← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا زال" حيث عمل زال الرفع والنصب لوجود شرطه وهو تقدم النفي عليه، وقد علم أن نوعًا من الأفعال الناقصة لا يعمل إلا بشرط تقدم نفي أو شبهه، وهو أربعة أفعال وهي: زال وبرح وفتئ وانفك (١)، وقال البعلي (٢) في شرح الجرجانية: القسم الثاني من الأفعال الناقصة يعمل إذا صحب نفيًا موجودًا أو مقدرًا أو نهيًا أو دعاءً، وذلك أربعة أفعال: زال وبرح وفتئ وانفك، ثم قال: وأما الدعاء فكقول الشاعر: ألا يا اسلمي ............ … ................. إلى آخره (٣) الشاهد التسعون بعد المائة (٤)، (٥) فَقُلْتُ يَمِينُ الله أَبْرَحُ قَاعِدًا … وَلَوْ قَطعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي. وهو من قصيدة طويلة من الطويل أولها هو قوله: ألَا عِم صَبَاحًا أيها الطلَل البَالِي … وهلْ يَعمَنْ مَنْ كانَ فيِ العُصُرِ الحَالِي وقد سقناها بكاملها في شواهد الموصول (٦). قوله: "فقلت يمين الله" ويروى: فقلت لها تالله [أبرح قاعدًا] (٧)، وهكذا أنشده الزمخشري في كتابه (٨)، والمعنى: فقلت للمحبوبة: لا أفارقك، والله ولو قطعوا رأسي،

стр. 562

"وأوصالي" أي: مفاصلي، وهو جمع وصل الأعضاء. الإعراب: قوله: "فقلت": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "يمين الله": مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: عليَّ يمين الله، والجملة مقول القول، وقوله: "أبرح" أصله: لا أبرح، وفيه أنا مستتر اسمه، وخبره قوله: "قاعدًا"، قوله: "ولو قطعوا": فعل وفاعل، "ورأسي": كلام إضافي مفعوله، قوله: "لديك": نصب على الظرف. قوله: "وأوصالي": عطف على رأسي، [فإن قلت: أين جواب "لو"؟ قلت: محذوف دل عليه الكلام الأول، والتقدير: ولو قطعوا رأسي] (١) لا أبرح تاعدًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "أبرح" حيث حذف منه حرف النفي؛ إذ أصله: لا أبرح كما ذكرناه (٢). الشاهد الحادي والتسعون بعد المائة (٣)، (٤) صاحِ شمِّر وَلَا تزل ذَاكِرَ المو … تِ فَنِسيَانُهُ ضَلال مُبِينٌ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الخفيف وفيه الخبن. والمعنى: يا صاحب اجتهد واستعد للموت، ولا تنس ذكره؛ فإن نسيانه ضلال ظاهر. الإعراب: قوله: "صاح": منادى مرخم، وحرف النداء محذوف تقديره: يا صاحب، قوله: "شمر":

стр. 563

جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت المستكن فيه، وهو أمر من التشمير، قوله: "ولا تزل": نهي من زال يزال، واسمه مستكن فيه، وخبره قوله: "ذاكر الموت"، قوله: "فنسيانه": مبتدأ، و "ضلال": خبره، و "مبين": صفته، والفاء للتعليل. الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا تزل" فإنه أجرى فيه "زال" مجرى كان لتقدم شبه النفي وهو النهي، وقد عُلِمَ أن زال وأخواتها لا تفارق أداة النفي في حال نقصانها إما ملفوظًا بها وإما مقدرة (١). الشاهد الثاني والتسعون بعد المائة (٢)، (٣) ببَذْلٍ وَحِلمٍ سَادَ فِي قَومِهِ الْفَتَى … وَكَوْنكَ إِياه عَلَيكَ يَسِيرُ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من الطويل. قوله: "ببذل" البذل- بالباء الموحدة والذال المعجمة وهو العطاء، قوله: "ساد": من السيادة، قوله: "إياه" الضمير فيه يرجع إلى الفتى، وكذا في قوله: "في قومه" لأنه وإن كان متأخرًا لفظًا فهو متقدم رتبة، ونطره قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه: ٦٧]، وقد تكلف بعضهم فقال: الضمير في قوله: "إياه" يرجع إلى ما ذكر من البذل والحلم. والمعنى: إن الرجل يسود قومه ببذل المال والحلم، وهو يسير عليك إذا أردت أن تكون مثله. الإعراب: قوله: "ببذل" جار ومجرور يتعلق بقوله: "ساد"، وقوله: "وحلم": عطف عليه، قوله: "ساد" فعل ماضٍ، و "الفتى" فاعله، و "في قومه": يتعلق [بقوله] (٤) ساد، قوله: "وكونك": مصدر مضاف إلى فاعله مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: "يسير" وقوله: "إياه" خبر الكون، والكاف مرفوعة المحل لأنها اسم الكون، وجاء الخبر هنا منفصلًا؛ لأنه في الأصل خبر المبتدأ مع أن

стр. 564

العامل ضعيف عن أن يتصل به مضمران، وضعفه بكونه اسمًا، فاجتمع هنا ما افترق في قوله (١): لئن كان إياه لقد حال بعدنا .... ................................... وفي قولك: عجبت من ضربك إياه، ولو وصل لكان ذلك أضعف منه في قوله (٢): ................................... … ومنعكها بشيء يستطاع (٣) وفي البيت رد على من زعم أن الكون مصدر لكان التامة، وأن المنصوب في نحو: عجبت من كونه فاضلًا، حال لا خبر (٤)؛ إذ لا يمكن دعوى الحالية في الضمير، نعم قد يجوز على أن يكون الأصل؛ وكونك مثله، ثم أقيم الضمير مقام مثل فتكون حاليته على سبيل النيابة؛ كما أجاز الخليل: مررت بزيد زهيرًا، على الحالية، وبرجل زهير على نمت النكرة، وكما قال جماعة في: قَضِيَّةُ وَلَا أَبَا حَسَنٍ لَها، وقوله (٥): لا هيثم الليلة للمطي … ............................. إن العَلَمَ وقع اسمًا لِلَا باقيًا على عَلَميَّته، لكونه على إضمار مثل (٦)، وعلى ذلك خرَّج ابن الحاجب قوله: فإذا هو إياها، وقال: الأصل: فإذا هو موجود مثلها (٧)، وقد قال بعضهم:

стр. 565

ويحتمل أن يكون "إياه" مفعول فعل مقدر حذف فانفصل، والتقدير: وكونُكَ تَفْعَلُه (١)، وقوله: "عليك" يتَعَلَّقُ بيسير. الاستشهاد فيه: في قوله: "وكونك إياه"؛ حيث أعمل فيه مصدر كان كعمل كان، وفيه دلالة أيضًا على أن الأفعال الناقصة لها مصدر كغيرها من الأفعال (٢). الشاهد الثالث والتسعون بعد المائة (٣)، (٤) وَمَا كُل مَنْ يُبْدِي الْبَشَاشَةَ كَائِنًا … أَخَاكَ إِذَا لَم تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا أقول: هو -أيضًا- من الطويل. قوله: "بيدي": من الإبداء وهو الإظهار، "والبشاشة" بفتح الباء الموحدة؛ مصدر بششت -بكسر العين أبش بفتحها؛ وهي طلاقة الوجه. قوله: "إذا لم تلفه" بضم التاء المثناة من فوق، وسكون اللام، وكسر الفاء، أي: إذا لم تجده، من قولك: ألفيت الشيء إذا وجدته، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: وجداه، قوله: "منجدًا": من أنجده إذا أعانه. والمعنى: لا يكون من يبدي البشاشة إليك أخاك إذا لم تجده معينًا لك في مهماتك. الإعراب: قوله: "وما كل" أي: وليس كل من يبدي، فقوله: "كل من": اسم ما، وخبره قوله: "كائنًا"، و "من" موصولة و "يبدي البشاشة": صلته، قوله: "أخاك": خبر "كائنًا" واسمه مستتر فيه، قوله: "إذا لم تلفه" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى "من"، قوله: "منجدًا": حال من الضمير المذكور، وقوله: "لك" يتعلق بقوله: "منجدًا".

стр. 566

الاستشهاد فيه: في قوله: "كائنًا أخاك" فإن كائنًا اسم الفاعل من كان. وعمل عمل فعله، ومن هذا القبيل قوله ﵊ (١): "إن هذَا القُرآنَ كَائنٌ لَكُم أَجْرًا وَكَائن عَلَيكم وزرًا" (٢)، وفيه أيضًا إعمال ما النافية عمل ليس (٣). الشاهد الرابع والتسعون بعد المائة (٤)، (٥) قَضَى الله يَا أَسمَاءُ أن لَستُ زائِلًا … أُحِبُّكِ حَتَّى يُغمِضَ العَينَ مُغْمِضُ أقول: قائله هو الحسين بن مطير الأسدي، وأنشده ثعلب في أماليه (٦)، وهو من قصيدة ضادية، وأولها البيت المذكور، وبعده (٧): فَحُبكِ بَلوَى غَيرَ أنْ لا يَسُوءُنِي … وإنْ كان بلوَى أننِي لك مُبغضُ فَوَاكَبدًا منْ لَوْعَةِ البَين كُلمَا … ذَكَرْتُ ومن رفْضِ الهوَى حين يرفَضُ ومن عبرَةٍ تذوي الدموعَ وزفرة … تفضفضُ أطرَافَ الحشَا ثم تَنهضُ فيا لَيتني أقرَضتُ جَلدًا صَبَابَتي … وأَقْرَضني صَبرًا على الشوق مُقرضُ إذَا مَا صَرَفتُ القَلبَ في حُبِّ غَيرها … إذَا حُبُّها مِنْ دونِه يتَعرَّضُ وهي من الطويل. قوله: "لوعة البين" أي: الفراق، ولوعة الحب: حرقته، وكذا لوعة البين، قوله: "تَفضفَصُ" بفاءين وصادين مهملتين؛ من فصفصت كذا من كذا إذا فصلته، وانتزعته، هكذا ضبطه بعضهم،

стр. 567

وهو تصحيف، وإنما هو من القضقضة بقافين وضادين معجمتين، وهو صوت كسر العظام، ومنه أسد قضقاض يقضقض فريسته (١). قوله: "جلدًا" بفتح الجيم، بمعنى متجلدًا، ونصب على الحال، قوله: "قضى الله" أي: حكم الله أو قدر الله، و "أسماء": اسم محبوبته، قوله: "حتى يغمض": من الإغماض، والمغمض فاعل منه، وإغماض العين: إطباق الجفن على الجفن. والمعنى: حكم الله يا أسماء أن لا أزول (٢) عن حبك إلى أن أموت؛ فإن إغماض العين لا يكون إلا عند الموت. الإعراب: قوله: "قضى الله": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "يا أسماء": منادى مفرد مبني على الضم، قوله: "أن لست زائلًا": مفعول قضى، أي: قضى بأن لست، ويروى: بأن لست بارحًا، و "زائلًا": خبر لست، وقد تداخلت في هذا البيت ثلاثة نواسخ؛ فإن قوله: "أحبك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت خبرًا لقوله: "زائلًا"، [وقوله: زائلًا] (٣) بما اتصل به خبر ليس كما ذكرنا، وليس بما اتصل به خبر أنْ المخففة من الثقيلة لا الناصبة؛ لأنها لا توصل بالجامد. قوله: "حتى": للغاية، و "يغمض": منصوب بتقدير أن، و "العين": منصوب لأنها مفعول يغمض، وقوله: "مغمض": فاعل له. الاستشهاد فيه: في قوله" "لست زائلًا" فإنه أجرى [زائلًا] (٤)، وهو اسم فاعل مجرى فعله، والتقدير: لست أزال أحبك (٥). الشاهد الخامس والتسعون بعد المائة (٦)، (٧) لَا طِيبَ لِلْعَيشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً … لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِ الْموتِ والهرَم أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط.

стр. 568

قوله: "لا طيب" الطيب -بكسر الطاء وسكون الياء آخر الحروف: اسم لما تَطيِب به النفس وهو خلاف ما تكرهه، قوله: "منغصة": من التنغيص، يقال: نغص الله عليه عيشه [ينغصه] (١) تنغيصًا إذا كدره. قوله: "لذاته": جمع لذة، وهو ما يتلذذ به الإنسان، قوله: "بادكار الموت" أصله: باذتكار الموت؛ لأنه من ذكر من الذكر، فنقل إلى باب الافتعال، فصار: اذتكارًا. فقلبت التاء ذالًا [فصار اذدكار] (٢)، ثم قلبت الذال المعجمة دالا، فأدغمت الدال في الدال فصار ادكارًا (٣) فافهم. والمعنى: لا طيب لعيش بني آدم ما دامت لذاته منغصة بذكر الموت والهرم. الإعراب: قوله: "لا": لنفي الجنس، و "طيب": اسمه، وخبره محذوف، والتقدير؛ لا طيب حاصل، وقوله: "للعيش": يتعلق بالمحذوف، قوله: "ما دامت": من الأفعال الناقصة ولا تُستَعمَلُ إلا مع ما المصدرية التوقيتية، فإن قلت: افعل الخير ما دمت واجدًا، كان التقدير: مدة دوامك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصارت: "ما" مقدرة بمصدر مضاف إلى الوقت، فلذلك قلتُ المصدرية التوقيتية، والتقدير: هاهنا أيضًا لَا طِيبَ للعَيش مدة دوام تنغيص اللذات بذكر الموت والهرم. قوله: "لذاته": مرفوع؛ لأنه اسم ما دامت، وخبره قوله: "منغصة" مقدمًا عليه قوله: "بادكار الموت" يتعلق بقوله: "منغصة"، قوله: "والهرم" عطف على الموت أي: وبادكار الهرم. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما دامت منغصة لذاته" حيث قدم خبر ما دامت على اسمه، وهو جائز واقع،

стр. 569

وقد رَدَّ ذلك (١) ابنُ معطٍ (٢)، والبيت حجة عليه (٣). الشاهد السادس والتسعون بعد المائة (٤)، (٥) وَرجِّ الفتَى لِلْخَيرِ مَا إنْ رَأيْتَهُ … عَلَى السِّنِّ خَيرًا لا يَزَالُ يزيدُ أقول: قائله هو المعلوط القريعي (٦)، وهو من الطويل. قوله: "ورج": أمر من رجّى يرجي ترجية، من الرجاء وهو الأمل، قوله: "على السن" أي: على طول العمر. الإعراب: قوله: "رج": جملة من الفعل والفاعل، وهو أنت المستكن فيه، و "الفتى": مفعوله، و "للخير": يتعلق برَجِّ، في محل النصب على أنه مفعول ثان لرَجِّ، قوله: "ما": مصدرية و "إن" زائدة زيدت بعد "ما" لشبهها في اللفظ بما النافية، والتقدير: ورَجِّ الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيرًا على طول السن، وقوله: "على السن" يتعلق بقوله "خيرًا" والتقدير: خيرًا حاصلًا على السن، ويجوز أن تكون على بمعنى مع، أي: لا يزال يزيد خيرًا مع زيادة سنِّه، والألف

стр. 570

واللام فيه بدل من المضاف إليه. قوله: "خيرًا" نصب على أنه مفعول يزيدُ، ويجوز أن يكون تمييزا مقدمًا على رأي المازني (١)، وقوله: "لا يزال" من الأفعال الناقصة، واسمه الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الفتى، وخبره الجملة؛ أعني قوله: يزيد خيرًا. الاستشهاد فيه: على تقديم خبر لا يزال (٢)، فإن الفراء منع ذلك في حروف النفي، والبيت حجة عليه (٣). الشاهد السابع والتسعون بعد المائة (٤)، (٥) قَنَافِذُ هدَّاجُونَ حَوْلَ بُيُوتهم … بمَا كَانَ إياهُم عَطِيَّةُ عَوَّدَا أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، ولم أقف على ما قبله وما بعده، ولكن معناه يحتمل وجهين (٦): الأول: أنه هجا قومًا ووصفهم بالفجور والخيانة وشبههم بالقنافذ لمشيهم بالليل في طلب ذلك كما تمشي القنافذ، والقنفذ يضرب به المثل في السرى، يقال: [هو] (٧) أسرى من قنفذ (٨).

стр. 571

والثاني: يحتمل أن يكون مدحًا وثناء لقوم بأنهم يتفقدون بالليل قاصديهم ولا ينامون عما ينزل بهم، وأن الناس في إسراعهم إلى أبوابهم قصدًا لالتماس معروفهم بمنزلة القنافذ. والوجه الأول أقرب؛ لأن بعضهم ذكر أن الفرزدق يهجو بهذا البيت جريرًا وأن المراد بقوله: عطية هو أبو جرير، ومعناه أن أبا جرير هو الذي عودهم ذلك، ونظيره قول الأخطل (١): أمَّا كُلَيبُ بنُ يربوع فليس لَهُمْ … عند التَّفَارُط إيرادٌ ولا صدَرُ مُخلَّفونَ وَيقضِي الناسُ أمْرَهُم … وهم بغيبٍ وفي عَميَاءَ ما شَعروا مثل القنافذ هدَّاجُونَ قد بَلَغَتْ … نجران أَوْ بُلّغتْ سوءاتِهم هجَرُ (٢) والبيت المذكور من الطويل. و"القنافذ": جمع قنفذ -بضم القاف وسكون النون وضم الفاء وفتحها وفي آخره ذال معجمة، والأنثى قنفذة، قوله: "هداجون": جمع هداج -بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة وفي آخره جيم؛ وهو الذي يمشي بنوع [مخصوص] (٣) من المشي، قال الجوهري: هدج الظليم إذا مشي في ارتعاش (٤) فهو هداج وهدَجدَج، والهدجان: مشية الشيخ، وقد هدج يَهْدِجُ من باب: ضرب يضرب (٥)، قوله: "عطية": اسم رجل وهو أبو جرير على ما ذكرناه (٦). الإعراب: قوله: "قنافذ": مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم قنافذ، وهو استعارة بالكناية؛ حيث شبههم بالقنافذ وطوى ذكر المشبه به (٧). قوله: "هداجون": صفة قنافذ، قوله: "حول بيوتهم": كلام إضافي نصب (٨) على الظرف، قوله: "بما كان": الباء فيه للسببية؛ أي: بسبب ما كان عطية عودهم، والضمير المنصوب في

стр. 572

عودهم يرجع إلى رهط جرير على تقدير أن يكون المراد من عطية هو أبو جرير. قوله: "عطية": اسم كان، وخبره قوله: "عوّد" وقوله: "إياهم" مفعول عوّد، وقد ولي كان يعني فصل بين كان واسمه، والحال أنه ليس بظرف ولا مجرور، هذا على مذهب الكوفيين فإنهم يجيزون ذلك، كما في قولهم: كان طَعَامَكَ زيدٌ آكلًا، والحاصل أن الفصل بين كان واسمها إذا كان بظرف أو بحرف جر يجوز اتفاقًا كما في قولك: كان عندنا زيد قائمًا، وإن في الدار بشرٌ متكلمًا، لأن الظرف والجار والمجرور يتوسع فيهما توسعًا ليس لغيرهما. أما الفصل بين كان واسمها بغير الظرف وحرف الجر نحو: كان الماء زيد يشرب فلا يجوز ذلك عند البصريين، سواء كان متصلًا بالخبر أو منفصلًا، وأجازه الكوفيون مطلقًا مستدلين بالبيت المذكور؛ فإنه فصل لكن كان واسمه بقولهم إياهم وليس هو بظرف ولا مجرور (١). وأجاز ابن باشاذ (٢) تقديم معمول الخبر إذا تأخر الاسم عن الخبر نحو: كان الماء شاربًا زيد، لأن تقديم الخبر على الاسم جائز فيتقدم معمول الخبر معه تبعًا له (٣)، والصحيح الأول، لأن هذا التقديم ممنوع في غير باب كان؛ كقولك: ما عمرًا يضرب زيد، ففي كان أولى. وأجاب البصريون عن البيت المذكور من أربعة أوجه: الأول: أن في كان ضمير الشأن، والجملة خبر كان، فلم يفصل بين كان واسمها؛ لأن اسمها مستتر فيه. الثاني: أن كان زائدة بين الموصول وصلته فحينئذ لا اسم ولا خبر. الثالث: أن ما موصولة واسم كان ضمير مستتر يرجع إلى (ما) و "عطية" مبتدأ،

стр. 573

و"عود": خبره، و"إياهم": مفعول مقدم، والعائد محذوف والتقدير؛ بالذي كان عطية عودهموه فحذف العائد، لأنه ضمير متصل منصوب بفعل على ما هو مقرر في باب الموصول (١). الرابع: إن هذا ضرورة فلا اعتبار به. الاستشهاد فيه: ما ذكرناه من الفصل بين اسم كان وخبره بما ليس هو بظرف ولا مجرور (٢). الشاهد الثامن والتسعون بعد المائة (٣)، (٤) بَاتَتْ فُؤَادِي ذَاتُ الْخَالِ سَالِبَةً … فَالْعَيشُ إِنْ حُمَّ لِي عَيشٌ مِنَ الْعَجَبِ أقول: هو من البسيط. قوله: "ذات الخال" أي: ذات الشامة، قال الجوهري: الخال الذي يكون في الجسد ويجمع على خيلان، ذكره في فصل الخاء والياء واللام (٥). قوله: "سالبة": من سلبت الشيء سلبًا إذا ذهبت به، قوله: "إن حم لي" أي: إن قدّر لي، وقال الجوهري [﵀: حمة] (٦) الفراق: ما قدر وقضى، وقال الأصمعي ﵀ (٧): عجلت بنا وبكم حمة الفراق؛ أي: قدر الفراق (٨)، وقال الزمخشري: أحم الشيء إذا قرب ودنا، ومنه المحمة أي: الحاضرة، ويقال: أحمت الحاجة إذا همت (٩). الإعراب: قوله: "باتت": فعل من الأفعال الناقصة، وقوله: "ذات الحال": كلام إضافي مرفوع، لأنه اسمه، وقوله: "سالبة" بالنصب؛ خبره، وقوله: "فؤادي": مفعول سالبة، والتقدير: باتت ذات الخال سالبة فؤادي.

стр. 574

قوله: "فالعيش": مبتدأ، وخبره قوله: "من العجب" وقوله: "إن حم لي عيش" فإنْ: حرف شرط، وحم لي عيش: جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل وقعت فعل الشرط، والجزاء هو قوله: "فالعيش" ولكن فيه تقديم وتأخير؛ لأن جملة الشرط وقعت معترضة بين المبتدأ والخبر، والتقدير: إن حم لي عيش فالعيش من العجب (١). الاستشهاد فيه: في قوله: "باتت فؤادي" حيث ولي باتت معمول خبرها، وهو قوله: "فؤادي" فإنه معمول خبر باتت، وهو قوله: "سالبة" وليس هو بظرف ولا مجرور، وهذا غير جائز عند البصريين؛ فلذلك حمل هذا على الضرورة، وأما الكوفيون فإنهم يجيزون ذلك مطلقًا على ما عرف في موضعه (٢). الشاهد التاسع والتسعون بعد المائة (٣)، (٤) وَبَاتَ وبَاتَتْ لَهُ لَيلة .......... … .......................... أقول: قائله هو امرؤ القيس بن عانس -بالنون قبل السين المهملة- ابن المنذر بن امرئ القيس بن السمط بن عمرو بن معاوية بن الحرث بن الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي، وفد إلى النبي ﷺ ، أسلم وثبت على إسلامه، ولم يكن فيمن ارتد من كندة، وكان شاعرًا نزل الكوفة، وفي الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أيضًا: امرؤ القيس بن الأصبع، بعثه رسول الله ﷺ عاملًا على كلب حين أرسله عماله على قضاعة فارتد بعضهم، وثبت امرؤ القيس على دينه.

стр. 575

وفي الصحابة [﵃] (١): امرؤ القيس بن فاخر بن الطماح بن شرحبيل الخولاني، شهد فتح مصر، ذكره ابن يونس (٢)، وذكر له صحبة ولا تعرف له رواية، ويقال: قائل الشعر المذكور هو امرؤ القيس بن حجر الكندي الشاعر الجاهلي، وهذا هو الثابت في كتاب أشعار الشعراء الستة (٣)، وليس بصحيح، والصحيح أن قائله هو امرؤ القيس بن عانس، نص عليه ابن دريد وغيره، وكثير من المحصلين يهِمُون (٤) في هذا الموضع لقلة معرفتهم بأخبار الناس وأحوال الرجال، وتمام البيت المذكور: .......................... … كَلَيلَةِ ذِي العَائِرِ الْأَرمَدِ وهو من قصيدة دالية وأولها هو قوله: ١ - تطاولَ ليلُك بالإثْمُدِ … وَنَامَ الخليُّ ولَم تَرقُدِ ٢ - وَبَاتَ وباتَتْ لَهُ لَيلةٌ … كَلَيلَةِ ذي الْعَائر الأَرمَدِ ٣ - وَذَلِكَ مِنْ نبأ جَاءَنِي … وَأُنْبئْتُه عَنْ أَبِي الأَسْود ٤ - وَلَوْ عَنْ نَثَا غَيره جَاءَنِي … وَجُرحُ اللسَان كجُرحِ الْيَدِ ٥ - لَقُلْتُ من القولِ مَا لا يزَا … لُ يُؤْثَرُ عَنِّي يَدَ المسنَدِ ٦ - بِأَيِّ عِلَاقَتِنا تَرغَبُونَ … أعنْ دَم عمرو على مَرثَدِ ٧ - فإنْ تَدْفِنُوا الدَّاءَ لا نخفِه … وإنْ تبعَثُوا الداء لا يَقْعُد ٨ - وإنْ تَقْتَلوُنَا نُقَتِّلْكُمُ … وإن تَقْصِدُوا لدَم نَقْصِدِ ٩ - متى عَهْدُنا بطعانِ الكمَا … ةِ والمجدِ والحمدِ والسؤْدَدِ ١٠ - وبَنِيِ القبابِ وَمِلْءِ الجِفَا … نِ والنَّارِ والحطبِ الموُقَدِ ١١ - وأعددتُ للحربِ وَثَّابةً … جَوَادَ المَحَثةِ والمُروَدِ ١٢ - سَبُوحًا جَمُوحًا وإحضَارُها … كَمَعمَعةِ السَّعْفِ المُوقَدِ ١٣ - ومُطرِّدًا كَرِشاءِ الجَزُو … رِ من خُلُبِ النخلةِ الأجْرَدِ

стр. 576

١٤ - وَذَا شَطَب غامِضًا كلمُهُ … إذَا صَاب بالعظمِ لم يَنْأدِ ١٥ - ومَشْدُودةَ السك مَوضُونة … تضاءَلُ فيِ الطيِّ كالمبرَدِ ١٦ - تَفيضُ عَلَى المرءِ أرْدانُها … كَفَيض الأتيِّ على الجَدجَدِ وهي من المتقارب (١). ١ - قوله: "تطاول ليلك بالأَثْمُد" يخاطب به امرأ القيس نفسه على طريقة الالتفات على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - (٢)، و"الأثمد" بفتح الهمزة وسكون الثاء المثلثة وضم الميم وفي آخره دال مهملة، وهو اسم موضع، وقد روي بكسر الهمزة والميم كالإثمد وهو الحجر الذي يُكْتَحَلُ به. و"الخَلي" بفتح الخاء وكسر اللام وتشديد الياء، وهو الخالي عن الهموم والأحزان. قال الجوهري: الخليُّ: الخالي من الهمِّ وهو خِلاف الشجيّ (٣)، ومنه المثل: ويْلُ للخَلِيِ من الشجِيّ (٤). ٢ - و"العائر" بعين مهملة وهمزة بعد الألف، وهو القذى، تدمع له العين، ويقال: هو نفس الرمد، وعلى هذا يكون الأرمد، صفة مؤكدة، و"الأرمد": من رمد يرمَدُ، من باب علم يعلم، إذا هاجت عينه فهو رمد، وأرمد الله عينه فهي رمدة. ٣ - قوله: "وذلك من نبأ" أي: خبر، أراد: أن هذا الذي شكوت من الهم وطول الليل [هو] (٥) من أجل ذا الخبر الذي نبئته عن أبي الأسود؛ وهو ظالم بن عمرو من بني الجون آكل المرار وهو ابن عم امرئ القيس. فإن قلت: هل يُفَرَّقُ (٦) بين الخبر والنبأ؟ قلت: ذكروا أن النبأ خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن ما ذكر من المعنى، قوله: "وأُنْبِئْتُه" على صيغة المجهول، ويروى: وأخبرتُه. وهذه الأبيات في مرثية أبي الأسود، رثاه بها امرؤ القيس حين جاءه خبر موته. ثم إن أهل المعاني والبيان ذكروا أن في هذه الأبيات ثلاث التفاتات:

стр. 577

الأول: في قوله: "تطاول ليلك" التفت من الحكاية إلى الخطاب، ولولا الالتفات لقال: تطاول ليلي، وكذا التفت من الحكاية إلى الخطاب في قوله: "ولم ترقد" إذ لولا الالتفات لقال: ولم أرقد. الثاني: في قوله: "وبات وباتت له ليلة" فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ إذ القياس على ليلك أن يقول: وبت وباتت لك. الثالث: في قوله: "من نبأ جاءني" فيه التفات من الغيبة إلى الحكاية، ولولا الالتفات لقال: جاءه. ٤ - قوله: "ولو عن نَثَا" بفتح النون والثاء المثلثة مقصور، وهو يكون في الخير والشر، وأما الثناء -بالمد وبتقديم الثاء على النون فلا يكون إلا في الخير، قوله: "وجرح اللسان كجرح اليد" يعني: يبلغ الإنسان بهجائه ما يبلغ السيف إذا ضرب به في شدة ذلك عليه، ويروى: وَذَروُ اللسانِ كذَرو اليد. ٥ - قوله: "يُؤثَرُ عَنِّي" أي: يحفظ عني ويتحدث به، قوله: "يد المسند" أي: الدهر كله، وأراد به: الأبد، والمسند الدهر، يقال: يد المسند كما يقال: يد الدهر. ٦ - قوله: "بأي علاقتنا" يريد: [ما] (١) تعلقوا به من طلب الوتر الذي يطلبونه، فيقول: أي شيء تكرهون وترغبون عنه؟ وعمرو هذا الذي يذكر من آل امرئ القيس، ومرثد من هؤلاء الذي يذكرهم، فيقول: أترغبون عن دم عمرو بدم مرثد؟ فهو كفء له وليس بدونه، وكلمة على في "على مرثد" بمعنى الباء (٢). ٧ - قوله: "فإن تدفنوا الداء" يعني: فإن تتركوا الحرب فيما بيننا وبينكم، قوله: "لا نَخْفِه" بفتح النون أي: لا نظهره، يقال: خفيت الشيء أظهرته وأخفيته سترته، قوله: "وإن تبعثوا الداء" يعني: وإن تهيجوا الحرب. ٩ - قوله: "متى عهدنا" أي: لم يزل، أي: هو قريب منا. ١٠ - قوله: "وبني القباب" البني: مصدر بنيتها، وأراد بالقباب الشرف والمجد. ١١ - و "الوَثَّابة" -بفتح الواو وتشديد الثاء المثلثة؛ وهي الفرس، قوله: "جواد المحثَّةِ" وهي

стр. 578

[مفعلة] (١) من الحث والسرعة، "والمرود" -بالكسر: أروادها في السير، ويروى بفتح الميم أيضًا. ١٢ - و"السبوح": أي: الذي يسبح في سيره، "والجموح": الذي يذهب على وجهه من السرعة، "والمعمعة": صوت النار في السعف، شبه حفيف جري الفرس بها. ١٣ - قوله: "ومُطَّردًا" بضم الميم وتشديد الطاء، وهو الرمح الذي إذا هززته تبع بعضه بعضًا، و "الرشاء": الحبل، و"الجَزور" -بفتح الجيم: البئر البعيدة القعر ولا يَنْزَع حبلها إلا جمل، و"الخلب" -بضم الخاء المعجمة: الليف وهو جمع خلبة، و "الأجرد": المنجرد. ١٤ - قوله: "وذا شطب" أي: وأعددت أيضًا للحرب سيفًا ذا شطب؛ وهي طرائقه، و"الغمض": الذي يرسب؛ أي: الذي يذهب في الضربية والضريبة: ما ضرب، والكلم: الجرح، قوله: "إذا صاب" أي: إذا وقع، قوله: "لم يَنْأد" أي: لم يلن فيعوج فينثني. ١٥ - قوله: "ومشدودة السك" أراد دروعًا، وسكها: سمرها، والشك: البئر الضيق، وقال أبو عمرو: السك: مسامير الدرع، ويروى بالشين المعجمة، وهو مداخلة بعضها في بعض (٢)، قوله "موضونة" قوله: أي: منسوجة، قوله: "تضاءل" أي: تلطف إذا طويت كالمبرد في لطافته. ١٦ - و "الأردان": الأكمام جمع رِدْن، و"الآتي": النهر، وقال أبو الحجاج (٣): الآتي: السيل الذي يأتي من كل وجه، و"الجدجد": مكان صلب. الإعراب: قوله: "تطاول": فعل ماض، و"ليلك": كلام إضافي فاعله، والباء في بالأثمد للظرف (٤) أي: في الأثمد، قوله: "ونام الخلى": جملة من الفعل والفاعل معطوفة على التي قبلها، قوله: "ولم ترقد": جملة أخرى عطف على ما قبلها. قوله: "وبات" هاهنا تامة (٥) فلا تقتضي الخبر، ومعناه: أقام ليلًا، يقال: بات يفعل كذا إذا فعله ليلًا كما يقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهارًا، والضمير المستتر فيه فاعله، وهو يرجع إلى نفس

стр. 579

الشاعر، وقد قلنا: إنه التفت فيه من الخطاب إلى الغيبة. قوله: "وباتت له ليلة" يعني: أقامت له ليلة، وليلة مرفوع؛ لأنه فاعل باتت، ويقال: الواو في "وباتت له ليلة" واو الحال، قلتُ: هذا أولى من العطف، والتقدير: وبت والحال أن بيتوتتي كانت شديدة، ودل على شدتها بالتشبيه [المذكور] (١). قوله: "كليلة ذي العائر": محلها الرفع على أنها (٢) صفة لقوله ليلة، أي: ليلة مثل ليلة العائر. قوله "ذي العائر": صفة لموصوف محذوف تقديره: كليلة رجل ذي العائر الأرمد، و"الأرمد": صفة بعد أخرى، أو تأكيد لذي العائر إذا كان المراد منه نفس الرمد [كما ذكرنا. قوله: "وذلك": مبتدأ، وهو إشارة إلى ما ذكر في البيتين، وقوله: "من نبأ": خبره، (٣) قوله: "جاءني": جملة في محل الجر على أنها صفة لنبأ قوله: "وخبرته": جملة فعلية وقعت حالًا بتقدير قد، أي: والحال أني قد أخبرت هذا الخبر عن جهة أبي الأسود. الاستشهاد فيه: في قوله: "وبات" حيث استعملها الشاعر تامة، ولم يحتج فيه إلى خبر (٤). الشاهد المكمل للمائتين (٥)، (٦) أَنْتَ تَكونُ مَاجِدٌ نَبيلٌ … إذَا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بَلِيلُ أقول: قائلته هي أم عقيل بن أبي طالب تقوله وهي ترقصه. وهو من الرجز المسدس. قوله: "ماجد" أي: كريم، وكذلك المجيد من مَجُد بالضم، و "النبيل" -بفتح النون وكسر الباء الموحدة؛ من النبل -بضم النون وسكون الباء؛ وهي النبالة، وهي الفضل، ويجمع على نَبَل بفتحتين مثل كريم وَكَرَم (٧)، وعلى نُبَلَاء مثل شَريفِ (٨) وشُرَفَاء.

стр. 580

قوله: "إذا تهب" بضم الهاء وجوبًا، وهو شاذ قياسًا؛ لأن قياس مضارع فعل المضعف القاصر يفعِل بالكسر نحو: حنّ يحنُّ وأنّ يئن، وهبت الريح هبوبًا وهبيبًا إذا هاجت (١). قوله: "شمأل" بفتح الشين المعجمة وسكون الميم وفتح الهمزة وفي آخره لام؛ وهي الريح المعروفة، وهي التي تهب من ناحية القطب، وفيه خمس لغات: إحداها: هذه. الثانية: شأمل مثل الذي قبله إلا أنه بتقديم الهمزة على الميم وهي مقلوبة من الأولى. الثالثه: شَمْل بفتح الشين وسكون الميم وباللام. الرابعة: شَمَل نحوها غير أن الميم فيه متحركة. والخامسة: شمال بفتح الشين والميم وبالألف واللام، وربما شدد اللام في شمال فحينئذ تكون ست لغات (٢)، وتجمع على شمالات وشمائل أيضًا على غير قياس كأنه جمع شمالة مثل: حمالة وحمائل (٣). قوله: "بَليل" -بفتح الباء الموحدة وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف؛ فعيل بمعنى مفعولة أي: البلولة بالماء. الإعراب: قوله: "أنت": مبتدأ، و "ماجدٌ": خبره، و "نبيل": خبر بعد خبر، قوله: "إذا": ظرف للمستقبل متضمنة معنى الشرط، و "تهب": فعل مضارع، و "شمأل": فاعله، و"بليل": صفة لشمأل. الاستشهاد فيه: في قوله: "تكون" فإنها زائدة، والثابت زيادة "كان" لأنها مبنية لشبه الحرف بخلاف المضارع فإنه معرب لِشَبَه الأسماء، وهذا شاذ على خلاف الأصل (٤).

стр. 581

الشاهد الأول بعد المائتين (١)، (٢) جِيَادُ بَنِي أبي بَكْرٍ تَسَامَى … عَلَى كَانَ المُسَوَّمَةِ العِرَابِ أقول: هذا أنشده الفراء ولم يعزه إلى أحد، ولا يعرف إلا من قبله. وهو من الوافر. قوله: "جياد بني أبي بكر"، وفي نسخة ابن الناظم "سراة بني أبي بكر" وهو بفتح السين جمع سرى، وهو عزيز أن يجمع فعيل على فعلة، ولا يعرف غيره، ومعنى سراة بني أبي بكر: خيولهم الجياد، وذلك أن الشاعر يصف خيول هذه القبيلة بأنها سمت وفاقت على الخيول العربية، وجياد جمع جواد وهو الفرس النفيس. قوله: "تسامى" أصله: تتسامى بتاءين فحذفت إحداهما للتخفيف، وهو من السمو وهو العلو، قوله: "المسومة". وفي نسخة ابن الناظم: المطهمة الصلابُ، أي: على الخيول المطهمة يقال: فرس مطهم ورجل مُطهم [قال الأصمعي:] (٣) المطهم: التام كل شيء منه على حده فهو بارع الجمال ووجهه مطهم؛ أي: مجتمع ومدّور. قوله: "الصلاب": جمع صلب وهو القوي الشديد. و"المسومة": الخيل التي [جعلت] (٤) عليها علامة وتركت في المرعى، و "العراب": الخيل العربية، قال الجوهري: الإبلُ العِرَابُ والخيل العِرَاب: خلاف البَخَاتيِّ والبَرَاذين (٥). الإعراب: قوله: "جياد ": مبتدأ أضيف إلى بني أبي بكر، قوله: "تسامى": خبره، قوله: "على كان المسومة": جار ومجرور ["وكان": زائدة، و "العراب" بالجر؛ صفة المسومة. الاستشهاد فيه: في قوله: "على كان" فإنها زائدة بين الجار والمجرور] (٦)، ومعنى الزيادة لا يخل حذفها بالمعنى (٧).

стр. 582

الشاهد الثاني بعد المائتين (١)، (٢) فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَوْمٍ … وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٍ أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وهو من قصيدة يمدح بها هشام بن عبد اللك (٣)، وقيل: يمدح بها سليمان بن عبد اللك (٤) ويهجو جريرًا، والأول أصح، وهي (٥): ١ - هَلْ أَنْتُمُ عالِجُونَ بِنَا لَعَنَّا … نَرىَ العَرَصَاتِ أَوْ أَثَرَ الْخِيَامِ ٢ - فَقَالُوا: إن فعلتَ فَأغْنِ عَنَّا … دُمُوعا غَيْرَ راقئِة السَّجَامِ ٣ - فكيف إذا .............. … .................... إلى آخره ٤ - اُكَفْكِفُ دَمْعةَ الْعَينيِن مِنِّي … وما بَعْدَ المدَامعِ مِنْ مَلَامِ [وهو من الوافر] (٦). ويروى أنه أنشد سليمان هذه القصيدة فلما بلغ إلى قوله: ١ - ثَلاثٌ واثْنَتَانِ فَهُنَّ خَمْسٌ … وسَادِسَةٌ تَمِيلُ إلى شَمَامِ

стр. 583

٢ - فَبتْنَ بِجَانِبَيَّ مُصَرَّعَاتٍ … وبِتُّ أَفُضُّ أغلاق الخَيَامِ ٣ - كَأَنَّ مَغَالِقَ الرُّمَّانِ فيهِ … وجَمْرَ غَضَي قَعَدْنَ عليه حَامِ فقال سليمان: قد أقررت عندي بالزِّنَا، وأنا إمام فلا بد من إقامة الحد عليك، فقال له الفرزدق: ومن أين أوجبته علي يا أمير المؤمنين؟ فقال: بقول الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فقال له الفرزدق: كتاب الله يدرؤه عني بقول الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٦]، فأنا قلت ما لم أفعل، فتبسم سليمان وقال: أولى لك. ١ - قوله: "هل أنتم عالجون بنا" أي: داخلون في عالج، وهو اسم موضع (١)، قولمه: "لعنا": لغة في لعلنا (٢)، و "العرصات": جمع عرصة الدار وهي وسطها. ٢ - قوله: "غير راقئة السجام": من رقأ الدمع يرقأ رَقْأً ورُقوأً إذا سكن وكذلك وأرقأ الله دمعه: سكنه، والسجام: من سجم الدمع سجومًا وسجامًا وانسجم. ٤ - قوله: "أُكَفْكِفُ": من كفكفت عن الأمر وكفكفته بمعنى واحد، و "الملام": اللوم. الإعراب: قوله: "فكيف" ويروى: وكيف، وأنشده سيبويه: وكيف إذا رأيت ديار قوم (٣)، وكلمة "كيف" للاستفهام الغير حقيقي، وقد أخرج مخرج التعجب كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ٢٨] (٤)، وكلمة "إذا" للظرف، و "مررت": جملة من الفعل والفاعل، والباء: صلتها، "وقوم": مجرور بالإضافة، (وجيران) بالجر عطف على قوم، وقوله: "لنا": جار ومجرور في محل النصب؛ لأنه خبر لكان على تقدير أن لا تكون زائدة، ويقال: "كانوا"

стр. 584

تامة بمعنى وجدوا، و "لنا": في محل جر نعت للجيران، وقوله: "كرام": بالجر صفة للجيران. الاستشهاد فيه: في قوله: "كانوا" فإنهم قالوا: إنها زائدة بين الصفة والموصوف، فإن قيل: ليست كان هاهنا زائدة لوجهين: أحدهما: أنها مسندة إلى الضمير الذي هو الواو، وذلك يدل على الاهتمام بها، وإلى هذا أشار الشيخ جمال الدين بن هشام بقوله: وليس من زيادتها قوله: فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَوْمٍ … وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامٍ لرفعها الضمير خلافًا لسيبويه (١). الثاني: أن "الواو" اسمها، و "لنا": خبرها، والتقدير إذن: وجيران كرام كانوا لنا (٢). قلت: أما الأول: فلا يمنع إسنادها زيادتها بدليل إلغاء ظننت مسندة ومتأخرة ومتوسطة، وقد قيل في قوله ـــــــــ ﷺ ـــــــــ لعائشة - رضي الله تعالى عنها - (٣) "كنت لك كأبي زرع لأم زرع": إنّ كنت زائدة، والتقدير: أنا لك كأبي زرع. والثاني: أن الأصل عدم جواز تقديم الخبر ومنع كون لنا خبرًا مقدمًا. ثم اعلم أنهم اختلفوا في فاعل الزائدة: فقال السيرافي: فاعلها مصدر، أي: كان الكون (٤). وقال أبو علي: الزائدة لا فاعل لها؛ فعلى هذا لا يكون "كانوا" ها هنا زائدة (٥)، ومن قال

стр. 585

بزيادتها قال: التقدير: وجيران لنا هم كرام، فهم: مضمر منفصل مؤكِّد للضمير المستكن في "لنا"، فلما زيدت "كان" وهي فعل وليها المنفصل فاتصل بها. وقيل: إنما زيدت كان هاهنا مع إمكان جعل "لنا" خبرها، والواو اسمها،؛ لأن الجار والمجرور المتقدم، كما تطلبه كان أن يكون خبرها كذلك [يطلبه] (١) جيران أن يكون صفته، والتغليب لجانب المتقدم؛ ألا ترى أن (٢) قولك: كان زيد قائمًا أبوه، بالنصب فيه على أنه خبر كان لتقدمها عليه أحسن من الرفع على أنه خبر الأب لتأخره عنه فكذا هذا. الشاهد الثالث بعد المائتين (٣)، (٤) لَا تَقْرَبَنَّ الدَّهْرَ وَآلَ مُطَرَّفٍ … إِنْ ظَالِمًا أَبَدًا وَإنْ مَظْلُومَا أقول: قائلته هي ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير، وأبوها الأخيل بن ذي الرحالة بن شداد بن عبادة بن عقيل، وهو من قصيدة ميمية من الكامل وأولها هو قولها: ١ - يا أيها السَّدِمُ الملَوِّي رَأْسَهُ … لِيقُودَ مِنْ أهْلِ الحِجَازِ بَرِيمًا ٢ - أترومُ عمرَو بن الخليع ودونه … كعب إذًا لوجدته مرؤومَا؟ ٣ - إِن الخليعَ ورَهطَهُ في عامِرٍ … كالقلب ألبس جؤجؤًا وحزيمَا ٤ - لا تقربن الدهر ........ … ...................... إلى آخره ٥ - قومٌ رِباطُ الخيلِ وسْطَ بُيُوتِهم … وأسنهَ زرق يخلن نجومَا ٦ - ومُخَرَّقٍ عَنهُ القَميصُ تَخَالُهُ … بين البيوت من الحياء سقيمَا ٧ - حتَّى إذَا بَرَزَ اللِّواءُ رَأيتَهُ … تَحتَ اللِّواءِ عَلَى الخَميسِ زَعيمَا ١ - قوله: "السَّدم " بفتح السين وكسر الدال المهملتين وفي آخره ميم؛ وهو الفحل القطم الهائج [والسدم بمعنى] (٥) النادم أيضًا، ويقال: السادم أيضًا، والسدم: اللهج بالشيء أيضًا والبيت يحتمل هذه الوجوه الثلاثة، قوله: "الملوي رأسه" يعني: من الكِبْرِ والتَّجَبُّر، و "البَرِيمُ" بفتح الباء الموحدة وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف؛ وهو الجيش، وهو في الأصل الحبل

стр. 586

المفتول يكون فيه لونان، وسمي الجيش بذلك لألوان شعار القبائل فيه. ٢ - قوله: "أتروم" أي: أتطلب عمرو بن الخليعِ ودونه كعب؛ يعني: كعب بن ربيعة بن عامر ونهته عن غزوهم على كل حال، و "المرؤوم": من رئمت الناقة ولدها رئمانًا إذا أحبته وحنت عليه (١)، ومادته: راء وهمزة وميم. ٣ - و "الجؤجؤ": الصدر، ومنه جؤجؤ الطائر والسفينة وهو صدرهما، ويجمع على جآجئ، و "الحزيم" بفتح الحاء المهملة وكسر الذاي المعجمة وسكون الياء آخر الحروف؛ وهو وسط الصدر [وما] (٢) يضم عليه الحزام، وكذلك الحيزوم. ٤ - قوله: "لا تقربن" ويروى: لا تغزون الدهر آل مطرف. ٥ - و "أسنَّة": جمع سنان، و "الزرق" -بضم الزاي: جمع أزرق، قوله: "يخلن" أي: يشبهن. ٦ - قوله: "ومخرق عنه القميص" أرادت أنه لا يبالي بحال ثيابه ويصون كرمه، ويقال: إنه غليظ المناكب يسرع الخرق إلى قميصه، وقيل: أرادت أنه متصل الأسفار فقميصه يتخرق عنه لذلك. قوله: "سقيمًا" أي: متغيرًا لونه من شدة الحياء. ٧ - قوله: "حتى إذا برز اللواء" ويروى: حتى إذا رفع اللواء، قوله: "على الخميس" أي: الجيش، سمي الجيش خميسًا؛ لأنه خمس كتائب أو خمسة صفوف: المقدمة والميمنة واليسرة والقلب والجناح، قوله: "زعيمًا" أي: رئيسًا. الإعراب: قوله: "لا تقربن": نهي مؤكد بالنون و "الدهر": نصب على الظرف، و "آل مطرف": كلام إضافي مفعول لا تقربن، قوله: "إن ظالمًا" أي: إن كنت ظالمًا وإن كنت مظلومًا، "فإن" حرف الشرط، وفعل الشرط محذوف كما ذكرناه، "ظالمًا": منصوب لأنه خبر كان المقدر، وكذا الكلام في قوله: "وإن مظلومًا"، و "أبدًا": نصب على الظرف. الاستشهاد فيه: على حذف كان واسمها بعد إن الشرطية (٣).

стр. 587

الشاهد الرابع بعد المائتين (١)، (٢) لَا يَأْمَنِ الدَّهْرَ ذُو بَغَيٍ وَلَوْ مَلِكًا … جُنُودُهُ ضَاقَ عَنْهَا السَّهلُ وَالْجبَلُ أقول: لم أقف على اسم قائله. وهو من البسيط. المعنى: لا يأمن غدرات الزمان صاحب بغي وظلم، ولو كان ملكًا له جنود كثيرة بحيث ضاق عنها السهل والجبل. الإعراب: قوله: "لا يأمن": " لا" ناهية، "يأمن" فعل مضارع من أمن أمنًا، وفيه حذف؛ أي: لا يأمن غدرات الدهر، أو مكر الدهر، أو تَقَلُّبَات الدهر ونحو ذلك، و"الدهر": مفعول، أو ظرف، أي: لا يأمن في الدهر الحوادث. وقوله: "ذو بغي": كلام إضافي فاعل لقوله: "يأمن"، وقوله: "ولو" بمعنى إن، وما قبلها دليل الجواب، و "ملكًا": منصوب على أنه خبر كان المقدر، أي: وإن كان ملكًا. قوله: "جنوده": مبتدأ، و "ضاق عنها السهل": جملة فعلية خبره و"الجبل": عطف على السهل، والجملة في محل النصب على أنها صفة لقوله: "ملكًا" وقد تحقق أن الجملة بعد النكرة صفة وبعد المعرفة حال (٣). الاستشهاد فيه: في قوله: "ولو ملكًا"؛ حيث حذف فيه كان مع اسمها بعد الشرط فافهم (٤).

стр. 588

الشاهد الخامس بعد المائتين (١)، (٢) مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإِلَى إِتْلَائِهَا … ......................... أقول: هذا تقوله العرب فيما بينهم مثل المثل، أنشده سيبويه في كتابه (٣). وهو من الرجز المشطور. قوله: "من لد" أصله: من لَدُنْ، وقد عرف أن في لدن إحدى عشر لغة: لَدُنْ [بفتح اللام] (٤) وتثليث الدال وبالنون الساكنة، ولدن بضم اللام وفتحها وسكون الدال وكسر النون، ولَدَى بفتحتين مقصور، ولدْ بتثليث اللام وسكون الدال، [ولَدْنا بفتح اللام وسكون الدال بعدها وبالنون بعدها الألف] (٥)، ولَدْ بفتح اللام وضم الدال كما في البيت المذكور. قوله: "شولًا " الشول بفتح الشين المعجمة، وسكون الواو، وفي آخره لام ومادته تدل على الارتفاع، واختلف في المراد به [هنا] (٦)، فقيل: مصدر شالت الناقة بِذَنبِهَا أي: رفعته للضراب، فهي شائل بغيرها، والجمع: شُوّل مثل: رَاكِعٌ رُكَّع، والتقدير: من لدن شالت شولًا؛ فالبيت من حذف عامل المصدر. وقيل: اسم جمع شائلة على غير القياس (٧)، وهي الناقة التي جف لبنُهَا، وارتفع ضرعُهَا وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، والتقدير: من لدن كانت شولًا. فالبيت من حذف كان واسمها وبقاء خبرها، وقد يرجح الأول، فإنه (٨) يروى: من لدُ شولٍ بالخفض، ويجاب بأن التقدير: من لد شولان شول، أو زمان شول، أو كون شول؛ فحذف المضاف، والتقدير الأخير أولى، ليتحد المعنى في الروايتين، ولكن يحتاج على هذا التقدير إلى الخبر، أي: موجودًا. فإن قدر الكون مصدر كان التامة لم يحتج إلى ذلك؛ ولكن لا يقع التوفيق بين الروايتين في التقدير (٩)، وقد يرجح الثاني برواية الجرمي: من لدُ شولا بغير التنوين؛ على أن أصله: شولاء بالمد فقصره للضرورة (١٠)، ولكن هذه الرواية تقتضي أن المحدث عنه ناقة واحدة لا نوق.

стр. 589

قوله: "إتلائها" بكسر الهمزة وسكون التاء المثناة من فوق: من أتلت الناقة إذا تلاها ولدها، أي: تبعها فهي متلية والولد تلوٌ، والأنثى تلوة، والجمع: أتلاء بفتح الهمزة. الإعراب: قوله: "من لد شولًا" أي: من لد أن كانت شولًا؛ قال سيبويه (١): نصب "شولًا"؛ لأنه أراد زمانًا، والشوْلُ لا يكون زمانًا ولا مكانًا، فيجوز فيه الجرُّ، كقولك: من لَدُ صلاةِ العصرِ إلى وقتِ كذا، وكقولك: مِنْ لَدُ الحائطِ إلى مكانِ كذا؛ فَلمَّا أرادَ الزمانَ حمَلَ الشوْلَ على شيءٍ يَحسنُ أن يكونَ زمانًا إذا عَمِلَ في الشَّوْل، ولم يحسُنْ إلا ذا، كما لم يحسن ابتداءُ الأسماءِ بعد "إنْ" حتى أضمرتَ ما يَحْسُنُ أنْ يكون بعدها عاملًا في الأسم فكذلك هذا؛ كأنك قلت: من لَدُ أَنْ كانَتْ شولًا فإلى إتلائها، وقد جره قومٌ على سعة الكلام وجعلوه بمنزلة المصدر حين جعلوه على الحين، وإنما يريدُ حين كَذَا وكذا، وإن لم يكن في قوة المصادر؛ لأنه لا يتصرف تصرفها (٢). قلت: قد اعترض في ذلك على سيبويه بأنه يلزم من ذلك إضمار بعض الاسم؛ يعني حذف الموصول وصلته، وبقاء معمولها من غير ضرورة. وأجيب بأنه تقدير معنى لا إعراب فافهم. ويقال: من روى: من لد شولِ -بالجر فتقديره: من لد كون شول مثل: ﴿وَسْئلِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] (٣)، ومن روى: من لد شولًا- بالنصب فمعناه: من لد كانت شولًا، وتقديره: من لد زمن كونها شولًا؛ لأن لد يكون بعدها أسماء الزمان (٤). وزعم بعضهم أن انتصاب "شولًا" بعد لدن على التمييز، أو التشبيه بالمفعول به كانتصاب غدوة بعدها في قولهم: لدن غدوة، وأنه لا تقدير في البيت (٥). وهذا مردود باتفاقهم على اختصاص هذا الحكم بغدوة؛ لأنه لم يسمع غدوة مع حذف النون بل مع ثبوتها (٦).

стр. 590

الاستشهاد فيه: في قوله: "من لد شولًا" لأن كان فيه مقدرة، وحذف كان بعد لدن قليل؛ لأن كان تحذف كثيرًا بعد إن ولو، وحذفهما بعد غيرهما قليل فافهم (١). الشاهد السادس بعد المائتين (٢)، (٣) أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإنَّ قَوْمِي لَمْ تَأكُلُهُمُ الضَّبُعُ أقول: قائله هو العباس بن مرادس بن عامر بن حارثة بن عبد عبس بن رفاعة بن الحرث بن حيي بن الحرث بن بهينة بن سليم بن منصور السلمي، أسلم قبل فتح مكة بيسير، وكان من المؤلفة قلوبهم، وممن حسن إسلامه منهم، وقدم على رسول الله ﷺ في ثلاثمائة راكب من قومه، فأسلموا، وأسلم قومه، وكان ينزل بالبداية بالبصرة. وقيل: إنه قدم من دمشق وابْتَنَى بها دارًا، يخاطب العباس بهذا خفاف بن ندبة وهو أبو خراشة، وبعده (٤): السلمُ تَأخذُ مِنهَا مَا رَضِيتْ … بِهِ والحَرْبُ يَكفِيكَ منْ أنفاسِهَا جُرَعُ وهما من البسيط. قوله: "أبا خراشة" بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبعد الألف شين معجمة، واسمه خفاف بن ندبة -بالنون في أوله، وهي أمه، وهي ندبة بنت إبان بن السيطان [من بني الحرث بن كعب، وأبوه عمير، وهو ابن عم صخر والخنساء ومعاوية أولاد عمرو] (٥) بن الحرث بن السريد، وخفاف هذا شاعر مشهور بالشعر، وكان أسود حالكًا، وهو أحد أغربة العرب،

стр. 591

وهو ممن ثبت على إسلامه في الردة، وهو أحد فرسان قيس وشعرائها. قال الأصمعي: شهد خفاف حنينًا مع رسول الله ﷺ ، وقال غيره: شهد الفتح مع رسول الله ﷺ ومعه لواء بني سليم وشهد حنينًا والطائف - رضي الله تعالى عنه - (١). قوله: "ذا نفرٍ" أي: ذا قوم وجماعات، والنفر في الأصل: اسم لما دون العشرة، قاله في الكشاف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ويجمع على أنفار، والتنكير فيه للتكثير (٢). قوله: "الضبع" بفتح الضاد المعجمة وضم الباء الموحدة، وأراد به السنة المجدبة، واستشهد به أبو علي في الإيضاح على أن الضبع هنا اسم للسنة المجدبة (٣). قال أبو حنيفة [﵁] (٤): كذا قال الأصمعي فيه، وقيل: هو على التشبيه، وكذا قال الجاحظ: إنه على التشبيه وجعل نقص الجدب والأزمة أكلًا (٥). والمعنى: يا أبا خراشة إن كنت كثير القوم عزيزًا فإن قومي موفورون لم تأكلهم السنة المجدبة من القلة والضعف، قوله: "السلم" -بكسر السين: الصلح، والجرع -بضم الجيم: جمع جرْعة (٦). الإعراب: قوله: "أبا خراشة": منادى مضاف، وحرف النداء محذوف تقديره: يا أبا خراشة، قوله: "أما أنت": بفتح همزة أما، وليست هي أما التي في قولك: أما بعد، بل هي كلمتان باتفاق، الثانية منهما عوض عن كان محذوفة، وأصله: "لأن كنت" فحذفت اللام من "لأن" تَنَاسُبا فبقي: "أن كنت"، ثم حذفت كان لكثرة الاستعمال، ثم جيء بالضمير المنفصل خلفًا عن المتصل، ثم عوضت عن كان ما الزائدة قبل الضمير، والتزم حذفها لئلا يجتمع العوض والمعوض منه، ثم أدغم نونها في الميم، فصار: أما أنت (٧)، ويقال: هي كلمتان، الثانية عوض عن كان

стр. 592

محذوفة، والأولى أن المصدرية عند البصريين والشرطية عند الكوفيين، زعموا أن "أن" المفتوحة قد يجازى بها (١). ويؤيده أمور منها: أن ابن دريد روى في جمهرته: إما كِنت بالكسر (٢)، وبذكر كان؛ فعلى هذا إما لتاكيد الشرط مثلها في: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم: ٢٦]. ومنها: مجيء الفاء بعدها واستغناء الكلام عن تقدير، وعلى قول البصريين (٣)، فالأصل: لأن كنت ذا نفر فَخَرْتَ، فَحُذِفَتْ همزةُ الإنكار ولام التعليل، ومتعلق اللام، وهو فخرت إذ لا يتعلق بما بعد الفاء؛ لأن المعنى يأبى ذلك، والفاء على هذا قيل: زائدة (٤)، والصواب أنها رابطة لما بعدها بالأمر المستفاد من السابق؛ أي: تنبه فإن قومي (٥). وقال ابن يعسون (٦): أما هاهنا مركبة من أن وما التي تدخل للتأكيد، وقال أبو علي وأبو الفتح: "ما" في "أما" هي [الرافعة] (٧) الناصبة؛ لأنها عاقبت [لفعل الرافع الناصب؛ يعني: أن كان، فعملت عمله في الرفع والنصب (٨). قوله: "ذا نفر" منصوب لأنه] (٩) خبر كان، قوله: "فإن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل وقوله: "قومي": اسمه، وقوله: "لم تأكلهم الضبع": خبره، والضبع: فاعل لم تأكلهم، ويروى: فإن قومك، وهذا وهمٌ لا يساعد المعنى الذي أراده العباس فافهم.

стр. 593

الاستشهاد فيه: في قوله: "أما أنت" فإنه حذف فيه كان بعد أن الناصبة للفعل كما قررناه (١). الشاهد السابع بعد المائتين (٢)، (٣) أَزْمَانَ قَوْمِي وَالْجَمَاعَةُ كَالَّذِي … لَزِمَ الرِّحَالةَ أَنْ تَمِيلَ مَمِيلَا أقول: قائله هو الراعي، واسمه: عبيد بنُ حصين بنُ معاويةَ بنُ جندل بنُ قطن بن رَبيعةَ بنُ عبد الله بن الحرث بنُ نُمَيرٍ بنُ عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن مكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار. ويكنى: أبا جندل، والراعي لقب غلب عليه لكثرة وصفه للإبل، وجودة نعته إياها. وهو شاعر فحل من شعراء الإسلام (٤)، وكان مقدمًا مفضلًا حتى اعْتَنَّ (٥) بين جرير والفرزدق، فاسْتَكَفَّهُ جريرُ، فأبى أن يكف فهجاه ففضحه. والبيت المذكور من الكامل. قوله: "الرحالة" بكسر الراء وتخفيف الحاء المهملة، وهو سراج من جلود ليس فيه خشب كانوا يتخذونه للركض الشديد، قال أبو عبيدة: عَنَى الرَّاعِي بالرحالةَ هاهنا رحالة النساء لما عليها من الأدم الخمر، فشبه ما عليه من الدماء في حمرته بما على تلك الرحالة (٦)، قوله: "مميلًا" بفتح الميم الأولى وكسر الثانية؛ وهو مصدر مال الشيء يميل ممالًا ومميلًا؛ مثل معاب ومعيب في الاسم والمصدر (٧).

стр. 594

الإعراب: قوله: "أزمان قومي" قال سيبويه تقديره: أزمان كان قومي (١)، وقال ابن عصفور: وإنما حمل على إضمار كان ولم يحمل على تقدير حذف مصدر مضاف إلى قومي، فيكون التقدير: أزمان كون قومي والجماعة؛ لأن المصدر المقدر بأن والفعل من قبيل الموصولات، وحذف الموصول وإبقاء شيء من صلته لا يجوز (٢). فإن قلتَ: ما الدليل على أن قومي من قوله: "أزمان قومي" محمول على فعل مضمر؟ قلتُ: لأنه ليس من قبيل المصادر، وأسماء الزمان لا يضاف شيء منها إلا إلى مصدر أو جملة تكون في معناه، تقول: هذا يوم قدوم زيد ورحيل عمرو، ولا يجوز أن يقال: هذا يوم زيد ولا هذا يوم الفرس. فإن قلتَ: قد قيل يوم الجمل، ويوم حليمة. قلتُ: التقدير: يوم حرب الجمل ويوم حرب حليمة (٣). قوله: "والجماعة" بالنصب لأن الواو فيه بمعنى مع؛ أي: مع الجماعة، انتصب بكان الرافعة قومي، وذكر في كتاب التنبيه على ما يشكل على كتاب سيبويه (٤): ويجوز رفع "أزمان" على أنه خبر مبتدأ محذوف دون إظهار كان، والواو: واو مع أيضًا؛ فتكون إضافة "أزمان" إلى الجملة الاسمية على هذا، ثم قال: والأول أحسن وأكثر، وأشار إلى الوجه الأول وهو نصب "أزمان"، وتقدير الجملة الفعلية بعده على ما ذكره سيبويه (٥). قوله: "كالذي": صفة موصوفها محذوف تقديره: كالرَّكْبِ الذي لزم الرحالة فقوله: "لَزِمَ الرِّحَالةَ": جملة وقعت صلة الموصول، قوله: "أن تميل" [أي: بأن تميل] (٦)، والباء للسببية، وأن مصدرية، تقديره (٧): بسبب ميلها، أي: ميل الرَّحَالة، قوله: "مَمِيلًا": نصب على المصدرية بمعنى "ميلًا".

стр. 595

الاستشهاد فيه: في قوله: "أزمان قومي" حيث حذف فيه كان، وليست هي بعد أن المصدرية، وحذفها [إنما كثر] (١) بعد أن المصدرية وبدونها قليل (٢). الشاهد الثامن بعد المائتين (٣)، (٤) فَإِنْ لَمْ تَكُ المِرْآةُ أَبْدَتْ وَسَامَةً … فَقَدْ أَبْدَت المِرْآةُ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ أقول: قائله هو الخنجر بن صخر الأسدي (٥). وهو من الطويل. قوله: "المرآة" بكسر الميم؛ وهي آلة مشهورة، قوله: "وسامة" بفتح الواو وتخفيف السين المهملة؛ وهو الحسن والجمال، من وسُم -بضم السين وسامة ووسامًا. قوله: "أبدت" أي: أظهرت، من الإبداء، قوله: "ضيغم" بفتح الضاد المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الغين المعجمة، وفي آخره ميم، وهو الأسد وأصله من الضَّغْمِ وهو العَضُّ، والياء فيه زائدة، وكان هذا الشاعر نظر [إلى] (٦) وجهه في المرآة فلم يره حسن الشكل فَتَسَلَّى بأنَّه يشبه الأسد. الإعراب: وقوله: "فإن": حرف شرط، وقوله: "لم تك المرآة": فعل الشرط، وقوله: "فَقَدْ أَبْدَتْ": جواب الشرط، وأصل"تك": تكن فحذفت النون تخفيفًا (٧). وقوله: "المرآة": اسم تكن، وقوله: "أبدت": خبره، قوله: "وسامة": مفعول لقوله أبدت، وقوله: "جبهة ضيغم": كلام إضافي مفعول لأبدت الثاني.

стр. 596

الاستشهاد فيه: على حذف نون تكن في قوله: "لم تك" مع وقوع الفعل قبل الساكن، روي ذلك عن يونس والكوفيين (١). الشاهد التاسع بعد المائتين (٢)، (٣) وَأَبْرَحُ مَا أَدَامَ اللهُ قَوْمِي … بحَمْد الله مُنْتَطِقًا مُجِيدَا أقول: قائله هو خداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الشاعر المشهور (٤). وهي من الوافر. قوله: "وأبرح" أي: لا أبرح، قوله: "منتطقًا" أي: صاحب نطاق، يقال: جاء فلان منتطقًا فرسه إذا جانبه ولم يركبه، وقال ابن فارس: فأما قوله: وَأَبْرَحُ مَا أَدَامَ اللَّهُ قَوْمِي … عَلَى الأَعْدَاءِ مُنْتَطِقًا مُجِيدَا فقال قومه: أراد به هذا، وأنه لا يزال يَجْنُبُ فرسًا جوادًا، ويقال: منتطق: قائل قولًا لا يستجاد في الثناء على قومي (٥)، وقوله: "مُجيدًا " بضم الميم، يُنزَّل على المعنييِن المذكورين. الإعراب: قوله: "أبرح": من الأفعال الناقصة، واسمه مستتر فيه، وخبره قوله: "منتطقًا"، وقوله: "مجيدًا": خبر بعد خبر، قوله: "ما أدام الله قومي": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وكلمة

стр. 597

"ما" للمدة، والمْعنَى: مدة إدامة الله لقومي. قوله: "بحمد الله": يتعلق بمحذوف، أي: أحمد على ذلك بحمد الله، ويجوز أن يتعلق بأبرح. الاستشهاد فيه: في قوله: "وأبرح" حيث حذف منه كلمة "لا"، فإن "لا" لا تحذف في برح إلا بعد القسم، وهاهنا ليس كذلك، وإنما حذف شذوذًا (١). وقال ابن عصفور: هذا البيت فيه خلاف بين النحويين، فمنهم من قال: إن أداة النفي مرادة، فكأنه قال: ولا أبرح ما أدام الله قومي منتطقًا مجيدًا، [ومنهم من قال: إن أبرح غير منفي لا في اللفظ ولا في التقدير، والمعنى عنده: أزول بحمد الله عن أن أكون منتطقًا مجيدًا] (٢)، أي: صاحب نطاق وجواد ما أدام الله قومي؛ لأنهم يكفونني (٣)، فعلى هذا لا استشهاد فيه. الشاهد العاشر بعد المائتين (٤)، (٥) قَدْ قِيلَ مَا قِيلَ إِنْ صِدْقًا وَإنْ كَذِبًا … فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قِيلا أقول: قائله هو النعمان بن المنذر بن ماء السماء (٦)، وكنيته: أبو قابوس، وهو الذي تنصر وملك أرض الحيرة اثنتين وعشرين سنة، وقتله كسرى أبروين، وكانت أم المنذر يقال لها: ماء السماء لحسنها، واشتهر المنذر بأمه فقيل: ابن ماء السماء، واسمها: مارية بنت غوث بن جشم.

стр. 598

وهو من قصيدة لامية من البسيط وأولها هو قوله (١): ا - شَرِّدْ بِرَحْلِكَ عَنِّي حَيْثُ شِئْتَ وَلَا … تُكْثِرْ عَلَيَّ وَدَعْ عَنْكَ الأَقَاويلا ٢ - فَقَدْ رُمِيتَ بِدَاءٍ لَسْتَ غَاسِلَهُ … مَا جَاوَرَ السّيْلُ أَهْلَ الشَّامِ والنِّيلا ٣ - فَمَا انْتِفاؤُكَ مِنْهُ بَعْدَ مَا قَطَعَتْ … هُوجُ المطِيِّ بِهِ أَكَنَافَ شِمْلِيلا ٤ - قد قيل .............. … ...................... إلى آخره ٥ - فالْحَقْ بِحَيثُ رَأيْتَ الأَرْضَ وَاسِعَةً … وَانْشُرْ بِهَا الطَّرْفَ إِنْ عَرْضا وَإنْ طُولا وقصة ذلك أن بني جعفر بنِ كِلاب قد وفدوا على النعمان، ورئيسهُم يومئذ أبو [براء] (٢) عامر بن مالك ملاعب الأسنة عم لبيد بن ربيعة بن مالك، فلم يلتفت إليهم النعمان، وأراهم جفوة، وقد كان يقربهم ويكرمهم، وكان الربيع بن زياد العبسي جليسَه وسميرَه، فاتهموه بالسعي [عليهم عند] (٣) النعمان وتفاوضوا، وكان بنو جعفر له أعداء، وكان لبيد غلامًا من جملتهم يتخلف في رحالهم ويحفظ متاعهم فأتاهم وهم يتذاكرون أمر الربيع، فسألهم فكتموه. فقال: واللَّه لا أحفظ لكم متاعًا أو تخبروني (٤)، وكانت أم لبيد تامر بنت زنباع القيسية، وكانت في حجر الربيع بن زياد، فقالوا له: دخلنا على الملك وصَدَّ عَنَّا بوجْهِهِ، فقال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه فأزجره بكلام لا يلتفت إليه النعمان بعد ذلك أبدًا؟ فقالوا: هل عندك من شيء؟ قال: نعم، فكسوه حلة وعدوا على النعمان فوجدوه يتغدى مع الربيع بن زياد ليس معهما ثالث، والدار والمجالس مملوءة من الوجوه، فلما فرغ من غدائه أذن للجعفريين فذكروا الذي قدموا له من حاجتهم فاعترض الربيع في كلامهم فقال لبيد (٥): ١ - يَا وَاهِبَ الْخَيْرِ الجَزيلِ مِنْ سَعَهْ … نَحْنُ بَنُو أمِّ البَنِيَن الأَرْبَعَهْ ٢ - سُيُوفُ جِنٍّ وجِفَانٌ مُتْرَعَهْ … وَنَحْنُ خَيرُ عَامِرِ بنِ صَعْصَعَهْ ٣ - المُطْعِمُونَ الجفنَةَ المدُعْدَعَهْ … الضَّارِبُونَ الهامَ وَسْطَ الخَيضَعَهْ ٤ - إِلَيْكَ جَاوَزْنَا بِلَادًا مَسْبَعَهْ … نُخْبِر عَنْ هَذَا خَبِيرًا فَاسْمَعَهْ ٥ - مَهْلًا أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَا تَأكُلْ مَعَهْ … إِن اسْتَهُ مِنْ بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ

стр. 599

٦ - وَإِنَّهُ يُولِجُ فِيهَا إصْبَعَهْ … يُولِجُهَا حَتَّى يُوَارِى أَشْجَعَهْ ٧ - كَأنما يَطْلُبُ شَيئا أَوْدَعَهْ … ........................... فالتفت النعمان إلى الربيع وقال: أذاك أنت يا ربيع؟ قال: لا، والله لقد كذب ابن الأحمق اللئيم، فقال النعمان: أف لهذا الطعام، لقد خَبُثت عَلَيَّ نفسي، وقام الربيع وانصرف إلى منزله، وأمر له النعمان بضعف ما كان يُجِيزُهُ به، وأمره بالانصراف فلحق بأهله، وأرسل إلى النعمان بأبيات منها (١): ١ - لئن رحِلْتُ جِمَالِي لَا إِلَى سعَةٍ … ما مِثْلُهَا سعَةٌ عَرْضا وَلَا طُولا ٢ - بِحَيْثُ لَوْ وُزِنَتْ لَخْمٌ بأَجْمَعِهَا … لم يَعدِلوا ريشةً من رِيشِ شَمْويلا ٣ - تَرْعَى الرَّوَائِمَ أَحْرَارَ البُقُولِ بِهَا … لا مثلَ رَعْيِكُمُو مِلْحًا وَغِسْويلَا ٤ - فابرق بأرضِكَ بَعْدِي واخْلِ متكئًا … مع النطاسي طَوْرًا وابن تَنْويلا فأجابه النعمان بقوله: شرد برحلك عني حيث شئت ولا … ................................ إلى آخر الأبيات التي ذكرناها آنفًا. ١ - قوله: "شرد": من التشريد، وهو الطرد؛ قال تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، أي: فرق بهم وبدد جمعهم، و "الأقاويل": جمع أقوال، وهو جمع قول. ٣ - قوله (٢): "هوج المطي به" الهوج بضم الهاء وسكون الواو وفي آخره جيم، وهو جمع هَوْجَاء وهي الناقة التي بها عُوج لسرعتها، و"شمليلا" بكسر الشين المعجمة وسكون الميم وكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف، وهي الناقة الخفيفة، وكذا الشملال، والشِّمِّلة بكسر الشين وتشديد الميم. ٢ - قوله (٣): "جفان مترعة" أي: ممتلئة، من أتْرَعْتُ الإناء إذا ملأتها. ٣ - قوله: "مدعدعة" أي: مملوءة، و "الهام": جمع هامة وهي الرأس، و "الخيضعة" بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الضاد المعجمة، والعين المهملة، وهي صوت القتال والسلاح، ويروى: تحت الخيضعة موضع وسط الخيضعة، وحكى أبو عبيد عن

стр. 600

الفراء أن الخيضعة هي البيضة (١). ٤ - قوله: "مسبعة": مفعلة من السبُع؛ يعني: بلادًا كثيرة السباع، قوله: "أبيت اللعن": دعاء له أي بَعُدْتَ عن لعن تُلْعَنُ عليه. ٥ - قوله: "ملمعة" أي: ملونة بالألوان. ٦ - قوله: "يولج" أي: يدخل، قوله: "يواري أشجعه" أي: حتى يُغَطّي أصول أصابعه التي تتصل بعصب ظهر الكف ويجمع على أشاجع، قوله: "أودعه "ويروى: ضيعه. ٣ - قوله (٢): "ترعى الروائم" وهو جمع روم، وهي الناقة، من رئمت الناقة ولدها إذا أحبته، و "أحرار البقول": ما يؤكل غير مطبوخ، وأراد "بالملح" المالح من النبت وهو الحامض، و "غسويل" بكسر الغين المعجمة وسكون السين المهملة، وهو أيضًا نوع من النبت الرديء. ٤ - قوله: "مع النطاسي" بكسر النون وتخفيف الطاء المهملة، وبعد الألف سين مهملة مكسورة ثم ياء مشددة؛ وهو المتطيب، كذلك النطيس بكسر النون والطاء المشددة (٣). الإعراب: [قوله] (٤): "قد قيل" "قد": للتحقيق، و "قيل": فعل ماض مجهول، وأصله: قول [بقلب حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها، فصار: قِوْل بكسر القاف وسكون الواو] (٥) فقلبت الواو ياء لتحركها في الأصل وانكسار ما قبلها فصار: قيل (٦) وهو مسند إلى قوله: "ما قيل"، قوله: "إن صدقًا" أي: إن كان القول صدقًا، فيكون "صدقًا" منصوبًا على أنه خبر كان المقدر، وكذا التقدير في قوله: "وإن كذبًا" أي: وإن كان القول كذبًا. قوله: "فما": مبتدأ و "اعتذارك": كلام إضافي خبره، قوله: "من قول": يتعلق باعتذارك، و "إذا": ظرف فيه معنى الشرط، قوله: "قيلا": فعل الشرط، قوله: "فما اعتذارك": جزاء الشرط مقدمًا (٧)، ولذلك دخلت الفاء فيه، والتقدير: إذا قيل قول فما اعتذارك عنه، والألف في
следующие страницы →