← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الإعراب: قوله "أما": تنبيه واستفتاح مثل ألا (١)، "ودماء": مجرور بواو القسم، أي وحق دماء، وجواب القسم في البيت الثالث، وهو قوله: "لقد ذاق منا عامر"، قوله: "مائِرات": صفة للدماء، قوله: "تخالها": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، صفة أخرى للدماء. قوله: "على قنة العزى": يتعلق بمحذوف، وهو في موضع النصب على الحال من الضمير المنصوب في "تخالها"؛ أي: تحسبها في حالة كونها على رأس العزى عَنْدَمًا؛ لأنهم كانوا يصيبون الصنم بذلك الدم، و "بالنسر" الباء فيه بمعنى على، أي: وعلى النسر، أي: وعلى قنة النسر، والباء تجيء بمعنى على كما في قوله تعالى (٢): ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] " أي: على قنطار (٣). قوله: "عندمًا" منصوب؛ لأنه مفعول ثانٍ لقوله: "تخالها"، قوله: "وما سبح الرهبان": كلمة "ما" مصدرية أي؛ وحق تسبيح الرهبان وتنزيههم، "أبيل الأبيليين": كلام إضافي منصوب بقوله: "سبح"، ومعناه: لمائرة الرهبان أبيل الأبيلين. قوله: "المسيح بن مريما": عطف بيان من أبيل الأبيلين، قوله: "لقد ذاق": جواب القسم، و "عامر": فاعله، و "حسامًا": مفعوله، قوله: "إذا ما هزّ بالكف صمما": جملة وقعت صفة للحسام، ومعنى "صمم": عض وأثبت أسنانه. الاستشهاد فيه: على دخول الألف واللام في "النسر" لأجل الضرورة؛ وذلك لأن نسرًا علم لصنم معين كما ذكرنا، فلا يحتاج إلى التعريف (٤).

стр. 457

الشاهد الثاني والأربعون بعد المائة (١) , (٢) رَأَيْتُكَ لَمَّا أَنْ عَرَفْتَ وُجُوهَنَا … صَدَدْتَ وَطِبْتَ النَّفْسَ يَا قِيْسُ عَن عَمْرو أقول: ذكر التوزري (٣) في شرح الشقراطيسية (٤) عن بعضهم أن هذا البيت مصنوع فحينئذ لا يحتج به. قلتُ: هذا ليس بصحيح، فإن قائله هو: رشيد بن شهاب اليشكري، وهو من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله: ١ - من مبلغ فِتْيَانَ يَشْكُرَ أنَّنِي … أَرَى حِقْبَةً تُبْدِي أَمَاكِن للصَّبرِ ٢ - فأوصِيكمْ بالحَيّ شَيْبَانَ إنهم … هم أهلُ أبناءِ العَظَائِمِ والفَخرِ ٣ - على أن قيْسًا قال يا قَيس بنَ خالدٍ … لَيَشْكُرُ أحْلَى ما لَقِينَا مِنَ التّمْرِ ٤ - رأيتك .................... … .......................... إلخ ٥ - رأيتَ دِمَاء أَسْهَلَتْهَا رِمَاحُنَا … شآبيبَ مثلَ الأرجوانِ على النَّحْرِ ٦ - ونحن حَمَلْنَاكَ المَصِيفَةَ كلَّها … على حَرَجٍ تُوشَى كُلُومُكِ في الخِدْرِ ٧ - فلا تَحْسَبنَّ كالعمور وجَمْعِنَا … فنحن وبيتُ الله أدْنَى إلى عَمْرِو ٨ - جميعًا وَلَسْنَا قد عَلِمْتَ أُشَابَةً … بَعِيدِين مِن نَقْصِ الخلائق والغدرِ ٤ - قوله: "رأيتك": خطاب لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد اليشكري، وهو المراد من قوله: يا قيس عن عمرو، قوله: "وجوهنا" أراد بالوجوه الأنفس والذوات من قبيل

стр. 458

إطلاق [اسم] (١) جزء الشيء على كله؛ من قبيل قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أي ذاته، فإنه أطلق الوجه وأراد به الذات، ويجوز أن يكون المراد من الوجوه الأعيان منهم، يقال: هؤلاء وجوه القوم؛ أي: أعيانهم وسادتهم، قوله: "صددت" أي: أعرضت، ويقال: أي: فررت، ورواه المفضل الضبي: رأيتك لما أن عرفت جلادنا … رضيت وطبت النفس يا بكر عن عمرو (٢) وكذا أنشده ابن السيد في شرح شعر العري، قوله: "وطبت النفس يا قيس عن عمرو"، أي: طابت نفسك عن عمرو الذي قتلناه، وكان عمرو حميم قيس. ٥ - قوله: "أسهلتها" أي: أسالتها، و "الشآبيب": الدفع، و "الأرجوان": صبغ أحمر شبه به الدم. ٦ - قوله: "المصيفة" أي: الصيفة، يقول: أوقعنا بك فجَرَحْنَاك جراحات بقيت منها في خدر صفيتك تداويها، و "الحرج" -بفتحتين: السرير الذي يحمل عليه الموتى، و "الخدر"- بكسر الخاء المعجمة: حاجز يقطع في البيت يستر فيه الجواري، يقال: أحللناك ذلك المحل. ٨ - و "الأُشابة" -بضم الهمزة وبالشين العجمة وبعد الألف باء موحدة، قال الضبي: الأشابة: المختلطون، وأصله من الشوب؛ فألفه زائدة، وقال غيره؛ ألفه أصل، وهي من قولهم: مكان أشبّ إذا كان كثير النباتِ ملتفه. الإعراب: قوله: "رأيتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهي بمعنى: أبصرتك؛ فلذلك اقتصر على مفعول واحد، قوله: "لمَّا" بمعنى حين، والعامل فيه ما تقدمه من الفعل وكلمة "أن" زائدة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، و"عرفت": فعل وفاعل، و "وجوهنا"؛ كلام إضافي مفعوله، وقوله: "صددت": جواب (لما)، قوله: "وطبت النفس" أي: نفسًا وهو تمييز، و "يا قيس": منادى مبني على الضم، وقوله: "عن عمرو": يتعلق بقوله "طبت" والجملتان معترضتان بينهما، والتقدير: رأيتك يا قيس لما أن عرفتنا طبت نفسًا عن قتل عمرو وصددت عن الحرب. الاستشهاد فيه: في قوله: "وطبت النفس" حيث ذكر التمييز معرفًا بالألف واللام، وكان حكمه أن يكون

стр. 459

نكرة وإنما زاد الألف واللام فيه للضرورة (١). الشاهد الثالث والأربعون بعد المائة (٢) , (٣) أَلَا أَبْلِغْ بَنِي خَلَفٍ رَسُولًا … أَحَقًّا أَنَّ أَخْطَلَكُمْ هَجَانِي أقول: قائله هو النابغة الجعدي، وقد اختلف في اسمه، فقيل: قيس بن عبد الله، وقيل: عبد الله بن قيس وقيل: حبان بن قيس بن عمرو بن عرس بن ربيعة، وإنما قيل له النابغة؛ لأنه قال الشعر في الجاهلية، ثم أقام مدة نحو ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فيه فسمي النابغة (٤)، وطال عمرهُ في الجاهلية والإسلام، وهو أسن من النابغة الذبياني، وإنما مات النابغة الذّبياني قبله وعمَّر الجعدي بعده طويلًا، قيل: عاش مائة وثمانين سنة، ويقال عاش مائتين وأربعين سنة، وهذا لا يبعد؛ لأنه أنشد عمر بن الخطاب ﵁ (٥): ثلاثة أهلين أفنيتهم … وكانا الإله هو المستآسا فقال له عمر ﵁: كم لبثت مع كل أهل؟ قال: ستين سنة، فذلك مائة وثمانون سنة، ثم عاش بعد ذلك إلى أيام ابن الزبير ﵁، وإلى أن هجا أوس بن مغراء، وليلى الأخيلية، وكان يذكر في الجاهلية دينَ إبراهيم ﵇ والحنيفية ويصوم ويستغفر، وله قصيدة أولها قوله (٦): الحَمْدُ لِلَّهِ لا شَريكَ لَهْ … مَنْ لَمْ يَقُلْهَا فنَفْسَهُ ظَلَمَا وفيها ضروب من دلائل التوحيد، والإقرار بالبعث والجزاء والنار، ووفد على النبي ﷺ . فأسلم.

стр. 460

والبيت المذكور من قَصيدة يهجو بها الأخطل النصرانيَّ حين هجاه الأخطلُ، وهي من الوافر وفيه العصب والقطف، ومنها قوله (١): ١ - يَظَلُّ لِنِسْوَةِ النُّعْمَانِ مِنَّا … على سَفَوانَ يوم أرْوَنَانِ ٢ - فَأرْدَفَنَا حَلِيلَتهُ وجئْنَا … بما قد كان جَمّعَ مَنْ هِجَانِ و"سفوان" -بفتح السين المهملة والفاء موضع قرب البصرة، ويقال: يوم أرونان وليلة أرونانة: شديدة صعبة، فإن قلتَ: "أرونان" ها هنا صفة ليوم وهو مرفوع، فكيف خفض أرونان؟ قلتُ: أصله: أروناني بياء النسبة للمبالغة؛ كالياء في أحمريّ ودواريّ ثم خفف، ويقال: إنه بالرفع على الإقواء، وفيه غلطة لابن الأعرابي؛ حيث قال: إنه مشتق من الرنة وهي الصوت (٢)، ويرده أنه ليس في العربية: أفعوال (٣)، وإنما هو من الرونة وهي الشدة، وهذا ذكره الجوهري في باب الراء والواو والنون، وقال: روّن ثم فسره (٤). قوله: "بني خلف" بنو خلف هم رهط الأخطل، وهم من بني تغلب، ويروى من بني جشم، وهي -أيضًا- قبيلة، قوله: "إن أخطلكم" قد قلنا: إنه أراد به الأخطل النصراني الشاعر المشهور وهو غياث بن غوث، أو غيث (٥) بن غوث، قوله: "هجاني": من هجا يهجو هجوًا وهو خلاف المدح. الإعراب: قوله: "ألا": كلمة تنبيه تحقق ما بعدها، "وأبلغْ": أمر من الإبلاغ، وفاعله أنت مستتر فيه، وقوله: "بني خلف": كلام إضافي مفعوله، وقوله: "رسولًا": حال من الفاعل، واسم للمصدر بمعنى الرسالة فيكون مفعولًا ثانيًا. فإن قلت: هل يجيء الرسول بمعنى الرسالة؟

стр. 461

قلت: نعم؛ كما قال الشاعر (١): لقد كذِبَ الوَاشُونَ مَا بُحْتُ عندهم … بلَيْلَى ولا أرسلتُهُمْ بِرَسُولِ أي: برسالة. قوله: "أحقًّا" الهمزة للإنكار التوبيخى، ومثل هذا يكون خارجًا عن الاستفهام الحقيقي فيقتضي تحقق ما بعدها، وأنّ فَاعِلَه مَلُومٌ على ذلك، وانتصاب (حقًّا) على وجهين: الأول: أن يكون ظرفًا مجازيًّا، والتقدير: أفي حق هجاني أخطلكمُ وإليه ذهب سيبويه في مثل هذا (٢). والثاني: أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: أهجاني أخطلُكُم هجوًا حقًّا؟ وإليه ذهب المبرد (٣). قوله: "أخطلكم": كلام إضافي، اسم لأن، وخبره قوله: "هجاني" والجملة في محل الرفع على الابتداء، وقوله "أحقًّا": في موضع الخبر؛ لأنه منصوب بتقدير "في"كما ذكرنا، والتقدير: أفي حق هجو أخطلكم إياي؟ فإن قلت: ما الدليل على أن "حقًّا" منصوب بتقدير في؟ قلت: تصريحهم بها في بعض الأماكن، ومن ذلك قوله (٤): أفي حق مُوَاساتِي أخاكمْ … بِمَالِي ثم يَظْلِمُني السَّريسَ فإن قلتَ: ما الدليل على أنه جارٍ مجرى الظرف؟ قلتُ: لأن العرب استعملته خبرًا عن المصدر ولم تستعمله خبرًا عن الجثة؛ كما أن ظرف الزمان كذلك، وإنما حكم له بحكم ظرف الزمان وإن لم يكن اسم زمان، ولا عدوه قائمًا مقامه

стр. 462

لشبهه به من جهة أنه اسم معنى؛ كما أن الزمان كذلك، وأنه مشتمل على المحقق كاشتمال ظرف الزمان على ما وقع فيه (١). الاستشهاد فيه: في قوله: "أخطلكم"؛ وذلك لأن الأخطل علم بالغلبة على غياث بن غوث النصراني الشاعر المشهور، فلما نكره نزع منه الألف واللام وأضافه إلى قبيلته ليعرف بهم (٢). الشاهد الرابع والأربعون بعد المائة (٣) , (٤) إذَا دَبُرَان منكَ يَوْمًا لقيتُهُ … أُؤَمِّلُ أن أَلْقَاكَ غَدْوًا بِأسْعُدِ أقول: لم أقف على اسم قائله ولا رأيت أحدًا من النحاة أعزاه إلى أحد وهو من الطويل، قوله:

стр. 463

دبران": علم على الكوكب الذي يدبر الثريا، وهو خمسة كواكب في الثور (١)، يقال: إنها سنامة، وحقه أن يصدق على كل مدبر، ولكنه غلب على هذه الكواكب من بين ما أدبر، قال سيبويه: ولا يقال لكل شيء (٢) صار خلف شيء دبران، قوله: "غدوًا" -بفتح الغين المعجمة وسكون الدال وفي آخره واو، أَراد به غدًا، ولكنه أبرزه على أصله؛ لأن الغد، أصله: "غدو" حذفوا الواو منه بلا عوض (٣)، وممن أخرجه على أصله نحو هذا البيت وهو للبيد حيث يقول (٤): وما الناسُ إلا كالدِّيَارِ وَأَهْلِهَا … بها يومُ حلوها وغَدْوًا بَلاقِعُ فقال: غدوًا على أصله ولم يقل غدًا، والغد؛ اسم لتالي يومك، ويستعمل أيضًا للزمن المتأخر مطلقًا، ومنه قوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر: ٢٦]، أي: يوم القيامة أو يوم الفتح، وهذا ظاهر في البيت. قوله: "بِأسعُدِ" -بضم العين: جمع سعد، وسعود النجم وأسعدها عشرة، أربعة منها في برج الجدي والدلو ينزلها القمر، وهي سعد الذابح وسعد بُلْعَ [وسعد الأخبية] (٥) وسعد السعود، وهو كوكب منفرد نيّر، وأما الستة التي ليست من المنازل فسعد ناشرة، وسعد الك، وسعد البهائم، وسعد الهمام، وسعد البارع، وسعد مطر، وكل سعد من هذه الستة كوكبان، بين كل كوكبين من رأي العين قدر ذراع وهي متناسقة، وأما سعد الأخبية فثلاثة أنجم كأنها أثافي، ورابع تحت واحد منهن. والحاصل: أنه ذكر الدبران التي هي علم للكواكب الخمسة، وكنى بها عن الإدبار الذي هو ضد الإقبال والسعد، وذكر الأسعُد التي هي سعود النجم، وكنى بها عن السعد الذي هو ضد النحس. والمعنى: إذا رأيت منك إدبارًا يومًا؛ يعني شيئًا أكرهه فلا أقطع رجائي منك، ولكنني أؤمل حصول خيرك بعد ذلك بأن ألقاك في الغد في سعد وإقبال. الإعراب: قوله: "إذا دبران" يجوز فيه الوجهان الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "لقيته" أو يكون

стр. 464

مرفوعًا بفعل مقدر تقديره: إذا لقي دبران، والنصب بفعل محذوف على شريطة التفسير تقديره: إذا لقيت دبرانًا منك، قوله "منك" في محل الرفع على أنه صفة لدبران، أي: في بران حاصل أو كائن منك، و "يومًا" نصب على الظرف. قوله: "أؤمل" -بهمزة بعدها واو مبدلة من همزة، ويجوز قراءته بهمزتين، وهو جواب إذا، قوله: "أن ألقاك" هو مفعول أؤمل، وأن: مصدرية، قوله؛ "غدوًا" نصب على الظرف، أي: في غدٍ، قوله: "بأَسْعُدِ": يتعلق بقوله: "ألقاك". الاستشهاد فيه: في قوله: "دبران"؛ وذلك لأن الدبران علم بالغلبة على الكواكب الخمسة، كما ذكرنا، ولزمها الألف واللام، ولا يجوز أن يقال: دبران بدون الألف واللام؛ لأن جزء العلم لا يجوز إهداره، ولكن الشاعر لما اضطر إلى حذفها حذفَها؛ كما اقتضت زيادتها في الأبيات السابقة (١)، وزعم ابن الأعرابي أن ذلك جائز قياسًا في أسماء النجوم خاصة، وحكى: هذا عيّوقٌ طالعًا (٢). الشاهد الخامس والأربعون بعد المائة (٣) , (٤) رأيْتُ الوليدَ بنَ اليزيدَ مُبارَكًا … شَديدًا بِأعْبَاءِ الخِلافَةِ كَاهِلُه أقول: قائله هو ابن ميادة، وقد مر الكلام فيه مستوفى في شواهد المعرب والمبني. الشاهد السادس والأربعون بعد المائة (٥) , (٦) عَجِّلْ لنَا هَذَا وأَلحقْنَا بذا ال … بِالشّحْمِ إنّا قد مللناه بَجَلْ أقول: قائله هو غيلان بن حريث الربعي الراجز، وهو من الرجز المسدس.

стр. 465

قوله: "وألحقنا" وفي رواية سيبويه: "وألزقنا" (١)، قوله: "مللناه" -بكسر اللام الأولى؛ من الملالة، قوله: "بجل" بمعنى: حسب، وضبطه بعض شراح أبيات الكتاب "بِخَلْ" بالخاء المعجمة، أراد به الخل المعهود، والباء فيه مكسورة؛ لأنها حرف الجر حينئذ، وهذا أقرب إلى المعنى على ما لا يخفى. الإعراب: قوله: "عجل" أمر، وأنت مستتر فيه فاعله، و "لنا" في محل النصب على المفعولية، وكذا قوله: "هذا"، قوله: "وألحقنا": عطف على عجل لنا، قوله: "بذا ال" أراد بذا الشحم، فأفرد أل ثم أعادها في الشطر الثاني في قوله: بالشحم بطريق البدلية. الاستشهاد فيه: لأن بعضهم استدل به للخليل في قوله: إن حرف التعريف هو أل؛ وذلك أن الشاعر: وقف عليها ثم أعادها، وهذا يدل على قوة اعتقادهم لقطعها الذي يدل على أن حرف التعريف هو "أل" وأنها بمنزلة "قد" في الأفعال، وأنه لا يقال الألف واللام، كما لا يقال في "قد": القاف والدال، وأن واحدة منها ليست بمنفصلة عن الأخرى كانفصال ألف الاستفهام في قولك: أزيد؟ ولكن الألف كألف ايم الله، وهي موصولة (٢). الشاهد السابع والأربعون بعد المائة (٣) , (٤) يَا خَلِيلَيّ أرْبِعا واسْتَخْبِرا أل … مَنْزِلَ الدَّارِس عن حَيّ حِلال مِثْلَ سحْقِ البُردِ عفّى بعدك أل … قَطْرُ مغناه وتأويبُ الشَّمَالِ أقول: قائله هو عبيد بن الأبرص بن جشم، وهما من قطعة مشهورة، وجملتها بضعة عشر

стр. 466

بيتًا، وهي من الرمل وفيه الخبن والقصر (١). قوله: "أربعا" أمر للاثنين، من ربع يربع إذا وقف وانتظر، وهو بفتح عين الفعل فيهما، قوله: "الدارس": من درس المنزل إذا عفى، قوله: "حِلال" -بكسر الحاء المهملة وتخفيف اللام؛ أي: عن حي حالين، أي: نازلين. قوله: "مثل سحق البرد" السحق -بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وهو الثوب البالي، يقال: سحقه البالي فانسحق، و "البرد" -بضم الباء الموحدة؛ نوع من الثياب معروف، ويجمع على أبراد وبرود. قوله: "عفَّى" بتشديد الفاء لأجل التعدي، وثلاثيه: عفا بالتخفيف، يقال: عفت الدار تعفو عفوًا إذا غطاها التراب، قوله: "القطر" أي: المطر، قوله: "مغناه" بالغين المعجمة، أي: منزله، قوله: "وتأويب الشمال" -بفتح الشين المعجمة وتخفيف الميم، وهي الريح التي تهب من ناحية القطب، وفيها خمس لغات: شمْل بالتسكين وشمَل بالتحريك، وشمال، وشمأل مهموز، وشأمل مقلوب منه، وربما جاء بتشديد اللام، ويجمع على شمالات، وتأويبها: تردد هبوبها مع السرعة. الإعراب: قوله: "يا خليلي": منادى منصوب، و"أربعا": جملة من الفعل والفاعل، و "استخبرا": عطف عليه، و "المنزل" بالنصب مفعوله، و "الدارس": صفته، قوله: "عن حي": جار ومجرور متعلق بقوله: "استخبرا" قوله: "حِلال": صفة الحي، قوله: "مثل سحق البرد": كلام إضافي منصوب؛ لأنه صفة المنزل، قوله: "عفى": فعل ماض، و "القطر"- بالرفع: فاعله، و "مغناه" مفعوله، و "بعدك": نصب على الظرف، قوله: "وتأويب الشمال": كلام إضافي عطف على القطر. الاستشهاد فيه: أن الخليل استدل به على أن حرف التعريف هو أل، وإنما سمي أل، ولا يقال الألف واللام كما لا يقال في "قد": القاف والدال كما ذكرناه في البيت السابق (٢)؛ وذلك أنه لو لم يكن

стр. 467

هكذا لما قطع الشاعر "أل" في أنصاف الأبيات، ولو كانت اللام وحدها حرف التعريف لما جاز فصلها من الكلمة التي عَرَّفَهَا -لا سيما- واللام ساكنة، والساكن لا ينوى به الانفصال فافهم. * * *

стр. 468

شواهد الابتداء الشاهد الثامن والأربعون بعد المائة (١) , (٢) أَقاطِنٌ قَوْمُ سَلْمَى أَمْ نَوَوْا ظَعْنا … إن يَظْعَنُوا فَعَجِيبٌ عَيْشُ مَنْ قَطَنا أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من البسيط من الضرب الأول المماثل للعروض، وفيه الخبن. قوله: "أقاطن": من قطن بالكان يقطن؛ أقام به وتوطنه فهو قاطن، والجمع: قِطان وقاطنة وقطين أيضًا، قوله: "سلمى" -بفتح السين وسكون اللام؛ اسم امرأة، قوله: "ظعنًا" -بفتح الظاء المعجمة وفتح العين المهملة، من ظعن يظعن، من باب فتح يفتح إذا سار، ومصدره: ظعْن بالتسكين وظَعَن بالتحريك أيضًا، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]. والمعنى: قوم سلمى التي هي المحبوبة، وهي بينهم، هل هم مقيمون أم نووا الرحيل والانتقال: فإن كانوا نووا الرحيل، فعيش من يقيم ويتخلف عنهم يكون عجيبًا. الإعراب: قوله: "أقاطن" الهمزة فيه للاستفهام، و "قاطن": مبتدأ، وقوله: "قوم سلمى": كلام إضافي فاعل لاسم الفاعل؛ يعني: قاطنًا، قد سد مسد الخبر؛ لأنه مع الوصف في قرب الفعل، فلذلك حسن عطف الفعل وفاعله عليهما بأم المعادلة، قوله: "ظعنًا" مفعول لقوله: "نووا". قوله: "إن يظعنوا" إن: حرف شرط، ويظعنوا: فعل الشرط، والجملة وهي قوله: "فعجيب

стр. 469

عيش من قطنا": جواب الشرط؛ فلذلك دخَلَتْ عليها الفاء، قوله: "فعجيب": خبر مقدم. وقوله: "عيش من قطنا": كلام إضافي مبتدأ مؤخر، وقوله: "عيش": مضاف إلى قوله: "من قطنا"، ومن: موصولة بمعنى الذي، "وقطا": صلته، والألف فيه للإطلاق، وليست للتثنية. فإنَّ قلتَ: لمَ لا تجعل "فعجيب" مبتدأ؛ لأن وقوع النكرة بعد فاء الجزاء مسوغ للابتداء نحو: "إن مضى عير فعير في الرباط"؟. قلتُ: لفساد المعنى على هذا التقدير؛ لأن المعنى على الإخبار عن عيش من أقام بعد أولئك بأنه عيش عجيب لا العكس، فافهم. الاستشهاد فيه: في قوله: "أقاطن قوم سلمى؟ " حيث سد الفاعل وهو قوله: "قوم سلمى" مسد الخبر، وهذا لا يحسن استعماله إلا إذا اعتمد على ما يقربه من الفعل وهو الاستفهام أو النفي، والبيت المذكور فيه الاستفهام، وأما مثال النفي فعن قريب يأتي (١) [إن شاء الله تعالى] (٢). الشاهد التاسع والأربعون بعد المائة (٣) , (٤) غَيرُ مَأْسُوفٍ عَلَى زَمَنٍ … يَنْقَضِي بالْهَمِّ وَالحَزَنِ أقول: قائله هو أبو نُوَاس الحكمي، واسمه الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح الشاعر المشهور، وكان جده مولى الجراح بن عبد الله الحكمي، وَالي خُرَسَان، ونسبته إليه، وهو نسبه إلى الحكم بن سعد العشيرة؛ قبيلة كبيرة باليمن منها الجراح المذكور، ولد أبو نُوَاس بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة مع والبة بن الحباب، ثم صار إلى بغداد، وهو في الطبقة الأولى من المولدين، وهو مجيد في شعره على أنواعه، ولد سنة خمس وأربعين ومائة، وقيل: في سنة ست وثلاثين ومائة، وتوفي سنة خمس أو ست أو ثمان وتسعين ومائة ببغداد، وقيل له: أبو نواس لذؤابتين كانتا له تنوسان على عاتقيه، وبعد البيت المذكور بيت آخر وهو: إنما يَرْجُو الحياة فَتى … عَاشَ في أَمْنٍ من المحن

стр. 470

وهما من الرجز (١). وإنما ذكر الشراحُ البيتَ المذكور تمثيلًا لا استشهادًا به؛ لأن أبَا نواس وأمثاله لا يحتج بهم، وقصد بالبيت المذكور ذم الزمان الذي هذه حاله، فكأنه قال: زمان ينقضي بالهم والحزن غير مأسوف عليه، فزمان: مبتدأ، وما بعده صفة له، و "غير": خبر للزمان، ثم حذف المبتدأ مع صفته وجعل إظهار الهاء مؤذنًا بالمحذوف؛ لأنك إذا جئت بالهاء لما تقدمها ذكر ما ترجع إليه فصار اللفظ بعد الحذف: غَيرُ مَأْسُوفٍ عَلَى زَمَنٍ … يَنْقَضِي بالْهَمِّ وَالحَزَنِ وقال أبو نزار (٢): سُئلت في بغداد عن قول الشاعر: غير مأسوف … إلخ، فلم نعرف وجهة رفع "غير" وأول من أخطأ فيه شيخنا الفصيحي (٣) فعرفته بذلك. والذي ثبت الرأي عليه أن المعنى: لا يؤسف على زمان، فغيرُ مرفوع بالابتداء وقد تم الكلام بمعنى الفعل، فَسَدَّ تمام الكلام وحصول الفائدة مسد الخبر، ولا خبر في اللفظ؛ كما قالوا: أقائم أخوك؟ والمعنى: أيقوم أخوك؟ ولا خبر في اللفظ. وقال الشيخ أثير الدين في كتابه: "التذكرة": ولم أر لهذا البيت نظيرًا في الإعراب إلا بيتًا في قصيدة للمتنبي (٤) يمدح بها بدر بن عمار الطبرستاني يقول فيها (٥): ليس بِالمُنكَرِ أنْ بَرَّزْتَ سَبْقًا … غَيرُ مَدْفُوع عَن السَّبْقِ العِرَابُ فالعراب مرفوع بمدفوع، ومن جعل العرابَ مبتدأ فقد أخطأ؛ لأنه يصير التقدير؛ العراب غير مدفوع عن السبق، والعراب جمع فلا أقل من أن يقول غير مدفوعة؛ لأن خبر المبتدأ لا يتغير تذكيره وتأنيثه بتقديمه وتأخيره، تقول: الشمس طالعة، وطالعة الشمس، لا يجوز: طالع الشمس؛

стр. 471

لأن التقدير: الشمس طالع، وذلك لا يجوز (١). وذُكر في تحفة المعرب وطرفة المغرب، تأليف الشيخ جمال الدين عبد المنعم بن صالح التيمي (٢): يقال: بمَ يرتفع "غير" في قوله: غير مأسوف على زمن؟ والجواب أن قوله: "غير مأسوف": مفعول من الأسف وهو الحزن، "وعلى" يتعلق به، كقولك: أسفت على كذا، وموضع قوله: "بالهَمّ" في موضع نصب على الحال، والتقدر: ينقضي مشوبًا بالهمِّ، "وغير": رفع بالابتداء، ولما أضيف إلى اسم المفعول، وهو مسند إلى الجار والمجرور استغنى المبتدأ عن الخبر، كما استغنى قائم ومضروب في قوله: أقائم أخواك؟ وما مضروب غلامك، عن خبر من حيث سد الاسم المرفوع بهما مسد الخبر؛ لأن (قائم ومضروب) قاما مقام الخبر، فينزل كل واحد منها مع المرفوع به منزلة الجملة. وكذلك إذا أسند اسم المفعول إلى الجار والمجرور، سد مسد الاسم الذي يرتفع به، كقولك: أمحزون على زيد، ومأسوف على بكر؛ كما تقول في الفعل: أتحزن على زيد؟ وما يؤسف على بكر، فلما كانت "غير" للمخالفة جرت لذلك مجرى النفي، وأضيفت إلى اسم المفعول وهو مسند إلى الجار والمجرور اللذين بمنزلة الاسم الواحد؛ سد ذلك مسد الجملة؛ حيث أفاد قولك: غير مأسوف ما يفيده قولك: ما يؤسف على بكر فافهم (٣).

стр. 472

الشاهد الخمسون بعد المائة (١) , (٢) خَليليَّ ما وافٍ بعَهدِي أنتُمَا … إذا لم تَكُونَا لِي عَلَى مَن أُقَاطِعُ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الطويل من الضرب الثاني المماثل للعروض في القبض وقافيته من التدارك. قوله: "خليلي" يعني: يا صاحبي ما أنتما وافيان بعهدي وصحبتي إذا تكونا لأجلي على من أقاطع، فقوله: "وافٍ": اسم فاعل من وفي، يقال: له شعر وافٍ، أي: تام، وجناح واف أي: كامل، ويقال: وفي بالعهد وأوفى به، وهو وفيٌّ بين قوم، ووفاه حقه وأوفاه، و ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ [الشعراء: ١٨١] وتوفاه واستوفاه: استكمله، وأوفيته لمكان كذا: أتيته، وأوفى على شرف من الأرض: أشرف. قوله: "بعهدي" العهد بين الرجلين: التوثق، وفي الأساس يقال: عهد إليه واستعهد منه إذا أوصاه وشرط عليه، ورجل عهد: محب للولايات (٣)، قوله: "أقاطع": من قاطع أخاه وقطعه. الإعراب: قوله: "خليلي" أصله: يا خليلان لي؛ فلما أضيف إلى ياء التكلم سقطت النون فصار يا خليلاي، ثم قلبت ألف التثنية ياء وأدغمت في الياء فصار يا خليلي، ثم حذف حرف النداء فصار خليلي، قوله: "ما واف" كلمة ما للنفي، و "واف"؛ مبتدأ وحذفت الضمة منه استثقالًا في النصب، وأصله: وافي [منقوص] (٤) فأُعِلَّ إعلال قاضٍ (٥). وقوله: "بعهدي" يتعلق به،

стр. 473

قوله: "أنتما": فاعل لقوله: واف، سد مسد الخبر، قوله: "لي" اللام فيه للتعليل، أي: لأجلي وهو يتعلق بقوله: "تكونا" مستتر فيه، وخبره قوله: "على من أقاطع" و "من": موصول و"أقاطع": صلته، والعائد محذوف أي: أقاطعه. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما وافٍ بعهدي أنتما" حيث سد الفاعل وهو قوله: "أنتما" مسد الخبر لمبتدأ وهو قوله: "وافٍ" وذلك بعد اعتماده على النفي، وذكر سيبويه أن الفاعل إنما يسد مسد الخبر إذا اعتمد على الاستفهام أو النفي، ولم يجوّز في غير هذين الموضعين إلا على القبح (١). وأجاز الكوفيون والأخفش ذلك في غير استفهام ولا نفي، واستدلوا على ذلك بالبيت الذي يأتي الآن -إن شاء الله تعالى - (٢). وأجاب سيبويه عن هذا أنه قبيح وإن استعمله الشاعر (٣)، ويقال: إن في هذا البيت شاهدًا على إبطال قول الكوفيين، ومن تبعهم كابن الحاجب (٤) والسهيلي أنه يجب في نحو: أقائم أنت؟ في كون "أنت" مبتدأ مؤخرًا (٥)، وكان الزمخشري يوافقهم -أيضًا- لأنه جزم في قوله تعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ [مريم: ٤٦] بذلك (٦)، وشبهتهم أن الفعل لا يليه فاعله منفصلًا،

стр. 474

لا يقال: قام أنت فكذا الوصف (١). والجواب: أن الفعل أقوى في العمل، فلما قوي عمله امتنع فصله، وإنما أجمعنا على أن فاعل الوصف ينفصل إذا جرى على غير صاحبه وألبس، فكما يفصل (٢) لهذا الغرض يفصل لغرض آخر صحيح وهو كونه في اللفظ سادًّا مسد الخبر، وهو واجب الفصل ثم كيف يصنعون بهذا البيت، فإنهم إذا قدروا الضمير فيه مبتدأ لزم الإخبار عن الاثنين بالمفرد، وأما استدلال بعضهم بقول الآخر (٣): فما باسطٌ خيرًا ولا دافعٌ أذًى … من الناس إلا أنتم آل دارم فباطل لأن الحصر يصحح الفصل في مرفوع الفعل؛ كقوله (٤): قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَارَاتُهَا … مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إلا أَنَا فهذا لا يمنعه أحد في وصف ولا غيره، وإطلاقهم مقيد بما عدا ذلك ونحوه، وأولى ما يرد به عليهم قوله قعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ [مريم: ٤٦] لأن الوصف قد تعلق به عن ومجرورها، فلو كان خبرًا كما يقتضيه مذهبهم وكما ذكر الزمخشري، لزم الفصل بين العامل ومعموله بالأجنبي (٥). الشاهد الحادي والخمسون بعد المائة (٦) , (٧) خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلا تَكُ مُلْغِيًا … مقالةَ لِهْبِيٍّ إِذَا الطَّيرُ مَرَّتِ أقول: قائله رجل من الطائيين لم نقف على اسمه.

стр. 475

وهو من الطويل من الضرب الثاني وقافيته من المتدارك. قوله: "خبير": من الخبرة وهو العلم بالشيء، يقال: فلان خبير بهذا أي: عالم به، قوله: "بنو لهب" -بكسر اللام وسكون الهاء، وهو (١) من بني نصر بن الأزد، وهم أزجر قوم، وقال ابن هشام في السيرة: لهب حي من الأزد. وقال غيره: هو لهب بن أحجن بن كعب بن الحرث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، وهي القبيلة التي تعرف بالعيافة والزجر، ومنهم اللهبي المذكور في البيت، وهو الذي زجر حين وقعت الحصاة بصلعة عمر بن الخطاب ﵁ فأدمته، وذلك في الحج فقال: أشَعْرُ أمير المؤمنين؟ ووالله لا يحج بعد هذا العام فكان ذلك (٢). قوله: "ملغيًا": من الإلغاء، يقال: لغيت كلامه إذا عديته ساقطًا، وقوله: "لهبي": نسبة إلى لهب، وهو بتسكين الهاء كما ذكرنا. المعنى: أن بني لهب عالمون بالزجر والعيافة؛ فلا تلغ كلام رجل لهبي إذا زجر أو عاف حين تمر عليه الطير. الإعراب: قوله: "خبير": مبتدأ، و "بنو لهب": فاعله، سد مسد الخبر. فإنَّ قلتَ: ما مسوغ وقوع "خبير" مبتدأ وهو نكرة؟ قلتُ: كونه (٣) عاملًا فيما بعده، وقد عدت النحاة من جملة المخصصات كون المبتدأ نكرة عاملة، وقد قيل: إن خبيرًا لو كان خبرًا مقدمًا لزم الإخبار عن الجمع بواحد، فلما بطل هذا تعين كونه مبتدأ، و"بنو لهب": فاعل سد مسد الخبر وفيه نظر؛ لأن فعيلًا قد يأتي للجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]، وقول الشاعر (٤): ............................. … بِأَوْجهِ أَعْدَاء وَهُنَّ صَدِيقُ وقد وقع ذلك في نفس لفظ: "خبير" قال الشاعر (٥):

стр. 476

إِذَا لاقِيتِ قَوْمِي فاسْأَلِيهِمْ … كَفَى قَوْمًا بِصَاحِبِهِمْ خَبِيرًا وفاعل كفى ضمير السؤال المفهوم من قوله: "فاسأليهم"، و "قومًا": مفعول، و "خبيرًا": صفة له، و "بصاحبهم": متعلق به، قوله: "فلا تك ملغيًا" اسم كان مستتر فيه، وخبره قوله: "ملغيًا"، قوله: "مقالة لهبي": كلام إضافي [مفعول] (١) لقوله: "ملغيًا"، قوله: "إذا الطير" ارتفاع الطير بفعل محذوف يفسره الظاهر، تقديره: إذا مرت الطير مرت، ومرت الثانية مفسرة للمحذوف، والمعنى: حين مرت. الاستشهاد فيه: في قوله: "خبير بنو لهب" حيث سد الفاعل مسد الخبر من غير اعتماده على استفهام أو نفي، وهذا قبيح عند سيبويه، وسائغ عند الكوفيين والأخفش، وزعم بعضهم أن سيبويه وافقهم في هذا، والصحيح عند سيبويه خلاف ذلك كما قررناه (٢). الشاهد الثاني والخمسون بعد المائة (٣) , (٤) فَخَيرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُم … إِذَا الدَّاعِي المُثوِّبُ قَال يَالا أقول: قائله هو (٥) زهير بن مسعود الضبي، من بني ضبة بن أد بن عبد مناف بن أد بن طابخة وقبله (٦):

стр. 477

وَمَنْ يَكُ بَادِيًا ويكنْ أَخَاهُ … أَبَا الضَّحَّاكِ يَنْتسِجُ الشَّمَالا وبعده: ولم تَثِقِ العَوَاتِقُ مِنْ غَيُورٍ … بِغَيرَتهِ وَخَلَّينَ الحِجَالا وهي من الوافر وفيه العصب بمهملتين (١) والقطف. قوله: "ينتسج" [] (٢)، قوله: "والعواتق": جمع عاتق، وهي الجارية الشابة أول ما أدركت فخدرت في بيت أهلها ولم تبن إلى زوج. قوله: "من غيور": من غار الرجل على [أهله] (٣) يغار غيرًا وغيرة وغارًا، ورجل غيور وغيران، وامرأة غيور -أيضًا- وغيرَى، قوله: "وحلين" على صيغة المجهول، من التحلية بالحاء المهملة، هكذا رأيت أبا حيان ضبطه بيده، وقال ابن هشام: وخلين بفتح الخاء المعجمة. من التخلية، ثم قال: وتخليتهن الحجال من الفزع وعدم وثوقهن بأن آباءهن وحماتهن يمنعونهن، و "الحجال" بكسر الحاء المهملة [بعدها الجيم؛ جمع حجل -بفتح الحاء (٤) وسكون الجيم؛ وهو الخلخال (٥) وسمي القيد -أيضًا- حجلًا، وقد جاء كسر الحاء المهملة] (٦) فيهما. قوله: "المثوب": من التثويب وهو أن يجيء الرجل مستصرخًا فيلوح بثوبه ليرى ويشمّر فسمي الدعاء تثويبًا لذلك، ويقال: أصله من ثاب يثوب إذا رجع، قوله: "يالا" أي قال: يا لفلان، وهو حكاية صوت الداعي يا لفلان، فلما حذف فلانًا وقف على اللام فقال: يالا فصار حكاية كما تحكى الأصوات لما صار مصاحبًا للصوت الذي شبه به، وصار علامة للاستغاثة وشعارًا، فصار لذلك كسائر الأصواتا التي تحكى نحو: غاق (٧). ويقال: أصله: يا قوم لا تفروا ولا فرار (٨) فحذف ما بعد لا النافية كما يقال: ألاتا، فيقال؛ ألافا يريدون ألا تفعلوا وألا فافعلوا (٩)، وبهذا التقدير يجاب عما زعم الكوفيون أن اللام في

стр. 478

المستغاث بقية اسم وهو آل، والأصل: يا آل زيد، ثم حذفت همزة (آل) للتخفيف، وإحدى الألفين لالتقاء الساكنين، واستدلوا بقوله: فخير نحن عند الناس … إلخ؛ فإن الجار لا يقتصر عليه (١). الإعراب: قوله: "فخير": مبتدأ، وقوله: "نحن": فاعل سد مسد الخبر، ولم يسبقه لا نفي ولا استفهام وقال [أبو] (٢) علي وابن خروف (٣): قوله: "فخير": خبر لنحن محذوفة؛ أي: نحن خير الناس منكم، فنحن تأكيد لما في خير من ضمير المبتدأ المحذوف، وحَسُنَ هذا التأكيد بحذف المبتدأ، فلو لم يحذف لكان حسنًا -أيضًا- فلا فصل بأجنبي، وقد وقع الفصل بالفاعل بين الصلة والموصول نحو [قوله ﷺ ] (٤): "ما مِنْ أَيَّامٍ أحبُّ إلى الله فيها الصومُ منه في عشر ذي الحجة" (٥) وكان ذلك حسنًا سائغًا، فإذا ساغ كان [ذلك] (٦) التأكيد -أيضًا- أسوغ؛ لأنه قد يحسن (٧) حيث لا يحسن غيره من الأسماء (٨)، ويقال: إن "خير" صفة مقدمة يقدر ارتفاع نحن به، كما يجيز أبو الحسن: قائم الزيدان وعمل أفعل في الظاهر قليل (٩). فإن قلتَ: لمَ لا يجوز أن يكون نحن مبتدأ، وخبره قوله: "فخير" مقدمًا عليه فحينئذ لا يكون في البيت شاهد؟ قلتُ: هذا لا يجوز لما لزم (١٠) في ذلك من الفصل بين أفعل التفضيل "ومن" بمبتدأ، وأفعل

стр. 479

التفضيل، ومن كمضاف ومضاف إليه، فإذا جعل (نحن) مرفوعًا بخير على الفاعلية لم يلزم ذلك؛ لأن فاعل الشيء كالجزء منه (١). وقال ابن هشام في التذكرة: فإن قيل: أيجوز أن يكون (خير) خبر مبتدأ مقدمًا، ومنكم: غير صلة بل ظرف؛ كأنه قال: فخير نحن عند الناس فيكم؛ كما أنشد أبو زيد -أيضًا- (٢): ولستُ بالأَكْثَرِ منهم حَصًى … ............................... تقديره: ولست أكثر فيهم حصى؛ لأن أل ومن لا يجتمعان. فالجواب: أن هذا ليس قصد الشاعر ولا المعنى عليه، إنما يريد: نحن خير منكم، لأنا نفعل ما لا تفعلون؛ ألا تراه يقول بعده: فلم تثق العواتق من غيور … بغيرته وخلين الحجالا قوله: "عند الناس" كلام إضافي، والعامل خير، لا المبتدأ المحذوف؛ أعني: "نحن" الذي يقدر قبله، على رأي أبي علي وابن خروف، على أن يكون التقدير: فنحن عند الناس خير منكم؛ لأنك إن نزلته هذا التنزيل فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي. قوله: "إذا الداعي": مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر تقديره: إذا قال الداعي، و "المثوب": صفة الداعي، قوله: "يالا": مقول القول. الاستشهاد فيه: في قوله: "فخير نحن" حيث سد "نحن" الذي هو فاعل مسد الخبر من غير أن يتقدمه نفي ولا استفهام، وهذا شاذ عند سيبويه (٣) وقد قررناه (٤).

стр. 480

الشاهد الثالث والخمسون بعد المائة (١) , (٢) أَلا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ إِلَى أُمِّ مَعْمَرٍ … سَبِيلٌ فَأَمَّا الصَّبْرُ عَنْهَا فَلا صَبْرَا أقول: قائله هو ابن ميادة، واسمه الرماح، وقد ترجمناه فيما مضى (٣)، وهو من قصيدة رائية يتشبب فيها بأم جحدر بنت حسان المرية إحدى نساء بني جذيمة، وكان أبوها حلف أن لا يخرجها إلى رجل من عشيرتها ولا يزوجها بنجد، فقدم عليه رجل من الشام فزوجه إياها، فلقى عليها ابن ميادة شدة فأتاها ينظر إليها عند خروج الشامي بها، قال: والله ما ذكرت منها جمالًا بارعًا ولا حسبًا مشهورًا لكنها كانت أكسب الناس لعجب، فلما خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميادة يقول: ١ - أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ إِلَى أُمِّ مَعَمَرٍ … سَبِيلٌ فَأَمَّا الصَّبْرُ عَنْهَا فَلا صَبْرَا ٢ - أَلا لَيتَ شِعْرِي هَلْ يَحُلَّنَّ أَهْلُنَا … وأَهْلُكَ روضاتٍ ببطن اللِّوَى خضرَا ٣ - وهل تأتينَّ الريحُ تَدْرُجُ مَوْهِنًا … بِرَيَّاكِ تَعْرَوْرَى بهَا بلدًا قَفْرَا ٤ - بريح خزاميّ الرمل بات مُعَانِقًا … فروع الأقاحي تَنْصُبُ الطَّلَّ والقَطْرَا ٥ - فلوْ كانَ نذْرٌ مدنِيًّا أم جَحْدَرٍ … إِلَيَّ لقدْ أَوْجَبْتُ في عُنْقِنَا نَذْرَا ٦ - ألا لا تلطّى الستر أم جحدرٍ … كفى بذُرَى الأعلامِ مِنْ دونِهَا سِتْرَا ٧ - لعمرِى لئنْ أَمْسَيْتِ يا أمَّ جحدرٍ … نأيْتِ فَقَدْ أبديتِ في طَلَبِي عُذْرَا ٨ - فَبَهْرًا لِقَوْمِي إِذْ يَبِيعُونَ مُهْجَتِي … بِغَانِيَة بهرًا لهمْ بعدَهَا بَهْرَا وهي من الطويل. ٢ - قوله: "ببطن اللوى" بكسر اللام؛ وهو موضع. ٣ - قوله: "تدرج" أي: تمضي، "موهنًا" وهو بفتح الميم وسكون الواو وكسر الهاء، وهو نحو من نصف الليل، وكذلك الوهن، قوله: "بريَّاك تعرورى" [أي: تأتي وتصيب] (٤).

стр. 481

٤ - قوله: "الأقاحي": جمع أقحوان -بضم الهمزة؛ وهو البابونج، وهو نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض ووسطه أصفر. ٦ - قوله: "ألا لا تلطى": من لط بالأمر يلط لطًّا إذا لزمه، ولططت الشيء ألزقته، ويجوز أن يكون من ألظ بالظاء المعجمة، يقال: ألظ فلان بفلان إذا لزمه، وعن أبي عمرو يقال: هو ملظٍّ بفلان لا يفارقه (١). ٨ - قوله: "فبهرًا لقومي" أي: تعسًا لهم، وقال الجوهري: قال أبو عمرو: يقال: بهرًا له؛ أي: تعسًا له، قال ابن ميادة: تَفَاقَدَ قَوْمِي إذْ يَبيعُونَ مُهْجَتِي … بِجَارِيَة بَهْرًا لَهُمْ بَعْدَهَا بَهْرًا (٢) الإعراب: قوله: "ألا ليت شعْري" ألا: للتنبيه تدل على تحقق ما بعدها، وليت: للتمني يتعلق بالمستحيل غالبًا (٣)، وقوله: "شعري": اسمه، وخبره محذوف؛ وذلك لأن شعري مصدر شعرت أشعر شعرًا وشِعرًا إذا فطن وعلم، ولذلك سمي الشاعر شاعرًا كأنه فطن لما خفي على غيره، وهو مضاف إلى الفاعل. والمعنى: ليت علمي يعني: ليتني أشعر، فأشعر هو الخبر، وناب شعري الذي هو المصدر عن أشعر، ونابت الياء التي في شعري عن اسم ليت الذي هو في قولك: ليتني. قوله: "هل": للاستفهام، قوله: "سبيل": مبتدأ، وخبره قوله: "إلى أم معمر" مقدمًا ويروى: أم مالك، قوله: "فأما الصبر عنها" كلمة (أما) شوطية وتفصيلية (٤) فلذلك دخلت الفاء في جوابها. قوله: "الصبر": مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده، أعني قوله: "فلا صبرا"، فإن قلت: أين الرابط الراجع إلى المبتدأ؟ قلت (٥): الرابط الراجع إلى المبتدأ: إما ضمير يعود نحو: زيد قام أبوه، أو تكرير المبتدأ بلفظه نحو: زيد قام زيد، أو إشارة إليه نحو قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، أو عموم يدخل تحته المبتدأ، وها هنا لا رابط فيها إلا عموم قوله: "فلا صبرا" فيكون مراده:

стр. 482

فأما الصبر عنها فلا صبر لأحد عنها، وإذا نفي أن يكون لأحد صبر عنها فصبره داخل فيه. الاستشهاد فيه: في قوله: "فأما الصبر عنها فلا صبرا" حيث سد العموم ها هنا مسد الضمير الراجع إلى المبتدأ كما قررناه آنفًا (١). الشاهد الرابع والخمسون بعد المائة (٢) , (٣) فَإِنْ يَكُ جُثمَانِي بِأَرْضٍ سِوَاكُمُ … فَإِن فُؤَادِي عندَكِ الدَّهْرَ أَجْمَعُ أقول: قائله هو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحرث بن ظبيان، وقيل: جميل بن معمر بن جبير بن ظبيان بن قيس بن حن بن ربيعة بن حزام بن ضبة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد، وهو هذيم بن زيد بن سود بن أسلم بن إلحاف بن قضاعة العذري. وهو شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية، وكان راوية هدبة بن خشرم، وكان هدبة راوية الحطيئة، وكان الحطيئة راوية زهير وابنه، وكان كثيّر راوية جميل هذا، وكان جميل يهوى بثينة بنت حبا بن ثعلبة بن الهون بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة. والبيت المذكور من قصيدة عينية من الطويل وأولها هو قوله (٤): ١ - أَهَاجَكِ أَمْ لَا بِالْمَداخِلِ مَرْبَعُ … ودارٌ بِأَجْرَاعِ الغَدِيرَيْنِ بَلْقَعُ ٢ - دِيَارٌ لِسَلْمَى إِذْ يُحَلُّ بِهَا مَعًا … وَإِذْ نَحْنُ منهَا بِالْمَوَدَّةِ نَطْمَعُ (٥)

стр. 483

٣ - وَإنْ تَكُ قَدْ شَطَّتْ نَوَاهَا وَدَارُهَا … فإنَّ النَّوَى مِمَّا تُشِتُّ وَتَجْمَعُ ٤ - إِلَى الله أَشْكُو لَا إِلَى النَّاسِ حُبَّهَا … وَلا بُدَّ مِن شَكْوَى حَبِيبٍ يُرَوَّعُ ٥ - أَلا تَتَّقِينَ اللهَ فِيمَنْ قَتَلْتِهِ … فَأَمْسَى إِلَيكُمْ خَاشِعًا يَتَضَرَّعُ ٦ - فَإِنْ يكُ .............. … ............................ إلخ ٧ - فَإِنْ قُلْتُ هَذَا حِينَ أَسْلُو وَأَجْتَرِي … على هَجْرِهَا ظَلَّتْ لَهَا النَّفْسُ تَشْفَعُ (١) ٨ - ألا تَتَّقِينَ اللهَ فيِ قَتْلِ عَاشِقٍ … لَهُ كَبِدُ حَرَّى عَلَيكِ تَقَطَّعُ ٩ - غَرِيبٌ مَشُوقٌ مُولَعٌ بِادِّكَارِكُمُ … وَكُلُّ غَرِيبِ الدَّارِ بالشَّوْقِ مُولَعُ ١٠ - فَأَصْبَحْتُ مما أَحْدَثَ الدهْرُ مُوجَعًا … وَكُنْتُ لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَخَشَّعُ ١١ - فَيَا رَبِّ حَبِّبنِي إِلَيْهَا وَأَعْطِنِي الـ … ـمَوَدَّةَ منها أَنْتَ تُعْطِي وَتَمْنَعُ ١ - قوله: "بالمداخل" -بفتح الميم، وهو موضع، و "المربع" -بفتح الميم؛ منزل القوم في الربيع خاصة، قوله: "بأجراع الغديرين" الأجراع: جمع جرع -بفتح الجيم والراء، وهي رملة مستوية لا تنبت شيئًا وكذلك والأجرع، قوله: "بلقع" -بفتح الباء الموحدة، قال الجوهري: البلقع والبلقعة: الأرض القفراء التي لا شيء فيها. ٣ - قوله: "شطت" أي: بعدت نواها وهو الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد، وهي مؤنثة فلذلك أنث الفعل المسند إليها. ٦ - قوله: "جثماني" -بضم الجيم، قال الأصمعي: الجثمان: الشخص، وهو إنما يستعمل في بدن الإنسان (٢)، قوله: "سواكم" أي: سوى أرضكم بحذف المضاف. والمعنى: أنه يخبر أنه على المحبة القديمة، وأنه لا يتغير ببعد الدار ولا بطول العهد. الإعراب: قوله: "فإن يك" الفاء للعطف، وإن للشرط، ويك فعل الشرط، وأصله: يكن، فحذفت النون تخفيفًا (٣)، وقوله: "جثماني": اسم يكن، وخبره قوله: "بأرض"، قوله: "سواكم" أي: سوى

стр. 484

أرضكم، والجملة صفة للأرض المذكورة، قوله: "فإنَّ فؤادي … إلخ": جواب الشرط؛ فلذلك دخلت الفاء فيها، وقوله: "فؤادي": اسم إن، وخبره قوله: "عندك"، وقوله: "الدهر" نصب على الظرفية، قوله: "أجمع"- بالرفع: تأكيد للضمير الستكن في: عندك، ولا يجوز أن يكون توكيدًا لفؤادي محمولًا على محله؛ لفصل الأجنبي وهو قوله: "عندك" بخلاف الدهر فإنه ليس بأجنبي، فافهم، وقد يقال: إنه إذا كان تأكيدًا لفؤادي يلزم الفصل بالشيئين، وفي كونه تأكيدًا للضمير المستكن في: "عندك" يلزم الفصل بشيء واحد، وهو أولى [من الأول. الاستشهاد فيه: في قوله: "أجمع" حيث أكد به الضمير المنتقل إلى الظرف وهو قوله: "عندك"] (١)؛ إذ لو لم يكن الضمير منتقلًا من الفعل إليه، لما جاز تأكيده ولا عطف الاسم عليه في قول الشاعر (٢): أَلا يَا نَخْلَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ … عَلَيكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلامُ فإن قوله: "ورحمة الله" عطف على الضمير المستكن في "عليك"، الراجع إلى السلام المتأخر؛ لأنه خبر عنه، فافهم (٣).

стр. 485

الشاهد الخامس والخمسون بعد المائة (١) , (٢) قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ … بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وَقَحْطَانُ أقول: أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. قوله: "ذرا المجد" الذرى -بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء؛ جمع ذروة بالضم -أيضًا- كمدية ومُدى، ومن كسر الذال في المفرد فقياسه ذرى بالكسر -أيضًا- كمرية ومرى، ومن فتح فقياسه: ذَرَى بالفتح -أيضًا- كركوة وركى، وشذ قرية وقُرى، وذِروة كل شيء: أعلاه ومنه: ذِروة السّنام والمجد والكرم، ومنه يقال: رجل مجيد؛ أي: كريم. قوله: "بانوها" (٣) أي: بانوا ذرى المجد، أي: زادوا عليها وتميزوا، يقال: بأنه يبونه ويبينه، قال الجوهري: البون: الفضل والمزية، وهو بضم الباء الموحدة، والبون -بفتح الباء: البعد (٤)، قوله: "بكنه" كنه كل شيء: غايته ونهايته، يقال: أعرفه كنه المعرفة؛ أي: كما ينبغي، وليس لهذه المادة فعل، وقولهم: "لا يكتنه كنهه مولد" (٥)، واستعمله صاحب الكشاف (٦)، ويروى: بصدق ذلك، وهو أظهر (٧). قوله: "عدنان وقحطان" أما عدنان فهو ابن أد بن أدد بن الهميسع بن نبت بن قيذار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵊ وهو والد معد أحد أجداد النبي ﷺ وهو بطن عظيم، ومنه تناسلت عقب عدنان كلهم، وأما قحطان فهو ابن عامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇، واسمه مهزم، قاله ابن ماكولا (٨) ويقال: قحطان هو ابن هود ﵇ (٩)

стр. 486

ويقال: هو هود ﵇، وقيل: أخوه، وقيل: من ذريته، وقيل: قحطان [من سلالة إسماعيل ﵊] (١) بن الهميسع بن تيمن بن قيدار بن نبت بن إسماعيل ﵇ (٢). وفي كتاب التيجان لابن هشام: كان قحطان خليفة أبيه هود ﵇ ووصيه، وتوفي بمأرب، وأوصى ابنه يعرب، وعرب اليمن وهم حِمْيَرٌ كلهم من قحطان (٣). والحاصل: أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين: قحطانية وعدنانية، فالقحطانية شعبان: سبأ وحضرموت، والعدنانية شعبان -أيضًا-: ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان. واختلفوا في قضاعة فقيل: إنهم من عدنان، قال أبو عمرو: وعليه الأكثرون، ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر ﵃، وقيل: إنهم من قحطان، وهو قول ابن إسحاق (٤) والكلبي (٥)، والشاعر يمدح قومه بأنهم حازوا سائر الفضائل حتى إنهم بانوا ذرى المجد والكرم، واشتاع ذلك فيهم حتى علم بذلك سائر العرب العدنانية والقحطانية. الإعراب: قوله: "قومي": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "ذرى المجد": كلام إضافي -أيضًا- مبتدأ ثان، وقوله: "بانوها": خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، فأخبر بـ "بانوها" عن الذرى، وإنما هو في المعنى للقوم لأنهم البانون، ويقال: لا نسلم كون (ذرى) مبتدأً، بل هو مفعول لوصف، حذف على شريطة التفسير، وذلك الوصف هو الخبر، وهو جار على من هو له، والوصف المذكور بدل منه، ونظيره قولك: زيد الخبز أكله، إن نصبت الخبز استتر الضمير، وإن رفعته أبرزت (٦). قوله: "وقد علمت" الواو للقسم، وكلمة قد للتحقيق، وعلمت: فعل ماض، و "عدنان" فاعله، و"قحطان" عطف عليه، والباء في: "بكنه" تتعلق بقوله: "علمت" وذلك إشارة إلى قوله: "قومي ذرى المجد بانوها" والتذكير باعتبار المذكور. الاستشهاد فيه: في قوله: "بانوها" حيث ذكرها بدون إبراز الضمير، حيث لم يقل بانوها هم؛ لأن إبراز

стр. 487

الضمير إنما يكون عند خوف اللبس، ولا لبس ها هنا، فافهم (١). الشاهد السادس والخمسون بعد المائة (٢) , (٣) أَكُلُّ عَامٍ نَعَم تَحْوونَهُ … يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَذْبَحُونَهُ أقول: قائله هو صبي من بني سعد، وبعده: ٢ - أَرْبَابُهُ نُوكَى فَلَا يَحْمُونَهُ … وَلا يُلاقُونَ طِعَانًا دُونَهُ ٣ - وَأنعم الأبْنَاءِ تَحْسَبُونَهُ … هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لما تَرْجُونَهُ وقد قيل: إن اسم الصبي قيس بن الحصين الحارثي، وأصل هذا أن مذحجًا ورئيسهم عبد يغوث بن صلاة اجتمعوا وأقبلوا إلى تميم، فبلغ ذلك بني سعد والرباب ورئيس بني سعد قيس بن عاصم المنقري، ورئيس الرباب النعمان بن جساس -بكسر الجيم وتخفيف السين المهملة، وليس في العرب جساس -بكسر الجيم غير هذا، واستعدوا للحرب وهم على الكلاب -بضم الكاف وتخفيف اللام؛ اسم ماء، فصبحهم مذحج وأغاروا على النعم فطردوها، وجعل رجل يرتجز ويقول (٤): في كل عام نَعَمٌ تَنْتَابُهُ … على الكُلَابِ غُيِّيًا أربَابُهُ فأجابه غلام من بني سعد في النعم على فرس له: عَمَّا قَلِيلٍ سَتُرَى أَرْبَابَهُ … صَلْبَ القناةِ حازمًا شَبَابَهُ (٥) على جياد ضمر غيابه … ........................... فأقبلت (٦) سعد والربابُ إلى القوم فقال صبي منهم حين دنا من القوم:

стр. 488

أَكُلُّ عَامٍ نَعَم تَحْوونَهُ … يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَتَنتجونَهُ إلى آخره، فلم يلتفتوا إليهم واستقبلوا النعم من قبل وجوهها فجعلوا يصرفونها بأرماحهم، واختلط القوم، واقتتلوا قتالًا شديدًا يومهم، حتَّى إذا كان آخر النهار قُتِل النُّعمان بن جساس، قتله رجل من أهل اليمن، كانت أمه من بني حنظلة، يقال له: عبد الله بن كعب، وهو الذي رماه فقال للنعمان حين رماه: خذها وأنا ابن الحنظلية، فقال: ثكلتك أمك، رُبّ حنظلية قد تخاطبني (١)، فذهبت مثلًا فباتوا على القتال، فلما أصبحوا غدوا على القتال، فآخر الأمر قويت بنو سعد والرباب على مذحج فهزموهم أفظع هزيمة، وأخذوا أموالهم وقتلوا منهم رجالًا وسبوا نساءً (٢). قوله: "نعم" بفتحتين؛ واحد الأنعام، وهو المال الراعية، وأكثر ما تقع على الإبل والبقر، قوله: "تحوونه": من حوى يحوي إذا جمع، قوله: "يلقحه": من الإلقاح، يقال: ألقى الفحل الناقة، والريحُ السحابَ. قوله: "وتنتجونه": من النتيج، لا من الإنتاج ولا من النتاج، يقال: نُتِجت الفرس أو الناقة - على بناء ما لم يسم فاعله، تنتج نتاجًا وأنتجها (٣) أهلها نتجًا، وأنتجت الفرس إذا حان نتاجهما، وقال يعقوب: إذا استبان حملها، وكذلك الناقة فهي نتوج، ولا يقال: منتج (٤). والمعنى: أتحوون كل عام نعمًا لقوم ألقحوه وأنتم تنتجونه في حيكم، قوله: "أربابه" أي: أصحابه، و"نوكى" أي: حمقى، وهو جمع أنوك؟ كأحمق يجمع على حمقى، وهما متماثلان وزنًا ومعنى. الإعراب: قوله: "أكل عام" الهمزة للاستفهام الإنكاري، وقوله "نعم": مبتدأ، وخبره مقدمًا قوله: "كل عام"، وهو ظرف زمان، قوله: "تحوونه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، في محل الرفع على أنَّه صفة للنعم، والضمير المنصوب في "تحوونه" يرجع إلى النعم، لا يقال: [النعم] (٥) مؤنث فكيف ذكر الضمير؟ لأن النعم ليس بمؤنث، بل هو اسم مفرد مذكر، قال الفراء: النعم مذكر لا مؤنث (٦)، قوله: "يلقحه قوم" أي: يلقح النعَم قومُ، وقوم: فاعل يلقح، والجملة في محل الرفع على أنها صفة للنعم، وكذلك قوله: "وتنتجونه".

стр. 489

الاستشهاد فيه: في قوله: "أكُلُّ عَام نَعَم" وهو وقوع ظرف الزمان وهو قوله: "كل عام" خبرًا عن الجثة وهو "نعم" وهذا لا يجوز إلا بالتأويل، وتأويل هذا أنَّه محمول على الحذف، تقديره: أكل عام حدوث نعم، والحدوث لكونه مصدرًا، جاز وقوع الزمان خبرًا عنه (١)، وقدره ابن الناظم: أكل عام إحراز نعم (٢)، وقدره بعضهم: أكل عام نهب نعم (٣)، والأحسن: أن يكون نعم فاعل الظرف (٤) لاعتماده، فلا مبتدأ ولا خبر، ومع هذا فلا بد من التقدير -أَيضًا - لأجل المعنى، لا لأجل المبتدأ؛ إذ الذي يحكم له بالاستقرار هو الأفعال لا الذوات، فافهم (٥). الشاهد السابع والخمسون بعد المائة (٦)، (٧) لَوْلا اصْطبَارٌ لأَوْدَى كُلُّ ذِي مِقَةٍ … لَما اسْتَقَلَّتْ مَطَاياهنَّ لِلظَّعْنِ أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. قوله: "لأودى" أي: لهلك يقال: أودى إذا هلك، وهو فعل لازم، قوله: "ذي مقة" أي: ذي محبة، من ومق يمق مقة، أصله: ومق، فلما حذفت الواو اتباعًا لفعله، عوض عنها الهاء؛ كما في: عدة (٨).

стр. 490

قوله: "لما استقلت" ويروى: حين استقلت؛ أي: ارتفعت وانتهضت، و"المطايا": جمع مطية، وهي الناقة التي يركب مطاها؛ أي: ظهرها، و"الظعن" -بفتح تين، الرحيل والسفر، وهو مصدر من ظعن يظعن إذا سار. الإعراب: قوله: "لولا": لربط امتناع التالي لوجود الأول نحو: لولا زيد لهلك عمرو، أي: لولا زيد موجود لهلك عمرو، قوله: "اصطبار": مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: لولا اصطبار موجود أو حاصل، قوله: "لأودى كل ذي مقة": جواب لولا، والسلام مفتوحة، وأودى: فعل ماض، و"كل ذي مقة": كلام إضافي فاعله، وقوله: "لما": ظرف، و"مطايهن": فاعل استقلت، و"للظعن": جار ومجرور، يتعلق بقوله "اسعقلت"، والسلام فيه للتعليل. الاستشهاد فيه: في قوله: "اصطبار" فإنَّه (١) مبتدأ مع أنَّه نكرة، والمسوغ لوقوعه مبتدأ كونه تلو: "لولا" وهو من جملة المخصصات المعدودة (٢). الشاهد الثامن والخمسون بعد المائة (٣)، (٤) بَنُونَا بَنُو أبنائِنا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أبناءُ الرِّجالِ الأبَاعِدِ أقول: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر على ما يأتي الآن، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله. وهو من الطَّويل.

стр. 491

المعنى: بنو أبنائنا مثل بنينا؛ فقدم الخبر وحذف المضاف، وبنو بناتنا أبناء الرجال الأباعد، أي الأجانب. الإعراب: قوله: "بنونا" أصله: بنون لنا؛ فلما أضيف إلى: "نا" المتكلم، سقطت النُّون وصار "بنونا"، وكذلك الكلام في: بنو أبنائنا [فقوله: "بنو أبنائنا": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "بنونا" مقدمًا خبره، والمعنى: بنو أبنائنا] (١) مثل بنينا؛ لأن المراد بالحكم علي بني أبنائهم بأنهم كبنيهم، وليس المراد بالحكم علي بنيهم كبني أبنائهم، قوله: "وبناتنا": كلام إضافي مبتدأ، قوله: "بنوهن": كلام إضافي -أَيضًا - مبتدأ ثان، وقوله: "أبناء الرجال": كلام إضافي -أَيضًا - خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وقوله: "الأباعد": صفة الرجال. الاستشهاد فيه: على جواز تقديم الخبر مع كونه مساويًا للمبتدأ؛ لقيام قرينة دالة على تعيين المبتدأ وتعيين الخبر (٢) وذلك من المعلوم أن المراد ها هنا تشبيه بني الأبناء بالأبناء، لا تشبيه الأبناء بأبناء الأبناء، وقد علم أن الأصل: تقديم المبتدأ على الخبر؛ لأن المبتدأ عامل في الخبر، وحق العامل أن يتقدم كسائر العوامل، ولكن قد يتقدم الخبر على المبتدأ لقيام القرينة التي يتميز بينهما؛ كما في قولك: أبو يوسف أبو حنيفة فقهًا، فإن من المعلوم أن المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، لا تشبيه أبي حنيفة بأبي يوسف [رضي الله تعالى عنهما] (٣) حتَّى لو قيل: أبو حنيفة أبو يوسف فقهًا. لم يخف

стр. 492

المراد -أَيضًا - وكذلك: بنونا بنو أبنائنا (١)، وقد يقال: إنه لا تقديم فيه ولا تأخير وإنه جاء على عكس التشبيه للمبالغة؛ فحينئذ لا استشهاد فيه كقول ذي الرمة غيلان (٢): ورمل كأوراك العذارى قطعته … ......................... وقال الشيخ جمال الدين: كان ينبغي لابن الناظم أن يستدل بما أنشده والده في شرح التسهيل (٣): قَبِيلَةٌ أَلْأَمُ الأَحْيَاءِ أكرَمُهَا … وَأَغْدَرُ النَّاسِ بِالجْيرَانِ وَافِيهَا إذ المراد الإخبار عن أكرمها بأنه ألأم النَّاس وعن وافيها بأنه أغدر النَّاس لا العكس (٤) وفيه شاهدان وهذا البيت لحسان - رضي الله تعالى عنه، وقبله (٥): ١ - أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلاهَا وَأَسْفَلَهَا … أَنْ لَسْتُ هَاجِيهَا إِلا بِمَا فِيهَا ٢ - وَشَرُّ مَنْ يَحْضُرُ الأَمْصَارَ حَاضِرَهُمْ … وَشَرُّ بَادِيَةِ الأَعْرَابِ بَادِيهَا ٣ - تَبلَى عِظَامُهُمْ إما هُمُو دُفِنُوا … تَحْتَ التُّرابِ ولا تَبْلَى مَخَازِيهَا

стр. 493

وفي الأول من هذين البيتين شاهدان -أَيضًا - على ذلك، وأنشد ابن الناظم -أَيضًا - في هذا الباب (١): جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيكَ وقد … يُعْدِي الصحاحَ مباركُ الجُرْبِ "جانيك": خبر، و"من": مبتدأ، ومعناه: الذي تعود جنايته عليك من العاقلة هو الذي يكسبك، و"الصحاح": مفعول، و"مبارك": تمييز عن الفاعل، و"الجرب": فاعل يعدي. والمعنى: قد تعدي الإبل الجرب الإبل الصحاح التي صحت مباركها (٢)، وزعموا أن من خفض الجرب مخطئ، وزعم بعضهم أن ذلك رواية, وهذا عندي جيد، ويكون الشَّاعر أقوى كما أقوى في بيت آخر في القصيدة، والمعنى على ذلك حسن، والبيت لذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، وهو أول من أطال الشعر بعد مهلهل وقبله: يَا كعبُ إنَّ أَخَاكَ مُنْحَمقٌ … فاشْدُدْ إِزَارَ أخيكَ يَا كعبُ وبعده: وَالحرْبُ قَدْ يَضْطَرُّ جَالِبُهَا … نحو المضِيقِ ودونَهُ الرَّحْبُ وَلَرُبَّ مَأْخُوذٍ بذَنْبِ عَشِيرَةٍ … ونَجَي المقَارفُ صَاحِبُ الذَّنْبِ (٣) الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة (٤) , (٥) فَيَا رَبِّ هَلْ إلا بِكَ النَّصْرُ يُرْتَجَى … عَلَيهِم وَهَلْ إلا عَلَيكَ المعُوَّلُ أقول: قائله هو الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، شاعر مقدم، وعالم بلغات العرب، وخبير بأيامها، من شعراء مضر والمتعصبين على القحطانية، وكان

стр. 494

في أيام بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية ومات قبلها، وكان معروفًا بالتشيع لبني هاشم مشهورًا بذلك، وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره. والبيت المذكور من قصيدة طويلة من الطَّويل يرثي فيها زيد بن عليّ، وابنه الحسين بن زيد، ويمدح بني هاشم. ومعنى البيت المذكور: وما النصر على الأعداء يرتجى إلَّا بك ولا المعول -أي الاعتماد إلَّا عليك. الإعراب: قوله: "فيا رب" أصله: يَا ربي، حذفت الياء للضرورة، أو اكتفاء بكسر ما قبلها، وقوله: "هل": نافية، وقوله: "النصر": مبتدأ، وخبره قوله: "بك" وهو يتعلق بـ"يرتجى"، وقوله: "عليهم": يتعلق في المعنى بالنصر، ولكن الصناعة تأباه؛ إذ لا يخبر عن الصدر قبل تمامه بمعموله؛ لئلا يلزم الفصل بالأجنبي، قوله: "المعول": مبتدأ مؤخر، و"عليك": خبر مقدم، وليس لك هنا أن تجيز في: "المعول" الفاعلية، وإن كان الظرف معتمدًا؛ لأن الظرف على هذا التقدير في محله؛ لأنه خلف عن الفعل، وكما لا يجوز: (ما إلَّا قام زيد) كذلك لا يجوز: ما إلَّا في الدار زيد. الاستشهاد فيه: على جواز تقديم الخبر المحصور بإلا للضرورة، وإنما كان حقه أن يقول: وهل النصر يرتجى إلَّا بك وهل المعول إلَّا عليك (١)؟ الشاهد الستون بعد المائة (٢) , (٣) أمُّ الحُليْسِ لَعَجُوزٌ شهربهْ … تَرْضَى من اللَّحم بعظْم الرقبَهْ أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، ونسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروس

стр. 495

وهو الصحيح (١). قوله: "أم الحليس" -بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياءآخر الحروف وفي آخره سين مهملة، قوله: "شهربه" -بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء والباء الموحدة وفي آخره هاء، وهي العجوز الفانية، وكذلك الشهبرة، وقال ابن الأثير: الشهربة والشهبرة: الكبيرة الفانية (٢). الإعراب: قوله: "أم الحليس": مبتدأ، وقوله: "لعجوز": خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي عجوز والجملة خبر المبتدأ الأول، هذا إذا قلنا: اللام فيه للتأكيد، وإذا قلنا: اللام زائدة، تكون أم الحليس مبتدأ، ولعجوز خبره، ولا يُحتاجُ إلى التقدير، وشهربة: صفة العجوز في الحالتين. وقوله: "ترضى" … إلخ صفة أخرى، ومن والباء كلاهما يتعلق بـ"لا ترضى"، ومن بمعنى البدل كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وكما في قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]؛ لأن الملائكة لا تكون من الإنس. والمعنى: ترضى بدل اللحم بعظم الرقبة؛ يعني بلحم عظم الرقبة، والمضاف فيه محذوف. الاستشهاد فيه: في قوله: "لعجوز" وذلك لأن المبتدأ إذا كان مقترنًا بلام الابتداء، يؤكد للاهتمام بأوليته، وتأخيره مُنَافٍ لذلك، وأما اللام ها هنا فقد قلنا: إما زائدة، وإما أن المبتدأ الذي دخلت هي عليه محذوف، والتقدير: لهي عجوز شهربه (٣). الشاهد الحادي والستون بعد المائة (٤) , (٥) عِنْدِي اصْطِبَارٌ وأَمَّا أَنَّنِي جَزِعٌ … يَوْمَ النَّوَى فَلوَجْدٍ كَادَ يَبْرِينِي أقول: لم أقف على قائله، وهو من البسيط.
следующие страницы →