← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المعنى: بنو أبنائنا مثل بنينا؛ فقدم الخبر وحذف المضاف، وبنو بناتنا أبناء الرجال الأباعد، أي الأجانب. الإعراب: قوله: "بنونا" أصله: بنون لنا؛ فلما أضيف إلى: "نا" المتكلم، سقطت النُّون وصار "بنونا"، وكذلك الكلام في: بنو أبنائنا [فقوله: "بنو أبنائنا": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "بنونا" مقدمًا خبره، والمعنى: بنو أبنائنا] (١) مثل بنينا؛ لأن المراد بالحكم علي بني أبنائهم بأنهم كبنيهم، وليس المراد بالحكم علي بنيهم كبني أبنائهم، قوله: "وبناتنا": كلام إضافي مبتدأ، قوله: "بنوهن": كلام إضافي -أَيضًا - مبتدأ ثان، وقوله: "أبناء الرجال": كلام إضافي -أَيضًا - خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، وقوله: "الأباعد": صفة الرجال. الاستشهاد فيه: على جواز تقديم الخبر مع كونه مساويًا للمبتدأ؛ لقيام قرينة دالة على تعيين المبتدأ وتعيين الخبر (٢) وذلك من المعلوم أن المراد ها هنا تشبيه بني الأبناء بالأبناء، لا تشبيه الأبناء بأبناء الأبناء، وقد علم أن الأصل: تقديم المبتدأ على الخبر؛ لأن المبتدأ عامل في الخبر، وحق العامل أن يتقدم كسائر العوامل، ولكن قد يتقدم الخبر على المبتدأ لقيام القرينة التي يتميز بينهما؛ كما في قولك: أبو يوسف أبو حنيفة فقهًا، فإن من المعلوم أن المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، لا تشبيه أبي حنيفة بأبي يوسف [رضي الله تعالى عنهما] (٣) حتَّى لو قيل: أبو حنيفة أبو يوسف فقهًا. لم يخف

стр. 492

المراد -أَيضًا - وكذلك: بنونا بنو أبنائنا (١)، وقد يقال: إنه لا تقديم فيه ولا تأخير وإنه جاء على عكس التشبيه للمبالغة؛ فحينئذ لا استشهاد فيه كقول ذي الرمة غيلان (٢): ورمل كأوراك العذارى قطعته … ......................... وقال الشيخ جمال الدين: كان ينبغي لابن الناظم أن يستدل بما أنشده والده في شرح التسهيل (٣): قَبِيلَةٌ أَلْأَمُ الأَحْيَاءِ أكرَمُهَا … وَأَغْدَرُ النَّاسِ بِالجْيرَانِ وَافِيهَا إذ المراد الإخبار عن أكرمها بأنه ألأم النَّاس وعن وافيها بأنه أغدر النَّاس لا العكس (٤) وفيه شاهدان وهذا البيت لحسان - رضي الله تعالى عنه، وقبله (٥): ١ - أَبْلِغْ هَوَازِنَ أَعْلاهَا وَأَسْفَلَهَا … أَنْ لَسْتُ هَاجِيهَا إِلا بِمَا فِيهَا ٢ - وَشَرُّ مَنْ يَحْضُرُ الأَمْصَارَ حَاضِرَهُمْ … وَشَرُّ بَادِيَةِ الأَعْرَابِ بَادِيهَا ٣ - تَبلَى عِظَامُهُمْ إما هُمُو دُفِنُوا … تَحْتَ التُّرابِ ولا تَبْلَى مَخَازِيهَا

стр. 493

وفي الأول من هذين البيتين شاهدان -أَيضًا - على ذلك، وأنشد ابن الناظم -أَيضًا - في هذا الباب (١): جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيكَ وقد … يُعْدِي الصحاحَ مباركُ الجُرْبِ "جانيك": خبر، و"من": مبتدأ، ومعناه: الذي تعود جنايته عليك من العاقلة هو الذي يكسبك، و"الصحاح": مفعول، و"مبارك": تمييز عن الفاعل، و"الجرب": فاعل يعدي. والمعنى: قد تعدي الإبل الجرب الإبل الصحاح التي صحت مباركها (٢)، وزعموا أن من خفض الجرب مخطئ، وزعم بعضهم أن ذلك رواية, وهذا عندي جيد، ويكون الشَّاعر أقوى كما أقوى في بيت آخر في القصيدة، والمعنى على ذلك حسن، والبيت لذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم، وهو أول من أطال الشعر بعد مهلهل وقبله: يَا كعبُ إنَّ أَخَاكَ مُنْحَمقٌ … فاشْدُدْ إِزَارَ أخيكَ يَا كعبُ وبعده: وَالحرْبُ قَدْ يَضْطَرُّ جَالِبُهَا … نحو المضِيقِ ودونَهُ الرَّحْبُ وَلَرُبَّ مَأْخُوذٍ بذَنْبِ عَشِيرَةٍ … ونَجَي المقَارفُ صَاحِبُ الذَّنْبِ (٣) الشاهد التاسع والخمسون بعد المائة (٤) , (٥) فَيَا رَبِّ هَلْ إلا بِكَ النَّصْرُ يُرْتَجَى … عَلَيهِم وَهَلْ إلا عَلَيكَ المعُوَّلُ أقول: قائله هو الكميت بن زيد بن خنيس بن مجالد بن وهيب بن عمرو بن سبيع بن مالك بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، شاعر مقدم، وعالم بلغات العرب، وخبير بأيامها، من شعراء مضر والمتعصبين على القحطانية، وكان

стр. 494

في أيام بني أمية، ولم يدرك الدولة العباسية ومات قبلها، وكان معروفًا بالتشيع لبني هاشم مشهورًا بذلك، وقصائده الهاشميات من جيد شعره ومختاره. والبيت المذكور من قصيدة طويلة من الطَّويل يرثي فيها زيد بن عليّ، وابنه الحسين بن زيد، ويمدح بني هاشم. ومعنى البيت المذكور: وما النصر على الأعداء يرتجى إلَّا بك ولا المعول -أي الاعتماد إلَّا عليك. الإعراب: قوله: "فيا رب" أصله: يَا ربي، حذفت الياء للضرورة، أو اكتفاء بكسر ما قبلها، وقوله: "هل": نافية، وقوله: "النصر": مبتدأ، وخبره قوله: "بك" وهو يتعلق بـ"يرتجى"، وقوله: "عليهم": يتعلق في المعنى بالنصر، ولكن الصناعة تأباه؛ إذ لا يخبر عن الصدر قبل تمامه بمعموله؛ لئلا يلزم الفصل بالأجنبي، قوله: "المعول": مبتدأ مؤخر، و"عليك": خبر مقدم، وليس لك هنا أن تجيز في: "المعول" الفاعلية، وإن كان الظرف معتمدًا؛ لأن الظرف على هذا التقدير في محله؛ لأنه خلف عن الفعل، وكما لا يجوز: (ما إلَّا قام زيد) كذلك لا يجوز: ما إلَّا في الدار زيد. الاستشهاد فيه: على جواز تقديم الخبر المحصور بإلا للضرورة، وإنما كان حقه أن يقول: وهل النصر يرتجى إلَّا بك وهل المعول إلَّا عليك (١)؟ الشاهد الستون بعد المائة (٢) , (٣) أمُّ الحُليْسِ لَعَجُوزٌ شهربهْ … تَرْضَى من اللَّحم بعظْم الرقبَهْ أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، ونسبه الصاغاني في العباب إلى عنترة بن عروس

стр. 495

وهو الصحيح (١). قوله: "أم الحليس" -بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون الياءآخر الحروف وفي آخره سين مهملة، قوله: "شهربه" -بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء والباء الموحدة وفي آخره هاء، وهي العجوز الفانية، وكذلك الشهبرة، وقال ابن الأثير: الشهربة والشهبرة: الكبيرة الفانية (٢). الإعراب: قوله: "أم الحليس": مبتدأ، وقوله: "لعجوز": خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هي عجوز والجملة خبر المبتدأ الأول، هذا إذا قلنا: اللام فيه للتأكيد، وإذا قلنا: اللام زائدة، تكون أم الحليس مبتدأ، ولعجوز خبره، ولا يُحتاجُ إلى التقدير، وشهربة: صفة العجوز في الحالتين. وقوله: "ترضى" … إلخ صفة أخرى، ومن والباء كلاهما يتعلق بـ"لا ترضى"، ومن بمعنى البدل كما في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وكما في قوله تعالى: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]؛ لأن الملائكة لا تكون من الإنس. والمعنى: ترضى بدل اللحم بعظم الرقبة؛ يعني بلحم عظم الرقبة، والمضاف فيه محذوف. الاستشهاد فيه: في قوله: "لعجوز" وذلك لأن المبتدأ إذا كان مقترنًا بلام الابتداء، يؤكد للاهتمام بأوليته، وتأخيره مُنَافٍ لذلك، وأما اللام ها هنا فقد قلنا: إما زائدة، وإما أن المبتدأ الذي دخلت هي عليه محذوف، والتقدير: لهي عجوز شهربه (٣). الشاهد الحادي والستون بعد المائة (٤) , (٥) عِنْدِي اصْطِبَارٌ وأَمَّا أَنَّنِي جَزِعٌ … يَوْمَ النَّوَى فَلوَجْدٍ كَادَ يَبْرِينِي أقول: لم أقف على قائله، وهو من البسيط.

стр. 496

قوله: "جزع" -بفتح الجيم وكسر الزاي المعجمة: صفة من الجزع -بفتحتين، وهو نقيض الصبر، وقد جزع بالشيء- بالكسر، وأجزعه غيره، قوله: "يوم النوى" أي: يوم البعد والفراق، و"الوجد": هو شدة الشوق، قوله: "يبريني": من بريت القلم إذا نحته، وأصله من البري وهو القطع، يقال: برت الإبل إذا هزلت وأخذت من لحمها. الإعراب: قوله: "عندي اصطبار": جملة من المبتدأ المؤخر وهو اصطبار والخبر القدم وهو الظرف، أعني: عندي، قوله: "وأما أنني جزع" أما: حرف شرط وتفصيل وتوكيد، [أما أنها شرط فبدليل لزوم الفاء بعدها وهي قوله: "فلوجد"، وأما أنها تفصيل] (١) فظاهر، وأن -بفتح الهمزة من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "في": اسمه، و"جزع": خبره، قوله: "فلوجد" الفاء للجواب والسلام للتعليل، وقوله: "كاد يبريني": جملة وقعت صفة لوجد. الاستشهاد فيه: في قوله: "وأما أنني جزع" وذلك أن المبتدأ إذا كان (أن المفتوحة وصلتها) يجب تقديم المبتدأ خوفًا من التباس المكسورة بالفتوحة، وخوف (٢) التباس أن المصدرية بالتي بمعنى لعل، فإن ابتدئ بأن وصلتها بعد أما، لم يلزم تقديم الخبر، بل يجوز التقديم والتأخير كما في البيت المذكور (٣). الشاهد الثاني والستون بعد المائة (٤) , (٥) أَهَابُكِ إِجْلالًا وَمَا بِكِ قُدْرَةٌ … عَلَيَّ وَلَكِن مِلْءُ عَينٍ حَبِيبُها أقول: قائله هو نصيب بن رباح الأكبر، وكان عبدًا أسود لرجل من أهل القرى فكاتب

стр. 497

على نفسه ثم أتى عبد العزيز بن مروان (١) فمدحه فوصله عبد العزيز بن مروان وأدى عنه ما كاتب عليه فصار له ولاؤه، فقال قوم: إنه من بني قضاعة، وكانت أمه أَمةً سوداء فوقع عليها سيدها فاستولدها (٢) نصيبًا، فاستعبده عمه بعد موت أَبيه وباعه من عبد العزيز بن مروان، وقيل: كان من أهل ودان عبد لرجل من كنانة، هو وأهل بيته وكان عفيفًا، لم يتشبب قط إلَّا بامرأته، وكان أهل البادية يدعونه بالنصيب تفخيمًا له، وسمي نصيبًا؛ لأنه لما ولد قال سيده: ائتونا بمولودنا هذا ننظر إليه، فلما أتي به قال: إنه لنصيب الخلق فسمي نصيبًا، ويكنى أَبا محجن، وقيل: أَبا الحجناء. وكان شاعرًا إسلاميًّا حجازيًّا من شعراء بني مروان (٣)، وفيهم نصيب آخر يسمى نصيبًا الأصغر وهو مولى المهدي، وهو عبد نشأ باليمامة واشتري للمهدي في حياة المنصور، فلما سمع شعره قال: والله ما هو بدون نصيب مولى بني مروان؛ فأعتقه وزوجه أمة له يقال لها: جعفرة، وكناه أَبا الحجناء، وأقطعه ضيعة بالسواد، وعفر بعده، وإنما ذكرناه فرقًا بينهما؛ لأنه يشتبه على كثير من النَّاس، وبعد البيت المذكور: وما هَجَرَتْكِ النفْسُ يَا ليلَ أَنَّهَا … قَلَتْك وَلا أَنْ قَلَّ مِنْكِ نَصِيبُهَا ولكنهُم يَا أَمْلَحَ النَّاس أولِعُوا … بقولٍ إذَا مَا جِئْتُ هَذَا حَبِيبُهَا وهي من الطَّويل والقافية متدارك. قوله: "أهابك": من هابه يهابه هيبةً ومهابةً، وهي الإجلال والخافة، والإجلال: التعظيم؛ من أجله إذا عظمه، والمعنى: أهابك لا لاقتدارك عليّ، ولكن إعظامًا لقدرك؛ لأن العين تمتلئ ممن تحبه فتحصل المهابة، والضمير في: "حبيبها" للعين، وإن جعلتها للمرأة جاز كما قاله الخطيب التبريزي (٤) , (٥). قوله: "وما هجرتك النفس … إلخ" ويروى: وما هجرتك النفسُ أنك عندها … قليل ولكنْ قَل منك نصيبُها

стр. 498

وهكذا رواه [أبو زكريا] (١) الخَطيب التبريزي وغيره (٢)، قوله: "قلتك" من قلاه إذا بغضه. الإعراب: قوله: "أهابك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "إجلالًا" من قبيل قولك: "قعدت جلوسًا" (٣)؛ لأن معنى: أهابك إجلالًا: أجلك؛ فيكون نصبًا على أنَّه مفعول مطلق، وإنما نصب على التعليل، أي أهابك لأجل إجلالك وتعظيمك، وقد قيل: ويجوز أن يكون في موضع الحال (٤)، قوله: "وما بك قدرة": جملة حالية، قوله: "ولكن"- بسكون النُّون فلذلك لم يعمل، قوله: "ملء عين": كلام إضافي خبر مقدم، وقوله: "حبيبها": مبتدأ مؤخر. الاستشهاد فيه: حيث يجب تأخير المبتدأ؛ إذ لو تقدم (٥) يلزم عود الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبةً، وذلك لا يجوز (٦)، وإنما يتم هذا الاستشهاد على ما هو المشهور، من أنَّه إذا اجتمعت نكرة ومعرفة كانت المعرفة هي المبتدأ مطلقًا (٧)، وأما على ما يراه سيبويه من أن النكرة إذا كانت مقدمة وكان لها مسوغ كانت هي المبتدأ فلا, ولهذا قال في: كم جريبًا أرضك؟ بأن كم مبتدأ (٨)، وبقوله قال أبو الفتح في البيت فأعرب: "ملء عين": مبتدأ و"حبيبها": خبرًا (٩).

стр. 499

الشاهد الثالث والستون بعد المائة (١) , (٢) فَقَالتْ حَنَانٌ مَا أَتَى بِكَ هَا هُنَا … أَذُو نَسَبٍ أَمْ أَنْتَ بِالحيِّ عَارِفُ أقول: أنشده سيبويه في كتابه، ولم يعزه إلى أحد، وقال: سمعت عن بعض العرب الموثوق بهم ينشده. وهو من الطَّويل. قوله: "فقالت" أي: المرأة المعهودة، قوله: "حنان" -بفتح الحاء وتخفيف النُّون، أي: رحمة، يقال منه: حنَّ عليه يحنُّ حنينًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم: ١٣] والحي: واحد أحياء العرب، قوله: "عارف": من عرف بالفاء. الإعراب: قوله: "فقالت": جملة من الفعل وفاعله وهو المستتر فيه، قوله: "حنان": خبر مبتدأ محذوف أي: أمري حنان، والأصل: أَتحنن عليك حنانًا، أي: أرحمك وأشفق عليك، ثم حذف الفعل فبقي المصدر المنصوب وهو (حنانًا) ثم رفع؛ لأن في الرفع تصيير الجملة اسمية، وفي النصب هي فعلية، والاسمية أدل على الثبوت والدوام من الفعلية، فلذلك عدل عنها إلى الاسمية، فلما رفع قدر له مبتدأ وهو قولنا: أمري حنان. قوله: "مما": استفهام، أي: أي شيء أتى بك ها هنا؟ يعني: عندنا، قوله: "أذو نسب؟ " الهمزة فيه للاستفهام -أَيضًا- و"ذو نسب": كلام إضافي خبر مبتدأ محذوف، أي: أَنْتَ ذو نسب أم أَنْتَ بالحي عارف؟ وحاصل المعنى: لأي شيء جئت ها هنا؟ ألك نسب ها هنا؟ تعني: قرابة جئت لهم أم لك معرفة بالحي؟ وإنما قالت ذلك خوفًا عليه ورحمة من جهة الحي، فافهم، قوله: "أَنْتَ": مبتدأ، قوله: "عارف": خبره، "بالحي": يتعلق بعارف. الاستشهاد فيه: في قوله: "حنان" فإنَّه حذف منه المبتدأ -كما قلنا- حذفا واجبًا كما ذكرنا من المعنى،

стр. 500

وأما الحذف في قوله: "أذو نسب" ليس بواجب لشيء، فافهم (١). الشاهد الرابع والستون بعد المائة (٢) , (٣) يُذِيبُ الرُّعْبُ مِنْهُ كُل عَضُبٍ … فَلَوْلَا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا أقول: قائله هو أبو العلاء أَحْمد بن عبد الله بن سليمان بن محمَّد بن سليمان بن أَحْمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحرث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النُّعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن جذيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة التنوخي العري اللغوي الشَّاعر التضلع بالفنون من الأدب، صاحب التصانيف الكثيرة، ولكن تكلم فيه العلماء من جهة اعتقاده. وكان قد عمي من الجدري، ولد يوم الجمعة لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاث مائة بالعرة، وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة (٤) سنة، تُوفِّي يوم الجمعة لثلاث بقين من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وأربعمائة بالعرة، ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينًا؛ لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين، وهم لا يأكلون؟ كيلا يذبحوا الحيوان؛ ففيه تعذيب له، وهم لا يدون بالإِيلام مطلقًا في جميع الحيوانات. والبيت المذكور من أول قصيدة لامية وهي طويلة من الوافر، وهي أول قصائد كتابه المسمى سقط الزند، وأولها هو قوله: ١ - أَعَنْ وَخْدِ القِلَاصِ كَشَفْتِ حَالًا … وَمِنْ عِنْدَ الظَّلامِ طَلَبْتِ مَالا ٢ - وَدُرًّا خِلْتِ أَنْجُمَهُ عَلَيهِ … فَهَلَّ خِلْتِهُنَّ بِهِ ذُبَالا ٣ - وَقُلْتِ الشمْسُ بِالبَيدَاءِ تِبْرٌ … وَمِثْلُكِ مَنْ تَخَيَّلَ ثُمَّ خَالا

стр. 501

٤ - وَفي ذَوْب اللُّجَينِ طَمعْتَ لَمَّا .. رَأَيْتِ سَرَابَهَا يَغْشَى الرِّمَالا ٥ - رَمَاكِ الله مِنْ فُوقِ بَرُوقٍ … من السَّنَوَاتِ تُشْكِلُكَ الإِفَالا ٦ - فَقَدْ أَكَثَرْتِ نُقلَتَنَا وَكَانَتْ … صِغَارُ الشهْبِ أَسْرَعَهَا انْتِقَالا ٧ - تذَكرُكِ الثَّويةَ من ثُدَيٍّ … ضَلَالٌ مَا أَرَدْتِ بِهِ ضَلَالا إلى أن قال: ٨ - إِذَا بُصِرَ الأَمِيرُ وَقَدْ نَضَاهُ … بِأَعْلَى الجَوِّ ظُن عَلَيهِ آلا ٩ - وَدَبَّتْ فَوْقَهُ حُمْرُ المنَايَا … وَلَكِنْ بَعْدَمَا مُسِخَتْ نمَالا ١٠ - يُذِيبُ الرُّغبُ مِنْهُ كُلّ عَضُبٍ .. فَلَوْلَا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا ١١ - وَمَن يَكُ ذَا خَلِيلٍ غَيْرِ سَيفٍ … يُصَادِفُ في مَوَدَّتَهُ اخْتِلالا ١٢ - وَذي ظَمَإ ولَيسَ بِهِ حَيَاةٌ … تيَقَّنَ طَولَ حَامِلِهِ فَطَالا ١٣ - تَوَهَّمَ كلَّ سَابِغَةٍ غَدِيرًا … فَرَنَّقَ يَشْرَبُ الحلَقَ الدِّخَالا ١ - قوله: "أعن وخد" الوخد -بفتح الواو وسكون الخاء المعجمة وفي آخره قال مهملة؛ ضرب من السير، و"القلاص": جمع قلوص، وهي الشابة من النوق، وهي من الإبل مثل الجارية من بني آدم. ٢ - و"الذبال" -بضم الذال المعجمة، وهي الفتيلة. ٣ - قوله: "بالبيداء" -بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وهي المفازة، و"التبر"- بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الباء الموحدة، وهو ما كان من الذهب غير مضروب، قوله: "تخيل" أي: توهم، قوله: "خالا" من خال الشيء يخيل خيلًا ومخيلةً وخيلولةً إذا ظن، وفي المثل: "من يسمع يخل" (١) وهو من باب ظننت وأخواتها. ٤ - قوله: "اللجين" -بضم اللام وفتح الجيم؛ وهو الفضة، جاء هكذا مصغرًا كالثريا والكميت. ٥ - قوله: "من فوق بروق" الفوق -بضم الفاء: موضع الوتر من السهم، ويجمع على أفواق، و"البروق" -بضم الراء: الشدائد، و"السنوات": جمع سنة، وهي الجدب، و"الإفال"- بكسر الهمزة، جمع إفيل، وهو ولد الإبل، قال الجوهري: الأفال والأفائل: صغار الإبل بنات الخاصِّ ونحوها، واحدها إفيل، والأنثى إفيلة (٢).

стр. 502

٦ - قوله: "صغار الشهب" -بضم الشين المعجمة؛ وهي كالقمر وعطارد وسيرهما في الفلك أسرع من سير غيرهما. ٧ - قوله: "الثوية" -بفتح الثاء المثلثة وكسر الواو وفتح الياء آخر الحروف المشددة، وهي موضع بقرب الكوفة، و"ثدي" -بضم الثاء المثلثة وفتح الدال وتشديد الياء آخر الحروف، وهو موضع بالشَّام. ٨ - قوله: "وقد نضاه" الضمير يرجع إلى السيف فيما قبله، يقال: نضى سيفه؛ أي: سفه، وكذلك انتضاه، و"الآل": الشخص. ٩ - وأراد بـ "حمر المنايا" السيوف القاطعة، قوله: "نمالا" بكسر النُّون. ١٠ - قوله: "يذيب" من أذاب [الشيء] (١) إذابة، والإذابة إسالة الحديد ونحوه من الجوامد، و"الرعب": الفزع والخوف، و"العضب" -بفتح العين المهملة وسكون الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة، وهو السيف القاطع، و"الغمد" -بكسر الغين المعجمة وسكون الميم، وهو غلاف السيف، قوله: "لسالا": فعل ماضٍ من السيلان، والسلام فيه للتأكيد، والألف للإطلاق، ومعناه: إن سيف هذا المدوح تهابه السيوف؛ كما أن الممدوح تهابه الرجال، حتَّى إن السيوف يذوب حديدها، فلولا أن أغمادها تمسكها لسالتُ لذوبانها من فزعها منه. ١٢ - قوله: "وذي ظمأ" أي: عطش، وأراد به الرمح، و"الطول" بفتح الطاء: مصدر طالت يده بالعطاء طولًا. ١٣ - قوله: "فرنق": من رنّقت الماء ترنيقًا؛ أي: كدرته، قوله: "الحلق الدخالا" بكسر الدال وتخفيف الخاء المعجمة، والدخال في الورد أن يشرب البعير ثم يرد من العطش إلى الحوض، ويدخل بين بعيرين عطشانين ليشرب منه ما عساه لم يكن يشرب. الإعراب: قوله: "يذيب": فعل مضارع، و"الرعب": فاعله، قوله: "منه": حال من الرعب، و"كل عضب": كلام إضافي مفعول لقوله: "يذيب"، قوله: "الغمد": مبتدأ، وقوله: "يمسكه": خبره، وقد يقال: إن الخبر محذوف، "ويمسكه": بدل اشتمال على أن الأصل: أن يمسكه، ثم حذف (٢) أن وارتفع الفعل، ويقال: يمسكه: جملة معترضة، ويقال: جملة وقعت حالًا من الخبر المحذوف، وفيه نظر؛ لأنهم لا يذكرون الحال بعد لولا فافهم (٣)، قوله: "لسالا": جواب لولا.

стр. 503

ثم اعلم أن البيت إنما ذكروه للتمثيل لا للاستشهاد؛ لأن المعري لا يحتجُّ بشعره كما ذكره أبو علي الفارسيّ في الإيضاح من أشعار حبيب (١) على وجه التمثيل، ومع هذا لا يحتج بشعره (٢) فإذا كان حبيب لا يحتج بشعره وهو أعلى طبقة من المعري، فأحرى أن لا يحتج بشعر المعري. وجه التمثيل: أنَّه ذكر الخبر بعد لولا؛ فإنَّه في مثل هذا الموضع يجوز ذكر الخبر وتركه؛ فإنَّه لو قال: لولا الغمد لسال، على تقدير: لولا الغمد يمسكه، صح الكلام والمعنى، ولكنه اختار ذكر الخبر دفعًا لإبهام تعليق الامتناع على نفس الغمد بطريق المجاز، وقد خطأ بعضهم أَبا العلاء المعري في هذا؛ حيث أثبت الخبر بعد لولا (٣) والمُخَطِّيُّ مُخْطِيٌّ لما ذكرنا. الشاهد الخامس والستون بعد المائة (٤) تَمنَّوْا لِيَ المَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى … وَكُل امْرِئٍ والمَؤتُ يَلْتَقِيَانِ أقول: قائله هو الفرزدق، وقد ترجمناه، وقبله: لَشَتَّانَ مَا أَنْوي وَيَنْوي بَنُو أَبِي … جَمِيعًا فَمَا هَذَانِ مُسْتَوَيانِ وهما من الطَّويل. قوله: "تمنوا": من التمني، قوله: "يشعب" -بفتح العين؛ أي: يفرق، يقال: شعبة- بالتخفيف إذا فرقه، وفي الحديث: "ما هذه الفتيا التي شعبت بها النَّاس". والمعنى: أن هؤلاء تمنوا لأجلي الموت الذي يفرق الفتى عن إخوانه أو عن أهله، أو عن أولاده، ولا بد لكل امرئ أن يلقى الموت، وفي معناه: ما روي عن الإِمام الشَّافعيّ (٥) -

стр. 504

رضي الله تعالى عنه - (١): تمنى رجالٌ أن أموتَ وإن أَمُتْ … فتلكَ سبيل لستُ فيها بأوحدٍ (٢) الإعراب: قوله: "تمنوا": فعل وفاعل، و"الموت": مفعوله، و"لي": جار ومجرور يتعلق بـ "تمنوا"، و"الذي": موصول، و"يشعب الفتى": جملة صلته، والوصول مع صلته صلة للموت، قوله: "وكل امرئ": كلام إضافي مبتدأ، و"الموت": عطف عليه، و"يلتقيان": خبره. الاستشهاد فيه: في قوله: "وكل امرئ والموت يلتقيان" حيث أثبت فيه ذكر خبر المبتدأ المعطوف عليه بالواو، ولأن (٣) الواو ليست صريحة في المصاحبة فلم يجب الحذف، وأما إذا كانت الواو صريحة للمصاحبة فلا يجوز في مثل هذا إظهار الخبر نحو: كل ثوب وقيمته، وكل عامل وعمله، وذلك لأن الواو وما بعدها قاما مقام مع وسدا مسد الخبر (٤). الشاهد السادس والستون بعد المائة (٥) , (٦) لكَ العِزُّ إِنْ مَوْلَاكَ عَزَّ وَإنْ يُهَنْ … فأنتَ لدى بُحْبُوحَةِ الهُونِ كَائِنُ أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل. قوله: "مولاك" الولى يجيء لمعان كثيرة: الحليف والرب والمالك والسيد والمنعم والمعتق والمحب والتابع والجار وابن العم والصهر والعبد والمنعم عليه، ويضاف كل واحد إلى ما يقتضيه، والظاهر أن المراد ها هنا الحليف، أو التابع، قوله: "وإن يهن": على صيغة المجهول، قوله:

стр. 505

"بحبوحة" -بضم الباء الموحدة، وبحبوحة كل شيء: وسطه، وكذا بحبوحة الدار: وسطها، يقال: بحبح إذا تمكن وتوسط المنزل والمكان، و"الهون" -بضم الهاء: الذل والهوان. الإعراب: قوله: "العز": مبتدأ، و"لك" مقدم عليه: خبره، و"إن": حرف شرط، و"مولاك": كلام إضافي مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر تقديره: إن [عز] (١) مولاك عز، قوله: "وإن يهن" -أَيضًا - حرف شرط والضمير فيه يرجع إلى المولى، قوله: "فأنت": مبتدأ وقوله: "كائن": خبره، والجملة جواب الشرط. فإن قلتَ: أين جواب إن الأولى؟ قلت: محذوف دل عليه قوله: "لك العز"، التقدير: إن عز مولاك ذلك العز، وإن يهن فأنت مهان، وقوله: "لدى بحبوحه الهون": معترض بين المبتدأ والخبر، و"لدى": نصب على الظرف (٢) مضاف إلى بحبوحة الهون، والتقدير: أَنْتَ كائن عند بحبوحة الذل والهون. الاستشهاد فيه: في قوله: "كائن" حيث صرح بذكره وهو خبر شذوذًا، وذلك لأن الأصل إذا كان الخبر ظرفا أو مجرورًا يكون كل منهما متعلقًا بمحذوف واجب الحذف نحو: زيد عندك، وزيد في الدار، والأصل: زيد استقر عندك واستقر في الدار، أو مستقر على الوجهين (٣)، وإبرازه كما في

стр. 506

البيت المذكور شاذ، وصرح ابن جني (١) بجواز إظهاره لكونه أصلًا، فافهم (٢). الشاهد السابع والستون بعد المائة (٣) , (٤) فَأَقْبَلْتُ زَحْفًا عَلَى الرُّكبَتَيِن … فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدة رائية، وهي طويلة من التقارب، وقد سقناها جميعها فيما مضى في أوائل الكتاب (٥)، قوله: "فأقبلت زحفا على الركبتين" ويروى: فلَمَّا دَنَوْتُ تَسَدَّيْتُهَا … فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْب أَجُرُّ وإنما جر الثوب لئلا يرى أثر قدميه فيعرف؛ لأن القايف يتبين ذلك، ويقال: فعل ذلك من الخوف، وقال أبو حاتم: لبست ثوبًا وجررت آخر، قوله: "تسديتها" أي: علوتها وركبتها، يقال: تسدى فلان فلانًا إذا أخذه من فوقه. الإعراب: قوله: "فأقبلت" الفاء للعطف على ما قبله "وأقبلت": فعل وفاعل، قوله: "زحفًا" إما حال بمعنى: مزاحفًا وإما مصدر لفعل محذوف تقديره: فأقبلت أزحف زحفا، و"على الركبتين" متعلق بقوله: زحفا، قوله: "فثوب": مبتدأ، وخبره قوله: "لبست" والأصل لبسته، وكذلك "ثوب أجر"، أي: أجره، وهو أَيضًا - مبتدأ وخبره.

стр. 507

الاستشهاد فيه: في قوله: "فثوب" حيث وقع مبتدأ وهو نكرة لكون القصد بها إلى التنويع، وهو من جملة المخصصات المعدودة (١). الشاهد الثامن والستون بعد المائة (٢) , (٣) سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذ بَدَا … مُحَياكَ أَخْفَى ضَوْؤهُ كُل شَارِقٍ أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطَّويل. قوله: "سرينا": من السرى، وهو (٤) يتصحف بشربنا من الشراب، قوله: "أضاء" أي: أنار، قوله: "فمذ بدا"، أي: ظهر ولاح، "محياك" أي: وجهك، قوله: "كل شارق" الشارق: يطلق على كل شيء [يشرق] (٥) أي يضيء؛ من الشَّمس والقمر والنجوم وغير ذلك. الإعراب: قوله: "سرينا": جملة من الفعل والفاعل، والواو في: "ونجم" للحال، "ونجم": مبتدأ، و"أضاء": خبره، قوله: "فمذ": ظرف مضاف إلى الجملة التي بعده، وقيل: مضاف إلى زمن مضاف إلى الجملة، و" بدا": فعل ماض، و"محياك": فاعله، والجملة وقعت مضافة إلى مذ، و"مذ": في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "أخفى ضوؤه" والتقدير: فمذ بُدُوّ محياك أخفى ضوؤه، أو فمذ وقت بدو محياك أخفى ضوؤه، وارتفاع (ضوؤه) بقوله: أخفى، وقوله: "كل شارق": كلام إضافي مفعول أخفى.

стр. 508

الاستشهاد فيه: في قوله: "ونجم" حيث وقع مبتدأ وهو نكرة، والمسوغ لذلك هو وقوعه بعد واو الحال، فافهم (١). الشاهد التاسع والستون بعد المائة (٢) , (٣) مُرَسَّعَةٌ بَينَ أَرْبَاعِهِ … بِهِ عَسَمٌ يَبتَغِي أَرْنَبا أقول: قائله هو امرؤ القيس بن مالك النميري، وقد قال بعضهم: إن هذا لامرئ القيس بن حجر الكندي (٤). وقال أبو القاسم الآمدي (٥) (صاحب المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء) (٦): هذا ليس بصحيح، والصحيح هو الأول. قلت: هذا مثبت في ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي، وقال في شرحه: وهو رواية أبي عبيدة والأصمعي. وقال أبو سعيد: قرأتها على أبي حاتم والزيادي جميعًا (٧)، وذكره الأعلم (٨) فيما جمعه من القصائد المختارة للستة؛ أحدهم امرؤ القيس بن حجر الكندي (٩). وهو من قصيدة بائية من الوافر، وأولها هو قوله: ١ - أيَا هِنْدُ لا تَنْكِحِي بُوهَة … عَلَيهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبا ٢ - مُرَسَّعَةٌ بَين أَرْسَاغِهِ … بِهِ عَسَمٌ يَبتَغِي أَرْنَبا ٣ - لِيَجْعَلَ فيِ سَاقِهِ كَعْبَهَا … حِذَارَ المنَيةِ أَنْ يَعْطَبا

стр. 509

٤ - فَلَسْتُ بخِزرَافَةٍ في القُعُودِ … وَلَسْتُ بطَيَّاخَةٍ أَخْدَبا ٥ - وَلَسْتُ بِذِي رَيْثَةِ إمَّرٍ … إِذَا قيدَ مُسْتَكْرَهًا أَصْحَبا ٦ - وَقَالتْ بِنَفْسِي شَبَابٌ لَهُ … ولِمَّتُهُ قَبلَ أَنْ يَشجُبا ٧ - إِذْ هيَ سَوْدَاءُ مثل الجَنَا … حِ تَغْشَى المطَانِبَ والمنَكِبا ٨ - فَلَمَّا انْتَحَيتُ بِعَيرَانَة … أشَبِّهُهَا قطمًا مصعَبا ٩ - تُجَاوبُ أَصْوَاتَ أَنيَابِهَا … كَمَا رعتْ فِي الضَّالة الأَخْطَبا ١٠ - كأكْدر مُلْتَئِمٍ خلقهُ … تَرَاهُ إِذَا مَا عدا تَالِبَا ١ - قوله: "أيا هند" هي أخت امرئ القيس، يقول لها: لا تتزوجي رجلًا هو في الرجال مثل البوهة؛ وهي البومة العظيمة، قال الأعلم: البوهة: البومة العطمة تضرب مثلًا للرجل الذي لا خير فيه ولا عقل له، وهو [بضم] (١) الباء الموحدة وسكون الواو وفتح الهاء وفي آخره تاء (٢)، وقال أبو حاتم: رجل بوهة: لا خير فيه، وقال أبو عمرو: البومة الصغيرة يشبه بها الرَّجل الأحمق (٣). قوله: "عقيقته" أي: شعره الذي خرج به من بطن أمه، أراد أنَّه لا يطلي ولا يحلق شعره ولا يتنظف، قوله: "أحسبا" بالحاء والسين المهملتين، وهي من الحسبة، وهي صهبة تضرب إلى العمرة، وهي مذمومة عند العرب، وقال في شرح الديوان: الأحسب: الأحمر في سواد، والحسبة: الحمرة في سواد (٤). ٢ - قوله: "مرسعة" قال الأعلم: المرسعة مثل المعاذة، كان الرَّجل من جهلة العرب يعقد بين أرساغه معاذة مخافة أن يموت أو يصيبه النبلاء (٥)، ويقال: مرسعة ومرصعة، والتقدير: بين أرساغه مرصعة (٦). وقال غيره: المرسعة: التميمة يجعلها في رسغه، والمرصع أن يخرق سيرًا ثم يدخل فيه طرف سير كنحو سيور المصاحف (٧). قلت: هو بضم الميم وفتح الراء وفتح السين المشددة ويقال: بكسر السين، وهو مثل المرسع

стр. 510

اسم فاعل ولكنه أدخل الهاء للمبالغة كعلامة؛ وهو الذي يجعل التميمة في رسغه (١). قوله: "بين أرباعه" ويروى: وسط أرباعه، ويروى: بين أرساغه، ويروى: بين أرباقه. والمعنى: على رواية أرباعه: أنَّه ملازم أرباعه، أي: منازله، لا يسافر ولا يغزو ولا يهتدي لخيره فهو يرسغ تميمة يجعلها في رسغه يتعوذ بها. والمعنى: على رواية أرساغه ظاهر، والأرساغ: جمع رسغ. والمعنى: على رواية أرباقه أنَّه يرسغ على الأرباق، وهي حبال فيها عدة عرى، والواحد رِبق - بكسر الراء وسكون الباء الموحدة. ق وله: "عسم" -بفتح العين والسين المهملتين؛ وهو يبس في الرسغ، وزيغ يقال: يد عسماء، وقال الأعلم: العسم: اعوجاج في الرسغ ويبس (٢)، قوله: "يبتغي" أي: يطلب، و"الأرنب": حيوان مشهور من خصائصه أنَّه يحيض بين سائر الحيوانات، وألفه زائدة. ٣ - قوله: "حذار المنية" أي: خوف الموت، وقال الأصمعيّ: كانت الجاهلية إذا وقعت الأوباء علقوا عليهم عظامًا من عظام الضبع والذئب وكعاب الأرانب يقولون حتَّى يعدونا الموت. ٤ - قوله: "بخزرافة" -بكسر الخاء المعجمة وسكون الزاي وتخفيف الراء وبعد الألف فاء؛ وهو الكثير الكلام الخفيف، وقال أبو حاتم: الخزرافة: الخوّار الضعيف، قوله: "في القعود" أي: إذا قعدت، و"الطياخة" -بفتح الطاء المهملة وتشديد الياءآخر الحروف وبالخاء المعجمة؛ وهو الذي لا يزال يقع في سوءة لحمقه، و"الأخدب"- بالخاء المعجمة؛ وهو الذي لا يتمالك عن الحمق والجهل والاستطالة. ٥ - قوله: "ريثة" -بفتح الراء وسكون الياءآخر الحروف وفتح الثاء المثلثة، وهو وجع يأخذ في الركبتين، وقال الأعلم: هو وجع المفاصل من الضعف والكبر (٣)، و"الإمر" بكسر الهمزة وتشديد الميم المفتوحة، وهو الضعيف والأنثى: إمّرَة، قوله: "إذا قيد" يعني: صاحب الريثة، أراد أنَّه إذا قاده عدوه إلى أمر تابعه وذهب معه، قوله: "أصحبا" أي: اتبع، وألفه للإطلاق. ٦ - قوله: "ولمته" -بكسر اللام وتشديد الميم، وهي الشعر يلم بالمنكبين، ويقال: اللمة: الجمة ويجمع على لمم وجمم (٤)، وقوله: "أن يشجبا" أي: أن يهلك، والشجب: الهلاك، يقال:

стр. 511

شعيب يشجُب من باب نصر ينصر، وشجب يشجَبُ من باب علم يعلم. ٧ - قوله: "إذ هي" أي: اللمة سوداء مثل الجناح، ويروى: مثل الفحيم، يريد: الفحم شبه سواد اللمة به، وأراد بالجناح جناح الغراب، قوله: "يغطي المطانب" ويروى: يغشي المطانب، والمطانب- بالنُّون بعد الألف؛ حيث يطنب حبل العاتق إلى المنكب؛ أي: يكون مثل الطنب. ٨ - قوله: "فلما انتحيت … إلخ" رواه الزِّيادي والأصمعي، ولم يروه أبو عبيدة ولا أبو حاتم، و"العيرانة": الناقة تشبه بالعير في سرعتها ونشاطها، و"القطم" -بفتح القاف وكسر الطاء وهو الهائج، و"المصعب" الصعب الذي اتخذ للفحلة ولم يذلل بعمل ولا ركوب. ٩ - قوله: "في الضالة" -بتخفيف اللام؛ وهي السدر البري، و"الأخطب": الصرد، والخطبة لون [يضرب] (١) إلى الخضرة. ١٠ - قوله: "ملتئم خلقه" أي: يشبه بعض خلقه بعضًا ليس بمختلف الأعضاء، و"التألب": الغليظ المجتمع. الإعراب: قوله: "بوهة": مفعول لا تنكحي، قوله: "عليه عقيقته": جملة اسمية وقعت صفة لبوهة لأنها نكرة، قوله: "أحسبا": حال من العقيقة، قوله: "مرسعة" بالرفع: مبتدأ، وقوله: "بين أرباعه": خبره، وبين: نصب على الظرف (٢). فإن قلت: أراد بالبوهة الرَّجل الأحمق -كما ذكرنا وكيف يقول: مرسعة بالتأنيث على رواية من رواه بكسر السين؟ قلت: قد قلنا: إن التاء فيه علامة المبالغة، أو يكون من قبيل قولهم: رجل هلباجة وقفقافة (٣)، قوله: "به عسم": جملة من المبتدأ؛ أعني: عسمًا، والخبر أعني: "به" مقدمًا، والجملة وقعت صفة لمرسعة إذا كان بكسر السين، وأما إذا كان بفتح السين يكون صفة لبوهة، فافهم.

стр. 512

قوله: "يبتغي": فعل مضارع، وفاعله مستتر فيه، و"أرنبًا": مفعوله، وهذه الجملة -أَيضًا- صفة أخرى، وإنما خص الأرنب؛ لأنهم كانوا يعلقون كعبًا كالمعاذة، يزعمون أن من علقه لم تضره عين ولا سحر؛ لأن الجن تمتطي الثعالب والظباء والقنافذ، وتجتنب الأرانب لمكان الحيض. الاستشهاد فيه: في قوله: "مرسعة" فإنَّها نكرة وقعت مبتدأ؛ لأن النكرة إذا لم [يرد] (١) بها معين ساغ الابتداء بها؛ لأنه لا يريد مرسعة دون مرسعة، بخلاف: رجل قائم، فافهم (٢). الشاهد السبعون بعد المائة (٣) , (٤) كَمْ عَمَّةٌ لَكَ يَا جَرِيرُ وَخَالةٌ … فَدْعَاءُ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي أقول: قائله هو الفرزدق يهجو به جريرًا من قصيدة، أولها هو قوله: ١ - قَبَّحَ الإِلَهُ بَنِي كُلَيب إنَّهُمْ … لا يَغْدِرُونَ ولا يَفُونَ لجارِ ٢ - يَسْتَيقِظُونَ إِلَى نُهَاقِ حَمِيرِهِمْ … وَتَنَامُ أَعْيُنُهُمْ عَنِ الأَوْتَارِ ٣ - مُتَبَرْقِعِي لؤمٍ كَأَن وُجُوهَهُمْ … طُلِيَتْ حَوَاجِبُهَا عَنِيّةَ قَارِ ٤ - وَلَقَدْ ضَلَلْتُ أَباكَ يَطْلُبُ دَارِمًا … كَضَلالي مُلْتَمِسٍ طريق وَبَارِ ٥ - كَالسَّامِرِيِّ يَقُولُ إِن حَرَّكْته … دَعْنِي فَلَيسَ عَلَيَّ غَيرِ إِزَارِي ٦ - كم عمة ............... … ................ إلخ ٧ - شَغَّارَة تقذ الفَصِيلَ بِرِجْلِهَا … فَطَّارَةٌ لِقَوَادِمِ الأَبْكَارِ ٨ - وَرِجَالكُمْ ميل إِذَا حمُسَ الوَغَى … وَنِسَاؤُكُمْ يَحْلِبْنَ للأَصْهَارِ ٩ - كَمْ مِنْ أَبٍ لَكَ يَا جَرِيرُ كَأَنَّهُ … قَمَرُ المجرَّةِ أَوْ سِرَاجُ نَهَارِ

стр. 513

وهي من الكامل. ٣ - قوله: "عَنِيَّة قَار" بفتح العين المهملة وكسر النُّون وتشديد الياء آخر الحروف، على وزن فعيلة، وهو بول البعير يعقد في الشمس يطلى به الأجرب، قوله: "قار" -بفتح القاف، وهي الإبل، قال الأغلب الراجز (١): مَا إنْ رَأَينَا ملكًا أَغَارَا … أكثَرَ مِنْهُ قِرَّةً وقَارَا والقار القير -أَيضًا ولكن- أراد ها هنا من قوله: "عنية قار": بول الإبل. ٤ - قوله: "وَبَار" -بفتح الواو والباء الموحدة كقطام، وهي أرض كانت لعاد، قال الأَعشى (٢): وَمَرَّ دهْرٌ عَلَى وَبَارِ … فَهَلَكت جَهْرَة وَبَارِ وقد أعربه ها هنا. ٦ - قوله: "فدعاء" -بالفاء، هي المرأة التي اعوجت أصبعها (٣) من كثرة حلبها، ويقال: الفدعاء التي أصاب رجلها فدع من كثرة مشيها وراء الإبل، و"الفدع": زيغ في القدم بينها وبين الساق، وقال ابن فارس: الفدع: اعوجاج في المفاصل؛ كأنها قد زالت عن أماكنها (٤) و"العِشار" بكسر العين؛ جمع عشراء وهي الناقة التي أتى عليها من زمان حملها عشرة أشهر. ٧ - قوله: "شغَّارة"- بالشين والغين المعجمتين؛ وهي التي تشغر برجلها كما يشغر الكلب إذا بال، يقال: شغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه ليبول، قوله: "تقذ الفصيل" أي: تضربه إذا دنا منها عند الحلب. قوله: "فطارة" -بالفاء من الفطر، وهو الحلب بأطراف الأصابع، فإن كان بالكف كلها فهو الصف [والصف]، (٥) يكون في الكبار من النوق، وأما الصغار من النوق فإنَّها تحلب

стр. 514

بأطراف الأصابع لصغر ضروعها يصف بذلك حذقها ومعرفتها بالحلب؛ لأنها نشأت عليه. ٨ - قوله: "ميل" -بكسر الميم؛ جمع أميل وهو الذي لا يثبت على السرج، والذي لا سيف معه، قوله: "إذا حمس الوغى" أي: اشتد الحرب. الإعراب: قوله: "كم": إما خبرية واما استفهامية، ويجوز في "عمة" مع"الخالة" المعطوفة عليها الحركات الثلاث، أما الجر فعلى أن: "كم" تكون خبرية، وقوله: "عمة" مميزها (١). وأما النصب؛ فلأنها مميز كم الاستفهامية، والاستفهام على سبيل الاستهزاء والتهكم (٢). وأما الرفع فعلى أن تكون عمة مبتدأ وصفت بقوله: "لك" وخبره قوله: "قد حلبت" ومميز كم على هذا الوجه محذوف، وذلك المحذوف لا يخلو إما أن يكون (٣) مجرورًا فتكون كم هي الخبرية، تقديره: كم مرة (٤) وإما أن يكون منصوبًا فتكون كم الاستفهامية، وكم على التقديرين في محل النصب بالظرف، والعامل فيه قوله: "قد حلبت". وقوله: "فدعاء": صفة لعمة وخالة، ولم يقل: فدعاوين لأجل عمة وخالة؛ لأنه حذف صفة أحدهما، والتقدير: كم عمة لك فدعاء وخالة فدعاء، فحذف فدعاء التي هي صفة عمة؛ كما حذف لك التي هي صفة خالة، والتقدير: وخالة لك فدعاء، فحذف لك وهي صفة خالة لدلالة عمة عليه. وقال السيد الفاضل: أما نصب العمة فعلى الاستفهام، ويجوز أن يكون خبرًا، وهو أولى من الاستفهام، ويجوز أن يكون الاستفهام على سبيل الاستهزاء كأنه قال: أخبرني عن عدد عماتك وخالاتك اللاتي كن لإبلي راعيات؛ فقد أُنْسِيتُ عددهن لكثرتهن أو لقلة عنايتي بهن. وكم في الاستفهام -أَيضًا- مبتدأ، و"قد حلبت": خبره، و"خالة": منصوبة عطفًا على عمة، و"فدعاء": منصوبة صفة خالة، وإذا رفعت عمة فبالابتداء، وهي عمة واحدة، وخالة

стр. 515

معطوفة عليها، "وقد حلبت": الخبر، ولم يقل: قد حلبتا؛ لأن التقدير: كم عمة لك قد حلبت وخالة قد حلبت، فاكتفى بأحد الخبرين عن الآخر، وجاز الابتداء بالنكرة لوصفها بالجار والمجرور وهو: لك، وكم في هذا الوجه إما ظرف وإما مصدر، أي: كم حلبت عمة لك، وخالة قد حلبت، أو كم وقت عمة لك وخالة قد حلبت، فالمميز محذوف، والمراد: الإخبار بكثرة الحلبات أو بكثرة الأوقات، إن جعلت كم خبرًا قدرت المميز المحذوف مجرورًا، وإن جعلتها استفهامًا قدرت المميز المحذوف منصوبًا، قوله: "عشاري" منصوب على أنَّه مفعول حلبت. فإن قلت: ما معنى قد حلبت علي؟ قلت: معناه: حلبت على كرهٍ مني، وهذا كما يقال: باع القاضي عليه داره، والمعنى: كنت أكره وأستنكف أن يحلب أمثالها عشاري، ويشهد لهذا المعنى [قوله] (١): "فدعاء". الاستشهاد فيه: في قوله: "عمة" حيث جاز رفعها على الابتداء، وهو نكرة لوقوعها بعد كم الخبرية (٢). الشاهد الحادي والسبعون بعد المائة (٣) , (٤) قَد ثَكلَتْ أُمُّهُ مَنْ كنتُ وَاجِدَهُ … وباتَ مُنْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأسَدِ أقول: قائله هو حسان بن ثابت الأَنْصَارِيّ ﵁، وهو من قصيدة دالية، وأولها هو قوله: ١ - أَمْسَى الخَلَابيبُ قَدْ عَزُّوا وَقَدْ كثُرُوا … وابن الفُرَيعَةِ أَمْسَى بَيضَةَ البَلَدِ ٢ - يَرْمُونَ بِالْقَوْلِ سِرًّا فيِ مُهَادَنَة … يُهَدَى إليَّ كَأَني لَسْتُ مِنْ أَحَدِ ٣ - قَدْ ثَكلَتْ ............... … ........................ إلخ (٥)

стр. 516

٤ - مَا لِلْقَتِيلِ الذِي أَسْمُوَ فأقْتُلَهُ … مِنْ دِيَّة فِيه يعْطَاهَا ولا قُودِ ٥ - مَا البَحْرُ حينَ تَهُبُّ الرِّيحُ شَامِيَةً … فَيغْطَئِلُّ وَيَرْمِي العِبرَ بِالزَّبَدِ ٦ - يَوْمًا بِأَبْلَغَ مِنِّي حِينَ تُبصِرُنِي … أَفْرِي مِنَ الغَيظ فَرْيَ العَارِضِ البَردِ ٧ - أمَّا قُرَيْشٌ فَإنِّي لَسْت تَارِكَهُمْ … حَتَّى يُنِيبُوا من الغياتِ للرَّشَدِ ٨ - وَيَتْرُكُوا اللَّاتَ وَالْعُزى بِمَعزِلة … وَيَسْجُدُوا كلُّهُمْ لِلْواحِدِ الصَّمَدِ ٩ - وَيَشْهَدُوا أَنَّ مَا قَال الرَّسُولُ لَهُم … حَقٌّ ويُوفُوا بِعَهْدِ الوَاحِدِ الأَحَدِ ١٠ - بلغ عُبيد بأني قد تركت له … مِنْ خَيرِ مَا يَترُكُ الآبَاءُ للْوَلَدِ ١١ - الدَّارُ واسعَةٌ والنَّخْلُ شَارِعَةٌ … والبيضُ يرقلْنَ فيِ القِسِي كَالبَرْدِ وهي من البسيط. ١ - قوله: "الخلابيب"- بالخاء المعجمة؛ جمع خلبوب، وهو الخداع الكذاب، قوله: "بيضة البلد" يقال: فلان أذل من بيضة البلد، أي: من بيضة النعام التي يتركها، وبيضة القوم: ساحتهم. ٣ - قوله: "قد ثكلت" من الثكل؛ وهو فقد المرأة ولدها، وامرأة ثاكل وثكلى، ورجل ثاكل وثكلان، قوله: "منتشبًا" أي: متعلقًا داخلًا في برثن الأسد، يقال: نشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه، و"برثن الأسد" -بضم الباء الموحدة؛ مخالبه، ويجمع على براثن، والبراثن من السباع بمنزلة الأصابع من الإنسان، وقال ابن الأعرابي: البراثن: الكف بكمالها مع الأصابع. ٥ - قوله: "فيغطئل" أي: يضطرب وتتلاطم أمواجه ويلتج سواده، قوله: "العبر"- بكسر العين المهملة وضمها وسكون الباء الموحدة وفي آخره راء، وهو الجانب، وقال الجوهري: عِبرُ النهر وعِبرُهُ: شَطُّه وجانبه (١). ٦ - قوله: "أفري" من الفري بالفاء وهو السيلان، و"العارض": السحاب ذو البرق والرعد، والبرد -بفتح الباء الموحدة وكسر الراء، يقال: سحاب برد وأبرد، أي: ذو برد. ١١ - قوله: "والبيض يرقلن" أي: يُعْدين، من الإرفال، وهو ضرب من الخبب. الإعراب: قوله: "من كنت واجده": مبتدأ، وخبره مقدمًا قوله: "قد ثكلت أمه" ولذلك جاز عود

стр. 517

الضمير منه على (مَنْ)، وإن كان متأخرًا في اللفظ لكن (١) النية به التقديم، والضمير المتصل بكان اسمه، وقوله: "واجده"خبره، والجملة صلة الموصول أعني: "من"، قوله: "وبات": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى (من)، وقوله: "منتشبًا" نصب على الحال من الضمير الذي في بات، قوله: "في برثن الأسد" يتعلق بقوله: "منتشبًا". الاستشهاد فيه: في قوله: "قد ثكلت أمه" فإنَّه خبر مقدم، وفي قوله: "من كنت واجده" فإنَّه مبتدأ مؤخر (٢). الشاهد الثاني والسبعون بعد المائة (٣) , (٤) إِلَى مَلِكٍ ما أمُهُ من محَاربٍ … أبُوهُ وَلَا كَانَتْ كُلَيبٍ تصَاهِرُهْ أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وهو من قصيدة هائية يمدح بها الوليد بن عبد الملك

стр. 518

ابن مروان (١)، وأولها (٢): رَأَوْني فَنَادَوْنِي أَسُوقُ مَطِيَّتِي … بِأَصْوَاتِ هُلاكِ سِغَاب حَرَائِرُهْ إلى ملك ما أمه .......... … ......................... إلخ وَلَكِنْ أَبُوهَا مِنْ رَوَاحَةَ تَرْتَقِي … بِأَيَّامِهِ قَيسٌ عَلَى مَنْ تُفَاخِرُهْ فَقَالُوا أَغِثْنَا أَنْ بَلَغْتَ بِدَعْوَةٍ … إِلَى عندَ خَيرِ النَّاسِ إنكَ زَائِرُهْ فَقُلْتُ لَهُمْ إِنْ يُبلِغِ الله نَاقَتِي … وَإيايَ أنبي بالذي أَنَا خَابِرُة أَغِثْ مُضَرًا إِنَّ السِّنِينَ تَتَابَعَتْ … عَلَينَا بِحِزٍّ يَكْسِرُ العَظْمَ جَازِرُهْ [وهي من الطَّويل] (٣) قوله: "من محارب" في قبائل قريش: محارب بن فهر بن مالك بن النضر، وفي قيس غيلان: محارب بن حفصة بن قيس غيلان، وفي عبد القيس: محارب بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أقصى بن عبد القيس، و"كليب" بضم الكاف -أَيضًا- في قبائل: في خزاعة: كليب بن حبشة بن سلول بن كعب بن عمرو، وفي تغلب بن وائل: كليب بن ربيعة بن الحرث (٤) بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل، وفي تميم: كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وفي النخع: كليب بطن من ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع، وفي هوازن: كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. الإعراب: قوله: "إلى ملك" يتعلق بقوله: "أسوق مطيتي" في البيت السابق، وأراد بالملك الوليد بن عبد الملك (٥) بن مروان، قوله: "ما أمه من محارب أبوه" في محل الجر على أنها صفة لقوله: "ملك". وقوله: "أبوه". مبتدأ، والجملة التي قبله أعني قوله. "ما أمه من محارب" خبره، وقال

стр. 519

البعلي: "أبوه": مبتدأ، و"أمه": مبتدأ ثان، و"من محارب": خبره، والمبتدأ الثاني مع خبره خبر المبتدأ الأول (١). قلت: تقديره: إلى ملك ما أبو أمه من محارب، فأبوه: مبتدأ، "وأمه من محارب": جملة في موضع [رفع] (٢) خبره، "ولا كانت" عطف على قوله: "ما أمه" وكانت ناقصة، و"كليب" اسمها، و"تصاهره" خبرها. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما أمه من محارب أبوه" حيث قدم الخبر [وهو قوله: "ما أمه من محارب" وأخر المبتدأ وهو قوله: "أبوه" كما قررناه، ونقل ابن الشجري (٣) الإجماع على جواز تقديم الخبر] (٤) إذا كان جملة (٥)، وليس كذلك، فإن فيه خلافًا عن الكوفيين (٦).

стр. 520

الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة (١) , (٢) خَالِي لَأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ … يَنَلِ العلاءَ وَيَكْرُمِ الأَخْوَالا أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الكامل. ويروى: خالي لأنت ومن تميم خاله، ويروى: ومن عويف خاله، قوله: "العلاء" -بفتح العين من علا في المكان يعلى علاءً، وأما في المرتبة فيقال: علا يعلو علوّا. الإعراب: قوله: "خالي": مبتدأ، و"لأنت": خبره، هذا بحسب الظاهر جاء هكذا وهو شاذ؛ لأن لام الابتداء لها الصدر في الكلام، فلا يجوز أن يقال: زيد لقائم؛ وعلى هذا قالوا: إن قوله: "خالي لأنت" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون أراد: لخالي أَنْتَ، فأخر اللام إلى الخبر ضرورة. والثاني: أن يكون أراد: لأنت خالي، فقدم الخبر على المبتدأ وإن كان فيه اللام ضرورةً (٣)، وقال ابن جني: أخبرني أبو علي أن أَبا الحسن حكى أن زيدًا وجهه لحسن (٤) فهذا -أيضًا- ضرورة (٥). قوله: "ومن جرير خاله" من: موصولة في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "ينل العلاء" ولما كان المبتدأ متضمنا لمعنى الشرط جاء الجزاء مجزوئا، قوله: "جرير": مبتدأ، و"خاله": خبره، والجملة صلة الموصول، قوله: "ينل" أصله: ينال؛ فلما سكنت اللام للجزم حذفت الألف لالتقاء الساكنين ثم لما اتصلت بالعلا حركت على الكسر؛ لأن الأصل في الساكن إذا حرك أن يحرك بالكسر، و"العلاء": مفعول ينل، قوله: "ويكرم": عطف على ينل، و"الأخوال": جمع خال، منصوب على المفعولية.

стр. 521

الاستشهاد فيه: في قوله: "لأنت" حيث دخلت فيه لام الابتداء وهو خبر كما قررناه آنفًا (١). الشاهد الرابع والسبعون بعد المائة (٢) , (٣) نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا … عِندَكَ راضٍ وَالرَّأيُ مُخْتلَفٌ أقول: قائله هو قيس بن الخطيم- بالخاء المعجمة بن عدي بن سود الظفري الأوسي، شاعر جاهلي من فحول الشعراء، وقال ابن هشام اللخمي: قائله هو عمرو بن امرئ القيس الأَنْصَارِيّ، وكذا قاله ابن بري، وهو من قصيدة فائية هي قوله (٤): ١ - أبْلِغْ بَنِي جَحْجَبَى وَقَوْمَهُم … خَطْمَة أَنَّا وَرَاءَهُمْ أُنُفُ ٢ - وَأَنَّنَا دُونَ مَا يَسُومُهُمْ الأ … عْدَاءَ منْ ضَيمِ خُطَّة نُكُفُ (٥) ٣ - الحَافِظُو عَوْرَةِ العَشِيَرَةِ لا … يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائنا وكفُ ٤ - يَا مَالُ وَالسَّيدُ المعُمَّمُ قَدْ … يَطْرَأُ في بَعْضِ رَأيِهِ السَّرفُ ٥ - نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا ..... … .................... إلخ ٦ - نَحْنُ المكِيثُونَ حَيثُ يَحْمِدُنَا … الْمكثُ وَنَحْنُ المَصَالِتُ الأُنُفُ ٧ - يَا مَالُ وَالحق إنْ قَنَعْتَ بهِ … فَالحقُّ فِيهِ لأَمْرِنَا نَصِفُ ٨ - خَالفْت فيِ الرَّأْيِ كُل ذِي فَخَر … والْبَغْي يَا مَالِ غَيرُ مَا تَصِفُ ٩ - إِن بُجَيرًا مَوْلَى لِقَوْمِكُم … وَالحَقّ نُوفيِ بِهِ وَنَعْتَرفُ وهي من المنسرح والقافية متراكب.

стр. 522

وقال ابن بري: وسبب هذا الشعر أنَّه كان لمالك بن العجلان مولى يقال له بجير، جلس مع نفر من الأوس من بني عمرو بن عوف فتفاخروا فذكر بجيرٌ مالكَ بن العجلان ففضله على قومه، وكان سيد الحيين في زمانه، فغضب جماعة من كلام بجير وعدا عليه رجل من الأوس يقال له: سمير بن زيد بن مالك أحد بني عمرو بن عوف فقتله، فبعث بذلك إلى (١) بني عمرو بن عوف أن ابعثوا إليّ بسمير حتَّى أقتله بمولاي، وإلا جر ذلك الحرب بيننا فبعثوا إليه: إنَّا نعطيك الرضا فخذ منا عقله، فقال: لا آخذ إلَّا دية الصريح، وكانت دية الصريح ضعف دية المولى وهي عشرة من الإبل، ودية الولى خمس، فقالوا: إن هذا منك استذلال لنا وبغي علينا، فأبى مالك إلَّا أخذ دية الصريح، فوقعت بينهم الحرب إلى أن اتفقوا على الرضا بما يحكم به عمرو بن امرئ القيس، فحكم بأن يعطى دية الولى، فأبى مالك ونشبت الحرب بينهم مدة على ذلك فأنشد عمرو بن امرئ القيس هذه الأبيات. ١ - فقوله: "بني جَحْجَبى" -بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم والباء الموحدة، وبنو جحجبى من الْأَنصار، وهو جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، قوله: "خَطْمة" -بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء، وهو من الْأَنصار -أَيضًا-، وخطمة هو عبد الله بن جشم بن مالك بن الأوس، قيل له خطمة؛ لأنه ضرب رجلًا بسيفه على خطمه فسمي خطمة، قوله: "أُنُف" بضم الهمزة والنون يقال: روضة أنف: لم يرعها أحد، وكأس أنف: لم يشرب بها أحد قبل ذلك. ٢ - قوله: "دون ما يسومهم الأعداء" أي: ما يطلبهم الأعداء، "من ضيم" أي: من ظلم خطة، أي: أمر وشأن، قوله: "نُكُف" -بضم النُّون والكاف؛ وهو جمع ناكف كتاجر وتجر، ويقال: نكفت من كذا، أو نكفت -أَيضًا- أي: استنكفت وأنفت منه، وارتفاعه على أنَّه خبر إن. ٣ - قوله: "الحافظو عورة العشيرة" أصله: الحافظون، سقطت النُّون للإضافة، والعورة: مجرورة بالإضافة، وقد روي العورة بالنصب؛ فيكون حذف النُّون للتخفيف لا للإضافة، وهكذا استشهد به سيبويه (٢)، وقال أبو علي: والأكثر الجر، والعورة: ما لم يحم (٣)، وقال ثعلب: كل

стр. 523

مخوف عورة (١)، وقال كراع: عورة الرَّجل في الحرب: ظهره وبذلك فسر هذا البيت، وعشيرة الرَّجل: الذين يعاشرهم من قومه ويعاشرونه، قوله: "من ورائنا" أي: من عيبتنا، فكنى بوراء عن ذلك، فامتدح بحفظهم عورة قومهم بظهر الغيب وأمنهم من ناحيتهم كل نقص وعيب، ويجوز أن يعني: من وراء حفظنا إياهم وذَبِّنا عن حماهم، فحذف المضاف الذي هو حفظ وأقام المضاف إليه مقامه، ومن روى: من ورائهم؛ فالمعنى فيه أوضح وحَمْل الضمير على العشيرة أرجح، قوله: "وكف" أي: عيب، وقيل: الوكف: الإثم، وقيل: الخوف، وقال الأصمعيّ: ليس عليك في ذلك من وكف أي: مكروه، ويقال: أي: نقص، ويروى: نطف وهو التهمة، قوله: "يَا مال" بكسر اللام، يريد به يَا مالك وهو مالك بن العجلان. ٦ - قوله: "المكث" -بضم الميم وكسرها، وهو اسم المكث- بفتح الميم، وهو مصدر مكث إذا كان لبث وانتظر، قوله: "المصالت" بفتح الميم؛ جمع مِصلت بكسر الميم، يقال: رجل مِصلت إذا كان ماضيًا في الأمور، قوله: "الأنف" بضمتين أي: المتقدمون في الأمور. ٧ - قوله: "نصف" أي: إنصاف. ٩ - قوله: "إن بجيرًا" بضم الباء الموحدة وفتح الجيم ويكون الياءآخر الحروف وفي آخره راء. الإعراب: قوله: "نحن" مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: نحن راضون، حذف الخبر احترازًا عن العبث وقصدًا للاختصار مع ضيق المقام (٢)، وقد تكلف فيه بعضهم منهم ابن كيسان (٣)، وقال: نحن هنا للمعظم نفسه، وأن قوله: "راض": خبر عنه (٤)، وفيه نظر؛ إذ لا يحفظ مثل: نحن قائم بل يجب في الخبر المطابقة؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥، ١٦٦] (٥)، قوله: "بما عندنا": يتعلق بالخبر المحذوف، قوله: "وأنت": مبتدأ

стр. 524

وخبره قوله: "راض" وقوله: "بما عندك" يتعلق به، قوله: "والرأي مختلف": جملة من المبتدأ والخبر وقعت حالًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "نحن بما عندنا" حيث حذف فيه الخبر وهو قوله: "راضون" وإنما حذف الخبر ها هنا لدلالة خبر المبتدأ الثاني عليه، وهو قليل وفيه شذوذ (١). الشاهد الخامس والسبعون بعد المائة (٢) , (٣) لَوْلَا أَبُوكَ وَلَوْلا قَبلَهُ عُمَرٌ … أَلْقَتْ إِلَيكَ مَعَدٌّ بِالْمقَالِيدِ أقول: قائله هو أبو عطاء السندي، وهو مرزوق، وقيل: أفلح بن يسار -وهو الأصح مولى بني أسد ثم مولى عنبر بن سماك بن حصين الأسدي، منشؤه بالكوفة، وهو من مخضرمي الدولتين، مدح بني أمية وبني هاشم وكان أبوه يسار سنديًّا أعجميًّا لا يفصح، مات أبو عطاء في آخر أيام المنصور، وعن المدائني: كان أبو عطاء مع ابن هبيرة (٤)، وهو يبني مدينته التي على شاطئ الفرات فأعطى ناسًا كثيرًا ولم يعطه شيئًا، فقال (٥): ١ - قَصَائِدُ حِكْتُهُنَّ لِقَوْمِ قَيسٍ … رَجَعْنَ إِلَيَّ صفْرًا خَائِبَاتِ ٢ - رَجَعْنَ وَمَا أَفَأْنَ عَلَيَّ شَيئًا … سِوَى أني وَعَدْتُ التُّرَّهَاتِ ٣ - أَقَامَ عَلَى الفُرَاتِ يَزِيدُ حَوْلًا … فَقَال النَّاسُ أيُّهُمَا الفُرَاتُ ٤ - فَيَا عَجَبًا لِبَحْرٍ ظَل يَسْقِي … جَميعَ الخَلقِ لَمْ يبللْ لهَاتِي

стр. 525

فقال له يزيد بن عمر بن هبيرة (١): وكم يبلل لهاتك يَا أَبا عطاء؟ فقال: عشرة آلاف درهم، فأمر ابنه يدفعها إليه ففعل، فقال يمدح ابن يزيد، ولكن فيه نغيزة (٢) في أبيه وهو يزيد وجده وهو عمر: ١ - أما أَبُوكَ فَعَينُ الجُودِ نَعْرِفُهُ … وَأَنْتَ أَشْبَهُ خَلْقِ الله بِالجودِ ٢ - لَوْلا أَبُوكَ وَلَوْلا قَبْلَهُ عُمَرٌ … أَلْقَتْ إِلَيكَ مَعَدٌّ بِالْمقَالِيدِ ٣ - مَا يَنْبُتُ العُودُ إلا في أَرُومَتِهِ … ولا يَكُونُ الجنْي إلا مِنَ العُودِ وهو من البسيط. ٢ - قوله: "لولا أبوك" خطاب لابن يزيد بن عمر بن هبيرة، والدليل عليه ما روي: لولا يزيد ولولا قبله عمر … ........................... قوله: "معدّ" بفتح الميم، وهو أبو العرب وهو معد بن عدنان، وكان سيبويه يقول: الميم من نفس الكلمة لقولهم تمعدد لقلة تمفعل في الكلام (٣)، وقد خولف في قوله: "بالمقاليد" أي: بالمفاتيح، واحدها: إقليد على غير قياس، وقيل: المقاليد جمع ليس له مفرد من لفظه (٤). الإعراب: قوله: "لولا" لامتناع الثاني لوجود الأول نحو: لولا زيد لهلك عمرو، فإن هلاك عمرو منتفٍ لوجود زيد، قوله: "أبوك" كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: لولا أبوك قد ظلم النَّاس في ولايته وقبله عمر جدك كذلك، لكانت قبيلة معد أطاعوك وأمّروك، ولكنهما لما ظلما النَّاس خافوا أن تسير مثل سيرهما في الولاية فتركوك، قوله: "ولولا قبله عمر": عطف عليه؛ فقوله: "عمر": مبتدأ ونونه للضرورة، وقوله: "قبله": خبره مقدمًا، قوله: "ألقت": فعل ماض و"معد": فاعله، والجملة جواب لولا، وحرف الجر في الموضعين يتعلق بألقت. الاستشهاد فيه: في قوله: "عمر" حيث أظهر فيه خبر المبتدأ بعد لولا وهو قوله: "قبله" ومذهب الجمهور

стр. 526

أن الخبر بعد لولا واجب الحذف مطلقًا؛ ولهذا لحنوا المعري في قوله (١): ....................... … فَلَوْلا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا (٢) قلتُ: قد خرجه بعضهم على أن يمسكه حال لا خبر وكذا قوله: "قبله" ها هنا حالًا لا خبر والخبر محذوف فحينئذ لا استشهاد فيه ولا تشنيع فيه (٣)، فافهم. الشاهد السادس والسبعون بعد المائة (٤) , (٥) مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي … مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وهو من رجز مسدس ومنه قوله (٦): أَخَذْتهُ مِنْ نَعَجَاتٍ سِتٍّ … سَوْدٍ جِعَادٍ كَنِعَاجِ الدِّشْتِ قوله: "ذا بت" أي: ذا كساء، قال ابن الأثير: البت: الكساء الغليظ المربع، وقيل: طيلسان من خز، ويجمع على بتوت (٧)، قوله: "مقيظ" بكسر الياء المشددة، وكذلك: "المصيف" وكذلك: "المشتي" بكسر التاء المثناة من فوق. والمعنى: فهذا بتي كسائي يكفيني لقيظي وهو زمان شدة الحُر، ويكفيني للصيف والشتاء، يقال: قيظني هذا الشيء وشتاني وصيفني.

стр. 527

الإعراب: قوله: "من": موصولة في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "فهذا بتي" وهو جملة من المبتدأ والخبر ودخلت الفاء فيه لتضمن المبتدأ معنى الشرط (١). فإن قلت: كيف صح الشرط والجزاء ها هنا؛ فإن كون ذلك البت بته لا يتسبب عن كون غيره ذا بت؟ قلتُ: المعنى من كان ذا بت فأنا مثله؛ لأن هذا البت بتي، فحذف المسبب وأناب عنه السبب، أو المعنى: فلا يفخر عليّ فإنِّي ذو بت مثله، وقوله: "يك" أصله: يكن حذفت النُّون للتخفيف، وهي صلة الموصول، وقوله: "ذا بت": كلام إضافي منصوب؛ لأنه خبر كان، قوله: "مقيظ": خبر بعد خبر، وكذلك قوله: "مصيف مشتي": خبران بعد خبر. الاستشهاد فيه: في قوله: "مقيظ مصيف مشتي" فإنَّها أخبار تعددت بلا عاطف؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] (٢). الشاهد السابع والسبعون بعد المائة (٣) , (٤) يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيهِ ويَتَّقِي … بأُخْرَى المنَايَا فَهو يَقْظَان هَاجِعٌ أقول: قائله هو حميد بن ثور الهلالي، وهو من قصيدة عينية، وأولها هو قوله:

стр. 528

١ - إِذَا نَال مِنْ بَهْم النُّخَيلَةِ غِرَّة … عَلَى غَفْلَةٍ مِمَّا يَرى وَهوَ طَالِعُ ٢ - تلوم ولو كان ابنها فرحت به … إذا هب أَرْواحُ الشتاءِ الزَّعَازِعُ ٣ - فَقَامَتْ تعشى سَاعَةً مَا تُطِيقُهَا … مِنَ الدَّهْرِ نَأْمَتْهَا الكِلابُ الظَّوَالِعُ ٤ - رَأَتْهُ فَشَكَّتْ وَهُوَ أَطْحَلُ مَائِل … إِلَى الأَرْضِ مَثْنِيّ إِلَيهِ الأكارعُ ٥ - طَوي البَطْنِ إلا من مَصِيرٍ يبُلُّهُ … دَم الجَوْفِ أَوْ سُؤْرٌ مِنَ الحَوْضِ نَاقِعُ ٦ - تَرَى طَرَفَيهِ يَعْسِلانِ كِلاهُمَا … كَمَا اهْتَز عُودُ الشَّيحَةِ المتُتَابعُ ٧ - إِذَا خَافَ جَوْرًا مِنْ عَدُوٍّ رَمَتْ بِهِ … قُصَائبُهُ وَالجانِبُ المتُوَاسِعُ ٨ - وَإِنْ بَاتَ وَحْشًا لَيلَةً لَم يَضِقْ بِهَا … ذِرَاعًا وَلَمْ يَصْبِحْ لَهَا وَهُوَ خَاشِعُ ٩ - وَيَسْرِي سَاعَةً مِنَ اللَّيلِ قَرَّةٍ … يهابُ السرى فِيهَا المخاضُ النوَازِعُ ١٠ - وَإِنْ حَذِرَتْ أَرْضٌ عَلَيهِ فَإنهُ … بِغِرَّةِ أُخْرَى طَيبُ النَّفْسِ قَانِعُ ١١ - يَنَامُ بِإحْدَى مُقْلَتَيهِ ويَتَّقِي … بأُخْرَى المنَايَا فَهو يَقْظَان هَاجِعٌ ١٢ - إِذَا قَامَ أَلْقَى بَوْعَهُ قَدْرَ طُولِهِ … وَمَدَّدَ مِنْهُ صُلْبَهُ وَهُوَ تَابِعُ ١٣ - وَفَكَّكَ لحيَيهِ فَلَمَّا تَعَادَيَا … صَأَى ثُمَّ أَقْعَى والبِلادُ بَلاقِعُ ١٤ - إِذَا مَا غَدَا يَوْمًا رَأَيْتُ غَيَابَةً … مِنَ الطيرِ يَنْظُرْنَ الذِي هُوَ صَانِعُ ١٥ - فَظَلَّ يُرَاعِي الجيشَ حَتَّى تَغَيَّبتْ … خُبَاشٌ وَحَالتْ دُونَهُنَّ الأَجَارِعُ وهو (١) من الطَّويل يصف الشَّاعر الذئب؛ تزعم العرب أن الذئب ينام بإحدى عينيه والأخرى مفتوحة يحرس بها. ١ - قوله: "من بَهْم النخيلة" البهم -بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء؛ وهو جمع بهمة، وهي أولاد الضأن، والبهمة: اسم للمذكر والمؤنث، و"السخال": أولاد المعزى، فإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعًا بهام وبهم -أَيضًا-، و"النخيلة" بضم النُّون وفتح الخاء المعجمة؛ اسم موضع.

стр. 529

٢ - قوله: "أرواح الشتاء الزعازع": الأرواح: جمع ريح، وإنما جمعها بالواو؛ لأن أصلها الواو وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك: أروح الماء، و"الزعازع": جمع زعزع، من الزعزعة وهي تحريك الشيء، يقال: زعزعته فتزعزع، وريح زعزعان وزعزع، أي: تزعزع الأشياء. ٤ - قوله: "وهو أطحل" الأطحل: الذي يعلو خضرته قليل صفرة، و"الأكارع": جمع أكرع وهو جمع كراع، والكراع في الغنم والبقر بمنزلة الوطيف من الفرس والبعير، وهو مستدق الساق، يذكر ويؤنث. ٥ - قوله: "إلَّا من مصير" المصير -بفتح الميم وكسر الصاد [المهملة] (١): المدعي، وهو فعيل والجمع: مُصران مثل: رغيف ورغفان، و"المصارين": جمع الجمع، وميمه أصلية، وقال بعضهم: مصير إنما هو مفعل، من صار إليه الطعام، وإنما قالوا: مُصران كما قالوا في جمع مسيل الماء: مسلان شبهوا مفعلًا بفعيل، قوله: "ناقع" بالنُّون؛ من نقع الماء العطش نقعًا ونقوعًا أي: سكنه. ٦ - قوله: "يعسلان" من عسل الرمح عسلانًا إذا اهتز واضطرب، والرمح عسال، قوله: "عود الشيحة" بكسر الشين المعجمة؛ وهو نوع من النبات، ويروى: عود النبعة وهو شجر يتخذ منه القسيّ. ٧ - قوله: "قصائبه" بالقاف وهي الذوائب المقصبة ملوية لئيًّا حتَّى يترجل ولا تضفر ضفرًا، واحدتها قصيبة وقُصّابة- بالضم والتشديد، وهي الأنبوبة. ٩ - قوله: "قرة" بكسر القاف، وهي البرد، وكذلك البقرة بالفتح، يقال: ليلة قرة باردة، قوله: "المخاض": وهي الحوامل من النوق، واحدتها خلفة من غير لفظها، قوله: "النوازع" يقال: ناقة نازع إذا حنت إلى أوطانها ومرعاها، وكذلك يقال: بعير نازع. ١٣ - قوله: "صأى" أي: صاح، يقال: صأى الخنزير والفيل والفار، قوله: "بلاقع": جمع بلقعة، والبلقعة والبلقع: الأرض القفر التي لا شيء فيها، يقال منزل بلقع ودار بلقع بغيرها إذا كان نعتًا، وإن كان اسمًا قلت: انتهينا إلى بلقعة ملساء. ١٤ - قوله: "غيابة" بفتح الغين المعجمة وبياءين آخر الحروف مخففين (٢) وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك. ١٥ - و"الأجارع": جمع أجرع، وهي رملة مستوية لا تنبت شيئًا.

стр. 530

الإعراب: قوله: "ينام": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ينام، والباء في: "بإحدى" تتعلق به، قوله: "ويتقي": عطف على قوله: "ينام" و"بأخرى": يتعلق به، و"المنايا": مفعول يتقي، ويروى: ويتقي بأخرى الأعادي، قوله: "فهو": مبتدأ، وقوله: "يقظان": خبره، وقوله: "هاجع": خبر بعد خبر، ويروى: يقظان نائم، لكنه يخالف أبيات القصيدة، فالعنى: هو حذر وهو جامع بين اليقظة والهجوع. الاستشهاد فيه: في قوله: "يقظان هاجع" فإنهما [خبران] (١) عن مبتدأ واحد، ويجوز فيه العطف وتركه للمغايرة بين الخبرين لفظًا ومعنى (٢). الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة (٣) , (٤) فَيَوْمٌ عَلَينَا وَيَوْمٌ لَنَا … وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّ أقول: قائله هو النمر بن تولب بن قيس بن عبد الله بن كعب بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار، شاعر مقل أدرك الجاهلية وأسلم فحسن إسلامه، ووفد
следующие страницы →