← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أن الخبر بعد لولا واجب الحذف مطلقًا؛ ولهذا لحنوا المعري في قوله (١): ....................... … فَلَوْلا الغِمْدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا (٢) قلتُ: قد خرجه بعضهم على أن يمسكه حال لا خبر وكذا قوله: "قبله" ها هنا حالًا لا خبر والخبر محذوف فحينئذ لا استشهاد فيه ولا تشنيع فيه (٣)، فافهم. الشاهد السادس والسبعون بعد المائة (٤) , (٥) مَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا بَتِّي … مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وهو من رجز مسدس ومنه قوله (٦): أَخَذْتهُ مِنْ نَعَجَاتٍ سِتٍّ … سَوْدٍ جِعَادٍ كَنِعَاجِ الدِّشْتِ قوله: "ذا بت" أي: ذا كساء، قال ابن الأثير: البت: الكساء الغليظ المربع، وقيل: طيلسان من خز، ويجمع على بتوت (٧)، قوله: "مقيظ" بكسر الياء المشددة، وكذلك: "المصيف" وكذلك: "المشتي" بكسر التاء المثناة من فوق. والمعنى: فهذا بتي كسائي يكفيني لقيظي وهو زمان شدة الحُر، ويكفيني للصيف والشتاء، يقال: قيظني هذا الشيء وشتاني وصيفني.

стр. 527

الإعراب: قوله: "من": موصولة في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "فهذا بتي" وهو جملة من المبتدأ والخبر ودخلت الفاء فيه لتضمن المبتدأ معنى الشرط (١). فإن قلت: كيف صح الشرط والجزاء ها هنا؛ فإن كون ذلك البت بته لا يتسبب عن كون غيره ذا بت؟ قلتُ: المعنى من كان ذا بت فأنا مثله؛ لأن هذا البت بتي، فحذف المسبب وأناب عنه السبب، أو المعنى: فلا يفخر عليّ فإنِّي ذو بت مثله، وقوله: "يك" أصله: يكن حذفت النُّون للتخفيف، وهي صلة الموصول، وقوله: "ذا بت": كلام إضافي منصوب؛ لأنه خبر كان، قوله: "مقيظ": خبر بعد خبر، وكذلك قوله: "مصيف مشتي": خبران بعد خبر. الاستشهاد فيه: في قوله: "مقيظ مصيف مشتي" فإنَّها أخبار تعددت بلا عاطف؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] (٢). الشاهد السابع والسبعون بعد المائة (٣) , (٤) يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيهِ ويَتَّقِي … بأُخْرَى المنَايَا فَهو يَقْظَان هَاجِعٌ أقول: قائله هو حميد بن ثور الهلالي، وهو من قصيدة عينية، وأولها هو قوله:

стр. 528

١ - إِذَا نَال مِنْ بَهْم النُّخَيلَةِ غِرَّة … عَلَى غَفْلَةٍ مِمَّا يَرى وَهوَ طَالِعُ ٢ - تلوم ولو كان ابنها فرحت به … إذا هب أَرْواحُ الشتاءِ الزَّعَازِعُ ٣ - فَقَامَتْ تعشى سَاعَةً مَا تُطِيقُهَا … مِنَ الدَّهْرِ نَأْمَتْهَا الكِلابُ الظَّوَالِعُ ٤ - رَأَتْهُ فَشَكَّتْ وَهُوَ أَطْحَلُ مَائِل … إِلَى الأَرْضِ مَثْنِيّ إِلَيهِ الأكارعُ ٥ - طَوي البَطْنِ إلا من مَصِيرٍ يبُلُّهُ … دَم الجَوْفِ أَوْ سُؤْرٌ مِنَ الحَوْضِ نَاقِعُ ٦ - تَرَى طَرَفَيهِ يَعْسِلانِ كِلاهُمَا … كَمَا اهْتَز عُودُ الشَّيحَةِ المتُتَابعُ ٧ - إِذَا خَافَ جَوْرًا مِنْ عَدُوٍّ رَمَتْ بِهِ … قُصَائبُهُ وَالجانِبُ المتُوَاسِعُ ٨ - وَإِنْ بَاتَ وَحْشًا لَيلَةً لَم يَضِقْ بِهَا … ذِرَاعًا وَلَمْ يَصْبِحْ لَهَا وَهُوَ خَاشِعُ ٩ - وَيَسْرِي سَاعَةً مِنَ اللَّيلِ قَرَّةٍ … يهابُ السرى فِيهَا المخاضُ النوَازِعُ ١٠ - وَإِنْ حَذِرَتْ أَرْضٌ عَلَيهِ فَإنهُ … بِغِرَّةِ أُخْرَى طَيبُ النَّفْسِ قَانِعُ ١١ - يَنَامُ بِإحْدَى مُقْلَتَيهِ ويَتَّقِي … بأُخْرَى المنَايَا فَهو يَقْظَان هَاجِعٌ ١٢ - إِذَا قَامَ أَلْقَى بَوْعَهُ قَدْرَ طُولِهِ … وَمَدَّدَ مِنْهُ صُلْبَهُ وَهُوَ تَابِعُ ١٣ - وَفَكَّكَ لحيَيهِ فَلَمَّا تَعَادَيَا … صَأَى ثُمَّ أَقْعَى والبِلادُ بَلاقِعُ ١٤ - إِذَا مَا غَدَا يَوْمًا رَأَيْتُ غَيَابَةً … مِنَ الطيرِ يَنْظُرْنَ الذِي هُوَ صَانِعُ ١٥ - فَظَلَّ يُرَاعِي الجيشَ حَتَّى تَغَيَّبتْ … خُبَاشٌ وَحَالتْ دُونَهُنَّ الأَجَارِعُ وهو (١) من الطَّويل يصف الشَّاعر الذئب؛ تزعم العرب أن الذئب ينام بإحدى عينيه والأخرى مفتوحة يحرس بها. ١ - قوله: "من بَهْم النخيلة" البهم -بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء؛ وهو جمع بهمة، وهي أولاد الضأن، والبهمة: اسم للمذكر والمؤنث، و"السخال": أولاد المعزى، فإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعًا بهام وبهم -أَيضًا-، و"النخيلة" بضم النُّون وفتح الخاء المعجمة؛ اسم موضع.

стр. 529

٢ - قوله: "أرواح الشتاء الزعازع": الأرواح: جمع ريح، وإنما جمعها بالواو؛ لأن أصلها الواو وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك: أروح الماء، و"الزعازع": جمع زعزع، من الزعزعة وهي تحريك الشيء، يقال: زعزعته فتزعزع، وريح زعزعان وزعزع، أي: تزعزع الأشياء. ٤ - قوله: "وهو أطحل" الأطحل: الذي يعلو خضرته قليل صفرة، و"الأكارع": جمع أكرع وهو جمع كراع، والكراع في الغنم والبقر بمنزلة الوطيف من الفرس والبعير، وهو مستدق الساق، يذكر ويؤنث. ٥ - قوله: "إلَّا من مصير" المصير -بفتح الميم وكسر الصاد [المهملة] (١): المدعي، وهو فعيل والجمع: مُصران مثل: رغيف ورغفان، و"المصارين": جمع الجمع، وميمه أصلية، وقال بعضهم: مصير إنما هو مفعل، من صار إليه الطعام، وإنما قالوا: مُصران كما قالوا في جمع مسيل الماء: مسلان شبهوا مفعلًا بفعيل، قوله: "ناقع" بالنُّون؛ من نقع الماء العطش نقعًا ونقوعًا أي: سكنه. ٦ - قوله: "يعسلان" من عسل الرمح عسلانًا إذا اهتز واضطرب، والرمح عسال، قوله: "عود الشيحة" بكسر الشين المعجمة؛ وهو نوع من النبات، ويروى: عود النبعة وهو شجر يتخذ منه القسيّ. ٧ - قوله: "قصائبه" بالقاف وهي الذوائب المقصبة ملوية لئيًّا حتَّى يترجل ولا تضفر ضفرًا، واحدتها قصيبة وقُصّابة- بالضم والتشديد، وهي الأنبوبة. ٩ - قوله: "قرة" بكسر القاف، وهي البرد، وكذلك البقرة بالفتح، يقال: ليلة قرة باردة، قوله: "المخاض": وهي الحوامل من النوق، واحدتها خلفة من غير لفظها، قوله: "النوازع" يقال: ناقة نازع إذا حنت إلى أوطانها ومرعاها، وكذلك يقال: بعير نازع. ١٣ - قوله: "صأى" أي: صاح، يقال: صأى الخنزير والفيل والفار، قوله: "بلاقع": جمع بلقعة، والبلقعة والبلقع: الأرض القفر التي لا شيء فيها، يقال منزل بلقع ودار بلقع بغيرها إذا كان نعتًا، وإن كان اسمًا قلت: انتهينا إلى بلقعة ملساء. ١٤ - قوله: "غيابة" بفتح الغين المعجمة وبياءين آخر الحروف مخففين (٢) وهي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة والغبرة والظلمة ونحو ذلك. ١٥ - و"الأجارع": جمع أجرع، وهي رملة مستوية لا تنبت شيئًا.

стр. 530

الإعراب: قوله: "ينام": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ينام، والباء في: "بإحدى" تتعلق به، قوله: "ويتقي": عطف على قوله: "ينام" و"بأخرى": يتعلق به، و"المنايا": مفعول يتقي، ويروى: ويتقي بأخرى الأعادي، قوله: "فهو": مبتدأ، وقوله: "يقظان": خبره، وقوله: "هاجع": خبر بعد خبر، ويروى: يقظان نائم، لكنه يخالف أبيات القصيدة، فالعنى: هو حذر وهو جامع بين اليقظة والهجوع. الاستشهاد فيه: في قوله: "يقظان هاجع" فإنهما [خبران] (١) عن مبتدأ واحد، ويجوز فيه العطف وتركه للمغايرة بين الخبرين لفظًا ومعنى (٢). الشاهد الثامن والسبعون بعد المائة (٣) , (٤) فَيَوْمٌ عَلَينَا وَيَوْمٌ لَنَا … وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّ أقول: قائله هو النمر بن تولب بن قيس بن عبد الله بن كعب بن عوف بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار، شاعر مقل أدرك الجاهلية وأسلم فحسن إسلامه، ووفد

стр. 531

على النَّبِيّ ﷺ وكتب له كتابًا فكان في أيدي أهله. والبيت المذكور (١) من قصيدة رائية، وأولها هو قوله: ١ - تصابى وَأَمْسَى عَلاهُ الكِبْرَ … وَأَمْسَى لجَمْرَة حَبل غرَرْ ٢ - وَشَابَ وَلا مَرْحَبًا بالبَيَا … ضِ وَالشَّيبُ مِنْ غَائِبٍ يُنْتَظَرْ ٣ - فَلَوْ أَن جَمْرَةً تَدْنُو لَهُ … وَلكن جَمْرَةً مِنْهُ سَفَرْ ٤ - سَلامُ الإِلَهِ ورَيحَانُهُ … ورَحْمَتُهُ وسماءُ دِرَرْ ٥ - غَمَامُ يُنَزِّلُ رِزْقَ العِبَادِ … فَأَحْيَا البِلادَ وَطَابَ الشجَرْ ٦ - أَرَى النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا شِيَمةً … وَفِي كُلِّ حَادِثَةٍ مؤْتَمَرْ ٧ - يَهِينُونَ مَنْ حَقَّرُوا شَيْبَهُ … وَإنْ كَانَ فِيهمْ يَفِي أَوْ يَبِرْ ٨ - وَيُعْجِبُهُمْ مَنْ رَأَوْا عِنْدَهُ … سَوَامًا وَإنْ كَانَ فِيهمْ غَمْرْ ٩ - أَلا يَا لِذَا النَّاسِ لَوْ يَعْلَمُو … نَ لِلْخَيرِ خَيرٌ وللشَّرِّ شَر ١٠ - فَيَوْمٌ عَلَينَا وَيَوْمٌ لَنَا … وَيَؤمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّ وهي من المتقارب. ١ - قوله: "تصابى" أي: صار إلى الصبي والجهل، و"جمرة" -بالجيم: اسم امرأته، قوله: "حبل غرر" أراد أن ميثاقها غرور أي: غير ثِقَة. ٢ - قوله: "لا مرحبًا بالبياض" لأنه يؤدي إلى الهرم والكبر. ٤ - قوله: "ريحانه" أي: رزقه، قوله: "درر" -بكسر الدال: تدر بالمطر دَرَّةً بعد درة، و"الشيمة": الخلق. ٧ - قوله: "يهينون من حقروا شيبة" أراد (٢) أن مما أحدثوا أنَّهم يهينون من قل شيبة وإن كان برًّا وفيًّا، وقد كان فيما مضى أنَّه إذا كان الرَّجل وفيّا أُكْرِمَ وَسُوِّدَ وإن كان معدمًا. ٨ - قوله: "سوامًا" السوام والسائم بمعنى، وهو المال الراعي، قوله: "الغمر" بالغين المعجمة؛ وهو الدنس والخلق المكروه. ٩ - قوله: "ألا يَا لذا النَّاس" كلمة ألا للتنبيه، ويا حرف النداء، والمنادى محذوف، والسلام في: لذا مكسورة، والتقدير: ألا يَا لقومي لهذا النَّاس، لو كان للنَّاس علم لوضعوا بإزاء كل

стр. 532

شيء ما يناسبه، ولفضلوا أهل الخير والعقل وإن كان لا مال لهم، ولم يفضلوا أهل الدنس والخلق السيئ وإن كان لهم مال ثم استأنف الكلام فقال: للخير خير؛ يعني: لكل صنف من الخير خير مثله، وللشر مثل ذلك، ويروى: ...................... … لا الخير خير ولا الشر شر. أي: إن الأوضاع تغيرت والخير قد ذهب والشر قد زاد. ١٠ - قوله: "فيوم علينا ويوم لنا" يعني أن الدهر يومان: يوم يكون علينا وفيه نساء ويوم [يكون] (١) لنا وفيه نسر ونفرح. الإعراب: قوله: "فيوم … ويوم … ويوم … ويوم" كلها مبتدآت، وقوله: "علينا … ولنا … ونساء … ونسر" أخبار عنها، والأصل: فيوم (٢) نساء فيه، ويوم نسر فيه، فحذف الرابط لأنه منصوب بفعل محلًّا، وهذا كقولهم: السمن منوان بدرهم، والبرّ الكر بستين، أي السمن منوان منه بدرهم، والبر الكر منه بستين. الاستشهاد فيه: على وقوع النكرة مبتدأ في المواضع الأربعة؛ لأنها (٣) في مقام التقسيم وهو -أَيضًا- من المسوغات لوقوع النكرة مبتدأ، وذلك من قبيل قولك: النَّاس رجلان: رجل أكرمه ورجل أهينه، والمال قسمان: درهم أعطيه ودرهم آخذه، ومثل هذا كثير، ولم يذكر الشارح، ولا الناظم قبله ضابطًا لذلك، وضابطه: أن يستعمل النكرة في التقسيم (٤)؛ كما ذكروا فيه استشهادًا آخر وهو: حذف رابط الجملة المخبر بها؛ إذ الأصل نساء فيه ونسر فيه كما تررناه آنفًا ولكنه لم يورده لهذا، فافهم (٥).

стр. 533

الشاهد التاسع والسبعون بعد المائة (١) , (٢) أَضَاءَتْ لَهُمْ أَحْسَابُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ … دُجَى اللَّيلِ حَتَّى نَظَّمَ الجزعَ ثَاقِبُهْ نُجُومُ سَمَاء كُلَّمَا انْقَض كَوْكَبٌ … بَدَا كَوْكَبٌ تَأوي إِلَيهِ كَوَاكِبُهْ أقول: قائلهما (٣) هو أبو الطمحان القيسي، واسمه: شَرْقِيّ بن حنظلة شاعر جاهلي من بلقين (٤) وهما من قصيدة هائية، وأولها هو قوله (٥): ١ - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ خيرُ قَبِيلَةً … وَأَصْبَرُ يَوْمًا لا تَوَارَى كَوَاكِبُهْ ٢ - فَإن بَنِي لَأَمِ بْنِ عَمْرٍو أَرُومَةٌ … سَمَتْ فَوْقَ صَعْب لا تنُالُ مَرَاقِبُهْ ٣ - أضاءت ................. … .............................. ٤ - ......................... … ............................ إلخ ٥ - وَمَا زَال مِنْهُمْ حَيثُ كَانُوا مُسَوَّدٌ … تَسِيرُ المنَايَا حَيثُ سارَتْ رَكَائِبُهْ وهي من الطَّويل. ١ - قوله: "وأصبر يومًا" أراد باليوم الوقعات، قوله: "لا تواري": أصله لا تتوارى أي: لا تستر. ٢ - قوله: "أرومة" بفتح الهمزة، وهي الأصل الثابت، قوله: "سمت" أي: علت من السمو، قوله: "لا تنال مراقبه" أي: لا تدرك مراقبه، وهو جمع مرقب، وهو الوضع المشرف يرتفع عليه الرقيب، وأراد أن أحدًا لا ينال أصلهم لعراقتهم في الأصالة. ٤ - قوله: "أضاءت … البيت"؛ قيل: أمدح بيت في الجاهلية، وقيل: أكذب بيت، ويقال: ضاءت النَّار غير متعد، وأضاءت وأضاءها الله، ويحتمل في البيت التعدي والقصور، و"الأحساب": جمع حسب -بفتحتين؛ وهو ما يعده الرَّجل من مفاخر آبائه، ويقال: حسب الرَّجل دينه ولا يقال (٦): ماله، والرجل حسيب، قوله: "دجى الليل" وهو جمع دجية؛ وهي الظلمة.

стр. 534

قوله: "حتَّى نظم الجزع" [نظم] (١) بالتشديد ويقال: نظمت اللؤلؤ، أي: جمعته في السلك والتنظيم مثله، والجزع -بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة وفي آخره عين مهملة؛ وهو الحرز اليماني الذي فيه بياض وسواد، و"الثاقب" بالثاء المثلثة، من ثقبت اللؤلؤ ثقبًا [إذا] (٢) نجشته، والثاقب المضيء من قولهم: نجم ثاقب، أي: يثقب الظلام بنوره، والظاهر أن الهاء للجزع، وأن الثاقب من ثقب الدر كما ذكرنا، وهذا تمثيل من شبههم بالنجوم في الرفعة والاشتهار، وتزين الدنيا بهم، واهتداء أهلها بهم. ٤ - قوله: "كلما انقض" أي: سقط أو غاب، و"بدا كوكب" أي: ظهر كوكب آخر، قوله: "كواكبه" الضمير يرجع إلى السماء؛ على حد قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. الإعراب: قوله: "أضاءت": فعل متعد يعني: نورت، وقوله: "أحسابهم": فاعله، و"وجوههم": عطف عليه، وقوله: "دجى الليل": كلام إضافي مفعوله، أو ظرف، قوله: "حتَّى" للغاية، و"نظم" فعل، و"ثاقبه": فاعله، و"الجزع": مفعوله، والضمير في ثاقبه يرجع إلى الجزع. قوله: "نجوم سماء": خبر مبتدأ محذوف، أي: هم نجوم سماء، وهذه استعارة بالكناية؛ حيث شبه بني لأم بن عمرو بالنجوم في السماء، وطوى ذكر المشبه [به] (٣)؛ إذ شرط الاستعارة أن يترك أحد طرفي التشبيه، فإذا ذُكر الطرفان يسمى تشبيهًا لا استعارة، وهي استعارة محسوس بمحسوس، ويقال: الصحيح أنَّه تشبيه بليغ؛ لأن المشبه المطوي ذكره صالح لأن يذكر بخلاف قولك: رأيت أسدًا، وقوله: "كلما انقض كوكب … إلخ" يبين وجه التشبيه الذي بني عليه الاستعارة، وهو أن مثلهم في ذهاب واحد منهم وقيام الآخر مقامه في السيادة، بحيث يأوي إليه الباقون كمثل كوكب من الكواكب ينقض ويذهب ثم يبدو آخر عوضه. قوله: "كما انقض كوكب": جملة من الفعل والفاعل، وكذا قوله: "بدا كوكب": جملة أخرى من الفعل والفاعل وهو جواب لقوله: "كلما" "وما" في "كلما": مصدرية نائبة هي وصلتها عن الزمان، وقوله: "تأوي إليه كواكبه": جملة أخرى من الفعل والفاعل في محل الرفع على أنها صفة لقوله: "كوكب" الذي في قوله: "بدا كوكب". الاستشهاد فيه: في قوله: "نجوم سماء" حيث حذف فيه المبتدأ؛ إذ أصله: هم نجوم سماء، وهذا الحذف

стр. 535

جائز لا واجب (١). الشاهد الثمائون بعد المائة (٢) , (٣) تُسَاورُ سَوَّارًا إلى المَجْدِ والعُلا … وفِي ذِمَّتِي لَئِنْ فَعَلْتَ ليَفْعَلَا أقول: قائلته هي ليلى الأخيلية، وهو شعر تهجو به النابغة الجعدي، وتفضل عليه سوار بن أوفى القشيري، وذلك لأن النابغة كان قد هجاها بقصيدة أولها (٤): ١ - أَلا أَبْلِغَا لَيلَى وَقُولا لَهَا هَلا … فَقَدْ ركبتْ أَمرًا أَغَرّ مُحَجَّلا ٢ - ذَرِي عَنك تَهْجَاءَ الرِّجَالِ وَأَقبِلِيَ … عَلَى أَزْلَقيٍّ يَمْلأ اسْتَكِ فَيشَلا وأول شعرها (٥): ١ - أَنَابَغُ لَم تَنْبُغْ وَلَمْ تَكُ أَوَّلا … وَكُنْتُ صُنَيًّا بَينَ صُدَّيْنِ مَجْهَلا ٢ - أَعَيرْتَنِي دَاءً بِأُمِّكَ مِثْلُهُ … وَأَيُّ جَوَاب لا يُقَالُ لَهُ هَلا ٣ - تُسَاورُ سَوَّارًا إلى المجدِ والعُلا … وفيِ ذِمّتِي لَئِنْ فعَلْتَ ليَفْعَلَا وكلتا القصيدتين من الطَّويل. [أولًا: شرح أبيات النابغة] ١ - قوله: "ألا أبلغا ليلى" ويروى: ألا حييا ليلى، قولها: "هلا": كلمة زجر، وأصله يستعمل في زجر الخيل (٦). ٢ - قوله: "ذري" أي: اتركي، و"التهجاء": مصدر مثل التهدار بمعنى الهجاء، قولها: "أزلقي" أي: رجل فصيح متقن، قولها: " [فيشلا"] (٧) بفتح الفاء وسكون الياءآخر

стр. 536

الحروف وفتح الشين المعجمة، وهو الذكر العظيم الكمرة. [ثانيًا: شرح أبيات ليلى الأخيلية] ١ - قولها: "أنابغ": منادى مرخم، يعني: يَا نابغة، قولها: "لم تنبغ" أي: لم تظهر؛ من نبغ ينبغ من باب فتح يفتح، ونبغ ينبغ من باب ضرب يضرب، ونبغ ينبغ من باب نصر ينصر، قولها: "وكنت صنيًّا" بضم الصاد المهملة وفتح النُّون وتشديد الياءآخر الحروف، وهو تصغير صنو، وهو حسي صغير لا يرده أحد ولا يؤبه له، ويقال: هو شق في الجبل، و"الحسي" بكسر الحاء، وهو الماء المتوارى في الرمل، ويروى: وكنت شعيبًا بين صدين، و"الصد" بضم الصاد المهملة وتشديد الدال، وهو الجبل، وقال أبو عمرو: يقال لكل جبل صَدّ وصُدّ وسَدّ وسُدّ ثم أنشد البيت (١). ٣ - قولها: "تساور سوارًا" أي: ترافع (٢) سوارًا، وهو على وزن فَعَّال بالتشديد، وهو سوار بن أوفى القشيري؛ هكذا وقع في غالب نسخ ابن الناظم (٣) وغيرها، وكذا رأيت أَبا حيان قد ضبطه بيده، وفي شرح التسهيل (٤) وهو تصحيف. والصحيح: تُساور سوارًا -بضم التاء المثناة من فوق وإهمال السين؛ من المساورة وهي المواثبة والمغالبة؛ وذلك أن ليلى الأخيلية كان بينها وبين سوار مودة، وكان بين سوار والنابغة الجعدي مفاخرة ومحاربة، وكان كل واحد يفضل نفسه على الآخر، فليلى تخاطب النابغة بقولها: كساور سوارًا، أي: ترفع نفسد على سوار (٥) وتغالبه في المفاخرة، "وفي ذمتي لئن فعلت" أي: رفعت نفسك عليه ليفعلا، أي: ليفعل الآخر، أي: ليرفع هو نفسه عليك -أَيضًا- وما يسلم لك. قولها: "إلى المجد" أي: إلى الكرم يقال: رجل مجيد، أي: كريم، و "العلا" بضم العين بمعنى العلو، قولها: "لئن فعلت": خطاب للنابغة -أَيضًا-، قولها: "ليفعلا" أي: ليفعل سوار -أَيضًا-، والألف فيه مبدلة من النُّون الخفيفة (٦).

стр. 537

الإعراب: قولها: "تساور": جملة من الفعل والفاعل و"سوارًا": مفعوله، قولها: "إلى المجد": يتعلق بـ"تساور"، و"العلا" عطف على المجد، قولها: "وفي ذمتي": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وفي ذمتي قسم أو يمين، قولها: "لئن فعلت": فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، وكذا قولها: "ليفعلَا" والجملة جواب القسم. الاستشهاد فيه: في قولها: "وفي ذمتي" حيث حذف فيه المبتدأ حذفًا وجوبًا, ولا يذكر المبتدأ في مثل هذه الصورة؛ كما في قولهم: في ذمتي لأفعلن (١)، وقد قيل: في جعل"ذمتي" قسمًا صريحًا نظر؛ لأنه ذكر في حذف الخبر أن القسم مما يشعر بمجرد ذكره، وقولها: "في ذمتي" لا يشعر بمجرد ذكره؛ لأنه يحتمل أن يكون: في ذمتي دين أو عهد، فلا يفهم القسم إلَّا بذكر المقسم به (٢). الشاهد الحادي والثمانون بعد المائة (٣) , (٤) وَلَوْلا بَنُوهَا حَوْلَهَا لخبَطْتُهَا … ...................... أقول: قائله هو الزُّبير بن العوام أحد العشرة المبشرين بالجنة [رضي الله تعالى عنهم] (٥) في زوجته أسماء بنت أبي بكر ﵄، وكان الزُّبير - رضي الله تعالى عنه - ضرابًا للنساء، وتمامه: ...................... .. كَخَبطَةِ عُصْفُورٍ وَلَمْ أَتَلَعْثَمِ وهو من الطَّويل.

стр. 538

قوله: "ولولا بنوها" أي: ولولا بنو أسماء، وهي بنت أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما - وزوجة الزبير -رضي اللَّه تعالى عنه- وكانت رابعة أربعة نسوة. قوله: "لحطبتها" هكذا وقع في كتاب ابن الناظم (١)، وهكذا في شرح الكافية (٢) والخلاصة لأبيه، وهو تصحيف وإنما صوابه: "لحبطتها" بتقديم الباء الموحدة على الطاء، والدليل على ذلك قوله: "كخبطة عصفور"، وهو من خبطت الشجرة إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها، وخبط البعير الأرض بيده؛ ضربها، ومنه قيل: خبط عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئًا، قوله: "ولم أتلعثم" من تلعثم يتلعثم- بلام وعين مهملة وثاء مثلثة، يقال: تلعثم في الأمر إذا تأنى فيه وتمهل. الإعراب: قوله: "لولا" تأتي لربط امتناع الثانية لوجود الأولى، وقد دخلت هنا على الجملة الاسمية وهي قوله: "بنوها حولها" فإن "بنو": مبتدأ، "وحولها": خبره، قوله: "لحبطتها": جواب لولا، قوله: "كخبطة عصفور": صفة لمصدر محذوف؛ أي: خبطتها خبطًا كخبطة عصفور، قوله: "ولم أتلعثم": جملة وقعت حالًا. فإن قلتَ: قد تقرر عندهم وجوب حذف "لولا" الامتناعية فكيف أثبت ها هنا؟ قلت: ذاك إذا دل دليل على تعليق امتناع الجواب على نسبة الخبر إلى المبتدأ، أما إذا لم يدل على ذلك دليل فحينئذ يجب ذكره كقوله ﷺ لعائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - "لولا قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين" (٣) رويناه من طريق البخاري وقول الزبير بن العوام ﷺ من هذا القبيل (٤)، فافهم. الاستشهاد فيه: في قوله: "بنوها حولها" فإنه ذكر فيه خبر المبتدأ الواقع بعد لولا لكونه خاصّا لا دليل عليه لو حذف كما قررناه الآن (٥).

стр. 539

الشاهد الثاني والثمانون بعد المائة (١)، (٢) ورَأْيُ عَينَ الفتى أباكا … يُعطي الجزيلَ فعليك ذاكا أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج الراجز، أنشده سيبويه في كتابه (٣). وهو من الرجز المسدس، وفيه الخبن والقطع والخبل باللام (٤). والمعنى ظاهر. الإعراب: قوله: "رأي عيني" الرأي: مصدر رأيت، وهو مشترك بين الاعتقاد؛ كقولك: هذا رأي أبي حنيفة ﵁ (٥)، والرؤية كقوله سبحانه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ (٦) [آل عمران: ١٣] ومنه هذا البيت، وهو مضاف إلى عيني إضافة المصدر إلى فاعله، وارتفاعه بالابتداء، وعن أبي الحسن نصب رأي، والصواب رفعه و "الفتى": مفعول المصدر. قوله: "أباكا": بدل من الفتى أو عطف بيان، قوله: "يعطي الجزيل": جملة فعلية وقعت حالًا وسدت مسد الخبر للمبتدأ؛ أعني قوله: "ورأي عيني"، قوله: "فعليك": اسم فعل بمعنى الزم، قوله: "ذاكا": مفعوله، وهو اسم إشارة إلى العطاء الجزيل، والمعنى: رؤية عيني أباك حصلت إذ كان يعطي العطاء الجزيل فالزم طريقته وتشبه به في ذلك؛ لأن الولد سر أبيه، ومن يشابه أبه فما ظلم. الاستشهاد فيه: على أن الحال قد سدت مسد الخبر كما ذكرنا، ومنع الفراء وقوع الجملة الحالية السادة مسد

стр. 540

الخبر (١) والبيت المذكور حجة عليه، وقولهم سمع أذني زيدًا يقول كذا (٢). الشاهد الثالث والثمانون بعد المائة (٣)، (٤) يَدَاكَ يَدٌ خَيرُها يُرتَجَى … وَأُخْرَى لِأَعدَائِها غَائِظَهْ أقول: قائله هو طرفة بن العبد البكري (٥)، وأنشده الخليل بن أحمد (٦)، وبعده: ١ - فأمَّا التِي خَيرُها يُرْتَجَى … فَأَجْوَد جُودًا مِنَ اللافِظَهْ ٢ - وَأمَّا التِي شرُّها يتقَى … فَسُمٌّ مُقَاتِلُة لافِظَهْ ٣ - إذَا رَجَعَتْ وَجَرَى سمها … فَنَفْسُ اللَّدِيغ بِها فَائِظَهْ (٧) وأنشده الصاغاني في العباب هكذا: ١ - يداك يد سبيلها مرسل … وأخرى لأعدائها غائظهْ ٢ - فأما التي سيبها يرتجى … قديمًا فأجود من لافظهْ وهي من المتقارب. ١ - قوله: "يداك … إلخ" يمدح رجلًا بأن إحدى يديه يرتجى منها الخير ويده الأخرى غيظ للأعداء، والغيظ: غضب كامن.

стр. 541

١ - قوله: "من اللافظه" أي: من البحر، والهاء فيه للمبالغة كما في: راوية وعلامة، وفي المثل: فلان أسمح من لافظة (١) أي: بحر، قال الجوهري: وقولهم؛ أسمح من لافظة، يقال؛ هي العنز؛ لأنها تُدعى للحلب وهي تجتر فتلفظ بجرتها وتقبل فرحًا منها بالحلب (٢). ويقال هي التي تزق فرخها من الطير؛ لأنها تخرج ما في جوفها وتطعمه، قال الشاعر (٣): تَجُود فَتُجْزِلُ قَبلَ السؤَالِ … وَكَفُّكَ أَسْمَحُ مِنْ لافِظَهْ ويقال: هي الرحى، ويقال: الديك، ويقال: البحر؛ لأنه يلفظ بالعنبر والجوهر، والهاء للمبالغة. ٢ - قوله: "فسم مقاتلة لافظه" أي: رامية، وأراد بالمقاتلة الحيوانات ذوات السم التي ترمين بالسم فيقتلن. ٣ - قوله: "فائظه" بالظاء المعجمة القائمة؛ قال أبو القاسم الزجاجي (٤)، يقال: فاظ الميت بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد، وفاظت -بالظاء جائز عند الجميع إلا الأصمعي؛ فإنه لا يجمع بين الظاء والنفس، تقول: فاظ الرجل بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد (٥). وقال أبو زيد وأبو عبيدة؛ فاظت نفسه -بالظاء لغة قيس، وبالضاد لغة تميم (٦)، وروى المازني عن أبي زيد أن العرب تقول: فاظت نفسه- بالظاء إلا بني ضبة فإنهم يقولون بالضاد (٧)، ومما يقوي فاظت نفسه بالظاء، قول الشاعر: يداك يد .................. … ............................. إلخ ويروى: يداك يد جودُها يُرتَجَى … .................................. وقال بعضهم (٨): يقال فاظت نفسه تفيظ فيظًا وفاظت تفوظ فوظًا، والثانية نادرة، وفي قوله: .............................. … فنَفْسُ اللديغِ بِها فَائِظَهْ

стр. 542

رد على أبي عمرو بن العلاء؛ إذ زعم أنه يقال: فاظ الرجل كما قال رؤبة (١): لا يَدفنُونَ مِنْهُمُ مَنْ فَاظَا … ................................... ولا يقال: فاظت نفسه، وعلى من قال: إنما يقال في فعل النفس بالضاد، وبعضهم يخص الضاد بلغة تميم (٢)، واتفقوا في: فاظ الرجل أنه بالظاء، وذكر ابن دحية (٣) في كتاب مرج البحرين وفوائد المشرقين والمغربين أن أبا محمد بن حزم (٤) حكى أن الوزير أبا الحسن جعفر بن عثمان الصحفي (٥) كتب إلى صاحب الشرط أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي اللغوي كتابًا فيه: فاضت نفسه بالضاد فكتب إليه معترضًا (٦): ١ - قُلْ لِلْوَزِير السنّي محمَّده … لِي ذمة منك أنتَ حافِظُها ٢ - إنْ لَم تُحافِظْ عِصَابَة نسبت … إليكَ قدمًا فمَنْ يُحَافِظُها ٣ - لا تدَّعَنْ حَاجَتِي مطرحة … فَكان نَفْسِي قَد فَاظَ فَائِظُها فَأجابه: ١ - خَفضْ قَلِيلا فَأَنْتَ أَوْحَدها … عِلْمًا وَنَقَّابُها وَحَافِظُها ٢ - كَيفَ تضِيعُ العُلُوم في بَلدٍ … أَبْنَاوُها كلُّهُم يُحَافِظُها ٣ - أَلْفَاظُهم كلها مُعَطَّلَة … مَا لَم يُعَوَّلْ عَلَيكَ لافظها ٤ - وَقَد أَتَتْنِي قَدَيْت شَاغِلة … لِلنفْسِ أَنْ قُلت فَاظَ فَائِظُها

стр. 543

٥ - فَأوضَحْتَها تَفزْ بِنَادِرَة … قَدْ بَهِظ الأوَّلِيَن بَاهِظُها فأجابه في ضمن شعره الشاهد على ذلك (١): ١ - أتانِي كتَابٌ مِنْ كَريمٍ مُكرَّم … فَنَفس عَنْ نَفْس تَكَادُ تَفِيظُ ٢ - فَسَرّ جميعَ الأَوْليَاءِ ورودهُ … وَسِيءَ رِجال آخرُونَ وَغِيظُوا ٣ - لَقَد حفظ العهْدَ الذِي قَدْ أَضاعَهُ … لَدَى سواهُ والكريمُ حَفِيط ٤ - وبَاحِثُ عنْ فاظَتْ وَقَبلِي أَفَادها … رِجال لَدَيْهِم في العلُومِ حظوظُ ٥ - رَوَاهُ ابْنُ كَيسَانَ وسهل وأنْشَدُوا … يُقالُ أَتَى الغِيَاظُ وهوَ يَغِيظُ ٦ - وسميتُ غياظًا ولستُ بِغَائظٍ … عدوًّا ولكن الصديقَ تَغِيظُ ٧ - فلا حفظ الرحمَنُ روحكَ حَئةً … ولا هِيَ في الأَزوَاحِ حين تفيظُ وذكر في كتاب الضاد والظاء لأبي الفرج بن سهل الدهقاني النحوي: يقال: فاظ الميت يفيظ فيظًا إذا قضى، قال الأصمعي: ولا يقال: فاظت نفسه ولا فاضت نفسه (٢) وزعم غيره أن العرب تقول: فاضت نفسه بالضاد، فأما: فاظت نفسه [بالظاء] (٣) فلا يقال (٤). الإعراب: قوله: "يداك": كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: يداك لك، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هاتان يداك، قوله؛ "يد": خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداهما يد، ويقال: "يداك": مبتدأ، "ويد": خبرها، "وخيرها يرتجي": جملة وقعت صفة ليد، وعلى هذا الوجه يأتي الاستشهاد على ما يأتي الآن. وقيل: تقديره: إحدى يديك يد خيرها يرتجى، فلما حذفوا المضاف قام المضاف إليه مقامه، قوله: "وأخرى" أي: ويد لك أخرى، وهو عطف على قوله: "يد"، وقوله: "غائظه": صفة لها "ولأعدائها": يتعلق بها. الاستشهاد فيه: على أن الخبر متعدد لتعدد الخبر عنه فيجب العطف بالواو (٥).

стр. 544

الشاهد الرابع والثمائون بعد المائة (١)، (٢) لُقَيْمُ بْنُ لُقْمَان منْ أُخْتِهِ … فَكَانَ ابنَ أُخْتٍ لَهُ وَابْنَمَا أقول: قائله هو النمر بن تولب، وهو من قصيدة ميمية، وأولها هو قوله: ١ - سلا عَنْ تَذَكّرهِا تُكْتَما … وَكَانَ رَهِينًا بِها مغْرَما ٢ - وَأقْصرَ عَنْها وَآيَاتُها … تُذَكّرهُ دَاءَهُ الأَقْدَما ٣ - فَأَوْصَى الفَتَى بِابْتِنَاءِ العُلا … وَأَنْ لا يَخُون ولا يَأْثَما ٤ - ويَلْبِسَ للدَّهْرِ أَجْلالُهُ … فَلَنْ يَبنِيَ النَّاسُ مَا هدَّمَا ٥ - وإنْ أَنْتَ لاقَيتَ في نجْدَةٍ … فَلا يَنهينّكَ أَنْ تُقْدِمَا ٦ - فَإنَّ المنَيَّةَ مَنْ يَخْشَها … فَسَوْفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَما ٧ - وإنْ تَتَخَطَّاكَ أَسْبَابها … فإنَّ قُصَارَاكَ أَنْ تَهْرمَا ٨ - فَأحبِبْ حَبِيبَكَ حبًّا رُوَيدًا … فليس يَعُولكَ أَنْ تصرِمَا ٩ - فَتَظْلمَ بالوُدّ مَنْ وصلهُ … رقيقٌ فَتَشفَه أَو تَنْدَمَا ١٠ - وأبْغضْ بغِيضكَ بُغْضًا رُويْدًا … إِذَا أَنْتَ حاولتَ أَنْ تَحكُمَا ١١ - ولوْ أَنَّ منْ حَتْفِهِ نَاجيًا … لأَلْفَيتَهُ الصدَع الأعْصَمَا ١٢ - بأسبيلَ ألقت بِهِ أمه … عَلَى رَأْسِ ذِي حبك أيْهمَا ١٣ - إذَا شاءَ طالعَ مسْجُورَةً … تَرَى حولَها النبعَ والساسمَا ١٤ - تكونُ لأَعدَائِهِ مجهلًا … مضلّا وَكَانَتْ لهُ معلمَا ١٥ - سقتها الروَاعِدُ منْ صَيِّفٍ … وَإنْ منْ خريف فَلَنْ يعدَمَا ١٦ - أتاحَ لهُ الدهْرُ ذَا وَفْضَةٍ … يقلب في كفّهِ أسهمَا ١٧ - فَأَرسَلَ سَهْمًا على غِرِّةٍ … وَمَا كَانَ يرهبُ أنْ يكلّمَا ١٨ - وأخرجَ سهمًا لهُ أهْزعًا … فشكَّ نَوَاهِقَهُ والفَمَا

стр. 545

١٩ - فَظَلّ يشبُّ كَأَنَّ الوُلُو … عَ كَانَ بِصحَّتِهِ مُغْرَما ٢٠ - أَتَى حِصنَهُ مَا أتى تُبَّعًا … وَأَبْرهةَ الملِكَ الأَعظَمَا ٢١ - لُقَيمُ بْنُ لُقْمَان مِنْ أُخْتِهِ … فَكَانَ ابنَ أُخْت لَهُ وَابْنَمَا ٢٢ - لَيَالِيَ حُمِّقَ فَاسْتَحْصَنَتْ … إِلَيهِ فَغُرّ بِها مُظْلِمَا ٢٣ - فَأَحْبَلَها رجلٌ نَابِهٌ … فَجَاءَتْ بِهِ رَجُلًا مُحْكِمَا وهي من المتقارب. ١ - قوله: "تكتما" بضم التاء المثناة من فوق [وسكون الكاف وفتح الثاء المثلثة من فوق] (١) وهو اسم امرأة. ٢ - و "الآيات": العلامات والآثار. ٤ - و"الأجلال": جمع جل [قوله: "فَلَنْ يبني النَّاسَ مَا هدَّمَا" معناه: إذا ضيع الفتى مجده لم يبنه له الناس. ٥ - و "النجدة" -بفتح النون: القتال] (٢) قوله: "ولا ينهينك" (٣) معناه: لا تنهينها فقلب الكلام. ٧ - قوله: "قصاراك" أي: غايتك. ٨ - قوله: "يعولك" أي: يشق عليك. ١١ - و "الحتف": الهلاك، و "الصدع" -بالمهملات المفتوحة: الوعل بين الجسيم والضئيل وهو -أيضًا- الوسط من كل شيء، يقال: رجل صدع وفرس صدع، و "العصمة": بياض في اليد. ١٢ - قوله: "بأسبيل" كقنديل، وهو اسم بلد، و "الأيهم"- بالياء آخر الحروف؛ الذي لا يهتدي لطريقه. ١٣ - قوله: "مسجورة" -بالجيم أي: مملوءة، و "النبع": شجر يتخذ منه القسي، و "الساسم" قيل: الأبنوس. ١٤ - قوله: "تكون لأعدائه" يعني؛ الوعل أعداؤه من الناس، و "مجهل" بفتح ثالثه، و "مضِل" بكسره، وميمهما مفتوحتان، و "معلم" -بفتح الميم واللام أي: هي مجهل لأعدائه ومعلم له.

стр. 546

١٥ - قوله: "سقتها الرواعد" يأتي هذا البيت -إن شاء الله تعالى- في جملة الشواهد في باب العطف (١). ١٦ - قوله: "أتاح" أي: قدر، و "الوفضة"- بالفاء: طرف السهام، وكذلك: الجفير والكنانة. ١٨ - و "الأهزع"- بالزاي المعجمة: آخر سهم في الكنانة. ١٩ - قوله: "يشب" أي: يرفع يده حين أصابه السهم، و "الولوع" -بفتح الواو: القدر والحين. ٢٠ - قوله: "تبعًا" وهو ملك اليمن، و"أبرهة": ملك الحبشة. ٢١ - قوله: "لقيم" بضم اللام وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف، وهو لقيم بن لقمان بن عاد، وكان لقمان هذا يلد النجباء، وكانت له أخت بالعكس منه فغشيها لقمان فجاءت بلقيم فصار ابنًا للقمان وابن أخت له. وروي أن لقمان كان لا يولد له؛ فقالت امرأته لأخته: أما ترين لقمان في قوته وعظم خلقه لا يولد له، فقالت: فما الحيلة؟ قالت امرأته لأخته: تلبسين ثيابي حتى يقع عليك (٢) في الظلمة ففعلت فواقعها فولدت منه فسمي (٣) لقيمًا، وذُكر في ديوان النمر بن تولب أن أخت لقمان بن عاد كانت تحت رجل ضعيف أحمق فولدت له أولادًا ضعافًا، فأحبت أن يكون لها ولد مثل أخيها (٤)، فقالت لامرأة لقمان: هل لك أن أجعل لك جعلًا وتأذني [لي] (٥) أن آتى لقمان الليلة، فأسكرته واندست له أخته، فوقع عليها لقمان، فلما كانت الليلة القابلة أتته امرأته فوقع عليها فقال: هذا حر معروف؛ وكأنه استنكره، وكان لقيم من أحزم الناس، لذلك يقول النمر بن تولب: "فكان لابن أخت له وابنما". ٢٢ - قوله: "ليالي حمق" أي: أسكر حتى ذهب عقله، قوله: "فاستحصنت" أي: أتته كأنها حصان كما تأتي المرأة زوجها حمقته امرأته وأخته (٦). ٢٣ - قوله: "فأحبلها رجل نابه" وهو لقمان؛ حيث أحبل أخته فجاءت أخته به، أي بلقيم حال كونه رجلًا محكمًا، ويروى: فجاءت به جعظرا مُطْهما، و "الجعظر": الكثير العضل واللحم، والمطهم: الحسن الخلق.

стр. 547

الإعراب: قوله: "لقيم": مبتدأ، و "ابن لقمان": صفته، وقوله: "من أخته": خبر المبتدأ، والضمير في أخته يرجع إلى لقمان، قوله: "فكان" أي: لقيم، والضمير فيه اسم كان، وخبره قوله: "ابن أخت" أي: للقمان قوله: "وابنما": عطف على قوله: "ابن أخت" أي: وابنًا له -أيضًا- والميم فيه زائدة وذلك كما في قول الشاعر يصف رجلًا (١): ولم يَحِمْ أنفًا عندَ عرس ولا ابنم … ................................... فإنه يريد الابن، والميم زائدة، وهو معرب من مكانين تقول: هذا ابنم، ومرت بابنم ورأيت ابنما تتبع النون الميم في الإعراب، والألف مكسورة على كل حال. الاستشهاد فيه: أن أبا علي الفارسي استشهد به على جواز عطف الخبر على خبر آخر فيما إذا تعدد في اللفظ دون المعنى؛ وذلك حيث عطف الشاعر [قوله: "وابنما" على] (٢) قوله: "ابن أخت" فإنهما خبران تعددا لفظًا واتفقا معنى (٣). ونبه ابن الناظم على أن هذا سهو؛ لأن ما يتعدد لفظًا دون معنى يجب فيه ترك العاطف؛ كما في قولك: الرمان حلو حامض؛ بمعنى من، وهو أعسر أيسر بمعنى: أضبط، وهو العامل بكلتا يديه (٤)، فالذي ذهب إليه أبو علي ليس من هذا القبيل؛ لأن الحلو والحامض لا يجتمعان معًا تامين بخلاف ما استشهد به فإنه يمكن أن يكون الواحد ابنًا لرجل وابن أخت له أيضًا وإن كان هذا لا يجوز شرعًا. فافهم (٥).

стр. 548

الشاهد الخامس والثمانون بعد المائة (١)، (٢) فَأَمُّا القِتَالُ لا قِتَال لَدَيْكُمُ … ................................. أقول: هذا البيت مما هُجي به قديمًا بنو أسد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس؛ كذا قاله أبو الفرج، وتمامه: ............................... .... وَلَكِنَّ سَيرًا فِي عِرَاضِ المَوَاكِبِ وقبله: فَضَحتُم قُرَيْشًا بالفِرَارِ وَأَنْتُمُ .. قُمُدُّونَ سودَان عِظَامُ المناكِبِ وهما من الطويل. قوله: "في عراض المواكب" بالعين المهملة والضاد المعجمة؛ أي: في شقها وناحيتها، قال أبو ذؤيب في صفة برق (٣): أَمِنْكَ برقٌ أَبِيتُ الليلَ أَرقُبُه … كَأَنَّهُ في عِرَاضِ الشَّام مِصبَاحُ أي: في شقه وناحيته، وصحفه (٤) بعضهم فقال: بالعراص -بالصاد المهملة، وهو جمع عرصة، وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، ويجمع على عرصات -أيضًا- و "المواكب": جمع موكب، والموكب: القوم الركوب على الإبل للزينة، وكذلك جماعة الفرسان، قوله: "قمدون"؛ جمع قمد -بضم القاف والميم، وهو القوي الشديد، والأنثى قمدة. الإعراب: قوله: "فأما" أما: حرف شرط وتفصيل وتوكيد، و "القتال": مبتدأ، وخبره قوله: "لا قتال لديكم" قوله: "ولكنَّ": للاستدراك، و "سيرًا": نصب على المصدر، تقديره: ولكن تسيرون

стр. 549

سيرًا في نواحي المواكب، وقوله: "في عراض": يتعلق بالمحذوف. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا قتال" فإنه حذف منه الفاء التي تسمى فاء الجزاء، التي تدخل بعد أما، وهذا الحذف للضرورة (١)؛ كما في قوله (٢): مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَات الله يَشْكُرُها … .................................. الشاهد السادس والثمانون بعد المائة (٣)، (٤) وَإنْسَانُ عَيني يَحْسِرُ الماءُ تَارَةً … فَيَبدُو وتَارَاتٍ يَجمّ فَيغْرَقُ أقول: قائله هو ذو الرمة غيلان بن عقبة، وهو من قصيدة قافية أولها [هو] (٥) قوله (٦): ١ - أَدَارًا بِحُزْوَى هجْتِ لِلْعَيِن عَبرةً … فَمَاءُ الهوَى يَرفَض أَوْ يَتَرَقْرَقُ ٢ - كَمُستعبِرِي مِنْ رَسْمِ دَار كَأَنها … بِوَعْسَاءَ تَنْضُوها الجَمَاهِيرُ مُهرَقُ ٣ - وَقَقنَا فَسلَّمَنَا فَكَادَتْ بمُشْرِفٍ … لعرفَانِ صَوْتِي دِمنَةُ الدَّارِ تَنْطِقُ

стр. 550

إلى أن قال: ٤ - وإنسان عيني ............. … .............................. إلخ ٥ - لَعَمرُكَ إِني يومَ جَرعَاءِ مَالك … لَذُو عَبرَةٍ كُلا تَفِيضُ وَتَخنُقُ ٦ - يَلُومُ عَلَى ميّ خَلِيلِي ورُبمَا … يَجُورُ إِذَا لامَ الشفِيقُ ويخْرِقُ ٧ - ولوْ أَن لُقْمَانَ الحَكِيمَ تَعرَّضَتْ … لعينَيهِ مي سافرًا كادَ يبرقُ وهي طويلة من الطويل. ١ - قوله: "بحزوى" بضم الحاء المهملة وسكون الزاي العجمة وفتح الواو، وهي رملة عظيمة لها جمهور عظيم يعلو تلك الجماهير، و "العبرة" بفتح العين المهملة؛ الدمع وأراد: "بماء الهوى" الدمع الذي بعينه (١) من الهوى؛ فلذلك أضافه إلى الهوى، قوله: "يرفض" أي: يسيل متفرقًا، و "يترقرق": يحول في العين ولا ينحدر. ٢ - قوله: "كمستعبري" بفتح الباء الموحدة، وهو المكان الذي يستعبر فيه، والمعنى: كما بكيت في دار أخرى بالوعساء وهي رابية من الرمل. قوله: "تنضوها" أي: تتصل بها، "الجماهير" وهو (٢) جمع جمهور وهي القطعة العظيمة من الرمل، و "المهرق": شيء كان يكتب فيه، وهو بالفارسية مهرة كرد. ٣ - قوله: "بمشرف" بضم اليم وسكون الشين، وهو اسم موضع، و "الدمنة" بكسر الدال؛ آثار الناس وما سودوا، ومنه يقال: دمن الناس الدار. ٤ - قوله: "وإنسان عيني" إنسان العين: المثال الذي يرى في السواد، قوله: "يحسر الماء" بالحاء والسين المهملتين، أي: يكشف، وهو من باب ضرب يضرب، قوله: "فيبدو" أي: يظهر، قوله: "يجم" من الجموم وهو الكثرة والجمع العظيم، قال تعالى: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾ (٣) [الفجر: ٢٠] أي: كثيرًا (٤). الإعراب: قوله: "وإنسان عيني": كلام إضافي مبتدأ، وخبره الجملة؛ أعني قوله: "يحسر الماء"، قوله: "تارة": نصب على المصدر، ونحوه: طورًا أو مرة، قوله: "فيبدو": جملة من الفعل والفاعل،

стр. 551

وهي [أيضًا] (١) خبر بعد خبر، قوله: "وتارات": عطف على قوله: "تارة" وهو جمع تارة، ويجمع على: تير -أيضًا- قال الشاعر (٢): يقومُ تارات ويمشي تِيَرًا … ................................... قوله: "يجم": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو يجم، وقوله: "فيغرق": عطف عليه. الاستشهاد فيه: على كون المبتدأ له خبران جملتان وليس للمبتدأ رابط إلا الضمير الذي في الجملة الأخيرة فيهما، وهو الضمير المستتر في قوله: "فيبدو" والتحقيق في هذا المقام أن الجملتين إذا عطفت إحداهما على الأخرى بالفاء التي هي السببية، تنزلتا منزلة الشرط والجزاء واكتفى بضمير واحد في إحداهما، كما اكتفى بضمير واحد في جملتي الشرط والجزاء؛ فإذا قلت: جاء زيد جاء عمرو فأكرمه، فالارتباط وقع بالضمير الذي في الثانية (٣). نص على ذلك ابن أبي الربيع (٤)، (٥)، فإذا كان كذلك فقوله: "وإنسان عيني" مبتدأ كما ذكرنا، ولا رابط له من الجملتين الواقعتين له خبرًا إلا الضمير الذي في الجملة الأخيرة منهما، وهو الضمير المستتر في قوله: "فيبدو"، وإذا كانت إحدى الجملتين معطوفة على الأخرى بالواو نحو: زيد يقوم بكر ويغضب، أجاز ذلك ابن هشام ومنعه البصريون على ما عرف في موضعه (٦).

стр. 552

الشاهد السابع والثماثون بعد المائة (١)، (٢) خيرُ اقتِرَابِي من المولَى حليفَ رِضًا … وشرُّ بُعدِي عنه وهو غَضْبَانُ أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. قوله: "حليف رضا" حليف: فعيل من الحلف -بكسر الحاء وسكون اللام، وهي (٣) المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، وأرد بالمولى الحليف؛ لأن المولى يقع على معان كثيرة: معنى الرب والمالك والسيد والمنعم والمنعَم عليه والمعتِق والمعتَق والمحب والتابع والجار [وابن العم] (٤) والناصر والصهر والحليف، يضاف إلى كل واحد بحسب ما يقتضيه المعنى والحال. الإعراب: قوله: "خير اقترابي": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "من المولى": يتعلق بقوله "اقترابي" وهو مصدر مضاف إلى فاعله، قوله: "حليف رضا": كلام إضافي نصب على الحال من فاعل المصدر، وفيه حذف، وهو الخبر عن المبتدأ، تقديره: خير اقترابي من المولى إذا وجدتُ حليف رضا، فقولنا: إذا وجدت، هو الخبر؛ كما في قولك: أكثر شربي السويق ملتوتًا، تقديره: إذا كان ملتوتًا، وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، أي: إذا كان قائمًا فكان في الموضعين تامة، وملتوتًا وقائمًا حالان، والخبر فيهما محذوف، وهذا من المواضع التي يجب فيها حذف الخبر، وهو بعد كل مبتدأ هو مصدر منسوب إلى الفاعل أو المفعول أو إليهما، مذكور بعده الحال أو أفعل التفضيل مضافًا إلى المصدر المذكور وبعده الحال فقوله: "خير اقترابي" أفعل التفضيل مضاف إلى المصدر، وذكر بعده الحال وهو قوله: "حليف رضا" كما ذكرنا، قوله: "وشر بعدي": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "غير" يتعلق بقوله: "بعدي"، قوله: "وهو غضبان": جملة اسمية وقعت حالًا وقد سدت مسد الخبر. الاستشهاد فيه: وهو وقوع الجملة الاسمية المقرونة بالواو موقع خبر المبتدأ، وهذا الشطر حجة على سيبويه حيث منع ذلك، وقال: الحال التي هي جملة اسمية مقرونة بالواو لا تسد مسد الخبر إلا إذا

стр. 553

كانت اسمًا منصوبًا كما في الشطر الأول من البيت وهو قوله: "حليف رضا" (١). وخالفه في ذلك الكسائي والفراء واحتجَّا عليه يقول الشاعر: ................................... … وشر بعدي عنه وهو غضبان وقوله ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" (٢) فإن الجملة الاسمية المقرونة بالواو في كل منهما قد سدت مسد الخبر (٣)، وأما إذا كانت الجملة الاسمية بلا واو، فكذلك أجاز الكسائي كالتي بالواو، ومنعه الفراء (٤).

стр. 554

إلى هنا انتهى المجلد الأول ويليه المجلد الثاني مبتدءًا بـ: "شواهد كان وأخواتها"

стр. 555

شواهد كان وأخواتها الشاهد الثامن والثمانون بعد المائة (١)، (٢) فَمَا مثْلُهُ فِيهم وَلَا كَانَ قَبلَهُ … وَلَيسَ يَكُونُ الدَّهْرَ مَا دَام يَذْبُلُ أقول: قائله هو حسان بن ثابت الأنصاري ﵁، وهو من قصيدة يمدح بها حسان الزبير بن العوام -رضي الله تعالى عنه- وأولها قوله: ١ - أقَامَ عَلَى عَهْدِ النبِي وهديه … حَوَاريهُ وَالْقَوْلُ بالفعل يعدَلُ ٢ - أقَامَ عَلَى مِنهاجه وَطَرِيقه … يُوَالي ولي الحَقِّ والحق أَعدَلُ ٣ - هُوَ الفَارسُ المشهُورُ والبَطَلُ الذي … يَصُولُ إذا مَا كَانَ يَوْم محجّل ٤ - وإنّ امرأً كَانتْ صَفيةُ أُمُّهُ … ومِنْ أَسدٍ فيِ بَيتها لَمرُفّلُ ٥ - لهُ منْ رَسُولي الله قُربَى قَريبةٍ … ومنْ نُصرَة الإسْلامِ مَجد مُؤَثَّلُ ٦ - فَكم كُرْبَة ذَبَّ الزّبَيرُ بِسَيفه … عَنِ المُصطَفَى واللهُ يعطي وَيَجْزلُ ٧ - إذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقِها الحَربُ حشَّها … بأبْيَضَ سبَّاق إلَى المَوْتِ يُرقلُ ٨ - فما مثله ............... … ............................... إلى آخره وهي من الطويل. ١ - قوله: "حواريه" أي: حواري النبي ﷺ وأراد به: الزبير بن العوام [﵁؛ فإن

стр. 556

النبي ﷺ قال: "إن لكل نبي حواري وحواريَّ الزبير بن العوام"] (١)، رويناه عن طريق الترمذي عن زرعة (٢) عن علي بن أبي طالب ﵁. وفي رواية: "الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي"؛ أي: خاصتي من أصحابي وناصري، ومنه الحواريون أصحاب المسيح ﵇ أي: خلصاؤه وأنصاره، وأصله من التحوير وهو التبييض، قيل: إنهم كانوا قصَّارِينَ يحوّرون الثياب؛ أي: يبيضونها، ومنه: الخبَزُ الحواريّ: الذي نُخِل مرة بعد مرة، قال الأزهري: الحواريون خلصان الأنبياء ﵇، وتأويله: الذين أَخْلَصُوا وَنُقُّوا من كل عيب. قوله: "والبطل": الشجاع "الذي يصول" أي: يحمل، قوله: "يوم محجل" أراد به: يوم الحرب المشهور بين الناس، وارتفاع "يوم" على أنه فاعل كان، وهي تامة. ٤ - قوله: "صفية أمه" هي صفية بنت عبد المطلب (٣) عمة رسول الله ﷺ ، قوله: "لمرفل" بالفاء أي: لمعظم، من الترفيل وهو التعظيم. ٥ - قوله: "مجد مؤثل" المجد: الكرم، ومؤثل: من التأثيل وهو التأصيل. ٦ - قوله: "يُجْزِل": من أجزل إذا أعطى عطاء كثيرًا، قوله: "حَشَّها": من حش الحرب إذا أسعرها وهيجها تشبيهًا بإِسْعَارِ النار، ومنه يقال للرجل الشجاع نِعْمَ مُحُشي الكتيبة، قوله: "بأبيض" أي: بسيف أبيض. ٧ - قوله: "يرقِلُ" من الإرقَال، وهو نوع من الخبب، أراد أنه يسبق الناس إلى الحرب وهو يجري. قوله: "فما مثله فيهم" أي: فمَا مثل الزبير فيهم أي بينهم، ولا كان مثله، قبله؛ أي وليس يكون مثله -أيضًا- في المستقبل طول الدهر، و " [ما دام] (٤) يذبل" بفتح الياء آخر الحروف وسكون الذال المعجمة وضم الباء الموحدة وفي آخره لام؛ وهو اسم لجبل معروف، قال يعقوب: يقال له: يذبل الجوع؛ لأنه مُجدَبٌ دائمًا (٥). الإعراب: قوله: "فما" ما للنفي بمعنى ليس، و"مثله" بالرفع اسمه، وخبره قوله: "فيهم" أي: ليس

стр. 557

مثله كائنًا فيهم، قوله: "ولا كان قبله": جملة منفية عطف على الجملة المنفية التي قبلها، وكان هنا تامة بمعنى وجد (١)، أي: ولا وجد مثله قبله، وقبله نصب على الظرف. قوله: "وليس يكون": جملة منفية أيضًا عطف على ما قبلها، واسم ليس ضمير الشأن، قوله: "يكون": خبره وهي تامة بمعنى يوجد، و "الدهر"؛ منصوب على الظرفية، والتقدير: ليس الشأن يوجد مثله في الدهر، قوله: إما دام يذبل " يعني مدة دوام يذبل، ويذبل مرفوع لأنه فاعل دام. الاستشهاد فيه: على أن ليس نفت المستقبل، وإنما وضعها لنفي الحال، ولكن تنفي المستقبل أيضًا عند قيام القرينة كما في البيت المذكور، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]، ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ [الغاشية: ٦]، وهذا الباب فيه اختلاف: فقال الجزولي (٢): هي للنفي مطلقًا (٣)، وقال الجمهور: هي لنفي الحال (٤)، وقال الزمخشري في المفصل: فلا تقول: ليس زيد قائمًا غدًا (٥). وقال الشلويين (٦)، وتبعه الناظم وابنه (٧) -وهو الصواب: إذا لم يكن للخبر زمن مخصوص تُقيدُ نفيها بالحال كما يحمل عليه الإيجاب المطلق وإن كان له زمن مخصوص تفيد نفيها به، فمما نفت به الماضي قولهم: ليس خلق اللَّه مثله (٨)، وعلى ذلك أجاز سيبويه: ما زيد ضربته بالرفع؛ على أن تكون ما حجازية، ولو لم يصح لليس نفي الماضي لم يجز ذلك في ما المحمولة

стр. 558

عليها، ومما نفت به المستقبل الآيتان المذكورتان والبيت المذكور (١). الشاهد التاسع والثماثون بعد المائة (٢)، (٣) ........................... … وَلَا زَال مُنْهلًّا بِجَزعَائِك القَطْرُ أقول: قائله هو ذو الرمة غيلان بن عقبة، وصدره: ١ - أَلا يَا اسْلَمي يَا دَارَ ميَّ عَلَى البِلَى … .................................. وهو من قصيدة رائية، وهي من الطويل، والبيت المذكور هو أولها وبعده: ٢ - أَقامَت بها حتى ذوى العودُ والتوى … وساقَ الثريا في مُلاءتِه الفجرُ ٣ - وحتَّى اغتَرَى البهْمَى مِنَ الصَّيف نافِضٌ … كما نَفَضتْ خيلٌ نَواصيها شُقْرُ ٤ - وخاضَ القطا في مكرم الحيِّ باللِّوى … نطافًا بَقَايَاهُنَ مطروقةٌ صُفْرُ ٥ - فلما مضى نَوْءُ الثُّريا وأخلفتْ … هواد من الجوازء وانْغَمَس الغَفْرُ ٦ - رمى أمَّهات القُردِ لَذْعٌ مِنَ السَّفَا … فأحصَدَ من قُرَيانه الزهو النضرُ ٧ - لَها بَشرٌ مثل الحريرِ ومَنطق … رخيمُ الحواشِي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ ٨ - وعينان قال الله كُونَا فَكَانَتَا … فعولين بالألْبَابِ ما تفعلُ الخمرُ ١ - قوله: "البلى" بكسر الباء [الموحدة من بلي الثوب يبلى، من باب علم يعلم، بِلًى مصدره بكسر الباء] (٤) من غير مد، فإن فتحت الباء مددته (٥)، قوله: "منهلًّا" بضم الميم وسكون النون وتشديد اللام، من الانهلال، وهو انسكاب الماء وانصبابه، ويقال: الانهلال: شدة الصب، وأما المنهل -بفتح الميم وتخفيف اللام فهو المورد، وهو عين الماء، ترده الإبل في المراعي.

стр. 559

قوله: "بجرعائك" الجرعاء: رملة مستوية لا تنبت شيئًا، و"القطر": المطر، والقطر أيضًا جمع قطرة، وقد قطر الماء وغيره يقطر قطرًا وقطرته أنا يتعدى ولا يتعدى، وقد عيب عليه في عجز هذا البيت؛ لأنه أراد أن يدعو لها فدعا عليها بالخراب وَقُدِّمَ عليه بيتُ طَرَفَةَ (١): فَسَقَى دِيَارَك غَيرَ مُفْسدها … صَوْبُ الربيعِ وَديمَة تَهْمي وأجيب بأنه قدّم الاحتراس بقوله: اسلمي، وأجاب ابن عصفور عن هذا وقال (٢): إن ما زال يقتضي ملازمة الصفة للموصوف مذ كان قابلًا لها على حسب ما قبلها، وذلك أنَّهُ عَهدَ دَارَ مَيَّةَ في خصب لسُقيا المطر لها في أوقات الحاجة إلى ذلك، فدعا لها بأن لا تزال على ما عهدها عليه من انهلال القطر بجرعائها وقت الحاجة إليه. ٢ - قوله: "ذوى" بالذال المعجمة، معناه: جف وفيه بعض الرطوبة، يقال: ذوى يذوي ذويًّا، قوله: "والتوى" أي: صار لَويًّا يَابسًا، واللوى: ما جفّ من البقل، قوله: "في ملاءته" أي: في، بياضه، وذكر في شرح ديوان ذي الرمة وقال: ملاءته: بياض الصبح (٣). ٣ - و"البهمى" بضم الباء الموجدة؛ نبت يشبه السنبل، وقال أبو عمرو: وأراد بـ"نافض" ريح الصيف، وشبه شوك البُهْمَى إذا وقعت عليه فابيض بنواصي خيل شقر. ٤ - قوله: "في مكرع الحي" المكرع: الموضع الذي تكرع فيه الإبل من ماء المطر تدخل فيه، يقال: كرع فيه إذا دخل فيه، وشرب منه ثم قلّ وذهب حتى كاد القطا تخوضه بأرجلها، و "اللوى" بكسر اللام؛ موضع. قوله: "نِطَافًا" بكسر النون وفي آخره فاء؛ وهو إلماء، واحده نطفة وهي البفية من الماء، ويقال للماء المستنقع في مكان: نطاف ونطفة، قوله: "مطروقة" أي: قد طرقتها الإبل واصفرت؛ لأن الأمطار قد ذهبت. ٥ - قوله: "نوء الثريا" النوء: سقوط النجم، يقال: ناء النجم إذا سقط، والثريا: كوكب من العقرب، قوله: "هوادٍ من الجوزاء" وهي نجوم تطلع قبل الجوزاء، واحدها هاب، قوله: "أخْلَفَتْ" أي: جاءت بعدها، يقال: أخلفت [فلانًا] (٤) أي: جئت بعده، قوله: "انغمس" أي: غاب،

стр. 560

و"الغَفْرُ" بفتح الغين المعجمة وسكون الفاء؛ وهو من منازل القمر. ٦ - قوله: "أمهات القرد" أراد به جمع أم القُردان، وهي النقرة التي في أصل فرسن البعير من يده ورجله وهي يليها الوظيف، و"الفرسن": ما أصاب الأرض منه وهو ما دون الرسغ إلى الأرض، "واللدغ" النزغ وهو كالطعن، واللدغُ أيضًا لدغُ العقرب، و"السفا" بالفاء مقصور؛ شوك البهمى، والسفا: التراب أيضًا، والسفاة أخص منه. قوله: "أحصَدٍ" أي: دنا حصاده: "والقُريَان" بضم القاف وسكون الراء؛ جمع قَريّ على وزن فعيل، وهو مجرى الماء في الروض، ويجمع على أَقْرِيَةٍ أيضًا، و "النضر" بفتح النون وسكون الضاد المعجمة؛ بمعنى الناضر. ٧ - قوله: "بشرٌ" أي: جلدٌ وهو جمع بشرة، قوله: "رخيم الحواشي" أي: لَيِّنُ نَوَاحي الكلام، والرخيم -بالخاء المعجمة هو اللين الناعم، "والهراء" بضم الهاء؛ الكلام الكثير الذي ليس له معنى، "والنَّزْرُ" بفتح النون؛ القليل [ويروى] (١)، "ولا هذْر" بالذال العجمة؛ وهو الكثير. ٨ - قوله: " ["وعينان" إلى آخره معناه] (٢): كونا فعولين فكانتَا كذلك، فحذف الخبر الثاني، ويروى: فعولين. الإعراب: قوله: "ألا": كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها، قوله: "يا اسلمى" بدرج الهمزة للوزن ويا: حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا دار مَيَّةُ اسلمي، يعني: حَتّى تحيين، [قوله] (٣): "يا دار مي" يا: حرف نداء، ودارمي: كلام إضافي منادى منصوب، ومي: مرخم: أصله: مية، وتقدير الكلام: ألا يا دار مي احيي واسلمي، وقولي يا دار مَيّ استمريت على البِلَى؛ يعني قد بَليت وَتَغَيرتِ. وقال بعضهم: التقدير: ألا يا هذه سلمك اللَّه على أنك قد بَلِيتِ، فحذف المنادى، ولا يحسن تقدير يا هنا للتنبيه لدخول ألا عليها (٤)، قوله: "ولا زال" كلمة زال: فعلٍ من الأفعال الناقصة تقتضي اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبًا، وقوله: "القطر": اسمه وقوله: "منهلًّا": خبره، و "بجرعائك": يتعلق به، أي: ولا زال القطر، أي: المطر منهلًّا بجرعائك، والكاف خطاب لميّ.

стр. 561

الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا زال" حيث عمل زال الرفع والنصب لوجود شرطه وهو تقدم النفي عليه، وقد علم أن نوعًا من الأفعال الناقصة لا يعمل إلا بشرط تقدم نفي أو شبهه، وهو أربعة أفعال وهي: زال وبرح وفتئ وانفك (١)، وقال البعلي (٢) في شرح الجرجانية: القسم الثاني من الأفعال الناقصة يعمل إذا صحب نفيًا موجودًا أو مقدرًا أو نهيًا أو دعاءً، وذلك أربعة أفعال: زال وبرح وفتئ وانفك، ثم قال: وأما الدعاء فكقول الشاعر: ألا يا اسلمي ............ … ................. إلى آخره (٣) الشاهد التسعون بعد المائة (٤)، (٥) فَقُلْتُ يَمِينُ الله أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي. وهو من قصيدة طويلة من الطويل أولها هو قوله: ألَا عِم صَبَاحًا أيها الطلَل البَالِي … وهلْ يَعمَنْ مَنْ كانَ فيِ العُصُرِ الحَالِي وقد سقناها بكاملها في شواهد الموصول (٦). قوله: "فقلت يمين الله" ويروى: فقلت لها تالله [أبرح قاعدًا] (٧)، وهكذا أنشده الزمخشري في كتابه (٨)، والمعنى: فقلت للمحبوبة: لا أفارقك، والله ولو قطعوا رأسي،

стр. 562

"وأوصالي" أي: مفاصلي، وهو جمع وصل الأعضاء. الإعراب: قوله: "فقلت": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "يمين الله": مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: عليَّ يمين الله، والجملة مقول القول، وقوله: "أبرح" أصله: لا أبرح، وفيه أنا مستتر اسمه، وخبره قوله: "قاعدًا"، قوله: "ولو قطعوا": فعل وفاعل، "ورأسي": كلام إضافي مفعوله، قوله: "لديك": نصب على الظرف. قوله: "وأوصالي": عطف على رأسي، [فإن قلت: أين جواب "لو"؟ قلت: محذوف دل عليه الكلام الأول، والتقدير: ولو قطعوا رأسي] (١) لا أبرح تاعدًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "أبرح" حيث حذف منه حرف النفي؛ إذ أصله: لا أبرح كما ذكرناه (٢). الشاهد الحادي والتسعون بعد المائة (٣)، (٤) صاحِ شمِّر وَلَا تزل ذَاكِرَ المو … تِ فَنِسيَانُهُ ضَلال مُبِينٌ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الخفيف وفيه الخبن. والمعنى: يا صاحب اجتهد واستعد للموت، ولا تنس ذكره؛ فإن نسيانه ضلال ظاهر. الإعراب: قوله: "صاح": منادى مرخم، وحرف النداء محذوف تقديره: يا صاحب، قوله: "شمر":

стр. 563

جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت المستكن فيه، وهو أمر من التشمير، قوله: "ولا تزل": نهي من زال يزال، واسمه مستكن فيه، وخبره قوله: "ذاكر الموت"، قوله: "فنسيانه": مبتدأ، و "ضلال": خبره، و "مبين": صفته، والفاء للتعليل. الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا تزل" فإنه أجرى فيه "زال" مجرى كان لتقدم شبه النفي وهو النهي، وقد عُلِمَ أن زال وأخواتها لا تفارق أداة النفي في حال نقصانها إما ملفوظًا بها وإما مقدرة (١). الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة (٢)، (٣) ببَذْلٍ وَحِلمٍ سَادَ فِي قَومِهِ الْفَتَى … وَكَوْنكَ إِياه عَلَيكَ يَسِيرُ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الطويل. قوله: "ببذل" البذل- بالباء الموحدة والذال المعجمة وهو العطاء، قوله: "ساد": من السيادة، قوله: "إياه" الضمير فيه يرجع إلى الفتى، وكذا في قوله: "في قومه" لأنه وإن كان متأخرًا لفظًا فهو متقدم رتبة، ونطره قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧]، وقد تكلف بعضهم فقال: الضمير في قوله: "إياه" يرجع إلى ما ذكر من البذل والحلم. والمعنى: إن الرجل يسود قومه ببذل المال والحلم، وهو يسير عليك إذا أردت أن تكون مثله. الإعراب: قوله: "ببذل" جار ومجرور يتعلق بقوله: "ساد"، وقوله: "وحلم": عطف عليه، قوله: "ساد" فعل ماضٍ، و "الفتى" فاعله، و "في قومه": يتعلق [بقوله] (٤) ساد، قوله: "وكونك": مصدر مضاف إلى فاعله مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: "يسير" وقوله: "إياه" خبر الكون، والكاف مرفوعة المحل لأنها اسم الكون، وجاء الخبر هنا منفصلًا؛ لأنه في الأصل خبر المبتدأ مع أن

стр. 564

العامل ضعيف عن أن يتصل به مضمران، وضعفه بكونه اسمًا، فاجتمع هنا ما افترق في قوله (١): لئن كان إياه لقد حال بعدنا .... ................................... وفي قولك: عجبت من ضربك إياه، ولو وصل لكان ذلك أضعف منه في قوله (٢): ................................... … ومنعكها بشيء يستطاع (٣) وفي البيت رد على من زعم أن الكون مصدر لكان التامة، وأن المنصوب في نحو: عجبت من كونه فاضلًا، حال لا خبر (٤)؛ إذ لا يمكن دعوى الحالية في الضمير، نعم قد يجوز على أن يكون الأصل؛ وكونك مثله، ثم أقيم الضمير مقام مثل فتكون حاليته على سبيل النيابة؛ كما أجاز الخليل: مررت بزيد زهيرًا، على الحالية، وبرجل زهير على نمت النكرة، وكما قال جماعة في: قَضِيَّةُ وَلَا أَبَا حَسَنٍ لَها، وقوله (٥): لا هيثم الليلة للمطي … ............................. إن العَلَمَ وقع اسمًا لِلَا باقيًا على عَلَميَّته، لكونه على إضمار مثل (٦)، وعلى ذلك خرَّج ابن الحاجب قوله: فإذا هو إياها، وقال: الأصل: فإذا هو موجود مثلها (٧)، وقد قال بعضهم:

стр. 565

ويحتمل أن يكون "إياه" مفعول فعل مقدر حذف فانفصل، والتقدير: وكونُكَ تَفْعَلُه (١)، وقوله: "عليك" يتَعَلَّقُ بيسير. الاستشهاد فيه: في قوله: "وكونك إياه"؛ حيث أعمل فيه مصدر كان كعمل كان، وفيه دلالة أيضًا على أن الأفعال الناقصة لها مصدر كغيرها من الأفعال (٢). الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة (٣)، (٤) وَمَا كُل مَنْ يُبْدِي الْبَشَاشَةَ كَائِنًا … أَخَاكَ إِذَا لَم تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا أقول: هو -أيضًا- من الطويل. قوله: "بيدي": من الإبداء وهو الإظهار، "والبشاشة" بفتح الباء الموحدة؛ مصدر بششت -بكسر العين أبش بفتحها؛ وهي طلاقة الوجه. قوله: "إذا لم تلفه" بضم التاء المثناة من فوق، وسكون اللام، وكسر الفاء، أي: إذا لم تجده، من قولك: ألفيت الشيء إذا وجدته، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: وجداه، قوله: "منجدًا": من أنجده إذا أعانه. والمعنى: لا يكون من يبدي البشاشة إليك أخاك إذا لم تجده معينًا لك في مهماتك. الإعراب: قوله: "وما كل" أي: وليس كل من يبدي، فقوله: "كل من": اسم ما، وخبره قوله: "كائنًا"، و "من" موصولة و "يبدي البشاشة": صلته، قوله: "أخاك": خبر "كائنًا" واسمه مستتر فيه، قوله: "إذا لم تلفه" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى "من"، قوله: "منجدًا": حال من الضمير المذكور، وقوله: "لك" يتعلق بقوله: "منجدًا".
следующие страницы →