← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشاهد، من ذلك قوله (١): إلَّا رَسُولَ لَنَا مِنَّا فيُخبرَنَا … ما بعدُ غَايتنَا مِنْ رَأسِ مُجْرَانَا وقد ذكره شاهدًا على نصب الفعل بخبرنا بأن مضمرة بعد فاء السببية الواقعة في جواب التمني. والبيت لا يوجد في واحد من الكتب الأربعة المذكورة، وإن ذكر أنَّه في شرح المرادي. ثامنًا: مآخذ ذكرها بعض الباحثين: ويأخذ الباحث الذي صنع رسالة في كتاب (٢): "فرائد القلائد في شرح مختصر الشواهد على العيني" عدة مآخذ: - منها أنَّه كان ينقل من الآخرين دون إشارة، ويستشهد على ذلك بنقوله عن ابن مالك من شرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية، ونقول عن ابنه بدر الدين في شرحه على الألفية، أو نقوله عن المرادي في شرحه على الألفية -أيضًا-، ونقوله عن ابن هشام من مغني اللبيب، وأوضح المسالك، وتخليص الشواهد؛ كما نقل عن ابن يعيش، وابن عصفور، وغيرهم، دون أن يشير. ونحن نقول: إن الأمر أسهل من هذا بكثير، فقد ذكر العيني هؤلاء الأعلام كثيرًا، وأشار إليهم، وتكرر ذكرهم في كتاب المقاصد، وغيرهم كثيرًا، وكان العيني أمينًا في النقل عنهم، بذكر موضع النقل من كتبهم؛ بل كان حريصًا على أن يذكر هؤلاء الأئمة في كتابه، فهو يعلم أن ذكرهم والنقل عنهم موافقًا أو مخالفًا يرفع قدر كتابه، ويعلي قيمة شرحه، فإذا نقل مرَّة أو مرتين أو ثلاث دون إسناد، فذلك إنَّما كان للاختصار، أو لاشتهار كتبهم وآرائهم، وإذا تصفح الباحث الكتاب الأصلي لكتابه، وهو المقاصد الكبرى للعيني لوجد صفحاته كلها تمتلئ بهؤلاء الأئمة وغيرهم، وتغص بذكر العلماء، والنقول عنهم في كل فن ومجال. -كما يأخذ الباحث على العيني اضطرابه في الأسلوب في بعض المواضع، وأن الدكتور: سيد تقي "جامعة الأزهر" ألف كتابًا ذكر فيه عدة مسائل مختلفة أخذها على العيني. ونقول: إننا قرأنا الكتاب المذكور مرات، وكنا نريد أن نقف فيه على عدة مآخذ علق فيها على كتاب العيني، وعلى شرحه للشواهد، وآلينا على أنفسنا أن نأخذ الكتاب كله، ونضعه في

стр. 72

التحقيق والتَّعليق، ونحدد مآخذ على الشَّرح، وهو ما توجهه قضايا التحقيق؛ إلَّا أننا لم نجد شيئًا ذا بال؛ حيث كُنَّا نقرأ العشر مسائل لا نجد واحدة تستحق التعليق والأخذ، وكلها مآخذ لفظية أسلوبية، أو خلاف في الرأي، أو سهو من العيني غير مقصود. - وبعد أن يذكر الباحث عدة مآخذ مختلفة يختم ذلك بقوله: "وبعد: فإن هذه الهنات التي وقفت عليها لا تغض من قيمة هذا الكتاب، فهو كتاب أثرى المكتبات العربية لقيمته العلمية، وهذه الهنات لا تقدح في قيمته، وذلك نظرًا لكثرة اشتغالاته الوظيفية، ولأنه عمل بشري، والكتاب مليء بأشياء كثيرة استفاد منها العلماء المعاصرون له، ومن جاء بعدهم حتَّى يومنا هذا (١). انتهى. * * *

стр. 73

الفصل الثامن: كتاب المقاصد (المخطوط والمطبوع) نستعرض في هذا الفصل النسخ المخطوطة والمطبوعة لكتاب المقاصد النحوية للعيني، ووصف تلك النسخ، ثم فائدة هذه وعيوب تلك ليكون القارئ على بينة ممَّا يقرأ، فذلك أصل التحقيق. نستعرض هنا النسخ التي وقعت بأيدينا مخطوطة، ومطبوعة، والتي عملنا فيها نحن الثلاثة ست سنوات (أكتوبر ٢٠٠١ م- فبراير ٢٠٠٧ م) ولو أن هذا عمل فرد لاستغرق أكثر من عشر سنوات. أولًا: الحديث عن النسخ المخطوطة: لا شك أن نسخ هذا الكتاب في مكتبات العالم كثيرة، منها ما هو في دار الكتب المصرية حيث ألف العيني الكتاب، ومنها ما هو في غيرها، وعلى كل حال عندما عزمنا على تحقيق الكتاب بعد أن تبينت لنا فوائده، صورنا منها نسختين مخطوطتين، كانتا في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، الأولى كانت برقم: (٧٥٤٧ - ٧٥٤٨ ف) والثانية برقم (٢١٤٦ ف)، وقد رمزنا للنسخة الأولى (أ) وذلك تقدم نسخها، حيث نسخت سنة (٨١٧ هـ)، وللنسخة الثَّانية برمز (ب)؛ لأنَّ تاريخ نسخها أحدث ممَّا قبلها، حيث نسخت سنة: (١١٤٢ هـ). واكتفينا بهاتين النسختين على أن تكون النسخة المطبوعة على هامش الخزانة "طبعة بولاق" هي النسخة الأصلية الصحيحة؛ لأنها تعد كأنها محققة، ثم ظهرت نسخة أخرى مطبوعة أخرى سنة: (٢٠٠٥ م) كما سنتحدث بعد ذلك. وصف النسخة المخطوطة (أ): هي نسخة مكونة من جزأين: الجزء الأول مكتوب بخطِّ المؤلف، وقال: إنه فرغ من تأليفه

стр. 74

وكتابته سنة: (٨١٧ هـ)، وهو يبدأ بأول الكتاب، وينتهي عند آخر باب: تعدي الفعل ولزومه، وهذا الجزء عبارة عن: (٣٣٤) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة خمسة وعشرون سطرًا، وكله مكتوب بخط أسود كبير وهو برقم (٧٥٤٧ ف) بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعنوانه: "شرح الشواهد الكبرى للعلامة: محمود بن أحمد العيني" وبقية الصفحة فيها طمس كبير. وأمَّا الجزء الثَّاني، فهو مكتوب بخطِّ: أحمد بن محمد بن عبد الله الحموي، وهو عبارة عن (٣٦٧) لوحة، في كل لوحة صفحتان، وفي كل صفحة خمسة وعشرون سطرًا، ويبدأ هذا الجزء بباب التنازع حيث انتهى الجزء الأول حتَّى آخر الكتاب، وقد كتب في شهر جمادى الثَّانية سنة: (١١١٨ هـ)، وهذا الجزء مكتوب بخط كبير أسود، وهو في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، برقم: (٧٥٤٨ ف) وعنوانه: "الجزء الثَّاني من شرح الشواهد الكبرى لعلامة زمانه: محمود بن أحمد العيني ﵀". وصف النسخة المخطوطة (ب): هي نسخة مكونة من جزء واحد، وعدد لقطاتها أربعمائة لقطة بالعنوان، في كل لقطة صفحتان، فكأنها ثمانمائة صفحة بالتمام والكمال، في كل صفحة خمسة وثلاثون سطرًا، وفي كل سطر ثلاث عشرة كلمة، وهي مكتوبة بخطِّ النسخ الجميل، وقد كتب بيت الشاهد والرموز الخاصة به "ظقهع"، والعناوين الخاصة أيضًا بالبيت "الإعراب -وجه الاستشهاد- قوله" بخطّ أحمر مميز، وبقية الكلام بخطّ أسود جميل لا يتعب في القراءة، ولم يكن عيبها إلَّا كثرة السطور في الصفحة الواحدة، ولكن الصبر على قراءتها كان فوق كل شيء. تبدأ النسخة المذكورة بما بدأ به الكتاب، وهو خطبة المؤلف التي جاء فيها: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إياك نحمد يا مَن علمتَنا مِن العلوم ما لم نعلم، وألهمتَنا إبرازَ المعاني بالنون والقلم، وإيَّاك نستعين في كل أمر يبتدأ ويختم، اهدنا صراط من مننت عليهم بالنعم، وأمَّنْتَهم من الغضب والضلال والظلم. وعلى نبيك المختار المستأثر بالحُكْم والحِكَمِ نصلِّي صلاة تدوم إلى يوم حَشْرِ الأمم. وعلى آله وصحبه ذَوى المروآتِ والكَرَمِ .. إلخ". وتختتم النسخة المذكورة بهذا الكلام، وهو قول العيني: "نسأل الله أن يعصمنا عن الأباطيل، ويهدينا إلى سواء السبيل، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين. آمين".

стр. 75

- ثم ذيلت النسخة بهذا الكلام: "قد نجز بحمد الله تعالى هذا الكتاب الميمون، المحتوي على كل در مكنون، برسم سيدنا ومولانا حجر السعادة، ورضيع ثدي السيادة، نتيجة الدهر والأوان، ونخبة الأماجد والأقران، مكاوي صنوف الآداب بتمامها، ومستخرج زهرات الفضائل من أكمامها، ذي المجد الأثيل، والفجر الجليل، والأعراق الطاهرة، والشيم الفاخرة، سامي الجد والهمم، حاوي الغر والكرم، فرع الشجرة الزكية، وطراز العصابة الهاشمية، جناب حضرة السيد: محمد أفندي الكيلاني، نجل حضرة سيدنا ومولانا السيد: عبد القادر أفندي الكيلاني الحسني الحسيني -أدام الله رفعته- وحرس بهجته، وأبقى بيتهم الطَّاهر عالي العماد، ثابت الأركان والأوتاد، من غير تغيير ولا ائثلام، ولا زالوا ملجأ للخاص والعام، ما دامت الليالي والأيام، والحمد لله على التمام على يد الفقير إليه رحمه الله تعالى محمد الرسامي - عفا الله عنه - تحريرًا في شهر شعبان المبارك من شهور سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين. آمين". ثانيًا: الحديث عن النسخ المطبوعة: أولًا: النسخة المطبوعة قديمًا: النسخة المطبوعة قديمًا هي النسخة التي على هامش كتاب خزانة الأدب للبغدادي، والتي قلنا عنها: إنَّها لم تكن المقصودة بالطباعة، وإنَّما كان المقصود هو كتاب الخزانة، ثم كانت هذه تباعًا على الهامش، ولم يجد النَّاس الباحثون غيرها لكتاب المقاصد رضوا أم أبوا، فكانت لهم المرجع والمصدر الوحيد -طوال أكثر من مائة عام- لهذا الكتاب. طبعت هذه النسخة في مطبعة بولاق سنة (١٣٠٠ هـ) أو بالتحديد سنة (١٢٩٩ هـ)، فكأن عمرها الآن مائة وخمسة وعشرون عامًا. تخلو النسخة المذكورة من ضبط الأبيات أو غيرها، وتصعب قراءتها جدًّا أو الرجوع إليها، لخلوها من فهرس أو غيره، ولا يستطيع قراءتها إلَّا باحث اتسم بالصبر والأناة والحرص على العلم، وعندما صورتها دار صادر ببيروت صورتها على ما هي عليه دون زيادة أو نقصان، ودون شكل أو ضبط أو تنظيم، شأنها شأن الكتاب الأصلي فيها، وهو كتاب الخزانة، وعندما حقق الأستاذ عبد السَّلام هارون كتاب الخزانة، وأخرجه للطباعة في طبعة حديثة "أحد عشر مجلدًا

стр. 76

غير الفهارس" هجر النَّاس وطلاب العلم كتاب الخزانة القديم المطبوع على هامشه كتاب: المقاصد النحوية، وبالتالي أيضًا هجروا كتاب المقاصد مع أهميته، والنّاس تنظر إلى أهميه الكتاب في أيديهم … إلخ، وقريبًا منهم لا يتحملون عناء البحث عنه أو البحث فيه، ومن هنا برزت أهمية تحقيق كتاب المقاصد الكبرى، وطباعته منفصلًا. كما حقق وانفصل كتاب الخزانة، واعتمد النَّاس والطلاب عليه، مع كثرة عدد أجزائه؛ لوضوح خطه، وحسن طباعته، وضبط شواهده، وإن كان يحتاج إلى تحقيق آخر غير تحقيق الأستاذ عبد السَّلام هارون. دعوت الأخوين الفاضلين: شقيقي وهو الدكتور عبد العزيز فاخر، وأخي وهو الدكتور أحمد السوداني، وكانت لهما أهمية كتاب المقاصد لطلاب العلم ممن تخصص في النحو، ومن تخصص في الأدب، ومن تخصص في اللغة، فأسرعا في تلبية الطّلب، وعملا في الكتاب ليلًا ونهارًا، وصيفًا وشتاءً، وعملت معهما مراجعة وتحقيقًا، ودراسة وتدقيقًا، وكانت كثرة النسخ معنا جعلت كل واحد يعمل في ناحية، حتَّى خرج كتابنا ونحن راضون عنه. وصف النسخة المطبوعة على هامش الخزانة: طبع كتاب المقاصد النحوية على هامش الخزانة في أربعة أجزاء كبيرة، كان الجزء الأول يبدأ بشواهد الكلام، وانتهى عند آخر شواهد باب المبتدأ والخبر "ثمانية أبواب"، والجزء الثَّاني بدأ بشواهد كان وأخواتها، وانتهى بشواهد تعدي الفعل ولزومه "أحد عشر بابًا"، والجزء الثالث بدأ بشواهد التنازع في العمل، وانتهى بشواهد التعجب "ستة عشر بابًا" والجزء الرابع والأخير بدأ بشواهد نعم وبئس، وما جرى مجراها حتَّى آخر الكتاب، وهو شواهد الإدغام، فكان "ثلاثة وثلاثين بابًا"، فيها ما هو في النحو وما هو في الصرف، وختمت نسخة الخزانة، وطبعة بولاق بما ختمت به النسخ المخطوطة من سرد الكتب والمراجع التي رجع إليها العيني في كتابه، ومن خوف العيني من حساده، والطاعنين على كتابه، ثم دعا الله قائلًا: "نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الأباطيل، ويهدينا إلى سواء السبيل". وقد ذيلت هذه النسخة بصفحة كبيرة كتبها صاحب مطبعة بولاق، لا بأس من إيراد ما يهمنا من هذه الصفحة، من ثناء على كتاب الخزانة، أو كتاب المقاصد، اللذين طبعهما الرجل أو تاريخ الطباعة، يقول: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، نحمدك يا من قامت الآيات والشواهد على أنك المستحق لجميع الممادح والمحامد، ونصلي ونسلم على رسولك أفصح من نطق فأبان، وأبلغ من أعرب عما في الضمير والجنان، وعلى آله الحائزين به طراز الجلال، وأصحابه المرشدين إلى محجة الكمال والجمال.

стр. 77

وبعد، فيقول المتوسل بالنبي الخاتم، الفقير إلى الله تعالى محمد قاسم، قد تم بمطبعة بولاق التي ازدهرت محاسنها بسائر الآفاق، طبع شرح العلامة، الأديب الفهامة، الألمعي الأريب، من أينعت أزهار رياض علومه، وأسفرت أنوار كواكب فهومه، وسارت بركبه الركبان في كل واد، الشَّيخ عبد القادر بن عمر البغدادي، المسمى: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب على شواهد شرح الكافية، التي هي لمقاصد القواعد متممة، ولقلة العباد شافية، لنجم الأئمة الإستراباذي الشَّهير بالرضي، أرضاه الله تعالى بما تقر به عينه، وعنه رضي، وناهيك به من كتاب تخضع له رقاب ذوي الألباب، لما توشج به من غرر الفوائد، وتحلى به من درر الفوائد … " إلخ. وبعد أن أثنى على كتاب الخزانة بما هو أهله، أثنى على كتاب المقاصد للعيني فقال: "وقد طرز هامشه النضير بشرح شواهد الحبر الكبير، خاتمة المحققين العلامة محمود العيني بدر الدين الموسوم بالمقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية، ويا له من شرح جامع لعقود الفوائد، وصنوف البدائع؛ طالما أعرب فأعزب، وفسر المفردات فأعجب وأطرب، وبالجملة فإن شرحه للشواهد على كمال رسوخ قدمه في الأدب أصدق شاهد على براعة عبارته، وحسن بيانه وإشارته". ثم ذكر بعد ذلك أسماء الذين ساهموا في طبع الكتابين: "الخزانة والمقاصد"، ونصيب كل واحد منهم بالقيراط، وانتهى بعد ذلك إلى ذكر تاريخ الطباعة التي كانت في عهد الخديوي توفيق ووزير معارفه: علي بك جودت، يقول: "وذلك في أيَّام صاحب السعادة، ومطلع تلك المجادة والسعادة، من هو بالثناء عليه حقيق، الخديوي الأعظم محمد توفيق؛ لا زالت تلك الأيَّام آمنة في ظلال عدله، رافلة في مطارف جوده وفضله، مشمولًا طبعه بإدارة، صاحب نظارتها، المشمر عن ساعد الجد في تدبير نضارها ونضارتها، من به المعارف إلى أوج الكمال رفت، سعادة: علي بك جودت، وقد طبع بدر ثمامه، وتاج مسك ختامه في أواسط أخرى بين الجمادتين، عام تسع وتسعين وألف ومائتين من هجرة السيد المختار -صَلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار، ما سطعت نعمات الأزهار، وما هبت نسمات الأسحار." انتهى. وقد كانت نسخة طبعة بولاق "الخزانة، والمقاصد الكبرى" أربعة أجزء كبيرة؛ كما قلنا، في كل جزء ستمائة صفحة من الحجم الكبير، وكان كل جزء يختم بفهرس للموضوعات إجمالًا، واحد لكتاب الخزانة في صفحتين أو ثلاث، وآخر لكتاب المقاصد الكبرى في صفحة واحدة، وقد رمزنا إلى هذه النسخة المطبوعة على هامش الخزانة بنسخة الخزانة. فائدة نسخة الخزانة: لقد اعتقدنا واعتقادنا صحيح -إن شاء الله تعالى- أن النسخة

стр. 78

المطبوعة على هامش الخزانة أصح من النسخ المخطوطة؛ وذلك لأنَّه قد توفر على طباعتها علماء أجلاء في القديم، كانوا يحبون العلم، ويعكفون عليه، وهكذا كل مطبوع في القدم من كتاب سيبويه "طبعة بولاق"، ومن كتاب الخزانة، وغير ذلك، وأعتقد أن هؤلاء العلماء وقفوا على نسخ لكتاب المقاصد مخطوطة غير التي وقفنا عليها، ورجعنا إليها، لقد كنا نرى سقطًا في بعض مقطوعات الشعر في نسختي "أ - ب" المخطوطتين، كان يدلنا عليها المقارنة والقراءة في نسخة بولاق المطبوعة، وعلى كل حال فنحن أخذنا العلم وصححنا الكلام، ووثقناه وأكدناه من النسخ الثلاث؛ المخطوطتين والمطبوعة، وكان هذا الذي يهمنا. - مثال من السقط والتكملة: ومن نماذج السقط من النسخ المخطوطة والتكملة من نسخة الخزانة هذا الشاهد، وهو قوله (١): فَأَصبَحنَ لا يَسأَلْنَهُ عَنْ بِمَا بِهِ … أَصَعَّدَ فيِ عُلُوِّ الهَوَى أَمْ تَصَوَّبَا جاء في نسختي "أ، ب" قول العيني: "أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل، ثم بدأ بشرح مفردات البيت". والذي جاء هنا قاله الإمام عبد القادر، وهو يشرح البيت في كتابه الخزانة يقول: "هذا البيت لم أقف على اسم قائله، ولا تتمة. والله أعلم" (٢). لكن نسخة المقاصد المطبوعة على هامش الخزانة أسعفتنا بوجود القائل، وقد ذكرت أربعة أبيات من قصيدة الشاهد. يقول العيني بعد أن ذكر البيت السابق: "أقول: قائله هو الأسود بن يعفر من قصيدة من الطَّويل، وأولها هو قوله: صَحَا سكرٌ مِنْهُ طَويلٌ بِزَيْنَبَا … تعَاقِبهُ لما اسْتَبَانَ وجَرَّبَا وَأَحكَمَهُ شَيبُ القَذَالِ عن الصبَا … فَكَيفَ تُصَاببهُ وَقَدْ صَارَ أَشْيَبا وكَانَ لَهُ فيمَا أَفَادَ حلائلٌ … عَجَّلْنَ إذا لاقَينَهُ قَلْنَ مَرحَبا فَأَصْبَحْنَ ................ … ................... إلى آخره وبعده: طَوَامِحُ بِالأَبْصَارِ عَنْهُ كَأنَّمَا … يرينَ عليهِ حلّ أَدْهَم أَجْرَبا قوله: "أصعد" أي ارتقى، قوله: "أم تصوب" أي أم نزل.

стр. 79

وهكذا ذكرت النسخة بعد أول بيت في القصيدة بيتين آخرين، ثم بيت الشاهد، ثم بيتًا خامسًا. ومع ذلك كله، وتقديرنا لنسخة المقاصد المطبوعة على هامش الخزانة؛ إلَّا أن فيها -غير إهمال الشكل- بعض الأخطاء الهينة، حتَّى لا يبقى الكمال إلا لله وحده، فمثلًا هذا شاهد، وهو قوله (١): حَمَامَةُ بَطْن الوَادِيَين ترنَّمِي … سَقَاكِ مِنَ الغُرِّ الفَوَادِي مَطيرُهَا وهو شاهد في باب التوكيد؛ لإقامة المثنى مقام المفرد في قوله: "بطن الواديين"، وأصله: بطن الوادي، وعلى ذلك مكانه باب التوكيد؛ لكنَّه جاء في نسخة الخزانة في آخر باب النعت، وبعد الانتهاء من شرحه جاء العنوان: شواهد التوكيد، والصحيح أن باب التوكيد يبدأ بالبيت المذكور. ثانيًا: وصف النسخة المطبوعة حديثًا: اعتكفنا على تحقيق كتاب المقاصد بعد الاقتناع بأهميته وفائدته لطلاب العلم ما يقرب من أربع سنوات كاملة، من سنة (٢٠٠٢ م) إلى سنة (٢٠٠٦ م)، كلٌّ يعمل فيما يسره الله له، وفيما اقتسمناه في العمل نحن الثلاثة المحققين، وقبل الانتهاء منه بأشهر قليلة فوجئنا بطبعة للكتاب في ثلاثة أجزاء بتحقيق: محمد باسل عيون السود، لا تعرف عنه شيئًا إلَّا أنَّه دمشقي الجنسية؛ كما جاء في مقدمته، وكان ذلك سنة: (٢٠٠٥ م) "منشورات دار الكتب العلمية- لبنان- بيروت- محمد علي بيضون"، متوسط الجزء ما بين خمسمائة صفحة، أو ستمائة صفحة، ويختم كل جزء بفهرس للموضوعات في صفحة أو صفحتين. ومضينا في العمل، ولم يثننا شيء؛ فقد كنا انتهينا من العمل والتحقيق أو قاربنا الانتهاء، وتصفحنا النسخة المطبوعة من كتاب المقاصد، وكانت كالآتي: - مزايا وحسنات: ١ - تتميز النسخة في التحقيق بالرجوع إلى كتب الأدب كثيرًا؛ ككتاب الأغاني، وشرح ديوان الحماسة، وغير ذلك. ٢ - تتميز بالرجوع إلى دواوين الشعراء في الشواهد والمقطوعات التي يوردها العيني في كتابه.

стр. 80

٣ - تتميز بالتراجم المختلفة للأعلام الذين يوردهم العيني في كلامه وكتابه. ٤ - تتميز بذكر عدة مراجع للشاهد الذي يورده العيني من الكتب التي يشرح شواهدها. ٥ - تتميز بترقيم الأبيات للمقطوعات التي يوردها العيني في كتابه تكملة للشاهد. - مآخذ وسوآت: ١ - تخلو النسخة المطبوعة من الدراسة العامة التي تكون في أول الكتب المحققة، يتحدث فيها المحقق عن الكتاب وأهميته، ومنهج المؤلف للكتاب في تأليفه له، وعن المصادر والكتب التي استقى منها كتابه، وتأثيرها، وعن حسناته أو مآخذه، ممَّا يجعل القارئ بعد أن يقرأ هذه الدراسة متأهلًا للدخول في قراءة الكتاب، مستعدًّا للوقوف عما فيه، فقد وقف على معرفة إجمالية عنه قبل الدخول في تفاصيله، وهو ما فعلناه في الفصول الثمانية، التي تكونت منها الدراسة المختلفة عن الكتاب. ٢ - تخلو النسخة المطبوعة من فهارس تفصيلية للكتاب، فلا يوجد فيها فهرس لما يشتمل عليه الكتاب من آيات قرآنية، أو أحاديث، أو فهرس للأشعار والشواهد التي تملأ الكتاب، وإذا أراد قارئ أن يبحث عن شاهد، أو يقف على آخر، أو يعرف هل البيت في الكتاب أو لا فلا يستطيع؛ لأنَّ الكتاب يخلو من ذلك، مع كثرة الشواهد فيه، التي بلغت ألفًا وثلاثمائة وثمانين شاهدًا، غير الأبيات التي كانت تأتي عرضًا. ٣ - تخلو النسخة المطبوعة من وصف للنسخ المخطوطة التي رجع إليها المحقق؛ كما تخلو من المقارنات في الهامش والزيادة والنقصان في كل نسخة، وأعتقد أن المحقق رجع إلى النسخة المطبوعة على هامش الخزانة واطمأن إليها، وجعلها أصلًا له، وأنها كفته عن كل شيء في التحقيق، ومسائله وقضاياه. ٤ - هناك كثير من المسائل النحوية واللغوية، والتي كان يجب توثيقها من مراجعها، مع سهولتها، ولكن ذلك لم يكن. ٥ - لم تتميز العناوين البارزة في الكتاب مثل معنى البيت، أو كلمة الإعراب، أو وجه الاستشهاد، أو كلمة قوله، أو بيت الشاهد الذي كان يجب أن يكون بخطّ بارز واضح، أو يبدأ به أول الصفحة، وهو ممَّا يخص طباعة الكتاب. ٦ - ومما يخص الطباعة أيضًا أن الصفحة مليئة بالأسطر والكتابة، ممَّا يتعب القارئ، وكان يجب أن تكون أقل من ذلك، حتَّى لو زاد الكتاب جزءًا آخر.

стр. 81

٧ - ومما يتصل بالنواحي العلمية، وهو ما تصفحناه سريعًا ما يلي: ١ - في الجزء الأول، الصفحة العاشرة ترجم المحقق للجوهري فقال هو: محمد بن عبد المنعم شمس الدين، عالم بارع في العلوم، له: شرح شذور الذَّهب، وشرح الإرشاد، توفي سنة (٨٨٩ هـ)، وهذه الترجمة خطأ، فالجوهري هو أبو نصر الفارابي إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب تاج اللغة وصحاح العربية، المتوفى سنة (٣٩٨ هـ). ب- في الجزء الثالث، الصفحة: (٣٦١) قال: إن أبيات ميسون الكلابية المشهورة، والتي أولها (١): لَلُبسُ عَبَاءة وتَقَرَّ عينِي … أَحَبُّ إِلَيَّ مِن لُبس الشفوفِ في خزانة الأدب: (٥/ ٥٠٣)، والصَّواب أنَّه في: (٨/ ٥٠٣). جـ- أَلا عِمْ صَبَاحًا يأيُّها الطَّلَلُ الْبَالي … وَهَلْ يعِمَنْ مَنْ كَانَ فيِ العُصُرِ الخالِي قال العيني (٢): "قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدة طويلة أولها هذا البيت، وقد سقناها بتمامها"، وقال المحقق: تقدمت في شواهد المعرب والمبني (١/ ١٩٦)، والصَّواب: (١/ ١١٩). - ومثل هذا البيت (٣): بِأَبِهِ اقتَدَى عَدِيٌّ فِي الكَرَمِ … وَمَنْ يُشَابِهْ أَبَهُ فَمَا ظَلَم - قال المحقق: (١/ ٣٨٣)، الرجز لرؤبة، تقدم (ص ١٢٩)، والصَّواب (ص ٧٧). د- وفي قول جميل: (٣/ ٣٧١). وطرفُكَ إما جئتَنَا فاصرفَنه … كيما يحسَبوا أن الهوى حيثُ تنظرُ جاء في شرحه بنص لابن مالك، وهو قوله: "الكاف فيه للتشبيه، كفت بما، ودخلها معنى التعليل، فنصبت وذلك قليل" وكتب ابن مالك ملأت الدُّنيا وشغلت النَّاس، ولم يخرجه المحقق، والنص في شرح التسهيل لابن مالك: (٣/ ١٧٣)، العيني: (ص ١٩)، وفي شرح الكافية الشافية: (ص ٨٢٠، ١٥٣٥). - ومثل ذلك ما فعله في نص لابن هشام، وهو تعليق على قول جميل أيضًا (٤):

стр. 82

أَلَم تَسأَلِ الرَّبْعَ القَوَافيِ فَينطِقُ … وهل تُخْبرَنكَ اليومَ بِبَيدَاءَ سملَقُ نقل العيني نصًّا لابن هشام: "وقال ابن هشام: الفاء فيه للاستئناف عند بعضهم، والتقدير: فهو ينطق؛ لأنَّها لو كانت للعطف لجزم ما بعدها، ولو كانت للسببية لنصب"، وهذا الكلام في كتاب أوضح المسالك لابن هشام، باب إعراب الفعل، ولم يوثقه المحقق. - ومثل ذلك: مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، وتحقيقها من كتاب الإنصاف للأنباري ما أسهله، ومع ذلك فهناك مسائل لم تحقق: (٣/ ٣٨١)، وهي مسألة العطف على الضمير المتصل دون توكيد أو فصل، وهي في الإنصاف: (ص ٤٧٤). - وأمَّا الأخطاء المطبعية فهي كثيرة في الكتاب، من ذلك: - ومنع ابن مالك كون لو للتمني، وقدرها هنا: لو نعان، فهو جواب عن إنشائي كجواب ليت، والصَّواب: فهو جواب تمنٍّ إنشائي كجواب ليت: (٣/ ٣٧٧). - قول الراجز: إن الألى قد بغوا علينا … ........................ وصحته: إن الأولاء، (٣/ ٤١٢). - يقول العيني: "وذكر ابن مالك في شرح التسهيل أن حذف النون من "هما اللتا" للضرورة، وهو مخالف لما ذكره في شرح التسهيل من جواز حذف نون اللذان واللتان في الاختيار، وهو خطأ، والصَّواب: "وهو مخالف لما ذكره في التسهيل من جواز … إلخ". (١/ ٢٤٩). - وفي قول ذي الرمة (١): وَانْسَانُ عَينِي يَحْسِرُ الماءَ تارَةً … فَيبدُو ........................ قال العيني: "الاستشهاد فيه ها هنا؛ في قوله: "يحسر الماء" حيث؛ حذف منه إن؛ إذ أصله: إن يحسر الماء، فلما حذف ارتفع الفعل، وإنَّما قدروا فيه إن محذوفة، وأن تقديره. وإنسان عيني إن يحسر الماء تارة فيبدو … إلخ". إن في هذا النص كله مكسورة الهمزة، وهي إن الشّرطيّة، وقد تكررت أربع مرات، ولكنها في التحقيق جاءت بفتح الهمزة، وهو غير مراد: (٣/ ٤١١). من أجل ذلك كله مضينا في تحقيق الكتاب وأكملنا عملنا، فتحقيق الكتاب الواحد مرتين أو ثلاث لا بأس به. والله الموفق ..

стр. 83

عنوان النسخة (أ) وهي في مكتبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٧٥٤٧ ف)

стр. 84

الصفحة الأولى من النسخة (أ) الجزء الأول

стр. 85

الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة (أ)

стр. 86

صفحة العنوان للجزء الثَّاني من النسخة (أ) رقم (٧٥٤٨ ف) بجامعة الإمام محمد بن سعود

стр. 87

الصفحة الأولى من النسخة (أ) الجزء الثَّاني

стр. 88

الصفحة الأخيرة من النسخة (أ) الجزء الثَّاني

стр. 89

الصفحة الأولى من النسخة (ب) برقم (٢١٤٦ ف)، بمركز المخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (٨٠٠ صفحة)

стр. 90

الصفحة الأخيرة من النسخة (ب) وفيها يظهر تاريخ النَّسخ (شعبان ١١٤٢ هـ)

стр. 91

عنوان الجزء الرابع من طبعة بولاق لكتاب خزانة الأدب، وبهامشه المقاصد النحوية للعيني (جمادى الثانية ١٢٩٩ هـ)

стр. 92

عنوان الأخيرة من طبعة بولاق لكتاب خزانة الأدب والمقاصد النحوية، وفيها يظهر تاريخ الطباعة (١٢٩٩ هـ)

стр. 93

الصفحة الأخيرة من فهرس (الجزء الرابع) لكتاب المقاصد النحوية المطبوع على هامش الخزانة

стр. 94

القسم الثاني: التحقيق

стр. 95

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمةُ الشَّارح إياك نحمد يا مَن علمتَنا مِن العلوم ما لم نعلم، وألهمتَنا إبرازَ المعاني بالنون والقلم، وإياك نستعين في كل أمر يبتدأ ويختم، اهدنا صراط من مننت عليهم بالنعم وأمنْتَهم من الغضب والضلال والظلم. وعلى نبيك المختار المستأثر بالحُكْم والحِكَمِ. نصلي صلاة تدوم إلى يوم حَشْرِ الأمم. وعلى آله وصحبه ذَوى المروآتِ والكَرَمِ. وبعد: فإن العبد الفَقِيرَ إلى مولاه الغني أبا محمد محمود بن أحمد العيني (١)، عامله ربه ووالديه بلطفه الجلي والخفي يقول: لما رأيت شدة اهتمام محصلي النحو في المدارك وغاية ألفتهم بكتاب ألفية ابن مالك (٢)؛ لكونه موصلًا إلى مقاصدهم بأوضح المسالك، غير مستغنين عن شرحه المنسوب إلى ابن الناظم (٣)، وشرحه الذي ألفه ابن أم قاسم (٤)، وشرحه الذي رتبه ابن هشام (٥)، وشرحه الذي أملاه ابن عقيل (٦)؛ أردتُ أن أستخرج الأبيات التي ذُكِرَتْ فيها

стр. 96

على سبيل الاستشهاد في الأبواب، وأُبَيِّنَ ما فيها من اللغات والمعاني والإعراب، وأزيلَ ما فيها من المبهمات التي تتصحف على الطلاب، وأكشفَ الألفاظ التي تشتبه عليهم في هذا الباب، متعرضًا إلى بيان ما فيها من الأبحُر والأوزان، وإلى ذكر بقية كل بيت بحسب الطاقة والإمكان، وإلى إيضاح قائله عند الظفر والوجدان، وذلك لأني رأيت الشراح قد أهملوا هذه الأمور، واكتفوا بذكر ما فيها من الشاهد المشهور، بحيث قد آل بعضها إلى حالة قد استحق بها الهجران، وصار بعضها في بعض الأذهان كالسُّها والدَّبُران (١)، فهذا هو الذي نَدَبَنِي إلى هذا الترتيب الغريب والجمع الموشح بكل عجيب، مع ما سألني في ذلك مَن لا تسعني مخالفته، ولا توافقني مرادفته، واعتصمتُ في ذلك بربي (٢) الكريم؛ إنه الميسر لكل صعب عظيم. ثم إني بينت نسبة كل بيت إلى مَن ذكره في تأليفه برمز حرف من أشهر حروفه، فإن اتفقت الأربعة على ذكر بيت منها رمزت عليه هكذا: "ظقهع"؛ فالظاء من ابن الناظم، والقاف من ابن أم قاسم، والهاء من ابن هشام، والعين من ابن عقيل الإمام، وإن كانت الثلاثة أو الاثنان منهم مطلقًا ذكرته ورمزت عليه هكذا: (ظقه- ظقع- قهع- ظق- ظه- ظع- قه- قع- هع". وان انفرد واحد منهم، رمزتُ رمزه المعين، ليُعْلَمَ كل منهم ويتبين. فاجتهدتُ في تصنيفه بُرْهَةً من الزمان، وجاهدتُ في تأليفه مدة من الأوان، بعد مراجعة شديدة إلى كتب عديدة، ومطالعة مديدة في دواوين سديدة، مع مقاساة العناء والنصَب من حوادث الزمان، ومكابدة تجرع الغصص من أهل الحسد والجهل والطغيان، وكساد سوق العالم وبوار بضاعته النفيسة، ورواج معاش الجهل وتقدمه في صناعته الخسيسة، وإلى الله المشتكى وعليه التكلان، وفي كل أمر هو المستعان، فجاء بحمد الله وفيه شفاء صدور المنتهين، وكفاية مؤنة المشتغلين المبتدئين، مشتملًا على فوائد جسيمة، وفرائد من النكات العظيمة، على أن نفعه عام لأكثر الكتب النحوية، وفوائده شاملة لغالب الشواهد المحكية، مسمى: "بكتاب (٣) المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية" المسئول (٤) ممن ينظر فيه أن يصلح ما يحتاج إلى الإصلاح؛ أداءً لحق الأخوة بالنصح والانتصاح، فإن القلم له هفوة، والجوادَ له كبوة، والإنسان

стр. 97

غير معصوم من (١) الخطأ والنسيان، وهما بالنص عنَّا مرفوعان، وأن يَذْكُرَني (٢) بصالح دعواته عَقِبَ صلوَاتِه في خلواته، فإني جعلته خالصًا لوجهه الكريم، ابتغاءً لمرضاته، وطلبًا لغفرانه العظيم، والأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ولا يبرز اللسان عن الجنان إلا ما حوى، فها أنا أشرع في المقصود، متوكلًا على الله المعبود:

стр. 98

شواهد الكلام الشاهد الأول (١)، (٢) ألا كلُّ شيءٍ مَا خَلا الله بَاطِلُ … ......................... أقول: قائله هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الجعفري العامري، صحابي، شاعر من فحول الشعراء مُفْلِق (٣)، متقدم في الفصاحة، مجيد، فارس جواد حكيم، يكنى أبا عقيل، مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وهو عند ابن سلام (٤) في الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية (٥)، وفد على رسول الله ﷺ سنة وَفَدَ بنو جعفر، فأسلم وحسن إسلامه. وقال ابن قتيبة (٦): قَدِمَ على رسول الله ﷺ في وفد كلاب، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، وكان لبيد وعلقمة بن علاثة (٧) العامريان من المؤلفة قلوبهم، وحَسُن إسلامهما، وقال

стр. 99

عمر بن الخطاب (١) -[﵁]- للبيد ﵁ (٢)،: أنشِدْني شيئًا من شعرك، فقال: ما كنتُ أقول (٣) شعرًا بعد أن علمني الله البقرة وآل عمران، فزاده عمر [﵁ (٤)] في عطائه خمسمائة، وكان ألفين، فلما كان في زمن معاوية (٥) - رضي الله [تعالى (٦)] عنه- قال له معاوية: هذان الفَوْدَانِ، فما بال العلاوة؟ يعني بالفودين: الألفين (٧) وبالعلاوة: الخمسمائة، وأراد أن يحطَّه إياها، فقال: أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفَؤدَانِ، فرق له وترك عطاءَه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير، وقيل: لم يدرك لبيد خلافة معاوية - رضي الله [تعالى (٨)] عنه - (٩) [إنما مات بالكوفة في إمارة الوليد بن عقبة (١٠) عليها في خلافة عثمان (١١) - رضي الله تعالى عنه-] وهو الأصح. وقال الإمام مالك (١٢) بن أنس ﵀ (١٣): بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة، وقيل: مات وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة، وقال أكثر أهل العلم بالأخبار: لم يقل شعرًا منذ أسلم، ويقال: لم ينظُم في الإسلام غير قوله (١٤): الحمدُ للهِ إذ لم يأتِني أجَلي … حتى اكتَسَيتُ مِنَ الإسلامِ سِرْبَالا

стр. 100

وقيل: قوله (١): ما عَاتَبَ المرءَ الكريمَ كَنفسِهِ … والمرءُ يُصْلِحُهُ الجَلِيسُ الصالِحُ وقال ابن عبد البر (٢): في هذه (٣) القصيدة ما يدل على أنه قاله في الإسلام، وهو قوله (٤): وَكُلُّ امرئٍ يومًا سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ … إِذَا انكشفتْ عِندَ الإِلَهِ المحاصلُ وقال الحافظ أبو الفتح اليعمري (٥): البيت الذي نسب إليه، وهو قوله: الحمد لله .................... .... ......................... لفروة بن نفاثة بن عمرو بن نوابة، عُمِّر وطال عُمرُه (٦)، ووفد على النبي ﷺ وأسلم وقال (٧): بَانَ الشبابُ فلم أحْفَل بِهِ بالا … وأقبلَ الشَّيبُ والإسلامُ إقْبَالا وقد أُدوِّي نَدِيِمي من مُشَعْشِعَةٍ … وَقَدْ أُقلِّبُ أوْرَاكًا وَأَكَفَالا الحمدُ لله إذْ لَمْ يَأْتيني أَجَلِي … حَتَّى اكْتَسَيْتُ منَ الإِسْلَامِ سِرْبَالا ثم اعلم أن تمام البيت المذكور (٨) هو قوله: ............................ … وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالةَ زَائِلُ وهو من قصيدة لامية أولها هو قوله (٩):

стр. 101

١ - ألا تسأَلانِ الْمَرءَ مَاذَا يُحَاول … أَنَحْبٌ فَيقضَى أَمْ ضَلالٌ وَبَاطلُ ٢ - أَرى الناسَ لا يَدرونَ ما قَدرُ أَمرهم … بَلى كُلُّ ذي لُبٍّ إلى اللهِ واصِلُ ٣ - ألا كل شيءٍ مَا خَلا الله بَاطل … وَكُل نَعيمٍ لا مَحَالةَ زَائلُ ٤ - وَكُل أُنَاسٍ سَوفَ تَدْخُلُ (١) بَينَهُم … دُوَيهيَةٌ تَصْفَرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ ٥ - وَكُل امْرئ يَوْمًا سَيَعلَمُ سَعيَه … إذا حُصِّلَت عِندَ الإلَهِ المَحَاصِلُ ٦ - إذا المرءُ أَسرَى ليلةً خال أنه … قضَى عمَلًا والمرءُ ما دام عاملُ ٧ - فَقولا لَهُ إِن كانَ يَقسِمُ أَمرَهُ … ألمَّا يَعظكَ الدَهرُ أُمُّكَ هابلُ ٨ - فَإن أَنتَ لَم ينفعْكَ عِلمُك فَانتَسِب … لعلَّكَ تهديكَ القُرونُ الأَوائِلُ ٩ - فَتَعلَمَ أَن لا أَنتَ مُدرِكُ ما مَضى … وَلا أَنتَ مما تَحذَرُ النَفسُ وائلُ ١٠ - فَإن لَم تجِد من دُونِ عَدنانَ والِدِّا … وَدونَ مَعَدٍّ فَلتَرُعْكَ العَواذِلُ وهي من الطويل، وهو أول بحور الدائرة الأولى من الدوائر الخمس المسماة بدوائر المختلف، وسميت به لاختلاف كمية أجزائها (٢)، وهي مشتملة على خمسة أبحر، ثلاثة مستعملة وهي: الطويل والمديد والبسيط، وبحران مهملان وهما: المستطيل مقلوب الطويل، والممتد مقلوب المديد (٣)، وأصله في الدائرة: فعولن مفاعيلن أربع مرات (٤)، وقد دخله القبض في ضربه، وأما عروضه فتكون مقبوضة دائمًا (٥). والقبض هو (٦): حذف الخامس الساكن (٧)، فتحذف (٨) الياء من "مفاعيلن" فيصير مفاعلن، فتقول (٩): (ألا كل) فعولن سالم، (ل شيء ما) مفاعيلن سالم، (خلا اللا) فعولن سالم، (هـ باطل) مفاعلن، مقبوض.

стр. 102

والبيت الشاهد مقفى، وهو أول القصيدة على ما ذكره الخالديان (١) في الأشباه والنظائر، وكذا ابن السيد (٢). وعند جماعة منهم ابن هشام اللخمي (٣) والعسكري (٤)، أول البيت ما ذكرناه من قوله: ألا تسألانِ المرءَ مَاذَا يُحَاولُ … ............................ وهو أيضًا مصرعٌ مقفى، والفرق بين التقفية والتصريع أن التصريع عندهم تبعية العروض للضرب قافية ووزنًا وإعلالًا (٥). والتقفية: أن يكون العروض على زنة الضرب وقافيته، سواء تغيرت العروض عما يجب لها أم لا (٦)، فكل تصريع تقفية ولا ينعكس (٧)، وسمي البيت إذا كان فيه تصريع مصرعًا تشبيهًا له بمصراعي الباب، فكأن البيت الذي هو المصرع (٨)، وهو ما له قافيتان شبيه بالبيت الذي له بابان، وقيل: إنه مشتق من الصرعين، وهما نصفا النهار، فانتصاف النهار صَرْعٌ، وسقوط الشمس صَرْعٌ، والأول أقرب. وقافيته من المتدارك، وهو ما بعد ساكنه الأول حركتان، وسمي بذلك لتدارك السكون الثاني فيه الأول، أي: تداركه فلم يترك الحركات تتزايد، أو لأن الحركة الثانية أدركت الأولى

стр. 103

ولم يفصل بينهما ساكن (١)، ومثاله (٢): قفَا نَبكِ مِنْ ذكرَى حَبيب وَمَنْزل .... ............................ والقافية تأتي على خمسة أنواع هذا أحدها. ١ - قوله: "يحاول" من حاولت الشيء أي (٣): أردته، والنحب بفتح النون وسكون الحاء المهملة وهو: المدة والوقت، يقال: قضى فلان نحبه إذا مات. ٢ - قوله: "ألا": كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، قوله: "شيء" الشيء اسم للموجود، فلا يقال للمعدوم شيئًا، وفيه خلاف تقرر في الأصول، قوله: "خلا" كلمة يستثنى بها وتنصب ما بعدها وتَجر، تقول: جاءني القوم خلا زيدًا، فتنصب بها إذا جعلتها فعلًا من خلا يخلو خلوًّا ويضمر فيها الفاعل؛ كأنك قلت: خلا مَنْ جاءني مِن زيد (٤). وإذا قلت: خلا زيدٍ بالجر فهي عند بعضهم حرف جر بمنزلة: حاشا (٥)، وعند بعضهم مصدر مضاف (٦). وأما: ما خلا بكلمة (ما) فلا يكون بعدها إلا النصب، تقول: جاءني القوم ما خلا زيدًا؛ لأن

стр. 104

خلا لا يكون بعدها "ما" إلا صلة، وهي معها مصدر؛ كأنك قلت: جاءني القوم خُلُوَّ زيدٍ (١)، أي خلوهم من زيد، يعني خالين من زيد (٢)، وعن قريب يأتي مزيد الكلام فيه -إن شاء الله تعالى- (٣). وقوله: "ما خلا الله باطل" من هذا القبيل، لا يجوز فيه إلا النصب، وذلك لأن "ما" فيه مصدرية فدخولها يعين الفعلية (٤)، ولفظة "الله" اسم للذات المعبود بالحق المستجمع لجميع الصفات، وقد شاع كلام الناس فيه (٥)، هل هو مشتق أم اسم موضوع؛ فلا يحتاج إلى ذكره (٦). قوله: "باطل": من بطل الشيء يبطل بطلانًا وبطولًا وبُطْلًا، ومعناه: ذهب ضياعًا وخسرانًا، وزاد ابن القطاع (٧) بطولة، وأبطل إذا جاء بالباطل، والأباطيل: جمع باطل على خلاف القياس، كأنه جمع إبطيل (٨)، والباطل ضد الحق، وفي عرف المتكلمين الباطل: الخارج عن الانتفاع، والفاسد: يقرب منه، والصحيح ضده ومقابله، وفي عرف الشرع: الباطل من الأعيان: ما فات معناه المقصود، المخلوق له من كل وجه بحيث لم يبق (٩) إلا صورته، ولهذا يذكر في مقابلة الباطل الحق الذي هو عبارة عن الكائن الثابت، وفي الشرع يراد به ما (١٠) هو المفهوم منه لغة، وهو: ما كان ثابت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، إما لانعدام محلية التصرف؛ كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف؛ كبيع المجنون والصبي الذي لا يعقل. فإن قلتَ: ما معناه ها هنا؟.

стр. 105

قلتُ: المعنى ها هنا: كل شيء سوى الله تعالى زائل فائت مضمحل ليس له دوام. قوله: "وكل نعيم" النعيم: ما أنعم الله به عليك، وكذلك النعمة والنعمى والنعماء، فالمد في الفتح، والقصر [في الضم] (١)، قوله: "لا محالة" أي: لا حيلة، ويجوز أن تكون من الحول وهو القوة والحركة، وهي مفعلة منهما، وأكثر ما تستعمل لا محالة بمعنى الحقيقة واليقين، أو بمعنى: لا بد، والميم زائدة، ومنه ما جاء في حديث (٢) قُسّ بن ساعدة (٣): أَيقَنتُ أَنِّي لا مَحالَةَ … حَيثُ صارَ القَومُ صائِرُ قال الجوهري (٤) قولهم: "لا محالة" أي: لا بد، يقال: الموت آت لا محالة (٥). فإن قلت: الجنة نعيم، وهي لا تزول أبدًا، فكيف قال: وكل نعيم لا محالة زائل؟ وهذا كلام غير صحيح، ولهذا لمّا أنشده لبيد رد عليه عثمان بن مظعون (٦) -رضي الله تعالى عنه- وقال له: كذبتَ، نعيم الجنة لا ووول، على ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي (٧). وقال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عمن حدثه قال: لما رأى عثمان بن مظعون -رضي الله تعالى عنه- ما يلقى رسول الله ﷺ وأصحابه من الأذى، وهو يغدُو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة (٨)، قال عثمان: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل بيتي يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، فمشى إلى الوليد بن المغيرة وهو في المسجد، وقال (٩): يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد

стр. 106

كنت في جوارك، وقد أحببت أن أخرج منه إلى رسول الله ﷺ فَلِيَ به وبأصحابه أسوة، فقال: فلعلك يا ابن أخي أوذيت أو انتهكت قال: لا، ولكن أرضى بجوار الله تعالى، ولا أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فاردد إليَّ جواري علانية؛ كما أجرتك علانية، فقال: انطلق، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان بن مظعون قد جاء ليرد عليَّ جواري، فقال عثمان: صدق وقد وجدته وفيًّا كريم الجوار، وقد أحببت أن لا أستجير بغير الله تعالى، وقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان بن مظعون ولبيد بن ربيعة هذا في مجلس قريش، فجلس معهم عثمان وهو ينشدهم: ألا كل شيء ما خلا الله باطل … .................... فقال عثمان: صدقت، قال لبيد: .......................... … وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان: كذبت، فالتفت القوم إليه، فقالوا للبيد: أعد علينا فأعاد لبيد، فأعاد عثمان بتكذيبه مرة وبتصديقه مرة، وإنما يعني عثمان؛ إذ قال كذبت يعني: نعيم الجنة لا يزول، فقال لبيد: والله يا نفر قريش ما كانت مجالسكم هكذا، فقام سَفِيهٌ منهم على عثمان بن معظون فلطم عينيه فاخضرت، فقال [له] (١) مَنْ حوله: والله يا عثمان لقد كنت في ذمة منيعة، وكانت عينك غنية عما لقيت، فقال: جوار الله آمن وأعز، وعيني الصحيحة فقيرة التي ما لقيت أختها، ولي برسول الله ﷺ ومن (٢) آمن معه أسوة، فقال الوليد: هل لك في جواري؟، فقال عثمان: لَا أَرَبَ لي في جوار أحد إلا في جوار الله تعالى، ثم هاجر عثمان -رضي الله تعالى عنه- إلى المدينة. قلت: الجواب عن ذلك من وجهين: الأول: أن لبيدًا إنما قال ذلك قبل أن يسلم، فيمكن أن يكون اعتقاده [في] (٣) ذلك الوقت أن الجنة لا وجود لها، أو كان يعتقد وجودها، ولكن لا يعتقد دوامها كما ذهبت (٤) إليه طائفة من أهل الأهواء والضلال. والثاني: أنه يمكن أن يكون أراد به ما سوى الجنة من نعيم الدنيا؛ لأنه كان في صدد ذم الدنيا، وبيان سرعة زوالها، وأما تكذيب عثمان بن مظعون ﵁ إيَّاه؛ فلكونه حمل الكلام عن العموم.

стр. 107

١٠ - قوله: "فَلْتَرُعْكَ العواذل" من رَوَّعَهُ يُرَوِّعُه إذا كفه (١)، والعواذل ها هنا حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليه مجاز (٢). الإعراب: قوله: "ألا كل شيء"، ألا: حرف استفتاح، غير مركبة؛ ولذلك قال سيبويه (٣): إذا سميت بها أعربت ولم تحك، وهي (٤) بمنزلة: قفا (٥)، وادعى الزمخشري (٦) فيها التركيب (٧)، ولم يقم على دعواه الدليل، فتصدر (٨) بها الجملة الاسمية؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، والفعلية؛ كقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]. ولفظ (كل) المشهور فيه أن لا يخلو استعماله عن الإضافة لفظًا، فإن خلا لفظًا يكون مضافًا معنى؛ كقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] (٩)، وأجاز الأخفش (١٠) تجريده

стр. 108

عن الإضافة وانتصابه حالًا (١)، ووافقه أبو علي (٢) في الحلبيات (٣)، ويعضده قراءة نافع (٤): (إنا كلًّا فيها) (٥) [غافر: ٤٨]، و "كل شيء" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "باطل". وقد علم أن كلمة "كل" إذا أضيفت إلى نكرة تقتضي عموم الأفراد، وإذا أضيفت إلى المعرفة تقتضي عموم الأجزاء، تقول: كل زُمَّانٍ مأكول، ولا تقول: كل الرمان مأكول، ولفظة "الله" منصوبة بقوله "خلا". فإن قلت: ما موضوع الجملة كلها من الإعراب؟. قلت: يجوز أن يكون حالًا (٦)، وبه جزم السيرافي (٧)، فيكون التقدير: ألا كل شيء حال كونه خاليًا عن الله باطل؛ كما تقول في قولك: جاءني القوم ما خلا زيدًا، يعني جاءني القوم حال كونهم خالين عن زيد، ويجوز أن يكون نصبًا على الظرفية (٨)؛ فيكون التقدير: ألا كل شيء وقت خلوهم عن الله باطل كما تقول في قولك: جاءني القوم ما خلا زيدًا. جاءني القوم وقت خلوهم عن زيد.

стр. 109

التقدير: ألا كل شيء وقت خلوهم عن الله باطل، وقد قلنا: إن "خلا" إذا دخلت عليها كلمة "ما" لا تجر عند الجمهور (١)، ونقل الجرمي (٢) عن بعض العرب جر المستثنى بعد: "ما خلا"، وبعد "ما عدا"، على أن "ما" زائدة، وعدا وخلا حرفا جر وهذا شاذ (٣)؛ لأن "ما" تزاد بعد الحرف متأخرة عنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: ٤٠] ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، وها هنا هي متقدمة عن الحرف فلا يحكم عليها بالزيادة. وإذا كانتا مجردتين من كلمة "ما" يجوز الجر بهما على أنهما حرفا جر، والنصب على أنهما فعلان فاعلهما مضمر وجوبًا، والمستثنى مفعولهما، تقول: قام القوم خلا زيدًا وخلا زيدٍ، وعدا زيدًا وعَدا زيدٍ (٤). الاستشهاد فيه: أنه أورده شاهدًا لإطلاق الكلمة على الكلام، وهو مجاز مهمل عند النحويين، مستعمل عند المتكلمين، وهو من باب تسمية الشيء باسم جزئه على سبيل التوسع، فإنه ﵊ قال: "أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: أَلا كُلُّ شَيء مما خَلا اللهَ باطِلُ … ............................. " فأطلق الكلمة على الكلام توسعًا، وقد روينا عن أبي هريرة (٥) -رضي الله تعالى عنه- من طريق البخاري (٦) ومسلم (٧) عن النبي ﷺ أنه قال: أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد:

стр. 110

ألا كُلُّ شيءٍ مما خَلا اللهَ باطلُ … ................. (١). وكاد ابن أبي الصلت (٢) أن يسلم"، وفي رواية لهما قال: "أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد" إلخ، وهذه الرواية رويناها أيضًا من طريق الترمذي (٣) -رحمه الله تعالى- وقد رويت هذه اللفظة بألفاظ مختلفة منها: إن أصدق كلمة (٤)، ومنها: إن أصدق بيت قاله الشاعر (٥)، ومنها: أصدق بيت قاله الشاعر، ومنها: أصدق بيت قالته الشعراء، وكلها في الصحيح، ومنها: أشعر كلمة قالتها العرب، قاله ابن مالك في شرحه للتسهيل (٦)، وكلها في وصف المعاني مبالغة بما يوصف به الأعيان؛ كقولهم: شعر شاعر، وخوف خائف، وموت مائت، ثم يصاغ من أفعل باعتبار ذلك المعنى، فيقال: شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوف من خوفه (٧)، وفيه شاهد آخر: وهو تقديم المستثنى، ولكن الشارح لَمْ يورده لذلك، وإنما أورده لما ذكرنا [فافهم] (٨). الشاهد الثاني (٩)، (١٠) وَكَم عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القوافي … فَلَمَّا قَال قَافِيَةً هَجَانِي أقول: قائله هو معن بن أوس المزني (١١) شاعر جاهلي مقل، قاله في ابن أخت له، وهو من
следующие страницы →