← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الأصل؛ كل لونين مختلفين، "والذهلول" بضم الذال المعجمة؛ الخفيف، "وعرفاء وجيأل": اسمان للضبع، والعرفاء في الأصل: صفة، وهي الطويلة العرف [ثم غلبت] (١) حتَّى جرت مجرى الأسماء، و "جيأل": علم لا ينصرف للتعريف والتأنيث. ٧ - قوله: "أبيّ" أي: ممتنع وهو كالآبي من الإباء بالكسر وهو الامتناع، و"الباسل" من البسألة وهي الشجاعة، وأصله من البسل وهو الحرام؛ فكأنه محرم على أقرانه. ٨ - قوله: "وان مدت الأيدي" على صيغة المجهول، "والأيدي": جمع يد، و"الزاد": طعام يتخذ للسفر، تقول: زودت الرجل فتزود، قوله: "بأعجلهم" يعني: بعَجِلهم، وليس المراد منه الأعجل الَّذي هو للتفضيل، وإنما المراد منه: العَجل بفتح العين وكسر الجيم، وأما أعجل الثاني فهو للتفضيل، ولا يخفى هذا على من له ذوق من المعاني. قوله: "إذ أجشع القوم" الأجشع -بفتح الهمزة وسكون الجيم وفتح الشين المعجمة وفي آخره عين مهملة؛ أفعل من الجشع وهو الحرص على الأكل، وقال الجوهري: الجشع: أشد الحرص تَقُول منه: جَشِع بالكسر، قال: وكلاب الصيد فيهن جشع وتجشع مثله (٢). والمعنى: إذا مدت القوم أيديهم إلى الزاد لم أكن أنا عجلًا في ذلك حين كون أجشعهم أعجل. الإعراب: قوله: "وإن": كلمة الشرط، وقوله: "مدت الأيدي": فعل الشرط، وقوله: "لم أكن": جواب الشرط واسم أكن مستتر فيه، وخبره قوله: "بأعجلهم" والباء فيه زائدة، وإنما حسنت زيادتها من أجل النفي بلم، وهو بمعنى: ما كنت ومن حكم لم أن تَرُدَّ الفعل المستقبل إلى المضي (٣)، والماضي هاهنا لا معنى له [في جواب الشرط] (٤)؛ لأن الشرط لا معنى له إلا في المستقبل؛ فعلى هذا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن "لم" إذا وليت حرف الشرط تقرر الفعل المستقبل على بابه، ومع الشرط يرد المضارع إلى الماضي كذلك جواب الشرط لتعلقه بالشرط. الثاني: إن "لم" ها هنا بمعنى "لا"، "ولا" تقع في جواب الشرط، ولا تغير معنى الاستقبال.

стр. 632

الثالث: أن الشرط والجزاء هنا حكاية الحال، ولا يواد به الاستقبال في المعنى؛ فلذلك وقعت "لم" في جواب الشرط (١). قوله: "إذ": للظرف بمعنى حين مضاف إلى الجملة التي بعده، والعامل فيه: "أعجلهم" أي؛ [لا] (٢) أسبقهم في ذلك الوقت، وهذا يؤيد ما ذكرنا من حكاية الحال؛ إذ لو أريد به المستقبل لكانت "إذا" لا "إذ"، قوله: "أجشع القوم": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "أعجل": خبره، وموضع الجملة جر بالإضافة، والتقدير: أعجلهم، أو أعجل من غيره. الاستشهاد فيه: في قوله: "لم أكن بأعجلهم"؛ حيث دخلت الباء في خبر كان المنفية (٣). الشاهد التاسع والعشرون بعد المائتين (٤)، (٥) دَعَانِي أَخِي وَالخَيْلُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ … فَلَمَّا دَعَانِي لَمْ يَجِدْنِي بِقُعْدُدِ أقول: قائله هو دريد بن الصمة بن معاوية بن الحرث بن جداعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن الفارس المشهور، والشاعر المذكور أحضره مالك بن عوف النصري يوم حنين معه فقتل كافرًا، والبيت المذكور من قصيدة دالية أولها هو قوله: ١ - أَرَثَّ جَدِيدُ الحَبْلِ منْ آل مَعْبَدٍ … بعَافِيةِ وأَخْلَفَتْ كُلَّ مَوْعِدٍ ٢ - وبَاتَتْ ولمْ أَحْمِلْ إليك نوالها … ولمْ تَرْجُ فِينَا درة اليومِ أو غد ٣ - وكل تباريح المحب لقيته … سوى أنني لم ألق حتفي بمرصد ٤ - فقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجِ … سَرَاتُهُمُ في الفارِسِي المُسَرَّدِ

стр. 633

٥ - ولما رأيت الخيل قبلًا كأنها … جراد بياري وجْهَةِ الريح تغتدي ٦ - أمرْتُهُمُ أمريٍ بمُنْعَرجِ اللِّوَى … فَلَمْ يستبينُوا الرشْدَ إلا ضُحَى الغَدِ ٧ - فلَّما عَصْونِي كُنْتُ منهم وقَدْ أَرَىَ … غَوَايَتَهُمْ وإنَّني غَيرُ مُهْتدي ٨ - ومَا أَنا إلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ ٩ - دعاني أخي ............... .... ..................... إلى آخره ١٠ - نظرتُ إليه والرِّمَاحُ تَنُوشُهُ … كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسيجِ المُمَدِّد ١١ - فطاعنتُ عَنْهُ الخيلَ حَتَّى تَبدَّدتْ … وحَتَّى عَلانِي حالِكُ اللونِ أسْودِ ١٢ - طعانَ امرئِ آَسى أخَاهُ بِنَفْسهِ … ويعلمُ أَنَّ المرْءَ غَيرُ مُخَلَّدِ ١٣ - تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسًا … فقلت أعبد اللَّه ذلكم الردي؟ ١٤ - فإنْ يَكُ عَبدُ اللَّه خَلَّى مكانَهُ … فَما كَانَ وقَّافًا ولا طائِشَ اليدِ وهي من الطويل. ١ - قوله: "أرث" بالثاء المثلثة المشددة، يقال: أرث الثوب إذا أخلق، وأراد: "بآل معبد" آل أخيه، وهو معبد بن الصمة، وكان له ثلاث أسماء: معبد وعبد اللَّه وخالد، ويقال بدل معبد: عارض؛ ولهذا قال في الحماسة في أول هذه القصيدة: فصحْتُ لعارضٍ وأصحابِ عَارِضٍ … وَرَهْطِ بني السَّوْدَاءِ والقومُ شُهَّدِي (١) ٣ - قوله: "وكل تباريح المحب" أي: توهجه، قال الجوهري: تَباريحُ الشوقِ: توهُّجُه (٢)، ويقال: تباريح البلاء: شدائده. ٤ - قوله: "ظنوا" بضم الظاء وتشديد النون، ومعناه: أيقنوا، و"المدجج": التام السلاح من الدجة -بضم الدال وتشديد الجيم؛ وهي شدة الظلمة؛ لأن الظلمة تستر كل شيء، فلما ستر نفسه بالسلاح قيل: مدجج، وقيل: إنه من الدج، وهو المشي الرويد، والتام السلاح لا يسرع في مشيته، وأراد "بالفارسي المسرد" الدرع. ٥ - قوله: "قُبلًا" بضم القاف وسكون الباء الموحدة؛ جمع قبلاء من قولهم: رجل أقبل، وهو الَّذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه، قوله: "يبارى" أي: يعارض، من قولهم: فلان يباري الريح سخاء.

стр. 634

٦ - قوله: "بمنعرج اللوى" وهو منعطف الرمل، وأراد به الموضع المعنى (١) منه، قوله: "فلم يستبينوا الرشد" ويروى: النصح. ٧ - قوله: "كنت منهم" من هذه تفيد تبيين الوفاق وترك الخلاف، وأن الشأنين واحد. ٨ - قوله: "وما أنا إلا من غزية" ويروى: وهل أنا إلا من غزية -بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي، وأراد بغزية رهطه؛ فجعل نفسه منهم في حالتي الغي والرشاد. ٩ - قوله: "دعاني أخي" وهو عبد الله، وهو المسمى بمعبد وخالد أيضًا كما ذكرناه (٢)، وأراد "بالخيل" الفرسان؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]؛ أي: بفرسانك، قوله: "بقعدد" القعدد بضم القاف وسكون العين وضم الدال الأولى وفتحها، يقال: رجل قعدد إذا كان قريب الآباء إلى الجد الأكبر، وكان يقال لعبد الصمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس - رضي الله تعالى عنهم - قُعْدد بني هاشم، ويُمدح به من وجه؛ لأن الولاء للكبر ويُذم به من وجه؛ لأنه من أولاد الهَرْمي، وينسب إلى الضعف، ومنه قول الشاعر. والمعنى: طلبت أخي في الحرب، والحال أن الفرسان بيني وبينه، ولما طلبني لم يجدني قعددًا يعني: ضعيفًا متأخرًا. ١٠ - قوله: "تنوشه" أي: تأخذه، قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا تناول رجلًا ليأخذ برأسه ولحيته: ناشه ينوشه (٣)، وكان أخوه عبد الله قتل، وجعل دريد يذب عنه وهو جريح، وهو قوله: "نظرت إليه والرماح تنوشه" وروي: فجئت إليه والرماح تنوشه، قوله: "كوقع الصياصي": جمع صيصية، وهي شوكة الحائك التي يسوى بها السدى واللحمة، وتكون من قرن ومن خشب. ١١ - قوله: "حتَّى تبددت" أي: حتَّى تفرقت، ويروى: حتَّى تنفست، قوله: "حالك اللون أسود" يروى برفع الدال على الإقواء (٤)، ويروى: أسودي بياء النسب؛ كما قيل في الأحمر: أحمري، ثم خففت ياء النسب فحذفت الأولى منهما وجعلت الثانية صلة. ١٢ - قوله: "أردت الخيل" أي: أهلكت الخيل فارسًا؛ من الإرداء وهو الإهلاك، قوله: "فقلت أعبد الله ذلكم الردي" أي: الهالك، والهمزة في أعبد الله للاستفهام، وإنما قال ذلك لما عرف من إقدامه أو لسوء (٥) ظن الشقيق.

стр. 635

الإعراب: قوله: "دعاني": فعل ومفعول، وقوله: "أخي": كلام إضافي فاعله، قوله: "والخيل": مبتدأ، وخبره قوله: "بيني" و "بينه": عطف عليه، والجملة وقعت حالًا، قوله: "فلما دعاني": عطف على دعاني الأول، و "لما": ظرف، وجوابه "لم يجدني"، قوله: "بقعدد": مفعول ثان لقوله: "لم يجدني" والباء فيه زائدة. الاستشهاد فيه: في قوله: "بقعدد" حيث دخلت الباء في المفعول الثاني لوجد لتقدم النفي عليه (١). الشاهد الثلاثون بعد المائتين (٢)، (٣) فَإِنْ تَنْأَ عَنْهَا حِقْبَةً لَا تُلافِهَا … فَإِنَّكَ مِمَّا أَحْدَثَتْ بِالْمُجَرِّبِ أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي وهو من قصيدة بائية، وأولها هو قوله: ١ - خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدَبٍ … لِنَقْضيَ حَاجَاتِ الفُؤَادِ المُعَذَّبِ ٢ - فإنكُمَا إنْ تَنْظُرَانِي سَاعَةً … مِنَ الدَّهرِ تَنْفَعْنِي لدَى أمّ جُنْدَبِ ٣ - ألمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جِئتُ طَارِقًا … وجَدْتُّ بِهَا طَيِّبًا وَإنْ لَمْ تَطَيَّبِ ٤ - عَقِيلَةُ أخْدَانٍ لهَا لا دَمِيمَةٌ … ولا ذاتِ خُلْق إنْ تَأَمَّلْتَ جَانبِ ٥ - تَبْصَّرْ خَلِيلي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائنٍ … سلَكْنَ ضُحِيًّا بين حَزْمَيْ شَعَبْعَبِ ٦ - عَلَوْنَ بأنْطَاكية فوق عِقْمَةٍ … كجُرْمَةِ نَخْلٍ أو كَجَنَّةِ يثربِ ٧ - فعيناكَ غَربَا جَدْوَلٍ بمفَاضَة … كمَرِّ خَلِيجٍ في صَفيحٍ منصب ٨ - ألا ليتَ شِعرِي كيفَ حَادثُ وصْلِهَا … وكيفَ تظن بالإخَاءِ المغيبِ ٩ - أدَامَتْ عَلَى ما بَينَنَا من نَصِيحةٍ … أميمة أمْ صارتْ لِقَولِ المُحُببِ ١٠ - فَإنْ تَنْأَ عَنْهَا حِقْبَةً لا تُلافِهَا … فَإنَّكَ مِمَّا أَحْدَثَتْ بِالمُجَرِّبِ ١١ - وقالتْ مَتَى يَبْخَلْ عليكَ ويَعْتلِلْ … يسُؤْكَ وإنْ يُكشَفْ غَرَامُكَ تُدْرَبِ

стр. 636

١٢ - وللَّه عَينَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقٍ … أشَتُّ وأنْأَى منْ فِرَاقِ المُحَصَّبِ ١٣ - غَدَاةَ غَدَوا فَسَالِكٌ بَطنَ نَخْلَةٍ … وآخَرُ منهُمْ جَازِعُ نَجْدَ كَبْكَبِ ١٤ - فإنَّكَ لم يَفْخَرْ عليك كَفاخِرٍ … ضَعيفٍ ولم يَغلِبْكَ مِثلُ مغْلَبِ ١٥ - وإنَّكَ لمْ تَقْطَعْ لُبانَةَ عاشِقٍ … بمِثلِ غُدُوٍّ أو رَوَاحٍ مُؤَوَّبِ وهي طويلة من الطويل. وكان امرؤ القيس قد تزوج امرأة من طيئ لما نزل فيهم يقال لها: أم جندب، فلما كان ليلة ابتنى بها أبغضته، وكان علقمة بن عبدة التميمي (١) نزل به، وكان من فحول أهل الجاهلية، وكان صديقًا له، فقال أحدهما لصاحبه: أينا أشعر؛ فقال: هذا أنا، وقال؛ هذا أنا فَتَلَاحَيَا، حتَّى قال امرؤ القيس: انعت فرسك وناقتك وأنعت فرسي وناقتي، قال: فافعل، والحَكَمُ بيني وبينك هذه المرأة، من ورائك؛ يعني: الطائية امرأة امرئ القيس، فقال امرؤ القيس هذه القصيدة حتَّى فرغ منها. ١ - قوله: "خليلي" يعني: صاحبيه، والخليل: الصديق الصاحب، "وأم جندب" هي امرأة امرئ القيس الطائية، وقيل (٢): هي من كندة، قوله: "لنقضي حاجات" ويروى: لنقضي لبانات، ويروى: تقضي، و"اللبانات": جمع لبانة وهي الحاجة. ٢ - قوله: "تنفعني" أي: الساعة، ويروى: ينفعني -بالياء آخر الحروف، أي: الانتظار. ٣ - قوله: "طارقًا": من طرقته، [أي:] (٣) أتيته ليلًا، قوله: "وجدت بها طيبًا" أي: يعني: طيبة الجسم والجسد، يعني: وإن لم تمس طيبًا فهي طيبة الريح. ٤ - قوله: "عقيلة أخدان" عقيلة كل شيء: خيرته وكريمته، "والدميمة" - بالدال المهملة: قبيحة الخلق. قوله: "جانب" - بالجيم والهمزة والنون والباء: وهو القصير، يقال: فرس جانب، أي: قصير وامرأة جانبة. ٥ - قوله: "من ظعائن" وهي النساء بالإبل، الواحدة: ظعينة. قوله: "ضحيًّا": تصغير ضحى، وكرهوا أن يدخلوا فيها الهاء فتلتبس بتصغير ضحوة، و"الحزْم والحزْن" ما ارتفع من الأرض فيه غلظ، وكل غلظ حزم وحزن، والحزم: أغلظهما،

стр. 637

وقوله "شعبعب": اسم ماء لبني قشير. ٦ - قوله: "علون" أي: علون الخدور بثياب أنطاكية فوق عِقْمَةٍ وهي قرية من قرى الشام (١)، والعقمة -بكسر العين وفتحها وسكون القاف؛ جمع عقم وهو ضرب من الوشي، ويقال لكل ما جاء من قبل الشام: أنطاكي، "والجرمة": جني النخل وحملها، أراد: ألوان البسر الحمرة والصفرة، يقول: ذاك الوشى كجرمة نخل أو كجنة يثرب والجنّة: البستان، ويروى: كجربة نخل، والجربة - بالجيم المفتوحة والراء المكسورة والباء الموحدة المفتوحة، وهي موضع فيه نخل أو زرع. ٧ - قوله: "غربا جدول" الغرب: الدلو العطمة، والجدول: النهر، قوله: "بمفاضة" يعني: ببئر مفاضة، ويقال: المفاضة: الدلاء الواسعة، و"الصفيح": الحجارة العراض الرقاق تجعل (٢) على جنبي الجدول لئلا يتهدم، قوله: "منصب" أي: منصوب ويروى: مصوب. ٨ - قوله: "كيف حادث وصلها" أي: حدوث وصلها، قوله: "تظن بالإخاء" أي: كيف تظن بالود الَّذي غاب عنها مني. ٩ - قوله: "لقول المخبب" أي: إلى قول المخبب، والمخبب - بالخاء العجمة؛ وهو الَّذي يعلم الخب. ١٠ - قوله: "فإن تنأ" أي: تبعد من نأى ينأى إذا بعد، قوله: "عنها" أي؛ عن أم جندب المذكورة في أول القصيدة، قوله: "حقبة" بكسر الحاء المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة، واحدة حقب (٣) بكسر الحاء وفتح القاف؛ وهي السنون، والحقبة: السنة ولكن أراد بها هاهنا الحين، قوله: "بالمجرب" بضم الميم وفتح الراء المشددة مثل المجزس، والمضرَس: الَّذي قد جربته الأمور وأحكمته، فإن كسرت الراء جعلته فاعلًا، إلا أن العرب تكلمت به بالفتح. ١١ - قوله: "يسؤك" أي: يخونك (٤)، و"الغرام": شدة العشق، قوله: "تدرب" [بالدال] (٥) المهملة، أي: تتعود وتَصِير ذا دربة. ١٢ - قوله: "من تفرق" أي: تفرقا، ومن زائدة، قوله: "أشت" أي: أشد فراقًا، والشتات: الفرقة، قوله: "وأنأى" أي: أبعد، وعني "بالمخصب" الجمرات. ١٣ - قوله "بطن نخلة": بستان عبيد اللَّه بن معمر، وهو الَّذي يغلط الناس فيه فيقولون: بستان بني عامر، و"النجد": الطريق، و "كبكب": هو الجبل الأحمر الَّذي تجعله في ظهرك

стр. 638

إذا وقفت بعرفة، ومعنى "جازع": قاطع، يقال: جزعت الوادي إذا قطعته. ١٤ - قوله: "المغلب" الَّذي يغلب مرارًا. ١٥ - "واللبانة" بضم اللام؛ الحاجة، و"مؤوب" من الأوب وهو الرجوع، وأراد هاهنا أن استراحته تكون بالليل. الإعراب: قوله: "فإن" الفاء للعطف، "وإن" حرف الشرط، و"تنأ": مجزوم فعل الشرط، وهو جملة من الفعل والفاعل وهو "أنت" المستتر فيه قوله: "لا تلافها" بدل من تنأ؛ فإن (١) عدم الملاقاة هو النأي، ويجوز أن يكون مرفوعًا حالًا كقوله (٢): متى تأته تعشو ...... .... ............................ فهذا لا يجوز رفعه؛ لأنه ليس بمعنى الأول فلا يبدل منه. قوله: "حقبة": نصب على الظرف. قوله: "فإنك": جواب الشرط، والكاف: اسم إن، وخبره قوله: "بالمجرب" والباء فيه زائدة. قوله: "مما أحدثت" يتعلق بالمجرب، والضمير في أحدثت ورجع إلى الحقبة. الاستشهاد فيه: في قوله: "بالمجرب" حيث دخلت فيه الباء وهو خبر إن (٣). الشاهد الحادي والثلاثون بعد المائتين (٤)، (٥). ولَكِنَّ أَجْرًا لَوْ فَعَلْتِ بِهَيِّنٍ … وهل يُنْكَرُ الْمَعْرُوفُ فِي النَّاسِ والأَجْرُ أقول: هذا أنشده أبو علي، وأبو الفتح (٦)، ولم يعزواه إلى أحد.

стр. 639

وهو من الطويل، والمعنى ظاهر. الإعراب: قوله: "ولكن" مشددة، و "أجرًا": اسمه، وقوله: "بهين": خبره، والباء فيه زائدة، وقوله: "لو فعلت": جملة معترضة بين اسم لكن وخبره، ومفعول "فعلت" محذوف تقديره: لو فعلته وأغنى خبر لكن عن جواب لو والتقدير: لكن أجرًا هين، قوله: "وهل" للنفي، و"المعروف": مرفوع بإسناده إلى ينكر، وقوله: "الأجْرُ": بالرفع عطف على المعروف. الاستشهاد فيه: في قوله: "بهين" حيث دخلت عليه الباء وهو خبر لكن لشبهه بالفاعل وهو نادر (١). الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين (٢)، (٣) ......................... … أَلَا لَيْتَ ذَا الْعَيشَ اللَّذِيذَ بدَائِمٍ أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب، وصدره: يقول إذا اقلولي عليها وأقردت .... ............................... وأنشده الجوهري وابن مالك هكذا (٤): ................................ … ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم وهو من قصيدة يهجو بها الفرزدق جريرًا وكليبًا رهطه يرميهم بإتيان الأتن؛ كما أن بني فزارة يُرمَوْنَ بإتيان الإبل وقبله (٥): فإِنَّك كلبٌ من كُليبٍ لِكلْبةِ … غَذَتْكَ كُليبٌ من خَبيثِ المطاعمِ ولَيسَ كُليبيٍّ إذَا جُنَّ ليلةً إذَا … لَمْ يَجدْ رِيحَ الأَتَانِ بِنَاعِمَ

стр. 640

يَقُولُ إِذَا اقْلَوْلَي عليها وأقْرَدَتْ … ألا ليتَ ذا العيش اللذيذَ بدائم وهي من الطويل. قوله: "إذا اقلولي" أي: إذا ارتفع الكلبي عليها؛ أي: على الأتان، "وأقردت الأتان" بالقاف يعني: لصقت بالأرض وسكنت. حاصل المعنى: إذا علا الكلبي على الأتان وسكنت الأتان لذلك يقول: ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم؟ وقد صرف بعضهم معنى هذا البيت إلى معنى حسن ولكنه ليس مراد الشاعر، وهو أن الجنازة تقول بلسان الحال إذا ارتفع عليها الميت، والحال أنها أقردت أي؛ سكنت: ألَا هل صاحب عيش لذيذ يدوم في عيشه؟ فكأن هذا لم يطلع على القصيدة المذكورة وإنما اطلع على هذا البيت وحده فصرفه إلى هذا المعنى. الإعراب: قوله: "يقول": فعل وفاعله الضمير المستتر فيه الَّذي يرجع إلى الكلبي، قوله: "إذا": للظرف، وقوله: "اقلولي": فعل ماض وفاعله مستكن فيه، و"عليها": يتعلق به، قوله: "وأقردت": جملة فعلية ماضوية وقعت حالًا، والماضي إذا وقع حالًا يكون على ستة أضرب: أحدها: أن يكون مقرونًا بالواو وحدها؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]. قوله: "ألا": كلمة تنبيه تدل على تحقيق ما بعده، و "ليت": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وهو حرف يتعلق بالمستحيل غالبًا، وقوله: "ذا": اسم ليت، وقوله: "العيش": بدل من ذا، وقوله: "اللذيذ": صفته، وقوله: "بدائم": خبر ليت، والباء فيه زائدة [وأما رواية الجوهري فقوله: "هل" بمعنى ما النافية، و"أخو عيش": كلام إضافي مبتدأ "ولذيذ": بالجر صفة عيش، وقوله: "بدائم": خبر المبتدأ، والباء فيه زائدة] (١). الاستشهاد فيه: على الوجه الأول في زيادة الباء في خبر ليت (٢)، وعلى الوجه الثاني في زيادتها في خبر المبتدأ الَّذي دخلت عليه [هل] (٣) لشبهها بالنفي (٤).

стр. 641

الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائتين (١)، (٢) أَبْنَاؤُهَا مُتَكَنّفُونَ أَبَاهُمُ … حَنِقُوا الصُّدُورَ وَمَا هُمُ أَوْلَادَهَا أقول: هذا أنشده أبو علي ولم يعزه إلى قائله (٣)، وقبله: وأنا النذير بِحَرَّةٍ مسودة … تصل الجيوش إليكم أقوادها (٤) وهما من الكامل وفيه الإضمار. ١ - قوله: "النذير": من الإنذار وهو الإعلام، والنذير هو المعلم الَّذي يخوف القوم بما يكون دهمهم من عدو أو غيره، وهو المخوف أيضًا، وكذلك النذر، قوله: "بحرة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي أرض ذات حجارة سود، ولكن المراد به هاهنا: الكتيبة المسودة بكثرة حديدها، قوله: "تصل الجيوش إليكم" وفي رواية أبي علي: تصل الأعم إليكم، والأعم: الكلأ الكثير وكذلك العميم، و"الأقواد": جمع قود -بفتح القاف والواو؛ وهي الجماعة من الخيل. ٢ - قوله: "أبناؤها" أي: أبناء الكتيبة وأراد رجالها، وأراد بآبائهم رؤساءَهم قوله: "متكنفون" يريد قد صاروا حوله على أكنافه، يعني: قد أَحْدَقُوا برأس الكتيبة فجعله لهم بمنزلة الأب؛ إذ كان يقوم بأمورهم ويأمر فيهم وينهى. قوله: "حنقوا الصدور" أصله: حنقون؛ جمع حَنِق -بفتح الحاء وكسر النون وهو صفة مشبهة من الحَنَق -بفتحتين وهو الغيظُ. قوله: "وما هم أولادها" أي: ليسوا بأولاد الكتيبة على الحقيقة؛ يعني؛ لم تلدهم الكتيبة وإنما هم أبناؤهم على مجاز قول العرب: "بنو فلان بنو الحرب" ومن ذلك قول أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - لبعض مَنْ خَاطَبَهُ: "أَوَ تُعَيِّرُنِي قُرَيشٌ بقِلَّةِ العلم بالحرب وأنا ابنُها؛ لقد نَهَضْتُ فيها وما بلغتُ العشرينَ، وَهَا أنا ابنُ ستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع"، والعرب تقول: أنا ابنُ بجدة الأرضِ، إذا كان عالمًا بها. الإعراب: قوله: "أبناؤها": مرفوع بالابتداء، وقوله: "متكنفون أباهم": خبره، و"متكنفون": جملة من

стр. 642

الفعل والفاعل، "وأباهم": كلام إضافي مفعوله وأصله: أبًا لهم، قوله: "حنقو الصدور": كلام إضافي، وأصله: حنقون للصدور، فسقطت النون للإضافة، وارتفاعه على أنَّه خبر ثان للمبتدأ. قوله: "وما هم أولادها" ما نافية بمعنى ليس، "وهم": اسمها و"أولادها": خبرها. الاستشهاد فيه: حيث نُصِبَ خبر "ما" التي بمعنى [ليس] (١) على لغة أهل الحجاز لشبهها بها في أنها لنفي الحال عند الإطلاق، وعليه قراءة من قرأ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] (٢)، بنصب الراء، وأما على لغة تميم فإن "ما" لا تعمل شيئًا فإنهم [يقولون:] (٣) ما زيد قائم ولا عمرو منطلق (٤). الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائتين (٥)، (٦) نَصَرْتُكَ إِذْ لَا صَاحِبٌ غَيرَ خَاذِلٍ … فَبُوِّئْتَ حِصْنًا بالْكمَاةِ حَصِينًا أقول: أنشده أبو الفتح ولم يعزه إلى أحد. وهو من الطويل. قوله: "خاذل": من الخذلان وهو ترك النصر، قوله: "فبوئت حصنًا" أي: أسكنت؛ من بوأه اللَّه منزلًا؛ أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلًا؛ أي: اتخذته، والمباءة؛ المنزل، قوله: "بالكماة" بضم الكاف؛ جمع كمي، وهو الشجاع المتكمي في سلاحه المتغطي به. الإعراب: قوله: "نصرتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "إذ": ظرف بمعنى حين، قوله:

стр. 643

"لا صاحب": كلمة لا بمعنى ليس، وقوله: "صاحب": اسمه، وقوله: "غير خاذل": خبره. قوله: "فبوئت" على صيغة المجهول، الفاء فيه تصلح أن تكون للتعليل، قوله: "حصنًا": مفعول ثان لبوئت، والمفعول الأول هو التاء التي نابت عن الفاعل، وقوله: "حصينًا": صفة لقوله: "حصنًا"، قوله: "بالكماة": جار ومجرور يتعلق بقوله: "نصرتك"، والباء فيه للسببية، ويجوز أن تكون للاستعانة. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا صاحب غير خاذل" فإن كلمة "لا" فيه عملت عمل ليس عند (١) أهل الحجاز (٢). الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين (٣)، (٤) بَدَتْ فِعْلَ ذِي وُدٍّ فلمَّا تَبعْتُها … تَوَلَّتْ وبَقَّتْ حَاجَتي في فُؤاديا وحلَّتْ سَوَادَ القلب لا أَنَا بَاغِيًا … سِواهَا وَلَا في حبِّها مُتَراخِيا أقول: قائلهما هو النابغة الجعدي الصحابي - رضي الله تعالى عنه - وقدر ترجمناه فيما مضى في شواهد المعرف باللام (٥)، وهما من قصيدة يائية من الطويل، وبعدهما قوله: ٣ - أُتِيحَتْ لَهُ والغمُّ يَحْتضِرُ الفَتَى … ومنْ حَاجَة الإنسانِ ما لَيْسَ لَاقِيَا ٤ - فَلَا هِيَ تَرْضَى دُونَ أَمْرَدَ نَاشِيءٍ … ولا أستطيعُ أَنْ أُعِيدَ شَبَابِيَا ٥ - وَقَدْ طَال عَهْدِي بِالشَّبَاب وظِلِّهِ … ولاقيتُ أيَّامًا تُشِيبُ النَّواصِيَا ٦ - وَلَوْ دَامَ منْها وَصْلُها ما قَلَيْتُها … ولكِنْ كَفَى بالهجْرِ للحبِّ شافِيَا ٧ - وما رَابَها من رِيبة غَيرَ أَنَّها … رَأَتْ لمتي شَابَتْ وشَابَ لَدّاتيا ٨ - فَلا زَال يَسْقِيها ويَسْقِي بَلَادَها … من الْغَيثِ زَخَار يسيحُ الغزاليا

стр. 644

٩ - ولَكِنْ أَخُو العلياءِ والجودُ مَالِكٌ … أقَامَ على عَهْدِ النَّوى والنَّصَافِيا ١٠ - فَتًى كَمُلَتْ خيراتهُ غَيرَ أَنَّهُ … جوادٌ فَما يُبقي من المالِ بَاقِيا ١١ - فَتًى تَمّ فيه ما يَسُرُّ صَدِيقَهُ … عَلَى أَنَّ فيهِ مَا يَسُوءُ الْأَعَادِيَا وهذان البيتان مختاران ولم يورد أبو تمام في حماسته من هذه القصيدة غيرهما (١). ٣ - قوله: "أتيحت" أي: قد رقم، قوله: "والغَمُّ" ويروى: والهم. ٥ - قوله: "وظله" وتروى: وطِيئهُ. ٦ - قوله: "ما قَلَيْتُها" بالقاف؛ أي: ما أبَغَضْتُهَا. ٧ - قوله: "وما رابها" من قولك: رابني فلان إذا رأيت منه ما يُرِيبُك وتكرهُه، وهذيل تَقُول: رابَنِي فلان، وأصله من الريب وهو الشك، قوله: "لمتي" بكسر اللام وتشديد الميم، وهو الشعر الَّذي يجاور شحمة الأذن، فإذا بلغت النكبين فهي جمة، وتجمع على لمم ولمام. ٨ - قوله: "زخار": من زخر الوادي إذا متد جدًّا وارتفع، يقال: بحر زاخر وزخار، قوله: "يَسِيحُ": من أساح، ؤلاثيه: ساح الماء يسيح سيحًا إذا جرى على وجه الأرض، و"العزالي": جمع عزلاء وهي فم المزادة من الأسفل. ٩ - قوله: "والنوى" بفتح النون مقصور وهو البُعد. الإعراب: قوله: "بدت": فعل [وفاعل] (٢)؛ أي: ظهرت المحبوبة، ويروي: دنت؛ أي: قربت، قوله: "فعل ذي ود": نصب بنزع الخافض أي كفعل ذي ود. والمعنى: فَعَلَتْ معي فعل ذي محبة ومودة، قوله: "فلما": ظرف بمعنى حين، وجوابه قوله: "تولت"، قوله: "وبَقت" بتشديد القاف؛ وهو عطف على قوله: "تولت" وهو فعل وفاعله مستكن فيه، "وحاجتي": كلام إضافي مفعوله، ويروى: وَخَلتْ حاجتي. قوله: "في فؤاديا": يتعلق بقوله: "بقت"، وأصله: في فؤاديْ -بسكون ياء المتكلم، فلما حركت للضرورة أشبعت فصار: فؤاديا، قوله: "وَحَلَّتْ": عطف على قوله: "وبقت" وهو فعل وفاعل وهو الضمير المستتر فيه، وقوله: "سواد القلب" مفعوله، أي: في سواد القلب، وسواد القلب:

стр. 645

حبته، وكذلك أسوده وسوداؤه وسويداؤه. قوله: "لا أنا "كلمة لا بمعنى ليس "وأنا": اسمه، و"باغيًا": خبره، وهو من البغي وهو الطلب، قوله: "سواها": كلام إضافي مفعول لـ "باغيًا"، قوله: "ولا في حبها": عطف على قوله: "لا أنا باغيًا" قوله: "متراخيًا": خبر لا. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا أنا باغيًا" حيث عمل لا بمعنى ليس في المعرفة وهو شاذ، وقد ذهب إليه أبو الفتح في كتاب التمام وابن الشجري أيضًا (١). وقد أجيب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن تجعل "أنا" مرفوعًا بفعل مضمر "وباغيًا" نصب على الحال تقديره: لا أرى باغيًا؛ فلما أضمر الفعل برز الضمير وانفصل. والثاني: أن يُجعل "أنا" مبتدأ والفعل المقدر بعده خبرًا ناصبًا "باغيًا" على الحال، ويكون هذا من باب الاستغناء بالمعمول عن العامل لدلالته عليه، ونظائره كثيرة كالحال السادة مسد الخبر. ويروى: لا أنا مبتغي سواها ولا عن حبها متراخيًا، فعلى هذه الرواية (لا) أيضًا معملة، ولكنه سكن ياء مبتغي للضرورة؛ كما في قوله (٢): "كفى بالنأي من أسماء كافي "وأصله: كافيًا (٣). الشاهد السادس والثلاثون بعد المائتين (٤)، (٥) إِنِ الْمَرْءُ مَيْتًا بِانْقِضَاءِ حَيَاتِهِ … وَلَكِن بِأَنْ يُبْغَى عَلَيهِ فَيُخْذَلَا أقول: هو من الطويل.

стр. 646

المعنى: ليس المرء ميتًا بانقضاء حياته ولكن إنما يموت إذا بُغي عليه فيخذل عن النصر والعون. الإعراب: قوله: "إن": بمعنى ليس عند الكوفيين خلافًا للفراء (١)، وقوله: "المرء": اسمه، و"ميتًا": خبره، والباء في "بانقضاء" يتعلق بـ"ميتًا"، وقوله: "حياته": كلام إضافي مجرور بإضافة انقضاء إليها، قوله: "لكن": للاستدراك، قوله: "بأن يُبْغى عليه [فيخذلا] (٢) " بصيغة المجهول، والباء تتعلق بمحذوف تقديره: ولكن يموت بأن يبغى عليه و"أن" مصدرية أي: بالبغي عليه. قوله: "فيخذلا" بالنصب عطف على قوله: "بأن يبغى عليه" والتقدير: فأن يخذلا، والألف فيه للإطلاق. الاستشهاد فيه: في قوله: "إن المرء ميتًا" حيث عمل فيه "إن" عمل ليس (٣). الشاهد السابع والثلاثون بعد المائتين (٤)، (٥) نَدِمَ البُغَاة وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ … والْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبتَغِيهِ وَخِيمُ أقول: قائله هو محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله التميمي، ويقال: مهلهل بن مالك الكناني (٦). وهو من الكامل وفيه الإضمار والقطع. قوله: "البغاة": جمع باغ؛ كالقضاة جمع قاض، قوله: "ولات ساعة مندم" أي: وليست الساعة ساعة ندامة، والمندم مصدر ميمي، قوله: "مرتع" بالتاء المثناة من فوق؛ من رتع إذا رعى قوله: "مبتغيه": من ابتغى إذا طلب، قوله: "وخيم" أي: ثقيل؛ من الوخامة.

стр. 647

الإعراب: قوله: "ندم البغاة": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "ولات ساعة مندم": جملة حالية. والمعنى: ندموا وقت لا ينفعهم الندم، "ولات" أصلها: "لا" بمعنى ليس، زيدت فيها التاء للتأكيد في معنى النفي ولتأنيث اللفظ؛ كما في ثمت، واختلفوا فيها؛ فقال بعضهم: إنها كلمة واحدة مثل قاض، ومعناه في الأصل نقص؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] فإنه يقال: لات يليت؛ كما يقال: ألت يألت، وقد قرئ بهما ثم استعملت للنفي (١). ويقال: أصلها: ليس -بكسر الياء فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها وأبدلت السين تاء فصار: لات (٢). وقال أبو عبيدة وابن الطراوة: إنها كلمة وبعض كلمة؛ وذلك أنها لا النافية والتاء فيه زائدة في أول الحين، واستدل أبو عبيدة بأنه وجدها في مصحف عثمان - رضي الله تعالى عنه - مختلطة بحين في الخط. ولا حجة في ذلك؛ لأن في خط المصحف أشياء كثيرة خارجة عن القياس (٣). وقال الزمخشري -رحمه الله تعالى-: زيدت التاء على لا وخصت بنفي الأحيان (٤). قوله: "والبغي"؛ مبتدأ، و"مرتع مبتغيه": كلام إضافي مبتدأ ثان و"وخيم": خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول. الاستشهاد فيه: في قوله: "ولات ساعة مندم" حيث زيدت التاء بعد "لا" التي بمعنى ليس وأنه يعمل عملها في أسماء الأحيان نحو: حين وساعة وأوان، والحاصل أن المراد بكون اسمها حينًا أن يكون اسم زمان لا لفظ حين بدليل البيت المذكور (٥).

стр. 648

الشاهد الثامن والثلاثون بعد المائتين (١)، (٢) وَمَا حَقُّ الَّذِي يْعتُو نَهَارًا … وَيَسْرِقُ لَيْلَهُ إلا نَكَالًا أقول: قائله هو مغلس بن لقيط بن حبيب بن خالد بن نضلة الأسدي شاعر جاهلي (٣). وهو من الوافر. قوله: "يعتو": من عتا إذا استكبر يعتو عتوًّا وعُتِيًّا وعِتيًّا -بضم العين وكسرها فهو عاتٍ، وقوم عُتي، ويقال: معناه: يتجاوز الحد، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقال الزمخشري: يتجاوز الحد في الظلم (٤)، ويشهد له قوله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١]، والعطف يؤذن بالمغايرة، قوله: "إلا نكالًا" بفتح النون؛ وهو العذاب، وأصله من النكل -بكسر النون وهو القيد. الإعراب: قوله: "وما": كلمة ما نافية، ولكن انتقض نفيها بإلا، قوله: "حق الذي": كلام إضافي اسم لما، وقوله: "يعتو": صلة الموصول، و"نهارًا": نصب على الظرف، قوله: "يسرق" عطف على قوله يعتو، قوله: "ليله" نصب على الظرف، وقوله: "إلا نكالًا"؛ خبر ما، وقد عمل "ما" ها هنا مع انتقاض نفيه بإلا، وفيه الاستشهاد: اذ لو لم يعمل لقيل: نكال بالرفع؛ حُكي ذلك عن يونس وغيره (٥)، وتأوله الجمهور على أن أصل نكالًا: نكالان ولكن حذفت نونه للضرورة. والمعنى: إلا نكالان؛ نكال لعتوه ونكال لسرقته؛ فعلى هذا لم تعمل "ما" فيه شيئًا لبطلان معناها بإلا. ويقال: أصله: إلا أن ينكل نكالًا؛ فالنصب على المصدرية لا على الخبرية، ونظيره: ما زيد إلا سيرًا؛ أي: إلا يسير سيرًا، وفيه نظر؛ لأن فيه اضمار أن المصدرية وصلتها وإبقاء معمول

стр. 649

الصلة، وذلك نظير حذف بعض الاسم وإبقاء بعضه (١). الشاهد التاسع والثلاثون بعد المائتين (٢) يقول إذا اقلولي عليها وأقردت … ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم أقول: قائله هو الفرزدق وقد مر الكلام فيه مستوفى قبل ستة أبيات من هذا الباب. الاستشهاد فيه: في قوله: "بدائم" على دخول الباء في خبر المبتدأ الَّذي دخلت عليه هل لشبهها بالنفي (٣). الشاهد الأربعون بعد المائتين (٤)، (٥) مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا … فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ أقول: قائله هو سعد بن مالك بن ضبيعة جد طرفة، وهو من قصيدة حائية، وأولها هو قوله: ١ - يا بُؤسَ للحربِ التَّي … وضَعَتْ أراهِطَ فاسْتَراحَوُا ٢ - والحربُ لا يَبْقَى لِجَا … حِمِهَا التخيُّلُ والمِرَاحُ ٣ - إلا الفَتَى الصَّبارُ في النـ … ـجدَاتِ والفَرسُ الوقَاحُ ٤ - والنثرةُ الحَصْداءُ والـ … بَيضُ المكلَّلُ والرِّمَاحُ ٥ - وتساقطُ التَّنْوَاط والـ … ــذَنَبَاتُ إذْ جَهَدَ الفِصَاحُ ٦ - كَشَفَتْ لَهُم عَن سَاقِها … وبَدا من الشرِّ الصُّراحُ

стр. 650

٧ - فالهمُّ بَيْضاتُ الخدُو … رِ هُنَاكَ لا النَّعَمُ المُراحُ ٨ - بِئْسَ الخَلَائِفُ بَعْدَنا … أولَادُ يَشْكُرَ واللِّقاحُ ٩ - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا … ......................... إلى آخره ١٠ - صَبْرًا بَنِي قَيْسٍ لها … حتَّى تُريحُوا أو تُرَاحُوا ١١ - إنَّ المَوائلَ خَوْفَها … يَعْتَاقُهُ الأجلُ المُتَاحُ ١٢ - هَيهاتَ جال الموت دُونَ … الفَوْت وانتُضِي السِّلاحُ ١٣ - كيف الحياةُ إذا خَلَت … مِنَّا الظواهرُ والبِطَاحُ ١٤ - أَيْنَ الأعزة والأَسِنَّةُ … عند ذلك والرِّماح؟ وهي من الكامل وفيه الإضمار والترفيل، تقول: من صد عن: مستفعلن مضمر، نيرانها: مستفعلن مضمر، [فأنا ابن قي: متفاعلن سالم، سٍ لا براح: مستفعلاتن] (١) مضمر مرفل، وعلى هذا باقيه، الإضمار: أن يسكن الثاني فيصير متفاعلن فيرد إلى مستفعلن، والترفيل: زيادة السبب الخفيف على تفعيلته حتَّى تصير: متفاعلاتن، وفي المضمر: مستفعلاتن. ١ - قوله: [أراهط] (٢) جمع الجمع، كأنهم قالوا: رهط وأرهط، ثم قالوا: أراهط. ٢ - قوله: "لجاحمها" من جحمت النار إذا اضطربت ومنه الجحيم، قوله: "التخيل" المضاف فيه محذوف؛ أي: صاحب التَّخَيُّل، قوله: "والمراح" بكسر الميم؛ اسم من مرح يمرَح من باب علم يعلم مرحًا، والمرح: شدة الفرح. ٣ - و"الصبار" مبالغة الصابر، قوله: "في النجدات" أي: في الشدائد، قوله: "والفرس الوقاح" بفتح الواو وتخفيف القاف؛ أي: الصلب الشديد يقال: حافر وقاح؛ أي؛ صلب شديد، ويجمع على وقح مثل: قَذَال وقُذُل. ٤ - قوله: "والنثرة الحصداء" النثرة -بفتح النون وسكون الثاء المثلثة وفتح الراء: الدرع الواسعة، والحصداء: صفتها، ومعناها: المحكمة الشديدة؛ من قولهم: رجل مُحْصد الرأي؛ أي: شديده، "والبيض" بفتح الباء الموحدة وسكون الياءآخر الحروف؛ جمع بيضة، وهي الخودة، ويجوز أن يكون بكسر الباء جمع أبيض وهو السيف. ٥ - "وتساقط التنواط": عطف على قوله: "وضعت أراهط" والتنواط بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون.

стр. 651

والمعنى: وتساقط الدخلاء الذين نيطوا بصميم العرب فلم يكونوا منهم، والتنواط في الأصل مصدر كالترداد، وُصِفُوا به كما يوصف بالمصادر، وقيل: [إن] (١) التنواط ما يعلق على الفرس من إداوة وغيرها، ثم أطلق على الدخلاء تشبيهًا بذلك، قوله: "والذنبات": عطف على التنواط وهي بفتح الذال المعجمة وفتح النون والباء الموحدة، وأراد بها التباع والعسفاء، ويقال: إن الذنبات لا يقال في الناس، وإنما يقال: أذناب، ولكن استعيرت هاهنا في الناس للأَتْبَاعِ والأُجَرَاء. قوله: "إذ جهد الفضاح" أي: جد واشتد، وهو بفتح الهاء، قوله: "عن ساقها" المراد بالساق الشدة؛ كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القدم: ٤٢]، أي: عن شدة، قوله: "الصّراح" بضم الصاد وكسرها؛ أي: الخالص. ٧ - قوله: "فالهم بيضات الخدور" أراد بها النساء؛ لأن المرأة تشبه ببيضة النعامة، قوله: "لا النعم المراح" بضم الميم وهو الموضع الَّذي تأوي إليه الإبل والغنم بالليل، والمراح - بالفتح: الموضع الَّذي يروح منه القوم أو يروحون إليه. ٨ - قوله: "الخلائف": جمع خليفة، قوله: "أولاد يُشْكُر" بفتح (٢) الياء آخر الحروف وسكون الشين المعجمة وضم الكاف وفي آخره راء، وهو اسم قبيلة، وهو يشكر بن بكر بن وائل، قوله: "واللِّقاح" بفتح اللام وأراد به: بني حنيفة، وكانوا يلقبون بذلك؛ لأنهم كانوا لا يدينون للملوك. ٩ - قوله: "من صد" أي: من أعرض "عن نيرانها" أي: نيران الحرب، قوله: "فأنا ابن قيس لا براح" أي: لا براح لي، أي: ليس لي براح. والمعنى: إن أَعْرَض أولاد يشكر وأولاد بني حنيفة: عن نيران الحرب فأنا ابن قيس لا براح لي عن موقفي في الحرب. ١٠ - قوله: "صبرًا بني قيس" يعني: اصبروا يا بني قيس. ١١ - [قوله] (٣): "إن الموائل": جمع موئل وهو الملجأ، قوله: "يعتاقه" أي: يحسبه ويصرفه عنه، وثلاثيه عاقه من كذا يعوقه، قوله: "المتّاح" بفتح الميم وشديد التاء المثناة من فوق أي: الأجل الطويل، يقال: ليل متاح إذا كان طويلًا.

стр. 652

١٢ - قوله: "جال الموت" من الجولان بالجيم (١). ١٣ - قوله: "الظواهر" أراد بها أشراف الأرض، و"البطاح" بكسر الباء الموحدة؛ جمع أبطح، وهو مسيل [الماء] (٢) واسع فيه دقاق الحصى. الإعراب: قوله: "من": شرطية، و"صد": فعل الشرط وفيه ضمير فاعله يعود إلى "مَن" قوله: "عن نيرانها": يتعلق بقوله "صد" والضمير يرجع إلى الحرب كما ذكرنا، والحرب مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَربُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] قوله: "فأنا": مبتدأ، و"ابن قيس": كلام إضافي خبره، والجملة جزاء الشرط. قوله: "لا": بمعنى ليس، و"براح": مرفوع لأنه اسم لا، وخبرها محذوف تقديره: "لا براح لي" أي: ليس لي براح. فإن قلت: لا براح ما موقعها؟ فهل لها محل من الإعراب أم لا؟ قلت: هي استئناف، كأنه قال: أنا ابن قيس الَّذي عُرِفت بالشجاعة فلا يحتاج إلى البيان، ثم قال على سبيل الاستئناف؛ لا براحُ لي، ويجوز أن تكون هذه الجملة منصوبة المحل على الحال المؤكدة من قوله "أنا ابن قيس" كأنه قال: أنا ابن قيس ثابتًا في الحرب، وذلك نحو قولك: زيد أبوك عطوفًا، وقد قيل: إن هذه الجملة تقرير للجملة السابقة، والبراح: مشترك بين المكان والزمان، تقول: ما برحت من مكاني براحًا وبروحًا، وما برحت أفعل كذا براحًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا براح" حيث استعمل الشاعر لا بمعنى ليس، فقال: لا براح في تقدير: ليس براح، وإن كان ذلك قليلًا (٣)، وقيل: لا شاهد فيه لجواز أن يكون براح مبتدأ، وردَّ بأن لا الداخلة على الجمل الاسمية يجب إما إعمالها أو تكرارها، فلما لم تتكرر علم أنها عاملة، وأجيب بأن هذا شعر، والشعر يجوز فيه أن ترد غير عاملة ولا مكررة، ورد بأن الأصل كون الكلام على غير الضرورة (٤).

стр. 653

الشاهد الحادي والأربعون بعد المائتين (١)، (٢) طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ … فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ أقول: قائله هو أبو زبيد الطائي، واسمه المنذر بن حرملة بن معد يكرب بن حنظلة بن النعمان بن شعبة بن الحرث بن؛ ربيعة بن مالك بن عمرو بن الغوث بن طيئ، وكان نصرانيًّا وعلى دينه مات وقد أدرك الإسلام، وكان من زوار الملوك وخاصة ملوك العجم، وكان عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه - يقربه ويدني مجلسه: والبيت المذكور من قصيدة من بحر الخفيف الخبون، وأولها هو قوله (٣): ١ - خَبَّرتْنَا الركْبانُ أَنْ قَدْ فَرحتُمْ … وفخرتُمْ بضَرْبَةِ المُكَّاءِ ٢ - وَلَعْمرِي لَعارُها كَانَ أَدْنَى .. لَكُمُ من تُقىً وحُسْنِ وَفَاءِ ٣ - ظَلُّ ضَيْفًا أَخُوكم لِأخِينَا … في صَبُوحٍ ونَعْمَةٍ وشِوَاءِ ٤ - لَمْ يَهَبْ حُرْمَةَ النَّديمِ ولكِنْ … يَا لَقَومْي للسوْأةِ السَّوْآءِ ٥ - فاصْدُقُونِي وقد خَبَرتُمْ وقَدْ ثَابَتْ … إليكُمْ جَوائِبُ الأنْبَاءِ ٦ - هل علمتُمْ مِنْ مَعْشَرِ سَافَهُونَا … ثُمَّ عَاشُوا صَفْحًا ذَوي غُلَوَاء ٧ - كم أزالت رماحُنا من قتيل … قاتلونا بنكبة وشقاءِ ٨ - بَعَثُوا حَرْبَنَا عَليهِمْ وكَانُوا … في مَقَامِ لَوْ أبَصَرُوا ورَخَاءِ ٩ - ثُمَّ لَمَّا تَشَذَّرَتْ وأنَافَتْ … وتصَلَّوْا منها كَرِيهَ الصَّلاءِ ١٠ - طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ … فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ ١١ - وَلَعْمرِي لَقَدْ لَقُوا أَهْلَ بَأْسٍ … يَصْدُقُونَ الطِّعَان عِنْدَ اللِّقَاءِ ١٢ - ولَقَدْ قَاتُلوا فما جَبُنَ القومُ … عن الأمّهَاتِ والأبْنَاءِ

стр. 654

١٣ - وَحَمْلنَاهُمْ عَلَى صَعْبة زو … رَاء يَعْلُونها بغَير وطاءِ ١٤ - أبديء أَن تقتلُوا إذ قَتَلْتُمْ … أَمْ لَكُمْ بَسطةً على الأكْفَاءِ ١٥ - أَمْ طمعتُمْ بَأَنْ تُريقُوا دِمَانا … ثُم أَنَتمْ بنجوةٍ في السَّماءِ ١٦ - فَلحَا اللهُ طالبَ الصُّلح منا … ما أطاف المبسّ بالدَّهْناءِ ١٧ - إنَّنا مَعْشَرٌ شَمائِلُنا الصَّبْرُ … ودَفْعُ الأَذَى بحسْنِ العَزَاءِ ١٨ - وَلنَا فَوْقَ كُل مَجْدٍ لِوَاءٌ … فَاضِلٌ في التَّمامِ كُلَّ لِوَاءِ ١٩ - فإذا ما استطعْتُمُ فاقْتُلُونا … من يُصَبْ يُرتَهَنْ بغيرِ فِدَاءِ قال أبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي: نزل رجل شيباني برجل طائي فأضافه وسقاه فلما سكر وثب إليه بالسيف فقتله وخرج هاربًا وافتخر بنو شيبان بذلك، فقال أبو زبيد في ذلك هذه القصيدة (١). ١ - قوله: "الركبان" بضم الراء؛ جمع ركب، والركب أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، وهم العشرة فما فوقها ويجمع على أركب أيضًا، قوله: "بضربة المُكاء" بضم الميم وتشديد الكاف؛ وهو اسم الرجل الشيباني الَّذي قتل الطائي. ٢ - قوله: "لعارُهَا" أي: لعار ضربة المكاء. ٥ - قوله: "جوائب الأنباء" الجوائب جمع جائبة، يقال: هل عندكم من جائبة خبر؟ وهو ما يجوب البلاد، أي: يقطعها، و"الأنباء": جمع نبأ وهو الخبر. ٦ - قوله: "ذوي غلواء" بضم الغين المعجمة، وهو بمعنى: الغلو، وبمعنى سرعة الشباب وأوله وهو المراد هاهنا. ٩ - قوله: "ثم لما تشذرت" أي: لما رفعت الحرب ذَنَبها، و"التشذر": الاستثفَار بالثوب أو بالذنب، قوله: "وأنافت" أي: رفعت رأسها، قوله: "وتصلوا": من تصليت بالنار إذا اصطليت بها، وأراد: نار الحرب، والصِّلاء -بكسر الصاد بالمد: صلاء النار. ١٠ - قوله: "طلبوا صلحنا" أي: طلب هؤلاء القوم صلحنا، والحال أن الأَوَانَ ليس أوانَ صلح، فقلنا لهم: ليس الحين حين بقاء الصلح. ١٣ - قوله: "على صعبة زوراء" أي: على خيول صعبة شديدة، الزوراء: البعيدة الجري.

стр. 655

١٤ - قوله: "أبديء" الهمزة للاستفهام، والبديء على وزن فعيل وهو الأمر البديع. ١٥ - قوله: "بنجوة" النجوة والنجاة: المكان المرتفع الَّذي تظن أنَّه نجاؤك، لا يعلوه السير. ١٦ - قوله: "فلحا الله" أي: قبح الله طالب الصلح منا. قوله: "المبسّ": من أَبْسَسْتُ الإبل إذا زجرتها وقلت بس بس وكذلك: بسست، قال أبو عبيد: بسست الإبل وأبسستها لغتان (١)، و"الدهناء": موضع ببلاد بني تميم يمد ويقصر وهاهنا بالمد (٢). الإعراب: قوله: "طلبوا"؛ فعل وفاعله واو الجماعة وهو ضمير بارز (٣)، و"صلحنا": كلام إضافي مفعول، قوله: "ولات أوان": جملة حالية؛ أي: وليس الأوان أوان صلح، فحذف المضاف إليه ثم بَنَى أَوَانَ؛ كَمَا بُنَي قبلُ وبَعْدَ عند حذف المضاف إليه، ولكنه بُنِيَ على الكسر لشبهه بنَزَالِ في الوزن ثم [نُوِّنَ] (٤) لأجل الضرورة. وقال الفراء: لات تستعمل حرف جر أحيانًا وأنشد هذا البيت وحمله على ظاهره (٥)، وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلتَ فما وجه الكسر في أوان؟ قلتُ: شبه بإذ في قوله (٦): نهيتُك عَن طِلابكَ أَمِّ عَمْروٍ … بَعافَيةٍ وأنْتَ إذٍ صَحِيحُ في أنَّه زمان قطع منه المضاف إليه وعوض التنوين؛ لأن الأصل: ولات أوان صلح (٧). [قوله] (٨): "فأجبنا" الفاء للعطف، وفيه معنى التعقيب، وأجبنا: فعل وفاعل، قوله: "أن" تفسيرية، وليس للنفي، واسمه محذوف، قوله: "حين بقاء": خبره؛ أي: ليس الحين حين بقاء الصلح. الاستشهاد فيه: في قوله: "ولات أوان" حيث وقع خبره لفظة "أوان" كالحين؛ فافهم (٩).

стр. 656

شواهد أفعال المقاربة الشاهد الثاني والأربعون بعد المائتين (١)، (٢) أَكْثَرْتَ في الْعَذْلِ مُلِحًّا دَائِمًا … لا تُكْثِرَنْ إِنِّي عَسَيتُ صَائِمًا أقول: قد قيل إن قائله هو رؤبة بن العجاج، وقال أبو حيان: هذا البيت مجهول لم ينسبه الشراح إلى أحد فسقط الاحتجاج به، وكذا قال أبو عبد الواحد الطواح في كتابه بغية الآمل ومنية السائل (٣)، قلت: لو كان الأمر كما قالا لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه؛ فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلها وخمسين بيتًا مجهولة القائلين، وقد حرف ابن الشجري هذا الرجز فأنشده (٤): قم قائمًا قم قائمًا … إني عسيت صائمًا وإنما قم قائمًا، صدر رجز آخر يأتي بيانه -إن شاء اللَّه تعالى-، والبيت المذكور من الرجز المسدس. قوله: "أكثرت" من الإكثار، و"العذل" بالذال المعجمة؛ الملامة، وقد عذلته فاعتذل، والاسم العذل بالتحريك، قوله: "مُلِحّا": من ألحَّ يلحّ إلحاحًا فهو مُلِحٍّ، قوله: "عسيت" بفتح العين وكسر السين، يقال: عسيت أفعل ذاك، وعسيت أفعل أيضًا بفتح السين وقرئ (٥): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وعَسِيتم بالفتح والكسر.

стр. 657

الإعراب: قوله: "أكثرت": فعل وفاعل، و "في العذل": يتعلق به، قوله: "ملحًّا": نصب على الحال، و"دائمًا": صفته، قوله: "لا تكثرن": نهي مؤكد بالنون الخفيفة، ويروى: لا تلحني بمعنى لا تلمني، من لحيته بالفتح ألحاه لحيًا إذا لمته. قوله: "إني" الياء اسم إن، وقوله: "عسيت صائمًا": خبره، وقد علم أن عسى تلحق بكان في رفع الاسم ونصب الخبر، فاسمه ضمير المتكلم، وخبره قوله: "صائمًا". الاستشهاد فيه: في قوله: "عسيت صائمًا" وذلك لأن الأصل أن يكون خبر عسى فعلًا مضارعًا، وقد جاء ها هنا مفردًا وهو نادر (١)، وقد قيل في هذا المقام خلاف ذلك (٢)؛ وذلك لأن عسى هاهنا فعل تام خبري لا فعل ناقص إنشائي بدليل وقوعه خبرًا لإن، ولا يجوز بالاتفاق: إن زيدًا هل قام؟ بدليل قبول هذا الكلام التصديق والتكذيب، فعلى هذا؛ فالمعنى: إني رجوت أن أكون صائمًا فصائمًا خبر لكان والفعل مفعول لعسى (٣)، وسيبويه يجيز حذف أن والفعل إذا قويت الدلالة على الحذف؛ ألا ترى أنَّه قدر في قوله: .................. … ................ من لد شولًا؟ من لد أن كانت شولًا (٤)، ومن وقوع عسى فعلًا خبريًّا، قوله تعالى: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة: ٢٤٦]؛ ألا ترى أن الاستفهام طلب فلا يدخل على الجملة الإنشائية، وأن المعنى: قد طمعتم أن لا تقاتلوا إن كتب عليكم القتال. ومما يحتاج إلى النظر قول القائل: عسى زيد أن يقوم؛ فإنك إن قدرت عسى فيه فعلًا إنشائيًّا كما قاله النحويون أشكل؛ إذ لا يسند فعل [الإنشاء] (٥) إلا إلى منشئه، وهو المتكلم كَبِعْتُ

стр. 658

واشتريتُ وحررتك، وأيضًا فمن المعلوم أن زيدًا لم يَتَرَجَّ، وإنما المترجي المتكلم، وإن قدرته خبرًا؛ كما في البيت والآية، فليس المعنى على الإخبار، ولهذا لا يصح تصديق قائله ولا تكذيبه. فإن قلت: يخلص من هذا الإشكال أنهم نصوا على أن كَان وما أشبهها أفعال جارية مجرى الأدوات فلا يلزم فيها حكم سائر الأفعال. قلت: قد اعترفوا مع ذلك بأنها مسندة؛ إذ لا ينفك الفعل المركب عن الإسناد، والذي يُخَلِّصُ من هنا الإشكال أن يدعى أنها هاهنا حرف بمنزلة لعل؛ كما قال سيبويه والسيرافي بحرفيتها في نحو: عساي وعساك وعساه (١)، وقد ذهب جماعة منهم أبو بكر إلى أنها حرف دائمًا (٢)، وإذا حملناها على الحرفية زال الإشكال؛ إذ الجملة الإنشائية حينئذ اسمية لا فعلية؛ كما نقول: لعل زيدًا يقوم، فافهم هذا الموضوع فإنه دقيق. الشاهد الثالث والأربعون بعد المائتين (٣)، (٤) فَأُبْتُ إِلَى فَهْمٍ وَمَا كِدْتُ آيبًا … ......................... أقول: قائله هو تأبط شرًّا، واسمه ثابت بن جابر بن سفيان، سمي بذلك؛ لأنه أخذ سيفًا وخرج فقيل لأمه: [أين ذهب؟] (٥)، فقالت: لا أدري تأبط شرًّا وخرج. وقيل: أخذ سكينًا تحت إبطه وخرج إلى نادي قومه فوجأ بعضهم فقيل: تأبط شرًّا، وقيل غير ذلك، وتمام البيت المذكور: ................................ … وَكَمْ مِثْلِهَا فَارَقْتُهَا وَهِي تَصْفِرُ

стр. 659

وهي من قصيدة رائية، وأولها هو قوله (١): ١ - إذا المرءُ لَمْ يحتلْ وَقَدْ جَدَّ جِدُّه … أضَاعَ وقَاسَى أَمرَهُ وهو مُدْبرُ ٢ - ولكنْ أخو الحزمِ الَّذي ليس نازلًا … به الخطْبُ إلا وهو للقصْدِ مُبْصِرُ ٣ - فَذَاك قَريعُ الدُّهر ما عاش حوّلا … إذَا سُدَّ منه مَنْخِرُ جَاش مَنْخِرُ ٤ - أقولُ لِلحْيَانِ وقد صَفِرتْ لهم … وطَابِي وَيوْمِي ضَيِّقُ الحِجْرِ مُعْورُ ٥ - هُما خُطَّتَا إِمَّا إسَارٌ وَمِنَّةٌ … وإما دمٌ والقَتْلُ بالحرِّ أَجْدَرُ ٦ - وأخْرى أصادي النَّفْسَ عنْهَا وإِنَّهَا … لمورد حَزْمٍ إن فعلت ومصدر ٧ - فرشْتُ لها صَدْرِي فزَلَّ عنْ الصَّفَا … بهِ جُؤْجؤ عَبْلٌ ومَتنٌ مُخَصَّرُ ٨ - فخَالطَ سهْلَ الأزضِ لم تَكْدَح الصَّفَا … به كَدْحَةٌ والمَوتُ خَزْيانُ ينظرُ ٩ - فأبت إلى فهم ...................... … .............. إلى آخره وهي من الطويل. كان تأبط شرًّا يشتار عسلًا في جبل ليس له غير طريق فأخذ عليه لحيان ذلك الموضع وخيروه النزول على حكمهم أو إلقاء نفسه من الموضع الَّذي ظنوا أنَّه لا يسلم فصبّ العسل الَّذي معه على الصفا وألقى نفسه فسلم وجعل يكلمهم فكان بينهم وبين الموضع الَّذي استقر به على الطريق [مسيرة] (٢) ثلاثة أيام (٣). ١ - قوله: "وقد جدّ جده" أي: ازداد جده جدًّا، قوله: "أضاع" أي: ضيّع أو وجده ضائعًا، قوله: "وقاسى أمره" أي: شقي به وهو مؤول. ٢ - قوله: "أخو الحزم" وهو الشدة والضبط، ومنه الحزام والحزمة والحيزوم، والمعنى: صاحب الحزم وهو الذي يستعد للأمر قبل نزوله. ٣ - قوله: "فذاك" إشارة إلى أخي الحزم، قوله: "قريع الدهر" يحتمل وجهين: أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعته؛ أي: اختبرته (٤) قرعتي. ويجوز أن يكون من قرعه الدهر بنوائبه حتَّى جرب وبصر، ويكون قريع في الوجهين فعيلًا بمعنى مفعول، قوله:

стр. 660

"حوّلا" هو المتحول من حال إلى حال، [قوله] (١): "إذا سد منه منخر" مثل للمكروب المضيَّق عليه، قوله: "جاش": من الجيش، وهو الحركة والاضطراب أي: لافتنانه في الحيل لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في آخر. ٤ - قوله: " [أقول] (٢) للحيان" [يعني:] (٣) عند مخاطبته إياهم وهو على الجبل، قوله: "وقد صفرت لهم وطابى" يعني: قد خلا قلبي من ودهم، ويجوز أن يكون أشار بالوطاب إلى الجسم؛ أي: كاد تفارقه، ويجوز أن تكون الإشارة إلى ظروف العسل التي صب العسل منها على الصفا وركبه مُتَزَلِّقًا عليه حتَّى لحق بالسهل، قوله: "معور": من أعور لك الشيء إذا بدت عورته، والواو في قوله: "ويومي ضيق الحجر" وكذلك في قوله: "وقد صفرت" للحال. ٥ - قوله: "هما خطتا" أصله: هما خطتان، حذفت منها النون وهي تثنية خطة وهي القصة والحالة. ٧ - قوله: "فرشت لها صدري" أي: للخطة، قوله: "جؤجؤ عبل" أي: صدر ضخم "ومتن مُخَصّر" أي: دقيق. ٨ - والواو في قوله: "والموت خزيان" واو الحال، وخزيان من الْخزْيِ وهو الهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهو الاستحياء. ٩ - قوله: "فأبت": من آب يؤوب إذا رجع أوبًا وأوبة وإيابًا، قوله: " [إلى فهم] (٤) " وهي قبيلة فهم بن عمرو بن قيس عيلان، قوله: "وما كدت آبيًا" أي: راجعًا، وهو فاعل من أن يكوب، قوله: "وكم مثلها" أي: وكم مثل هذه الخطة فارقتها وهي تتلهف كيف أفلت، قوله: "وهي تصفر" من صفير الطائر. الإعراب: قوله: "فأبت": عطف على ما قبله من الجمل، وهو فعل وفاعل، وقوله: "إلى فهم": يتعلق به، قوله: "وما كدت آبيًا": جملة منفية، والتاء؛ اسم كاد، وخبره قوله: "آبيًا" قوله: "وكم": خبرية بمعنى كثير، وخبره قوله: "فارقتها" قوله: "مثلها" بالجر تمييز، وقد علم أن تمييز كم الخبرية يأتي مفردًا ومجموعًا، تقول: كم عبد ملكت، وكم عبيد ملكت، قوله: "وهي تصفر": جملة اسمية وقعت حالًا.

стр. 661

الاستشهاد فيه: في قوله: "وما [كدت] (١) آبيًا" وهو أنَّه استعمل خبر كاد اسمًا مفردًا وإنما قياسه الفعل ويروى: وما كنت آبيًا، فإن صح فلا استشهاد فيه (٢). الشاهد الرابع والأربعون بعد المائتين (٣)، (٤) وَقَدْ جُعَلْتْ قَلُوصُ ابني زيادٍ … من الأكوارِ مَرْتَعُها قَرِيبُ أقول: هذا البيت من أبيات الحماسة ولم يعزه إلى أحد، وقبله: فَلَسْتُ بِنَازلٍ إلَّا ألمّتْ … بِرَحْلِي أَوْ خَيَالتُها الكَذُوبِ وبعده: كأنَّ لها بِرَحْل القِوْمِ بَوًّا … وَمَا إِنْ طِبُّها إلَّا اللُّغُوبِ وهي من الوافر. قوله: "أو خيالتها" يعني: أو خيالها يقال: خيال وخيالة؛ كما يقال: مكان ومكانة وجعلها كذوبًا؛ لأنه لا حقيقة لها، قوله: "قلوص" بفتح القاف وضم اللام المخففة؛ وهي الشابة من النوق بمنزلة الجارية من النساء، وقال العدوي (٥): أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثنى فإذا أثنت فهي ناقة وتجمع على قُلص وقلائص (٦). قوله: "ابني زياد" ويروى: ابني سهيل، قوله: "من الأكوار": جمع كور، قوله: "مرتعها" أي: مرعاها قريب. والمعنى: طفقت لقرب مرتعها من الأكوار؛ يعني: إنها لَمَّا أَعْيَتْ حَطَّ عنها رحلها فرعت قريبًا ولم تبعد، قوله: "بوًّا" بفتح الباء الموحدة وتشديد الواو؛ وهو جلد الحمار يحشى فتعطف عليه

стр. 662

الناقة إذا مات ولدها، قوله: "اللغوب" بفتح اللام وضم الغين المعجمة؛ وهو التعب والإعياء وهو لغة في اللغوب -بضم اللام، يقال: لغب يلغب لغوبًا من باب فتح يفتح، ولغب بالكسر يلغب لغوبًا لغة فيه ضعيفة وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير ويزيد النحوي ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ بفتح اللام. الإعراب: قوله: "وقد جعلت" [قد: للتحقيق] (١) وجعل: من أفعال المقاربة يستعمل استعمال كاد ولا يكون خبره إلا مضارعًا مجردًا من أن، وهاهنا جعلت على صيغة المجهول أسندت إلى قلوص، و"القلوص": مرفوع بها، وأضيفت القلوص إلى ابني زياد، قوله: "مرتعها": مبتدأ وخبره قوله: "قريب"، والجملة خبر جعلت، وهذا مما جاء على الندرة، قوله: "من الأكوار" يتعلق بقوله: "قريب"، وذكر بعضهم أن جُعِلَتْ هاهنا بِمَعْنَى طَفِقْتُ ولذلك لا يتعدى (٢)، و"مرتعها قريب" في موضع الحال؛ أي: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة: المرتع من رحالهم لِمَا بها من الإعياء، وقال أبو العلاء رفعُ قَلوصٍ وجه رديء؛ لأن القائل إذا قال جعلت وهو يريد المقاربة لم يكن بد من لأليانه بالفعل كما قال (٣): جعلت وما بي من جفاء ولا قلى … أزوركم يومًا وأهجركم شهرًا وعلى ذلك جميع ما يرد، فإذا قال القائل: جعل زيد فعله جميل، ولم يأت بلفظة الفعل فإنما يحمله على المعنى؛ كأنه قال: جعل زيد يجمل، وأحسن من هذا الوجه أن ينصب قلوص، ويكون في جعلت ضمير يعود على المذكور، وليست جعلت في هذا الوجه في معنى المقاربة، وإنما هي [بمنزلة] (٤) صيرت فلا يفتقر إلى فعل، ويكون قوله: "مرتعها قريب" جملة في موضع المفعول الثاني؛ كما يقال: جعلت أخاك ماله كثير (٥). وقال الشلويين: ومنهم من جعل "جعلت" هاهنا بمعنى صيرت، وحذف منها ضمير الشأن، والتقدير: وقد جعلته؛ أي: جعلت الأمر والشأن مرتعها قريب من الأكوار، ومنهم من أجاز أن كون إلغاء جعلت مع تقدمها على حد إجازة أبي الحسن: ظننت عبد الله منطلق، وفيه نظر؛ لأن الإلغاء إنما يجوز في أفعال القلوب لا في أفعال التصيير فافهم (٦).

стр. 663

الاستشهاد فيه: في قوله: "مرتعها قريب" حيث وقعت هذه الجملة الاسمية خبرًا لجعلت، على أن الأصل أن يكون خبرها فعلًا مضارعًا، ولكن أصلها: يقرب مرتعها، فأقيمت الجملة الأسمية مقام الفعلية (١) فافهم. الشاهد الخامس والأربعون بعد المائتين (٢)، (٣) وَقَدْ جَعَلْتُ إذَا ما قُمْتُ يُثْقِلُنِي … ثَوبي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّاربِ الثمل أقول: قائله هو أبو حية النمري، واسمه المشمر بن الربيع بن زرارة بن كثير بن حباب بن مالك بن عامر بن نمير الشاعر المشهور، وأبو حية -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف، وقد نسب هذا البيت للحكم بن عبدل الأعرج الأسدي، وليس بصحيح لأنه لا يوجد في ديوانه ويروى الشطر الثاني: ....................... … ثوبي فقمت قيام الشارب السكر وممن رواه هكذا الجاحظ في باب العرجان من كتاب الحيوان، ونسبه لأبي حية النمري، وأنشده له هكذا: وَقَدْ جَعَلْتُ إذَا ما قُمْتُ يُوْجُعنِي … ظهري فقمتُ قِيامَ الشَّاربِ السَّكِير وَكُنْتُ أَمْشي على رِجْلي مُعتدلًا … فصرتُ أَمْشِي على أُخْرى من الشَّجَر (٤) وهما من البسيط. قوله: "الثمل" بفتح الثاء المثلثة وكسر الميم وفي آخره لام؛ وهو النشوان؛ أي؛ السكران، وقال ابن الأثير: الثمل الَّذي أخذ منه الشرب والسكر، قوله: "السكر" بفتح السين وكسر الكاف، وهو صفة مشبهة بمعنى السكران.

стр. 664

الإعراب: قوله: "وقد جعلت" قد للتحقيق، وجعلت: من أفعال المقاربة يقتضي الاسم والخبر، وخبره يكون مضارعًا مجردًا من أن والتاء المتصل به اسمه، وقوله: "يثقلني": خبره، قوله: "ثوبي": بَدَل من اسم جعلت بدل اشتمال وليس هو فاعل يثقلني فافهم. والتحقيق فيه أنَّه أقام السبب وهو الإثقال مقام المسبب وهو النهوض نهض الشارب الثمل. والمعنى: وقد جعلت أنهض نهض الشارب الثمل لإثقال ثوبي إياي، فقد ذكر السبب كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فاستشهاد الرجل والمرأتين ليس سببه ضلال إحداهما، بل التذكير لأجل أن ضلت فعومل الضلال معاملة التذكير لما كان سببه، قوله: "إذا": ظرف، وكلمة: "ما" مصدرية والتقدير: حين قيَامِي. قوله: "فأنهض" عطف على قوله: جعلت، وفيه أنا مستكن فاعله، وقوله: "نهض الشارب" كلام إضافي منصوب على الإطلاق، وقوله: "الثمل" بالجر صفة للشارب. الاستشهاد فيه: في قوله: "ثوبي" فإنه بدل من اسم جعلتُ كما ذكرنا، وذلك لأن من الشرط أن يكون "جعل" رافعًا لضمير الاسم، ويكون التقدير: وقد جعلت ثوبي يثقلني عند قيامي فافهم (١). الشاهد السادس والأربعون بعد المائتين (٢)، (٣) وأَسْقَيهِ حَتَّى كَادَ مما أبثُّهُ … تُكَلِّمُنِي أحْجَارُهُ ومَلَاعِبُهُ أقول: قائله هو ذو الرمة غيلان بن عقبة، وهو من قصيدة طويلة من الطويل، وأولها هو قوله:

стр. 665

١ - وَقَفت علَى رَبْعِ لميَّةَ نَاقَتِي … فما زِلْتُ أَبْكي عِنْدَهُ وأخاطبُهْ ٢ - وأُسْقِيهِ .............. … ........................ إلى آخره ٣ - بأجْرَعَ مِقْفارِ بَعيدٍ من القُرَى … فَلاةٍ وحَفَّتْ بالفَلَاةِ جَوانِبُهْ ٤ - بِهِ عَرَصَاتُ الحي قَوّبنَ مَتْنَهُ … وجرَّدَ أثْبَاجَ الجراثم حَاطِبُه ٥ - تَمشي به الثِّيرانُ كُلَّ عَشِيَّةٍ … كما اعْتَادْ بَيتَ المَرْزُبانِ مَرازِبُه ٦ - كأنَّ سَحِيقَ المِسْكِ رَيًّا تُرابِه … إذا هضبت بالطَّلالِ هَواضِبُه ١ - قوله: "وقفت" يقال: وقفت الدابة تقف وقوفًا وقفتها أنا وقفًا يتعدى ولا يتعدى، وقوله: "ناقتي": مفعول وقفت، والربع: الدار حيث كانت، وجمعها: رباع وربوع وأرباع وأربع، و"مية": اسم امرأة. ٢ - قوله: "وأسقيه" بضم الهمزة أي: قلت له سقاك الله؛ يعني: أدعو له بالسقيا، قال الجوهري: وسقيته الماء: شدد للكثرة وسقيته أيضًا إذا قلت له سقاك [الله] (١)، وكذلك أسقيته قال ذو الرمة ثم أنشد البيت المذكور، ولكن في روايته: وقفت على ربع لمية ناقتي … فما زلت أسقي ربعها وأخاطبه (٢) والمشهور ما ذكرناه من ديوانه، والضمير المنصوب يرجع إلى الربّع في البيت السابق، قوله: "أبثه" من البث وهو الإظهار. والمعنى: من أجل ما أظهر له بثي وحزني تُكلمني أحجار الربع، و"ملاعبه" وهو جمع ملعب وهو موضع اللعب. ٣ - قوله: "بأجرع" أي؛ في أجرع [أي: ربع كائنة في أجرع] (٣)، وهي رملة مستوية لا تنبت شيئًا وكذلك الجرعاء، قوله: "مقفار" صفة الأجرع، وهو بكسر اليم وسكون القاف بعدها فاء، يقال: مفازة قفر وقفرة ومقفار لا نبات فيها ولا ماء، وكذلك أرض قفر، والفلاة: المفازة. ٤ - قوله: "به عرصات الحي" أي: فيه عَرَصَات الحي، وهو جمع عَرَصَةٍ -بمهملات مفتوحة، وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها شيء من بناء، قوله: "قوبن متنه" يعني: قلعن ما به من الشجر وأذهبنه عن متنه كهيئة القوباء، والقوباء: تقويب الجلد.

стр. 666

قوله: "وجرد": فعل ماض من التجريد، وقوله: "حاطبه": فاعله، من حطب الحطب إذا جمعه وكذلك احتطبه، "والأثباج": جمع ثبج -بفتح الثاء المثلثة ثم الباء الموحدة ثم الجيم، وهو وسط كل شيء، ومعظم كل شيء ثبج أيضًا، والمعنى على هذا هنا، "والجراثيم": جمع جرثومة وهي الأصل وأراد بها أصول الأشجار. ٥ - قوله: "بيت المرزبان مرازبه" والمرزبان: الأسد، والمرازب: جمع مرزبان، ٦ - قوله: "ريا ترابه" أي: ريح ترابه، قوله: "إذا هضبت" أي: أمطرت، و"الهواضب": الأمطار، والطلال -بكسر الطاء: الأنداء، واحدها طلٍّ. الإعراب: قوله: "وأسقيه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول؛ أي: وأسقي ربع مية، قوله: "حتَّى كاد" حتَّى للغاية بمعنى إلى، وكاد من أفعال المقاربة، واسمه الضمير الَّذي فيه يرجع إلى الربع، وقوله: "يكلمني": خبره، قوله: "مما أبثه" يتعلق بكاد، ومن للتعليل، و"ما" يجوز أن تكون موصولة، أي: من الَّذي أبثه، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: من أجل بثي، أي: حزني؛ لأن البث هو الحزن، قوله: "أحجاره": بالرفع بدل من اسم كاد وهو الضمير الَّذي فيه، وليس هو بفاعل لقوله يكلمني. الاستشهاد فيه: في قوله: "حتَّى كاد مما أبثه" لأن من الشرط أن كون خبر كاد رافعًا لضمير الاسم، ويكون التقدير هاهنا: حتَّى كاد أحجاره تكلمني مما أبثه، وكذلك التقدسر: في: "ملاعبه"؛ لأنه عطف على قوله: "أحجاره"، والتقدير: حتَّى كاد ملاعبه تكلمني فافهم (١). الشاهد السابع والأربعون بعد المائتين (٢)، (٣) وَمَاذا عَسَى الحجّاجُ يبلُغُ جُهْدُهُ … إذا نحن جَاوَزْنا حَفيرَ زَيادِ أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب.

стр. 667

وهو من الطويل. والحجاج هو ابن يوسف الثقفي الظالم المشهور، وكان تَوَعَّدَ الفرزدقَ بِوعيدٍ شديدٍ فهرب من العراق إلى الشام وأنشد: وماذا عسى الحجاج .... … .............. إلى آخره وحفير زياد بين الشام والعراق، وزياد هذا هو ابن [أبي] (١) سفيان أخو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وكان أميرَ العراق خمس سنين نيابةً عن أخيه معاوية، مات في سنة ثلاثٍ وخمسين من الهجرة، ودفن بالنوبة خارج الكوفة. الإعراب: قوله: "وماذا" كلمة ما: استفهام، و"ذا": إشارة، و"عسى": من أفعال المقاربة وفيه طمع وإشفاق، وقوله: "الحجاج": اسمه، وقوله: "يبلغ": خبره، وقد عُلِمَ أن اسمَ عسى على ضربين: أحدهما: يلزمه الخبر نحو: عسى زيد أن يفعل، وقل ورود الخبر بدون أن كما في البيت. والآخر: وهو الَّذي لا يلزمه الخبر على قسمين: أحدهما: يجب فيه الاقتصار على الاسم نحو: عسى أن تفعل، وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيِئًا﴾ [البقرة: ٢١٦] فأن تكرهوا في موضع رفع، وقد سد مسد الاسم والخبر. والآخر: يجوز فيه الاقتصار على أن والفعل اسمًا، ويجوز ترك الاختصار والتصريح بالاسم وجعل أن والفعل خبرًا، وكذلك إذا بنيت هذه الأفعال على اسم قبلها نحو: أخوك عسى أن يفعل وأخواك عسى أن يفعلا وعسيا أن يفعلا، وإخوتك عسى أن يفعلوا وعسوا أن يفعلوا، ونحو ذلك. قوله: "جهده" يجوز فيه الوجهان: الرفع على أنَّه فاعل يبلغ، والنصب على أنَّه مفعوله، ويبلغ يستعمل متعديًا؛ كبلغت المكان، ويستعمل لازمًا؛ كبلغ الغلام، قوله: "إذا" للظرف، فيه معنى الشرط، وهي تختص بالدخول على الجملة الفعلية فلذلك تَقُول: إن "نحن" مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر، تقديره: إذا جاوزنا نحن حفير زياد؛ كما يقال في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، إن التقدير: إذا انشقت السماء، ولا يجوز أن يقال: إن "نحن": مبتدأ، و"جاوزنا حفير زياد": خبره، و"حفير زياد": كلام إضافي مفعول جاوزنا. الاستشهاد فيه: أن خبر عسى جاء بدون "أن" وهو قليل، والأكثر في استعماله "بأن" نحو: ﴿عَسَى اللهُ

стр. 668

أَنْ يَأتِيَنِي بِهِمْ جَمِيْعًا﴾ [يوسف: ٨٣]، ونحو ذلك (١). الشاهد الثامن والأربعون بعد المائتين (٢) (٣) (٤) وَلَوْ سُئْلَ الناسُ الترابَ لأوشَكُوا … إذا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا أقول: هذا البيت أنشده ثعلب في أماليه، وقال: أنشدنا ابن الأعرابي وذكره، ولم يعزه إلى أحد، وقبله: أَبَا مَالكٍ لا تَسْأَلْ النَّاسَ والْتَمِس … بكَفَّيكَ فَضْلَ اللَّه فَاللهُ أَوْسَعُ (٥) وهما من الطويل. المعنى: إن من طبع الناس أنهم لو سئلوا أن يعطوا ترابًا، وقيل لهم: هاتوا التراب، لمنعوا ذلك وملوا. الإعراب: قوله: "ولو" للشرط، وقوله: "سئل الناس": جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل وقعت فعل الشرط، وقوله: "التراب": مفعول ثان لقوله: "سئل"، وقوله: "لأوشكوا": جواب الشرط وهو جمع أوشك (٦)، والضمير فيه اسم أوشك، وخبره قوله: "أن يملوا"، قوله: "ويمنعوا": عطف على يملوا؛ أي: وأن يمنعوا. قوله: "إذا قيل هاتوا": جملة معترضة "وإذا" للظرف المستقبل، وفيه معنى الشرط، فقوله: "هاتوا": مقول القول وهو أمر لجماعة، تقول: هات هاتيا هاتوا، ومفعوله محذوف تقديره: هالوا التراب.

стр. 669

الاستشهاد فيه: في قوله: "أن يملوا" حيث جاء خبر أوشك فعلًا مضارعًا مقرونًا بأن؛ كعسى غالبًا، وحكمه عكس كاد (١)، وفيه رد على الأصمعي وأبي علي؛ حيث أنكرا أوشك بصيغة الماضي، قال أبو علي: لا يقال: يوشك -بفتح الشسين، ولا أوشك، حكى ذلك عنهما ابن قرقول في المطالع (٢)، وحكاه أيضًا ابن مالك ﵀ في مثلثه (٣). الشاهد التاسع والأربعون بعد المائتين (٤)، (٥) عَسَى الكرْبُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ أقول: قائله هو هدبة بن خشرم العذري (٦)، وهو من قصيدة بائية قالها هدبة وهو مسجون بالمدينة على ما يجيء بيانه عن قريب -إن شاء الله تعالى-، وأولها هو قوله (٧): ١ - طَرِبْتَ وأنتَ أَحْيانًا طَروُبُ … وكَيْفَ وَقَدْ تَعلَّاكَ المشِيبُ ٢ - يُجِدُّ النأْيُ ذِكْرَك في فُؤَأدِي … إذَا ذهلتْ عَنِ النَّأي القُلُوبُ ٣ - يُؤرِّقُنِي اكْتِئَابُ أَبِي نُمَيرٍ … فَقَلْبِي من كَآبتِه كَئِيبُ ٤ - فقلتُ لَهُ هَداكَ اللهُ مَهْلًا … وخيرُ القْولِ ذُو اللبِّ المُصِيبُ ٥ - فإنَّا قدْ حَلَلْنَا دَارَ بَلْوَى … فتُخطِئُنَا المنَايَا أو تُصِيبُ ٦ - عَسَى الكرْبُ الَّذي أَمْسَيتُ … فيه يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ

стр. 670

٧ - فَيأْمَنُ خَائفٌ وَيُفَكُّ عَانٍ … ويأتي أهلَهُ الرَّجُلُ الغريبُ ٨ - ألا لَيتَ الرياحَ مَسخَّراتٌ … بحَاجَتِنَا تُباكِرُ أو تَؤُوبُ ٩ - فتخبُرنَا الشِّمالُ إذْا أَتيْنَا … وتُخْبِرُ أهْلَنَا عَنَّا الجنُوبُ ١٠ - فإنْ يكُ صَدْرُ هَذا اليوم وَلَّى … فإن غَدًا لنَاظِرُهُ قَريبُ ١١ - وقد علمتْ سُلَيمَى أَنَّ عُوْدِي … على الحدثَانِ ذُو أَيْدٍ صَلِيبُ ١٢ - وإنَّ خليقَتِي كَرمٌ وأَنِّي … إذَا أَبْدَتْ نَواجِذَها الحروبُ ١٣ - أُعينُ عَلى مكارِمها وأَغْشَى … مكارِهَهَا إذَا كَعَّ الهَيوبُ ١٤ - وقد أبقَى الحوادثُ منك ركنًا … صَليبًا مَا تُؤَيِّسُهُ الخطوبُ ١٥ - على أنَّ المنيةَ قد توافي … لوقت والنوائب قد تَنُوبُ وهي من الوافر. وقصة ذلك أنَّه وقع بين هدبة وبين شخص من بني عمه يقال له: زيادة بن زيد ملاحاة فقتله هدبة فرفعه أخوه إلى معاوية، فقرره فأقر فعرض معاوية على عبد الرحمن أخيه قبول الدية وعرض عليه أكابر قريش سبع ديات فأبى أن يقبلها، وكان لزياد المقتول ابن يقال له: المسور ولم يبلغ الحلم، [فقال معاوية ابنه أولى بطلب دمه فليحبس هدبة إلى أن يبلغ ابنه فربما يرضى بالدية، فحبس هدبة سبع سنين حتَّى بلغ المسور الحلم] (١)، فعرض عليه قبول الدية فأبى إلا قتله فقتل هدبة، وزار هدبة أيام اعتقاله رجل من قرابته يقال له: أبو نمير، فأظهر الحزن والكآبة (٢)، فقال هدبة في جملة قصيدة: يؤرقني اكتئاب أبي نمير … ................................... على ما ذكرناه (٣). ٢ - قوله: "يجدّ النأي" أي: البعد. ٣ - قوله: "يؤرقني" أي: يسهرني، والاكتئاب: الحزن. ٤ - قوله: "ذو اللب" أي: العقل. ٥ - قوله: "فإنا قد حللنا" أي: قد نزلنا دار بلوى" يعني: السجن.
следующие страницы →