← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أي: سلَّمكِ الله من الآفات والدروس (١)، وروى الأصمعي أيضًا: ألا عم صباحًا؛ كما في قول امرئ القيس، ويقال: عم صباحًا: كلمة كانوا يحيون بها الناس في الغدوات، ويقولون بالعشاءات: عم مساءً، وبالليل: عم ظلامًا (٢). قوله: "أيها الطلل البالي" الطلل: ما شخص من الدار، والبالي مِنْ بلي يبلى إذا اخلولق، قوله: "وهل يعمن" أصله: وهل ينعمن، فعل بها كما فعل بقوله: أنعم صباحًا. قوله: "في العصُر" بضم العين والصاد بمعنى: العصر، وهو الدهر، قال ابن فارس: العصر: الدهر، وقد يثقل بضمتين، فيقال: عصر، ويجمع على عصور (٣)، و"الخالي" من خلا الشيء يخلو خلاء، والخلاء: المكان الذي لا شيء به. الإعراب: قوله: "ألا": للعرض والتحضيض، و"عم": فعل وفاعله، وأصله: أنعم -كما ذكرنا "صباحًا": نصب على الظرف؛ كأنه قال: أنعم في صباحك، ويجوز أن يكون تمييزًا منقولًا، والتمييز المنقول: ما كان في أصله فاعلًا، ثم نقل الفعل عنه إلى غيره فنصب (٤)، كأن أصله: لينعم صباحك، ثم نقل الفعل من غير الصباح إليه؛ فهو من باب قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]. قوله: "أيها الطلل البالي" أي: يا أيها، فيا: حرف النداء وقد حذف، وأي: منادى، والهاء: مقحمة للتنبيه، والطل: مرفوع؛ لأنه صفة للمنادى تابع له، ولما كان الطلل معرفًا باللام، وقصد نداؤه، ولم يتمكن من ذلك لعدم دخول حرف النداء على المعرفة، توصل إلى ندائه بالاسم المبهم فقيل: يا أيها الطلل؛ كما في قولك: يا أيها الرجل (٥) والبالي: صفة الطلل، فدُعي للطلل بالنعيم وأن يكون سالمًا [عن الآفات] (٦) وهذا من عاداتهم، وكانوا يعنون بذلك أهل الطلل. قوله: "وهل يعمن" هل: استفهام على سبيل الإنكار (٧)، معناه: قد تفرق أهلك وذهبوا

стр. 387

فتغيرت بعدهم عما كنت عليه فكيف تنعم بعدهم؟ وكأنه يعني نفسه بذلك، وضرب المثل بوصف الطلل. وقوله: "يعمن" أصله: ينعمن، وهو فعل مؤكد بالنون، قوله (١): "من كان" فاعله، [من] (٢) موصولة، و" كان في العصر الخالي" صلته، واسم كان هو الضمير الذي فيه، وقوله: "في العصر" خبره، و"الخالي": صفة للعصر. الاستشهاد فيه: في قوله: "من كان" حيث استعمل "من" التي هي للعقلاء فيمن نُزِّلَ منزلتهم كما في البيت المذكور قبل هذا، فافهم (٣). الشاهد السادس بعد المائة (٤) , (٥) إذَا مَا لَقيتَ بَنِي مَالِكٍ … فَسِلِّمْ عَلَى أَيُّهُمْ أَفْضَلُ أقول: قائله هو غسان بن وعلة بن مرة بن عباد، وأنشده أبو عمرو الشيباني في كتاب الحروف. وهو من المتقارب، وأصله: فعولن ثمان مرات (٦)، وفيه القبض والحذف، فقوله: "لقيت" مقبوض، وقوله: "لك" محذوف؛ لأن (٧) وزنه فعل. المعنى: ظاهر. الإعراب: قوله: "إذا ما لقيت" كلمة "ما": زائدة (٨)، و"إذا" فيها معنى الشرط؛ فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله: "فسلم"، و"بني مالك" كلام إضافي مفعول لقوله: "لقيت"،

стр. 388

وقوله: "على أيُّهم" يتعلق بقوله "فسلم"، و "أي": موصول مضاف إلى الضمير، وصدر صلته محذوف والتقدير: على أيهم هو أفضل. والاستشهاد فيه: إن (أيُّ) فيه أضيف وحذف صدر [صلته] (١)، فلذلك بُني على الضم (٢) ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وروي: أيِّهم بالجر على لغة من أعرب (أيا) مطلقًا (٣)، وهذا البيت حجة على أحمد بن يحيى في زعمه أن (أيا) لا تكون إلا استفهافا أو جزاءً (٤). الشاهد السابع بعد المائة (٥)، (٦) فإمَّا كِرَامٌ مُوسِرُونَ لَقِيتَهُم … فَحَسْبِي مِنْ ذِي عِنْدَهُم مَا كَفَانِيَا أقول: قد مر الكلام فيه مستوفًى في شواهد المعرب والمبني (٧). [الاستشهاد فيه: في "ذي"؛ فإنه بمعنى الذي، وقد قررناه] (٨).

стр. 389

الشاهد الثامن بعد المائة (١)، (٢) فإن الماءَ ماءُ أَبي وَجَدِّي … وبئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ أقول: قائله هو سنان بن الفحل أخو بني أم الكهف من طيئ (٣)، وهو من قصيدة، وأولها هو قوله: ١ - وَقَالُوا قَدْ جُنِتتَ فَقُلْتُ كَلَّا … وَرَبِي مَا جُينْتُ وَلا انْتَشَيتُ ٢ - ولكني ظُلِمْتُ فَكِدْتُ أَبْكِي … مِنَ الظُلْمِ المبُيِن أَوْ بَكيتُ ٣ - فإن الماء ............... … ...................... إلخ ٤ - وقبلك رُبّ خَصْم قد تَمَالوْا … عَلَيَّ فَمَا هَلِعْتُ وَلا ذُعِرْتُ ٥ - وَلَكني نَصَبْتُ لهم جَبِيني … وألّةَ فارسٍ حتى قَرَيتُ وهي من الوافر، وفيه العصب بالمهملتين، والقطف. ١ - قوله: "قد جننت" على صيغة المجهول، من الجنون، وكان الواجب أن يقول (٤): وقالوا: قد جننت أو سكرت، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأن النفي الذي يتعقب الجواب ينظمهما (٥)، وذلك كما في قول الشاعر (٦): فَمَا أَدْرِي إذا يَممتَ أَرْضًا … أُرِيدَ الخيرَ أَيُّهُمَا يَليني قوله: "كلا": للردع والزجر (٧)، والمعنى: ليس الأمر كذلك فارتدع، قوله: "ولا انتشيت" أي: ولا سكرت؛ من النَّشْوَةِ وهو السكر، ومنه يقال للسكران: نشوان. ٢ - قوله: "ظلمت" على صيغة المجهول، وَذَكرَ البُكاء ليرى أنفته وإنكارهُ لما أريد ظلمه فيه.

стр. 390

٣ - قوله: "وَبئْرِي ذُو حَفَرْتُ" أي: بئري التي حفرت والتي طويت، يقال: طويت البئر إذا بنيتها بالحجارة، وتسمى هذه "ذو" الطائية، فإن "طيئ" يقولون: هَذَا ذُو قَال ذَاكَ، ورأيت ذو قال ذاك، ومررت بذو قال ذاك، فتحتاج من الصلة ما يحتاج إليه الذي لكنها تقع في لغتهم للمذكر والمؤنث، ولهذا صلح أن يقول: بئري ذو حفرت، والبئر مؤنثة. ٤ - قوله: "فما هلِعت" بكسر اللام؛ من الهلع بفتح اللام، وهو أفحش الجزع، فإن قلت: كيف قال: [فما هلعت] (١). وقد قال فيما قبلهُ: وكدت أبكي، وهل الهلع إلا البكاء الذي يظهر فيه الخضوع والانقياد؟ قلتُ: البكاء الذي ذكر أنه شارفه أو كاد أن يشارفه، فإنه إنما كان ذلك منه على طريق الاستنكاف. فإذا كان كذلك فإنه لم يكن عن تخشع (٢). قوله: "ولا ذعرت" من الذعر، وهو الخوف. والرواية الصحيحة: ولا دعوت أحدًا لنصرتي. فإن قلتَ: فيه تناقض؛ لأنه قال أولًا: ولكني ظلمت … إلى آخره، وها هنا يقول: فما هلعت ولا ذعرت وبينهما تناقض. قلتُ: لا تناقض؛ لأنه على اختلاف وقتين، وقصده من الكلام الأول بيان أنه ذل جانبه بعد أن كان عزيزًا، ونظيره أبيات فاطمة بنت الأحجم (٣) حين ضعف جانبها لموت مَن كان ينصرها، وهي أبيات حسنة تمثلت بها سيدتنا فاطمة (٤) - رضي اللَّه تعالى عنها - حين قبض رسول الله ﷺ وهي (٥): ١ - قَدْ كُنتَ لي جَبَلًا ألُوَذُ بظِلِّهِ … فَتَرَكتَتي أَمشِي بأَجْرَدَ ضَاحِي ٢ - قَدْ كُنْتَ ذَات حَمِيَّة مَا عِشْتَ لي … أمْشِي البَرَارَ وكنتَ أَنْتَ جَنَاحِي ٣ - فاليومَ أخضَعُ للذلِيلِ وأتقِي … مِنْه وَأَدْفَعُ ظَالِمي بالرَّاحِ ٤ - وإذَا دَعَتْ قُمْيرية شَجَنًا لَهَا … لَيلًا عَلَى فَنَنٍ دَعَوْتُ صَبَاحِي

стр. 391

٥ - قوله: "نصبت لهم جبيني" أراد خاصمتهم باللسان، ثم بلغنا إلى الرماح، وهو معنى قوله: "وألّة فارس" الألّة بفتح الهمزة وتشديد اللام؛ من ألّه يؤله ألًّا وألّةً إذا طعنه بالحربة، قال: فطاعنتهم فغلبتهم (١) "حتى قريت" الماء في الحوض؛ أي جمعته فيه، واسم ذلك الماء قِرَى بكسر القاف مقصور. الإعراب: قوله: "فإن الماء" الفاء فيه للتعليل، والماء: اسم إن، و "ماء أبي": كلام إضافي خبره، قوله: "وجدي" عطف على قوله: أبي، أي: وماء جدي، قوله: "وبئري" مبتدأ، وخبره قوله: "ذو حفرت" أي: التي حفرت، قوله: "حفرت" صلة الموصول، والعائد محذوف أي: [ذو] (٢) حفرتها وطويتها. الاستشهاد فيه: في قوله: "ذو حفرت" فإنه أطلق "ذو" على المؤنث وهي البئر (٣)، وزعم ابن عصفور أن "ذو" خاصة بالمذكر، وأن "ذات" خاصة بالمؤنث، وأن البئر في البيت ذكرت على معنى القليب (٤) كما قال الفارسي (٥) [في قوله] (٦): ١ - يَا بئرنا بِئْرَ بَنِي عَدِي … لأَنْزِحَنْ قَعْرَكِ بالدَلِيَ ٢ - حَتَّى تَعُودِي أَقْطَع الوَلِيّ … ......................... التقدير: حتى تعودي قليبًا أقطع، فحذف الموصوف، وفرَّق ابن الضائغ (٧) بينهما بأن أقطع صفة فيحمل على الفعل بخلاف "ذو" وقال: ألا ترى من قال: نفع الموعظة [لا يقول مشيرًا إليها: هذا الموعظة] (٨)، ولهذا قال الخليل في: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨]: إنه إشارة

стр. 392

إلى القطر لا إلى الرحمة (١). الشاهد التاسع بعد المائة (٢)، (٣) جَمَعْتُهَا مِنْ أَيْنُقٍ مَوَارِقٍ … ذَوَاتُ يَنْهَضْنَ بِغَيرِ سَائِق أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج الراجز التميمي. قوله: "جمعتها" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى النوق المذكورة في البيت السابق، قوله: "من ينق" جمع ناقة، وأصل الناقة: نوقة، فيجمع على أنوق في جمع القلة، استثقلت الضمة على الواو فقدمت الواو فصار: أونق، ثم قلبت الواو ياءً فصار: أينق، ويجمع على أيانق جمع الجمع. قوله: "موارق": جمع مارقة، من مرق السهم من الرمايا، شبهت هذه الأينق بالسهام التي نمرق من الرمايا في سرعة مَشْيِها وجريها وسبقها، هكذا وقع في نسخة ابن هشام (٤)، ووقع في نسخة ابن الناظم: سوابق عوض موارق، وكلاهما رواية، وهو جمع سابقة (٥)، قوله: "بغير سائق" من السوق. الإعراب: قوله: "جمعتها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، و "من أينق": يتعلق به، وقوله: "موارق": صفة لأينق، قوله: "ذوات" موصولة بمعنى: اللاتي، وصلتها قوله: "ينهضن" والباء في "بغير" يتعلق به. الاستشهاد فيه: في قوله: "ذوات" فإنه جمع "ذو" التي هي بمعنى التي، على ذوات بمعنى اللاتي، وهي لغة جماعة من طيئ، وأكثرهم يستعملون "ذو" بمعنى الذي بلفظ واحد، للمفرد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث (٦).

стр. 393

الشاهد العاشر بعد المائة (١)، (٢) ألا تَسْأَلانِ المَرءَ مَاذَا يُحَاولُ … أَنَحْبٌ فَيقضَى أم ضَلالٌ وبَاطِلُ أقول: قائله هو لبيد بن ربيعة العامري، وهو من قصيدة لامية من الطويل ذكرناها في أول الكتاب مع ترجمة لبيد (٣). قوله: "ألا" كلمة للتنبيه، نبه بها السامع على شيء يأتي، وقيل: تدل على تحقق ما بعدها قوله: "تسألان" خطاب للاثنين، وأراد به الواحد؛ لأن من عادة العرب أن يخاطبوا الواحد بصيغة الاثنين؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ (٤) [ق: ٢٤] وكأنهم يريدون بها التكرار وللتأكيد فكأن المعنى: ألا تسأل تسأل. قوله: "ماذا يحاول" أي: أي شيء يطلب، قال الجوهري: حاولت الشيء إذا أردته (٥) قوله: "أنحب" النحب بفتح النون وسكون الحاء المهملة وفي آخره باء موحدة؛ وهو النذر. تقول: منه نحبت أنحب بالضم. المعنى: هلا تسأل المرء ماذا يطلب باجتهاده في الدنيا وتتبعه إياها. أنذر أوجب على نفسه أن لا ينفك عن طلبه فهو يسعى في قضائه أم هو في ضلال وباطل؟ الإعراب: قوله: "تسألان": جملة من الفعل والفاعل، و "المرء" مفعوله، وكلمة "ما" استفهام معلقة لفعل السؤال، إجراءً له مجرى مسببه وهو العلم (٦)، مثله قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] وهو مبتدأ، و "ذا": خبرها، ويجوز العكس على الخلاف، و "ذا" موصول، و "يحاول": صلته، والعائد محذوف، والتقدير: ما الشيء الذي يحاوله؟ قوله: "أنحب" بدل من قوله: "ماذا يحاول"؛ بدل تفصيل (٧)، ويجوز انتصاب: أنحب

стр. 394

على تقدير أن تكون (ما) مفعولًا لقوله: يحاول، وتكون (١) "ذا" زائدة، ويكون: "أنحب" بدلًا من قوله: "ماذا" فحينئذ ينتصب؛ لأنه بدل من المنصوب، قوله: "فيقضى" جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوله: "أنحب". ويجوز أن تكون في محل النصب على تقدير انتصاب النحب، ويقال في ألف يقضي: فتحة مقدرة لأنه جواب الاستفهام، قوله: "أم ضلال" عطف على قوله: "أنحب"، قوله: "وباطل" عطف عليه. الاستشهاد فيه: في قوله: "ماذا يحاول"؛ فإن "ذا" فيه بمعنى الذي، والجملة بعدها صلتها؛ وذلك لأنها تقدمها استفهام بما، وهذا بالاتفاق (٢). الشاهد الحادي عشر بعد المائة (٣)، (٤) أَلا إن قَلْبِي لَدَى الظَّاعِنِينَا … حَزِينٌ فَمَنْ ذَا يُعَزِّي الحَزِينَا أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت. وهو من المتقارب. قوله: "الظاعنينا" بالظاء المعجمة، أي: الراحلين، من ظعن يظعَن ظعنًا بالسكون وظعَنًا بالتحريك إذا سار، ومنه: الظعينة، وهي الراحلة التي ترحل ويُسَارُ عليها، ومن ذلك قيل للمرأة: ظعينة؛ لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت. الإعراب: قوله: "ألا": كلمة تنبيه، و "إنّ": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، و"قلبي": كلام إضافي اسمه، و"حزين" خبره، و "لدى الظاعنينا": كلام إضافي يتعلق بحزين، والألف فيه

стр. 395

للإشباع، قوله: "فمن" استفهامية، و "ذا": موصولة، و "يعزي الحزينا": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، صلة الموصول. الاستشهاد فيه: في قوله: "فمن ذا" فإنها موصولة؛ لأنه تقدمها "من" الاستفهامية، وهذا فيه خلاف فإن بعضهم قال (١): لا يجوز وقوع "ذا" الموصولة بعد "من"، والأصح عند الجمهور وقوع ذلك وجوازه (٢). الشاهد الثاني عشر بعد المائة (٣)، (٤) عَدَسْ مَا لِعَبادٍ عَلَيكِ إِمَارَةٌ … أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ أقول: قائله هو يزيد بن مُفَرَّغ الحِمْيَرِيّ (٥) بضم الميم وفتح الفاء وتشديد الراء المكسورة وفي آخره غين معجمة، وإنما سمي بذلك؛ لأنه راهن على شرب سقاء كبير ففرغه، وهو من قصيدة قافية وأولها هو هذا البيت وبعده: ٢ - وإن الذي نَجَى مِنَ الكَرْبِ بَعْدَمَا … تَلاحَمَ فيِ دَرْب عَلَيكِ مَضِيقُ ٣ - أتاكِ بحمحامٍ فأنْجَاكِ فالحقي … بأرضك لا تَحبس عليك طَريقُ ٤ - لعمري لقد أنجاك من هُوَّةِ الرَّدى … إمام وحبل للأنَامِ وثِيقُ ٥ - سأشكر ما أَوْلَيتَ من حسن نِعْمة … ومثلي بِشُكْرِ المنعِمِينَ حَقيقُ

стр. 396

٦ - فإنْ تَطْرُقِي بَابَ الإمَامِ فإنني … لكل كريم ماجِدٍ لَطَرُوقُ وهي من الطويل. ومن قصته: كان قد هجا عباد بن زياد بن أبي سفيان، وهو زياد بن أبيه، وملأ البلاد من هجوه، وكتبه على الحيطان، فلما ظفر به ألزمه محوه بأظفاره، ففسدت أنامله، ثم أطال سجنه فكلموا فيه معاوية، فوجه بريدًا يقال له حمحام، فأخرجه وقدمت له فرس من خيل البريد فنفرت، فقال: عدس ما لعباد عليك إمارة … ........................... ويقال: كان يزيد بن مفرغ المذكور قد صحب عبادًا المذكور والي سجستان، حين ولاه معاوية -رضي اللَّه تعالى عنه- إياها، وكره عبيد اللَّه أخو عباد استصحابه ليزيد بن مفرغ خوفًا من هجائه، فقال لابن مفرغ: أنا أخاف أن يشتغل عنك عباد فتهجونا، فأحب أن لا تعجل إلى عباد حتى يكتب إليَّ، وكان عباد طويل اللحية عريضها فركب ذات يوم، وابن مفرغ في موكبه، فهبت الريح فنفشت لحيته، فقال ابن مفرغ (١): ألا ليت اللِّحا كَانَتْ حَشِيشًا … فَنَعْلِفَها دَوابَّ المسلمينا وهجاه بأنواع الهجاء، فأخذه عبيد الله بن زياد فقيده، وكان يجلده كل يوم ويعذبه بأنواع العذاب، وكان يسقيه الدواء المسهل، ويحمله على بعير ويقرن به خنزيرة، فإذا أمشاه المسهل وسال على الخنزيرة صَاءَتْ (٢) وآذته، فلما زاد عليه البلاء كتب إلى معاوية ﵁ بأبيات يذكره ما حل به ويستعطفه فيها، وكان عبيد الله أرسل به إلى عباد بسجستان والقصيدة التي [كان] (٣) هجاه بها، ثم إن معاوية بعث إلى مولى له يقال له خشنام على البريد، فقال له: انطلق حتى تقدم على ابن مفرغ بسجستان فَأطْلِقْهُ، ولا تستأمرن عبادًا، فامتثل أمرَه، وأتى إلى سجستان، فسأل عن ابن مفرغ فأخبروه بمكانه، فوجده مقيدًا فأحضر قَينًا ففك قيده وأدخله الحمام وألبسه ثيابًا فاخرة وأركبه بغلة فلما ركبه قال: عدس ما لعباد عليك إمارة … ............................ إلى آخر القصيدة، فلما قدم على معاوية [رضي الله تعالى عنه] (٤) قال يا أمير المؤمنين:

стр. 397

صُنِعَ لي ما لم يصنع بأحد، من غير حدث أحدثْتُه، فقال له: معاوية [﵁] (١)، وأي حدث أعظم من حدث أحدثته في قولك (٢): ١ - أَلا أَبْلغ مُعَاويَةَ بنَ حَرْب … مُغَلْغَلَةً عَن الرَّجُلِ اليَمَانِي ٢ - أتغضب أن يقال أبوك عف … وتَرْضَى أنْ يُقَال أبُوكَ زَاني ٣ - فاشهَد أن رحِمَكَ من زِيَادِ … كرَحم الفيل من ولدِ الأتانِ ٤ - وأشهدُ أنَّهَا حَمَلَت زيادًا … وصخر من سَمَيَّةَ غير دانٍ؟ فحلف ابن مفرغ أنه لم يقله، وإنما قاله عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، فأخذني (٣) ذريعة إلى هجاء زياد، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم وقطع عطاءَه. قوله: "عدس" بفتح العين والدال والسين المهملات؛ وهي في الأصل صوت يزجر به البغل، وقد يسمَّى البغل به، قال (٤): إذا حَمَلتُ بزَّتِي على عَدَس … عَلَى التي بَين الحِمَار والفَرَسْ فَلا أُبَالِي من غدَا وَمَنْ جَلَس … ............................ قوله: "لعباد" بفتح العين المهملة، على وزن فعال بالتشديد، وهو عباد بن زياد بن أبي سفيان، ويروى: لعباس. فما أدري ما وجهه (٥)، قوله: "إمارة" بكسر الهمزة؛ أي: أمر وحكم، قوله: "أمنت" من الأمان، ويروى: نجوت من النجاة، وهكذا أنشده الجوهري (٦)، قوله: "وهذا تحملين" أي: والذي تحملينه، "طليق" أي: مطلق من الحبس. ٢ - قوله: "تلاحم" أي: التصق. ٣ - قوله: "بحمحام" بحائين مهملتين، وهو اسم للبريد الذي أرسلهُ معاوية بسببه.

стр. 398

٤ - قوله: "هوة الردى" أي: الهلاك، والهوة بضم الهاء وتشديد الواو؛ وهو الوهدة العميقة. الإعراب: قوله: "عدس": منادى، وحذف حرف النداء منه، تقديره: يا عدس، وهي مبنية على سكون؛ لأنها في الأصل حكاية صوت (١)، وعن الخليل: أن عدس رجل كان يقوم على البغال أيام سليمان عيه السلام، وأنها كانت إذا سمعت باسمه طارت فرقًا منه، ولهج الناس به حتى سموا البغل عدس (٢)، وقال ابن سيده: هذا لا يعرف في اللغة (٣)، قوله: "إمارة" مبتدأ، وخبره قوله: "ما لعباد"، وقوله: "عليك" يتعلق بقوله: "إمارة"، قوله: "وهذا" موصول بمعنى الذي و "تحملين" صلته، والعائد محذوف، أي: الذي تحملينه، وهذا المجموع مبتدأ وخبره قوله: "طليق". الاستشهاد فيه: في قوله: "وهذا تحملين" وهو أن هذا قد جاءت بمعنى الذي على رأي الكوفيين، وأما البصريون فإنهم يمنعون ذلك، ويقولون: هذا اسم إشارة، وتحملين حال من ضمير الخبر، والتقدير: وهذا طليق محمولًا (٤). الشاهد الثالث عشر بعد المائة (٥)، (٦) مَا أَنْتَ بِالحْكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُه … ............................ أقول: قد مر الكلام فيه مستوفًى في شواهد الكلام (٧).

стр. 399

الشاهد الرابع عشر بعد المائة (١)، (٢) مَنْ يُعْنَ بِالْحَمْدِ لا يَنْطق بِمَا سفَه … وَلا يَحِدْ عَنْ سَبِيلِ الحلم والكرم أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من البسيط. قوله: "من يعن بالحمد" بضم الياء آخر الحروف وسكون العين وفتح النون، من قولهم عُنِيتُ بحاجتك، بضم أوله، أعنى بها، وأَنَا بِهَا مَعْنيٌّ، على زنة مفعول، وإذا أمرتَ منه قلتَ لِيُعْن بحاجتي، علي صيغة المجهول، والمعنى: من يعتن بالحمد، أي بحصول الحمد، أي: من رغب في حمد الناس له فلا يتكلم بالذي هو سفه، و "السفه" في اللغة؛ ضد الحلم، وأصلها الخفة، ومنه ثوب سفيه إذا كان خفيفا رقيقًا، وأراد به ها هنا؛ الكلام الفاحش، قوله: "ولا يحد بكسر الحاء المهملة؛ من حاد عن الطريق يحيد حيودًا وحيدةً وحيدودةً، مال عنه وعدل. الإعراب: قوله: "مَنْ": موصولة في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "لا ينطق" وهو مجزوم، لأن المبتدأ يتضمن معنى الشرط، وقوله "يعن" صلة الموصول (٣)، و"بالحمد" يتعلق به، وقوله "بما" يتعلق بقوله: "لا ينطق"، و "ما": موصولة، وصدر صلتها محذوف، والتقدير: بما هو سفه، أي: بالذي هو سفه، و "هو" مبتدأ، و "سفه" خبره، ويجوز أن يكون التقدير: بشيء. هو سفه فتكون "ما" نكرة موصوفة، وكون الحذف من الصفة لا من الصلة، قوله: "ولا يحد" بالجزم عطف على قوله: "لا ينطق"، قوله: "عن سبيل الحلم" يتعلق بقوله: "ولا يحد". الاستشهاد فيه: في قوله: "بما سفه" حيث حذف العائد المرفوع بالابتداء، مع عدم طول الصلة وهو ضعيف (٤).

стр. 400

الشاهد الخامس عشر بعد المائة (١)، (٢) مَا الله مُولِيكَ فَضْلٌ فَاحْمِدَنْهُ به … فَمَا لدَى غَيرهِ نَفْعٌ وَلا ضَرَرٌ أقول: هذا أيضًا من البسيط. ومعناه: الذي الله موليك (٣) فضل فاحمدن الله بذلك الفضل، واشكرنه؛ فإنه ليس عند غير الله نفع ولا ضرر، وهو النافع وهو الضار. الإعراب: قوله: "ما الله" كلمة "ما": مبتدأ، وخبره قوله: "فضل"، [وصدر الصلة محذوف، تقديره هو فضل] (٤)، ولفظة "الله" أيضًا مبتدأ، وخبره قوله: "موليك"، والجملة صلة الوصول أعني "ما"؛ لأنه بمعنى الذي، والعائد محذوف تقديره: موليكه، أي: موليك إياه، من أولاه النعمة إذا أعطاه إياها. قوله: "فاحمدنه" جملة من الفعل والفاعل والفعول، والنون فيه مخففة للتوكيد، والفاء فيه للتعليل، [والتحقيق أنه جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان الفضل هو الله موليك إياه فاحمدن الله به؛ أي؛ بسببه] (٥)، [قوله: "به" يتعلق بقوله؛ فاحمدنه] (٦)، قوله: "فما لدى غيره" [الفاء أيضًا للتعليل، وما نافية بمعنى ليس، وقوله: "نفع" اسمه، وخبره قوله: "لدى غيره"] (٧) أي ليس نفع حاصلًا عند غير الله، قوله: "ولاضرر": عطف على المنفي قبله. الاستشهاد فيه: في قوله: "موليك" حيث حذف فيه الضمير المنصوب بالوصف العائد إلى الوصول (٨).

стр. 401

الشاهد السادس عشر بعد المائة (١)، (٢) مَا المُسْتَفِزُّ الهَوَى مَحْمُودُ عَاقِبَةٍ … وَلَوْ أتِيحَ له صَفْوٌ بلا كَدرٍ أقول: هذا أيضًا من البسيط. قوله: "ما المستفز" من الاستفزاز، وهو الاستخفاف، يقال: رجل فَزَّ أي: خفيف، وأفززته إذا أزعجته وأفزعته، قوله: "ولو أتيح له" أي: لو قدر له، مِن أتاح الله الشيء إذا قدره ومادته؛ تاء مثناة من فوق وياء آخر الحروف وحاء مهملة، والمعنى: ليس الذي استفزه الهوى؛ أي استخفه محمود عاقبته، وإن قُدِّر له صفاء بلا كدر. الإعراب: قوله: "ما المستفز الهوى" كلمة "ما": نافية بمعنى ليس، "والمستفز": اسم فاعل عمل في فاعله وهو "الهوى"، والمفعول محذوف تقديره: ما المستفزهُ الهوى، قوله: "محمود عاقبة" كلام إضافي منصوب؛ لأنه خبر "ما" النافية. قوله: "أتيح" على صيغة المجهول، وقوله: "صفو" مفعوله ناب عن الفاعل، واللام والباء كلاهما يتعلقان بقوله: أتيح (٣). فإن قلتَ: قوله: "ولو أتيح" عطف على ماذا؟ قلتُ: هو عطف على محذوف، تقديره: إن لم يتح له صفو، وإن أتيح له. فإن قلتَ: جواب "لو" ما هو؟ قلتُ: محذوف تقديره: لو أتيح له الصفو لا تحمد عاقبته، والجملة الأولى تدل على هذا، و "لو" ها هنا: شرط، ولو دخلت على المستقبل لا يظهر فيه الجزم. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما المستفز الهوى": حيث حذف فيه الضمير المنصوب الذي لصلة (٤) الألف

стр. 402

واللام؛ إذ أصله: ما الذي مستفزه الهوى (١)، وهذا نادر (٢)، وقال ابن مالك: وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام، ثم مثل بهذا البيت (٣). الشاهد السابع عشر بعد المائة (٤)، (٥) لا تَرْكَنَنَّ إِلى الأمْرِ الذي رَكَنتْ … أبناءُ يَعْصُرَ حين اضْطَرَّهَا القَدَرُ أقول: قد قيل: إن قائله هو كعب بن زهير بن أبي سلمى، [واسم أبي سلمى] (٦) ربيعة بن رباح بن قرط بن الحرث (٧) بن مازن بن حلاوة بن ثعلبة بن هذمة، ويقال: ابن ثور بن هذمة بن الأطم بن عثمان بن عمرو، وهو مزينة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، صاحب القصيدة المشهورة التي أولها (٨): بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ … .......................... وكان قَدِمَ إلى رسول الله ﷺ وأنشده القصيدة المشهورة، فأشار رسول الله ﷺ إلى مَن معه أن اسمعوا، حتى أنشده القصيدة كلها (٩)، وكان قدومه بعد انصراف النبي ﷺ من الطائف، وكان رسول الله ﷺ قد أعطاه بُردْة له، وهي التي عند الخلفاء إلى الآن، وكان أبوه زهير قد توفي قبل البعثة بسنة (١٠) -والله أعلم-، وقبله بيت آخر وهو: ١ - إن تُعْنَ نَفْسُكَ بالأمر الذي عنيتْ … نفوسُ قوم سَمَوْا تَظْفَر بما ظَفِرُوا وهما من البسيط.

стр. 403

١ - قوله: "إنْ تُعْنَ" على صيغة المجهول، وقد حققنا هذا عن قريب (١)، [قوله] (٢): "سموا" من سمَا سموًّا إذا علا. ٢ - قوله: "لا تَرْكَننَّ": من ركَن يركَن بفتح عين الفعل فيهما ركنًا إذا مال، ولغة سفلى مضر: ركن يركُن مثل: نصر ينصُر، وقال قوم: ركن يركن؛ بالكسر في الماضي والضم في المضارع وهو شاذ (٣). قوله: "أبناء يعصر" بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين وضم الصاد المهملتين وفي آخره راء؛ وهو اسم رجل لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل. قال الجوهري: يعصر وأعصر: اسم رجل لا ينصرف؛ لأنه مثل يقتل وأقتل، وهو أبو قبيلة منها باهلة (٤). قلتُ: باهلة هي بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك، ومالك هو جماع بن مذحج، وقال ابن الكلبي: ولد مالك بن أعصر، واسم أعصر: مُنَبّه بن سعد بن قيس غيلان بن سعد مناة بن مالك، وأمه: باهلة بنت صعب. قوله: "حين اضطرها" من الاضطرار، وأصله من الضر: فنقلت إلى باب الافتعال، ثم قلبت التاء طاء لأجل الضاد (٥)، و " القَدَر" بفتحتين: ما يقدرهُ اللَّه من القضاء. الإعراب: قوله: "لا تركنن" (٦): نهي مؤكد بالنون الثقيلة، وأنت فيه مستتر فاعله، و "إلى الأمر" يتعلق به، قوله: "الذي" صفة للأمر، و "ركنت أبناء يعصر" [جملة من الفعل والفاعل صلة الموصول والعائد محذوف تقديره: ركنت إليه أبناء يعصر، ويعصر] (٧) في محل الجر بالإضافة، قوله: "حين": نصب على الظرف، والعامل فيه "ركنت" (٨)، قوله: "اضطرها" فعل ومفعول، و "القدر": فاعله، والضمير المنصوب يرجع إلى الأبناء والتأنيث باعتبار القبيلة.

стр. 404

الاستشهاد فيه. في قوله: "إلى الأمر الذي ركنت": إذ أصله: ركنت إليه، فحذف الضمير الذي هو مجرور بالحرف، وهو "إلى"؛ لأن الموصوف بالموصول مجرور بمثله وهو قوله: "إلى الأمر الذي"، فإن قوله: "الأمر" موصوف بالموصول وهو مجرور بإلى، وقد علم أن موصوف الموصول إذا جر بحرف جر العائد بمثله، جاز حذفه لكون الموصوف هو الموصول في المعنى. فافهم (١). الشاهد الثامن عشر بعد المائة (٢)، (٣) وَمِن حَسَدٍ يَجُورُ عليَّ قومي … وأي الدهرِ ذو لم يَحْسُدُونِي أقول: قائله هو حاتم بن عدي الطائي. وهو من الوافر. والمعنى: لأجل الحسد يجور عليَّ قومي، وأي الدهر الذي لم يحسدوني قومي فيه، والحسد: تمني زوال نعمة المحسود، والجور: الظلم. الإعراب: قوله: "ومن حسد": كلمة "من" ها هنا للتعليل؛ كما في قوله تعالى. ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، وهو يتعلق بقوله: "يجور"، وكذلك قوله: "علي" يتعلق به، و "قومي": كلام إضافي فاعل لـ"يجور"، قوله: "وأي الدهر" أي ها هنا: استفهامية؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] أضيفت إلى الدهر، قوله: "ذو" بمعنى: الذي، وهو (٤) ذو الطائية، قوله: "لم يحسدوني" جملة وقعت صلتها، والعائد محذوف تقديره: لم يحسدوني فيه. الاستشهاد فيه: فإنه حذف العائد المجرور، والحال أن شروطه لم تكمل، وهذا شاذ، وقيل: نادر (٥).

стр. 405

الشاهد التاسع عشر بعد المائة (١)، (٢) وإنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بها … وَهُو عَلَى مَن صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ أقول: هذا البيت أنشده قطرب، ولم يعزه إلى قائله، ويقال: إنه لرجل من همدان. وهو من الطويل. قوله: "شهدة" بضم الشين، وهو العسل المشمع، قال الجوهري: الشَّهْدُ والشُهْدُ. العسل في شمعه، والشهد؛ يعني بالفتح: أخص منها؛ والجمع شهاد (٣). قوله: "وهوّ" بتشديد الواو، قوله: "صبه الله" من صببت الماء فانصب، أي سكبته فانسكب، قوله: "علقم" بفتح العين، وهو الحنظل. المعنى: إن لساني مثل العسل إذا تكلمتُ في حق من أحبه، ولكن مثل الحنظل على من أبغضه؛ لأني أقدح فيه بالكلام. الإعراب: قوله: "لساني": كلام إضافي، اسم إن، وقوله: "شهدة": خبره، قوله: "يشتفى بها" جملة وقعت صفة لشهدة، قوله: "هو" مبتدأ، وخبره قوله: "علقم"، قوله: "على مَن" يتعلق بقوله: "علقم" على ما نذكره الآن. الاستشهاد فيه: على أربعة مواضع: أحدها: تشديد واو "هوّ"، وذلك لغة هَمدان بإسكان الميم وبالدال المهملة، وكذلك (٤) يفعلون في ياء "هيّ" كقوله (٥): والنفس مَا أُمِرَتْ بالعنف آبيَةٌ … وَهِيَّ إِن أُمِرَتْ باللُّطْفِ تَأْتَمِر

стр. 406

الثاني: تعليق الجار بالجامد لتأوله بالمشتق؛ وذلك لأن قوله: "هو علقم" مبتدأ وخبره -كما ذكرنا، والعلقم هو الحنظل، وهو نبت كريه الطعم، وليس المراد ها هنا، بل المراد: شديد أو صعب؛ فلذلك علق به "على" المذكورة، ونظيره قوله (١): مَا أُمُّكَ اجْتَاحَتِ المنايَا … كُل فُؤَاد عَلَيك أُمٌّ فَعَلَّقَ "عَلَى" بأُمّ لتأوله إياها بمشتقٍّ، وعلى هذا ففي قوله: "علقم" ضميرٌ؛ كما في قولك: زيد أسد؛ إذا أولته بقولك: شجاع، إذا أردت التشبيه. الثالث: جواز تَقدُّم معمول الجامد المتأول بالمشتق؛ إذا كان ظرفًا، ونطر ذلك أيضًا في تحمل الضمير في قوله: ......................... … كل فؤاد عليك أم الرابع: وهو المراد به ها هنا: جواز حذف العائد المجرور بالحرف مع اختلاف المتعلق؛ إذ التقدير: وهو علقم على من صبَّه الله عليه، وهو نادر، وفيه شذوذ من وجه آخر، وهو اختلاف متعلق الحرفين؛ فإن "على" الظاهر متعلق بقوله: "علقم"؛ كما ذكرنا، و "على" المقدر يتعلق بقوله: "صبَّه" (٢). الشاهد العشرون بعد المائة (٣)، (٤) فَأَمُّا الأُلَى يَسْكُن غَوْرَ تِهَامةٍ … فَكُل فَتَاةٍ تَتْرُكُ الحَجْلَ أَقْصَمَا أقول: أنشده ولد الناظم ولم يعزه إلى أحد، وكذا أنشده والده ولم يبين قائله، ولم أقف على اسم قائله. وهو من الطويل. قوله: "فَأَمَّا الأُلَى" أي: فأما النساء اللاتي "يَسْكُن غَوْرَ تِهَامِة" الغور في اللغة: المطمئن من

стр. 407

الأرض، وهو بخلاف النجد، قال الباهلي: كل ما انحدر سيله مغربًا عن تهامة فهو غور (١) وفي أرض الشام غور أيضًا؛ وهو غور الأردن بين بيت المقدس وحَوَرَان من أعمال دمشق، وهو منخفض عن أرض دمشق وأرض بيت المقدس، فلذلك سُمي الغور، طوله [نحو] (٢) ثلاثة أميال وعرضة أقل من مسيرة يوم، وفيه قرى كثيرة، وبحيرة طبرية في طرفه، والبحيرة المنتنة في طرفه الآخر (٣)، وأراد الشاعر غور تهامة، وهو الذي ذكره الباهلي. ونجد ما بين العُذَيْبِ إلى ذات عرق، وإلى اليمامة، وإلى جبل طيئ، وإلى وَجْدَة، وإلى اليمن، وذات عرق أول تهامة إلى البحر وجدة، وقيل: تهامة ما بين ذات عرق إلى مرحلتين من وراء مكة [-شرفها الله تعالى-] (٤) وما وراء ذلك من الغرب فهو غور، والمدينة لا تهامية ولا نجدية؛ فإنها فوق الغور ودون نجد، واشتقاق تهامة من التهم، وهو شدة الحر وركود الريح؛ وبذلك سميت تهامة، يقال: أَتْهَمَ الرجل إذا أتى تهامة، وأنجد إذا أتى نجدًا، وأعرق إذا أتى العراق، وأشأم إذا أتى الشام. فإن قلتَ: ما هذه الإضافة؟ قلتُ: أما إضافة البعض إلى الكل؛ كقولك: أسفل الدار؛ فالمراد: المطمئن من أرض تهامة، وأما إضافة أحد المترادفين إلى الآخر؛ لأن تهامة تسمى الغور. والأول أولى؛ لأن في الثاني دعوى سلب المعرفة تعريفها، وإضافة الشيء إلى نفسه (٥). قوله: "فَكل فتاة" الفتاة: الشابة من النساء، وقد فتي بالكسر يفتى فتى فهو فتي السن بين الفتاء، قوله: "الحَجْلَ" بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وفي آخره لام؛ وهو القيد، ثم نقل إلى الخلخال [وهو المراد ها هنا. قال الجوهري: والحجل بالكسر؛ لغة؛ يعني: في الحجل بالفتح، ومنه المحجل الأرض، وهو موضع الخلخال] (٦)، والتحجيل (٧): بياض في قوائم الفرس، أي: في ثلاث منها وفي رجليه قلَّ أو كثر بعد أن يجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين؛

стр. 408

لأنها مواضع الأحجال، وهي الخلاخيل والقيود. وأما الحَجَل بفتحتين؛ فهو جمع حجلة، وهي القبجة، وهي (١) الطائر الشهور، قوله: "أقصما" بالقاف، وهو المشهور ويجوز أن يكون بالفاء، والفرق بينهما: أن فصم الشيء: كسره بلا إبانة، تقول: فصمته فانفصم (٢). قال تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦] وانفصم مثله، وأما القصم بالقاف، فهو الكسر بالإبانة، وبالقاف أظهر ها هنا؛ لأن معناه: أن سيقانها لضخامتها تكسر الخلاخيل. الإعراب: قوله: "فأما الألى" الفاء للعطف على ما قبله، وأما: للتفصيل، و "الألى": موصولة، و "يسكن": جملة صلتها، وهي في محل الرفع على الابتداء، وخبره: الجملة؛ أعني: قوله: "فكل فتاة تترك الحجل [أقصما] (٣) " ودخول الفاء لأجل أما؛ لأنها تتضمن معنى الشرط، قوله: "غور تهامة" كلام إضافي مفعول لقوله: "تسكن"، قوله: "الحجل" منصوب؛ لأنه مفعول لقوله "تترك"، قوله: "أقصما" بمعنى مقصومة، نصب على الحال. الاستشهاد فيه: في قوله: "فأما الألى"؛ فإنها بمعنى اللائي؛ كما أن اللائي بمعنى الذين، فافهم (٤). الشاهد الحادي والعشرون بعد المائة (٥)، (٦) فَتِلْكَ خُطُوبٌ قد تَمَلّتْ شَبَابَنَا … قَدِيمًا فتُبلِينَا المنُونُ وما تُبْلَى وتبلَى الألى يَسْتَلْئِمُونَ على الأُلَى … تَرَاهُنَ يَوْمَ الرّوْعِ كالحِدَأ القُبْل أقول: قائله هو أبو ذؤيب الهذلي، واسمه خويلد بن خالد، وقد ترجمناه فيما مضى (٧)،

стр. 409

وهذان البيتان من قصيدة لامية، أولها هو قوله: ١ - ألا زعَمَتْ أسْمَاءُ أن لا أُحِبُّها … فقلتُ بلى لولا يُنَازِعُنِي شُغلي ٢ - جزيتك ضِعْفَ الوُدّ لما اشتكيته … وما إن جَزَاك الضِّعْفَ من أحدٍ قبلي ٣ - لعمرك ما عَيسَاءُ تَتبَعُ شادِنًا … يَعَنُّ لَهَا بالجَزْع من نَخِب النَّجْلِ ٤ - إذا هي قامت تَقْشَعِر شَوَاتها … ويشرق بين الليتِ منها إلى الصقْلِ ٥ - ترى حَمْشًا في صدوها ثم إنها … إذا أدبَرَتْ وَلّتْ بِمُكْتَنَزٍ عَبْلِ ٦ - وما أم خشف بالعَلايَة تَرْبحِي … وترْمُقُ أحيَانَا مُخْاتِلَةَ الحَبلِ ٧ - فإن تَزْعُمِيني كنت أجْهَلُ فِيكُمُ … فإني شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ ٨ - وقال صَحَابِي قد غُبِنتَ وخِلتَنِي … غَبِتتَ فلا أَدْري أَشَكْلُهُمُ شكلي ٩ - فإن تك أنثى في معدٍ كريمةُ … علينا فقد أُعطيت نَافِلَةَ الفَضْلِ ١٠ - على أنَّهَا قَالت رأيتُ خُوَيلِدًا … تَنَكَّرَ حتى عَادَ أَسْوَدَ كالجِذْل ١١ - فتلكَ خُطُوبٌ ............. .... ........................ إلخ وجملتها ثلاثون بيتًا، وهي من الطويل. ١ - قوله: "ينازعني": مبتدأ بتقدير أن، و "لولا": كلمتان؛ يعني: لو لم، وجواب لولا أو جواب لو محذوف. ٣ - قوله: "عيساء": واحدة العيس، وهي إبل بيض في بياضها ظلمة خفية (١)، و "الشادن": ولد الظبية، قوله: "يعن"؛ أي: يعرض لها بالجِزْع؛ بكسر الجيم وسكون الزاي المعجمة، وهو منعطف الوادي، قوله: "من نخب" بفتح النون وكسر الخاء المعجمة وفي آخره باء موحدة؛ وهو وادٍ بالطائف، و "النَّجْل" بفتح النون وسكون الجيم؛ وهو الماء يظهر من الأرض. ٤ - وقوله: "شواتها" الشواة بضم (٢) المعجمة: جلدة الرأس، أراد يقشعر الشعر الذي في الرأس، قوله: "ويشرق" أي: يضيء، و"اللِّيت" بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق؛ وهي صفحة العنق، و "الصقل": الخاصرة. ٥ - قوله: "حمشًا " بفتح الحاء المهملة؛ أي: دقة، و "عبل" أي: ضخم. ٦ - وأراد بـ"أم خشف" الظبية، و "العلاية" أرض، و "مخاتلة" أي: مخادعة، وأراد "الحبل" حبل الصائد.

стр. 410

٧ - قوله: "شريت" بمعنى: اشتريت، ويأتي بمعنى بعت، والمعنى ها هنا: بعا الجهل بالحلم. ٨ - قوله: "وقال صحابي قد غبنت"، لأنه باع الجهل بالحلم، فقال: بل أنا الغابن، ولا أدري أهم [على] (١) ما أنا عليه أم لا؛ والمعنى: طريقهم طريقي أم غيرها فحذف أم ومعطوفها، كقوله (٢): ........................ … فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلابُهَا أي: أم غي. ١٠ - قوله: "رأيت خويلدًا" المراد (٣) به نفسه، وهو أبو ذؤيب خويلد بن خالد، قوله: "تنكر" أي تغير، و "الجذل" بكسر الجيم وسكون الذال العجمة، أصل الشجر، وقال الأخفش: العود اليابس (٤). ١١ - قوله: "خطوب" جمع خطب، وهو الأمر العظيم، قوله: "تملت شبابنا" أي: استمتعت بشبابنا، يقال: تمليتُ عمري، أي: استمتعت به، ويقال: تمليت حبيبًا، أي: عضت معه ملاوة من الدهر بتثليث الميم، أي: حينًا وبرهة، وكذلك: الملوة بتثليث الميم، قوله: "فتبلينا" أي: تفنينا، من الإبلاء، وثلاثيه: بلى يبلى بلاءً (٥)، قوله: "المنون" أي: المنية، قال الفراء: المنون مؤنثة وتكون واحدة وجمغا (٦)، ويقال: المنون: الدهر، لأنه يمن قوى الإنسان، أي: ينقصها، وكون بمعنى الموت لأنه يقطع الحياة من قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٧) [التين: ٦]. ١٢ - قوله: "يستلئمون" من استلأم الرجل، إذا لبس اللأمة وهي الدرع، قوله: "يوم الروع" بفتح الراء، أي: يوم الحرب، لأنه يوم فيه الروع والفزع، قوله: "كالحدأ" بكسر الحاء وفتح الدال المهملتين وفي آخره همزة، وهو جمع حدأة، وهي الطائر المعروف، كعنب جمع عنبة.

стр. 411

قوله: "القبل" بضم القاف وسكون الباء الموحدة، وهي التي في عينها قَبَل بفتحتين وهو الحول (١)، وفي كتاب خلق الإنسان: قال الأصمعي (٢): وفي العين الحَوَل والقَبَل، يقال: حَولَتْ عينُه تَحْوِلُ حَوَلًا، وَاحْوَلَّتِ احْولالًا، وقَبِلَتْ تَقبَلُ قبَلًا واقْبَلَّت اقْبِلالًا، فالحَوَل كأنها تنظر إلى الحجاج، بكسر الحاء وفتحها، العظم الذي ينبت عليه الحاجب، والقبل: أن تكون كأنها إلى عرض الأنف (٣)، وقال ابن الأعرابي: الحول أن تُميل الحدقة إلى اللحاظ، والقبل: أن تميل إلى المؤق. والمعنى: أن حوادث الدهر والزمان قد تمتعت بشبابنا قديمًا فتبلينا النون أي الموت ونحن ما نبليه، "وتبلى الألى" أي: الذين يستلئمون لَأْمة الحرب، "على الألى"، أي: على اللالي، أي: على الخيول اللالي تراهن في يوم الحرب والفزع، كأنها حدأ لخفتها في الجري والسير وشدة العدو التي في أعينها حول، يعني: انقلاب من شدة طيرانها، وقد شبه الخيول التي تجري يوم الحرب وأعينهن منقلبة من شدة العدو بالحدأ، التي تشتد في الطران وأعينهن منقلبة من شدة الطيران. الإعراب: قوله: "فتلك خطوب" جملة اسمية من المبتدأ والخبر، عطف على ما قبلها من الجمل السابقة. قوله: "تملت شبابنا" جملة فعلية من الفعل والفاعل والمفعول وهو شبابنا، في محل الرفع على أنها صفة للخطوب، قوله: "قديمًا" نصب على الظرف؛ أي: في قديم الزمان، قوله: "فتبلينا" فعل ومفعول، و"المنون" فاعله وهذه الجملة كالتفسير لقوله: "قد تملت شبابنا"، فلذلك ذكرها بالفاء. قوله: "وما نبلى": جملة منفية مركبة من الفعل والفاعل، والمفعول محذوف تقديره: وما نبليها أي: ونحن لا نقدر على إبلاء النون كإبلائها إيانا، ويجوز أن تكون هذه الجملة حالًا. قوله: "وتبلى" بضم التاء؛ من الإبلاء، وفاعله مستتر فيه وهو المنون، قوله: "الألى يستلئمون" مفعوله، والألى (٤): موصول، ويستلئمون: صلته، أي: تبلي الذين يستلئمون اللَّأمة، قوله: "على الألى" جملة حالية أي: حال كونهم على الخيول اللالي تراهن يوم الروع كالحدأ، قوله: "تراهن" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، صلة للموصول (٥) وهو قوله: "على الألى". قوله: "يوم الروع": نصب على الظرف، قوله: "كالحدأ": في محل نصب على أنه مفعول ثانٍ لتراهن، قوله: "القبل" بالجر؛ صفة للحدأ.

стр. 412

الاستشهاد في البيت الثاني، ولا استشهاد في البيت الأول؛ فذكرهم إياه للتعلق بينهما في المعنى، وهو أنه جمع بين اللغتين، وهما إطلاق الألى على الذين في قوله: "وتبلى الألى يستلئمون"، وإطلاق الألى أيضًا على اللاتي في قوله: "على الألى تراهن" فافهم (١). الشاهد الثاني والعشرون بعد المائة (٢)، (٣) أبي الله للشُّم الأُلاءِ كأنهُم … سُيُوف أجاد القينُ يومًا صِقَالها أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة الأسود بن عامر بن عويمر الخزاعي، يكنى بأبي صخر، أحد عشاق العرب المشهورين به. وهو صاحب عزة بنت جميل بن حفص بن إياس بن عبد العزى بن حاجب بن غفار بن مليك (٤) بن ضمرة بن بكر بن عبد مناف بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وله معها حكايات ونوادر وأمور مشهورة، وأكثر شعره فيها. وكان يدخل على عبد الملك بن مروان وينشده، وكان رافضيًّا شديد التعصب لآل أبي طالب توفي سنة خمس ومائة بالمدينة، وكُثَيّر: تصغير كثير، وإنما صغر لأنه كان حقيرًا شديد القصر، وكان يلقب ذب الذباب، والبيت المذكور من قصيدة هائية، وبعده قوله (٥): ٢ - وَأَشْعَرتُهَا نَفْثًا رقِيقًا فلَوْ تَرَى … وقد جُعِلَتْ أن تُرْعِيَ النَّفْثَ بالها ٣ - تحذُّرَها من حيثُ أمكنها الرقي … إلى الكفِّ لما سَالمَتْ وانْسَلا لهَا ٤ - كأنهُم قصرًا مصابيحُ راهبٍ … بِمَوْزَنِ رَوّى بالسَّلِيطِ ذُبَالهَا (٦) وهو من الطويل. ١ - قوله: "أبى الله": من الإباء، وهو شدة الامتناع، قوله: "للشُّم" بضم الشين المعجمة وتشديد الميم؛ وهو جمع أشم من الشمم (٧)، وهو ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه،

стр. 413

ومنه يقال: رجل أشم الأنف، وجبل أشم: طويل الرأس بَيِن الشمم، وقال أبو عمرو: أشم الرجل [يشم] (١) إشمامًا، وهو أن يمر رَافعًا رأسه، قوله: "أجادة" أحكم و "القين" بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون؛ وهو الحداد، ويجمع على قيون. ٢ - قوله: "وأشعرتها" أي: علّمتها من الأشعار، يقال: أشعرته فشعر؛ أي: أدريته فدرى، و"النفث "بفتح النون وسكون الفاء وفي آخره ثاء مثلثة؛ وهو شبيه بالنفخ؛ وهو أقل من التفل، وقد نفث الراقي ينفُث وينفِث، ومنه: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وهن (٢) السواحر، قوله: "وقد جعلت" … إلى آخره: جملة وقت حالًا، وقوله: "يا لها": كلمة "يا": حرف نداء واللام فيه للاستغاثة والتعجب، والضمير يرجع إلى عزة (٣). ٣ - قوله: "تحذُّرَها" منصوب بقوله "فلو ترى". ٤ - قوله: "بالسليط": وهو الزيت عند عامة العرب، وعند أهل اليمن: دهن السمسم، قوله: "ذبالها" بضم الذال المعجمة وتخفيف الباء الموحدة؛ وهو جمع ذبالة؛ وهي الفتيلة. الإعراب: قوله: "أبى اللَّه": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "للشم": جار ومجرور في محل النصب على المفعولية، وقوله: "الألاء": موصولة بمعنى الذين، وهو صفة للشم، قوله: "كأنهم سيوف": جملة وقعت صلة للموصول، قوله "أجاد": فعل ماض، و "القين": فاعله، وقوله: "صقالها" كلام إضافي مفعوله، والجملة في محل الرفع؛ لأنها صفة لسيوف، قوله: "يومًا" نصب على الظرف. الاستشهاد فيه: في قوله: "الألاء" (٤) فإنها موصول بمعنى "الذي" للجمع المذكر، ولهذا وصف بها المذكر. الشاهد الثالث والعشرون بعد المائة (٥)، (٦) تَعَشَّ فإن عَاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي … نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ أقول: قائله هو الفرزدق، وهو من قصيدة يخاطب فيها الفرزدق الذئبَ الذي أتاه وهو نازل

стр. 414

في بعض أسفاره في بادية، وكان قد أوقد نارًا، ثم رمى إليه من زاده وقال [له] (١): تعال تعش، ثم بعد ذلك ينبغي أن لا يخون أحد منا صاحبه؛ حتى نكون مثل الرجلين اللذين يصطحبان. وقال أبو عبيدة في كتاب الضيفان: ضاف الفرزدق ذئبًا ومعه لحم شاة مسلوخ، فألقى إليه ربع الشاة، وأراد أصحابه طرده فَنَهَاهُم، ثم ألقى الربع الآخر فشبع وتبختر، فقال الفرزدق (٢): ١ - وأَطْلَسَ عَسَّالٍ وَمَا كَانَ صَاحِبًا … دَعَوْتُ لِنَارِي (٣) مَوهِنًا فَأَتَانِي ٢ - فَلَمَّا أتاني قلت دونك إِنَّنِي (٤) … وَإيَاكَ فيِ زَادِي لَمشتَرِكَانِ ٣ - فَبِث أقد (٥) الزَّادَ بَيني وَبَينَهُ … عَلَى ضَوْءِ نَارٍ مَرَّةً وَدُخَانِ ٤ - فَقُلْتُ له لما تَكَشَّرَ ضَاحِكًا … وَقَائِمُ سَيفِي فيِ يَدِي (٦) بِمَكَانِ ٥ - تَعَشَّ فإن عَاهَدْتَنِي (٧) لا تَخُونُنِي … نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ ٦ - وَأَنْتَ امْرؤٌ يا ذِئبُ وَالْغَدْرُ كُنْتُمَا … أُخَيَّيِن كَانَا أُرْضِعَا بِلِبَانِ ٧ - وَلَوْ غَيرَنَا نَبَّهْتَ تَلْتَمِسُ القِرَى … رماك بسَهْم (٨) أو شَبَاةِ سِنَانِ ٨ - وَكُلُّ رَفِيقِي كُل رَحْلٍ وَإنْ هُمَا … تَعَاطَى القَنَا قَوْمَاهُمَا إِخْوَانِ وهي من الطويل وفيه الحذف، ولا يخفى (٩) على الفَطِن. ١ - قوله: "وأطلس" أي: ورب أطلس؛ وهو الأغبر من الذئاب، قوله: "عسَّال": صيغة مبالغة من العسلان؛ وهو مشي الذئب باضطراب وسرعة، قوله: "مَؤهِنًا" بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء؛ وهو ساعة تمضي من الليل، وكذلك الوهن، قوله: "فأتاني" أي: فرأى النار فأتاني، ويروى: "دفعت" موضع "دعوت"، ويروى: "رفعت" فهو من المقلوب، أي رفعت له ناري فرآها فأتاني. ٢ - قوله: "فلما أتاني قلت دونك إنني" ويروى: "فلمَّا أتى قلت: ادن إنني" أي: اقرب وخذ أي: كل.

стр. 415

٣ - قوله: "أقد الزاد" أي: أقطعه، ويروى: فبت أسوي الزاد. ٤ - قوله: "تَكَشَّرَ": من الكشر وهو بدو الأسنان عند الضحك. ٥ - قوله: "تعش": أمر من تعشى يتعشى، يخاطب به الذئب المذكور، وفي كتاب سيبويه: تعال فإن عاهدتني … إلخ (١). ٦ - قوله: "أُخَيين": تصغير أخوين، قوله: "بلبان" بكسر اللام، يقال: هذا أخوه بلبان أمه. قال ابن السكيت: ولا يقال: بلبن أمه، إنما اللبن الذي يشرب (٢). ٧ - قوله: "القِرى" بكسر القاف؛ الضيافة، قوله: "أو شباة سنان" أي: حدته، وشباة كل شيء: حده، وهو بفتح الشين العجمة والباء الموحدة، والسنان بكسر السين المهملة؛ حديدة الرمح. ٨ - [قوله] (٣): "وكل رفيقي كل رحل" اعلم أن إعراب هذا البيت مشكل وكذا معناه، قوله (٤): "كل" في "كل رحل": زائدة و "رحل" بالحاء المهملة، وقوله: "تعاطى" أصله: تعاطيا، فَحَذْفُهُ (٥) لامه للضرورة، أو وحد الضمير؛ لأن الرفيقين ليسا باثنين معينين، بل هما كثير، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ثم حمل على اللفظ؛ إذ قال: هما إخوان، وجملة "هما إخوان": خبر كل، وقوله: "قوما" إما بدل من الفتى؛ لأن قومهما من سببها؛ إذ معناه: تقاومهما، فحذف الزوائد، فهو بدل اشتمال، وإما مفعول لأجله أي: تعاطيا القنا لمقاومة كل منهما الآخر، أو مفعول مطلق من باب: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]؛ لأن تعاطي القنا يدل على تقاومهما. ومعنى البيت: أن كل الرفقاء في السفر إذا استقروا رفيقين، فهما كالأخوين لاجتماعهما في السفر والصحبة، وإن تعاطى كل منهم مغالبة الآخر. الإعراب: قوله: "تعشَّ": جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت مستتر فيه، قوله: "فإن عاهدتني" إن: حرف شرط، و "عاهدتني": جملة من فعل الشرط، وقوله: "لا تخونني" قيل: إنه جواب الشرط ولا محل لها من الإعراب (٦)، والحق أن يكون الجواب هو قوله: "نكن مثل من يا ذئب"، ويكون

стр. 416

قوله: "لا تخونني": جواب القسم الذي تضمنه عاهدتني، أو تكون جملة حالية، قوله: "مثل من": كلام إضافي منصوب؛ لأنه خبر نكن، قوله: "من" موصولة، و "يصطحبان" صلتها، قوله: "يا ذئب" معترض بين الموصول وصلته. الاستشهاد فيه: في قوله: "مثل من يا ذئب يصطحبان" فإنه راعى معنى "من" في قوله: "يصطحبان" بالتثنية، و "من" التي بمعنى "الذي" يجوز في ضميرها اعتبار المعنى، واعتبار اللفظ وهو أكثر كقوله تعالى. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، واعتبار المعنى نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] (١). الشاهد الرابع والعشرون بعد المائة (٢)، (٣) ذَاكَ خَليلي وذُو يُوَاصِلُنِي … يَرْمي وَرَائِي بامْسَهْمٍ وأمْسَلَمَهْ أقول: قائله هو بجير بن غنمة أحد بني بولان بن عمرو بن الغوث بن طيئ، وبولان: حي من طيئ، وهو أخو خالد بن غنمة الطائي، وهو شاعر جاهلي مقل، وركب ابن الناظم، وأبوه (٤) أيضًا صدر البيت على عجز بيت آخر؛ فإن الرواية فيه: وإنَّ مَوْلايَ ذُو يُعَيِّرُنِي … لا إِحنَةِ بينَنَا ولا حَرَمَهْ يَنْصُرُنِي مِنْكَ غَيرَ مُعْتَذِرٍ … يرمي ورائي بامسهم وامسلمه وفي رواية الجوهري: وذو يعاتبني (٥)، وكذا أنشده السهيلي (٦).

стр. 417

وهو من المنسرح، وهو الثاني من الدائرة الرابعة، وهي الدائرة المسماة بدائرة المشتبه، وهي مشتملة على ستة أبحر، وهي (١): السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث، وهو في أصل الدائرة: مستفعلن مفعولات مستفعلن (٢) مرتين، وله ثلاثة أعاريض وثلاثة أضرب (٣) وهو مطوي العروض والضرب. قوله: "خليلي" أي: صاحبي، قوله: "وذو يواصلني" أي: الذي يواصلني، قوله: "بامسهم" أي: بالسهم، قوله: "بامسلمة" أي: والسلمة، وهذا (٤) على لغة أهل اليمن؛ فإنهم يجعلون عوض اللام ميمًا، فيقولون في الرجل: امرجل (٥)، وفي الصحاح: هذه لغة حِمْير (٦)، وقال في المغرب: لغة طيئ، ومنه الحديث الذي رويناهُ من طريق الإمام أحمد ﵀ عن النبي ﷺ : "ليس من امبر امصيام في امسفر" (٧)، يريد: ليس من البر الصيام في السفر، و "السلمة" -بفتح السين واللام؛ واحدة السلم، وهي شجرة من شجر العضاة؛ كذا فسره البعلي في شرح الجرجانية (٨)، وتبعه على هذا أيضًا بعض المتأخرين، وليس كذلك، والصحيح أن السلمة ها هنا -بكسر اللام، هي واحدة السلم وهي الحجارة، ولما ذكر الجوهري السلمة بكسر اللام استشهد عليه بهذا البيت (٩)، والمعنى أيضًا يناسب هذا التفسير فافهم. و"بنو سلمة" بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة -بكسر اللام سواهم، والسلمة- بفتح اللام: واحدة السلم بالفتح، وهو شجر العضاة، وسلمة أيضًا اسم رجل. الإعراب: قوله: "ذاك": مبتدأ، و "خليلي": خبره، قوله: "وذو": موصول، وصلته قوله: "يواصلني" وهو عطف على الخبر، قوله: "يرمي": خبر ثان، ويجوز أن يكون حالًا، ويقال: الواو في "وذو يعاتبني" زائدة. والجملة صفة لقوله: "ذاك" الذي هو مبتدأ، وقوله: "خليلي": بدل من ذاك، وقوله: "يرمي": خبر المبتدأ، وقال الشيخ جمال الدين: زعم الجوهري أن الواو زائدة، وكان ذلك؛ لأنه رأى أن قوله: "يرمي" محط الفائدة، فقدره خبرًا (١٠)، وقدر "خليلي" تابعًا للإشارة

стр. 418

لأنه بدل منها، لا نعت، بل ولا بيان؛ لأن البيان بالجامد كالنعت بالمشتق، ونعت الإشارة بما ليست فيه "أل" ممتنع، وبهذا أبطل أبو الفتح كون (بَعْلِي) فيمن رفع (شيخًا) بيانًا انتهى (١). قلت: فيه نظر من وجهين: الأول: أن زيادة الواو قليلة. والثاني: أن اسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه "أل"؛ كما تقول: يا هذا الرجل، وهو وصلة لندائه، ويكون حينئذ كأي في لزوم نعته ووجوب رفعه، أو بموصول مصدر بأل نحو: يا هذا الذي فعل كذا (٢)، قوله: "ورائي" نصب على الظرف، قوله: "بامسهم": جار ومجرور يتعلق بقوله: يرمي، وقوله: "وامسلمة": عطف عليه. الاستشهاد فيه: في قوله: "على أن "ذو" بمعنى الذي للمذكر؛ كما أن ذو بمعنى التي في قوله (٣): ....................... … وبئري ذو حفرت وذو طويت والزمخشري استشهد به على مجيء الميم مكان لام التعريف في الموضعين (٤). الشاهد الخامس والعشرون بعد المائة (٥) (٦) يَقُولُ الخَنَا وأَبْغَضُ العُجْمَ نَاطِقًا … إلى ربِّنا صوتُ الحمار اليُجَدَّعُ أقول: قائله هو ذو الخِرَقِ الطُّهَويّ، واسمه: دينار بن هلال، شاعر جاهلي، وهو من قصيدة

стр. 419

عينية، وأولها: ١ - أتَاني كَلامُ التَغلبي بنُ دَيْسَقِ … فَفِي أيِّ هذا ويله يَتَتَرّعُ ٢ - يَقُولُ الخنَا وأَبْغَضُ العُجْمَ نَاطِقًا … إلى ربِّنا صوتُ الحمار اليُجَدَّعُ ٣ - فهلَّا تمنَّاهَا إذا الحرب لاقحٌ … وذو النَّبَوَانِ قَبرُهُ يَتَصَدَّعُ ٤ - ويأتك حَيًّا دارمِ وهُمَا معًا … ويأتك ألفٌ من طُهَيَّةَ أَقْرعُ ٥ - ويستخرجُ اليربوعَ من نَافِقَائِهِ … ومن جُحْرِه ذي الشِّيحَةِ اليتقَصَّعُ ٦ - ونحن أخذَنَا الفارسَ الخير منكم … فطُلَّ وأعيا ذو الفُقار يُكرعُ ٧ - ونحن أخذنا قد علمتم أَسيرَكُم … يسارًا فنُحْذِي (١) من يسارٍ وننقعُ وقد ذكر أبو زيد هذه الأبيات في نوادره على هذا النمط (٢)، ووهم الجوهري؛ حيث نسب البيت المستشهد به على الكتاب، وقال: إنه من أبيات الكتاب (٣). وهي من الطويل. ١ - قوله: "التغلبي" بالتاء الثناة من فوق والغين المعجمة، و "ديسق" بفتح الدال المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح السين المهملة وفي آخره قاف؛ وهو علم منقول من الديسق؛ وهو بياض الشراب (٤) وترقرقه، قوله: "يتترع" بتاءين من فوق بعد ياء المضارعة؛ ومعناه: يتسرع، وهكذا روى أيضًا. ٢ - قوله: "يقول" أي: يفوه ويتكلم، و "الخنا" بفتح الخاء المعجمة والنون؛ وهو الفحش من الكلام، يقال: كلام خن وكلمة خنية، وقد خَنِي عليه بالكسر وأخنى عليه في منطقه؛ إذا فحش. قوله: "وأبغض العُجم" بضم العين وسكون الجيم؛ جمع أعجم، وهو الحيوان، ومؤنثه: عجماء والأعجم أيضًا: من يكون في لسانه عجمة، وإن أفصح بالعربية، قوله: "اليجدع": من الجدع، وهو قطع الأذن، ويقال (٥): حمار مجدع أي: مقطوع الأذن، ويقال: إن الحمار إذا كان مقطوع الأذن يكون صوته أرفع. ٤ - قوله: "طهية" بضم الطاء وفتح الهاء وتشديد الياءآخر الحروف؛ وهي حي من تميم،

стр. 420

قوله: "أقرع" أي: تام. ٥ - قوله: "ويستخرج اليربوع من نافقائه" بفتح الياء، وهي دويبة تحفر الأرض، والياء فيه زائدة؛ لأنه لا يوجد في كلام العرب فعلول بالفتح (١). قوله: "من نافقائه" النافقاء: إحدى جحر اليربوع، و "القاصعاء" وهي الأخرى، فاليربوع يحفر له موضعًا تحت الأرض، ويجعل له بابين، أحدهما: يسمى القاصعاء، وهي التي يتقصع فيها؛ أي يدخل، ويجمع على قواصع، والأخرى تسمى: النافقاء، يكتمها ولا يفتحها، بل يرققها فإذا أتى الصياد من قبل القاصعاء هرب وأتى النافقاء فدفعها برأسه وخرج منها، وتجمع على: نوافق، ومنه اشتقاق اسم المنافق؛ لأنه أظهر الإيمان وكتم الكفر (٢). وقوله: "ذي الشيحة" بكسر الشين العجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة؛ وهو نبت معروف، هكذا رواه أبو عمرو الزاهد: (٣) ذي الشيحة بالحاء المهملة، وقال: لكل يربوع شيحة عند جحره، ورواه أبو محمد الأسود (٤): "ذي الشيخة بالخاء المعجمة، أي [وفتح الشين] (٥)، والشيخة: رملة بيضاء في بلاد بني أسد، وحنظلة. ذكره الصاغاني (٦)، ثم قال: قال ذو الخِرَق الطهوي: ويستخرج اليربوع من نافقائه … إلخ، وذكره بالخاء المعجمة، ويروى بالشيحة بباء الجر، وكذا وقع في نوادر أبي زيد (٧). قوله: "اليتقصع" أي: يدخل، هكذا رواه أبو محمد الخوارزمي (٨) عن الرياشي (٩)، ووقع في نوادر أبي زيد: المتقصع، ثم فسره وقال: المتقصع: متفعّل، من القاصعاء (١٠). ٦ - قوله: "يكرع" أي: يقطع أكارعه.

стр. 421

٧ - قوله: "فَنُحذِي": من الإحذاء، وهو الإعطاء، يقال: أحذيته من الغنيمة أي: أعطته منها، والاسم: الحُذْيَا على فُعْلى بالضم، وهو القسمة من الغنيمة، ومادته: حاء مهملة وذال معجمة، قوله: "وننقع" بالقاف، أي: نروى، وقال الرياشي: حفظى وتمنع، قلت: هو أنسب لقوله: فنحذي (١) فافهم. الإعراب: قوله: "يقول": جملة من الفعل والفاعل، و "الخنا": مفعوله، وقد قلنا: إن معنى يقول: يفوه؛ فلا يستدعي الجملة لتكون مقولًا له، و "وأبغض العجم": كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "صوت الحمار". فإن قلتَ: صوت الحمار حدث، فكيف يقع خبرًا عن الجثة؟ فإن أبغض مضاف للجثة (٢)، وهي العجم فيكون جثة؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما أضيف إليه. قلتُ: تقدير الكلام: أبغض أصوات العجم، فافهم. قوله: "ناطقًا" أي: مصوتًا أو رافعًا صوته، وانتصابه على أنه حال من المبتدأ وهو " أبغض" على رأي من يجوز وقوع الحال منه (٣)، ويحتمل أن يكون من فاعل يقول، إلا أنه من حيث اللفظ ضعيف للفاصل بين المبتدأ وخبره بأجنبي، ولا يجوز أن يكون حالًا من الحمار؛ لأن تابع المضاف إليه لا يتقدم على المضاف (٤). قيل: ولا يجوز أن يكون أيضًا من العجم؛ لتذكير الحال، اللَّهم إلا أن يقال: ناطقًا بمعنى: ذات نطق، أو بمعنى المذكور، أي: ناطقًا ذلك، أي المذكور. قلت: يجوز أن يكون حالًا من العجم، وتصح الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملًا في الحال أو كان بعض المضاف إليه وكلاهما موجود هنا (٥) وكان حقه أن يقال: ناطقة أو ناطقان، إلا أنه أناب المفرد عن الجمع للضرورة كقوله (٦): .................... … كلوا في بعض بطنكم تعفقوا

стр. 422

الاستشهاد فيه: في قوله: "اليجدع": حيث أدخل الألف واللام [فيه] (١) على الفعل المضارع، لأنه أجراه مجرى الصفة، لأنه مثلها في المعنى، وأجيب على هذا أنه ضرورة (٢)، وقيل: إنه لا ضرورة فيه، لأنه كان يمكن أن يقول: يجدع، بدون الألف واللام لاستقامة الوزن (٣) وكذا يقول: المتقصع في البيت الآخر، (قلت): ذلك مسلم، وأما في هذا فيلزم (٤) الإقواء (٥) في البيت، وهو عيب (٦). الشاهد السادس والعشرون بعد المائة (٧)، (٨) فِي المُعَقِّبِ البغيُ أهْلَ البغيِ مَا … يَنْهَى امْرأً حَازِمًا أَنْ يَسْأَما أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط المجزوء السالم. ومعنى البيت: في الشيء الذي يعقب البغيُ أهلَ البغي من النكال ما يمنع الرجل الحازم أن يسأم من سلوك طريق السداد، و "البغي": هو الظلم والعدوان، و "الحازم": من الحزم، وهو ضبط الأمر وتوثيقه، قوله: "أن يسأما": من سئم (٩) الرجل يسأم، من باب علم يعلم سأمًا وسآمة وسأْمًا إذا مَلَّ. الإعراب: قوله: "في المعقب البغي" المعقب: اسم فاعل، من أعقب، فهو مما يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ [التوبة: ٧٧] والبغي: مرفوع لأنه فاعله، و "أهل البغي": كلام إضافي مفعول أول، والمفعول الثاني هو العائد المحذوف، والأصل: في المعقبه، والألف واللام فيه بمعنى الذي

стр. 423

والعائد محذوف كما قدرنا، والجملة خبر عن قوله: "ما ينهى" وكلمة: "ما": مبتدأ مؤخر وهي موصولة، و "ينهى" صلتها ويجوز أن تكون "ما" موصوفة، قوله: "امرأ" مفعول لقوله: "ينهى"، و "حازمًا": صفة له، قوله: "أن يسأما" أن: مصدرية، والتقدير: ينهى امرأ عن السامة في سلوك طريق السداد. الاستشهاد فيه: على حذف العائد المنصوب بالوصف، وهو قوله: "في المعقب البغي" أي: في الذي يعقبه البغي كما ذكرنا (١) وهو قليل، والكثير حذف العائد المنصوب بالفعل، وقد قيل: إن هذا لا يحسن مثالًا لما في النظم؛ لأن كلام الناظم في الحذف القيس في النثر، ومتى كان الموصول (٢) الألف واللام كان الحذف ضرورة (٣). الشاهد السابع والعشرون بعد المائة (٤)، (٥) وَيَصْغُرُ فيِ عَينِي تِلادِي إِذَا انْثنَتْ … يَمِينِي بإِدْرَاكِ الذِي كُنْتُ طَالِبًا أقول: قائله هو سعد بن ناشب من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وكان أصاب دمًا فهدم بلالُ دارَه، ويقال: إن الحجاج هو الذي هدم دارَه بالبصرة وحرَّقَها، وهو من قصيدة بائية من الطويل وأولها هو قوله: ١ - سأَغْسِلُ عَنِّي العَارَ بالسَّيفِ جَالِبًا … علَيّ قضاءُ اللَّه ما كانَ جَالِبًا

стр. 424

٢ - وَأُذْهَلُ عنْ دَارِي وأجعَلُ هَدْمَهَا … لِعِرْضِي مِنْ بَاقِي المذَمَّةِ حَاجِبا ٣ - ويصغر ...................... … ............................ إلخ ٤ - فَإِنْ تَهْدِمُوا بالغَدْرِ دَارِي فإِنَّهَا … تُرَاثٌ كريمٌ لا يخافُ العَوَاقِبا ٥ - أَخي عَزَماتٍ لا يُرِيدُ على الذي … يهمُّ بهِ منْ مُفْظِع الأمرِ صَاحِبا ٦ - إذَا هَمَّ لم تردعْ عزِيمَةُ هَمِّهِ … وَلَم يَأْتِ مَا يَأْتِي مِنَ الأَمْرِ هَائِبا ٧ - فيَا لَرِزَامِ رشحُوا بِي مُقَدِّمًا … إلى المَوْتِ خَوَّاضًا إِلَيهِ الكَرَائِبا ٨ - إِذَا هَمَّ ألقى بَيَن عَينَيهِ عَزْمَهُ … ونَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَوَاقِبِ جَانِبا ٩ - وَلَم يَسْتَشِرْ فيِ أَمْرِهِ غير نَفْسِهِ … ولَم يَرضَ إلا قَائِمَ السَّيفِ صَاحِبا ١٠ - فَلا تُوعِدُونِي بالأميرِ فَإنَّ لي … جَنَانًا لأكْنَافِ المخاوفِ رَاكبا ١١ - وَقَلْبًا أَبِيًّا لا يُرَوَّعُ جأْشُهُ … إذَا الشرُّ أَبْدَى بالنَّهَارِ كَوَاكِبا ٣ - قوله: "تلادي" بكسر التاء المثناة من فوق؛ وهو ما تنتجه أنت من مال ومال تليد، قال ابن فارس: التليد: ما اشتريته صغيرًا فنبت (١) عندك (٢)، وأراد بقوله: "ويصغر في عيني تلادي" صغرَ القدرِ، وخص التلاد؛ لأن النفس به أضن، ونبه بهذا الكلام على أنه كما يخف على قلبه ترك الدار خشيةَ التزام العار، كذلك يقل في عينيه إنفاق المال عند إدراك المطلوب، قوله: "إذا انثنت" أي: إذا انصرفت. المعنى: يحقر في عيني أعز أموالي ولا أراه [شيئًا] (٣) إذا ظفرت بإدراك ما أنا طالبُه. ٥ - قوله: "أخي عزمات" ويروى: أخي غمران؛ وهي معظم الماء ومجتمعه، قوله: "من مفظع الأمر" بالظاء المعجمة أي: من معضل الأمر- بالضاد. ٦ - قوله: "لم تردع": من الردع، وهو الكف. ٧ - قوله: "فيا لرزام": قبيلة. ٨ - قوله: "همّ" أي: قصد، قوله: "عزمه" يروى بإضافة العزم إلى ضميره، وعزمة بالتأنيث. ٩ - قوله: "ولم يستشر في أمره" ويروى: في رأيه، قوله: "غير نفسه" ويروى: غير عزمه

стр. 425

بإضافة العزم إلى الضمير، قوله: "صاحبًا" إما مفعول "يرضى"، فالمستثنى مقدم، وإما حال من المستثنى (١) والاستثناء مفرغ. الإعراب: قوله: "تلادي": فاعل لقوله: "ويصغر"، قوله: "عيني": فاعل لقوله: "إذا انثنت" وجواب "إذا" تقدم عليه وهو قوله: "يصغر" والباء في: "بإدراك" يتعلق بها، وقوله: "كنت طالبًا": جملة وقعت صلة الموصول. الاستشهاد فيه: على حذف العائد المجرور بإضافة الوصف إليه وهو (٢) قوله: "كنت طالبا" أي كنت طالبه، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أي: ما أنت قاضيه (٣). الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة (٤)، (٥) أطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوي … إِلَى بَيتٍ قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ أقول: قائله هو الحطيئة، واسمه جرول بن أوس بن جؤية بن مخزوم بن غالب بن قطعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، ويكنى: أبا مُلَيكَة، وجرول (٦) في اللغة: الحجر، والحطيئة: تصغير حطأة؛ وهي الضرطة، قال الجوهري: الحطيئة: الرجل القصير (٧)، قال ثعلب (٨): سمي الحطئة لدمامته (٩)، قدم الحطيئة المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه تعالى عنه- والحطيئة
следующие страницы →