ مُفْسِدَا ١١ - سأَدْخَرُ من مالي دِلاصًا وَسَابِحًا … وأَسْمَرَ خَطَيًّا وعَضْبًا مُهَنَّدا ١٢ - وَذَلِكَ يكْفِيني مِن المالِ كله … مَصُونًا إذا ما كان عندي مُتْلَدا وكلتا القصيدتين من الطويل. [شرح قصيدة حطائط]: ١ - قوله: "ابنة العباب" وهي امرأة من بني عجل، من بطن منهم يقال لهم: العبّاب، قال أبو رياش (٢): ليس في العرب عباب غيره، وكانت ابنةُ العباب هذه امرأة حطائط، قوله: "رهم" بدل من ابنة العباب، و "حطائط" منادى مفرد، قوله: "لم تترك لنفسك مقعدًا" أي لم تبق لك ما يمكنك الإقامة والقعود فيه. ٢ - قوله: "صرمة بعد هجمة" الصرمة بكسر الصاد وسكون الراء المهملتين؛ القطعة من الإبل نحو الثلاثين، والهجمة بفتح الهاء وسكون الجيم، قال أبو عبيد: هي من الإبل، أولها الأربعون إلى ما زاد (٣)، قوله: "تكون عليها كابن أمك أسودا" أي: تعود عليها سالكًا طريق أخيك الأسود بن يعفر (٤).

стр. 324

٣ - قوله: "حتف زيد"، ويروى: حتف نهد، وقيل: إن نهدًا وأربد كانا أخوين لحطائط (١). [شرح قصيدة حاتم الطائي]: ١ - قوله: "وعاذلة" أي: ورب عاذلة (٢) قامت من الليل تلومني، قوله: "وقد غاب" الواو للحال، قوله: "فعردا" (٣) من عرّد القوم تعريدًا إذا فروا، وعرد النبت إذا طلع وارتفع. ٢ - قوله: "وصرَّد" من التصريد، قال الجوهري: التَّصْريدُ في السَّقْي دون الرِيِّ، والتَّصْريدُ في العَطاءِ: تقلِيلُه، وشرابٌ مُصَرَّدٌ؛ أي مُقَلَّلٌ، وكذلك الذي يُسْقَى قَلِيلًا، أو يُعْطَى قَلِيلًا (٤). ٣ - قوله: "معبد" بفتح الباء الموحدة المشددة، وأصله من العبودية، أراد أن الممسك يجعل نفسه كالعبد للمال. ٨ - قوله: "السديف"، بفتح السين المهملة وكسر الدال وفي آخره فاء؛ وهو السنام والمسرهد: السمين. يقال: سنام مسرهد؛ أي سمين، وربما قيل للسنام (٥): سرهد بدون الميم. ١١ - قوله: "دلاصًا" بكسر الدال [المهملة] (٦) يقال: درع دلاص وأدرع دلاص، الواحد والجمع على لفظ واحد. قال الجوهري: الدلاص: الليِّنُ البَرّاق (٧)، و "السائح": بالحاء المهملة؛ وهو الفرس الذي يجري كالماء، من ساح الماء إذا جرى، "والأسمر": الرمح، و "الخَطَّيّ" بفتح الخاء المعجمة؛ نسبة إلى خط، موضع باليمامة، وهو خط هجر تنسب إليه الرماح الخطية؛ لأنها تحمل من بلاد الهند فتقوم به (٨)، و "العضب" السيف القاطع، وأصله من عضبه إذا قطعه، و"الهند": السيف المطبوع من حديد الهند. ١٢ - و"المُتْلد" بضم الميم وسكون التاء المثناة من فوق وفتح اللام، من: أتلد الرجل إذا أخذ (٩) مالًا، ومال متلد، قوله: "جوادًا" أي كريمًا، من جاد بما له يجود جودًا فهو جوّاد. الإعراب: قوله: "أريني": خطابٌ من حاتم لتلك المرأة التي عذلته على إنفاقه ماله على ما قال في أول القصيدة، و "عاذلة هبت بليل تلومني" ويحتمل أن تكون امرأته أو ابنته أو غيرهما، و "أرى" يقتضي مفعولين، الأول: الضمير المتصل به، والثاني: قوله: "جوادًا".

стр. 325

قوله: "مات هزلًا" جملة وقعت صفة لـ "جوادا"، و "هزلًا" نصب على التمييز بفتح الهاء من هزل الرجل هزلًا إذا افتقر. قوله: "لعلني" اسم لعل هو الضمير المتصل به، وخبره قوله: "أرى ما ترين"، و "ما" موصولة، و "ترين" صلتها، والموصول مع صلته في محل النصب على أنها مفعول أرى، وهو في الموضعين من رؤية البصر؛ فلذلك اقتصر على مفعول واحد، ومفعول ترى (١) محذوف، وهو العائد إلى الموصول تقديره: ما ترينه. قوله: "أو بخيلًا" عطف على قوله: "جوادًا" أي: أريني بخيلًا مخلدًا في الدنيا بسبب إمساكه ماله، والحاصل أن إنفاق المال لا يميت الكريم هزلًا ولا إمساكه يخلد البخيل في الدنيا. الاستشهاد فيه: في قوله: "لعلني" حيث جاءت فيه عند الإضافة إلى ياء المتكلم نون الوقاية، والأكثر فيه ترك النون كما في قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] (٢). الشاهد السابع والسبعون (٣)، (٤) وَإِنِّي عَلَى لَيْلَى لزارٍ وإنَّنِي … عَلَى ذَاكَ فِيمَا بَيْنَنَا مُسْتَدِيمُهَا أقول: قائله هو المجنون، واسمه قيس بن معاذ، وقيل: مهدي، والصحيح: قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدي بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومن الدليل على أن اسمه قيس، قول ليلى صاحبته (٥): أَلا ليتَ شِعْرِي والخُطُوبُ كَثيِرَةٌ … مَتَى رَحْلُ قَيْسٍ مُسْتَقِلّ فَرَاجِعُ وعن أبي سعيد السكري قال: حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني (٦) قال: قال: المجنون

стр. 326

المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ من بني عامر ثم من بني عقيل [أحد بني نمير بن عامر بن عقيل] (١)، قال: ومنهم رجل آخر يقال له المهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وعن الكلبي (٢)؛ أنه قيس بن الملوح، وعن الأصمعي: قال سألت أعرابيًّا من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامري، فقال: عن أبيهم تسألني؟ فقد كان فينا جماعة رموا بالجنون فعن أيّهم تسأل؟ فقلت: عن الذي كان يشبب بليلى، فقال: كلهم كان يشيب بليلى، قلت: فأنَشَدني لبعضهم، فأنَشَدَني لمزاحم بن الحرث المجنون (٣): ١ - أَلا أَيُّها الْقَلْبُ الَّذِي لجّ هائمًا … بِلَيْلَى ولِيدًا لَمْ تُقَطَّعْ تَمَائِمُهْ ٢ - أفق قد أفاق العاشقون وقد أنى … لك اليوم أن تَلقَى طَبِيبًا تُلائِمُهْ قلت: فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليب المجنون (٤): ١ - ألا طالمَا لاعَبْتُ لَيلَى وقَادَنِي … إلَى اللَّهْو قَلْبٌ للحِسَانِ تَبُوعُ ٢ - وطال امْتِرَاءُ الشَّوْقِ عَنِّي كُلَّمَا … نَزَفْتُ دُمُوعًا تَستَجِدُّ دُمُوعُ قلت: فأنْشِدْني لغير هذين ممن ذكرت فأنشدني لمهدي بن الملوح (٥): ١ - لَوَ أَنَّ لَكَ الدُّنْيَا وَمَا عُدِلَتْ بِهِ … سِوَاهَا وَلَيْلَى بَائِنٌ عَنْكَ بَيْنهَا ٢ - لَكُنْتَ إِلَى لَيْلَى فَقِيرًا وإنمَا … يَقُودُ إليها وُدَّ نفسكَ حَيْنُهَا فقلت: فأنشدني لمن بقي من هؤلاء، فقال: حسبك فواللَّه إن في واحد من هؤلاء لمن يوزن بِعُقَلائِكُم اليوم، وعن العتبي عن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له في بني عامر أصل ولا نسب، قيل (٦): فمن قال هذه الأشعار؟ فقال: فتى من بني أمية.

стр. 327

قال الجاحظ (١): ما ترك الناس شعرًا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه للمجنون، ولا شعرًا هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس (٢) بن ذريح (٣)، وعن الأصمعي: أُلقي على المجنون من الشعر، وأضيف إليه أكثر مما قاله هو. والبيت المستشهد به من قصيدة من الطويل وأولها (٤): ١ - أَيَا جَبَلَيْ نَعْمَانَ باللَّه خَلِّيَا … طريق الصَّبَا يَخْلُصُ إليَّ نَسِيمُهَا ٢ - أَجِدْ بَرْدَهَا أَوْ تَشْفِ مِنِّي صَبَابَةٌ … عَلَى كَبِدٍ لم يَبْقَ إِلا صَمِيمُها ٣ - فإنَّ الصَّبَا رِيحٌ إِذَا مَا تَنَسَّمَتْ … عَلَى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُهَا ٤ - ألا إِنَّ أَدْوَائِي بلَيْلَى قَدِيمَةٌ … وأَقْتَلُ أدواءَ الرِّجَالِ قَدِيمُهَا ٥ - وإني على ليلى لزارٍ وإنني … على ذاك فيما بَيْنَنَا مُسْتَدِيمُهَا ١ - قوله: "نعمان" بفتح النون؛ واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات ويقال له: نعمان الأراك. ٥ - قوله: "لزار" أي: عاتب ساخط غير راضٍ، من زريت عليه بالفتح زرايةً وتزريت عليه إذا عتبت عليه، وقال أبو عمرو: الزاري على الإنسان: الذي لا يعده شيئًا وينكر عليه فعله، ومادته زاي معجمة وراء وياء آخر الحروف، قوله: "مستديمها" من استدمت الأمر إذا تأنيت به (٥)، والمعنى ها هنا: إني منتظر أن تعتبي بخير. الإعراب: قوله: "وإني" إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل يقتضي الاسم المنصوب والخبر المرفوع فالضمير المتصل به اسمه، وخبره قوله: "لزار"، واللام فيه للتأكيد، [وقوله: "على ليلى": متعلق بالخبر] (٦)، وقوله: "وإنني": عطف على إني، وهو أيضًا اسمه الضمير المتصل به، وخبره قوله: "مستديمها" والضمير فيه يرجع إلى ليلى، والمجرور في الموضعين يتعلق بمستديمها،

стр. 328

وكلمة "على" للتعليل؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١)، وذلك إشارة إلى الزرى، وهو العتاب الذي يدل عليه قوله: "لزار". الاستشهاد فيه: في قوله: "وإني"، وفي قوله: "وإنني" حيث جاء الأول بدون نون الوقاية والثاني بنون الوقاية، وكلاهما يجوز في باب إن وأن ولكن وكأن (٢). الشاهد الثامن والسبعون (٣) في فتيةٍ جَعَلُوا الصَّلِيبَ إلَهَهَم … حَاشَايَ إِنِّي مُسْلِمٌ مَعْذُور أقول: قائله هو الأقيشر، واسمه: المغبرة بن أسود [بن عبد اللَّه] (٤) بن معرض بن عمرو بن معرض بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، ويكنى أبا مُعرض، والأقيشر لقَبٌ لُقِّبَ به؛ لأنه أحمر الوجه أقشر، وعُمّرَ عمرًا طويلًا، وكان أقعد بني أسد نسبًا، ونشأ في أول الإسلام، وكان عثمانيًّا، والبيت من الكامل. قوله: "في فتية" جمع فتى، ويروى: "من معشر عبدوا الصليب سفاهة"، قوله: "معذور" بالعين المهملة والذال المعجمة، معناه: مختون، وهو مقطوع العذرة، وهي قُلْفة الذكر التي تقطع عند الاختتان، وقال أبو عبيد: يقال عذرت الجاريةَ والغُلامَ أَعْذُرُهما عذرًا: ختنتهما، وكذلك أعذرتهما، والأكثر: خفضت الجارية (٥). الإعراب: قوله: "في فتية" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو في فتية، أي بينهم، قوله: "جعلوا الصليب" جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت صفة لـ"فتية"، قوله: "إلههم "مفعول ثانٍ لجعلوا.

стр. 329

قوله: "حاشاي، استثناء بمعنى غيري، وضمير المتكلم فيه مجرور، وأما في قولهم: حاشاني فمنصوب، والحاصل أنك إذا قلت: قام القوم حاشاك أو حاشاه، يجوز كون الضمير فيه منصوبًا ويجوز كونه مجرورًا، وإذا (١) قلت: حاشاي بلا نون كما في البيت المذكور تعين الجر، وإذا قلت حاشاني بالنون تعين النصب (٢). وكذلك القول في "خلا وعدا وحاشا" حرف جر عند سيبويه؛ إذ لو كانت فعلًا لدخل عليها نون الوقاية مع ياء المتكلم كما في سائر الأفعال (٣). وقال الفراء: هي فعل حذف فاعله، وهو مشتق من الحشا، وهو الناحية، قال الشاعر (٤): ................................. … ولا أُحَاشِي مِنَ الأَقْوَامِ من أحدٍ فـ"أحاشي" مضارع حاشا، والتصرف من خصائص الفعل (٥). قوله: "إني مسلم" جملة اسمية مؤكدة بإن، وقعت كاشفة لمعنى الاستثناء. وقوله "مسلم": خبر إن، و"معذور" صفة أو خبر بعد خبر. الاستشهاد فيه: في قوله: "حاشاي" حيث لم تدخل فيه نون الوقاية (٦).

стр. 330

الشاهد التاسع والسبعون (١) , (٢) تَرَاهُ كَالثغَامِ يُعَلُّ مِسكًا … يَسُوءُ الفَالِيَاتِ إذَا فَلَيْني أقول: قائله هو عمرو بن معدي كرب بن عبد الله بن خصم [بن عمرو] (٣) بن زبيد الأصغر، وهو [أي زبيد الأصغر اسمه] (٤) ابن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن منبه بن زبيد الأكبر بن الحرث بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المذحجي، أبو ثور، وذكر نسبه أبو عمرو، وقال الكلبي: عصم موضع خصم قدم على رسول اللَّه ﷺ في وفد مراد؛ لأنه قد كان فارق قومه سعد العشيرة، ونزل في مراد ووفد معهم إلى رسول اللَّه ﷺ فأسلم معهم، وقيل: إنه قدم في وفد زبيد، واللَّه أعلم. وأنه أسلم (٥) سنة تسع، وشهد اليرموك في أيام أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - ثم سيره عمر - رضي الله تعالى عنه - إلى سعد بن أبي وقاص (٦) بالعراق وشهد القادسية (٧) وله فيها بلاء حسن، وقتل يوم القادسية، وقيل: بل مات عطشًا يومئذ، وقيل: بل مات سنة إحدى وعشرين بعد أن شهد وقعة نهاوند مع النُّعْمَانِ بنِ مُقَرن (٨) فمات بقرية من قرى نهاوند، يقال لها: رُودة. والبيت المذكور من الوافر. قوله: "كالثغام" بالثاء المثلثة والغين المعجمة؛ جمع ثغامة وهي شجرة بيضاء الثمر والزهر، يشبه الشيب بثمرها، قوله: "يعل" من العلل، وهو الشراب الثاني فكأنه يترك فيه المسك مرة بعد مرة، يقال: عللته بالشراب علًّا وعللًا: سقيته بعد نهل. قوله: "يسوء الفاليات" أي يحزنهن، و "الفاليات" بالفاء جمع فالية من فلي الشَّعْر: أَخْذ القمل وهو من باب فلي يفلي كعلم يعلم، قوله: "فليني": جمع الؤنث الغائب من الماضي من اللفظ المذكور.

стр. 331

الإعراب: قوله: "تراه" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، والضمير يرجع إلى شعر رأسه، قوله: "كالثغام" مفعول ثان لـ"تراه"؛ لأنه بمعنى تظنه أو تعلمه، والأصوب أن يكون كالثغام حالًا؛ لأن "تراه" من رؤية البصر، والمعنى: تبصره حال كونه مشبهًا بالثغام. قوله: "يعل" على صيغة المجهول، والضمير الذي فيه يرجع إلى الشعر وهو نائب عن الفاعل، قوله: "مسكًا" نَصْبٌ على أنه مفعول ثانٍ لـ "يعل"؛ لأنه من الإعلال لا من العل، والجملة محلها النصب [على الحال] (١)، قوله: "يسوء" يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يسوء، والفاليات مفعوله والظاهر أن الجملة قد سدت مسد جواب "إذا فليني"، و "إذا" ظرف فيه الشرط. و"فليني" جمع مؤنث من الماضي كما قلنا وأصله: فلينني بنونين، إحداهما: نون الجمع المؤنث، والأخرى: نون الوقاية للمتكلم، فحذف إحدى النونين وهي نون الوقاية والباقية هي نون الجمع، وإنما أسقط التي مع الياء؛ لأنها زائدة، ونظير هذا قراءة أهل المدينة لقوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ (٢) [الحجر: ٥٤]، وكذا قوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ (٣) [الأنعام: ٨٠]؛ وذلك لأنهم استثقلوا التضعيف (٤)، وعند سيبويه المحذوفة هي نون الإناث، والباقية نون الوقاية (٥)، واختاره ابن مالك (٦)، وذكر صاحب البسيط أنه لا خلاف أن المحذوفة نون الوقاية، قال وفليني جاء في الشعر فلا يقاس عليه.

стр. 332

الاستشهاد فيه: في قوله: "إذا فليني" حيث حذفت منه نون الوقاية كما ذكرناه. الشاهد الثمانون (١)، (٢) ......................... … أَلا بَجَلِي مِنَ الشَّرَابِ ألا بَجَل أقول: قائله هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، يكنى أبا عمرو، ويقال: اسمه عمرو، ولقبه طرفة بيت قاله، وقتل وهو ابن عشرين سنة، ولذلك قيل له: ابن العشرين، وهو شاعر مشهور جاهلي وصدر البيت: أَلا إِننِي سُقِيتُ أَسْوَدَ حَالِكًا … ................................ وهو من قصيدة لامية من الطويل، وأولها هو قوله (٣): ١ - لِخَوْلَةَ بِالْأَجْزَاعِ مِنْ إضَمٍ طَلَلْ … وبالسَّفْحِ مِنْ قَوَ مُقَامٌ ومُحْتَمَلْ ٢ - تَرَبَّعُهُ مِرْبَاعُهَا وَمَصِيفُهَا … مِيَاهٌ مِنَ الأَشْرَافِ يُرْمَى بِهَا الحَجَلْ ٣ - فَلَا زَال غَيثٌ مِنْ ربيع وَصَيِّفٍ … عَلَى دَارِهَا حَيْثُ اسْتقَلَّتْ لَهْ زَجَلْ ٤ - مَرَته الجَنُوبُ ثُمَّ هَبَّتْ لَهُ الصَّبَا … إذا مسَّ مِنْهَا مَسْكَنًا عُدْمُلٌ نَزَلْ ٥ - كَأَنَّ الخَلَايَا فِيه ضَلَّتْ رِبَاعُهَا … وَعُوذًا إِذَا مَا هَدَّهُ رَعْدُهُ احْتَفَلْ ٦ - لَهَا كَبِدٌ مَلْسَاءُ ذَاتُ أَسِرَّةٍ … وكَشْحَانِ لَمْ يَنْقُض طِوَاءهما الحَبَلْ ٧ - إذا قُلْتُ: هَلْ يَسْلُو اللُّبَانَةَ عَاشِقٌ … تَمُرُّ شؤون الْحُب مِنْ خَوْلَةَ الأُوَلْ ٨ - وَمَا زَادَك الشكْوَى إِلَى مُتَنَكرٍ … تَظَل بِهِ تَبْكِي وَلَيْسَ بِهِ مَظَلْ ٩ - مَتَى تَرَ يَوْمًا عَرْصَةً مِنْ دِيَارِها … وَلَوْ فَرْطَ حَوْلٍ تَسْجُمُ الْعَينُ أَوْ تُهَلْ ١٠ - فَقُلْ لخَيَالِ الحنْظَلِيَّةِ يَنْقَلِبْ … إِلَيهَا فإِنِّي وَاصِلٌ حَبْلَ مَنْ وَصَلْ ١١ - أَلَا إِنَّمَا أَبْكِي لِيَوْمِ لَقِيتُهُ … بِجُرْثُمَ قَاسٍ كُلُّ مَا بَعْدَهُ جَلَلْ

стр. 333

١٢ - إِذَا جَاءَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَمَرْحَبًا … بِهِ حِينَ يَأْتِي لَا كِذَابٌ وَلَا عِلَلْ ١٣ - أَلَا إِنَّنِي شَرِبْتُ أَسْوَدَ حَالِكًا … أَلَا بَجَلِي مِنَ الشَّرَابِ أَلَا بَجَلْ ١٤ - فَلَا أَعْرِفَنِّي إِنْ نَشَدْتُكَ ذِمَّتِي … كَدَاعِي هَدِيلٍ لا يُجَابُ وَلَا يَمَلْ ١ - قوله: "بالأجزاع" جمع جزع بكسر الجيم وسكون الزاي المعجمة، وهو منعطف الوادي، و "إضم" بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة؛ وهو واد لأشجع، و "جهينة والسفح" موضع و"قوّ" بفتح الواو؛ واد أو مكان. و "المقام" بضم الميم؛ بمعنى الإقامة، و "المحتمل": الارتحال. ٢ - قوله: "تربعه" أي تربعه خولة: تقيم فيه زمن الربيع، قوله: "مرباعها" مبتدأ، وخبره قوله: "مياه"، و"الأشراف" جمع شرف، وهو ما ارتفع من الأرض، وأراد به ها هنا: شرفًا وشريفًا وهما جبلان أحدهما لبني شريف. قوله: "يرمي بها الحجل" أي يتصيد بها الحجل، وهو (١) جمع حجلة، وهي القبج. ٣ - قوله: "وصيّف" بتشديد الياء، قوله: "زجل" بفتح الزاي المعجمة والجيم، أي له رعد وصوت. وأغزر ما يكون المطر مع الرعد. ٤ - قوله: "مرته الجنوب" أي مسحته واستدرته، وهو مستعار من مسح الضرع ليدر، و "العدمل" بضم العين المهملة؛ القديم، قوله: "نزل" أي حَلّ به، ويروى: بزل بالباء الموحدة، أي يشق للمطر يعني السحاب. ٥ - قوله: "كأن الخلايا" جمع خلية، وهي النوق يجمعن علي حوار، وقال الجوهري: الخَلِيّةُ: النَّاقَةُ تُعْطَفُ مع أخرى على ولدٍ واحدٍ فَتُدِرَّانِ (٢) عليه، وَيَتَحَلَّى أَهْلُ البَيْتِ بِوَاحِدَةٍ يحلِبُونَهَا (٣). قوله: "فيه" أي في السحاب، و"الرِّبَاعُ" بكسر الراء؛ جمع ربع وهو ما نتج من الربيع، قوله: "والعُوْذَ" بضم العين المهملة وسكون الواو وفي آخره ذال معجمة؛ وهي الحديثات النتاج، واحدها عائذ. يقول: كأن في هذه السحابة لكثرة رعده إبلًا عوذًا قد ضلت رباعها عنها فهي تحنُّ إليها. قوله: "هدّه" أي حرَّكَهُ وَزَلْزَلَهُ، وقوله: "احتفل" أي: كثر مطره، ويروى: "ضلت رباعَها" بالنصب، أي: فقدت رباعها بموت أو غيره. ٦ - قوله: "لها كبد" أي: لخولة، وأراد بالكبد بطنَها ووسطها، و "الأسرة" العكن،

стр. 334

و "الطرائق، والكشحان": ما انضمت عليه الأضلاع من الجنبين، ويقال: هما الخصران. قوله: "لم ينفض طواءهما" يعني: هي خمصاء البطن ليست بمفاضة، ومد "الطواء" للضرورة. ٧ - قوله: "يسلو اللبانة" أي: عن اللبانة، فلما أسقط الخافض تعدى الفعل، و "السلوان": تطيب النفس بترك الشيء، ومعنى "تمر" تشتد وتقوى، و "الشؤون" الأمور، واحدها شأن. ٨ - قوله: "وليس به مظل" بالظاء المعجمة، وهو على وزن مفعل، أي ليس ينبغي أن يظل به ويقام فيه. ٩ - و "العرصة" الساحة ليس فيها بناء. قوله: "تسجم العين" أي يسيل دمعها، ومعنى "تهل" يقطر دمعها. ١٠ - و "الحنظلية": من بني حنظلة بن مالك. ١١ - و "جرثم": موضع، و "القاسي": الشديد وهو صفة اليوم، و "الجلل" بفتح الجيم واللام؛ الصغير ها هنا، ويأتي بمعنى الكبير وهو من الأضداد. ١٢ - و"الكذاب" بالكسر بمعنى: الكذب، و "العلل": جمع علة. ١٣ - قوله: "أسود حالكًا" أراد به كأس المنية، وقيل: أراد شرابًا فاسدًا، وقال بعضهم: أراد السم، يقول: كأنني سقيت سمَّا فقتلني، وهذا مثل ضربه لفساد ما بينه وبينها. و "الحالك": الشديد السواد، قوله: "بجلي" أي: حسبي، وكلمة بجل على وجهين: حرف بمعنى نعم، واسم وهو على وجهين: اسم فعل بمعنى يكفي، واسم مرادف لحسب، ويقال على الأول: بجلني، وهو نادر، وعلى الثاني: بجلي، ومن هذا القبيل: ألا بجلي من الشراب (١). ١٤ - قوله: "إن نَشدتك ذمتي" أي: سألتك إياها وطلبتها منك، و "الهديل" بفتح الهاء؛ فرخ ضلُّ على عهد نوح ﵇ فالحمام تبكي عليه؛ كما زعمه بعض العرب، والهديل أيضًا: ذكر الحمام، قوله: "ولا يمل" أي: لا يمل الدعاء أبدًا. الإعراب: قوله: "ألا" ها هنا للتوبيخ والإنكار؛ كما في قوله (٢):

стр. 335

ألا ارْعِوَاءَ لِمنْ وَلَّت شَبِيبَتُهُ … ................................ و"بجلي" في تقدير الرفع بالابتداء، وخبره قوله: "من الشراب"؛ لأن معناه: حسبي من الشراب، وقوله: "ألا بجل" تأكيد في المعنى الأول، ومعنى بجل ها هنا نعم؛ لأنه حرف. الاستشهاد فيه: في قوله: "ألا بجل" حيث قال ذلك بترك النون؛ لأن النون فيه أكثر، وبالنون بجلني قليل. الشاهد الحادي والثمانون (١) , (٢) وَمَا أَدْرِي وَظَني كُلُّ ظَنٍّ … أمُسْلِمُنِي إِلَى قَوْمِي شَرَاحي أقول: قائله هو يزيد بن مُخَرْم الحارثي، قال أبو محمد: ذكر الفراء هذا البيت على هذا النمط ليجعله بابًا من النحو، والصواب: ١ - وغَابَ خَلائلي وبَقِيتُ فَرْدًا … أُمَاصِعُهُم وَنَهْضُك بالجنَاحِ ٢ - فما أدري وظني كل ظن … أَيُسْلِمُنِي بَنُو البَدْءِ اللَّقَاحِ ٣ - فيقتلني بنو خمر بذُهْلٍ … وَكِدْتُ أكونُ من قَتْلَى الرياح وهي من الوافر. ١ - قوله: "أماصعهم" أي: أقاتلهم، والصاد والعين فيه مهملتان. ٢ - قوله: "اللقاح" بفتح اللام وتخفيف القاف، يقال: حي لقاح: الذين لا يدينون للملوك ولم (٣) يصبهم في الجاهلية سِبَاء. ٣ - قوله: "بنو خمر" بفتح الخاء العجمة وسكون الميم وفي آخره راء؛ وهو (٤) وهو بطم من كندة.

стр. 336

الإعراب: قوله. "وما أدري": جملة من الفعل والفاعل دخلها حرف للنفي، وقوله: "أمسلمني إلى قومي شراحي "في محل النصب على المفعولية لقوله: وما أدري، والهمزة في "أمسلمني" للاستفهام، و "شراحي": فاعل لقوله: "مسلمني"، و "إلى قومي" يتعلق به، وشَرَاحِي أصله: شَرَاحِيلُ: اسم رجل لحقه الترخيم (١). قوله: "وظني" الواو تصلح أن تكون بمعنى مع، والتقدير: وما أدري مع ظني [كل ظن] (٢)، و "كل ظن" تأكيد: للأول ويقال: وظني كل ظن جملة معترضة، فيكون "وظني" مبتدأ، "وكل ظن" خبره. الاستشهاد فيه: في قوله: "أمسلمني" فإن النون فيه نون الوقاية، وقد تلحق نون الوقاية اسم الفاعل وأفعل التفضيل، وقد قيل: إن النون فيه هو التنوين لحقه شذوذًا، ونطير إثبات هذا إثبات نون التثنية والجمع مع الضمير في الضرورة، ولا يجوز إثبات النون ولا التنوين في اسم الفاعل مع الضمير إلا في الضرورة، وذهب هشام (٣) فأجاز: هذا ضاربُنْكَ، وهذا ضاربنْي، بإثبات التنوين مع الضمير مستدلُّا بالبيت المذكور (٤). الشاهد الثاني والثمانون (٥)، (٦) ولَيْس الموُافِيني ليُرْفَدَ خَائِبًا … فَإن له أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلا أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الطويل.

стр. 337

قوله: "وليس الموافيني" من الموافاة، يقال: وافيت فلانًا إذا أتيته، والمعنى: وليس الذي يوافيني؛ أي يأتيني، "ليرفد" أي ليعطي، من الرفد وهو العطاء [والصلة] (١)، والرفد بالفتح؛ المصدر، يقال: رفدته أرفده رفدًا إذا أعطيته، وكذلك إذا أتيته، والإرفاد: الإعطاء والمعاونة، والمرافدة: المعاونة، والترافد: التعاون، قوله: "خائبًا" من الخيبة. قوله: "أملا" بتشديد الميم؛ من التأميل وهو الرجاء، وضبطه (٢) بعضهم "آملًا" على صيغة اسم الفاعل، وله وجه على تقدير مساعدة القافية له. الإعراب: قوله: "وليس الموافيني" الموافي: اسم فاعل من وافى، والألف [واللام] (٣) فيه بمعنى الذي، والتقدير: وليس الذي يوافيني، والموصول مع صلته اسم ليس، وخبره (٤) قوله: "خائبًا". قوله: "ليرفد" بنصب الدال، وهو على صيغة المجهول يعني لأن يرفد، واللام للتعليل يعني لأجل الرفد، والمعنى: وليس الذي يوافيني؛ يعني يأتيني ويقصدني لأجل العطاء خائبًا، أراد: من يقصدني في خير لا يخيب، قوله: "فإن له" الفاء تصلح للتعليل و "أن" حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "أضعاف ما كان" اسمه، وقوله: "له" مقدمًا خبره، وقوله: "أضعاف" مضاف إلى قوله: "ما كان أملا"، وما موصولة، و "كان أملا" صلته، والعائد محذوف تقديره: ما كان آمله، والألف في "أملا" للإطلاق. الاستشهاد فيه: في قوله: "وليس الموافيني" فإن النون فيه نون الوقاية وليست نون التنوين؛ كما ذهب إليه بعضهم؛ إذ التنوين لا يجتمع مع الألف واللام. * * *

стр. 338

شواهد العلم الشاهد الثالث والثمانون (١) , (٢) نُبِّئْتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزِيدُ … ظُلْمًا عَلَينَا لَهُمْ فَدِيدُ أقول: قائله هو رؤبة بنُ العجاج. وهو من الرجز المسدس. قوله: "نبئت" على صيغة المجهول، بمعنى أخبرت، وأصله من النبأ وهو الخبر، ويقال: نَبأ تنبئة بمعنى: أعلم إعلامًا، وهو من الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل، والأصل في نَبَّأ أنه بمعنى أخبر، لكنه لما استلزم معنى الإعلام أُجري مجراه في تعديته إلى ثلاثة مفاعيل (٣). فإن قلتَ: لم قلت إنه يستلزم الإعلام؟ قلتُ: لأن الإخبار المستقيم لا يكون إلا عن علم أو ظن. قوله: "أخوالي": جمع خال، وهو أخو الأم، قوله: "بني يزيد" مركب إضافي، وأصله: بنين ليزيد؛ فلما أضيف حذفت النون واللام، ويزيد: علم شخص، وهو بفتح الياءآخر الحروف وكسر الزاي المعجمة، وكذا وقع في كتاب الزمخشري (٤). وقال ابن يعيش: صوابه بالتاء المثناة من

стр. 339

فوق، وهو اسم رجل وإليه تنسب الثياب التَّزيدية (١). وقال الرُّشَاطِي (٢): تزيد في الأنصار، وفي قضاعة، فالذي في الأنصار: تزيد بن جشم بن الخزرج منهم بنو سلمة، ولم أر هذه النسبة، أعني: التزيدية في الأنصار (٣)، والذي في قضاعة: تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة؛ إليهم تنسب الثياب التزيدية، وقال ابن الكلبي: كانت الترك أغارت على تزيد فأفنوهم بآمد، فقال في ذلك عمرو (٤) بن مالك التزيدي (٥): وليلتنا بآمْدٍ لم تَنَمْهَا … كَلَيلَتِنَا بِمَيَّا فَارِقِينَا ثم قال: اليزيدي بالياء آخر الحروف في قريش، وفي غيرها؛ فالذي في قريش: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب ابن أمية، وفي همدان: يزيد بن قَشم بن ربيعة بن مُرْهِبة، وفي حِمْيَرٍ: يزيد بن منصور الحميري. قوله: "ظلمًا" من ظلم يظلِم من باب ضرب يضرب، والظلم: وضع الشيء في غير محله، أو منعه عن محله، قوله: "فديد" بالفاء وهو الصياح، وقال ابن فارس: الفَدِيدُ: الصَّوْتُ والجلبَة (٦)، وفي الحديث: "إِن الجفاء وَالْقَسْوَةَ فيِ الْفَدَّادِينَ وَهِيَ أَصْواتُهُمْ فيِ حُرُوثِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ" (٧) ومعنى البيت: أُعلمت أن هذه الجماعة الذين هم أقوياء لهم جلبة وصياح من أجل ظلمهم علينا. الإعراب: قوله: "نُبِّئْتُ" التاء فيه: مفعول أول أقيم مقام فاعله، و "أخوالي": في محل النصب مفعول ثان، وقوله: "لهم فديد": جملة من المبتدأ والخبر في موضع مفرد منصوب على أنه مفعول ثالث، والتقدير: فَادِّين.

стр. 340

قوله: "بني يزيد" نصب على أنه بدل من أخوالي، ويحتمل أن يكون عطف بيان (١)، قوله: "ظلمًا" نصب على التعليل؛ أي لأجل الظلم، ويجوز أن يكون حالًا تقديره: ظالمين، ويجوز أن يكون حالا بتقدير جملة محذوفة، والتقدير: في حال كونهم يظلمون علينا ظلمًا؛ كما قيل في: مررت به وحده، والتقدير هنا: ينفرد وحده، فحذفت الجملة التي وقعت حالًا، وأقيم المصدر مقامها. ويجوز أن يكون مفعولًا ثالثًا لنبئت، ويكون ما بعده كالتفسير، ويجوز أن يكون نصبًا على التمييز؛ أي يصيحون ظلمًا لا عدلًا، وهذا أضعف الوجوه. قوله: "علينا" يتعلق بالأول، أي ظلمًا علينا، ويجوز أن يتعلق بالثاني، أي: لهم صياح علينا على تضمن الصياح معنى: الجور. الاستشهاد فيه: في قوله: "يزيد" فإنه بضم الدال؛ اسم علم منقول عن المُرَكّب الإسنادي، والدليل على ذلك ضمة الدال؛ إذ ضمتها تدل على كونها محكية، وكونها محكية يدل على أنها كانت جملة إسنادية في الأصل؛ إذ بغير الجملة الإسنادية لا تحكى. فإن قلتَ: كيف قلتَ إنه علم منقول عن المركب الإسنادي؟ وما حقيقة هذا الكلام؟ قلتُ: "يزيد" في الأصل فعل مضارع من يزيد [يعني] (٢) المال، وفيه ضمير مستتر هو فاعل له، فجملته جزآن فعل وفاعل وهما مركب إسنادي، فإذا سمي به رجل باعتبار كِلا الجزأين وجب أن يحكى به، فتقول: جاءني يزيدُ، ورأيت يزيدُ، ومررت بيزيدُ، بضم الدال في الأحول الثلاثة؛ لأنه جملة محكية بها، وأما إذا سمي به باعتبار الجزء الأول الذي هو الفعل فقط، وجب أن تقول: جاءني يزيدُ، ورأيت يزيدَ، ومررت بيزيدَ فتعربه كإعراب مفرد غير منصوب؛ لأنه ليس بجملة، بل هو مفرد لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل (٣).

стр. 341

الشاهد الرابع والثمانون (١) , (٢) أَنا ابْنُ مُزَيقِيا عَمْرٍو وَجَدِّي … أَبُوهُ مُنْذِر مَاء السَّمَاء أقول: قائله هو أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم، وهو قوقل بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة العنقاء بن عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول بن مازن بن الأزد الخزرجي الأنصاري أخو عُبَادة بن الصامت، شهد بدرًا، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وهو الذي ظاهر من امرأته ووطئها قبل أن يُكَفِّرَ، فأمره رسول الله ﷺ أن يُكَفِّرَ بخمسة عشر صاعًا من شعير على ستين مسكينًا (٣). وهو من بحر الوافر وفيه القطف والعصب. قوله: "مزيقيا" بضم الميم وفتح الزاي المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وكسر القاف وتخفيف الياء الأخرى، وهو لقب عمرو، وكان من ملوك اليمن، وكان يلبس كل يوم حلتين، فإذا أمسى مَزَّقَهُما؛ كراهة أن يَلْبِسَهُمَا ثَانِيًا وأن يَلْبِسَهُمَا غَيْرُهُ فلقب بذلك، ويقال: إنما قيل له مزيقيا؛ لأن أجل حائك كان باليمن يحوك له حلة لا يكملها إلا في عام، فإذا لبسها يوم زينته، أول لبسة مزقها كبرًا كي لا يلبسها غيره، وأبوه عامر هو الذي خرج من اليمن لما أحس بسيل العرم (٤)، وكان قومه إذا أجدبوا مانهم (٥) حتى يخصبوا، فلقب ماء السماء؛ لأنه يتوب عنه، وإنما قيل ثعلبة العنقاء لطول عنقه، حكاه ابن دريد (٦). الإعراب: قوله: "أنا": مبتدأ، وقوله: "ابن مزيقيا": خبره، وقوله: "عمرو" بالجر: بدل من مزيقيا، والأصل فيه: أنا ابن عمرو مزيقيا. قوله: "وجدي": مبتدأ، وأراد به أجداده (٧) من الأم،

стр. 342

"أبوه" كلام إضافي مبتدأ ثان، و"منذر": خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وقوله: "ماء السماء": كلام إضافي مرفوع؛ لأنه صفة منذر، وكان المنذر يلقب بذلك لحسن وجهه. الاستشهاد فيه: في قوله: "مزيقيا عمرو" حيث قدم اللقب على الاسم، والأصل أن يؤخر اللقب عن الاسم (١). الشاهد الخامس والثمانون (٢) , (٣) أقسم بالله أبو حفص عمر … ................................. أقول: قال ابن يعيش: إن قائله هو رؤبة بن العجاج (٤)، وهذا خطأ؛ لأن وفاة رؤبة في سنة خمس وأربعين ومائة، ولم يدرك عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ولا عده أحد من التابعين، وإنما قائله رجل أعرابي كان استحمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [رضي الله تعالى عنه] (٥)، وقال: إن ناقتي قد نَقِبَتْ (٦)، فقال له: كذبت، ولم يحمله، فقال: أَقْسَمَ بالله أبُو حَفْصٍ عُمَر … مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ ولَا دَبَر فَاغْفِرْ له اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فَجَرْ وهي من الرجز المسدس. قوله: "من نقب" بفتح النون والقاف، وهو رقة خف البعير، وقد نقب البعير ينقب، من باب علم يعلم فهو نَقب، بفتح النون وكسر القاف، قوله: "ولا دبر" بفتح الدال والباء الموحدة، من دبر البعير إذا حفي، يقال: أدبر الرجل إذا دبر بعيره، وأنقب إذا حفي خف بعيره، قوله: "إن كان فجر" أي: إن كان كذب ومال عن الصدق، وأصله الميل.

стр. 343

الإعراب: ظاهر. الاستشهاد فيه: في قوله: "أبو حفص عمر" حيث قدم الكنية على الاسم؛ لأنه لا ترتيب بين الكنى والأسماء (١) كما أنه قدم الاسم على الكنية في البيت الآتي: الشاهد السادس والثمانون (٢) , (٣) وما اهتَزَّ عَرْشُ الله مِنْ أَجْلِ هَالِكٍ … سَمِعْنَا بِهِ إلا لسَعْدِ بنِ أَبِي عَمْرِو أقول: قائله هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، واسمه تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأنصاري الخزرجي [ثم من بني مالك بن النجار] (٤) يكنى أبا الوليد، وقيل: أبا عبد الرحمن، وقيل: أبا الحسام؛ لمناضلته عن رسول الله ﷺ ولتقطيعه أكباد (٥) المشركين، ويقال له: شاعر رسول اللَّه ﷺ (٦). توفي قبل الأربعين في خلافة علي بن أبي طالب ﵁، وقيل: بل مات سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين، وهو ابن مائة وعشرين سنة لم يختلفوا في عمره، وأنه عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، وكذلك عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وأبو جده حرام، عاش كل منهم مائة وعشرين سنة، ولا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد، عاش كل منهم مائة وعشرين سنة غيرهم. والبيت المذكور من الطويل. قوله: "هالك" أي: ميت، وأصل الهلاك السقوط، يقال هَلَكَ الشيءُ يَهْلِكُ هَلاكًا وهُلُوكًا ومَهْلَكًا ومَهْلِكَا ومَهْلُكا وتَهْلُكَةً. والاسم الهلك بالضم، وقال اليزيدي (٧): الهلكة من نوادر

стр. 344

المصادر وليست مما يجري على القياس (١). قوله: "إلا لسعد" أراد به: سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحرث (٢) بن الخزرج بن النبيت، واسمه: عمرو بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي ثم الأشهرلي، يكنى بأبي عمرو، وشهد بدرًا، لم يختلف فيه وشهد أحُدًا والخندق. قال عبد الغني: استشهد سعد بن معاذ ﵁ زمن الخندق، وصح أن رسول الله ﷺ قال: "اهتز العرش لسعد بن معاذ" (٣) وكذلك (٤) قال حسان بن ثابت (٥): وما اهتز عرش الله … ............................ إلخ الإعراب: قوله: "وما اهتز" فعل ماض دخله حرف النفي، و "عرش الله" كلام إضافي، فاعله وكلمة "من" للتعليل، و "هالك" مجرور بالإضافة. قوله: "سمعنا به" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهو الجار والمجرور، وقعت صفة لهالك، ومحلها الجر، قوله: "لسعد" جار ومجرور يتعلق بقوله: "اهتز"، وقوله: "أبي عمرو" مجرور لكونه صفة لسعد. الاستشهاد فيه: حيث أخره (٦) وهو كنية عن الاسم، وهذا عكس ما في البيت السابق. الشاهد السابع والثمانون (٧) , (٨) أَبْلِغْ هُذَيْلًا وَأَبْلِغْ مَنْ يُبَلِّغهَا … عَنِّي حَدِيثًا وَبَعْضُ القَوْلِ تَكذْيبُ بأنَّ ذَا الكَلْبِ عمرًا خَيرُهُمْ نَسَبًا … بِبَطْنِ شِرْيَان يَعْوي حَوْلَة الذِّيب أقول: قائلتهما هي ريطة بنت عاصم؛ كذا قاله بعضهم، والصحيح أن قائلتهما هي جنوب

стр. 345

أخت عمرو ذي الكلب (١)، وهما من قصيدة تُرثي بها أخاها عمرًا،. وأولها هو قولها (٢): ١ - كُل امرئ بمحالِ الدَّهْرِ مَكْذُوبُ … وُكُلُّ مَنْ غَالبَ الأيَّامَ مَغْلُوبُ ٢ - وكل حيٍّ وإن عزوا وإن سلموا … يومًا طَرِيقُهُمْ في الشَّرِّ زُعْبُوبُ ٣ - بَيْنَا الفتيُّ نَاعِمٌ راضٍ بِعِيشَتِهِ … سيق من نوازي الشر شُؤْبُوبُ ٤ - يَلْوي به كل يوم كيّة قَذَفًا … فالمنسَمَانِ مَعًا دَامٍ ومنكوبُ (٣) ٥ - أَبْلِغْ هُذَيْلًا وَأَبْلِغْ مَنْ يُبَلِّغُهَا … عَني حَدِيثًا وَبَعْضُ القَوْلِ تَكذْيبُ ٦ - بأنَّ ذَا الكَلْبِ عمرًا خَيرُهُمْ نَسَبًا … بِبَطْنِ شِرْيَانَ يَعْوي حَوْلَهُ الذِّيبُ ٧ - الطاعِنُ الطعْنَةَ النَجْلاء يَعْقُبُهَا (٤) … مُثْعَنْجِرٌ من نجيع الجوفِ أسكوبُ ٨ - والتارك القِرْنَ مصفرًّا أنَامِلُه … كأنه من نَجيع الجوفِ مَخْضُوبُ (٥) ٩ - تمشي النُّسُورُ إليه وهي لاهِيةٌ … مَشْيَ العذارَى عَلَيهِن الجَلابِيبُ ١٠ - والمخرجَ العاتقَ العذراءَ مُذْعِنَةً … في السَّبْيِ ينفحُ من أرْدَانهَا الطِّيبُ وهي من البسيط. ١ - قوله: "بِمِحَال الدهر" بكسر الميم، وهو الكيد، أراد بكيد الدهر، وقيل: هو المكر، وقيل: هو القوة والشدة، قوله: "مكذوب" أي مغلوب. ٢ - قوله: "زُعبوب" بضم الزاي المعجمة وسكون العين المهملة، وهو القصير. هكذا ضبطه بعضهم، والذي يظهر لي أنه بالراء المهملة. وقال الجوهري: الزعبوب: الضعيف الجبان، وهذا أنسب من جهة المعْنى (٦). ٣ - قوله: "من نوازي الشر" النوازي بالزاي المعجمة، جمع نازية؛ من نزا ينزو إذا علا ووثبَ، و "الشؤبوب" بضم الشين المعجمة؛ الدفعة من المطر وغيره. ٤ - قوله: "قذفًا" أي: بعيدًا، و "المنسمان": تثنية مَنسِم بفتح الميم وكسر السين المهملة،

стр. 346

وهو خف البعير. واستعير ها هنا (١) لقدم الإنسان (٢)، و "المنكوب" من نكبته الحجارة بالتخفيف إذا لثمته، أي: إذا دقته وكسرته. ٦ - قوله: "ببَطْنِ شرْيَانَ": اسم موضع، و"الشريان" بكسر الشين المعجمة وفتحها؛ شجر يعمل منه القسِيّ، وقال الزمخشري: الشريَان بالفتح: الحنظل، ورأيت في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (٣) ذكره بالسين المهملة والراء المشددة (٤). ٧ - قوله: "الطعنة النجلاء" بالنون والجيم، يقال طعنة نجلاء، أي: واسعة، قوله: "مثعنجر" بضم الميم وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة وسكون النون وكسر الجيم وفي آخره راء، وهو أكثر موضع في البحر [به] (٥) ماء، وسمي به الرجل الشجاع الفائق، وفي حديث علي - رضي الله [تعالى] (٦) عنه: "يَحْمِلُهَا الأَخْضَر المثعَنْجِرُ". قوله: "من نَجِيعِ الجوف" بفتح النون وكسر الجيم، وهو دم الجوف يضرب إلى السواد، قوله: "أسكوب" أفعول من السَّكْب. ٨ - قوله: "القِرْن" بكسر القاف وسكون الراء، وهو مثل الرجل في السن، وأراد به ها هنا مثله في الشجاعة أيضًا. ١٠ - قوله: "العاتق" يقال: جارية عاتق، أي: شابة أول ما أدركت فَخدِرَتْ في بيت أهلها ولم تبن إلى زوج، و"العذراء": البكر، والجمع العذارى، و "مذعنة" من أذعن له إذا خضع وذل، قوله: "ينفح" بالحاء المهملة، من نَفَح الطيبُ إذا فاح، قوله: "من أردانها": جمع رُدْن، وهو الكُم. الإعراب: قوله: "أَبْلِغْ" أمر، و "أنت" مستكن فيه فاعله، و "هذيلًا" مفعوله، و "أبلغ" الثاني عطف عليه، وقوله: "من يبلغها" مفعوله، و "من" موصولة، ويبلغها صلتها، والضمير يرجع إلى هذيل وهو اسم قبيلة، قوله: "حديثًا": [مفعول] (٧) ثان و "أبلغ" الأول، ويقدر مثله

стр. 347

لـ "أبلغ" الثاني، والتقدير: أبلغ هذيلًا عني حديثًا وأبلغ من يبلغها عني [حديثًا] (١). قوله: "وبعض القول" كلام إضافي مبتدأ، و"تكذيب": خبره، بمعنى كذب، والجملة في محل النصب على الحال، قوله: "بأن ذا الكلب" يتعلق بقوله: "حديثًا"، والأظهر أنه بدل منه و (ذا الكلب) اسم إن، وخبره قوله: "خيرهم نسبًا"، وذو الكلب لقب عمرو أخي جنوب صاحبة الشعر، قوله: "عمرًا" عطف بيان، والضمير في "خيرهم" يرجع إلى هذيل، قوله: "نَسَبًا" تمييز. قوله: "ببطن شريان" في محل النصب على أنه حال من عمرًا، والتقدير: عمرًا كائنًا ببطن شريان، وكان قد دفن عمرو هناك، قوله: "يعوي" فعل مضارع و "الذيب" فاعله، و "حوله" نصب على الظرف، والجملة وقعت صفة لبطن شريان. الاستشهاد فيه: في قوله: "بأن ذا الكلب عمرًا" حيث قدم اللقب على الاسم؛ لأنه لا ترتيب بين الألقاب والأسماء، كما أنه لا ترتيب بين الأسماء والكنى (٢). الشاهد الثامن والثمانون (٣)، (٤) عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتُ الخيا … م إلا الثُّمَامُ وإلا العِصِيّ أقول: قائله هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، وخالد هو ابن المُحَرّث بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث (٥) بن تميم بن سعد بن هذيل، كان مسلمًا على عهد رسول الله ﷺ ولم يره. ولا خلافَ أنه جاهلي إسلامي تُوُفِّيَ في خلافة عثمان -رضي اللَّه تعالى عنه- بطريق

стр. 348

مكة فدفنه ابن الزبير ﵄، وقيل: إنه مات بمصر منصرفًا من إفريقية، وكان غزاها مع عبد الله بن الزبير، وقيل: إنه مات بأرض الروم في الغزاة ودُفن هناك، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ندبه إلى الجهاد، فلم يزل يجاهد حتى مات بأرض الروم، فدفنه ابنه عبيد اللَّه، وهو من قصيدة يائية، وأولها قوله: ١ - عَرَفْتُ الدِّيَارَ كَرَقْمِ الدُّوى … يَزْبُرُهُ الكَاتبُ الحِمْيَرِيُ ٢ - بِرَقْمٍ وَوَشْيم كَمَا زَخْرَفَتْ … بِمَيشَمِهَا المُزْدَهَاةُ الهَدِيُ ٣ - أَدانَ وَأَنْبَأَهُ الأوَّلونَ … بأن المُدَانَ مَلِيٌّ وَفِيُ ٤ - فَنَمْنَمَ فِي صُحُفٍ كالرِّيَا … ط فيهِنّ إرْثُ كِتَاب مَحِيُ ٥ - عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتُ الخيا … م إلا الثمَامُ وإلا العِصِي ٦ - فلم يبقَ منها سِوى هَامدٍ … وسَفْع الحُدُودِ مَعًا والنؤيُ ٧ - وأشعَثَ في الدَّارِ ذِي لِمَّة … لَدَى إرْثِ حَوْضٍ نَفَاهُ الأَثِيُ ٨ - كَعُوذِ المُعَطَّفِ أحْزَى لها … بمصْدَرِةِ الماءِ رأمٌ رَذِيُ ٩ - فَهُنّ عُكُوفُ كنَوْحِ الكريـ … ـم قد لاح أكبادَهُن الهَويُ ١٠ - وأنسى نُشَيبَةَ والجاهلُ … المغمَّرُ يَحْسَبُ أني نَسِيُ ١١ - على حين أَنْ تَمَّ فيه الثلا … ثُ حَدٌّ وَجُوُد ولُبٌ رَخِيُ ١٢ - ومن خير ما عَمِلَ النِاشِئُ الـ … ـمُعَمَّمُ خِيرٌ وزنْدٌ وَرِيُ ١٣ - وصبرٌ على حَدَثِ النَّائِبَا … تِ وحلمٌ رَزِينٌ وقَلْبٌ ذَكِيُ ١٤ - يَسُرُّ الصديقَ وَيُبِكي العدوّ … ومردى حروب رضي نديُ وهي من المتقارب وأصله في الدائرة "فعولن" ثمان مرات؛ وفيه الثلم بالثاء المثلثة؛ وهو أن تخرم سالمًا، والخرْم: أن تسقط أول الوتد المجموع في أول البيت، والسالم: الجزء الذي لا زحاف فيه فيصير: عولن فيرد إلى فعلن. وهذه القصيدة تروى مطلقة مرفوعة، وتروى مقيدة ساكنة، فمن أطلقها كانت من الضرب الأول ووزنه فعولن، ومن قيدها كانت من الضرب الثاني وهو المحذوف. ١ - قوله: "كرقم الدوى" الرقم: الكتابة، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] والدُّوى بضم الدال؛ جمع دوى، وهو جمع دواة، وهو ما يكتب منها. وذكر صاحب الاقتضاب (١) أن

стр. 349

جمع دَوَاةٍ دَوَيَات؛ كما يُقَالُ: قَنَاةُ وقَنَوَات، ويقال: دَوَاةٌ وَدُوي؛ كما يقال: قناة وقُنيّ ثم قال: وزن دواة من الفعل فعلة، وأصله: دَوَيَة، تحركت الياء وقبلها فتحة فانقلبت ألفًا، ويدل على أن لامها ياء قولهم في جمعها: دويات، وقال أيضًا: اشتقاق الدواة من الدواء؛ لأن بها صلاح أصر الكاتب؛ كما أن بالدواء صلاح أمر الجسد، ويقال للذي يبيع الدواة دَوّاء؛ كما يقال لبائع الحِنْطة حَنَّاط، والذي يعملها مُدَوٍّ؛ كما يقال: للذي يعمل القناة مُقَنٍّ، وللذي يحملها داوٍ؛ كما يقال للذي يحمل السيف سائف (١). قوله: "بزِبْرِه" أي: يكتبه من زَبَر يَزْبُر زَبْرًا إذا كتب، ومنه الزبور: جمع زِبر بكسر الزاي، وهي الكتابة، و "الحميَرِيّ" نسبة إلى حِميَر، وهو قبيلة. ٢ - قوله: "ووشم" أي نقش، و"زخرفت" أي: زينت، و "الميشم" بكسر الميم: إبرة تضرب بها المرأة في يدها وكفها ثم تجعل عليها النؤور، قوله: "المزدهاة" بضم الميم وسكون الزاي المعجمة؛ وهي التي استخفها عجب بنفسها، و"الهدي": العروس التي هُديت إلى زوجها. ٣ - قوله: "أدان" أي باع بيعًا إلى أجل فصار له دَين على الناس، قوله: "وأنبأه الأولون" أي الناس الأولون، و "المدان": بضم الميم الذي عليه دين. ٤ - قوله: "فنمنم"، أي: نقش، والنمنمة: النقش، ويروى: فينظر في صحف، أي: هذا الحميري ينظر في صحف من عليه دَين، "كالرياط" بكسر الراء وتخفيف الياء آخر الحروف وهي الملاية (٢) التي لم تلفق نسجت وحدها، وكل ملاءة لم تلفق فهي ريطة. ٥ - قوله: "على أطرِقا" بفتح الهمزة وسكون الطاء وكسر الراء وهو اسم علم على مفازة (٣) من أطرق إذا سكت ونظر إلى الأرض سميت بذلك؛ لأن السالك فيها يقول لصاحبيه أَطْرقا مخافة ومهابة. وقال ابن يعيش: أطرقا اسم بلد، قال الأصمعي سمي به أطرق، أي اسكتا كأن ثلاثة، قال أحدهم لصاحبيه أطرقا أي اسكتا لنسمع، فسمي المكان أطرقا (٤). قوله: "باليات" جمع بالية، من البلى بكسر الباء الموحدة، يقال: بلى يبلي إذا خلق، و "الخيام" جمع خيمة، و"الثمام" بضم [الثاء] (٥) المثلثة وخفيف الميم؛ نبت يحشى به فُرَج البيوت،

стр. 350

وأراد به: ما يستر به جوانب الخيمة، و "العصى" بكسر العين؛ جمع عصا، وأراد بها: قوائم الخيمة. المعنى: عرفت ديار المحبوبة كأنها مرقومة رقمها الكاتب الحميرى، يعني: صَفُرَتْ وانْدَرَسَتْ آثَارُهُا وعَرَفْتُ دِيَارَهَا على هذهِ المفازة قد بلِيَتْ خِيامُها إلا ثُمَامها وعصيّها، فإنها بقيت وما بَلِيَتْ. ٦ - قوله: "هامد" بكسر الميم، وهو الرماد، و "السُّفْع" بضم السين المهملة وسكون الفاء وفي آخره عين مهملة؛ وهي الأثافي [قد] (١) سفعتها النار؛ أي غيرتها، قوله: "والنَؤِيّ" بضم النون وكسر الهمزة؛ جمع نؤى بضم النون وسكون الهمزة؛ وهي حفرة (٢) تحفر حول الخيام لتدفع المطر. ٧ - و "الأشعث": المغبر الرأس، [وأراد به ها هنا: الوتد] (٣)، و "اللمة" بكسر اللام؛ الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي: الجمة، قوله: "لدى إرث حوض" أي: عند أصْل حوض. ٨ - قوله: "كعوذ المعطف" (٤) العوذ من الإبل: الحديثات النتاج، وهو بضم العين المهملة وسكون الواو وفي آخره ذال معجمة؛ جمع عائذ مثل: حائل وحول، ويجمع أيضًا على عُوذان مثل راع ورعيان، و"المعطف": الذي يعطف. قوله: "أحزى" أي: أشرف لها، قوله: "بمصدره" الماء؛ حيث تصدر عن الماء، و "أحزى" بالزاي المعجمة، و "الرأم": ولد الرذيُ، وهو الملقي الضعيف. كذا فسره الباهلي (٥)، ويقال: رأم بسكون الهمزة، وقال الجوهري: الرَّذِيّةُ: الناقَةُ المَهْزُولَةُ في السير، والجمع: الرَّذِايَا، والذكَرُ الرَّذِي بفتح الراء وكسر الذال المعجمة وتشديد الياء (٦). ٩ - قوله: "عكوف" أي: قد عكفن على الرأم؛ أي كما يعكف النواح على الميت، و"الهَويّ" (٧) هو الرجل إذا وقع في هلكة، والمعنى: أن أكبادهن قد هوت للحزن. ١٠ - قوله: "وأنسى" يريد: لا أنسى نَشِيبَةً، و"المغمر": الذي لم تحكمه الأمور ولم يجربها،

стр. 351

و"نشيبة" بنت عمه. ١١ - قوله: "حد" أي: بأس، "وجود" أي: عطاء (١)، و "لب رخي" أي: صدره واسع. ١٢ - و "الناشئ" الشاب، و"المعمم المسود" الذي عمه القوم أمرهم، و "الخير": الكرم، و"الزند": الذي تخرج منه النار، و "الوري": السريع الإخراج للنار. الإعراب: قوله: "على أطرقا": جار ومجرور يتعلق بقوله: "عرفت"، وموضعها النصب على الحال من الديار، والتقدير: عرفت الديار على أطرقا، أي: في هذه الحال، قوله: "باليات الحيام": نَصْبٌ على الحال من الديار، وليس ذلك من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، بل هو من قبيل إضافة البيان نحو قولهم: أخلاق ثياب، ويجوز رفع باليات على الابتداء، وخبره قوله: "على أطرقا"، قوله: "إلا الثُّمَامُ وإلا العصي" استثناء منقطع، لأنه من موجب (٢). ويروى: إلا الثمام (٣) بالرفع والنصب، فمن نصبه فلا إشكال فيه؛ لأنه استثناء من موجب كما ذكرناه، ومن رفع فعلى الابتداء، والخبر محذوف والتقدير: إلا الثمام وإلا العصي لم تُبلَ، ومن نصب الثمام ورفع العصي، فإنه يحمله على المعنى، وذلك لأنه لما قال: بليت إلا الثمام، كان معناه: بقي الثمام فعطف على هذا المعنى، ويروى برفعهما من باب الإتباع على المعنى دون اللفظ نحو: أعجبني ضرب زيد العاقل، برفع العاقل، أو يكونان بدلين على اللغة القليلة (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "على أطرقا" فإنه اسم علم منقول من فعل الأمر؛ كما ذكرناه (٥).

стр. 352

الشاهد التاسع والثمانون (١)، (٢) لأُنِكحَنّ (٣) بَبَّهْ … جَاريَةً خِدَبَّه مُكْرَمَةً مُحَبّهْ … تَجِبُّ أَهْلَ الكَعْبَهْ أقول: قائله هي هند بنت [أبي] (٤) سفيان بن حرب بن أمية، كانت لَقَّبَتْ به ابنَها في صغره تُرَقِّصُه، فَتعُول: لأنكحَن ببه .... ......................... إلخ وابنها هو عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب والي البصرة، وهو الذي اتفق عليه أهل البصرة عند موت يزيد بن معاوية حتى يتفق الناس على إمام، وإنما فعلوا ذلك؛ لأن أباه من بني هاشم وأمه من بني أمية، سكن البصرة ومات بِعُمان سنة أربع وثمانين. وقال ابن الأثير: له ولأبيه صحبة (٥)، وقيل: إن له إدراكًا ولأبيه صحبة، ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، وأتى رسول اللَّه ﷺ فحنكه ودعا له، يكنى أبا محمد، وقيل: أبا إسحاق، وتلقب (٦) ببهْ وببهْ في الأصل: الأحمق، كذا قاله الخليل (٧)، ويقال للشاب الممتلئ البدن نعمة: ببهْ. وقال الجوهري: يقال للأحمق الثقيل: بَبَّةٌ، وهو لقب عبد اللَّه بن الحارث ثم قال: وهو -أيضًا- اسمُ جَارِيَةٍ، ثم قال: قال الراجز: لأُنكِحَن ببهْ … ................... إلخ (٨). فهذا مخالف لما ذكره أهل العربية من أن المراد بـ "ببه" في قوله: "لأنكحن ببه" هو عبد الله بن الحرث، كما ذكرناه، فعلى قوله يكون قوله: "جارية خدبة" عطف لقوله: جارية ببة، أو بدلًا، وعلى قولهم هو مفعول: لأنكحن على ما نذكره الآن.

стр. 353

قوله: "خدبة" بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة؛ أرادت بها الجارية المشتدة الممتلئة اللحم، ويقال للبعير الشديد الصلب: خِدب (١)، قوله: "تجِبّ" بكسر الجيم (٢)؛ أي: تغلب أهل الكعبة في الحسن والجمال، يفال: جبّه إذا غلبه، وجبَّت فلانة النساءَ إذا غلبتهن بالحسن، قال ثعلب: جبت نساء العالمين بالسبب الإعراب: اللام في: "لأنكحن" لام التأكيد، و"أنكحن": جملة من الفعل والفاعل، وهو من الإنكاح، و"ببّه" مفعوله، و"جارية" مفعول ثانٍ، وليس مجيء مفعولين لفعل واحد مقتصرًا على أفعال القلوب، وهذا باب ليس فيه عدد محصور، وإنما الفرق في أن أفعال (٣) القلوب يكون المفعول الثاني عين الأول، وفي غيرها غير الأول نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، فافهم (٤). قوله: "مكرمة محبهْ": صفة بعد صفةٍ لجارية، وكذلك قوله: "تجب أهل الكعبة": صفة أخرى، ولكنها جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهو "أهل الكعبة"، وما قبله من الصفات مفردة. الاستشهاد فيه: في قوله: "لأنكحن ببهْ"، لأنه علم منقول من الصوت وهو (ببهْ)، فإنه منقول من الصوت الذي كانت هند ترقصه به (٥).

стр. 354

الشاهد التسعون (١)، (٢) وبايَعتُ أقوامًا وَفَيتُ بعَهْدِهم … وَببَّةٌ قد بايعته غيرَ نَادِمٍ أقول: قائله هو الفرزدق، وقد ترجمناه (٣). وهو من الطويل. قوله: "بايعت" من المبايعة، وهي المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد من المبايعين باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره. الإعراب: قوله: "وبايعت": جملة من الفعل والفاعل، و"أقوامًا" مفعوله، قوله: "وفيت بعهدهم": جملة حالية بتقدير قد، أي: حال كوني قد وفيت بعهدهم. فإن قلت: كيف يكون وافيًا بعهدهم في حال المبايعة، والوفاء لا يكون إلا بعدها. قلت: هذه من الأحوال المنتظرة المقدرة، والتقدير: مقدر الوفاء على مبايعتي. قوله: "وببة" مبتدأ، والجملة أعني قوله: "قد بايعته" خبر، قوله: "غير نادم" كلام إضافي نصب على الحال من الضمير المرفوع من بايعته، وأراد الفرزدق بببة هذا عبد الله بن الحرث، قال الجوهري: ببة: لقب عبد الله بن الحرث والي البصرة، قال الفرزدق، وأنشد البيت المذكور (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "ببه" والكلام فيه كالكلام في الذي قبله، وهو ظاهر. الشاهد الحادي والتسعون (٥) , (٦) أنا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَيْنَنَا … فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارِ أقول: قائله هو النابغة الذبياني، واسمه: زياد بن معاوية، وقد ترجمناه فيما مضى (٧) وهو

стр. 355

من قصيدة يهجو بها زُرْعة بن عمرو بن خويلد الفزاري حيث لقيه بعكاظ، فأشار عليه أن يشير على قومه بقتل بني أسد وتَرْكِ حِلْفَهم، فأبى النابغة [الغدر] (١) [وبلغه] (٢) أن زُرْعة يتوعده، فقال يهجوه: ١ - نُبِّئْتُ زُرْعَةَ والسَّفَاهَةُ كاسْمِهَا … يُهْدِي إِلَيَّ غَرَائِبَ الأَشْعَارِ ٢ - فَحَلَفْتُ يَا زُرْعَ بن عمرو إِنَّنِي … مِمَّا يَشُقُّ عَلَى العَدُوِّ ضِرَارِي ٣ - أرأيتَ يَوْمَ عُكَاظٍ حين لقِيتَنِي … تحت العَجَاجِ فَمَا شَقَقْتَ غُبَارِي ٤ - أنَا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَينَنَا … فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارِ ٥ - فَلَتَأْتِيَنَّكَ قَصَائِدُ وَلَيَدْفَعَنْ … جيشًا إِلَيكَ قَوَادِم الأكوارِ ٦ - رَهْطُ ابنُ كُوزٍ مُحْقِبِي أَذرَاعِهِم … فيهم ورهطُ رَبيعَةَ بنِ حُذَارِ ٧ - ولرهطِ حَرَّابٍ وَقَدٍّ سُورةٌ … في المجدِ ليس غرابُها بمُطار ٨ - وبنو قعين لا مَحَالةَ أنهم … آتوْكَ غَيرَ مُقَلَّمِي الأَظْفَارِ وهي من الكامل، وفيه الإضمار وهو مستفعلن، والقطع وهو: فعلاتن، فإن قوله: "فجار" [فعلاتن] (٣) مقطوع. ١ - قوله: "نُبّئِت"، أي: أُخْبِرْتُ ومعنى "والسفاهة كاسمها" أن معناها قبيح كاسمها، قوله: "يهدي إلي غرائب الأشعار" يعني: أنه غير مشهور بالشعر ولا منسوب إليه، فالشعر من قِبَلِه غريب؛ إذ ليس من أهله. ٢ - قوله: "يا زرع" منادى مرخم أصله: يا زرعة بن عمرو، و "الضرار": الدنو من الشيء واللصوق به، يقول: أنا قوي عزيز فالعدو يكره مجاورتي له، وإنما يفخر بهذا على زرعة بن عمرو. ٣ - قوله: "فما شققت غباري" [معناه: سبقتك بالمفاخرة وبَعُدَ بيني وبينك؛ فلم تلحقني ولا شققت غباري] (٤)، يقال: فلان ما شق غبار فلان؛ أي: ما لحقه ولا سعى سعيه، وأصل هذا المثل في الفرس الجواد الذي يسبق الخيل وينسلخ منها فلا يُلْحَق ولا يُشَق غباره، ويروى: فما حططت غباري، أي فما استطعت أن تُلقي عنك غباري، يعني: غبار الحرب، وقيل المعنى: لم يرتفع غبارك فوق غباري. ويروى فما خططت غباري بالخاء المعجمة؛ أي ما دخلت فيه، والغبار: العجاج، و"عكاظ" أحد مواسم العرب.
следующие страницы →