← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

و"نشيبة" بنت عمه. ١١ - قوله: "حد" أي: بأس، "وجود" أي: عطاء (١)، و "لب رخي" أي: صدره واسع. ١٢ - و "الناشئ" الشاب، و"المعمم المسود" الذي عمه القوم أمرهم، و "الخير": الكرم، و"الزند": الذي تخرج منه النار، و "الوري": السريع الإخراج للنار. الإعراب: قوله: "على أطرقا": جار ومجرور يتعلق بقوله: "عرفت"، وموضعها النصب على الحال من الديار، والتقدير: عرفت الديار على أطرقا، أي: في هذه الحال، قوله: "باليات الحيام": نَصْبٌ على الحال من الديار، وليس ذلك من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته، بل هو من قبيل إضافة البيان نحو قولهم: أخلاق ثياب، ويجوز رفع باليات على الابتداء، وخبره قوله: "على أطرقا"، قوله: "إلا الثُّمَامُ وإلا العصي" استثناء منقطع، لأنه من موجب (٢). ويروى: إلا الثمام (٣) بالرفع والنصب، فمن نصبه فلا إشكال فيه؛ لأنه استثناء من موجب كما ذكرناه، ومن رفع فعلى الابتداء، والخبر محذوف والتقدير: إلا الثمام وإلا العصي لم تُبلَ، ومن نصب الثمام ورفع العصي، فإنه يحمله على المعنى، وذلك لأنه لما قال: بليت إلا الثمام، كان معناه: بقي الثمام فعطف على هذا المعنى، ويروى برفعهما من باب الإتباع على المعنى دون اللفظ نحو: أعجبني ضرب زيد العاقل، برفع العاقل، أو يكونان بدلين على اللغة القليلة (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "على أطرقا" فإنه اسم علم منقول من فعل الأمر؛ كما ذكرناه (٥).

стр. 352

الشاهد التاسع والثمانون (١)، (٢) لأُنِكحَنّ (٣) بَبَّهْ … جَاريَةً خِدَبَّه مُكْرَمَةً مُحَبّهْ … تَجِبُّ أَهْلَ الكَعْبَهْ أقول: قائله هي هند بنت [أبي] (٤) سفيان بن حرب بن أمية، كانت لَقَّبَتْ به ابنَها في صغره تُرَقِّصُه، فَتعُول: لأنكحَن ببه .... ......................... إلخ وابنها هو عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب والي البصرة، وهو الذي اتفق عليه أهل البصرة عند موت يزيد بن معاوية حتى يتفق الناس على إمام، وإنما فعلوا ذلك؛ لأن أباه من بني هاشم وأمه من بني أمية، سكن البصرة ومات بِعُمان سنة أربع وثمانين. وقال ابن الأثير: له ولأبيه صحبة (٥)، وقيل: إن له إدراكًا ولأبيه صحبة، ولد قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين، وأتى رسول اللَّه ﷺ فحنكه ودعا له، يكنى أبا محمد، وقيل: أبا إسحاق، وتلقب (٦) ببهْ وببهْ في الأصل: الأحمق، كذا قاله الخليل (٧)، ويقال للشاب الممتلئ البدن نعمة: ببهْ. وقال الجوهري: يقال للأحمق الثقيل: بَبَّةٌ، وهو لقب عبد اللَّه بن الحارث ثم قال: وهو -أيضًا- اسمُ جَارِيَةٍ، ثم قال: قال الراجز: لأُنكِحَن ببهْ … ................... إلخ (٨). فهذا مخالف لما ذكره أهل العربية من أن المراد بـ "ببه" في قوله: "لأنكحن ببه" هو عبد الله بن الحرث، كما ذكرناه، فعلى قوله يكون قوله: "جارية خدبة" عطف لقوله: جارية ببة، أو بدلًا، وعلى قولهم هو مفعول: لأنكحن على ما نذكره الآن.

стр. 353

قوله: "خدبة" بكسر الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة؛ أرادت بها الجارية المشتدة الممتلئة اللحم، ويقال للبعير الشديد الصلب: خِدب (١)، قوله: "تجِبّ" بكسر الجيم (٢)؛ أي: تغلب أهل الكعبة في الحسن والجمال، يفال: جبّه إذا غلبه، وجبَّت فلانة النساءَ إذا غلبتهن بالحسن، قال ثعلب: جبت نساء العالمين بالسبب الإعراب: اللام في: "لأنكحن" لام التأكيد، و"أنكحن": جملة من الفعل والفاعل، وهو من الإنكاح، و"ببّه" مفعوله، و"جارية" مفعول ثانٍ، وليس مجيء مفعولين لفعل واحد مقتصرًا على أفعال القلوب، وهذا باب ليس فيه عدد محصور، وإنما الفرق في أن أفعال (٣) القلوب يكون المفعول الثاني عين الأول، وفي غيرها غير الأول نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، فافهم (٤). قوله: "مكرمة محبهْ": صفة بعد صفةٍ لجارية، وكذلك قوله: "تجب أهل الكعبة": صفة أخرى، ولكنها جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهو "أهل الكعبة"، وما قبله من الصفات مفردة. الاستشهاد فيه: في قوله: "لأنكحن ببهْ"، لأنه علم منقول من الصوت وهو (ببهْ)، فإنه منقول من الصوت الذي كانت هند ترقصه به (٥).

стр. 354

الشاهد التسعون (١)، (٢) وبايَعتُ أقوامًا وَفَيتُ بعَهْدِهم … وَببَّةٌ قد بايعته غيرَ نَادِمٍ أقول: قائله هو الفرزدق، وقد ترجمناه (٣). وهو من الطويل. قوله: "بايعت" من المبايعة، وهي المعاقدة والمعاهدة، كأن كل واحد من المبايعين باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودخيلة أمره. الإعراب: قوله: "وبايعت": جملة من الفعل والفاعل، و"أقوامًا" مفعوله، قوله: "وفيت بعهدهم": جملة حالية بتقدير قد، أي: حال كوني قد وفيت بعهدهم. فإن قلت: كيف يكون وافيًا بعهدهم في حال المبايعة، والوفاء لا يكون إلا بعدها. قلت: هذه من الأحوال المنتظرة المقدرة، والتقدير: مقدر الوفاء على مبايعتي. قوله: "وببة" مبتدأ، والجملة أعني قوله: "قد بايعته" خبر، قوله: "غير نادم" كلام إضافي نصب على الحال من الضمير المرفوع من بايعته، وأراد الفرزدق بببة هذا عبد الله بن الحرث، قال الجوهري: ببة: لقب عبد الله بن الحرث والي البصرة، قال الفرزدق، وأنشد البيت المذكور (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "ببه" والكلام فيه كالكلام في الذي قبله، وهو ظاهر. الشاهد الحادي والتسعون (٥) , (٦) أنا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَيْنَنَا … فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارِ أقول: قائله هو النابغة الذبياني، واسمه: زياد بن معاوية، وقد ترجمناه فيما مضى (٧) وهو

стр. 355

من قصيدة يهجو بها زُرْعة بن عمرو بن خويلد الفزاري حيث لقيه بعكاظ، فأشار عليه أن يشير على قومه بقتل بني أسد وتَرْكِ حِلْفَهم، فأبى النابغة [الغدر] (١) [وبلغه] (٢) أن زُرْعة يتوعده، فقال يهجوه: ١ - نُبِّئْتُ زُرْعَةَ والسَّفَاهَةُ كاسْمِهَا … يُهْدِي إِلَيَّ غَرَائِبَ الأَشْعَارِ ٢ - فَحَلَفْتُ يَا زُرْعَ بن عمرو إِنَّنِي … مِمَّا يَشُقُّ عَلَى العَدُوِّ ضِرَارِي ٣ - أرأيتَ يَوْمَ عُكَاظٍ حين لقِيتَنِي … تحت العَجَاجِ فَمَا شَقَقْتَ غُبَارِي ٤ - أنَا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَينَا بَينَنَا … فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحتَمَلْتَ فَجَارِ ٥ - فَلَتَأْتِيَنَّكَ قَصَائِدُ وَلَيَدْفَعَنْ … جيشًا إِلَيكَ قَوَادِم الأكوارِ ٦ - رَهْطُ ابنُ كُوزٍ مُحْقِبِي أَذرَاعِهِم … فيهم ورهطُ رَبيعَةَ بنِ حُذَارِ ٧ - ولرهطِ حَرَّابٍ وَقَدٍّ سُورةٌ … في المجدِ ليس غرابُها بمُطار ٨ - وبنو قعين لا مَحَالةَ أنهم … آتوْكَ غَيرَ مُقَلَّمِي الأَظْفَارِ وهي من الكامل، وفيه الإضمار وهو مستفعلن، والقطع وهو: فعلاتن، فإن قوله: "فجار" [فعلاتن] (٣) مقطوع. ١ - قوله: "نُبّئِت"، أي: أُخْبِرْتُ ومعنى "والسفاهة كاسمها" أن معناها قبيح كاسمها، قوله: "يهدي إلي غرائب الأشعار" يعني: أنه غير مشهور بالشعر ولا منسوب إليه، فالشعر من قِبَلِه غريب؛ إذ ليس من أهله. ٢ - قوله: "يا زرع" منادى مرخم أصله: يا زرعة بن عمرو، و "الضرار": الدنو من الشيء واللصوق به، يقول: أنا قوي عزيز فالعدو يكره مجاورتي له، وإنما يفخر بهذا على زرعة بن عمرو. ٣ - قوله: "فما شققت غباري" [معناه: سبقتك بالمفاخرة وبَعُدَ بيني وبينك؛ فلم تلحقني ولا شققت غباري] (٤)، يقال: فلان ما شق غبار فلان؛ أي: ما لحقه ولا سعى سعيه، وأصل هذا المثل في الفرس الجواد الذي يسبق الخيل وينسلخ منها فلا يُلْحَق ولا يُشَق غباره، ويروى: فما حططت غباري، أي فما استطعت أن تُلقي عنك غباري، يعني: غبار الحرب، وقيل المعنى: لم يرتفع غبارك فوق غباري. ويروى فما خططت غباري بالخاء المعجمة؛ أي ما دخلت فيه، والغبار: العجاج، و"عكاظ" أحد مواسم العرب.

стр. 356

٤ - قوله: "أنا اقتسمنا خطتينا" (١) هذا مثل، أي: كانت لي ولك خطتان فأخذتُ أنا البرة وأخذتَ أنت الفجرة، و"الخطة": القصة والخصلة، وإنما قال [ذلك] (٢)؛ لأن زرعة دعاه إلى الغدر ببني أسد ونقض حلفهم، فأبَى ذلك ولزم الوفاء والبر، ونسب زرعة إلى الغدر والفجور، و "بَرّة": اسم علم وضع من البر فلم يصرفه؛ لأنه معرفة مؤنث (٣)؛ لأنه اسم للخطة، و"فَجَارِ": اسم معدول عن الفجور معرفة، فبناه كما بنيت حَذَامِ وقَطَامِ (٤). فإن قلتَ: لمَ قال في الإخبار عن نفسه فحملت، وفي الإخبار عن نفس زرعة احتملت، فما الفرق بينهما؟ قلتُ: العرب إذا استعملت فعل وافتعل بزيادة التاء وبغير الزيادة، كان الذي لا زيادة فيه يصلح للقليل والكثير، والذي فيه [الزيادة] (٥) للكثير خاصة نحو: كسب واكتسب، ونهب وانتهب، وأراد [النابغةُ] (٦) أن يهجو زرعة بكثرة غدره وإيثاره الفجور، فذكر اللفظة التي يراد بها التكثير خاصة ليكون أبلغ في الهجو (٧). ولو قال: وحملت فجار؛ لاحتمل ألا يكون غدر إلا مرة واحدة. وأما قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] , فالوجه فيه أنه لما كان الإنسان يجازى على قليل الخير وكثيره استعمل فيه اللفظ الذي يصلح للقليل والكثير، ولما كان الإنسان لا يجازى إلا على الكبائر دون الصغائر؛ لأن الصغائر معفو عنها غير مجازى بها، استعمل معها اللفظ الذي لا يكون إلا للتكثير (٨). ٥ - قوله: "فَلَتَأْتِيَنَّكَ قَصَائِدُ" يتوعده بالهجو والغزو إليه، قوله: "وَلَيَدْفَعَنْ جَيشًا إِلَيكَ قَوَادِم الْأَكْوَارِ" يريد أنهم يركبون الإبل ويقودون الخيل، والأكوار: الرواحل، وواحد القَوَادِمِ: قَادِمٌ، وهو من الرحل بمنزلة القربوس من السّرج.

стр. 357

٦ - قوله: "ابن كُوزٍ" بالزاي المعجمة؛ رجل من بني أسد، وكذلك ربيعة بن حُذَار، وحذار بضم الحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة، وكان ربيعة حكمًا في الجاهلية. ٧ - و"الحرّاب" بتشديد الراء؛ رجل من بني أسد، وكذلك "قدٍّ" بالقاف وتشديد الدال، وقال الكلبي (١): هما من بني والبة، و: "السُّوَرة": المنزلة الرفيعة، قوله: " [ليس] (٢) غرابها بمطار، يعني: شرفهم ثابت باقٍ ليس بزائل، وكانوا إذا وصفوا المكان بالخصب وكثرة الشيء يقولون: لا يطير غرابه، يريدون أنه يقع في مكان فيجد ما يشبع به، فلا يحتاج إلى أن يتحول ويطير إلى غيره. ٨ - قوله: "آتوْكَ غَيرَ مُقَلَّمِي الأَظْفَارِ" أي: يأتونك متهيئين لمحاربتك وسلاحهم كامل ولا يأتونك (٣) مسالمين بلا سلاح، وضرب الأظفار مثلًا للسلاح؛ لأن أكثر السباع وجوراح الطير تصيد بمخالبها وتمتنع بها، و"بنو قعين": حي من بني أسد. الإعراب: قوله: "أنَّا" بفتح الهمزة ها هنا؛ لأنها وقعت مفعولًا لقوله: "أعَلِمْتَ يوم عكاظ" في البيت السابق، ويروى: أرأيت، وأن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، و (نا) اسمه، و"اقتسمنا" خبره وأن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي "أرأيت" أو أعلمت في البيت السابق، قوله: "خطتينا": كلام إضافي مفعول "اقتسمنا"، و"بيننا" ظرف لقوله اقتسمنا، قوله: "فحملت" الفاء للتفصيل (٤) و"حملت" جملة من الفعل، والفاعل وهو "أنا" (٥) المستتر فيه، وقوله: "برة" مفعوله، قوله: "واحتملت" جملة من الفعل والفاعل وهو "أنا" المستتر فيه، و"فجار" مفعوله. الاستشهاد فيه: في قوله: "برة" وقوله: "فجار" فإنهما من أعلام الجنس المعنوي؛ فإن برة علم للبر، وفجار علم للفجور (٦) فافهم. * * *

стр. 358

شواهد اسم الإشارة الشاهد الثاني والتسعون (١) , (٢) ذُمَّ المنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوى … والعيشَ بَعْدَ أُولَئكَ الأيَّامِ أقول: قائله هو جرير بن عطة، وقد ترجمناه (٣)، وهو من قصيدة ميمية، وأولها هو قوله (٤): ١ - سَرتِ الهُمُومُ فَبتْنَ غَيرَ نِيَامِ … وأخُو الهُمُومِ يَرُومُ كُل مَرَامِ ٢ - وإذا وقفتُ على المنَازل بِاللّوى … فَاضَتْ دُمُوعِي غَيرَ ذَاتِ نظَامِ ٣ - طَرَقَتْكَ صَائِدَةُ القُلُوبِ وَلَيسَ ذَا … وَقْتَ الزِّيَارَة فَارْجعِي بِسَلامِ ٤ - لولا مراقبةُ العُيونِ أَرَيْنَنَا … مُقْلَ المَهَا وسَوَالِفَ الأرَامِ ٥ - هَلْ يهنينك أَنّ قَتَلْن مُرَقَّشًا … أو مَا فَعَلْنَ بعُرْوَة بن حزام ٦ - ذُمَّ المنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوى … والعيشَ بَعْدَ أُولَئكَ الأيَّامِ ٧ - تُجْري السوَاكَ عَلَى أَغَرّ كأنه … بَرَدٌ تحدَّر من مُتُونِ غَمَامِ ٨ - لو كَنتِ صادقةً بما حَدّثْتِنَا … لوَصَلْت ذاك فكان غير لمّامِ وهي من الكامل وفيه الإضمار والقطع، والإضمار هو تسكين الثاني فيصير: متفاعلن، فيرد إلى مستفعلن، والقطع: حذف ساكن السبب ثم إسكان متحركه في الوتد.

стр. 359

١ - قوله: "يَروم" أي: يطلب (١)، "كل مرام" أي: كل مطلب. قوله: "باللوى" بكسر اللام؛ اسم موضع، و"المنازل": جمع منزل أو منزلة؛ كمساجد أو كمحامد، وهو أولى لقوله فيما بعد: منزلة اللوى. ٣ - قوله: "طرقتك" من طرقه إذا أتاه ليلًا، وقد عيب عليه في هذا البيت؛ إذ طرد خيال محبوبته، وأجيب بأنه طرقه في حال السفر فأشفق عليه من الخطر (٢). ٤ - و: "المُقَل" بضم الميم؛ جمع مقلة العين، و"المها" بفتح الميم جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية، و "السوالف" جمع سالفة، وهي ناحية مقدم العنق من لدن معلِّق القِرْط إلى الترقوة، و"الآرام": جمع رئم بكسر الراء وسكون الهمزة، وهو الظبي الأبيض الخالص ويسكن في الرمل. قوله: "ذم المنازل" أمر، من ذم يذم، ويجوز في الميم الحركات الثلاث، أما الفتح فللتخفيف، وأما الضم فللإتباع، وأما الكسر فلأن الأصل في تحريك الساكن التحريك بالكسر، وهو الأرجح ودونه الفتح وهو لغة بني أسد، والضم دونه (٣). ومعنى البيت: لا منزلة أطيب من منزلة اللوى، ولا عيش بعد عيشنا في تلك الأيام التي مضين. الإعراب: قوله: "ذم" (٤) جملة من الفعل والفاعل وهو "أنت" مستتر فيه، و: "المنازل" مفعوله، و"بعد" نصب على الظرف أو حال من المنازل، وفيه حذف تقديره: بعد مفارقة منزلة اللوى. قوله: "والعيش" عطف على المنازل، وقوله: "الأيام" إما صفة للإشارة، أو عطف بيان، ويروى: الأقوام بدلًا من الأيام، فحينئذ لا [شاهد] (٥) فيه. وزعم ابن عطية (٦) أن هذه الرواية

стр. 360

في الصواب، وأن الطبري (١) غلط؛ إذ أنشده الأيام، وأن الزجاج (٢) اتبعه في هذا الغلط (٣). الاستشهاد فيه: في قوله: "بعد أولئك الأيام" حيث استعمل أولئك في غير العقلاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] (٤). الشاهد الثالث والتسعون (٥) , (٦) رَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لا يُنْكِرُونَنِي … وَلا أَهلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَدَّدِ أقول: قائله هو طرفة بن العبد بن سعد بن مالك بن ضيعة، وهو من قصيدته المشهورة إحدى المعلقات السبع، وأولها هو قوله: ١ - لخَوْلَةَ أَطْلالٌ بِبَرْقَةِ ثَهْمَدِ … ظَلِلتُ بِهَا أَبْكِي وَأَبْكِي إِلَى الغَدِ (٧) ٢ - وُقُوفًا بِها صحبي عَلَى مطيَّهُمْ … يَقُولُونَ لا تَهْلَكْ أَسًى وَتَجَلَّدِ إلى أن قال: ٣ - وَمَا زَال تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِي … وبَيعِي وَإنْفَاقِي طَرِيفِي وَمُتْلَدِي ٤ - إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِرَةُ كُلّهَا … وَأُفْرِدَتْ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبدِ

стр. 361

٥ - رَأَيتُ بَنِي غَبْرَاءَ لا يُنْكِرُونَني … وَلا أَهلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمَدَّدِ وهي من الطويل. ١ - قوله: "لخولة" هي امرأة من كلب، و"الأطلال" جمع طلل وهو ما شَخُص منْ آثار الديار، و"بُرْقة" بضم الباء الموحدة وسكون الراء واحدة البرق وهي أرض ذات حجارة مختلفة الألوان، ومنه الإبراق وهو جبل فيه بياض وسواد. قوله: "ثهمد" بالثاء المثلثة؛ اسم موضع، قوله: "ظللت بها أبكي"، ويروى:. .......................... … تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد أي: تبدو رسومها وتتبين آثارها تَبَيُّن الوشم في الذراع، و"الوشم": نقش يحشى إثما ونؤورًا ويردد ذلك عليه حتى يثبت. ٢ - قوله: "وقوفًا" جمع واقف من قولك: وقفت الدابة إذا حبستها، وانتصابه على الحال أو على المصدر، قوله: "تجلدِ" أي تصبر وتشدد. ٣ - قوله: "تشرابي" تفعالي، من الشرب وهو صيغة مبالغة، و"الطريف" خلاف التليد وهو المستحدث والمكتسب، والتليد ما كان قديما ورثته عن آبائك وكذلك المتلد. ٤ - قوله: "إلى أن تَحَامَتْني العَشِيرَةُ" يقول: أَعْيَيْتُ عُذَّالي على إنفاق المال وشرب الخمر حتى تحاموني وتباعدوني؛ كما يتحامى البعير الأجرب لِئلا يُعْدِي صحاحَ الإبل، و"المعبد" المدلك بالقطران؛ كالطريق المعبد الموطوء، وهو بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة، يقال بعير معبد، أي: مهنوء بالقطران لأجل الجرب، ويقال: المعبد: الجرب الذي لا ينفعه دواء. ٥ - قوله: "رأيت بني غبراء" قال المبرد: أراد ببني الغبراء اللصوص ولم يسمع من أحد غيره (١)، وقيل (٢): أراد بهم الفقراء والصعاليك (٣)، وبـ"أهل هذاك الطراف": السعداء الأغنياء، ويقال: أراد ببني غبراء الأضياف (٤) وقيل (٥): أراد بهم أهل الأرض؛ لأن الغبراء اس

стр. 362

الأرض أو صفة لها، وبنوها أهلها و"الطراف" بكسر الطاء وتخفيف الراء وفي آخره فاء؛ هو يت من أدم. الإعراب: قوله: [رأيت] (١) بمعنى أبصرت، و"بني غبراء" كلام إضافي مفعوله، وقوله: "لا ينكرونني" حال ويجوز أن يكون رأيت بمعنى علمت، فيكون بني غبراء مفعوله الأول، ولا ينكرونني ومفعوله الثاني. و"ولا أهل" بالرفع عطف على الضمير المرفوع في "لا ينكرونني" للفصل بينهما بالمفعول، و"المدد" صفة للطراف. الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا أهل هذاك" حيث ألحق الهاء على المقرون بالكاف وهو قليل (٢)، وقال السيرافي في شرح كتاب سيبويه: إن الهاء تدخل على: هُنَّا وهِنَّا، فتقول: ها هنا [وها هنا]، ولم أعلم جواز دخولها على ثَم، ودخولها على المقرون بالكاف وحدها قليل كقول (٣) طرفة إلى آخره (٤). الشاهد الرابع والتسعون (٥) , (٦) هُنّا وهِنّا ومِنْ هنّا لهُنَّ بهَا … ذَاتَ الشَّمَائِل والأيمانِ هَينُومُ أقول: قائله هو ذو الرمة (٧)، واسمه غيلان بن عقبة بن بُهيس بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيعة بن ساعدة بن كعب بن عوف بن ربيعة بن ملكان بن عمرو بن عدي بن عبد مناة بن أدّ بن طايحة (٨) بن إلياس بن مضر. وقال الأصمعي: أم ذي الرمة امرأة من بني أسد يقال لها ظبية، وكان له إخوة لأبيه وأمه شعراء، منهم: مسعود وهو الذي يرثي ذا الرمة أخاه، ويذكر ليلى ابنته (٩):

стр. 363

إلى الله أشْكُو لا إلَى النَّاسِ أَنَّنِي … وَلَيْلَى كِلانَا مُوجَعٌ مات وَاحِدُه توفي ذو الرمة سنة سبع عشرة ومائة، ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أي ابن أربعين سنة، وأنشد (١): يا قَابِضَ الروح عن نَفْسِي إذا احْتُضِرَتْ … وَغَافِرَ الذَّنْب زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ وإنما سمي بذي الرمة لقوله يصف الوتد (٢): ١ - لَمْ يُبقِ غيرَ مُثَّلٍ رُكُودٍ … غَيرَ ثَلاثٍ بَاقِيَات سُودِ ٢ - وبَعْدَ مَرْضُوخِ القَفَا مَوْتُودِ … أشْعَثَ بَاقِي رُمَّةِ التَّقْلِيدِ والرُّمَّةُ بضم الراء وتشديد الميم؛ بَقِيّةُ حَبلٍ خَلِق، ورمت العظام بليت، وقال الجوهري: الرُّمَّم، قطْعَةْ من الحبلِ بَالِيَةٌ، والجمعُ: رُمَمٌ ورِمَامٌ (٣)، والبيت المذكور من قصيدة ميمية أولها هو قوله: ١ - أأَنْ تَرَسَّمْتَ مِنْ خَرْقَاءَ مَنْزِلَةً … ماءُ الصَّبَابَةِ مِنْ عَينَيكَ مَسْجُومُ (٤) ٢ - كَأَنَهَا بَعْدَ أَحْوَالٍ مَضَينَ لَهَا … بالأَشْيَمَينِ يَمَانٍ فِيهم تَسْهِيمُ ٣ - أَوْدَى بهَا كُلُّ عَرَّاصٍ أَلثَّ بِهَا … وَجَافِلٌ مِنْ عجاجِ الصَّيفِ مَهْجُومُ ٤ - وَدِمْنةً هَيَّجَتْ شوقي معالِمهُا … كَأَنَّهَا بِالْهِدَمْلاتِ الرَّوَاشِيمُ ٥ - مَنَازِلَ الحق إِذْ لا الدَّارُ نازِحِةٌ … بالأَصْفِيَاءِ وَإذْ لا الْعَيشُ مُذْمُومُ ٦ - قَدْ يَتْرُكُ الأَرْحَبِيُّ الوَهْمُ أرْكُبُهَا … كَأَنَّ غَارِبَهُ يَافوخُ مَأْمُومُ (٥) ٧ - بَينَ الرَّجَا والرَّجَا مِنْ جَنْبِ وَاصِيَةٍ … يَهْمَاءَ خَابِطُهَا بالخَوْفِ مَعْكُومُ (٦) ٨ - لِلْجِنِّ بِاللَّيْلِ في أَرْجَائِهَا زجَلٌ … كَمَا تَنَاوَحَ يوم الريحِ عَيشُومُ

стр. 364

٩ - هَنَّا وهِنَّا ومن هُنَّا لَهُن بِهَا … ذَاتَ الشمَائِلِ والأَيمَانِ هَينُومُ ١٠ - دَويَّة وَدُجَى لَيلٍ كَأَنَّهُمَا … يَمٌّ تَرَاطَنَ في حَافَاتِهِ الرُّومُ ١١ - يجلي بها اللَّيلُ عَنَّا فيِ مَلَمَّعَةٍ … مثل الأديم لها من هَبْنوَةٍ نِيمُ (١) ١٢ - كَأَنَّنَا والقِنَانَ القُودَ تَحْمِلُنَا … مَوْجُ الفُرَاتِ إذا الْتَجَّ الدَّيَامِيمُ (٢) وهي طويلة من البسيط. ١ - قوله: "ترسمت" أي: تَبَيَّنْتَ ونَظَرْتَ هل ترى منزل خرقاء؟ وهي امرأة شبب بها ذو رمة (٣)، و"الصبابة": رقة الشوق، و: "مسجوم": سائل، والمعنى: أماء الصبابة من عينيك سائل؟ لأن ترسمت من خرقاء، فقدم ألف الاستفهام التي كانت في ماء، فصيرها في موضع كان، وموضع أن مخفوض. ٢ - قوله: "بالأشيمين" الأشيمان: جَبَلان من جِبَالِ الدَّهْنَاء، قوله: "يمان" أي: برد يمانية، و"تسهيم": خطوط. ٣ - قوله: "أودى بها" أي: أذهبها، و"العُرّاص" بضم العين (٤) المهملة وتشديد الراء وفي آخره صاد مهملة؛ وهو الغيم الذي لا يفتر بَرْقُهُ، قوله: "ألث" أي: أقام، وهو بالثاء المثلثة. قوله: "وجافل" بالجيم، من جفل يجفل، من باب ضرب يضرب يقال: أجفلت الريح التراب إذا طيرته، و"العجاج": الغبار، و"مهجوم": ملقى عليه، يقال هجم عليه بيته، أي: لقاه وهدمه. ٤ - قوله: "ودِمْنَة" بكسر الدال وسكون الميم وفتح النون؛ وهي آثار الناس وما سوّدوا، و"المعالم" ما علم منها، واحدها معلم، و "الهِدَمْلات" بكسر الهاء وفتح الدال المهملة وسكون الميم؛ وهي رمال مستوية والواحد هدملة، و"الرواشيم" جمع روشم، وهو الأثر، وهو الذي يطبع به، والضمير في "كأنها" يرجع إلى دمنة (٥)، وانتصابها على أنها معطوفة على قوله: "منزلة".

стр. 365

٥ - قوله: "منازل الحي" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: [هي] (١) منازل الحي، ويجوز نصبها على أن يكون بدلًا من دمنة، و"نازحة" أي بعيدة، و"الأصفياء" جمع صَفِيّ وهو الحبيب الوادُّ. ٦ - قوله: "الأرحبي" نسبة إلى أرحب، وهي بطن من همدان، و"الوهم": الجمل الضخم الذلول، و"الأركُب" بضم الكاف؛ جمع ركب وهم ركاب الإبل. ٧ - و"الرجا" بالجيم؛ الطرق (٢)، و"الواصية" المتصلة بالأخرى، من وصى يصي إذا اتصل. وقال الجوهري: أَرْضٌ وَاصِيَةٌ: مُتصِلَةُ النَّبَاتِ، وَقَدْ وصَتِ الأرضُ إذا اتَّصَل نَبْتُها (٣). قوله: "يَهْماء" بفتح الياءآخر الحروف وسكون الهاء، يقال: طريق يهماء: لا علم بها يهتدى، به لكنها قطع، قوله: "خابطها" بالخاء المعجمة، قال ابن يسعون: الخابط: الماشي في الظلام (٤). قوله: "معكوم" أي: مشدود الفم بالعكام، والعكام بكسر العين؛ الخيط الذي يعكم به، وهذا بتقديم العين على الكاف، وقيل: مكعوم من كعمت البعير إذا شددت بالكعام فمه في هياجه فهو مكعوم، و"الكِعام" بالكسر؛ الذي يجعل في فم البعير، وكعمت الوعاء إذا شددت رأسه. ٨ - قوله: "زجل" بفتح الزاي والجيم، وهو الصوت الرفيع، و"الأرجاء" الأطراف و"العيشوم" بفتح العين المهملة وسكون الياءآخر الحروف وضم الشين المعجمة، وهو ما هاج من الحماض ويبس، الواحدة عيشومة، وقال بعضهم: العيشوم: شجر ينبسط على الأرض فإذا، يبس فللريح فيه زفير (٥). ٩ - قوله: "هنا" بفتح الهاء وتشديد النون في الثلاثة كلها، ومنهم من قال: "هنا" الأولى (٦) بفتح الهاء وتشديد النون، وهنا الثانية (٧) بكسر الهاء وتشديد النون، وهنا الثالثة (٨) بضم الهاء وتشديد النون، والكل بمعنى واحد، وهو الإشارة إلى المكان، ولكنها تختلف في القرب والبعد وهنا بالضم يشار بها إلى القريب من الأمكنة، وإلى البعيد بالآخرين (٩). قوله: "لهن" أي للجن، وقال بعضهم: رجوعه إلى العَيشوم أظهر في اللفظ، وإلى الجن

стр. 366

أظهر في المعنى. وهو على حد قوله (١): وَقَدْ نَظَرَتْ طَوَالِعُكُمْ إِلَينَا … بأَعْينهمْ وَحَقَّقنَ الظُّنُونَا يريد: طوالع العسكر. فأعاد عليهم ضمير جماعة المؤنث. قوله: "هينوم" من الهينمة، وهي الصوت الخفي، ويقال: هي صوت لا يفهم. ١٠ - قوله: "دوية" ويروى: داوية، وهي مفازة منسوبة إلى الدوي؛ كأنك تسمع بها دويًّا، و"اليم" البحر، و"تراطنهم" كلامهم. ١١ - قوله: "يجلي" أي: يكشف (٢)، و"ملمعة": السراب كالأديم في استوائها، و"النيم" بكسر النون: [الفرو] (٣) الصغير القصير إلى الصدر، والنيم بالفارسية: النصف. ١٢ - و: "القِنان" بالقاف؛ صغار الجبال، الواحدة قُنّة، و"القُوَد" بضم القاف؛ جمع قوداء، وهي الطويلة وجعلها قودًا؛ لأن لها (٤) أعناقًا ممتدة، قوله: "التج" من اللجة، وهي الماء الكثير، وأراد أن الشراب التج وصار له لجة، و"الدياميم": جمع ديمومة، وهي الأرض القفراء المستوية، ويروى: إذا ائتج، أي: احترق في الهواجر من أجيج النار، يقال: ائيج يأتج ائتجاجًا. الإعراب: قوله: "هنا وهنا ومن هنا" كلها ظروف، وهنا الأول: ظرف لقوله: زجل في البيت السابق، وقوله: "هينوم" مبتدأ وخبره قوله: "لهن"، قوله: "بها" أي: فيها، والضمير يرجع إلى الأرجاء في البيت السابق، ويتعلق بالمجرور وبـ"استقر" المقدر. قوله (٥): "ذاتَ الشمائل" نصب على الظرفية، والعامل فيه "استقر" المقدر الذي قدرناه، و"الأيمان" بالجر: عَطْفٌ عليه، والتقدير: وذوات الأيمان، أراد أن عزيف الجن في تلك المفازة شمالها ويمينها. الاستشهاد فيه. في فتح هاء "هنَّا" وتشديد النون (٦).

стр. 367

الشاهد الخامس والتسعون (١) , (٢) ....................... .... مِنْ هَؤُلَيَّائِكُنَّ الضَّالِ وَالسَّمُرِ أقول: قائله هو العرجي، واسمه عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس، وأمه آمنة بنت عمر بن عثمان، ولقب بالعرجي؛ لأنه كان يسكن عرج الطائف، وقيل: بل سمي بذلك لماء كان له ومال عليه بالعرج، وكان من شعراء قريش، وممن شهر بالغزل منها، ونحى نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك وتشبه به فأجاد، وكان مشغوفا باللهو، والصيد، حريصًا عليهما قليل المحاشاة لأحد فيهما، ولم يكن له نباهة في أهله، وكان أشقر أزرق جميل الوجه وكان يشبب بحيداء، وهي أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي وكان يتشبب بها ليفضح ابنها لا لمحبة [كانت] (٣) بينهما، فكان ذلك سبب حبس محمد إياه وضربه له حتى مات في السجن، وكان يقول في حبسه قصيدته التي فيها (٤): أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا … لِيَوْمِ كَرِيَهة وَسَدَادِ ثَغْرٍ قلت: محمد بن هشام المذكور هو خال هشام بن عبد الملك، وكان واليًا على مكة حين فعل بالعرجي ما فعل، وكان في الحبس تسع سنين ثم مات فيه بعد أن ضربه بالسياط وأشهر بالأسواق. وصدر البيت المذكور: يَا مَا أُمَيلحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لَنَا … ........................... وهو من قصيدة رائية من البسيط، ومن محاسن أبياتها: بِالله يِا ظَبَيَاتَ القَاعِ قُلْنَ لَنَا … لَيْلايَ مِنْكُن أَمْ لَيلَى مِنَ البَشَرِ قوله: "أميلح": تصغير من ملح الشيء ملاحةً، و"الغزلان": جمع غزال، قوله: "شدن" جمع مؤنث من فعل ماض، يقال: شدن الظباء (٥) شدونًا إذا صلح جسمه، ويقال: شدن الظبي إذا قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، وربما قالوا: شدن المهر، فإذا أفردوا الشادن فهو ولد الظبية وأشدنت الظبية فهي مشدن، إذا شدن ولدها، والجمع: مشادن ومشادين، مثل: مطافل ومطافيل

стр. 368

قوله: "الضال" بالضاد المعجمة وتخفيف اللام؛ وهو السدر البري، والواحدة: الضالة بالتخفيف أيضًا، قال الفراء: أضيلت الأرض وأضالت إذا صار فيها الضال (١)، وقال ابن الأثير: الضالة بتخفيف اللام، واحدة الضال، وهو شجر السدر من شجر الشوك، فإذا نبت على شط النهر (٢) قيل له: العبرِيّ، وألفه منقلبة عن الياء (٣). قوله: "السمر" (٤) بضم الميم؛ هو ضرب من شجر الطلح، الواحدة: سمرة، و "الظبيات" جمع ظبية و"القاع": المستوي من الأرض، ويجمع على: أقواع وأقوع وقيعان، والقيعة مثل القاع، ويقال هو جمع أيضًا. الإعراب: قوله: "يا ما أميلح غزلانًا" فعل التعجب، وأصله: ما أملح غزلانا، وقد علم أن صيغة التعجب نوعان: الأول: ما أفعله، والثاني: أفعل به، أما: ما أفعله فهو فعل عند البصريين، وقال الكوفيون: اسم، واحتجوا بالبيت المذكور؛ لأنه جاء فيه مصغرًا، والتصغير لا يكون إلا في الأسماء. وأجاب البصريون عن ذلك بأنه شاذ، وأن التصغير للمصدر كأنه قال: ملاحة قليلة؛ كما يضاف إلى الفعل والمراد المصدر؛ كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، أي: يوم نفع الصادقين (٥)، ثم كلمة "ما" مبتدأ ونكرة، وقوله: "أميلح غزلانًا" خبره، تقديره: شيء زاد ملاحة غزلان، وهذا على أصل سيبويه في قولهم: ما أحسن زيدًا؟! (٦) فإن قلتَ: لا تقع النكرة مبتدأ إلا بمخصص. قلتُ: هذا من قبيل: شر أهر ذا ناب، وأما أصل الأخفش: فكلمة "ما" موصولة، والجملة بعدها صلتها، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: الذي زاد ملاحة غزلان شيء (٧)، ويقال: "ما"

стр. 369

استفهامية، وما بعدها خبرها، والتقدير: أي شيء زاد ملاحة غزلان (١)، وهذه التقديرات كلها باعتبار الأصل لا على أنها الآن بهذا المعنى؛ لأن معناها الآن إنشاء. قوله: "شدن" الضمير فيه يرجع إلى الغزلان، وهي (٢) في محل النصب على أنها صفة الغزلان، وقوله: "لنا" يتعلق بشدن، وكذلك قوله: "من هؤليائكن"، قوله: "الضال" مجرور بمن، و"السمر" عطف عليه. الاستشهاد فيه: في قوله: "من هؤليائكن" حيث جاءت "أوليائكن" مقرونة بالهاء، و"أوليائكن" تصغير: أولئكن (٣)، وإنما أتى بكن؛ لأنه خاطب مؤنثات بقوله: بالله يا ظبيات القاع … ................. إلخ الشاهد السادس والتسعون (٤) , (٥) حنَّتْ نَوَارِ وَلاتَ هَنَّا حَنَّتِ … وَبَدَا الَّذِي كَانَتْ نَوارُ أَجَنتِ أقول: قائله هو شبيب بن جُعَيل التَّغْلَبِي، وكان بنو قتيبة بن معن، الباهليون أسروه في حرب كانت بينهم وبين بني تغلب، فقال شبيب يخاطب أمه نوار بنت عمرو بن كلثوم بقوله: حنت نوار إلى آخره وبعده (٦): لَمَّا رَأَتْ مَاءَ السَّلا شُرْبًا لها … والفَرْتُ يعْصَرُ في الإنَاءِ أرَنَّتِ وقد نسب بعضهم هذين البيتين إلى حجل بن نضلة، وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه: "فصل المقال" كما قال حجل بن نضلة الباهلي في نوار بنت كلثوم وأصابها يوم طلح فركب بها الفلاة خوفا من أنْ يُلحق:

стр. 370

حنت نوار ............ إلى آخر البيتين وهما من الكامل وفيه الإضمار. قوله: "حنت" من الحنين، وهو الشوق وتوقان النفس، تقول من حن إليه يحنُّ حنينًا فهو حانٍ، قوله: "نوار" بفتح النون والواو المخففة اسم أم الشاعر كما ذكرنا، قوله: "ولات" يعني (١): وليست، قوله: "هنا" بضم الهاء وتشديد النون؛ بمعنى حين (٢)، قوله: "وبدا الذي" أي: وظهر من بدا يبدُو بدوًّا، قوله: "أجنَّت" من أجن بالجيم إذا استتر، ومنه الجنين لاستتاره في البطن، والجنة بالفتح؛ وهي البستان من النخيل لاستتارها بالأشجار، والجنُة بالضم؛ ما استتر به من سلاح. والمجن: البستان، والترس أيضًا، والجنان؛ وهو القلب؛ لاستتاره بالصدر، والجن؛ لاستتارهم عن أعين الإنس، ويستعمل من ذلك مواد كثيرة. والمعنى: حنت هذه المرأة في وقت ليس وقت الحنين وظهر الذي كانت أجنته من المحبة والعشق. قوله: "ماء السلا" السلا مقصور: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي إن نزعت عن الفصيل ساعة يولد، وإلا قتلته، وكذلك إذا انقطع السلا في البطن، فإذا خرج السلا سلمت الناقة وسلم الولد، وإن انقطع في بطنها هلكت وهلك الولد، يقال: ناقة سلياء إذا انقطع سلاها وسليت الناقة أسليها تسلية؛ إذا نزعت سلاها فهي سلياء. قوله: "أرنت" أي: صاحت، يقال: رنت المرأة ترن رنينًا وأرنت أيضًا: صاحت. الإعراب: قوله: "حنت" فعل ماض، و"نوار" فاعله وهو مبني على الكسر في لغة الجمهور أو معرب غير منصرف على لغة تميم (٣)، قوله: "ولات" قال الفارسي: لات مهملة، و"هنا" خبر مقدم، و"حنت": مبتدأ مؤخر، بتقدير أنه مثل: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (٤)، أي أن تسمع، أي: سماعك، والتقدير: أن حنت، أي. حنينها هنا (٥).

стр. 371

وقال ابن عصفور: إن "هنَّا": اسم لات و"حنت": خبرها بتقدير مضاف، أي: وقت حنت (١)، وهذا وهم؛ لأنه يقتضي هذا الإعراب الجمع بين معموليها، وإخراج "هنا" عن الظرفية، وإعمال "لات" في معرفة ظاهرة، وفي غير الزمان، وهو الجملة النائبة عن المضاف، وحذف المضاف إلى جملة (٢). وقال بعض شراح كتاب الزمخشري: إن "هنا" خبر لات واسمها محذوف، تقديره: ليس الحين حين حنينها. قوله: "وبدا" فعل ماض، أسند إلى قوله: "الذي"، وموصوفهُ محذوف، أي: وبدا الشيء الذي أو الأمر الذي، قوله: "كانت نوار أجنت": صلة الموصول، والصلة مع موصولها في محل الرفع على أنه فاعل بدا، والعائد محذوف تقديره: وبدا الأمر الذي كانت أجنته نوار. الاستشهاد فيه: في قوله: "هنا" حيث أشير بها إلى الزمان، وأصلها أن تكون للمكان، كما في البيت الذي قبله (٣). الشاهد السابع والتسعون (٤) , (٥) وَإذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشابَهَتْ … فَهُنَاك يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المُفْزَعُ أقول: قائله هو الأفوه الأَوْدِيّ، والأفوه لقب واسمه: صلاة بن عمرو بن مالك بن عَوْف

стр. 372

ابن الحارث بن منبه بن أوْدِ بن الصعب بن سعد العشيرة، شاعرٌ مفلق، كان غليظ الشفتين، ظاهر الأسنان، فلذلك قيل: الأفوه (١). وهو من الكامل وفيه الإضمار، وهو في آخر البيت، وأولها هو قوله: ١ - وَلَقَدْ يَكُونُ إِذَا تَحَلَّلَتِ الحَبَا … مِنَّا الرَّئِيسُ ابن الرَّئِيسِ المُقْنِعُ ٢ - وَإذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَابَهَتْ … فَهُنَاك يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المفزَعُ ٣ - وَإذَا عَجَاجُ المَوْتِ ثَارَ وَهَلَّلَتْ … فِيهَا الجيَادُ إِلَى الجِيَادِ تَسَرَّعُ ٤ - بالدارعينَ كَأَنَّهَا عُصَبُ القَطَا … والسِّرْبُ تَمْعَجُ فيِ العَجَاجِ وتَمْرَعُ ٥ - كُنَّا فوارطها الذِينَ إِذَا دَعَا … دَاعِي الصَّبَاحِ بِمَا إِلَيهِمْ نَفْزَعُ ٦ - كُنَّا فوارس نَجْدَة لكِنَّهَا … رُتَبٌ فَبَعْضٌ فَوْقَ بَعْضٍ يَشْفَعُ ٧ - وَلِكُل سَاع سَيِّدٌ ممن مَضَى … يَنْمِي بِهِ فيِ سَعْيِهِ أَوْ يَنْزَعُ [١ - قوله: "الحبا" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة، جمع حبوة، وهو ما يحتبي به الرجل من ثوب، أو حمالة سيف في منزله، قوله: "المقنع": مصدر ميمي وصف به مبالغة] (٢). ٢ - قوله: "تشابهت" أي: اشتبه بعضها ببعض، قوله: "وتعاظمت" بمعنى: عظمت، قوله: "المفزع" بالزاي المعجمة والعين المهملة، أي: أين الملجأ؟ يقال: فزعت إليه فأفزعني، أي استغثت إليه فأغاثني، وأفزعته إذا أغثته وإذا خوفته، وأصل الفزعِ: الخوف. وقال ابن فارس: الفزع: الذعر، وهذا مفزع القوم إذا فزعوا إليه فيما يدهمهم، والفزع: الإغاثة (٣). [٣ - قوله: "وهللت" أي: حملت، قوله: "تسرع" أصله: تتسرع بالتاءين، فحذفت إحداهما. ٤ - قوله: "بالدارعين": جمع دارع، وأراد به: أصحاب الدروع، قوله: "عصب القطا" أي: جماعتها وهو بالضمتين، قوله: "تمعج" أي: تسرع. ٥ - قوله: "فوارطها": جمع فارطة، وأراد به المتقدمين في الحرب، وأراد بـ: "داعي الصباح" الذي ينادي عند شن الغارة: يا صباحاه] (٤).

стр. 373

الإعراب: قوله: "وإذا الأمور" إذا: للشرط ها هنا، ولا تدخل إلا على الجملة الفعلية فلذلك تُقَدَّر (١) هَا هُنَا، وإذا تشابهت الأمور حذفت استغناءً عنها بـ"تشابهت" الثاني، و"الأمور": مرفوع بالفعل المحذوف قوله: "وتشابهت" عطف على تعاظمت، قوله: "فهناك" جواب إذا، و"هناك" و"ها هنا": إشارة إلى الزمان؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١]. قوله: "يعترفون" جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم تعترفون، أو هم يعترفون بحسب الفاعل في: يعترفون، قوله: "أين المفزع؟ " أين: يستفهم به عن مكان، فالمفزع (٢)، مبتدأ، وأين: خبره. الاستشهاد فيه: في قوله: "فهناك" فإنه ها هنا إشارة إلى الزمان، وأصل وضعه في الإشارة إلى المكان (٣). * * *

стр. 374

شواهد الموصول الشاهد الثامن والتسعون (١) , (٢) ....................... … فما لسْتُمَا أَهْلَ الخيَانَة وَالْغَدْرِ أقول: صدره: أَلَيس أمِيرِي في الأُمُورِ بأَنْتُمَا … .......................... وهو من الطويل. والمعنى ظاهر. الإعراب: قوله: "أليس أميري" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل التقرير، والباء في "بأنتما" زائدة [والتقدير: أليس أنتما أميرين في الأمور، وحذفت النون من أميري تشبيهًا بالإضافة] (٣). قوله: "فما لستما" ويروى: بما لستما، وكذا رأيته بخط الشيخ أبي حيان [رحمه الله تعالى] (٤)، فما هذه: موصُول حرفي، وتوصل بفعل متصرف غير أمر، وقد وصلت ها هنا بفعل جامد، وهو قوله: "لستما" وهو نادر والتاء في "لستما" هي اسم ليس، قوله: "أهل الخيانة": كلام إضافي منصوب؛ لأنه خبر ليس، قوله: "والغدر" عطف على قوله: "الخيانة". فإن قيل: أين العائد إلى الموصول الحرفي؟

стр. 375

قلتُ: الموصول الحرفي لا يحتاج إلى عائد، وقال صاحب المغني: وبهذا البيت رجح القول بحرفيتها أي بحرفية "ما" كلام إضافي التي فيها؛ إذ لا يتأتى ها هنا (١) تقدير الضمير (٢). وقال ابن عصفور (٣): فمن زعم أن "ليس" فعل جعل "ما" مصدرية، وليس واسمها وخبرها صلة لها، ومن زعم أنها حرف جعل "ما" اسمًا موصولًا بمنزلة الذي، ويلزمه إذ ذاك أن يقدر ضميرًا محذوفًا يربط الصلة بالموصول فالتقدير: بما لستما به، أي بسببه (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "بما لستما" حيث جاء وصل "ما" بليس، وهو نادر كما ذكرناه (٥). الشاهد التاسع والتسعون (٦) , (٧) أَبَنِي كُلَيْبٍ إِن عَمَّيَّ اللَّذَا … قَتَلا الملوكَ وفَكَّكَا الأَغْلالا أقول: قائله هو الفرزدق، قاله الزمخشري وغيره، يفخر على جرير، وهو من بني كليب

стр. 376

ابن يربوع بمن اشتهر (١) من بني تغلب؛ كعمرو بن كلثوم قاتل عمرو بن هند الملك، وعصم بن النعمان بن مالك بن غياث أبي حنش قاتل شرحبيل بن عمرو بن حجر يوم الكلاب الأول وغيرهما من سادات تغلب، ونسبه الصاغاني في العباب إلى الأخطل، وقال في باب "سفح": السفاح أيضًا: لقب رجل من رؤساء العرب، واسمه: سلمة بن خالد بن كعب بن زهير من بني تميم بن أسامة بن بكر بن حبيب بن غنم بن تعلب سفح دمه يوم الكلاب الأول، قال الأخطل: ١ - أَبَنِي كُلَيبٍ إِنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا … قَتَلا الملوكَ وفَكَّكَا الأَغْلالا ٢ - وأخوهُمَا السَّفاحُ ظمأ خَيلَهُ … حتَّى وَرَدْنَ جِبَى الكُلابِ نِهَالا عَمَّاهُ: أبو حنش قاتل شرحبيل بن الحرث بن عمرو آكل المرار يوم الكلاب، وعمرو بن كلثوم التغلبي قاتل عمرو بن هند. انتهى كلامه، والأول أشهر وأصح، قيل: وأراد بعمه هذيل بن هبيرة التغلبي الشاعر، والهذيل بن عمران الأصغر كان أخاه لأمه، يقال (٢): الهذيل لم يكن عمه وإنما كان عم أبيه، لكنه سماه عمًّا تجوزًا واستعارة، والبيتان المذكوران من الكامل، وقوله: "الأغلال" جمع غُل وهو الحديد الذي يجعل في الرقبة. والمعنى: يا بني كليب إن عمي هما اللذان كانا قتلا الملوك وفككا الأغلال عن الأسارى. الإعراب: قوله: "أبني كليب" الهمزة فيه حرف النداء، و"بني كليب" منادى منصوب؛ لأنه مضاف، وقوله: "عميّ" اسم إن، وأصله: إن عمين لي، فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت نون التثنية، وقوله: "اللذا" موصول وصلته قوله: "قتلا الملوك"، والجملة خبر إن, قوله: "وفَكَّكَا الأغْلالا" جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على الصلة. الاستشهاد فيه: في قوله: "إن عميَّ اللذا" حيث حذف نون اللذان تخفيفًا؛ إذ أصله: اللذان قتلا الملوك، وهو لغة بني الحرث وبعض بني ربيعة، فإنهم يقولون: هما اللذا، قالا ذاك بحذف النون، وهما اللتا قالتا ذاك. وعليه جاء بيت الفرزدق.

стр. 377

الشاهد المكمل للمائة (١) , (٢) هُمَا اللَّتَا لَوْ وَلَدَتْ تمِيمُ … لَقِيلَ فَخْرٌ لَهُمُ صَمِيمُ أقول: قائله هو الأخطل، واسمه: غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو بن سيحان بن فدوكس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، الشاعر المشهور من الأراقم، ويلقب بالأخطل النصراني لكبر أذنه، يقال: رجل أخطل، أي: عظيم الأذن، وكذا شاة خطلاء، إذا كانت مسترخية الأذنين وعظيمتهما، ويكنى الأخطل أبا مالك، وكان اسم أمه ليلى، وهي امرأة من إياد، وهو من الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين (٣). الإعراب: قوله: "هما" مبتدأ، و"اللتا": خبره، وأصله: اللتان، وهي صفة موصوفها محذوف تقديره: هما المرأتان اللتان، وقوله: "لو ولدت تميم": جملة وقعت صلة، والعائد محذوف تقديره: لو ولدتهما، فقوله: "لو" للشرط، وقوله: "ولدت تميم" (٤): فعل وفاعل فعل الشرط، وقوله: "لقيل فخر لهم": جواب الشرط، وإنما أنث الفعل في ولدت؛ لأن تميمًا قبيلة كما ذكرنا. وأصل قيل: قول، نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها؛ فصار: قول بكسر القاف وسكون الواو: فقلبت الواو ياء لسكونها [وانكسار ما قبلها] (٥) فصار: قيل (٦). قوله: "فخر": مبتدأ، وقد تخصص بالصفة وهي قوله: "صميم"، وقوله: "لهم" خبره، وهو معترض بين الصفة والموصوف، والجملة وقعت مقولًا للقول، ويروى: فخر لهم عميم، أي: فخر شامل لهم، والضمير في لهم يرجع إلى تميم. الاستشهاد فيه. في قوله: "اللتا"؛ لأن أصله اللتان (٧)، فحذفت منها النون؛ كما في قوله: "إن عمي اللذا"؛ إذ أصله: اللذان؛ كما ذكرنا (٨)، وهذه لغة بلحارث كما ذكرنا، وذكر ابن مالك في شرح

стр. 378

التسهيل أن حذف النون منهما للضرورة (١)، وهو مخالف لما ذكره في التسهيل في جواز حذف نون اللذان واللتان للاختيار (٢) فافهم. الشاهد الأول بعد المائة (٣) , (٤) نَحْنُ اللَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا … يَوْمَ النُّخَيلِ غَارَةً مِلْحَاحًا أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، ويقال: قائله رجل من بني عقيل جاهلي؛ كذا قال أبو زيد في نوادره (٥)، وابن الأعرابي، واختلفا في اسمه، فقال أبو زيد: اسمه أبو حرب الأعلم، وقال ابن الأعرابي غير ذلك (٦) وقال الطاغاني في العباب: قالت ليلى الأخيلية (٧) في دَهر الجعفي: ١ - نحن قَتَلْنَا الملكَ الجَحْجَاحا … دَهْرًا فَهَيَّجْنَا به أنْوَاحًا ٢ - لا كذبَ اليومَ ولا مِزَاحًا … قَوْمي اللذين صَبَّحُوا الصَّبَاحا ٣ - يومَ النُّخَيْلِ غَارَةً مِلْحَاحًا … مَذْحِج فاجْتَحْنَاهُمُ اجْتيَاحًا ٤ - فلم ندعْ لسَارِحٍ مُرَاحًا … إلا ديارًا أو دَمًا مُفَاحًا ٥ - نحن بني خُويْلِدٍ صُرَاحًا وهي من الرجز. ١ - قوله: "الجحجاحا" بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة بهدها جيم أيضًا وبعد الألف حاء مهملة أيضًا، ومعناه: السيد، ويجمع: جحاجحة، قوله: "دهرًا" عطف بيان من الجحجاح أو بدل منه، و"الأنواح": جمع نوح بمعنى النياحة. ٢ - قوله: "لا كذب اليوم" بفتح الكاف وكسر الذال. قوله: "ولا مزاحًا": من المزح، وروى أبو حاتم (٨): مراحًا بالراء المهملة؛ من مرح يمرح إذا بطر، قوله: "قومي اللذين": هكذا

стр. 379

هو في رواية الصاغاني، ولا شاهد فيه (١)، وفي رواية أبي زيد: نحن اللذين، ولا شاهد في هذا أيضًا، يعني: نحن القوم اللذين صبحوا، من صبحته إذا أتيته صباحًا، ولا يراد بالتشديد هنا التكثير. ٣ - قوله: "يَوْمَ النُّخَيلِ" بضم النون وفتح الخاء المعجمة؛ تصغير نخل، ونخيل: اسم لأربعة (٢) مواضع: الأول: النخيل: اسم عين قرب المدينة على خمسة أميال. الثاني: ذو النخيل: موضع قرب مكة. الثالث: ذو النخيل: موضع دوين حضر موت. الرابع: موضع بالشام. وهو الذي أراده الشاعر من قوله: "يوم النخيل" (٣)، قوله: غارة" الغارة: اسم من الإغارة على العدو، قوله: "ملحاحًا" بكسر الميم وبالحائين المهملتين، وهو مفعال من ألحَّ السحاب: دام مطره، وألحَّ السائل إذا ألحف، وأراد: غارة شديدة لازمة، قوله: "مذحج" بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة، وفي آخره جيم، ومذحج: شعب عظيم فيه قبائل وأفخاذ وبطون، واسمه: مالك بن أدد، وقال ابن دريد: مذحج أكمة ولدت عليها أمهم فسُمّوا مذحجًا، ومذحج: مفعل من قولهم: ذحجت الأديم وغيره إذا دلكته (٤)، قوله: "فاجتحناهم" من الاجتياح بالجيم في أوله والحاء المهملة في آخره، وهو الإهلاك والاستئصال. ٤ - و"السارح": المال السائم، وكذلك السرح. و"المراح" بضم الميم؛ حيث يأوي (٥) إليه الإبل والغنم بالليل، قوله: "مفاحا" بالفاء؛ أي: مهراقًا، يقال: فاح دمه وأفاح جميعًا يفيح فيحًا ويفيح إفاحة، لم يعرف الرياشي (٦) ولا أبو حاتم أفاح، قوله: "أو دمًا مفاحًا" هكذا هو في رواية

стр. 380

أبي زيد، ثم قال: "أو": في معنى واو العطف، وفي رواية الصاغاني: "ودمًا" بواو العطف. ٥ - و"الصّراح" بكسر الصاد؛ جمع صريح، والصريح: الرجل الخالص النسب، وكل خالص صريح. الإعراب: قوله: "نحن" مبتدأ، وخبره: "اللذون صبحوا" وموصوف اللذون محذوف تقديره: نحن القوم اللذون، أو نحن الفرسان اللذون، ومفعول صبحوا محذوف، والتقدير: نحن اللذون صبحوهم في وقت الصباح، فيكون الصباح نصبًا على الظرفية، وكذا قوله: "يوم النخيل"، قوله: "غارة" يحتمل وجهين: الأول: أن يكون حالًا من الضمير الذي في صبحوا، والتقدير: مغيرين ملحين. والثاني: أن يكون مفعولًا لأجله، يعني: لأجل الغارة. قوله: "ملحاحًا": صفة الغارة فيؤول على حسب الوجهين. الاستشهاد فيه: في قوله: "اللذون" فإنه أُجري مجرى المذكر السالم؛ حيث رفعه بالواو في حالة الرفع، وهي لغة هذيل، وقيل: لغة بني عقيل (١). الشاهد الثاني بعد المائة (٢) , (٣) فَمَا آبَاؤُنَا بِأَمَنَّ مِنْهُ … عَلَينَا اللَّاءِ قَدْ مَهَدُوا الحُجُورا أقول: قائله هو رجل من بني سليم أنشده الفراء. وهو من الوافر وفيه العصب والقطف. قوله: "بأمن منه" وهو أفعل، مَن منَّ عليه منًّا إذا أنعم، والضمير في: "منه" يرجع إلى الممدوح المذكور فيما قبله، قوله: "مَهَدُوا" بتخفيف الهاء للوزن وأصله من تمهيد الأمور، وهو تسويتها

стр. 381

وإصلاحها، و"الحجور" جمع حجر الإنسان، وهو بفتح الحاء وكسرها، والمعنى: ليس آباؤنا الذين أصلحوا شأننا ومهدوا أمرنا وجعلوا حجورهم لنا كالمهد بأكثر امتنانا علينا من هذا الممدوح. الإعراب: قوله: "فما" عطف على ما قبله من الأبيات، وكلمة "ما" بمعنى: ليس، قوله: "آباؤنا" كلام إضافي، اسمه، وقوله: "بأمن منه" خبره، والباء فيه زائدة لأجل التوكيد؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٢]، قوله: "منه علينا" كلاهما يتعلق بـ"أمنَّ"، قوله: "اللاء" صفة لقوله: "آباؤنا"، قوله: "قد مهدوا الحجورا": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وقعت صلة للموصول، أعني قوله: "اللاء" التي بمعنى: الذي، وقد قيل: يجوز التخفيف في "مهدوا" [وهو الأصل؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] والتثقيل للمبالغة، وروى الفراء: "هم مهدوا"] (١) والألف للإطلاق (٢). الاستشهاد فيه: في ثلاثة (٣) مواضع: الأول: هو الذي أورده الشراحُ ها هنا لأجله، وهو إطلاق اللاء على جماعة الذكور جمع الذي بمعنى: الذين، والأكثر كونها لجمع المؤنث نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ (٤) [الطلاق: ٤]، قال الجوهري: اللاء جمع الذي من غير لفظه بمعنى الذين وفيه ثلاث لغات: اللاؤون في الرفع، واللائين في الخفض والنصب، واللاؤ بلا نون، واللائي بإثبات الياء في كل حال يستوي فيه الرجال والنساء، ولا يصغر؛ لأنهم استغنوا باللتيات للنساء، وباللذيون للرجال، وإن شئت قلت للنساء: اللَّا بلا ياء ولا مد [ولا همزة] (٥)، ومنهم من يهمزه (٦). الثاني: فيه جواز حذف الياء في اللاء، وقد قرئ في التنزيل (٧) في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ بالياء وبحذفها (٨). الثالث: فيه شاهد على الفصل بين الصفة والموصوف؛ وذلك لأن قوله: "آباؤنا" موصوف،

стр. 382

وقوله: "اللاء" صفته، وقد فصل بينهما بقوله: "بأمن منه علينا". الشاهد الثالث بعد المائة (١) , (٢) مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الأولى كُنَّ قَبلَهَا … وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبلُ أقول: قائله هو مجنون ليلى، واسمه: قيس بن الملوح، وقد استوفينا الكلام فيه مع بيان الخلاف فيه (٣). وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: ١ - أظُنُّ هَوَاهَا تَارِيكي بَمَضَلَّةٍ … من الأرضِ لا مَالُ لديَّ ولا أهلُ ٢ - ولا أحدٌ أُفْضي إِليهِ وَصِيَّتي … ولا صاحبٌ إلا المطيَّةُ والرَّحْلُ ٣ - [محا حبها ............... … ...................... إلخ] (٤) ٣ - قوله: "حبها" أي: حب المحبوبة، قوله: "حب الأولى" أي: حب اللاتي كن قبلها، والباقي ظاهر. الإعراب: قوله: "محا" فعل ماض، و"حبُّها": كلام إضافي فاعله، وقوله: "حُبَّ الأولى" بالنصب مفعوله، و"الأولى" موصول، وقوله: "كن قبلها" صلته، قوله: "حلت" عطف على قوله: "مَحَا حُبُّها" أي: حلت تلك المحبوبة مكانًا؛ أي في مكان، وانتصابه على الظرفية، قوله: "لم يكن حل" صفة للمكان و"حلَّ" على صيغة المجهول، يعني: حلَّت هي مكانًا لم يكن حلَّ فيه أحد من قبلها، و"قبل" مبني على الضم؛ لأنه لما قطع عن الإضافة بني على الضم (٥). الاستشهاد فيه: في قوله: "حب الأولى" حيث استعمل الشاعر الأولى موضع اللاء (٦).

стр. 383

الشاهد الرابع بعد المائة (١) , (٢) أسِرْبَ القطَا هَلْ مَن يُعيرُ جناحه … ............................. أقول: قائله هو العباس بنُ الأحنف، ويقال: مجنون بني عامر، والأول أشهر، وأنشده أبو العباس أحمد بن يحيى الملقب بثعلب [رحمه اللَّه تعالى] (٣) وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: ١ - بَكِيتُ إلى سِرْبِ القَطَا إذْ مَرَرْنَ بِي … فَقُلْتُ وَمِثْلِي بِالبُكَاءِ جَدِيرُ ٢ - أَسِرْبَ القَطَا هَل مَنْ يُعيرُ جَنَاحَهُ … لَعَلِّي إِلَى مَنْ قَدْ هَويتُ أَطِيرُ ٣ - فَجَاوَبْنَنِي مِنْ فَوْقِ غُصْنِ أَرَاكَةٍ … أَلا كُلُّنَا يَا مُسْتَعِيرُ مُعِيرُ ٤ - فَأَيُّ قَطَاةٍ لَمْ تُعِرْكَ جَنَاحَهَا … فَعَاشَتْ بِذُلٍّ والجَنَاحُ كَسِيرُ ٢ - قوله: "أسرب القطا" بكسر السين المهملة وسكون الراء، وفي آخره باء موحدة، وهي الجماعة من القطا، يعني: القطيع منها، ويقال لقطيع الظباء أيضًا: سرب، وكذا الشاء والبقر والحُمُر، والجماعة من النساء، وقال ابن الأعرابي: يقع على الماشية كلِّها (٤)، ومثله: السربة، والعوام يقولونها بالصاد، و"القطا": جمع قطاة، وهي طائر معروف. ١ - قوله: "جدير" أي: لائق وحقيق. ٢ - قوله: "هويت" أي أحببت من هوي يهوَى، من باب علم يعلم، ومصدره هوى. ٤ - قوله: "فعاشت بذل"، ويروى: فعادت ببؤس. الإعراب: قوله: "بكيت": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "إلى سرب القطا" يجوز أن تكون "إلى" ها هنا بمعنى: عند، يعني: بكيت عند جماعة سرب القطا حين مررن بي؛ كما في قول الشاعر (٥): ....................... وذِكْرُهُ … أَشْهَى إِلَيَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

стр. 384

ويجوز أن يكون بمعنى اللام؛ كما في قوله: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أي: لكِ (١)، والمعنى: بكيت لأجل سرب القطا إذ مررن بي. والأولى عندي أن تكون "إلى" على حقيقتها، والمعنى: أنهيت بكائي إلى سرب القطا حين مررن بي (٢). الإعراب: ١ - قوله: "إذ": ظرف بمعنى حين (٣)، والعامل فيه بكيت، قوله: "فقلت": جملة من الفعل والفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: فقلت: أنا باكٍ، وأنا أبكي. وقوله: "ومثلي بالبكاء جَدِيرُ" جملة اسمية عطف على المحذوف (٤). قوله: "أسرب القطا" الهمزة فيه حرف نداء، يعني: يا سرب القطا، وسرب القطا: كلام إضافي نصب على النداء، قوله: "هل" للاستفهام، و"من" مبتدأ، و"يعير جناحه" جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع، خبره. قوله: "لعلِّي" الياء اسم لعل، وخبره قوله: "أطير"، وقوله: "إلى من" يتعلق بقوله: أطير، و"من" موصولة، و"هويت" جملة صلة، والعائد محذوف، تقديره: إلى من قد هويته. الاستشهاد فيه: على إطلاق "من" على غير العاقل في قوله: "هَلْ مَنْ يُعير جَنَاحَهَ"؛ وذلك لأنه لما نادى سرب القطا؛ كما ينادى العاقل وطلب منها إعارة الجناح لأجل الطيران نحو محبوبه، الذي هو متشوق إليه وباكٍ لأجله، نَزَّلَهَا منزلة العقلاء (٥)، ويروى: هل ما يعير جناحه، فحينئذ لا شاهد فيه، فافهم.

стр. 385

الشاهد الخامس بعد المائة (١) , (٢) أَلا عِمْ صَبَاحًا أَيُهَا الطَّلَلُ البَالِي … وَهَلْ يَعِمَنْ مَن كَانَ فِي العُصُرِ الخَالِي أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهذا أول قصيدته اللامية المثبتة في ديوانه. وهي طويلة من الطويل، وقد سقناها بتمامها فيما مضى (٣)، فإن قلتَ: عروض الطويل تكون مقبوضة دائمًا، فما بال امرئ القيس أتى بها على الأصل، وهو عيب عندهم (٤)؟ قلتُ: البيت إذا كان مصرعًا لا يقبح فيه ذلك، وإنما يقبح إذا كان غير مصرع وها هنا البيت مصرع، فافهم. قوله: "ألا عم صباحا" أصله: أنعم صباحًا [حذفوا منه الألف والنون استخفافًا؛ كما يقولون: كل ومر في الأمر من: أكل وأمر، ويقال: عم صباحًا بكسر العين وفتحها، فإذا قيل: عم بالفتح فهو محذوف، من أنعم بفتح العين، وإذا قيل: عم بالكسر، فهو محذوف من أنعِم بكسر العين ويقال: إنه من وَعِمَ يعم؛ على مثال وعد يعد، أو من وَعِمَ يعم؛ على مثال: ومِق يمق، وهو بمعنى: نعم ينعم، وحكى يونس أن أبا عمرو بن العلاء سُئِل عن قول عنترة (٥): ....................... … وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسلَمي فقال: هو من نعم المطر إذا كثر، ونعم البحر إذا كثر زبده؛ كأنه يدعو لها بالسقيا، وكثرة الخير. وقال الأصمعي: عم صباحًا، دعاء بالنعيم والأهل، وهذا هو المعروف (٦)، وما ذكره يونس غريب، وهذه اللفظة من تحايا الجاهلية، كانوا يحيون بها ملوكهم، وكذلك كانوا يقولون: حياك الله وبياك، وأبيت اللعن ونحو ذلك (٧) وقال الأصمعي: كانت العرب في الجاهلية، تقول: أنعم صباحًا دار عبلة، ثم أنشد: يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالجَواءِ تَكلَّمِي … وَعَمِي صباحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمي

стр. 386

أي: سلَّمكِ الله من الآفات والدروس (١)، وروى الأصمعي أيضًا: ألا عم صباحًا؛ كما في قول امرئ القيس، ويقال: عم صباحًا: كلمة كانوا يحيون بها الناس في الغدوات، ويقولون بالعشاءات: عم مساءً، وبالليل: عم ظلامًا (٢). قوله: "أيها الطلل البالي" الطلل: ما شخص من الدار، والبالي مِنْ بلي يبلى إذا اخلولق، قوله: "وهل يعمن" أصله: وهل ينعمن، فعل بها كما فعل بقوله: أنعم صباحًا. قوله: "في العصُر" بضم العين والصاد بمعنى: العصر، وهو الدهر، قال ابن فارس: العصر: الدهر، وقد يثقل بضمتين، فيقال: عصر، ويجمع على عصور (٣)، و"الخالي" من خلا الشيء يخلو خلاء، والخلاء: المكان الذي لا شيء به. الإعراب: قوله: "ألا": للعرض والتحضيض، و"عم": فعل وفاعله، وأصله: أنعم -كما ذكرنا "صباحًا": نصب على الظرف؛ كأنه قال: أنعم في صباحك، ويجوز أن يكون تمييزًا منقولًا، والتمييز المنقول: ما كان في أصله فاعلًا، ثم نقل الفعل عنه إلى غيره فنصب (٤)، كأن أصله: لينعم صباحك، ثم نقل الفعل من غير الصباح إليه؛ فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]. قوله: "أيها الطلل البالي" أي: يا أيها، فيا: حرف النداء وقد حذف، وأي: منادى، والهاء: مقحمة للتنبيه، والطل: مرفوع؛ لأنه صفة للمنادى تابع له، ولما كان الطلل معرفًا باللام، وقصد نداؤه، ولم يتمكن من ذلك لعدم دخول حرف النداء على المعرفة، توصل إلى ندائه بالاسم المبهم فقيل: يا أيها الطلل؛ كما في قولك: يا أيها الرجل (٥) والبالي: صفة الطلل، فدُعي للطلل بالنعيم وأن يكون سالمًا [عن الآفات] (٦) وهذا من عاداتهم، وكانوا يعنون بذلك أهل الطلل. قوله: "وهل يعمن" هل: استفهام على سبيل الإنكار (٧)، معناه: قد تفرق أهلك وذهبوا

стр. 387

فتغيرت بعدهم عما كنت عليه فكيف تنعم بعدهم؟ وكأنه يعني نفسه بذلك، وضرب المثل بوصف الطلل. وقوله: "يعمن" أصله: ينعمن، وهو فعل مؤكد بالنون، قوله (١): "من كان" فاعله، [من] (٢) موصولة، و" كان في العصر الخالي" صلته، واسم كان هو الضمير الذي فيه، وقوله: "في العصر" خبره، و"الخالي": صفة للعصر. الاستشهاد فيه: في قوله: "من كان" حيث استعمل "من" التي هي للعقلاء فيمن نُزِّلَ منزلتهم كما في البيت المذكور قبل هذا، فافهم (٣). الشاهد السادس بعد المائة (٤) , (٥) إذَا مَا لَقيتَ بَنِي مَالِكٍ … فَسِلِّمْ عَلَى أَيُّهُمْ أَفْضَلُ أقول: قائله هو غسان بن وعلة بن مرة بن عباد، وأنشده أبو عمرو الشيباني في كتاب الحروف. وهو من المتقارب، وأصله: فعولن ثمان مرات (٦)، وفيه القبض والحذف، فقوله: "لقيت" مقبوض، وقوله: "لك" محذوف؛ لأن (٧) وزنه فعل. المعنى: ظاهر. الإعراب: قوله: "إذا ما لقيت" كلمة "ما": زائدة (٨)، و"إذا" فيها معنى الشرط؛ فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله: "فسلم"، و"بني مالك" كلام إضافي مفعول لقوله: "لقيت"،

стр. 388

وقوله: "على أيُّهم" يتعلق بقوله "فسلم"، و "أي": موصول مضاف إلى الضمير، وصدر صلته محذوف والتقدير: على أيهم هو أفضل. والاستشهاد فيه: إن (أيُّ) فيه أضيف وحذف صدر [صلته] (١)، فلذلك بُني على الضم (٢) ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وروي: أيِّهم بالجر على لغة من أعرب (أيا) مطلقًا (٣)، وهذا البيت حجة على أحمد بن يحيى في زعمه أن (أيا) لا تكون إلا استفهافا أو جزاءً (٤). الشاهد السابع بعد المائة (٥)، (٦) فإمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتَهُم … فَحَسْبِي مِنْ ذِي عِنْدَهُم مَا كَفَانِيَا أقول: قد مر الكلام فيه مستوفًى في شواهد المعرب والمبني (٧). [الاستشهاد فيه: في "ذي"؛ فإنه بمعنى الذي، وقد قررناه] (٨).

стр. 389

الشاهد الثامن بعد المائة (١)، (٢) فإن الماءَ ماءُ أَبي وَجَدِّي … وبئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ أقول: قائله هو سنان بن الفحل أخو بني أم الكهف من طيئ (٣)، وهو من قصيدة، وأولها هو قوله: ١ - وَقَالُوا قَدْ جُنِتتَ فَقُلْتُ كَلَّا … وَرَبِي مَا جُينْتُ وَلا انْتَشَيتُ ٢ - ولكني ظُلِمْتُ فَكِدْتُ أَبْكِي … مِنَ الظُلْمِ المبُيِن أَوْ بَكيتُ ٣ - فإن الماء ............... … ...................... إلخ ٤ - وقبلك رُبّ خَصْم قد تَمَالوْا … عَلَيَّ فَمَا هَلِعْتُ وَلا ذُعِرْتُ ٥ - وَلَكني نَصَبْتُ لهم جَبِيني … وألّةَ فارسٍ حتى قَرَيتُ وهي من الوافر، وفيه العصب بالمهملتين، والقطف. ١ - قوله: "قد جننت" على صيغة المجهول، من الجنون، وكان الواجب أن يقول (٤): وقالوا: قد جننت أو سكرت، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأن النفي الذي يتعقب الجواب ينظمهما (٥)، وذلك كما في قول الشاعر (٦): فَمَا أَدْرِي إذا يَممتَ أَرْضًا … أُرِيدَ الخيرَ أَيُّهُمَا يَليني قوله: "كلا": للردع والزجر (٧)، والمعنى: ليس الأمر كذلك فارتدع، قوله: "ولا انتشيت" أي: ولا سكرت؛ من النَّشْوَةِ وهو السكر، ومنه يقال للسكران: نشوان. ٢ - قوله: "ظلمت" على صيغة المجهول، وَذَكرَ البُكاء ليرى أنفته وإنكارهُ لما أريد ظلمه فيه.

стр. 390

٣ - قوله: "وَبئْرِي ذُو حَفَرْتُ" أي: بئري التي حفرت والتي طويت، يقال: طويت البئر إذا بنيتها بالحجارة، وتسمى هذه "ذو" الطائية، فإن "طيئ" يقولون: هَذَا ذُو قَال ذَاكَ، ورأيت ذو قال ذاك، ومررت بذو قال ذاك، فتحتاج من الصلة ما يحتاج إليه الذي لكنها تقع في لغتهم للمذكر والمؤنث، ولهذا صلح أن يقول: بئري ذو حفرت، والبئر مؤنثة. ٤ - قوله: "فما هلِعت" بكسر اللام؛ من الهلع بفتح اللام، وهو أفحش الجزع، فإن قلت: كيف قال: [فما هلعت] (١). وقد قال فيما قبلهُ: وكدت أبكي، وهل الهلع إلا البكاء الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد؟ قلتُ: البكاء الذي ذكر أنه شارفه أو كاد أن يشارفه، فإنه إنما كان ذلك منه على طريق الاستنكاف. فإذا كان كذلك فإنه لم يكن عن تخشع (٢). قوله: "ولا ذعرت" من الذعر، وهو الخوف. والرواية الصحيحة: ولا دعوت أحدًا لنصرتي. فإن قلتَ: فيه تناقض؛ لأنه قال أولًا: ولكني ظلمت … إلى آخره، وها هنا يقول: فما هلعت ولا ذعرت وبينهما تناقض. قلتُ: لا تناقض؛ لأنه على اختلاف وقتين، وقصده من الكلام الأول بيان أنه ذل جانبه بعد أن كان عزيزًا، ونظيره أبيات فاطمة بنت الأحجم (٣) حين ضعف جانبها لموت مَن كان ينصرها، وهي أبيات حسنة تمثلت بها سيدتنا فاطمة (٤) - رضي اللَّه تعالى عنها - حين قبض رسول الله ﷺ وهي (٥): ١ - قَدْ كُنتَ لي جَبَلًا ألُوَذُ بظِلِّهِ … فَتَرَكتَتي أَمشِي بأَجْرَدَ ضَاحِي ٢ - قَدْ كُنْتَ ذَات حَمِيَّة مَا عِشْتَ لي … أمْشِي البَرَارَ وكنتَ أَنْتَ جَنَاحِي ٣ - فاليومَ أخضَعُ للذلِيلِ وأتقِي … مِنْه وَأَدْفَعُ ظَالِمي بالرَّاحِ ٤ - وإذَا دَعَتْ قُمْيرية شَجَنًا لَهَا … لَيلًا عَلَى فَنَنٍ دَعَوْتُ صَبَاحِي
следующие страницы →