← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٧ - قوله: "فَنُحذِي": من الإحذاء، وهو الإعطاء، يقال: أحذيته من الغنيمة أي: أعطته منها، والاسم: الحُذْيَا على فُعْلى بالضم، وهو القسمة من الغنيمة، ومادته: حاء مهملة وذال معجمة، قوله: "وننقع" بالقاف، أي: نروى، وقال الرياشي: حفظى وتمنع، قلت: هو أنسب لقوله: فنحذي (١) فافهم. الإعراب: قوله: "يقول": جملة من الفعل والفاعل، و "الخنا": مفعوله، وقد قلنا: إن معنى يقول: يفوه؛ فلا يستدعي الجملة لتكون مقولًا له، و "وأبغض العجم": كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "صوت الحمار". فإن قلتَ: صوت الحمار حدث، فكيف يقع خبرًا عن الجثة؟ فإن أبغض مضاف للجثة (٢)، وهي العجم فيكون جثة؛ لأن أفعل التفضيل بعض ما أضيف إليه. قلتُ: تقدير الكلام: أبغض أصوات العجم، فافهم. قوله: "ناطقًا" أي: مصوتًا أو رافعًا صوته، وانتصابه على أنه حال من المبتدأ وهو " أبغض" على رأي من يجوز وقوع الحال منه (٣)، ويحتمل أن يكون من فاعل يقول، إلا أنه من حيث اللفظ ضعيف للفاصل بين المبتدأ وخبره بأجنبي، ولا يجوز أن يكون حالًا من الحمار؛ لأن تابع المضاف إليه لا يتقدم على المضاف (٤). قيل: ولا يجوز أن يكون أيضًا من العجم؛ لتذكير الحال، اللَّهم إلا أن يقال: ناطقًا بمعنى: ذات نطق، أو بمعنى المذكور، أي: ناطقًا ذلك، أي المذكور. قلت: يجوز أن يكون حالًا من العجم، وتصح الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف عاملًا في الحال أو كان بعض المضاف إليه وكلاهما موجود هنا (٥) وكان حقه أن يقال: ناطقة أو ناطقان، إلا أنه أناب المفرد عن الجمع للضرورة كقوله (٦): .................... … كلوا في بعض بطنكم تعفقوا

стр. 422

الاستشهاد فيه: في قوله: "اليجدع": حيث أدخل الألف واللام [فيه] (١) على الفعل المضارع، لأنه أجراه مجرى الصفة، لأنه مثلها في المعنى، وأجيب على هذا أنه ضرورة (٢)، وقيل: إنه لا ضرورة فيه، لأنه كان يمكن أن يقول: يجدع، بدون الألف واللام لاستقامة الوزن (٣) وكذا يقول: المتقصع في البيت الآخر، (قلت): ذلك مسلم، وأما في هذا فيلزم (٤) الإقواء (٥) في البيت، وهو عيب (٦). الشاهد السادس والعشرون بعد المائة (٧)، (٨) فِي المُعَقِّبِ البغيُ أهْلَ البغيِ مَا … يَنْهَى امْرأً حَازِمًا أَنْ يَسْأَما أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط المجزوء السالم. ومعنى البيت: في الشيء الذي يعقب البغيُ أهلَ البغي من النكال ما يمنع الرجل الحازم أن يسأم من سلوك طريق السداد، و "البغي": هو الظلم والعدوان، و "الحازم": من الحزم، وهو ضبط الأمر وتوثيقه، قوله: "أن يسأما": من سئم (٩) الرجل يسأم، من باب علم يعلم سأمًا وسآمة وسأْمًا إذا مَلَّ. الإعراب: قوله: "في المعقب البغي" المعقب: اسم فاعل، من أعقب، فهو مما يتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ [التوبة: ٧٧] والبغي: مرفوع لأنه فاعله، و "أهل البغي": كلام إضافي مفعول أول، والمفعول الثاني هو العائد المحذوف، والأصل: في المعقبه، والألف واللام فيه بمعنى الذي

стр. 423

والعائد محذوف كما قدرنا، والجملة خبر عن قوله: "ما ينهى" وكلمة: "ما": مبتدأ مؤخر وهي موصولة، و "ينهى" صلتها ويجوز أن تكون "ما" موصوفة، قوله: "امرأ" مفعول لقوله: "ينهى"، و "حازمًا": صفة له، قوله: "أن يسأما" أن: مصدرية، والتقدير: ينهى امرأ عن السامة في سلوك طريق السداد. الاستشهاد فيه: على حذف العائد المنصوب بالوصف، وهو قوله: "في المعقب البغي" أي: في الذي يعقبه البغي كما ذكرنا (١) وهو قليل، والكثير حذف العائد المنصوب بالفعل، وقد قيل: إن هذا لا يحسن مثالًا لما في النظم؛ لأن كلام الناظم في الحذف القيس في النثر، ومتى كان الموصول (٢) الألف واللام كان الحذف ضرورة (٣). الشاهد السابع والعشرون بعد المائة (٤)، (٥) وَيَصْغُرُ فيِ عَينِي تِلادِي إِذَا انْثنَتْ … يَمِينِي بإِدْرَاكِ الذِي كُنْتُ طَالِبًا أقول: قائله هو سعد بن ناشب من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وكان أصاب دمًا فهدم بلالُ دارَه، ويقال: إن الحجاج هو الذي هدم دارَه بالبصرة وحرَّقَها، وهو من قصيدة بائية من الطويل وأولها هو قوله: ١ - سأَغْسِلُ عَنِّي العَارَ بالسَّيفِ جَالِبًا … علَيّ قضاءُ اللَّه ما كانَ جَالِبًا

стр. 424

٢ - وَأُذْهَلُ عنْ دَارِي وأجعَلُ هَدْمَهَا … لِعِرْضِي مِنْ بَاقِي المذَمَّةِ حَاجِبا ٣ - ويصغر ...................... … ............................ إلخ ٤ - فَإِنْ تَهْدِمُوا بالغَدْرِ دَارِي فإِنَّهَا … تُرَاثٌ كريمٌ لا يخافُ العَوَاقِبا ٥ - أَخي عَزَماتٍ لا يُرِيدُ على الذي … يهمُّ بهِ منْ مُفْظِع الأمرِ صَاحِبا ٦ - إذَا هَمَّ لم تردعْ عزِيمَةُ هَمِّهِ … وَلَم يَأْتِ مَا يَأْتِي مِنَ الأَمْرِ هَائِبا ٧ - فيَا لَرِزَامِ رشحُوا بِي مُقَدِّمًا … إلى المَوْتِ خَوَّاضًا إِلَيهِ الكَرَائِبا ٨ - إِذَا هَمَّ ألقى بَيَن عَينَيهِ عَزْمَهُ … ونَكَّبَ عَنْ ذِكْرِ العَوَاقِبِ جَانِبا ٩ - وَلَم يَسْتَشِرْ فيِ أَمْرِهِ غير نَفْسِهِ … ولَم يَرضَ إلا قَائِمَ السَّيفِ صَاحِبا ١٠ - فَلا تُوعِدُونِي بالأميرِ فَإنَّ لي … جَنَانًا لأكْنَافِ المخاوفِ رَاكبا ١١ - وَقَلْبًا أَبِيًّا لا يُرَوَّعُ جأْشُهُ … إذَا الشرُّ أَبْدَى بالنَّهَارِ كَوَاكِبا ٣ - قوله: "تلادي" بكسر التاء المثناة من فوق؛ وهو ما تنتجه أنت من مال ومال تليد، قال ابن فارس: التليد: ما اشتريته صغيرًا فنبت (١) عندك (٢)، وأراد بقوله: "ويصغر في عيني تلادي" صغرَ القدرِ، وخص التلاد؛ لأن النفس به أضن، ونبه بهذا الكلام على أنه كما يخف على قلبه ترك الدار خشيةَ التزام العار، كذلك يقل في عينيه إنفاق المال عند إدراك المطلوب، قوله: "إذا انثنت" أي: إذا انصرفت. المعنى: يحقر في عيني أعز أموالي ولا أراه [شيئًا] (٣) إذا ظفرت بإدراك ما أنا طالبُه. ٥ - قوله: "أخي عزمات" ويروى: أخي غمران؛ وهي معظم الماء ومجتمعه، قوله: "من مفظع الأمر" بالظاء المعجمة أي: من معضل الأمر- بالضاد. ٦ - قوله: "لم تردع": من الردع، وهو الكف. ٧ - قوله: "فيا لرزام": قبيلة. ٨ - قوله: "همّ" أي: قصد، قوله: "عزمه" يروى بإضافة العزم إلى ضميره، وعزمة بالتأنيث. ٩ - قوله: "ولم يستشر في أمره" ويروى: في رأيه، قوله: "غير نفسه" ويروى: غير عزمه

стр. 425

بإضافة العزم إلى الضمير، قوله: "صاحبًا" إما مفعول "يرضى"، فالمستثنى مقدم، وإما حال من المستثنى (١) والاستثناء مفرغ. الإعراب: قوله: "تلادي": فاعل لقوله: "ويصغر"، قوله: "عيني": فاعل لقوله: "إذا انثنت" وجواب "إذا" تقدم عليه وهو قوله: "يصغر" والباء في: "بإدراك" يتعلق بها، وقوله: "كنت طالبًا": جملة وقعت صلة الموصول. الاستشهاد فيه: على حذف العائد المجرور بإضافة الوصف إليه وهو (٢) قوله: "كنت طالبا" أي كنت طالبه، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أي: ما أنت قاضيه (٣). الشاهد الثامن والعشرون بعد المائة (٤)، (٥) أطَوِّفُ مَا أُطَوِّفُ ثُمَّ آوي … إِلَى بَيتٍ قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ أقول: قائله هو الحطيئة، واسمه جرول بن أوس بن جؤية بن مخزوم بن غالب بن قطعة بن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، ويكنى: أبا مُلَيكَة، وجرول (٦) في اللغة: الحجر، والحطيئة: تصغير حطأة؛ وهي الضرطة، قال الجوهري: الحطيئة: الرجل القصير (٧)، قال ثعلب (٨): سمي الحطئة لدمامته (٩)، قدم الحطيئة المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب -رضي اللَّه تعالى عنه- والحطيئة

стр. 426

يهجو بهذا البيت امرأته. وهو من الوافر وفيه العصب- بمهملتين والقطف. قوله: "أطوف ما أطوف" تطويفًا وتطوافًا، والتشديد فيه للتكثير، وأراد: أُكثر من الدوران والطواف، ويروى: أُطَرَّد بالدال المهملة، وهو مثل: أطوف، وهكذا رواه يعقوب (١). قوله: "ثم آوي إلى بيت": من أوى الإنسان إلى منزله يأوي أويًا، قوله: "قعيدته" قعيدة الرجل: امرأته، وقعيدهُ: الذي يصاحبه في قعوده، فعيل بمعنى فاعل، وتجمع القعيدة على قعائد، وأما قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] فهي جمع قاعد، وهي المرأة المسنة الكبيرة هكذا يقال بغير هاء، أي أنها ذات قعود، وأما قاعدة فهي فاعلة من قعدت قعودًا، ويجمع على قواعد -أيضًا-. قوله: "لكاع" بفتح اللام والكاف، على وزن قطَامِ، وتوصف به المرأة، ويقال للرجل: لكع وللمرأة: لكاع وهو اللئيم، ويقال: الوسخ، ويقال: الخبيث، واشتقاقه من: لكع يلكع لكعًا، وقال ابن فارس: لَكُعَ الرجل إذا لؤُم لكاعةً فهو ألكع، يقال: يا لُكع وللاثنين: يا ذَوَيْ (٢) لُكَع، ويقولون: بنو لكيعَةَ، وقال: واشتقاق ذلك من اللكع وهو الوسخ (٣). قلت: هذه الصفة تستعمل في سبِّ الإناث نحو: يا لكاع، ويا خباث، وهو عند سيبويه مقيس في كل وصف ثلاثي، ولا يستعمل إلا مبنيًّا على الكسر لشبهه بنزال، فلكاع معدول عن لكعة، وخباث معدول عن خبثة (٤).

стр. 427

الإعراب: قوله: "أطوف": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "ما أطوف" كلمة (ما) مصدرية. والمعنى: أطوف الطواف الكثير وهو من المصادر السادة مسد الظروف؛ كأنه قال: مدة طوافي. قوله: "ثم آوي": جملة من الفعل والفاعل، عطف على قوله: "أطوف" و "إلى بيت" يتعلق به، قوله: "قعيدته" مبتدأ، و "الكاع": خبره، والجملة صفة للبيت. فإن قلتَ: هذه الصيغة لا تستعمل إلا في النداء فكيف حكمها؟ قلتُ: تقع في غير النداء في ضرورة الشعر ومنه البيت، و "لكاع" ها هنا مبني على الكسر ولكنه في محل الرفع على الخبرية. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما أطوف" وذلك لأنه أوصل ما المصدرية [الظرفية] (١) بالفعل المضارع المثبت وهو قليل، [والأكثر] (٢) أن توصل المصدرية بالماضي، أو بالمضارع المنفي بلم نحو: لا أصحبك ما لم تضرب زيدًا (٣). وفيه استشهاد آخر: وهو أن فِعال لا يستعمل في غير النداء إلا نادرًا، فلا يجوز في السعة: جاءتني لكاعِ، إلا أن يجعل لكاع علمًا للمرأة ثم يعدل عنه، هكذا قال عبد القاهر الجرجاني -رحمه اللَّه تعالى - (٤) وإنما اختص بالنداء أشباه هذا؛ لأن التعريف لا يكون إلا به؛ ألا ترى أن نحو خبيثة وفاسقة ليس بعلم، وإنما يتعرف بالنداء؛ فلهذا خص بالنداء في حال السعة (٥).

стр. 428

الشاهد التاسع والعشرون بعد المائة (١)، (٢) مَنْ لا يَزَالُ شَاكِرًا عَلَى الْمَعَهْ … فَهُوَ حَرٍ بِعَيش ذَاتِ سَعَهْ أقول: قائله راجز لم أقف على اسمه، وهو من الرجز المسدس. قوله: "على المعه" أي على الذي معه، قوله: "فهو حر" بفتح الحاء وكسر الراء، أي: فهو جدير لائق بعيشة واسعة، يقال: فلان حَرٍ بكذا، وهم أحراء بكذا، وكذا يقال: فلان حريّ بكذا، على وزن فعيل، وحريٌّ بكذا، وبالحري أن يكون كذا -بفتح الحاء والراء، أي: جدير وخليق، والمثقل يثنى ويجمع ويؤنث، تقول: حريان وحريون وحرية، والمخفف يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث على حالة [واحدة] (٣)؛ لأنه مصدر، وذكره (٤) ابن فارس في باب: حرو بالواو في آخره، ثم قال: وأنت حري أن تفعل كذا: لا يثنى ولا يجمع. فإن قلت: حري، قلت: حريان وأحرياء وهو (٥) محراة بكذا (٦)، وقال الجوهري: إذا قلت: هو حر بكسر الراء وحريٌّ على وزن فعيل، ثنيت وجمعت، فقلت: هما حريان، وهم حريون وأحرياء، وهي حرية، وهن حريات وحرايا، وأنتم أحرٍ (٧)؛ جمع حرٍ (٨). الإعراب: قوله: "من": مبتدأ، وخبره قوله: "فهو حر" ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط (٩)، وقوله: "لا يزال": صلة للموصول، و "شاكرًا " نصب؛ لأنه خبر لا يزال. قوله: "على المعه": جار ومجرور يتعلق بـ "شاكرًا"، والألف واللام فيه بمعنى الذي [أي على الذي معه] (١٠) أي: على الخير الذي معه، أو على المال أو نحو ذلك، وكلمة: "مع" للمصاحبة

стр. 429

وهي اسم بدليل دخول التنوين عليه في قولك: معًا، ودخول الجار في حكاية سيبويه: ذهبت (١) من مَعِهِ (٢)، وقرأ بعضهم: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ (٣) [الأنبياء: ٢٤]، وقد تسكن عينه ضرورة؛ لأنه لغة قوم (٤) وذهب النحاس (٥) أنها حينئذ مبنية (٦) وليس كذلك (٧). قوله: "فهو" مبتدأ، و: "حر" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول كما ذكرناه، والباء في: "بعيشة" تتعلق بقوله: "حر"، وقوله: "ذات سعة" بالجر: صفة للعيشة. الاستشهاد فيه: في قوله: "على المعه" حيث وصل الموصول بالظرف، وهو شاذ على خلاف القياس (٨). الشاهد الثلاثون بعد المائة (٩)، (١٠) مِنَ القَوْم الرسُولُ الله منهُم … لَهُم دَانَتْ رقَاب بَنِي مَعَدّ أقول: أنشده ابن مالك للاحتجاج ولم يعزه إلى قائله. وهو من الوافر. قوله: "دَانَتّ" أي: ذلت وخضعت، و "بنو معد": هم بنو قريش وهاشم، -ومعد بفتح

стр. 430

لميم هو ابن عدنان بن أدّ بن أدد بن هميسع بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل - صلوات الله عليه وسلامه (١). الإعراب: قوله: "من القوم الرسول الله" أصله: من القوم الذين رسول الله منهم، فالألف واللام في الرسول موصولة، وقوله: "الرسول الله منهم": جملة اسمية من المبتدأ والخبر، وقعت صلة للموصول، ومنهم من لم يثبت ذلك وحمل البيت على أن تكون الألف واللام مبقاة من الذين، والأصل: من القوم الذين كما ذكرنا، وحذف الكلمة، وإبقاء حرف منها جاء في الضرورة، ومن ذلك قوله (٢): نادوهم إلّا ألجموا ألاتا … قالوا جميعا كلهمْ إلافَا يريدون ألا تركبون وإلا فاركبوا (٣)، قوله: "رقاب بني معد": كلام إضافي مبتدأ، وخبره الجملة المتقدمة يعني: قوله: "لهم دانت"، والتقدير: رقاب بني معد دانت لهم، ويجوز أن رقاب مرفوع على أنه فاعل لدانت (٤)، و "لهم" في الحالتين يتعلق بدانت. الاستشهاد فيه: في قوله: "الرسول الله منهم" حيث أتى الشاعر بوصل الألف واللام الموصولة على صورة الجملة الاسمية على وجه الشذوذ بخلاف القياس (٥).

стр. 431

الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائة (١)، (٢) وَقد كنْتُ تُخْفِي حُبَّ سَمْرَاءَ حِقبَةً … فَبُح لان مِنْهَا بِالَّذِي أَنْتَ بَائِحُ أقول: قائله هو عنترة بن شداد بن معونة (٣) بن مالك بن قطعة بن عبس، وشداد هو فارس جروة، وجروة فرسه، وكانت أم عنترة حبشية، وكان له من أمه أخوة عبيد، وكان من أشد الناس بأسًا، وهم شاعر مشهور وفارس مذكور، والبيت من قصيدة حائية من الطويل وأولها [هو] (٤) قوله (٥): ١ - طَرِبْتَ وهاجتْك الظِّبَاءُ السَّوَانِحُ … غَدَاةَ غدَا مِنْهَا سَنِيحٌ وبَارحُ ٢ - فمالتْ بِيَ الأَهْوَاءُ حَتى كَأنَّمَا … بِزَنْدَيْنِ فيِ جَوْفيِ مِنَ الوَجْدِ قادحُ (٦) ٣ - وقد كنت تخفي ............. … .......................... إلخ (٧) ٤ - لعمري لقد أَعْذَرْتُ لَوْ تَعْذِرِينَنِي … وخَشّنْتِ صَدْرًا غَيبُهُ لَكِ ناصحُ ٥ - أعاذلُ كم مِن يَوْمِ حَربٍ شَهِدْتُهُ … له مَنظَرٌ بَادي النّوَاجِذِ كالحُ ٦ - فلمْ أَرَ حَيًّا صابَرُوا مِثْلَ صَبرِنَا … ولَا كَافَحُوا مثلَ الذينَ نُكَافِحُ ٧ - إذَا شِئْتُ لاقَانِي كَمِيٌّ مُدَجّجٌ … علَى أَعْوَجِيّ بِالطِّعَانِ مُسَامِحُ ٨ - نُزَاحِفُ زَحْفًا أو نُلَاقِي كَتِيبَةً … تُطَاعِنُنَا أوْ يَذْعَرُ السّرْحَ صَائِحُ ٩ - فلمَّا التَقَينَا بِالجِفَارِ تَضَعْضَعُوا … وَرُدّتْ علَى أَعقَابِهِنّ المَسَالِحُ ١٠ - وسارتْ رجالٌ نحوَ أخرى عليهمُ ال … حديدُ كَمَا تَمْشِي الجِمَالُ الدُّوَالِحُ ١١ - إذا ما مشَوْا في السابغَاتِ حسبتَهم … سُيُولًا وقدْ جَاشَتْ بهنَّ الأباطِحُ ١٢ - فأُشْرِعَ رَايَاتٌ وتحتَ ظلالِهَا … من القومِ أبناءُ الحروبِ المَرَاجِحُ

стр. 432

١٣ - ودُرْنَا كَمَا دارتْ على قُطْبِهَا الرَّحَى … ودارتْ على هامِ الرِّجَالِ الصفائحُ ١٤ - بهَاجِرَة حتى تغيَّبَ نُورُهَا … وأقبلَ ليلٌ يقبضُ الطرفَ سايحُ ١٥ - تداعَى بنُو عبسٍ بكل مُهَنَّدٍ … حسَامٍ يُزيلُ الهَامَ والصَّفُّ جانحُ ١٦ - وكل رُدينيٍّ كَأَنَّ سنانَهُ … شِهابٌ بَدَا في ظلمةِ الليلِ واضحُ ١٧ - فخلوا لنا عوذ النساء وجببوا … عباديد منها مستقيم وجامح ١٨ - وكل كَعَابٍ خَذْلَةِ السَّاقِ فَخمة … لها مَنصبٌ في آل ضَبةٍ طامحُ ١٩ - تركنَا ضِرَارًا بيَن عَانٍ مُكَبّلٍ … وبينَ قتيلٍ غابَ عنهُ النوائحُ ٢٠ - وعَمرًا وحيَّانًا تركْنَا بقَفْرَةٍ … تعودُهُمَا فيها الضِّبَاعُ الكوَالِحُ ٢١ - يُجَرِّرْنَ هَامًا فَلَّقَتْهُ سيوفُنَا … تَزَيّلَ مِنْهُن اللِّحَى والمَسَايحُ ١ - قوله: "طربت": من الطرب، وهو خفة الشوق، ويستعمل في السرور والجزع، و"هاجتك": بعثت شوقك وهيجته، و" السانح والسنيح" ما أتاك [عن يمينك] (١) فولاك مياسره من ظبي أو غيره، و"البارح" ضده. ٢ - و "القادح": الذي يقدح النار. ٣ - قوله: "سمراء"؛ اسم محبوبته، قوله: "حقبة" -بكسر الحاء المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة ومعناها: مدة طويلة، وإلا فالحقبة في اللغة تطلق على ثمانين عامًا، ويجمع على حقب بكسر الحاء وفتح القاف، وقد ضبطه بعضهم: خفية، من خفي الشيء يخفى وأخفيته إذا سترته، [وهو في خفية بضم الخاء، وقال ابن الأثير: يقال خفيت الشيء إذا أظهرته وأخفيته إذا مشرته] (٢)، والصحيح: حقبة بالحاء المهملة والقاف، وقوله: "فبح لان" بح- بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة. أمر من باح بالشيء يبوح به إذا أعلن، والبائح فاعل منها، وقوله: "لان" أصله: الآن، فحذف الشاعر منه الهمزتين، ويقال: لان لغة في الآن كما يقال فيه: تلان -أيضًا- بالتاء المثناة من فوق قال الشاعر (٣):

стр. 433

تولي قبل نأي دار جمانا … وصلينا كما زعمت تلانا أي: الآن، وقد روى الأعلم هذا البيت هكذا (١). تعزيت عن ذكرى سمية حقبة … فبح عنك منها بالذي أنت بائح (٢) ثم قال: الحقبة يعني: السنة (٣)، قوله: "فبح عنك منها" أي: أخبر عن نفسك ما كنت تكتمه من حبها والاشتياق إليها. ٤ - قوله: "أعذرت" أي: بالغت، يقال؛ أعذر في الأمر إذا بالغ فيه، وعذر إذا قصر، و "غيب الصدر": ما ينطوي عليه ويستره. ٥ - و "النواجذ": آخر الأضراس، و "الكالح": العابس الذي تقلصت شفتاه حتى بدت أضراسه. ٦ - و "المكافحة": المواجهة والمقابلة في الحرب. ٧ - و"الكمي": الشجاع، "والمدجج": الداخل في السلاح، و "الأعوجي": الفرس المنسوب إلى أعوج؛ فحل قديم، و "مسامح" أي: سخي بالطعان سمح به، وهو صفة للمدجج. ٨ - قوله: "أو يذعر السرح" أي: يفزعها عند الغارة عليها، والصياح لها، و "السرح": الإبل الراعية. ٩ - قوله: "بالجفار" بكسر الجيم وتخفيف الفاء (٤)، وهو ماء لبني ضبة، قوله: "تضعضعوا" أي: تفرقوا، و "المسالح": المراصد من الخيل، مثل مسالح الطرق، وهي المواضع [التي] (٥) يكون فيها أهل السلاح يحمون الطريق.

стр. 434

١٠ - و"الجمال الدوالح" أي المثقلة. ١١ - و "السابغات": الدروع الكاملة، قوله: "جاشت" أي: غلبت واضطربت. ١٢ - قوله: "فأشرع رايات" أي: قوبل بعضها ببعض، "وأبناء الحروب": أهلها المقاتلون فيها، سموا بذلك؛ لأن الحرب تجمعهم فكأنها أمٌّ لهم، ولذلك قيل للحرب الشديدة الهلكة: عقيم، يراد. أن أبناءها قتلوا ولم تلد (١). ١٣ - و "قطب الرحى": ما تدور عليه، و "الهام": جمع هامة، وهي الرأس، و "الصفائح": ما عرض من السيوف. ١٤ - قوله: "يقبض الطرف" أي: يذهب نوره بظلمته، و "السايح" -بالياء آخر الحروف بعد الألف، ومعناه: المنبسط الظلمة. ١٦ - و "الرديني": الرمح، نسب إلى ردينة، وهي امرأة كانت تبيع القنا، أو قبيلة. ١٧ - قوله " عوذ النساء" بالذال المعجمة جمع عائذ، وهي التي ولدت حديثًا فولدها عائذ بها لصغره، قوله: "جببوا" أي: هربوا، و "العباديد": المتفرقون، و "الجامح": الذي في غير استقامة. ١٨ - و "الكعاب": التي نهِد ثدياها فصار كالكعب، و "خذلة الساق" أي: غليظتها، و "فخمة" أي عظيمة، و "الطامح": المرتفع، يقول (٢) موضعها رفيع شريف. ١٩ - قوله: "ضرارًا" يعني: ضرار بن عمرو الضبي (٣)، و "العاني": الأسير، و "المكبل": المشد وِثَاقًا. ٢٠ - و "عمرو وحيّان": من بني ضبة، و "القفرة": الفلاة، و "الكوالح": التي كشرت عن أنيابهن. ٢١ - و "المسايح" بالياء آخر الحروف بعد الألف، وهي ذوائب مقدم الرأس، واحدتها مسيحة. الإعراب: قوله: "وقد كنت تخفي" بالواو للعطف على ما قبله، وتخفي: جملة في محل النصب على أنها خبر كان، وقوله: "حب سمراء": كلام إضافي مفعول لـ "تخفي"، قوله: "حقبة" نصب

стр. 435

على الظرف، قوله: "فبح": جملة من الفعل والفاعل، والفاء فيه جواب شرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك فبح، قوله (١): "لان" أي الآن، نصب على الظرف، وكلمة: "من والباء": كلاهما يتعلق بقوله فبح. وقوله: "بالذي" في محل النصب؛ لأنه مفعول "فبح" لأنه يتعدى بالباء، قوله: "أنت بائح": جملة اسمية وقعت صلة للموصول، والعائد محذوف تقديره: أنت بائح به. الاستشهاد فيه: [في قوله: "بالذي أنت بائح"] (٢)، وذلك لأن العائد إذا كان مجرورًا بحرف لا يحذف إلا إذا دخل على الموصول حرف مثله نحو: مررت بالذي مررت به، فلك أن تقول: مررت بالذي مررت [به، ولك أن تقول: مررت بالذي مررت] (٣) بدون به، وكذلك قوله: "بالذي أنت بائح" وأصله بائح به، كما قلنا. الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائة (٤)، (٥) وَإن الَّذِي حَانَتْ بِفَلْج دِمَاؤُهُم … هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد أقول: قائله هو الأشهب بن زميلة النهشلي، وزميلة بالزاي المعجمة أمه (٦)، وهي أمه لخالد بن مالك بن رِبْعَي بن سلمة بن جندل بن نهشل بن دارم بن عمرو بن تميم، وهو الأشهب بن ثور بن أبي حارثة بن عبد المدان بن جندل بن نهشل بن دارم. وكان يكنى أبا ثور، شاعر إسلامي محسن متمكن، وكان بينه وبين الفرزدق هجاء وذلك في أول أمر الفرزدق فغلبه الفرزدق.

стр. 436

والبيت الذكور من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: ١ - ألَم تَرَ أنِّي بَعْدَ عَمْرو وَمَالِكٍ … وَعُرْوَةَ وابْنَ الهول لَسْتُ بِخَالِد ٢ - وَكَانُوا بَنِي سَادَاتِنَا فَكَأنمَا … تُسَاقَوْا علَى لوح دِمَاء الأَسَاودِ ٣ - وَمَا نَحْنُ إِلَّا مِثْلُهُم غَيرَ أننَا … كَمُنْتَظِرٍ ظَمَأً وآخَرَ وَاود ٤ - هُمْ سَاعِدُ الدَّهْرِ الذِي يُتَّقَى بِهِ … وَمَا خَيرُ كَفٍّ لا تَنُوءُ بِسَاعِدِ (١) ٥ - أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ … تَسَاقَتْ عَلَى لوحِ سمَام الأَسَاودِ (٢) ٦ - وَإنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُم … هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خَالِد وقد نسب أبو تمام -في كتابه المختار من أشعار القبائل هذه الأبيات إلى حريث بن مُخَفِّض (٣). ٢ - قوله: "دماء الأساود": جمع أسودة، والأسودة: جمع سواد، والسواد: الشخص، وأراد بالأساود شخوص الموتى. ٥ - قوله: "أسود شرى" بفتح الشين العجمة والراء، وهو طريق في سلمى كثير الأسود، قوله: "أسود خفية" مثل قولهم: أسود جلية، وهما مأسدتان، و "السمام": جمع سم. ٦ - قوله: "وإن الذي حانت" ويروى: وإن الألى حانت، أي: هلكت، من الحَين -بفتح الحاء وهو الهلاك، قوله: "بفلج" بفتح الفاء وسكون اللام وفي آخره جيم وهو الموضع بين البصرة وضربة، وهو مصروف، وأما فَلَجة- بتحريك اللام فهو اسم مدينة بأرض اليمن فيها منبر وتسمى فلج الأفلاج، وكذلك فلج: أرض من مساكن عاد، قوله: "دماؤهم" أي: أنفسهم (٤). الإعراب: قوله: "وإن الذي" الواو للعطف، و "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله؛ "الذي" موصول، و "حانت بفلج دماؤهم" جملة من الفعل والفاعل صلة للموصول، والمجموع اسم إن، وقوله: "هم": مبتدأ، و "القوم" خبره، و "كل القوم": كلام إضافي

стр. 437

تأكيد لأجل المدح والثناء، والجملة خبر إن، قوله: "يا أم خالد": منادى مضاف منصوب. الاستشهاد فيه: في قوله: "وإن الذي" حيث حذف الشاعر النون من "الذين"؛ إذ أصله: وإن الذين حانت [بفلج] (١) دماؤهم وذلك للتخفيف (٢). وقد قيل: إن حذف النون ها هنا للضرورة (٣). قلت: هذه لغة هذيل؛ فلا يحتاج إلى دعوى الضرورة، على أنه ورد في القرآن الكريم، نحو قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] (٤)، واللَّه أعلم. الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائة (٥)، (٦) رُبمَا تَكْرَهُ النفوسُ مِنَ الأَمـ … ـر لَهُ فَرْجَة كَحَلِّ العِقَالِ أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت، وذكر في الحماسة البصرية أن قائله: هو حنيف بن عمير اليشكري (٧)، ويروى: أنه لنهار ابن أخت مسيلمة الكذاب- لعنه اللَّه تعالى، والأول أشهر، وقبله: ١ - صَبر النَّفْسَ عِنْدَ كُلِّ مُلِمٍّ … إِنَّ فيِ الصَّبْرِ حِيلَةَ المحتَالِ ٢ - لا تَضِيقَن بالأمُورِ ذَرْعًا فَقَدْ … يَكْشِفُ عَمَّاؤُهَا بِغَيْرِ احْتِيَالِ (٨)

стр. 438

وهي من الخفيف، وفيه الخبن والتشعيث. ١ - قوله: "صبر النفس" أي: احبسها عن الجزع، "عند كل ملم" أي: عند كل مصيبة من مصائب الدنيا. ٢ - قوله: "عماؤها" بالعين المهملة وتشديد الميم (١) للضرورة، والعماء في اللغة: السحاب الرقيق، سمي بذلك؛ لأنه (٢) يُعمي الأبصار عن رؤية ما وراءه، وأراد بها ها هنا ما يحول بين النفس ومرادها. ٣ - قوله: "ربما تكره النفوس" وفي رواية سيبويه: "ربما تجزع النفوس" (٣)، قوله: "فرجة" بفتح الفاء، وهي التفصي والانفراج، وقال النحاس: الفرجة -بالفتح في الأمر، والفرجة- بالضم فيما يرى من الحائط ونحوه (٤)، قوله: "العقال" بكسر العين، وهو القيد، وقال ابن الأثير: العقال: الحُبَيل الذي ينعقل (٥) به البعير. المعنى: رب شيء تكرهه النفس (٦) من الأمر سهل كحل عقال الدابة. الإعراب: قوله: "ربما" رب حرف جر، وكلمة ما: بمعنى شيء، نكرة مجردة عن معنى الحرف، ناقصة [موصوفة، والتقدير: رب شيء تكرهه النفوس؛ فحذف العائد الذي هو مفعول "تكره"] (٧) والجملة صفة ما، ويجوز أن تكون ما كافة والفعول المحذوف اسمًا ظاهرًا، أي: قد تكره النفس (٨) من الأمر شيئًا، أي: وصفًا فيه، أو الأصل من الأمور أمرا، وفي هذا إنابة المفرد عن الجمع، وفيه وفي الأول إنابة الصفة غير المفردة عن الموصوف؛ إذ الجملة بعده صفة، له هذا الذي ذكره ابن هشام (٩). قلتُ: إذا كانت ما كافة تبقى: "مِن" التبيينية بعدها خالية عن الفائدة (١٠).

стр. 439

وقيل: يجوز أن تكون "ما" هي المهيئة لدخول "رب" على الجملة (١). قلتُ: يلزمه في ذلك حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ إذ التقدير حينئذ: رب تكره النفوس شيئًا من الأمر. وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه (٢): ويجوز أن تكون "ما" في [هذا] (٣) البيت فاصلة، قوله: "من الأمر" صفة أخرى بعد صفة، قوله: "له فرجة": جملة ابتدائية، صفة أخرى -أيضًا-، والضمير في: "له" يرجع إلى "ما"، أي: لهذا الشيء المكروه انفراج. الاستشهاد فيه: على وقوع "ما" موصوفة بمعنى شيء في قوله: "ربما تكره النفوس" (٤)، وقال صاحب الإقليد: "ما" حقها أن تكتب مفصولة؛ لأن "ما" اسم نكرة موصوفة لا زائدة؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (٥)، "وما" ها هنا ليست بموصولة؛ لأن الموصول معرفة، و "رب" لا تدخل إلا على النكرات (٦). الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائة (٧) , (٨) وَكَفَى بِنَا شَرَفًا عَلَى مَنْ غَيرنَا … حُبُّ النَّبِي مُحَمَّدٍ إِيَّانَا أقول: قائله هو حسان بن ثابت شاعر النبي ﷺ ، ويقال: قائله هو بشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ويقال: الأصح أنه لكعب بن مالك الأنصاري الخزرجي (٩)، اختلفوا في

стр. 440

شهوده بدرًا، والصحيح أنه لم يشهدها، وهو أحد الثلاثة الذين: ﴿خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨]، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة وهلال بن أمية (١) وكان كعب من شعراء النبي ﷺ (٢). والبيت من الكامل، والمعنى ظاهر. الإعراب: قوله: "وكفى بنا" الواو للعطف على ما قبله، و "كفى" فعل ماضٍ، و "بنا" مفعوله، والباء فيه زائدة كما في قوله ﵊: "كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع" (٣) ويقال: إن الباء في البيت زائدة في الفاعل، و "حب النبي": بدل اشتمال على المحل (٤). وقوله: "شرفًا" نصب على التمييز، أي من حيث الشرف، قوله: "على من غيرنا" يتعلق بقوله: "شرفًا"، وكلمة "من" نكرة موصوفة، وصفتها هي قوله: "غيرنا"، وقال الكسائي: كلمة "من" ها هنا زائدة و "غيرنا" مجرور بـ "على" (٥)، والأصح أن "من" ها هنا نكرة موصوفة والتقدير: على قوم غيرنا (٦)، ويروى: على من غيرنا برفع غيرنا، والتقدير: على من هو غيرنا (٧). قوله: "حب النبي" كلام إضافي مرفوع؛ لأنه فاعل "كفى بنا"، على الوجه الأول بدل اشتمال كما ذكرنا، وقوله: "محمد" بيان من النبي، قوله: "إيانا": مفعول المصدر المضاف إلى فاعله، أعني: حب النبي. الاستشهاد فيه: في قوله: "على من غيرنا" فإن "من" ها هنا إما نكرة موصوفة، أو زائدة كما ذكرنا (٨).

стр. 441

الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائة (١) , (٢) ............................... … وَنِعْمَ مَنْ هُوَ فِي سِرٍّ وَإعْلانِ أقول: أنشده أبو علي ولم يعزه إلى قائله، وصدره: ونعمَ مَزكَاءُ مَنْ ضَاقَتْ مَذَاهِبُهُ … .............................. وقبله: ١ - وَكَيْفَ أَرْهَبُ أَمْرًا أَوْ أُرَاعُ لَهُ … وَقَدْ تَكَّأْتُ إِلَى بشرِ بنِ مروانِ وهما من البسيط. "مزكاء" -بفتح الميم وسكون الزاي المعجمة: مفعل، من زكأت إلى فلان؛ أي لجأت إليه، هذا من المهموز اللام، ذكره في العباب في بابه "زكأ" بالزاي المعجمة في أوله والهمزة في آخره (٣) قال أبو زيد: زكأت إليه؛ أي: لجأت إليه (٤) وأما بالراء المهملة فمن المعتل اللام اليائي، وقال ابن الأعرابي: أركيت إلى فلان؛ أي: لجأت إليه، ويقال: أنا مُرْتَكٍ على كذا؛ أي: معول عليه وما لي مرتكى إلا عليك. الإعراب: قوله: "ونعم" من أفعال المدح، وفاعله: "مزكاء" مضاف إلى "من"، ولا يضاف فاعل "نعم" غالبًا إلا لما يصلح إسناد "نعم" إليه (٥)، وأما "نعم" الثانية فقد قال ابن القطاع: إنها مكررة. ويقال: إن فاعل "نعم" ها هنا مستتر، تقديره: نعم هو من هو؟ وكلمة "من" تمييز، وقوله: "هو" مخصوص بالمدح فهو مبتدأ، وخبره ما قبله، هكذا أعربه أبو علي، وحكم بأن: "من" ها هنا نكرة تامة (٦).

стр. 442

وقال غيره: "من" موصولة فاعل نعم (١)، وقوله: "هو": مبتدأ، وخبره هو آخر محذوف تقديره: نعم من هو في سر وإعلان على حد قول الشاعر (٢): ........ وشعري شعري … ............................ والظرف متعلق بالمحذوف؛ لأن فيه معنى الفعل، أي: ونعم من هو الثابت في حالتي السر والإعلان. قلتُ: ويحتاج في ذلك إلى تقدير: "هو" ثالث يكون مخصوصًا بالمدح (٣). الاستشهاد فيه: في قوله: "ونعم من" استشهد به أبو علي على أن "من" ها هنا نكوة غير موصوفة (٤). الشاهد السادس والثلاثون بعد المائة (٥) , (٦) دَعِي مَاذَا عَلِمتُ سَأتَّقِيهِ … ولكن بِالمُغَيَّبِ نَبِّئِينِي أقول: قائله هو سحيم بن وثيل الرياحي، وهو من قصيدة طويلة، وقد ذكرنا أكثرها في أول الكتاب (٧): أَكُل الدَّهرِ حِلٌّ وارْتِحَالٌ … أما يُبْقي علَيَّ ولا يَقِيني وهو من الوافر. قوله: "دعي" أي: اتركي، و "ماذا عَلِمتِ" بكسر التاء، قال النحاس: رواية أبي الحسن

стр. 443

بكسر التاء (١)، ورواية أبي إسحاق: "علمتُ" بضم التاء (٢)، قوله: "نَبِّئيني" أي: أخبريني، من النبأ وهو الخبر. الإعراب: قوله: "دعي" فعل وفاعل، وقوله "ماذا علمت": مفْعوله، و "ماذا": كلمة اسم جنس بمعنى شيء، أو موصول بمعنى الذي على خلاف فيه ها هنا، فالجمهور على أن "ماذا" كلمة مفعول دعي كما ذكرنا (٣). وقال ابن عصفور: لا يكون "ماذا" مفعول لـ "دعي"؛ لأن الاستفهام له الصدر، ولا لعلمت؛ لأنه لم يرد أن يستفهم عن معلومها ما هو ولا لمحذوف تفسيره: سأتقيه؛ لأن علمت حينئذ لا محل لها، بل "ما": استفهام، و "ذا": موصول خبر، "وعلمتُ": صِلة وعُلِّقَ "دعي" عن الاستفهام (٤) .. وقال ابن هشام: إذا قدّرتَ "ماذا" بمعنى الذي، أو بمعنى شيء، لم يمتنع كونها مفعول "دعي"، وقوله: "لم يرد أن يستفهم عن معلومها" (٥) لازم له إذا جعلَ "ماذا" مبتدأ وخبرًا ودعْوَاهُ تعليق "دعي" مردودة بأنها ليست من أفعال القلوب، فإن قال: إنما أردتُ أنه قُدِّرَ الوقف على دعي، فاستأنف ما بعده، رده قول الشاعر: "ولكن"؛ فإنها لا بد أن يخالف ما بعدها ما قبلها والخالف ها هنا "دعي". فالمعنى: دعي كذا ولكن أفعل كذا، وعلى هذا فلا يصح استئناف ما بعدَ "دعي"؛ لأنه لا يقال: من في الدار فإنَّني أُكرِمُهُ، ولكن أخبرني عن كذا. انتهى (٦). وقال النحَّاس: لا يكون "ذا" هنا بمعني الذي؛ لأنه لا يجوز: دعي ما الذي علمتَ، وقال أبو إسحاق: لا يكون ذا ها هنا إلا بمنزلة الاسم مع ما، وذاك أنها لا تخلو من إحدى ثلاث جهات: - إما أن تكون "ما" صلة "وذا" بمعنى الذي، وذا لا يجوز ها هنا؛ لأن "ذا" لا يكون بمعني الذي إلا مع "ما" و "من" الاستفهاميتين.

стр. 444

- وإما أن تكون "ما" بمعنى الذي فتكون "ما" مفعوله، "وذا" مبتدأ، "وعلمت" صِلة، ويبقى المبتدأ بلا خبر. فإن قلت: أُضْمِرُ "هوَ" فكأني قلت: دعي الذي هو علمت، فهذا قبيح، والذي قال سيويه والذي لا يجوز في هذا الموضع أن تحذف هو منفصلة (١). الثالث: الذي يجوز وهو أن تكون "ما" مع "ذا" بمنزلة اسم واحد (٢). الاستشهاد فيه: في قوله: "ماذا علمت" فإن "ذا" ها هنا إما موصولة، أو نكرة موصوفة؛ أي: دعي الذي علمتيه (٣) أو شيئًا علمتَ فافهم؛ فإنَّهُ موضع يحتاج إلي التَّرَوِّي.

стр. 445

الشاهد السابع والثلاثون بعد المائة (١) , (٢) نَحْنُ الأُلَى فاجْمَع جُمُو … عَكَ ثُمَّ وجِّههُمْ إلَينَا أقول: قائله هو عَبِيدُ -بفتح العين وكسر الباء الموحدة ابنُ الأبرص بن جشم بن عامر بن مالك بن زهير بن مالك بن الحرث بن سعد بن ثعلبة بن زودان بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، شاعر فحل فصيح من شعراء الجاهلية، وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من شعراء الجاهلية، وقرن به طرفة، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد (٣)، والبيت المذكور من قصيدة نونية، وأولها هو قوله (٤): ١ - يا ذا المُخَوِّفَنا بِقَتـ … ـلِ أبيهِ إذْلالًا وَحيْنَا ٢ - زعَمْتَ أنَّكَ قَد قَتَلْـ … ـتَ سَراتَنَا كذبًا ومَيْنا ٣ - لولا على حُجُر بن أم … م قطام تبكي لا علينا ٤ - إنَّا إذا عَضَّ الثِّقا … فُ بِرأسِ صَعْدِتِنَا لَوَيْنَا ٥ - نَحْمي حَقيقتنا وبعدـ … ـضُ القوم يسقط بين بينا ٦ - هَلَّا سَأَلتَ جموعَ كِنْـ … دَةَ يَوْمَ ولّوا أَيْنَ أَيْنَا؟ ٧ - أيَّامَ نَضْرِبُ هَامَهُم … بِبَواتِر حَتَّى انحَنينا ٨ - نحنُ الأُلى فاجمَع جِمُو … عَكَ ثُمّ وجِّههم إلينا وهي من [الكامل وفيه] (٥) الإضمار والترفيل (٦) تقول: (نحن الألى) مستفعلن مضمر، (فاجمع جمو) مستفعلن مضمر، (عك ثم وج) متفاعلن سالم، (جههم إلينا) مستفعلاتن مرفل مضمر.

стр. 446

قوله: "حَيْنًا" أي: هلاكًا، قوله: "سراتنا" -بفتح السين والراء: جمع سريّ: وهو جمع عزيز أن يجمع فعيل على فعلة ولا يعرف غيره (١)، و "سراة القوم": أكابرهم وساداتهم، قوله: "مينا" -بفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف؛ وهو الكذب، و"الثقاف" بكسر الثاء المثلثة وتخفيف القاف وفي آخره فاء؛ وهو ما تسوى به الرماح، و "الصعدة" بفتح الصاد وسكون العين وفتح الدال: المهملات، وهي القناة المستوية، تنبت كذلك لا تحتاج إلى تثقيف، قوله "لوينا": من لوى الرجل رأسه وألوى برأسه؛ أمال وأعرض، قوله "نحمي حقيقتنا" الحقيقة: ما يحق على الرجل أن يحميه، يقال: فلان حامي الحقيقة، قوله: "هامهم"؛ جمع هامة، وهي الرأس، و "البواتر": السيوف القاطعة، قوله: "نحن الألى" أي: نحن الذين عرفوا بالشجاعة فاجمع جموعك ثم وجههم إلينا؛ فإنا لا نبالي بهم، ولا هم عندنا في حساب. الإعراب: قوله "نحن": مبتدأ، وخبره قوله "الألى" وهو بمعنى الذين، وصلتها محذوفة (٢) لدلالة قوله: "فاجمع جموعك … إلخ" عليه. وهو موضع الاستشهاد: وهو أن الصلة لا بد منها للموصول، إما لفظًا وإما تقديرًا، والمقدر كالملفوظ عند القرينة، وهذا نحو قول الكميت (٣): فإن أَدَعِ اللَّوَاتِي مِن أُناسٍ … أَضَاعُوهنَّ لا أَدَعِ الّذِينَا قال أبو عبيد: الذين ها هنا لا صلة لها. والمعنى: إن أدَعْ ذكرَ النساء فلا أدع الرجال، وقال ابن هشام في فوائده: قد يذكر الموصول بغير صلة؛ كقول الكميت: فإن ادع … إلخ (٤)، وفيه استشهاد آخر وهو أن الألى بمعنى الذينَ.

стр. 447

الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائة (١) , (٢) وإنَّ من النِّسْوَانِ مَنْ هيَ رَوْضَةٌ … تَهِيجُ الرِّيَاضُ قبلها وتصَوّحُ أقول: قائله هو جران العود، واسمه عامر بن الحرث بن كلفة -بفتح الكاف، ويقال بضمها، ويقال: ابن كلدة وهو ابن نمير، وأحد بني ضبة بن نمير بن عامر بن صعصعة، وإنما لقب جران العود بقوله لامرأتين كانتا له: خُذَا حَذَرًا يا جَارَتَيَّ فإنَّنِي … رأيت جِرَان العَودِ قد كان يصلُح بفتح اللام، وروي بضمها، وكلتا الروايتين صواب. والبيت المذكور من قصيدة طويلة من الطويل، يصف فيها النساء، [قال ابن حبيب] (٣): قال أبو عمرو الشيباني (٤): كان جِرَانُ العَوْدِ والرَّحَّال خِدْنَيِن (٥) تِبيعَيِن، ثم إنه تزوج كل منهما فلما أن اجتمعا نَعَتَا ما لقيا، فقال جران العود في ذلك: ١ - ألا لا تَغُرَّن امْرَأً نَوْفَلِيَّةٌ … علَي الرَّأْسِ بَعْدِي أوْ تَرَائِبُ وُضّحُ ٢ - ولا فاحِم يُسْقِي الدِّهَانَ كَأنَّهُ … أَسَاودُ يِزْهَاهَا لعَينيك أبطحُ ٣ - وأذنابُ خَيلٍ عُلِّقَتْ في عَقِيصَةٍ … ترى قُرْطَها من تحتها يَتَطَوَّحُ ٤ - فإنَّ الفَتَى المغرورَ يُعْطِي تِلادَهُ … ويُعْطي الثّنا من مالهِ ثم يُفْضَحُ ٥ - ويغدُو بِمسْحَاجٍ كَأنَّ عِظَامَهَا … مَحَاجِنُ أعرَاهَا اللِّحَاءُ المشبحُ ٦ - إذا ابْتُزَّ عنها الدرع قِيلَ مُطَّرِدٌ … أحَصُّ الذنابي والذراعين أرسح إلى أن قال: ٧ - أجَلِّيِ إليهَا من بعيد وأتَّقي … حجارتها حقًّا ولا أَتَمَزَّحُ

стр. 448

٨ - تَشجُّ طَنَابِيبِي إذا ما اتَّقَيتُهَا … بهنَّ وأُخْرَى في الذَّؤابَةِ تنفحُ ٩ - أتانا ابن روق يَبتغي اللهو عندنا … فكان ابن رَوْقٍ بين بُرْدَيْهِ يَسْلَحُ ١٠ - وأنْقَذنِي منها ابن روقٍ وصوتُها … كصَوْتِ عَلاةِ القَيِن صُلْبٌ صُمَيدَحُ ١١ - وولَّى به رَادُ اليدين عِظامُهُ … علَى دَفَقٍ مِنهَا موائر جُنَّحُ ١٢ - وإن من النسوان من هي روضة … تهِيجُ الرياضُ قبلها وتصوحُ ويروى: ولسْنَ بأسْوَاءٍ فمنهن روضةٌ … تَهِيجُ الرِّيَاضُ غيرَها لا تَصَوَّحُ ١٣ - جُمَاديةٌ أحْمَى حدائقَها الندى … ومُزْنٌ تُدَلِّيهِ الجنائِبُ دُلَّحُ ١٤ - ومنهن غُلٌّ مقفل لا يفكه … من القوم إلا الشَّحْشَحَانِ الصويفح ١٥ - عمدت لَعَوْدٍ فالتَحَيْتُ جَرَانَهُ … وَلَلْكَيْسُ أمضي في الأمُورِ وأنْجَحُ ١٦ - خُذَا حَذَرًا يا جارتاي فإنَّني … رأيت جران العود قد كان يَصْلُحُ وقال الرحال (١): ١ - أقول لأصْحَابِي الرَّحِيل فقربوا … جُمَالية وَجْنَاءَ تُوزِعُ بالشفر ٢ - وقربن ذيَّالًا كأن سراته … سَراةُ نَقَى العَزَّافِ لَبَّدَهُ القَطْرُ ٣ - فقلن أَرِحْ لا تحبسِ القومَ إنهم … ثووا أشهرًا قد طال ما قد ثوى السفر وهي قصيدة طويلة من الطويل -أيضًا-. [أولًا: شرح أبيات جران العود] وهي من قصيدة طويلة من الطويل أيضًا: ١ - قوله: "نوفلية": ضرب من المشط، و "الترائب": عظام الصدر، الواحدة تريبة؛ وهي موضع القلادة، و "الوُضُح" بضم الواو، جمع واضحة. ٢ - و "الفاحم"- بالفاء: الشعر الأسود كأنه حيات سود، قوله: "يزهاها" أي: يرفعها، و "الأبطح": بطن واد فيه رمل وحجارة، والجمع: أباطح. ٣ - قوله: "وأذناب خَيل" أراد الذوائب، شبهها بأذناب الخيل من طولها، و "العقيصة": ما جمع من الشعر كهيئة الكُبَّةِ، والجمع عقاص، و "القرط" -بضم القاف، وهو الذي يعلق في

стр. 449

الأذن، قوله: "يتطوح" أي: يضطرب، أراد أنها طويلة العنق، ولو كانت وقصاء لم تضطرب. ٤ - قوله: "تلاده" -بكسر التاء المثناة من فوق؛ هو البالي القديم الذي يورث عن الآباء، و"التليد" مثله. ٥ - قوله: "بمسحاج" -بكسر الميم وسكون السين المهملة وبالحاء المهملة ثم الجيم بعد الألف؛ هي امرأة سريعة المشي وهو عيب في النساء، و "المحاجن": الصوالجة، جمع محجن، شبه عظامها لاعوجاجها وهزالها بالمحاجن، قوله: "وأعراها" أي: نزع عنها اللجا وهو قشرها، و"المشبح": المقشور، ويقال: شبحت العود إذا قشرته. ٦ - قوله: "إذا ابْتُزَّ عنها الدرع" وهو على صيغة المجهول، ومعناه: إذا انْتُزِعَ عنها الدرع وهو القميص، قوله: "قيل مطرد" أي: ذئب، ويروى: إذا ابتَزَّ عنها الدرع، على صيغة المعلوم ونصب الدرع، ويقال: المطرد: الظليم طرده الناس فنفر وهو أسمج ما يكون إذا نفر، وهو أحمر لا ريش عليه، و"الذنابي": الذنَب، وأراد "بالذراعَينِ" الساقين، قوله: "أرسح" أي: أمسح المؤخر خفيفه. ٧ - قوله: "ولا أتمزح" أي: ولا أقول إلا حقًّا. ٨ - قوله: "طنابيبي": جمع طنبوب، وهو عظم الساق، قوله: "تنفح" أي: تصيب بعد الإصابة. ٩ - قوله: "يسلح" أي: يخرأ، ويروى: في السراويل يسلح. ١٠ - و "العلاة" السندان، و "القين": الحداد، و "الصميدح": الشديد. ١١ - قوله: "وولى به" أي: بان ومضى به هاربًا، قوله: "راد اليدين" أي: سريع اليدين، أراد بعيرًا، و"الدفق": السرعة، و"الموائر": من مار يمور؛ إذا اضطرب، قوله "جنح" يعني: موائل. ١٢ - قوله: "تهيج": من هاج الشيء يهيج هيجًا وهيجانًا وهياجًا، واهتاج وتهيج أي: ثار، وهيجه غيره يتعدى ولا يتعدى، قوله: "وتصوح" أصله تتصوح فحذفت إحدى التاءين؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] (١)، وهو من التصوح بالصاد والحاء المهملتين وهو التشقق، قال أبو عمرو: تصوح البقل إذا يبس أعلاه، وفيه ندوة (٢)، شبه بعض النساء بالروضة التي تتأخر في هيجان نباتها وتشقق أزهارها عن غيرها من الرياض، وأراد بها: النساء التي تتأخر عن الولادة عن وقتها، وهذا تشبيه بليغ؛ حيث حذف فيه أداة التشبيه؛ لأن الأصل في قوله:

стр. 450

"من هي روضة": من هي كروضة، وهذا تشبيه وليس باستعارة؛ لأن الطرفين مذكوران، وشرط الاستعارة أن يذكو أحد طرفي التشبيه ويترك الآخر (١). ١٣ - قوله: "جمادية" أي: مطرت في جمادى، قوله: "أحمى" أي: منع، يريد أن الأمطار كثرت فأجلست الناس عن الأسفار والمر بها فلم يُرْعَ كَلأُها فَهُوَ نامٍ، و "الندى": الأمطار، و "المزن": السحاب، قوله: "تُدْلِّيه" أي: تترك ما فيه من المطر، قوله: "دُلّح"- بضم الدال وتشديد اللام؛ أي: ثقال لكثرة الماء. ١٤ - قوله: "ومنهن" أي: ومن النساء، و "الشحشحان": الماضي في الأمور، و "الصويفح": الشديد الصوت الصلب، ويروى: الصلنفح وهو مثله. ١٥ - قوله: "عمدت" أي: قصدت، و "العَود" -بفتح العين: البعير المسن، قوله: "فَالْتَحَيْتُ"، أي: أخذت. ١٦ - قوله: "خُذَا حذَرًا" خطاب لامرأتيه كما ذكونا، وبهذا لقب جران العود، قوله: "يا جارتاي" ويروى. خِلَّتَيَّ، و "الجران": باطن العنق الذي يَضَعُه البعير علي الأرض إذا مَدَّ عُنُقَهُ لينام، والجمع أجرِنَة. [ثانيًا: شرح أبيات الرحال] ١ - قوله: "جمالية" أي: ناقة غليظة في خلقة الجمل، قوله: "وجْنَاء" أي. كثيرة لحم الوجنتين، قوله: "تُوْزَع" أي: يُكف من حدتها ونشاطها، و "الشفر": السكين. ٢ - قوله: "قربن" يعني النساء، و "ذيالًا" يعني: بعير طويل الذنب، و "سراته": ظهره، و "النقا" من الرمل: ما طال ودق، و "العزاف" -بالعين المهملة المفتوحة وتشديد الزاي المعجمة وفي آخره فاء؛ اسم موضع، قوله: "لبده" أي: صلبه، و "القطر" أي: المطر. ٣ - قوله: "ثَوَوْا" أي أقاموا. الإعراب: قوله "وإن" الواو للعطف، و "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "من هي روضة" اسمه، وخبره قوله: "من النسوان" وكلمة ["من" في:] (٢) "مَن هي روضة": موصول، والجملة أعني: هي روضة: صلتها، قوله "تَهيجُ": فعل مضارع، و "الرياض":

стр. 451

فاعله، ولجمله. صفة للروضة، و"قبلها" نصب على الظرف إلى الضمير الذي يرجع إلى الروضة، قوله: "وتصوح" عطف على قوله: "تهيج". الاستشهاد فيه: في قوله: "من هي روضة" حيث روعي فيه معنى "مَن" فلذلك أنث الضمير، ولو روعي فيه اللفظ لقيل: من هو، وفي مثل هذا الموضع يجب فيه مراعاة المعنى، ولا سيما إذا كان ما يعضد المعنى؛ كما في البيت. الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائة (١) , (٢) ............................... … وَأَنْتَ الذي في رَحْمَةِ اللهِ أَطْمَعُ أقول: قد قيل: إن قائله مجنون بني عامر، وصدره (٣): فيا ربَّ لَيْلَى أَنْتَ في كُلِّ مَوْطِن … .............................. وهو من الطويل، المعنى ظاهر. الإعراب: قوله: "وأنت" مبتدأ وخبره: "الذي في رحمة الله أطمع"، والتقدير: وأنت الذي أطمع في رحمتك، وهذا من المواضع التي خلف الضمير العائد اسم ظاهر؛ كما في قولهم: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري، وهذا موضع الاستشهاد أيضًا، وكان القياس أن يقال: وأنت الذي في رحمته أو رحمتك، ولكنه أتى بالظاهر على خلاف القياس (٤).

стр. 452

شواهد المعرف باللام الشاهد الأربعون بعد المائة (١) , (٢) ولقد جَنَيْتُكَ أكمؤًا وعَساقِلًا … ولقد نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الأَوْبَرِ أقول: أنشده أبو زيد، ولم يعزه إلى قائله، وهو من الكامل. قوله: "ولقد جنيتك" أي: جنيت لك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي: وإذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، وقوله تعالى: ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦] أي: تبغون لها، وقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] أي قدرنا منازل، وهو من جنيت الثمرة أجنيها جنًى واجتنيها أيضًا. قوله: "أكمؤًا" -بفتح الهمزة وسكون الكاف وضم الميم وفي آخره همزة؛ وهو جمع كَمْؤ علي وزن فَعْل- بسكون العين؛ كأفلس جمع فلس، وهو واحد كمأة على وزن فعلة، على العكس في باب: تمر وتمرة، قال الجوهري: الكمأة واحدها على غير القياس وهو من النوادر، تقول: هذا كمؤ، وهذان كمآن، وهؤلاء أكمؤ ثلاثة (٣). قوله: "وعساقلًا": جمع عسقول -بضم العين وسكون السين المهملتين، وهو نوع من الكمأة وأصل: "عساقلا" (٤): عساقيلا، فحذفت المدة للضرورة، قوله: "بنات الأوبر" وهي

стр. 453

كمأة صغار مزغبة على لون التراب، قاله أبو زيد، ويقال: هي الكمأة البيض، ويقال لها: شحمة الأرض، ويقال لها: العساقيل. و"بنات الأوبر": ضربان من الكمأة رديئان، وفيه نظر؛ لأن الرديء هو بنات أوبر فقط، فلذلك قال: "ولقد نهيتك عن بنات الأوبر" (١) إنما كان عن بنات الأوبر فقط، ولم يكن عن العساقيل أيضًا. الإعراب: قوله: "ولقد" الواو للقسم، واللام وقد للتأكيد والتحقيق، قوله: "جنيتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وأصله: جنيت لك كما ذكرنا، فحذف الجار توسعًا (٢) قوله: "اكمؤًا": مفعول جنيت، و: "عساقلًا": عطف عليه، من قبيل عطف الخاص على العام (٣)، قوله: "ولقد نهيتك": عطف على قوله: "ولقد جنيتك"، قوله: "عن": يتعلق بـ "نهيتك". الاستشهاد فيه: على زيادة اللام في قوله "الأوبر" والأصل: بنات أوبر بدون اللام، وإنما زيدت لأجل الضرورة، لأن ابن أوبر علم على نوع من الكمأة، ثم جمع علي بنات أوبر؛ كما يقال في: ابن عرس، بنات عرس، ولا يقال بنو عرس؛ لأنه لما لا يعقل (٤)، ورده السخاوى (٥) بأنه لو كانت اللام فيه زائدة، لكان وجودها كالعدم فكان خفضه بالفتحة؛ لأن فيه العلمية والوزن (٦). قيل: هذا سهو منه؛ لأن أل تقتضي أن ينجرّ الاسم بالكسرة، ولو كانت زائدة؛ لأنه قد أمن فيه من التنوين (٧). وقيل: أل فيه للمح الصفة الأصل؛ لأن "أوبر" صفة، كحسن وحسين وأحمر (٨).

стр. 454

وقيل: للتعريف، وأن ابن أوبر نكرة كابن لبون؛ كما في قول الشاعر (١): وابْنُ اللَّبونِ إذا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ … .................................. قاله المبرد (٢)، ويرده أنه لم يسمع ابن أوبر إلا ممنوع الصرف (٣)، وقال سيبويه: هو علم جنس ممنوع الصرف للعلمية والوزن كابن آوى (٤) فالألف واللام فيه زائدة، فافهم. الشاهد الحادي والأربعون بعد المائة (٥) , (٦) أمَّا ودِمَاءٍ مَائِرَاتٍ تَخَالُهَا … عَلَى قُنَّةِ العُزَّى وبالنَّسْرِ عَنْدَمَا أقول: قائله هو عمرو بن عبد الجن شاعر جاهلي، وقيل: قائله رجل جاهلي مجهول الاسم، والأول أصح وبعده: ٢ - وما سَبَّحَ الرُّهْبانُ في كلِّ بِيْعَةٍ … أبيلَ الأَبِيلَيِن المَسيحَ بنَ مَرْيَمَا ٣ - لقد ذاقَ مِنَّا عامرٌ يومَ لعَلع … حُسَامًا إذا مَا هُزّ بالكفِّ صَمَّمَا وهو من الطويل. ١ - قوله. "ودماء": جمع دم، قوله: "مائرات": من مار الدم على وجه الأرض؛ إذا ماج كموج الهواء، وقد يراد بالمائرات الدماء، قال الشاعر (٧): حلفتُ بِمَائِراتٍ حَوْلَ عَوْضٍ … وأنصاب تُرِكْنَ لَدَى السَّعِيرِ وعوض والسعير صنمان، قوله: "تخالها" أي: تظنها، قوله: "على قنة العزى" -بضم القاف

стр. 455

وتشديد النون؛ أعلى الجبل، وتجمع على قنان، مثل القلة وتجمع على قلال، ومثل: برمة وبرام وقنن وقنات، و"العزى" فُعْلَى: اسم لصنم كان لقريش وبني كنانة، ويقال: "العزى" سمرة كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنَوْا عليها بيتًا وأقاموا لها سَدَنة، فبعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد ﵁ فهدم البيت وأحرق السمرة وهو يقول (١): يَا عُزّ كُفْرَانَكِ لا سُبْحَانَكِ … إنّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ أَهَانَكِ قوله: "وبالنسر": اسم لصنم كان لذى الكلاع بأرض حِمْيَر، وكان "يغوث" لمذحج، و "يعوق" لهمدان؛ من أصنام قوم نوح ﵇، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. قوله: "عَندما" -بفتح العين المهملة وسكون النون؛ هو البقم، وهو شجر يصبغ به، ويقال: العندم: دم الأخوين. ٢ - قوله: "في كل بيعة" -بكسر الباء الموحدة؛ وهو متعبَّد النصارى، وقيل: البيعة لليهود والكنيسة للنصارى، قوله "أبيل الأبيلين" الأبيل -بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام على وزن الأمير؛ هو (٢): الراهب سمي به لتأبله عن النساء وترك غشيانهن، والفعل منه: أبل يأبل أبالة؛ إذا تنسك وترهب، وقال ابن فارس: الأبيل: راهب النصارى، وكانوا يسمون عيسى ﵇ أبيل الأبيلين معناه: راهب الراهبين (٣)، وقال ابن الأثير: ويروى: ........................... … أبيل الأبيِلِيِّينَ عيسى بْنَ مريمَا على النسب (٤). ٣ - قوله: "يوم لعلع" -بلامين مفتوحتين وعينين مهملتين، قال ابن فارس: هو مكان (٥)، وقال ابن الأثير: لعلع اسم جبل (٦).

стр. 456

الإعراب: قوله "أما": تنبيه واستفتاح مثل ألا (١)، "ودماء": مجرور بواو القسم، أي وحق دماء، وجواب القسم في البيت الثالث، وهو قوله: "لقد ذاق منا عامر"، قوله: "مائِرات": صفة للدماء، قوله: "تخالها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، صفة أخرى للدماء. قوله: "على قنة العزى": يتعلق بمحذوف، وهو في موضع النصب على الحال من الضمير المنصوب في "تخالها"؛ أي: تحسبها في حالة كونها على رأس العزى عَنْدَمًا؛ لأنهم كانوا يصيبون الصنم بذلك الدم، و "بالنسر" الباء فيه بمعنى على، أي: وعلى النسر، أي: وعلى قنة النسر، والباء تجيء بمعنى على كما في قوله تعالى (٢): ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] " أي: على قنطار (٣). قوله: "عندمًا" منصوب؛ لأنه مفعول ثانٍ لقوله: "تخالها"، قوله: "وما سبح الرهبان": كلمة "ما" مصدرية أي؛ وحق تسبيح الرهبان وتنزيههم، "أبيل الأبيليين": كلام إضافي منصوب بقوله: "سبح"، ومعناه: لمائرة الرهبان أبيل الأبيلين. قوله: "المسيح بن مريما": عطف بيان من أبيل الأبيلين، قوله: "لقد ذاق": جواب القسم، و "عامر": فاعله، و "حسامًا": مفعوله، قوله: "إذا ما هزّ بالكف صمما": جملة وقعت صفة للحسام، ومعنى "صمم": عض وأثبت أسنانه. الاستشهاد فيه: على دخول الألف واللام في "النسر" لأجل الضرورة؛ وذلك لأن نسرًا علم لصنم معين كما ذكرنا، فلا يحتاج إلى التعريف (٤).

стр. 457

الشاهد الثاني والأربعون بعد المائة (١) , (٢) رَأَيْتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا … صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قِيْسُ عَن عَمْرو أقول: ذكر التوزري (٣) في شرح الشقراطيسية (٤) عن بعضهم أن هذا البيت مصنوع فحينئذ لا يحتج به. قلتُ: هذا ليس بصحيح، فإن قائله هو: رشيد بن شهاب اليشكري، وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: ١ - من مبلغ فِتْيَانَ يَشْكُرَ أنَّنِي … أَرَى حِقْبَةً تُبْدِي أَمَاكِن للصَّبرِ ٢ - فأوصِيكمْ بالحَيّ شَيْبَانَ إنهم … هم أهلُ أبناءِ العَظَائِمِ والفَخرِ ٣ - على أن قيْسًا قال يا قَيس بنَ خالدٍ … لَيَشْكُرُ أحْلَى ما لَقِينَا مِنَ التّمْرِ ٤ - رأيتك .................... … .......................... إلخ ٥ - رأيتَ دِمَاء أَسْهَلَتْهَا رِمَاحُنَا … شآبيبَ مثلَ الأرجوانِ على النَّحْرِ ٦ - ونحن حَمَلْنَاكَ المَصِيفَةَ كلَّها … على حَرَجٍ تُوشَى كُلُومُكِ في الخِدْرِ ٧ - فلا تَحْسَبنَّ كالعمور وجَمْعِنَا … فنحن وبيتُ الله أدْنَى إلى عَمْرِو ٨ - جميعًا وَلَسْنَا قد عَلِمْتَ أُشَابَةً … بَعِيدِين مِن نَقْصِ الخلائق والغدرِ ٤ - قوله: "رأيتك": خطاب لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد اليشكري، وهو المراد من قوله: يا قيس عن عمرو، قوله: "وجوهنا" أراد بالوجوه الأنفس والذوات من قبيل

стр. 458

إطلاق [اسم] (١) جزء الشيء على كله؛ من قبيل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي ذاته، فإنه أطلق الوجه وأراد به الذات، ويجوز أن يكون المراد من الوجوه الأعيان منهم، يقال: هؤلاء وجوه القوم؛ أي: أعيانهم وسادتهم، قوله: "صددت" أي: أعرضت، ويقال: أي: فررت، ورواه المفضل الضبي: رأيتك لما أن عرفت جلادنا … رضيت وطبت النفس يا بكر عن عمرو (٢) وكذا أنشده ابن السيد في شرح شعر العري، قوله: "وطبت النفس يا قيس عن عمرو"، أي: طابت نفسك عن عمرو الذي قتلناه، وكان عمرو حميم قيس. ٥ - قوله: "أسهلتها" أي: أسالتها، و "الشآبيب": الدفع، و "الأرجوان": صبغ أحمر شبه به الدم. ٦ - قوله: "المصيفة" أي: الصيفة، يقول: أوقعنا بك فجَرَحْنَاك جراحات بقيت منها في خدر صفيتك تداويها، و "الحرج" -بفتحتين: السرير الذي يحمل عليه الموتى، و "الخدر"- بكسر الخاء المعجمة: حاجز يقطع في البيت يستر فيه الجواري، يقال: أحللناك ذلك المحل. ٨ - و "الأُشابة" -بضم الهمزة وبالشين العجمة وبعد الألف باء موحدة، قال الضبي: الأشابة: المختلطون، وأصله من الشوب؛ فألفه زائدة، وقال غيره؛ ألفه أصل، وهي من قولهم: مكان أشبّ إذا كان كثير النباتِ ملتفه. الإعراب: قوله: "رأيتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهي بمعنى: أبصرتك؛ فلذلك اقتصر على مفعول واحد، قوله: "لمَّا" بمعنى حين، والعامل فيه ما تقدمه من الفعل وكلمة "أن" زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، و"عرفت": فعل وفاعل، و "وجوهنا"؛ كلام إضافي مفعوله، وقوله: "صددت": جواب (لما)، قوله: "وطبت النفس" أي: نفسًا وهو تمييز، و "يا قيس": منادى مبني على الضم، وقوله: "عن عمرو": يتعلق بقوله "طبت" والجملتان معترضتان بينهما، والتقدير: رأيتك يا قيس لما أن عرفتنا طبت نفسًا عن قتل عمرو وصددت عن الحرب. الاستشهاد فيه: في قوله: "وطبت النفس" حيث ذكر التمييز معرفًا بالألف واللام، وكان حكمه أن يكون

стр. 459

نكرة وإنما زاد الألف واللام فيه للضرورة (١). الشاهد الثالث والأربعون بعد المائة (٢) , (٣) أَلَا أَبْلِغْ بَنِي خَلَفٍ رَسُولًا … أَحَقًّا أَنَّ أَخْطَلَكُمْ هَجَانِي أقول: قائله هو النابغة الجعدي، وقد اختلف في اسمه، فقيل: قيس بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن قيس وقيل: حبان بن قيس بن عمرو بن عرس بن ربيعة، وإنما قيل له النابغة؛ لأنه قال الشعر في الجاهلية، ثم أقام مدة نحو ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فيه فسمي النابغة (٤)، وطال عمرهُ في الجاهلية والإسلام، وهو أسن من النابغة الذبياني، وإنما مات النابغة الذّبياني قبله وعمَّر الجعدي بعده طويلًا، قيل: عاش مائة وثمانين سنة، ويقال عاش مائتين وأربعين سنة، وهذا لا يبعد؛ لأنه أنشد عمر بن الخطاب ﵁ (٥): ثلاثة أهلين أفنيتهم … وكانا الإله هو المستآسا فقال له عمر ﵁: كم لبثت مع كل أهل؟ قال: ستين سنة، فذلك مائة وثمانون سنة، ثم عاش بعد ذلك إلى أيام ابن الزبير ﵁، وإلى أن هجا أوس بن مغراء، وليلى الأخيلية، وكان يذكر في الجاهلية دينَ إبراهيم ﵇ والحنيفية ويصوم ويستغفر، وله قصيدة أولها قوله (٦): الحَمْدُ لِلَّهِ لا شَريكَ لَهْ … مَنْ لَمْ يَقُلْهَا فنَفْسَهُ ظَلَمَا وفيها ضروب من دلائل التوحيد، والإقرار بالبعث والجزاء والنار، ووفد على النبي ﷺ . فأسلم.

стр. 460

والبيت المذكور من قَصيدة يهجو بها الأخطل النصرانيَّ حين هجاه الأخطلُ، وهي من الوافر وفيه العصب والقطف، ومنها قوله (١): ١ - يَظَلُّ لِنِسْوَةِ النُّعْمَانِ مِنَّا … على سَفَوانَ يوم أرْوَنَانِ ٢ - فَأرْدَفَنَا حَلِيلَتهُ وجئْنَا … بما قد كان جَمّعَ مَنْ هِجَانِ و"سفوان" -بفتح السين المهملة والفاء موضع قرب البصرة، ويقال: يوم أرونان وليلة أرونانة: شديدة صعبة، فإن قلتَ: "أرونان" ها هنا صفة ليوم وهو مرفوع، فكيف خفض أرونان؟ قلتُ: أصله: أروناني بياء النسبة للمبالغة؛ كالياء في أحمريّ ودواريّ ثم خفف، ويقال: إنه بالرفع على الإقواء، وفيه غلطة لابن الأعرابي؛ حيث قال: إنه مشتق من الرنة وهي الصوت (٢)، ويرده أنه ليس في العربية: أفعوال (٣)، وإنما هو من الرونة وهي الشدة، وهذا ذكره الجوهري في باب الراء والواو والنون، وقال: روّن ثم فسره (٤). قوله: "بني خلف" بنو خلف هم رهط الأخطل، وهم من بني تغلب، ويروى من بني جشم، وهي -أيضًا- قبيلة، قوله: "إن أخطلكم" قد قلنا: إنه أراد به الأخطل النصراني الشاعر المشهور وهو غياث بن غوث، أو غيث (٥) بن غوث، قوله: "هجاني": من هجا يهجو هجوًا وهو خلاف المدح. الإعراب: قوله: "ألا": كلمة تنبيه تحقق ما بعدها، "وأبلغْ": أمر من الإبلاغ، وفاعله أنت مستتر فيه، وقوله: "بني خلف": كلام إضافي مفعوله، وقوله: "رسولًا": حال من الفاعل، واسم للمصدر بمعنى الرسالة فيكون مفعولًا ثانيًا. فإن قلت: هل يجيء الرسول بمعنى الرسالة؟
следующие страницы →