قوله: "وجرد": فعل ماض من التجريد، وقوله: "حاطبه": فاعله، من حطب الحطب إذا جمعه وكذلك احتطبه، "والأثباج": جمع ثبج -بفتح الثاء المثلثة ثم الباء الموحدة ثم الجيم، وهو وسط كل شيء، ومعظم كل شيء ثبج أيضًا، والمعنى على هذا هنا، "والجراثيم": جمع جرثومة وهي الأصل وأراد بها أصول الأشجار.
٥ - قوله: "بيت المرزبان مرازبه" والمرزبان: الأسد، والمرازب: جمع مرزبان،
٦ - قوله: "ريا ترابه" أي: ريح ترابه، قوله: "إذا هضبت" أي: أمطرت، و"الهواضب": الأمطار، والطلال -بكسر الطاء: الأنداء، واحدها طلٍّ.
الإعراب:
قوله: "وأسقيه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول؛ أي: وأسقي ربع مية، قوله: "حتَّى كاد" حتَّى للغاية بمعنى إلى، وكاد من أفعال المقاربة، واسمه الضمير الَّذي فيه يرجع إلى الربع، وقوله: "يكلمني": خبره، قوله: "مما أبثه" يتعلق بكاد، ومن للتعليل، و"ما" يجوز أن تكون موصولة، أي: من الَّذي أبثه، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: من أجل بثي، أي: حزني؛ لأن البث هو الحزن، قوله: "أحجاره": بالرفع بدل من اسم كاد وهو الضمير الَّذي فيه، وليس هو بفاعل لقوله يكلمني.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "حتَّى كاد مما أبثه" لأن من الشرط أن كون خبر كاد رافعًا لضمير الاسم، ويكون التقدير هاهنا: حتَّى كاد أحجاره تكلمني مما أبثه، وكذلك التقدسر: في: "ملاعبه"؛ لأنه عطف على قوله: "أحجاره"، والتقدير: حتَّى كاد ملاعبه تكلمني فافهم (١).
الشاهد السابع والأربعون بعد المائتين (٢)، (٣)
وَمَاذا عَسَى الحجّاجُ يبلُغُ جُهْدُهُ … إذا نحن جَاوَزْنا حَفيرَ زَيادِ
أقول: قائله هو الفرزدق همام بن غالب.
стр. 667
وهو من الطويل.
والحجاج هو ابن يوسف الثقفي الظالم المشهور، وكان تَوَعَّدَ الفرزدقَ بِوعيدٍ شديدٍ فهرب من العراق إلى الشام وأنشد:
وماذا عسى الحجاج .... … .............. إلى آخره
وحفير زياد بين الشام والعراق، وزياد هذا هو ابن [أبي] (١) سفيان أخو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، وكان أميرَ العراق خمس سنين نيابةً عن أخيه معاوية، مات في سنة ثلاثٍ وخمسين من الهجرة، ودفن بالنوبة خارج الكوفة.
الإعراب:
قوله: "وماذا" كلمة ما: استفهام، و"ذا": إشارة، و"عسى": من أفعال المقاربة وفيه طمع وإشفاق، وقوله: "الحجاج": اسمه، وقوله: "يبلغ": خبره، وقد عُلِمَ أن اسمَ عسى على ضربين: أحدهما: يلزمه الخبر نحو: عسى زيد أن يفعل، وقل ورود الخبر بدون أن كما في البيت.
والآخر: وهو الَّذي لا يلزمه الخبر على قسمين:
أحدهما: يجب فيه الاقتصار على الاسم نحو: عسى أن تفعل، وقوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيِئًا﴾ [البقرة: ٢١٦] فأن تكرهوا في موضع رفع، وقد سد مسد الاسم والخبر.
والآخر: يجوز فيه الاقتصار على أن والفعل اسمًا، ويجوز ترك الاختصار والتصريح بالاسم وجعل أن والفعل خبرًا، وكذلك إذا بنيت هذه الأفعال على اسم قبلها نحو: أخوك عسى أن يفعل وأخواك عسى أن يفعلا وعسيا أن يفعلا، وإخوتك عسى أن يفعلوا وعسوا أن يفعلوا، ونحو ذلك.
قوله: "جهده" يجوز فيه الوجهان: الرفع على أنَّه فاعل يبلغ، والنصب على أنَّه مفعوله، ويبلغ يستعمل متعديًا؛ كبلغت المكان، ويستعمل لازمًا؛ كبلغ الغلام، قوله: "إذا" للظرف، فيه معنى الشرط، وهي تختص بالدخول على الجملة الفعلية فلذلك تَقُول: إن "نحن" مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر، تقديره: إذا جاوزنا نحن حفير زياد؛ كما يقال في قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، إن التقدير: إذا انشقت السماء، ولا يجوز أن يقال: إن "نحن": مبتدأ، و"جاوزنا حفير زياد": خبره، و"حفير زياد": كلام إضافي مفعول جاوزنا.
الاستشهاد فيه:
أن خبر عسى جاء بدون "أن" وهو قليل، والأكثر في استعماله "بأن" نحو: ﴿عَسَى اللهُ
стр. 668
أَنْ يَأتِيَنِي بِهِمْ جَمِيْعًا﴾ [يوسف: ٨٣]، ونحو ذلك (١).
الشاهد الثامن والأربعون بعد المائتين (٢)(٣)(٤)
وَلَوْ سُئْلَ الناسُ الترابَ لأوشَكُوا … إذا قِيلَ هَاتُوا أَنْ يَمَلُّوا وَيَمْنَعُوا
أقول: هذا البيت أنشده ثعلب في أماليه، وقال: أنشدنا ابن الأعرابي وذكره، ولم يعزه إلى أحد، وقبله:
أَبَا مَالكٍ لا تَسْأَلْ النَّاسَ والْتَمِس … بكَفَّيكَ فَضْلَ اللَّه فَاللهُ أَوْسَعُ (٥)
وهما من الطويل.
المعنى: إن من طبع الناس أنهم لو سئلوا أن يعطوا ترابًا، وقيل لهم: هاتوا التراب، لمنعوا ذلك وملوا.
الإعراب:
قوله: "ولو" للشرط، وقوله: "سئل الناس": جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل وقعت فعل الشرط، وقوله: "التراب": مفعول ثان لقوله: "سئل"، وقوله: "لأوشكوا": جواب الشرط وهو جمع أوشك (٦)، والضمير فيه اسم أوشك، وخبره قوله: "أن يملوا"، قوله: "ويمنعوا": عطف على يملوا؛ أي: وأن يمنعوا.
قوله: "إذا قيل هاتوا": جملة معترضة "وإذا" للظرف المستقبل، وفيه معنى الشرط، فقوله: "هاتوا": مقول القول وهو أمر لجماعة، تقول: هات هاتيا هاتوا، ومفعوله محذوف تقديره: هالوا التراب.
стр. 669
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن يملوا" حيث جاء خبر أوشك فعلًا مضارعًا مقرونًا بأن؛ كعسى غالبًا، وحكمه عكس كاد (١)، وفيه رد على الأصمعي وأبي علي؛ حيث أنكرا أوشك بصيغة الماضي، قال أبو علي: لا يقال: يوشك -بفتح الشسين، ولا أوشك، حكى ذلك عنهما ابن قرقول في المطالع (٢)، وحكاه أيضًا ابن مالك ﵀ في مثلثه (٣).
الشاهد التاسع والأربعون بعد المائتين (٤)، (٥)
عَسَى الكرْبُ الَّذي أَمْسَيتَ فيه … يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
أقول: قائله هو هدبة بن خشرم العذري (٦)، وهو من قصيدة بائية قالها هدبة وهو مسجون بالمدينة على ما يجيء بيانه عن قريب -إن شاء الله تعالى-، وأولها هو قوله (٧):
١ - طَرِبْتَ وأنتَ أَحْيانًا طَروُبُ … وكَيْفَ وَقَدْ تَعلَّاكَ المشِيبُ
٢ - يُجِدُّ النأْيُ ذِكْرَك في فُؤَأدِي … إذَا ذهلتْ عَنِ النَّأي القُلُوبُ
٣ - يُؤرِّقُنِي اكْتِئَابُ أَبِي نُمَيرٍ … فَقَلْبِي من كَآبتِه كَئِيبُ
٤ - فقلتُ لَهُ هَداكَ اللهُ مَهْلًا … وخيرُ القْولِ ذُو اللبِّ المُصِيبُ
٥ - فإنَّا قدْ حَلَلْنَا دَارَ بَلْوَى … فتُخطِئُنَا المنَايَا أو تُصِيبُ
٦ - عَسَى الكرْبُ الَّذي أَمْسَيتُ … فيه يكونُ ورَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ
стр. 670
٧ - فَيأْمَنُ خَائفٌ وَيُفَكُّ عَانٍ … ويأتي أهلَهُ الرَّجُلُ الغريبُ
٨ - ألا لَيتَ الرياحَ مَسخَّراتٌ … بحَاجَتِنَا تُباكِرُ أو تَؤُوبُ
٩ - فتخبُرنَا الشِّمالُ إذْا أَتيْنَا … وتُخْبِرُ أهْلَنَا عَنَّا الجنُوبُ
١٠ - فإنْ يكُ صَدْرُ هَذا اليوم وَلَّى … فإن غَدًا لنَاظِرُهُ قَريبُ
١١ - وقد علمتْ سُلَيمَى أَنَّ عُوْدِي … على الحدثَانِ ذُو أَيْدٍ صَلِيبُ
١٢ - وإنَّ خليقَتِي كَرمٌ وأَنِّي … إذَا أَبْدَتْ نَواجِذَها الحروبُ
١٣ - أُعينُ عَلى مكارِمها وأَغْشَى … مكارِهَهَا إذَا كَعَّ الهَيوبُ
١٤ - وقد أبقَى الحوادثُ منك ركنًا … صَليبًا مَا تُؤَيِّسُهُ الخطوبُ
١٥ - على أنَّ المنيةَ قد توافي … لوقت والنوائب قد تَنُوبُ
وهي من الوافر.
وقصة ذلك أنَّه وقع بين هدبة وبين شخص من بني عمه يقال له: زيادة بن زيد ملاحاة فقتله هدبة فرفعه أخوه إلى معاوية، فقرره فأقر فعرض معاوية على عبد الرحمن أخيه قبول الدية وعرض عليه أكابر قريش سبع ديات فأبى أن يقبلها، وكان لزياد المقتول ابن يقال له: المسور ولم يبلغ الحلم، [فقال معاوية ابنه أولى بطلب دمه فليحبس هدبة إلى أن يبلغ ابنه فربما يرضى بالدية، فحبس هدبة سبع سنين حتَّى بلغ المسور الحلم] (١)، فعرض عليه قبول الدية فأبى إلا قتله فقتل هدبة، وزار هدبة أيام اعتقاله رجل من قرابته يقال له: أبو نمير، فأظهر الحزن والكآبة (٢)، فقال هدبة في جملة قصيدة:
يؤرقني اكتئاب أبي نمير … ...................................
على ما ذكرناه (٣).
٢ - قوله: "يجدّ النأي" أي: البعد.
٣ - قوله: "يؤرقني" أي: يسهرني، والاكتئاب: الحزن.
٤ - قوله: "ذو اللب" أي: العقل.
٥ - قوله: "فإنا قد حللنا" أي: قد نزلنا دار بلوى" يعني: السجن.
стр. 671
٧ - قوله: "عسى الكرب الَّذي … إلى آخره" معناه: عسى أن يكون وراء ذلك الحزن فرج قريب.
٨ - قوله: "عان" أي: أسير، قوله: "أو تؤب" أي: ترجع.
١٢ - قوله: "ذو أيد" أي: ذو قوة.
١٤ - قوله: "إذا كعّ لا أي: جبن وخاف، يقال: رجل ركع وكاع؛ أي: جبان، "والهيوب": الخائف.
١٥ - قوله: "ما تؤيسه" أي: ما تؤثر فيه.
١٦ - "والمنية": الموت، و"النوائب": جمع نائبة الدهور وهي حوادثه من الشدائد.
الإعراب:
قوله: "عسى الكرب" عسى: للترجي، والكرب: الهم وهو اسم عسى، و"الَّذي لا موصول، و "أمسيت فيه": صلته، والجملة صفة الكرب (١)، قوله: "يكون": مضارع وقع خبرًا لعسى بغير أن، قوله: "وراءه": خبر يكون التقدم، وهو طرف مؤنث بدليل تصغيره على وريئه، وقوله: "فرج": اسمه، و"قريب": صفة فرج وهو انكشاف الهم، والصواب أن فرج: مبتدأ، وخبره الظرف، والجملة خبر يكون واسمها مستتر، ولا ينبغي أن يكون فرج اسم يكون؛ لأن خبر هذا الباب لا يرفع الظاهر إلا شاذًّا تَقُول: كاد زيد يموت، ولا تقول كاد زيد يموت أخوه.
وقيل: يجوز أَنّ تَكُونُ: "يَكُونُ" تامة، ويكون فاعلها ضمير الكرب والجملة الاسمية حالًا، ويجوز أن يكون فرج فاعلًا بالظرف على أنَّه خبر الناقصة وحال من فاعل التامة، وهذا أرجح من تقديره مبتدأ.
الاستشهاد فيه:
على أنَّه استعمل "عسى" استعمال "كاد" في أن خبره مضارع بغير أن (٢).
стр. 672
الشاهد الخمسون بعد المائتين (١)، (٢)
يُوشِكُ مَنْ فَرّ مِنْ مَنِيَّته … في بَعْضِ غِرَّاتهِ يُوَافِقُهَا
أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، شاعر جاهلي، وقال صاعدٌ (٣): هو لرجل خارجي قتله الحجاج، والأول أصح، وهو من قصيدة هائية وأولها هو قوله (٤):
١ - اقتربَ الوعْدُ والقلوبُ إلى اللهو … وحبُّ الحياةِ سَائِقُها
٢ - باتَتْ هُمُومِي تَسْري طَوارقُها … أكفُّ عيني والدمْعُ سَابِقُها
٣ - ما رغبةُ النَّفْسِ في الحياةِ وإنْ … عاشتْ طويلًا فالموتُ لاحقُها
٤ - قَدْ أُنْبئْتُ أَنَّها تَعُودُ كما كان … بَرِيًّا بالأمسِ خَالِقُها
٥ - وَأَن مَا جَمَعتْ وأَعجبَها … من عَيشِها مَرةً مُفَارِقُها
٦ - يوشك من فر .......... … ..................... إلى آخره
٧ - مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبطَةً يَمُت هرمًا … الموتُ كأسٌ والمرءُ ذَائِقُها
وهي من المنسرح، وأصله في الدائرة: مستفعلن مفعولات مرتين (٥).
٦ - قوله: "يوشك من فر" المعنى: من يفر من منيته -أي: موته في الحرب يوشك أن يقع فيها بسبيل الغفلة، و"الغرات" بكسر الغين المعجمة؛ جمع غرة وهي الغفلة.
٧ - قوله: "عبطة" بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح الطاء المهملة؛ وهو أن يموت شابًّا قويًّا طريًّا، و"العبيط": الدم الطري، وانتصاب عبطة وهرمًا حالًا من فاعلي الشرط والجزاء، وهما من الأحوال اللازمة، قوله: "ذائقها" أي: ذائق الكأس، وهذا دليل على أن الكأس مؤنث وأنها تطلق على نفس الشيء المشروب، وإنما هي في الأصل اسم للظرف
стр. 673
المعروف ما دام فيه الشراب وإلا فهو قدح.
الإعراب:
قوله: "يوشك" بكسر الشين العجمة، مضارع أوشك، قوله: "من": موصولة، و "فر": جملة صلتها، والمجموع اسم يوشك، وخبره قوله: "يوافقها" [قوله: "من منيته": يتعلق بفر، وقوله: "في بعض غراته"؛ يتعلق بقوله: "يوافقها"] (١).
الاستشهاد فيه:
على استعمال يوشك كاستعمال كاد في قوله: "يوشك من فر" فجاء خبره مضارعًا بلا أن كخبر كاد (٢).
الشاهد الحادي والخمسون بعد المائتين (٣)، (٤)
كَرِبَ القَلْبُ مِنْ جَوَاهُ يَذُوبُ … حِينَ قَال الْوِشَاةُ هِنْدٌ غَضُوبُ
أقول: قائله هو رجل من طيئ، ويقال: قائله كلحبة اليربوعي، واسمه هبيرة بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم اليربوعي أحد فرسان بني تميم شاعر محسن كذا قال الأخفش، وقال الرشاطي (٥): له فيه وهمان:
أحدهما: أنَّه جعل الكلحبة لَقَبًا لهُ وهو اسم أمه.
والثاني: أنَّه قال اسمه هبيرة، وإنما هو جرير بن هبيرة، وقال بعضهم: اسمه عبد الله بن هبيرة، قلت: الصحيح أن اسمه هبيرة، والكلحبة بفتح الكاف وسكون اللام وفتح الحاء المهملة والباء الموحدة.
والبيت المذكور من الخفيف.
стр. 674
قوله: "كرب" -بفتح الراء من أفعال المقاربة ومعناه كاد، قوله: "من جواه" الجوى- بالجيم المفتوحة: شدة الوجد، و"الوشاة": جمع واش؛ من وشى به يشي وشاية إذا نمّ عليه وسعى به فهو واش، وأصله: استخراج الحديث باللطف والسؤال، وعند ابن الناظم:
................................ … حِينَ قَال العَذُولُ هِندٌ غَضُوبُ
من العذل وهو الملامة (١)، وهند: اسم امرأة، وغضوب: بفتح الغين وضم الضاد المعجمتين يعني: عبوس، وفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور.
والمعنى: كاد القلب يذوب من شدة شوقه وحزنه حين [قال] (٢) اللائم: محبوبتك هند غضوب عليك.
الإعراب:
قوله: "كرب القلب" كرب: فعل بمعنى كاد، والقلب: اسمه، وقوله: "يذوب": خبره، وقد علم أن حكم خبر كرب كحكم خبر كاد في أن الأكثر تجريده من "أن" ولم يذكر سيبويه فيه غير التجريد.
قوله: "من جواه" من للتعليل، ويتعلق بقوله كرب أو يذوب، قوله: "حين": نصب على الظرف مضاف إلى الجملة، و"الوشاة": فاعل قال، ومقول القول هو قوله: "هند غضوب"، وهند: مبتدأ، وغضوب: خبره، وهند يجوز صرفه ومنعه كما علم [مما تقرر] (٣) في موضعه (٤).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يذوب" حيث استعمل من غير أن وهو خبر كرب؛ كما استعمل كذلك في كرب (٥).
стр. 675
الشاهد الثاني والخمسون بعد المائتين (١)، (٢)
كادتِ النفسُ أَن تفيظَ عليه … إذْ غَدا حَشْو رَيَطْةٍ وَبُرُودٍ
أقول: هذا البيت أيضًا من الخفيف.
قوله: "أن تفيظ" بالظاء المعجمة، يقال: فاظ الميت بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد قاله الزجاجي، وفاظت نفسه بالظاء جائز عند الجميع إلا الأصمعي فإنه لا يجمع بين الظاء والنفس؛ بل يقول: فاظ الرجل بالظاء، وفاضت نفسه بالضاد.
وقال ابن بري: الَّذي يجوِّز فاظت نفسه بالظاء يحتج بقول الشاعر:
كادت النفس أن تفيظ عليه … ................................
وقد مر التحقيق في هذه المادة فيما مضى عند قوله (٣):
يداك يد خيرها يرتجى … ................................
قوله: "عليه" أي: على فلان الميت؛ لأن الشاعر يرثي بها رجلًا قد مات؛ ألا ترى كيف يقول: "إذ غدا حشو ريطة وبرود" بمعنى: صار حشو الكفن، والكفن يكون من الريطة والبرود.
و"الريطة" بفتح الراء وسكون الياءآخر الحروف وفتح الطاء المهملة؛ وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، ولم تكن قطعتين (٤) والجمع: ريط ورياط، "والبرود" بضم الباء الموحدة؛ جمع بُرْد من الثياب ويجمع على أبراد أيضًا.
الإعراب:
قوله: "النفس" مرفوعة؛ لأنه اسم كادت، وقوله: "أن تفيظ": خبره، و "عليه": يتعلق بتفيظ، قوله: "إذ": ظرف بمعنى حين، والعامل فيه تفيظ، و"غدا": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الَّذي يرجع إلى ما يرجع إليه الضمير الَّذي في عليه، وقوله: "حشو ريطة": كلام إضافي مفعول لقوله "غدا". قوله: "وبرود" عطف على ريطة؛ أي: وحشو برود.
стр. 676
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كادت النفس أن تفيظ"؛ حيث جاء "أن تفيظ" مقرونًا بأن وهو خبر كاد وهو قليل، والأكثر أن يكون مجردًا عن أن فافهم (١).
الشاهد الثالث والخمسون بعد المائتين (٢)، (٣)
سقَاها ذَوُو الأحلام سَجْلًا على الظَّمأ … وقد كَرَبَت أعْنَاقُهَا أَن تَقَطّعا
أقول: قائله هو أبو زيد الأسلمي، وهو من قصيدة عينية، وأولها هو قوله (٤):
١ - مَدَحْتُ عروقًا لِلنَّدى مَصَّتِ الثرى … حَدِيثًا فَلَمْ تَهْمُمْ بِأَنْ تَتَزَعْزَعَا
٢ - نَقَائِذَ بُؤْسٍ ذَاقتِ الفَقْرَ والغِنَى .. وحَلَّبتِ الأيَّامَ والدَّهْرَ أَضْرُعَا
٣ - سقاها ....................... … ........................ إلى آخره
٤ - بِفَضْلِ سِجالٍ لَوْ سَقَوْا مَنْ مَشَى بِهَا … على الأرضِ أرْوَاهُمْ جَمِيْعًا وأَشْبَعَا
٥ - فضمَّتْ بأيديها على فَضْلِ ما بها … مِنَ الريِّ لما أَوْشَكَتْ أن تَضَلَّعا
٦ - وزهَّدَها أَنْ تَفْعل الخَيْر في الغِنَى .... مُقَاسَاتُها مَنْ قَبْلَنا الفَقْرَ جُرَّعَا
وهي من الطويل.
وقصة هذا ما ذكره المبرد في الكامل (٥)، وهو أن أبا زيد قصد المدينة يريد إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهو والي المدينة، فصحبه في الطريق أبو وجزة السلمي المعروف بالسعدي، وكان يريد آل الزبير في المدينة، فقال أبو وجزة: هلمَّ فلنشترك فيما نصيبه، فقال أبو زيد: كلّا، أنا أمدح الملوك وأنت تمدح السوقة، فلما دخلا
стр. 677
المدينة صار أبو زيد إلى إبراهيم بن هشام فأنشده (١):
يا ابن هشام يا أخا الكرام … .....................................
فقال له إبراهيم: وإنما أنا أخوهم وكأني لست منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط، وامتدح أبو وجزة آل الزبير، فكتبوا له بستين وسقًا من تمر، وقالوا: هي لك في كل سنة فانصرفا، فقال أبو زيد القصيدة المذكورة يهجوه بها ويصفه بأنه لم يزل في ضر وبؤس حتَّى أنقذه ذو رحمه هشاء فجعله ملكًا بعد أن كان سوقة، وأنه كلما تذكر ما كان فيه تشدد وبخل، وقال أبو وجزة (٢):
١ - رَاحَتْ رَوَاحًا قَلُوصي وهْيَ حَامدَةْ … آلَ الزُّبَيرِ فلم تَعْدِلْ بِهِمْ أَحَدا
٢ - رَاحَتْ بستِّينَ وَسْقًا في حَقِيبَتَها … ما حَملَتْ حَمْلَها الأدْنَى ولا البددا
٣ - مَا إِنْ رَأَيْتُ قَلُوصًا قَبلَها حَمَلَتْ … ستِّين وَسْقًا ولا جَابَتْ بهِ بَلَدا
٤ - ذَاكَ القِرى لَا قِرَى قَوْمٍ رَأَيْتُهُمُ … يَقْرُون ضيفَهُمْ المَلْويَةَ الجُدُدا
١ - قوله: "مدحت عروقًا للندى مصت الثرى حديثًا" قال المبرد: فإنما عني أن إبراهيم وأخاهُ مُحمدًا إنما تطعما بالعيش ودخلا في النعمة وخرجا من حد السوق إلى حد الملوك حديثًا وذلك بهشام بن عبد الملك؛ لأنهما كانا خَاليْهِ فإنما وَلَّاهُمَا عن خمول.
قوله: "فلم تهمم بأن تتزعزعا" فإنما هذا مثل يقال: فلان يهتز للندى ويرتاح لفعل الخير والتزعزع: التحرك، والمراد به هنا التحرك لفعل الخير.
٢ - قوله: "نقائذ بؤس": جمع نقيذة؛ أي: أُنْقِذَتْ مما كانت فيه من البؤس، ويقال: نقيذة للذكر والأنثى بالتاء؛ فالتاء للمبالغة لا للتأنيث، قوله: "أضرعًا" بضم الراء؛ جمع ضرع، يقال: حلب الدهر أشطره، أي: قاسى شدته ورخاءه وجَرَّبَهُمَا.
٣ - قوله: "سقاها " الضمير المنصوب فيه يرجع إلى العروق المذكورة في أول القصيدة، و"ذوو الأحلام": أصحاب العقول، ويروى: "ذوو الأرحام"، قوله: "سَجْلًا " بفتح السين المهملة وسكون الجيم؛ وهو الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة سجل، ويجمع على سجال، ويقال: السجل كالدلو والغرب (٣)، وزنًا ومعنى وبمعناهن الذنوب، والدلو خاصة يؤنث والغرب مُخْتَصٌّ (٤) بالكبير من الدلاء.
стр. 678
قوله: "على الظمأ" من ظمئ ظمأ إذا عطش، قال الله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] والاسم الظمء بالكسر، قوله: "أن تقطعا" أيله: أن تتقطعا فحذفت إحدى التائين فيه للتخفيف كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أصله: تتلظى، وتقطع أعناقها إما لشدة العطش أو للذل الَّذي هي فيه.
قوله: "قلوصي" القلوص: الشابة من النوق، والحقيبة: الوعاء التي يَجعَل فيها الراكب متاعَهُ وأثَاثَهُ، قوله: "ولا جابَتْ" من الجوب -بالجيم وهو القطع، والقِرى -بكسر القاف: الضيافة من قريت الضيف إذا أحسنت إليه، قوله: "الملوية الجددا" أراد بها السياط.
الإعراب:
قوله: "سقاها": جملة من الفعل والمفعول، وقوله: "ذوو الأحلام": فاعل، قوله: "سجلًا" مفعول ثان لقوله سقاها، قوله: "على الظمأ" يتعلق بقوله: سقاها، قوله: "وقد كربت" الواو فيه للحال، وكربت: من أفعال المقاربة، و "أعناقها": اسمه، و"أن تقطعا": خبره.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن تقطعا"؛ حيث جاء بأن وهو خبر كرب كما ذكرنا ولا يجيء ذلك إلا في الضرورة (١)، وقد زعم سيبويه أن خبر كرب لا يقترن بأن وفيه رد عليه. فافهم (٢).
الشاهد الرابع والخمسون بعد المائتين (٣)، (٤)
أموتُ أسًى يَوْمَ الرِّجَام وإنَّني … يَقينًا لَرهْنٌ بالَّذِي أَنَا كَائِدُ
أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن، وقد ترجمناه، وهو من قصيدة داليه من الطويل وقبله هو قوله:
١ - وَكِدْتُ وقد سَالتْ من العين عَبْرةٌ … سَها عانِدٌ منها وأَسْبَلَ عَانِدُ
стр. 679
٢ - قَذَيتُ بها والعينُ سَهْوٌ دُمُوعُها … وَعُوَّارُهَا في باطن الجفْنِ زائِدُ
٣ - فإِنَ تُرِكَتْ للكُحْلِ لم يَتْرُكْ البُكَا … وتَشريَ إذَا ما حَثْحَثَتْهَا المرَاودُ
٤ - أموت أسى ................... … ................. إلى آخره
قوله: "سها عاند" يعني: مخالف، يقال: عند بالفتح يعند بالكسر عنودًا إذا خالف ومادته: عين مهملة ونون ودال مهملة، وأما عاند الثاني فمعناه: سائل من عند العرق إذا سال ولم يرقا وهو عرق عاند، قوله: "قذيت": من القذى وهو الذي سقط من العين، يقال: قذيت عينه تقذي قذًى فهو رجل قذي العين على فَعِل بكسر العين إذا سقطت في عينه قذاة، قوله: "سهو"، قال الجوهري: السهو: السكون واللين، والجمع؛ سهاء؛ مثل: دلو ودلاء، قال الشاعر (١):
تَنَاوَحَتِ الرِّياحُ لفقد عَمْروٍ … وكانَتْ قَبلَ مَهْلكَهِ سِهَاءَ (٢)
قوله: "وعوارها" بضم العين وتشديد الواو؛ وهو قذى العين، قوله: "وتشري" بالشين المعجمة من شرى الرجل استشرى إذا لح في الأمر، وكذلك يقال: شرى الفرس في سيره واستشرى إذا لج فهو فرس شريّ على فعيل، و "الحثحثة" بالحاء المهملة؛ التحريك، "والمراود": جمع مرود بكسر الميم، قوله: "أسى": من أسيت على الشيء أسىً؛ أي: حزنت.
وقال ابن الأثير: الأسى مفتوحًا مقصورًا؛ الحزن، أسى يأسى أسى فهو آس، قوله: "يوم الرجام" بكسر الراء وبالجيم؛ اسم موضع، وقد ثبت في النسخ المعتمدة من شرح الكافية: يوم الزحام بالزاي والحاء المهملة، وهو تحريف وتصحيف (٣).
الإعراب:
قوله: "أموت": جملة من الفعل والفاعل.
فإن قلت: ما موقع هذه الجملة؟
قلت: هذه الجملة وقعت خبرًا لقوله: "وكدت" في قوله: "وكدت وقد سالت" إلى [آخره، وقوله وقد سالت إلى] (٤)، قوله: "أموت": جمل معترضة بين اسم كاد وخبره فافهم.
قوله: "أسى": نصب على التعليل، ويجوز أن يكون حالًا على معنى: أموت حال كوني
стр. 680
آسيًا، قوله: " [يوم] (١) الرجام": كلام إضافي نصب على الظرف، قوله: "وإنني" إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "والياء": اسمه، وقوله: "لرهن": خبره والسلام فيه للتأكيد، و"يقينًا": نصب على أنَّه مفعول مطلق، والتقدير: أتيقن يقينًا؛ أي: تيقنًا، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، والتقدير؛ إنني لرهن رهنًا يقينًا؛ أي: حقًّا، قوله: "بالذي": يتعلق بقوله لرهن.
وقوله: "أنا كائد": جملة اسمية وقعت صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: بالذي أنا كائده.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كائد" حيث استعمل الشَّاعر اسم الفاعل من كاد الذي هو من أفعال المقاربة، وهو فعل جامد لا يكون منه غير المضارع؛ نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] إلَّا أنَّه سمع من قول كُثّير: هذا كائد (٢).
ويقال: الصواب هو كابد بالباء الموحدة؛ من المكابدة وهو الاجتهاد في العمل، وبهذا جزم ابن السكيت في شرح ديوان كثير، فحينئذ لا يبقى فيه محل للاستشهاد.
فإن قلتَ: كيف يجيء كائد من المكايدة ولا يجيء من المكابدة إلَّا مكابد؟
قلتُ: هذا ليس بجار على فعله، وقال ابن سيده: كابده مكابدة وكبادًا: قاساه، والاسم كابد كالكاهل والغارب؟
فإن قلتَ: ما الدليل على كون كابد بالباء الموحدة صوابًا على ما جزم به ابن السكيت.
قلتُ: قد قيل: إن الدليل على ذلك هو أنَّه لم يأت بعد كايد بالياء آخر الحروف ما يكون خبرًا له، وفيه نظر؛ لأن الشَّاعر قال؛ وكدت وقد سالت من العين عبرة إلى قوله: أموت أسى، وقد قلنا: إن قوله: "أموت": خبر لقوله: "وكدت" فكأنه قال: أموت ولا بد لي يقينًا من هذا الأمر الذي أنا كائد به الآن.
стр. 681
الشاهد الخامس والخمسون بعد المائتين (١)، (٢)
أبُنَيّ إن أبَاكَ كارِبُ يَوْمِه … فإذا دُعيتَ إلى المكَارِمِ فاعْجَلِ
أقول: قائله هو عبد قيس بن خفاف من بني عمرو بن حنظلة من البراجم، وهو من قصيدة لامية، وأولها هذا البيت وبعده:
٢ - أُوصِيكَ إيصَاءَ امرئٍ لَكَ ناصحٍ … طبن بريبِ الدَّهْرِ غَيرِ مُغَفَّل
٣ - الله فاتّقِهِ وأوْفِ بنذْرِهِ … وإذا حلفْتَ مُمَارِيًا فتحلَّلِ
٤ - والضيفَ اكْرِمْهُ فإنَّ مَبِيتَهُ … حَق ولا تَكُ لُعْنَةً للنُّزَّلِ
٥ - واعلم بأنَّ الضيفَ مُخبِرُ أَهْلِه … بمَبيتِ لَيلَتهِ وإنْ لَم يُسْألِ
٦ - وَدَع القوارصَ للصديقِ وغَيرهُ … كَيلَا يَرَوْكَ من اللَّئامِ العُزّلِ
٧ - وَصِلِ الموُاصِل ما صَفَا لَكَ وُدُّهُ … واحْذَرْ حِبال الخائنِ المتبذِّلِ
٨ - واتْرُكْ مَحل السوء لا تحلُلْ بِهِ … وإذَا نَبَا بِكَ مَنْزِلٌ فَتحوَّلِ
٩ - دَارُ الهَوانِ لِمَنْ رَآهَا دَارَهُ … أَفَراحِلٌ عَنْهَا كمن لَم يَرْحَلِ؟
١٠ - وإذَا هَمَمْتَ بأمْرِ شَرّ فَاتَّئِدْ … وإذَا هَمَمْتَ بأمْرِ خَيرٍ فافْعَلِ
١١ - وإذَا أَتَتْكَ من العدِّو قَوارصٌ … فاقْرصْ كَذَاك ولا تَقُلْ لَم أَفْعَلِ
١٢ - وإذا افتقرْتَ فلا تكُنْ مُتَخشِّعًا … تَرجُو الفواضِل عند غيرِ المفضِلِ
١٣ - وإذا لَقَيتَ القومَ فَاضْرِبْ فيهمُ … حَتَّى يَرَوْك طِلاءَ أجْرَبَ مُهْمَلِ
١٤ - واستغْنِ ما أغْنَاكَ رَبُّك بالغِنَى … وإذْا تُصْبكَ خَصَاصةٌ فتجمَّلِ
١٥ - واسْتَأْنِ حِلْمَك في أُمُورِكَ كلِّها … وإذا عَزَمْتَ علَى الْهَوى فَتَوكّلِ
١٦ - وإذَا لَقيتَ الباهِشِينَ إلى النَّدى … غُبْرًا أكُفُّهُمُ بِقَاع مُمْحِلِ
١٧ - فَأَعنْهُمْ وايسِرْ بما يَسَّرُوا بِهِ … وإذا هُمُو نَزَلُوا بِضنْكٍ فانْزِلِ
[وهي من الكامل] (٣).
стр. 682
١ - قوله: "أبني إن أباك" ويروى: أُحْبَيْلُ، قوله: "إلى المكارم": ويروى إلى العظائم، قوله: "طبن" بفتح الطاء المهملة وكسر الباء الموحدة وفي آخره نون؛ وهو الحاذق، يقال: رجل طبن تبن إذا كان عاقلًا بصيرًا؛ من الطبانة وإقإدة، ووروى: طب بريب الدهر وهو أَيضًا بمعناه.
٤ - قوله: "ولا تك لُعَنة" بضم اللام [وفتح العين] (١)، يقال: رجل لعْنَة: إذا كان يُلْعَن، ولُعَنة -بضم اللام وفتح العين-: إذا كان يَلْعَن ومثله: ضُحْكَة وضُحَكة، و"النُزّل" بضم النُّون وتشديد الزاي؛ جمع نازل وهو الضيف.
٦ - قوله: "ودع القوارض" أي: اتركها، والقوارض -بالقاف المثالب، قوله: "وإذا نبا بِك" أي: ترفع؛ من النبوة وهو الارتفاع.
٩ - قوله: "فاتئد" أي: تأن ولا تستعجل.
١٣ - قوله: "مُهْمل" أي: متروك.
١٤ - قوله: "خصاصة" أي: حاجة وشدة، قوله: "فتجمل" بالجيم.
١٥ - قوله: "واستأن": من الأناة، قوله: "وإذا عزمت على الهوى" أي: إذا هممت.
١٦ - قوله: "الباهشين" قال الضَّبِّيّ: "الباهش": "الفزع، و"القاع": الموضع الصلب الحُر الطِّين (٢)، الواسع يمسك الماء، و"ممحل": من المحل وهو الجدب.
١٧ - قوله: "وايسر بما يسروا به" أي: أسرع إلى حَاجَتهم (٣)، و"الضنك": الضيق، أي: واسهم في ضيقهم.
الإعراب:
قوله: "أبني" الهمزة فيه حرف النداء؛ يعني: يا بني، قوله: "إن أَبَاك" إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، و"أَبَاك": كلام إضافي اسمه، و"كارب يومه": خبره، قوله: "فإذا": للشرط، قوله: "دُعِيت": على صيغة المجهول، جملة وقعت فعل الشرط، وقوله: "فاعجل": جواب الشرط، وقوله: "إلى المكارم": يتعلق بقوله: "دعيت".
الاستشهاد فيه:
في قوله: "كارب يومه" حيث استعمل فيه من كرب صيغة اسم الفاعل، وقد أوله بعضهم منهم الجوهري أنَّه اسم فاعل من كرب التامة في نحو قولهم: كرب الشتاء؛ أي: قرُب، وليس هي من
стр. 683
كرب من أفعال المقاربة التي تستدعي الاسم والخبر (١).
الشاهد السادس والخمسون بعد المائتين (٢)، (٣)
فَإنَّك مُوشِكٌ أَنْ لا تراها … وتَعْدو دُونَ غَاضِرةَ العَوادِي
أقول: قائله هو كثير بن عبد الرَّحْمَن يتشبب بغاضرة وهو اسم جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز - رضي الله تعالى عنه -.
وهو من قصيدة دالية من الوافر.
وكان السبب في ذلك أن أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحج، وهو يومئذ خليفة وهي زوجته فأذن لها فقدمت مكة ومعها من الجواري ما لم ير مثله حسنًا، وكتب الوليد يتوعد الشعراء جميعًا أن يذكرها أو من معها أحد منهم، فبعثت أم البنين إلى كثير، وإلى وضاح اليمن أن انسبالي، فأما وضاح اليمن فإنَّه صرح بها فقتله الوليد، وأما كثير فإنَّه أعرض عنها، وشبب بجاريتها غاضرة -بالغين والضاد المعجمتين، فقال (٤):
١ - شَجَا أَظْعانُ غَاضِرَةَ العَوَادِي … بغَيرِ مَشُورة عَرَضًا فُؤَادي
٢ - أَغَاضِرَ لَوْ شهِدَتِ غَداةَ بنْتُمْ … جُنُوءَ العَادياتِ عَلَى وسَادي
٣ - أَوَيْتِ لِعَاشِقِ لَم تَشْكمِيهِ … نَوافِذُهُ تَلذَّعُ كالزِّنَادِ
٤ - وقال النَاصِحُونَ تَحَل منها … ببَذْلٍ قَبْلَ شِيمَتَها الجمادي
٥ - فإنَّك مُوشِكٌ ........ … ............. إلى آخره
٦ - فَأَسْرَرْتُ النَّدامَةَ يوم نَادَىَ … برَدّ جِمَالِ غَاضِرَةَ المنُادي
٧ - تَمَادَى البُعْدُ دونَهُمُ فأمْسَتْ … دُمُوعُ العيِن لَجَّ بِهَا التَّمادِي
стр. 684
١ - قوله: "شجا": من الشجو وهو الهم والحزن، و"العوادي" بالعين المهملة: عوائق الدهر.
٢ - قوله: "أغاضر" منادى مرخم يعني: يَا غاضرة، قوله: "بنتم": من البين؛ وهو الفارقة، قوله: "جنوء" من جنأ على كذا -بالجيم والنون والهمز يجنأ بالفتح فيهما جنوأً إذا أكب، ومنه الحديث (١): "فرأيت الرَّجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة".
٣ - قوله: "أويت": جواب لو شهدت؛ أي: رثيت ورفقت، قوله: "لم تشكميه" أي: لم تجازيه؛ من الشكم -بضم الشين المعجمة وهو الجزاء، فإذا كان العطاء ابتداء فهو الشكد بالدال تَقُول منه: شكمته؛ أي: جزيته، والشكم -بفتح الشين مصدر وكذلك الشكد بالفتح، قوله: "نوافذه": ما نفذ إلى قلبه، قوله: "تحل منها" بالحاء المهملة؛ أي: أصب منها، يقال: ما حليت منه بشيء، ومنه حلوان الزاقي، وفي شرح الكافية تخل- بالخاء المعجمة، وعنها بدل منها ولا معنى لها ها هنا (٢).
٥ - قوله: "موشك": اسم فاعل من أوشك، وأصله من الوشك وهو السرعة، يقال: عجبت من وشك ذلك الأمر؛ أي: سُرْعَتَه، ويقال: وشكان ذَا خُرُوجًا؛ أي: عجلان، ووشك المين؛ أي: سُرْعَة الفراق، قوله: "وتعدو دون غاضرة العوادي" أي: تصرف عنها الصوارف، وقد ذكرنا أن العوادي عوائق الدهر وموانعه.
الإعراب:
قوله: "فإنك" الكاف اسم إن و"موشك": خبره، و"أن لا تراها": خبر موشك، قوله: "وتعدو": فعل مضارع، و"العوادي": فاعله، و"دون": نصب على الظرف أضيف إلى غاضرة، والجملة في محل النصب على الحال.
الاستشهاد فيه:
قوله: "فإنك موشك" حيث استعمل اسم الفاعل من أوشك وهو نادر قليل (٣).
стр. 685
الشاهد السابع والخمسون بعد المائتين (١) , (٢)
أَبَيتُمْ قُبُولَ السِّلْمِ مِنَّا فَكِدْتُمو … لَدَى الحربِ أَنْ تُغْنوا السُّيوفَ عن السَّلِّ
أقول: لم أر أحدًا عزاه إلى قائله.
وهو من الطَّويل.
قوله: "أبيتم": من الإباء وهو شدة الامتناع، "والسلم" بكسر السين وفتحها وسكون اللام وهو الصلح، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] وهو يذكر ويؤنث، قوله: "لدى الحرب" أي: عندها. قوله: "أن تغنوا" من قولهم: ما يغني عنك هذا؛ أي: ما يجزي عنك وما ينفعك.
وحاصل المعنى: إنَّا عرضنا عليكم الصلح فلم تقبلوه فلما التقينا جبنتم وعجزتم عن مقاومتنا حتَّى كدتم تغنوننا عن سل السيوف لعدم احتفالنا بكم.
الإعراب:
قوله: "أبيتم": جملة من الفعل والفاعل، و"قبول السلم": كلام إضافي مفعولها، قوله: "فكدتمو" بكسر الكاف، من كاد يكاد، قال الجوهري: كاد يفعل كذا يكاد كودًا ومكادةً؛ أي: قارب (٣)، وحكى سيبويه: كدت أفعل -بضم الكاف، وحكى أبو الخَطَّاب: كيد زيد يفعل (٤)؛ كذا، يريد كاد، فنقلوا الكسرة إلى الكاف في الفعل كانقلوا في فعلت، وتاء الخاطبة اسم كاد، وخبره قوله: "أن تغنوا"، وقوله: "السيوف": مفعول تغنوا و"عن السل": يتعلق به، وقوله: "لدى الحرب": كلام إضافي معترض منصوب على الظرفية.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أن تغنوا"؛ حيث جاء مقرونًا بأن وهو خبر كاد، والغالب أن يكون خبره فعلًا مضارعًا مجردًا من أن كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] و ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف: ٩٣] و ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧] و ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ
стр. 686
إِلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٧٤] و ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] و ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ [الحج: ٧٢]، و ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣].
وقد تقترن بأن في النظم والنثر: أما في النظم فكما في هذا البيت، وذلك حملًا على عسى، وأما في النثر فكقول عمر - رضي الله تعالى عنه - (١): "ما كدت أن أصلي العصر حتَّى كادت الشمس أن تغرب"، وقول جبير بن مطعم (٢) - رضي الله تعالى عنه -: كاد قلبي أن يطير (٣).
الشاهد الثامن والخمسون بعد المائتين (٤)، (٥)
قد بُرْتَ أو كربت أن تبورا … لما رأيت بَيهَسًا مثبورًا
أقول: قائله هو العجاج بن رؤبة التَّمِيمِيّ السعدي.
وهو من الرجز المسدس.
قوله: "برت" بضم الباء الموحدة؛ من بار يبور إذا هلك، والبوار: الهلاك، قوله: "أو كربت أن تبورا" أي: قاربت البوار أي الهلاك، قوله: "بيهسًا" بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهاء وفي آخره سين مهملة؛ وهو اسم رجل، وديهس في الأصل: اسم من أسماء الأسد سمي به الرَّجل، وفي نسخ ابن الناظم كلها ضبط بهنس- بالنُّون بعد الهاء عوض الياء وهو تحريف.
قوله: "مثبورًا" أي: مهلكًا؛ من الثبور -بالثاء الثلثة ثم الباء الموحدة وهو الهلاك والخسران.
الإعراب:
قوله: "قد": للتحقيق، و"جرت": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "أو كربت": عطف عليه والتاء اسم كرب، وخبره قوله: "أن تبورا"، والألف [فيه] (٦) للإطلاق، قوله: "لما": بمعنى حين،
стр. 687
و"رأيت": جملة من الفعل والفاعل، و"بيهسًا": مفعوله الأول، و"مثبورًا": مفعوله الثاني.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "أو كربت أن تبورا" حيث جاء خبر كرب مضارعًا مقرونًا بأن (١).
الشاهد التاسع والخمسون بعد المائتين (٢)، (٣)
فمُوشِكَةٌ أرْضُنَا أَنْ تَعُودَ … خِلَافَ الأنِيسِ وُحُوشًا يَبَابًا
أقول: قائله هو أبو سهم الهذلي، وبعده:
٢ - وتُوحِشُ في الأرْضِ بَعدَ الكَلامِ … ولا تُبصِرُ العَينُ فيهَا كِلابَا
٣ - ولم يك من بين عرض الوَتِير … وبينَ المنَاقب إلَّا الذِّئَابَا
وهي من المتقارب.
قوله: "فموشكة": اسم فاعل من أوشك، والمعنى: توشك أرضنا، قوله: "خلاف الأنيس" أي: بعد الأنيس، ومنه: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١] أي: بعده، ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] أي: بعدك، و"الأنيس" بمعنى المؤانس، وكل ما يؤنس به فهو أنيس، ويقال: ما بالدار أنيس؛ أي: أحد ويروى: الخليط: مكان الأنيس.
قوله: "وحوشًا": جمع وحش -بتسكين الحاء وهو القفر، يقال: بلد وحش كما يقال: بلد قفر فهما متوازيان مترادفان، ويوجد في بعض النسخ وحوشًا بفتح الواو وهي صفة على فعول كصبور، ولم يؤنث؛ لأن هذا النوع من الصفات يستوي فيه المذكر والمؤنث (٤).
قوله: "يبابًا" بفتح الياءآخر الحروف وتخفيف الباء الموحدة بعدها أَلْف ساكنة وبعدها باء موحدة أخرى، يقال: أرض يباب؛ أي: خراب.
قال الجوهري: يقال: خراب يَباب وليس بإتباع، يعني: يقال على سبيل التوكيد مثل (٥): ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١] , قوله: "عرض الوتير" بفتح الواو وكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر
стр. 688
الحروف وفي آخره راء، وهو اسم موضع، وكذلك المناقب موضع.
الإعراب:
قوله: "فموشكة" الفاء للعطف على ما قبله، وموشكة بمعنى توشك، و" أرضنا": اسمه، و"أن تعود": خبره، قوله: "خلاف الأنيس": كلام إضافي منصوب على الظرف؛ لأنا [قد] (١) ذكرنا أن خلاف بمعنى بعد، قوله: "وحوشًا" نصب على الحال بمعنى: متوحشة، و" يبابًا" تأكيد، أو يكون أصله: ويبابًا فحذف حرف العطف للضرورة، وقد قيل: إن وحوشًا بدل من خلاف الأنيس وله وجه إذا كان الخلاف على حقيقته فافهم.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "فموشكة" حيث استعمل الشَّاعر من يوشك اسم الفاعل وهو نادر وأكثر استعماله أن يكون مضارعًا (٢).
الشاهد الستون بعد المائتين (٣) , (٤)
عسى فرج يأتي به الله إنه … له كل يوم في خليقته أمر
أقول: لم أقف على اسم قائله.
وهو من الطَّويل.
والمعنى ظاهر. و"الفرج": انكشاف الهم، و"الخليقة": الخلائق، يقال: هم خليقة الله وهم خلق الله أَيضًا، وهو في الأصل مصدر.
الإعراب:
قوله: "عسى": فعل من أفعال المقاربة، وقوله: "فرج": اسمه، وقوله: "يأتي به الله": جملة من الفعل والفاعل والمفعول خبره، قوله: "إنه" الضمير فيه ضمير الشأن وهو اسم إن، وخبره الجملة التي بعده وهي قوله: [له] (٥) "أمر" فإنَّه مبتدأ، وقوله: "له" مقدمًا خبره، قوله: "كل
стр. 689
يوم": كلام إضافي نصب على الظرف، قوله: "خليقته": يتعلق بمحذوف؛ أي: له أمر حاصل [كل يوم] في خليقته، وكلمة "في"تصلح أن تكون بمعنى بين؛ أي: بين خلائقه؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: بين عبادي.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "يأتي به الله" حيث جاء مجردًا عن أن والحال أنَّه خبر عسى (١).
الشاهد الحادي والستون بعد المائتين (٢) , (٣)
.................... … قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْصَحَا
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج الراجز ابن الراجز، وقبله:
رسم عفا من بعد ما قد انمحى … .................................
ورواه ابن يعيش في شرح المفصل (٤):
ربع عفاه الدهر طولًا فانمحى … قد كاد من طول البلى أن يمصحا
قوله: "البلى" بكسر الباء الموحدة من بلى يبلى إذا أخلق، قوله: "أن يمصحا" أي: أن ينمحي، يقال: مصحت الدار: درست وذهبت، ومصح الظل إذا قصر؛ فالراجز يصف ديار المحبوبة بأنها مصحت من طول البلى.
الإعراب:
قوله: "رسم": مبتدأ تخصص بالصفة وهي قوله: "عفا"، قوله: "قد كاد": خبره، وكلمة "من" في قوله: "من بعد" زائدة على مذهب الأخفش (٥)، و"بعد": ظرف و"ما" مصدرية، مجرور بإضافة بعد إليه.
стр. 690
قوله: "قد كاد" قد للتحقيق، واسم كاد مستتر فيه يرجع إلى الرسم، وفي الحقيقة يرجع إلى الربع، و"أن يمصحا": خبره، وألفه للإطلاق، و"من طول البلى" يتعلق بكاد تعلق العلة بالمعلول.
الاستشهاد فيه:
في استعمال كاد مثل استعمال عسى في كون خبره فعلًا مضارعًا مقرونًا بأن فافهم (١).
* * *
стр. 691
شواهد إن وأخواتها
الشاهد الثاني والستون بعد المائتين (١)، (٢)
منا الأناة وبعض القوم يحسبنا … إنَّا بطاء وفي إبطائنا سرع
أقول: قائله هو وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال (٣) بن حمل شاعر فصيح جميل ظريف، كان من أبناء الفرس الذين بصنعاء، وأمه من حمير، وكان في زمن عبد الملك بن مروان، وقتله الوليد بن عبد الملك بسبب تشببه بأم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان، وهي امرأة الوليد بن عبد الملك، والبيت المذكور من قصيدة عينية، وأولها [هو] (٤) قوله (٥):
١ - بَانَ الخلِيطُ بمَنْ عُلِقْتُ فانْصَدَعُوا … فدَمْعُ عَينَيكَ واهٍ واكِفٌ هَمِعُ
٢ - كيف اللِّقَاءُ وقَدْ أضْحَتْ ومَسْكَنُهَا … بطْنَ المحِلَّةِ منْ صَنْعَاءَ أو ضَلَعُ
٣ - كَمْ دُونَهَا مِنْ فَيافٍ لا أنيسَ بهَا … إلَّا الظَّلِيمَ وإلا الظبي والسبع
٤ - ومَنْهَلٍ صَخِبُ الأصْدَاء وارِدُهُ … طيرُ السَّماء تَحُومُ الحِيَن أوْ تقَعُ
٥ - لا مَاؤُهُ مَاءُ أحْسَاءٍ تُقَرِّظُهُ … أيدِي السُّقَاةِ ولا صَادٍ ولا كَرِعُ
٦ - إلا تُرَشِّحُ عِلْبًا دُونَهُ رَهَبٌ … مِنْ عَرْمَضٍ فَأبَاءُ فهي منتقعُ
стр. 692
٧ - تقول عاذلتي مهْلًا فقلْتُ لهَا … عَنِّي إليك فَهَلْ تَدْرِينَ مَنْ أدَعُ
٨ - وكَيفَ أَتْرُكُ شَخْصًا في رَوَاجبِهِ … وفيِ الأنَاملِ مِنْ حَنَّائِهِ لُمعُ
٩ - وأنْتِ لَوْ كُنتِ بِي جَدَّ الخبَيرَةِ لَمْ … يُطمِعْكِ في طمع من شيمتي طمعُ
١٠ - إنِي لَيَعُوزُنِي جَدِّي فَأَتْرُكَهُ … عَمْدًا وأُخْدَعُ أحْيَانًا فأَنْخَدِعُ
١١ - وأكتُمُ السِّرَّ في صَدرِي وأخْزِنُهُ … حَتى يَكُونَ لهُ مُلْحٍ ومُستَمِعُ
١٢ - وأتركُ القولَ إلَّا في مُرَاجَعَةٍ … حَتّى تَكُونَ لذاكَ القولِ مُطّلعُ
١٣ - لا قُوّتي قُوّةَ الرَّاعيِ رَكَائِبَه … يَأْوي فَيَأوي إِليه الكلبُ والرُّبَعُ
١٤ - ولا العسيفِ الَّذي يَشْتَدُّ عُقْبَتَهُ … حَتَّى يَبِيتَ وَبَاقِي نَعلهِ قِطَعُ
١٥ - لَا يَحْملُ العبْدُ منَّا فَوْقَ طَاقَتِهُ … ونَحْنُ نَحْملُ ما لا تَحْملُ الْقَلَعُ
١٦ - منا الأناة .................. … ..................... إلى آخره
وهي من البسيط والقافية متراكب.
ولم يذكر أبو تمام في حماسته إلَّا أربعة أبيات من هذه القصيدة من عند قوله: "لا قوتي قوة الراعي إلى آخرها، وقد نقلت أنا تمام القصيدة من ديوان وضاح لحسنها ولطافة معانيها.
١ - قوله: "بان": من البين وهو الفراق "والخليط": عشير الرَّجل ومؤانسه، قوله: "واهٍ" أي: ساقط، و"واكف": من وكف البيت إذا قطر، و"وهمع" بفتح الهاء وكسر الميم، من الهموع -بالضم وهو السيلان، والهموع بالفتح: السائل.
٢ - و"بطن المحلة": موضع، و"صنعاء": مدينة باليمن، و"ضلع" بفتح الضاد المعجمة والسلام، اسم موضع.
٣ - و"الفيافي": جمع فيفاءَ؛ وهي الصحراء الملساء، و"الظليم" بفتح الظاء المعجمة وكسر اللام، ذكر النعامة.
٤ - قوله: "صخب الأصداء" من قولهم: ماء صَخِب -بفتح الصاد المهملة وكسر الخاء المعجمة: إذا كان له صوت، و"الأصداء": جمع صدى؛ وهو الذي يجيبك بمثل صوتك في الجبال وغيرها، قوله: "تحوم" أي: تطوف، و"الحَين" بالفتح: الهلاك.
٥ - و"الأحساء" جمع حسى -بكسر الحاء؛ وهو الماء المتواري في الرمل، قوله: "تقرظه" [(١) … ] قوله: "ولا صاد" وهو العطشان؛ من صدى يصدى صدًى إذا عطش فهو
стр. 693
صدٍ وصادٍ وصديان، و"والكرع" بفتحتين؛ ماء السماء يكرع فيه، والكَرِع -بفتح الكاف وكسر الراء: هو الذي يكرع في الماء، وهو الذي يتناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفه ولا بإناء.
٦ - و"العرمض": الطحلب وهو الأخضر الذي يخرج من أسفل الماء حتَّى يعلوه، و"الآباء" القصب، وقيل: الأجمة. قوله: "من أدع" أي: من أترك.
٨ - و"الرواجب" بالجيم؛ جمع راجبة، وهي مفاصل الأصابع التي تلي الأنامل ثم البراجم ثم الأشاجع اللاتي تَلِي (١) الكف.
١٣ - قوله: "ركائبه": جمع ركوبة، ويروى: قلائصه جمع قلوصة وهي الشابة من الإبل، و"الربع" بضم الراء وفتح الباء الموحدة؛ وهو الفصل الذي ينتج في الرَّبيع، وهو أول النتاج والجمع: رباع مثل رطب رطاب.
١٤ - و"العسيف" بفتح العين المهملة وكسر السين؛ وهو الأجير، و"العقبة" بضم العين المهملة وسكون القاف وفتح الباء الموحدة؛ وهي النوبة، وانتصابها على الظرفية، قوله: "وباقي نعله قطع": جملة اسمية وقعت حالًا من الضمير الذي في يبيت، وقيل: هذه الجملة في موضع خبر يبيت تقديره: حتَّى يبيت منقطع باقي نَعْلَه (٢).
١٥ - قوله: "لا يحمل العبد منا" أي: لا يكلف العبد إلا ما دون ما يطيقه إبقاء عليه، ونحن نحمل من مشاق الأمور ما لا تطيقه، "القلع" أي: الهضاب العظام، وهو بفتح القاف والسلام.
١٦ - قوله: "منا الأناة" بفتح الهمزة والنون؛ أي: التأني والتمهل في الأمور، قوله: "بطاء" بكسر الباء الموحدة وتخفيف الطاء؛ جمع بطيء، قوله: "سرع" بفتحتين؛ بمعنى: السرعة، وضبطه الشيخ جمال الدين سِرَع -بكسر السين وفتح الراء ثم قال هو مصدر سَرُعَ بالضم كَصغُر صِغَرًا أي: فيما زعموا من إبطائنا إسراع (٣).
الإعراب:
قوله: "منا الأناة" كلمة "من" بمعنى في، أي: فينا الأناة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] و"الأناة": مبتدأ، و"منا": مقدمًا خبره، ويجوز أن تكون من بمعنى عند، أي: عندنا الأَنَاة؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ
стр. 694
أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] أي: عند الله شيئًا.
قوله: "وبعض القوم": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "يحسبنا": جملة خبره، والجملة حال، قوله: "إنَّا بطاء" بكسر إن للإخبار بها، ومعمول إن اسم العين، وهو مفعول أول ليحسب، والمفعول الثاني هو الخبر في الأصل، وهذا كما تَقُول: زيد إنه فاضل -بكسر إن، ولو قلت (١): اعتقادي أنك فاضل، فتحت أن؛ لأن الخبر عنه اسم معنى، والحاصل أن قوله: "إنَّا بطاء" خبر في المعنى عن ضمير المتكلم، فلو (٢) فتحت أن كانت في تأويل المصدر، ولا يخبر بالمصدر عن اسم الذات، فلا يقال: زيد قيام أو قعود، وكذا لا يقال: زيد بطاء ولا نحن بطاء، قوله: "وفي إبطائنا سرع": جملة اسمية من المبتدأ والخبر وقعت حالًا (٣).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إنَّا بطاء" حيث كسر إن فيه؛ لأنه مبني على ما قبله كما في قوله: زيد إنه منطلق.
الشاهد الثالث والستون بعد المائتين (٤) , (٥)
أَلَمْ تَرَ إنِّي وابْنَ أسْوَدَ لَيْلَةً … لَنَسْرِي إلى نارَيْنِ يَعْلُو سَنَاهُمَا
أقول: قائله هو شخص من العرب لا يعلم اسمه، وقال سيبويه: سمعناه ممن ينشد من العرب (٦).
وهو من الطَّويل.
المعنى ظاهر، والسنى مقصورًا: الضوء.
стр. 695
الإعراب:
قوله: "ألم تر" الهمزة للاستفهام دخلت على النفي، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] , قوله: "إنِّي" بكسر الهمزة لمجيء اللام في الخبر وهو قوله لنسري؛ لأنه خبر إن، واسمه الضمير المتصل به.
قوله: "وابن أسود" بالنصب عطف على اسم إن، قوله: "إلى نارين" يتعلق بقوله لنسري، قوله: "يعلو": فعل مضارع من علا يعلو علوًّا، و"سناهما": كلام إضافي فاعل يعلو، والجملة صفة لنارين.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إنِّي" حيث جاءت إن فيه مكسورة يخطيء اللام في الخبر، ولولا اللام لفتحت؛ لأنها مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي ألم تر (١)، وأسقط الحجاج (٢) اللام في والعاديات حين سبقه لسانه إلى فتح الهمزة (٣)، وعن المازنِيّ أنَّه أجاز الفتح مطلقًا، وعن الفراء أنَّه أجاز بشرط طول الكلام، وأنه احتج بقراءة بعضهم (٤) في "والعاديات" بالفتح مع ثبوت اللام، وبقوله (٥):
١ - وأَعْلَمُ عِلْمًا لَيسَ بالظَّنِّ إنَّهُ … إذَا ذَلّ مَوْلَى الْمَرْءِ فهُوَ ذَلِيلُ
٢ - وإن لِسَانَ المرَء مَا لَمْ يَكُنْ … حَصَاة عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلُ
والحق تخريج ذلك على تقدير اللام زائدة.
стр. 696
الشاهد الرابع والستون بعد المائتين (١) , (٢)
وكُنْتُ أُرَى زَيْدًا كما قيل سَيِّدًا … إِذَا أَنَّهُ عَبدُ القَفَا واللهازمِ
أقول: ذكر سيبويه هذا البيت في كتابه ولم يعزه إلى أحد، وقال: سمعت رجلًا من العرب ينشد هذا البيت (٣).
وهو من الطَّويل.
قوله: "عبد القفا واللهازم": كناية عن الخسة والذلة، واللهازم: جمع لهزمة -بكسر اللام وهي طرف الحلقوم، ويقال: هي عظم ثَابت تحت الأذن، وقيل: هي مضغة تحت الأذن. والمعنى: كنت أظن زيدًا سيدًا كما قيل، فإذا هو ذليل خسيس عبد البطن، ويقال: ظن سيادته فلما نظر إلى قفاه ولهازمه تبين عبوديته ولؤمه، وخص هذين؛ لأن القفا موضع الصفع واللهازم موضع اللكز.
الإعراب:
قوله: "أرى" على صيغة المجهول بمعنى أظن يقتضي مفعولين: الأول قوله: "زيدًا" والثاني قوله: "سيدًا"، قوله: "كما قيل" معترض بين المفعولين، والكاف للتشبيه، وما مصدرية؛ أي: كقول النَّاس فيه ذلك، قوله: "إذا" للمفاجأة، قوله: "أنَّه" يجوز بالوجهين على ما يأتي الآن بيانه -إن شاء الله تعالى- والضمير المتصل اسم أن، وخبره قوله: "عبد القفا" وقوله: "اللهازم" عطف على القفا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إذا أنَّه" حيث جاز فيه الوجهان: أما الفتح فعلى تقديرها بالمفرد، والتقدير: فإذا عبوديته حاصلة؛ كما تقول: خرجت فإذا الأسد، وأما الكسر؛ فلأنها في ابتداء الجملة (٤).
стр. 697
الشاهد الخامس والستون بعد المائتين (١) , (٢)
فيا ليتَ الشبابَ يعودُ يَوْمًا … فَأُخْبِرُهُ بِمَا فَعَلَ الْمشَيبُ
أقول: قائله هو أبو العتاهية (٣)، واسمه إسماعيل بن القاسم بن سويد، وكنيته أبو إسحاق، وأبو العتاهية لقب غلب عليه لاضطراب كان فيه، وهو شاعر مكثر لا يحاط بشعره لكثرته، وكان يقول في الزهد ويتهم في دينه، وأول مدائحه في الهدي، وأول الشعر هو قوله:
١ - قريتُ من الشَّبابِ وكَانَ غَضًّا … كَمَا يَعرَى من الوَرَقِ القضيبُ
٢ - ونحتُ على الشبابِ بدَمْعِ عَيْنِي … فما أغَنَى البُكاءُ ولا النَّحيبُ (٤)
٣ - فيا ليت الشبابَ يَعُودُ يَوْمًا … فأُخبرَه بِمَا فَعلَ المشِيبُ
وهي من الوافر، المعنى ظاهر وهو معنى مليح.
الإعراب:
قوله: "فيا": حرف النداء في الأصل، ولكن في مثل هذا الموضع يكون لمجرد التنبيه؛ لأنها دخلت على ما لا يصلح للنداء، ومنهم من يقدر المنادى في مثل هذا الموضع محذوفًا تقديره: فيا قوم ونحوه، و"ليت" للتمني؛ وهو طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر.
وقوله: "الشباب": اسمه، و" يعود": جملة خبره، و"يومًا": نصب على الظرف، قوله: "فأخبرَه" بنصب الراء؛ لأنه جواب التمني [والتقدير] (٥) فأنْ أخبره؛ أي: أخبر الشباب بالذي فعله المشيب، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "بما" يتعلق بأخبره.
قوله: "فعل المشيب"؛ جملة من الفعل والفاعل صلة الموصول، وهو ما، والعائد محذوف تقديره: بما فعله المشيب.
стр. 698
الاستشهاد فيه:
على أن "ليت" بمعنى التمني لما فيه عسر وإحالة، وقد وقع في كثير من نسخ التوضيح الصحيحة في التمثيل بهذا نحو: ليت الشباب عائد، وهذا كلام نثر، وأما قوله:
فيا ليت الشباب يعود يومًا … ....................
فهذا بيت كما ذكرناه ووجدته هكذا في بعض النسخ فلذلك أثبته (١).
ومع هذا فالاستشهاد فيه من جهة المعنى من باب التمثيل لا من باب الاحتجاج؛ لأن أَبا العتاهية وأمثاله ممن هو في طبقته لا يحتج بهم فافهم (٢).
الشاهد السادس والستون بعد المائتين (٣) , (٤)
فَقُلْتُ عَسَاها نَارُ كَأسٍ وعلَّها … تَشَكَّى فَآتِي نَحْوَها فأَعُودُها
أقول: قائله هو صخر بن العود الحضْرَميّ (٥)، وهو من قصيدة هائية (٦)، وأولها قوله:
١ - تذكرتُ كَأْسًا إذْ سَمِعْتُ حمامةً … بَكَت في ذُرا نخْلٍ طِوَالٍ جَريدُها
٢ - دَعَتْ سَاقَ حُرٍّ فاستحببت لصوتِها … مُولَّهةٌ لم يَبْقَ إلَّا شَرِيدُها
٣ - فَيَا نَفْسُ صَبْرًا كُل أسْبَاب وَاصِلٍ … سَتُملى لها أسْبَابُ صَرْمٍ تُبيدُها
٤ - وَلَيلٍ بَدَت للعينِ نَارٌ كأنَّها … سَنَا كُوْكَبٍ لا يستبِينُ خُمودُها
٥ - فقلت عساها ............. … ................. إلى آخره
٦ - فتسمعُ قَوْلي قَبْلَ حَتْفٍ يُصِيبُنِي … تُسَرُّ بهِ أَوْ قَبْلَ حَتْفٍ يَصِيدُها
٧ - كَأَنْ لَم يكُنْ يَا كأسُ أَلْقَى مَوَدَّةً … إذا النَّاسُ والأيامُ ترعى عُهُودُها
стр. 699
وهي من الطَّويل.
١ - قوله: "تذكرت كأسًا" الكأس: اسم امرأة، و"الذُّرَى" بضم الذال المعجمة؛ جمع ذِرْوَةٍ، وذِرْوَةُ كل شيء: أعلاه.
٣ - "صِرْم" بكسر الصاد؛ وهو القطع.
٤ - و"السنى" مقصور وهو الضوء.
٥ - قوله: "تشكى" أصله: تتشكى؛ فحذفت إحدى التاءين؛ كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أصله: تتلظى.
الإعراب:
قوله: "فقلت" الفاء للعطف وقلت: فعل وفاعل، وقوله: "عساها نار كأس": مقول القول، وعسى ها هنا بمعنى لعل؛ فلذلك نصب الاسم ورفع الخبر؛ فالضمير المتصل به اسمها، والمعنى: عسى النار نار كأس، و"نار كأس": كلام إضافي خبرها، قوله: "وعلها" أصله: لعلها، وعل لغة في لعل، والضمير المتصل بها اسمها، وقوله: "تشكى": خبرها، قوله: "فآتي" فعل مضارع متكلم، وفيه أنا مستتر فاعله عطف على قوله: "تشكى" والفاء تصلح أن تكون للسببية، قوله: "نحوها" نصب على الظرف، قوله: "فأعودُها" جملة من الفعل والفاعل والمفعول عطف على الجملة التي قبلها، والضمير فيها وفي قوله: "نحوها"، و"عَلَّهَا" يرجع إلى الكأس، وهي اسم محبوبته كما ذكرنا.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "عساها" حيث جاء عسى فيه بمعنى لعل واسمها ضمير كما (١) ذكرنا (٢).
стр. 700
الشاهد السابع والستون بعد المائتين (١) , (٢)
وَلِي نَفْسٌ تُنَازِعُنِي إذَا مَا … أقُولَ لَهَا لَعَلِّي أَوْ عَسَانِي
أقول: قائله هو عمران بن حطان بن ظبيان بن لوذان بن عمرو بن الحرث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن مصعب بن عليّ بن بكر بن وائل (٣).
ويكنى أَبا شهاب، شاعر فصيح من شعراء الشراة ودعاتهم والمعرقين في مذهبهم فكان من القعدة؛ لأن عمره قد طال فضعف عن الحرب وحضورها، فاقتصر على الدعوة والتحريض بلسانه، وكان قبل أن يفتى بالشراية مشمرًا لطلب العلم والحديث، ثم بُلي بذلك المذهب فَضَلَّ وهَلَكَ.
وقد أدرك صدرًا من الصَّحَابَة -رضي الله تعالى عنهم- وروى عنهم، وروى عنه أصحاب الحديث، وكان أصله من البصرة فلما اشتهر بهذا المذهب طلبه الحجاج فهرب إلى الشَّام، فطلبه عبد الملك فهرب إلى عمان، وكان ينتقل إلى أن مات في تواريه، وكان من قعدة الخوارج، وكان تزوج امرأة من الخوارج فقيل له فيها فقال: أردها عن مذهبها فذهبت به وأضلته.
والبيت المذكور من الوافر، المعنى ظاهر.
الإعراب:
قوله: "نفس": مبتدأ، وخبره قوله: "لي" مقدمًا، قوله: "تنازعني": جملة من الفعل والفاعل والفعول وقعت صفة للنفس، قوله: "إذا": للظرف، و"ما": مصدرية، والمعنى: حين قولي لها لعلي أو عساني.
وقوله: "لعلي": مقول القول، أي: لعلي أنازعها، والمحذوف خبر لعل، وقوله: "أو عساني" عطف على لعلي، واسم عساني محذوف تقديره: عساني الحديث، وخبره مقدم على اسمه.
قال ابن عصفور: حذف اسم "عسى" لعلم الخاطب كما حذف اسم ليس كذلك في
стр. 701
قولهم: "ليس إلَّا" وجعل خبرها اسمًا على حد قولهم: عسى الغُوَير أبؤسًا. انتهى (١).
واختلفوا في جواز تقديم أخبار عسى وأخواتها (٢) على أسمائها:
فذهب السيرافي وأبو علي والمبرد إلى جواز ذلك واستدلوا بهذا البيت (٣).
وقال النحاس: قال سيبويه في قولهم: عساك: الكاف منصوبة، واستدل على ذلك بقولهم: عساني، ولو كانت الكاف مجرورة لقيل: عساي (٤).
الاستشهاد فيه:
في قوله: "عساني" فإن عسى فيه بمعنى لعل، وعسى إذا كان بمعنى لعل فالشرط فيه أن يكون اسمه ضميرًا؛ كما في البيت السابق أَيضًا كذلك (٥).
الشاهد الثامن والستون بعد المائتين (٦) , (٧)
لَتَقْعُدِنَّ مَقْعَد القَصِيّ … مِنِّيَ ذي القَاذُورةِ المَقْلِيّ
أَوْ تَحْلِفي بَربك العليِّ … أنِّي أَبُو ذَيّالِكِ الصَّبيِّ
أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج وبعدهما:
قد رَابَنِي بالنَّظَرِ الرَّكِيِّ … ومُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ الكُرْكِيّ
وقال ابن بري: هذا الرجز لبعض العرب وقدم من سفره فوجد امرأته قد ولدت غلامًا فأنكره فقال لها:
لتقعدن مقعد القصي … .................. إلى آخره
стр. 702
وقالت امرأته:
لَا وَالَّذي رَدَّكَ يَا صَفِيِّ … مَا مَسَّنِي بَعْدَكَ منْ إِنْسِيّ
غَيرَ غُلامٍ واحدٍ صَبِي … بَعدَ امرأين مِنْ بَنِي عَدِي
وآخَرِينَ مِنْ بَنِي بَليّ … وخَمْسَةٍ كَانُوا عَلَى الطَّويّ
وَسِتَّةٍ جَاءُوا مَعَ العَشِيّ … وغَير تُركِيّ وبَصْرويّ
ثم قام إليها زوجها ليضربها، فقيل له في ذلك، فقال متى تركتها عدت ربيعة ومضر.
وهي من الرجز المسدس.
قوله: "لتقعدن": مخاطب للمؤنث مؤكد بنون التأكيد، أصله: لتقعدين أيتها المرأة، فلما دخلت نون التأكيد سقطت نون الكلمة وحذفت الياء لالتقاء الساكنين وكسرت الدال لِتَدُلّ على الياء المحذوفة، قوله: "القصي" بفتح القاف وكسر الصاد وتشديد الياء؛ من قصى المكان يقصو قصوًا: بَعُد فهو قصيٌّ؛ أي: بعيد، قوله: "ذي القاذورة" بالقاف وضم الذال المعجمة وسكون الواو وفتح الراء، يقال: رجل قاذورة وذو قاذورة لا يخالل النَّاس لسوء خِلْقَتِه (١)، قوله: "المقلي" من قلاه يقليها قلى إذا أبغضه فهو مَقلِيّ؛ أي: مبغوض، والقِليّ بكسر القاف، فإن فتحت القاف مددته، قوله: "ذيالك": مصغر [ذلك كما أن مصغر] (٢) ذاك ذياك.
الإعراب:
قوله: "لتَقْعُدِنّ" اللام فيه للتأكيد، وفاعل تَقْعُدِنَّ أَنْتَ فيه مستتر (٣)، قوله: "مقعد القصي": كلام إضافي، وانتصابه إما على أنَّه مفعول مطلق على أن يكون المقعد بمعنى القعود أو على أنَّه، مفعول فيه بمعنى: في مقعد القصي، قوله: "مني" يتعلق بقوله: لتقعدن؛ كذا قيل وليس بشيء؛ بل هو يتعلق بالقصي تعلق المفعول بالفاعل.
قوله: "ذي القاذورة": صفة للقصي، و"المقلي" صفة أخرى، قوله: "أو تحلفي" كلمة أو: [ها هنا] (٤) بمعنى إلى، فإذا كانت أو بمعنى إلى ينتصب المضارع بعدها بإضمار أن؛ كما في قولك: لألزمنك أو تقضيني (٥) حقي وها هنا كذلك (٦).
стр. 703
والمعنى: لتقعدن مقعد القصي إلى أن تحلفي بالله العلي أني أبو ذلك الصبي.
قوله: "بربك": يتعلق بقوله تحلفي، و"العلي": صفة الرب، قوله: "أبِي": اسم أن الضمير المتصل به، وخبره قوله: "أبو ذيالك الصبي"، قوله: "ذيا": تصغير ذا؛ لأنه أطلقها على الصبي والسلام للبعد أو للتوكيد (١)، والكاف مكسورة لخطابه المرأة و"الصبي": صفة أو عطف بيان.
الاستشهاد فيه:
في قوله: "إنِّي" فإنَّه يجوز فيه الوجهان: الكسر لأنه جواب القسم، وهو الأجود والأكثر، والفتح على معنى: أو تحلفي بربك على أني أبو ذيالك الصبي، فلما أضمر الجار فتحت إن؛ كما لو تلفظ بالجار؛ كما في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] (٢).
الشاهد التاسع والستون بعد المائتين (٣) , (٤)
أَحَقًّا أنَّ جيرَتَنا اسْتَقَلُّوا … فَنِيّتُنا ونِيّتهُمْ فَرِيقُ
أقول: قائله هو رجل من عبد القيس، وقال محمَّد بن سلام الجمحي: هذا الشعر للمفضل ابن معشر البكري، وسمي مفضلًا لهذه القصيدة؛ فإنَّه فضل بها على غيره، وتسمى القصيدة المنصّفة، وأولها هو البيت المذكور، وبعده (٥).
٢ - فَدمْعِي لؤلؤٌ سَلِسٌ عُراهُ … يَخِرُّ على المهاوي ما يَلِيقُ
٣ - فودِّعْها وإنْ كانت أناةً … مُبَتَّلَةً لها خَلْقٌ أَنِيقُ
وقال صاحب الحماسة البصرية: قال عامر بن أسحم بن عدي الكندي شاعر جاهلي:
١ - ألَمْ تر أَنَّ جيرتنَا استقلُّوا … فنيَّتنا ونيَّتهُمْ فَرِيقُ
стр. 704
٢ - تَلاقَينَا بِسَبسَبٍ ذي طَرِيفٍ … وبعضُهمْ على بَعضٍ حَنِيقُ
٣ - فجاءوا عارضًا بُرْدًا وجئنا … كمثلِ السَّيلِ أنَّ به الطَّرِيقُ
٤ - كَأنَّ النَّبْلَ بَينَهُمْ جَرَادٌ … تُصفقه شآمية خريقُ
٥ - كَأن هَزِيزَنَا لمَّا الْتَقَينَا … هَزيزُ أبَاءَةٍ فيهَا حَرِيقُ
٦ - بكُل قَرَارَةٍ مِنَّا ومِنهُمُ … بَنَانُ فَتًى وجُمْجُمَةٌ فَلِيقُ
٧ - فكَمْ مِنْ سَيِّدٍ فِينَا وفِيهِمْ … بذي الطرفَاء منْطِقُهُ شَهِيقُ
٨ - فأشبعْنَا السِّبَاعَ وأشْبَعُونَا … فرَاحَتْ كُلُّهَا تَيقٌ يَعُوقُ
٩ - وأبكينا نسَاءَهُمْ وأبْكَوْا … نِسَاءً مَا يَجِفُّ لَهُنَّ مُوقُ
١٠ - يجاوبن النباح بكل فَخْرٍ … وقد بُحَّتْ من النَّوْحِ الحلوقُ
١١ - تركنا الأبيض الوضَّاح فيهم … كأن سَوَادَ لِمتَّهِ العُذُوقُ
١٢ - تعاوره رماح بني لَكيز … فَخَرَّ كأنَّه سَيْفٌ ذَلِيقُ
١٣ - وقد قَتَلُوا بِهِ مِنَّا غُلامًا … كَرِيمًا لَم تَأَشبهُ العُرُوقُ
١٤ - فلما استَيقَنُوا بالصَّبرِ منا … تَذَكَّرَتِ الأيَاصِرُ والحقوقُ
١٥ - فأبقينا ولو شئنا تركنا … لجيمًا لا نَقُود ولا نَسُوقُ
وهي من الوافر وفيه العصب والقطف.
١ - قوله: "جيرتنا" بكسر الجيم، جمع جار، قوله: "استقلوا" أي: نهضوا مرتحلين مرتفعين من قولهم: استقل القوم إذا مضوا وارتحلوا، قوله: "فَنِيَّتُنَا" أراد بالنية الوجه الذي يقصده السافر من قرب أو بعد، قوله: "فريق" معناه: مُفْتَرِقَةٌ (١)، وقال الأعلم في شرح هذا البيت: الفريق يقع للواحد المذكر وغيره؛ كصديق وعدو، ومعناه ها هنا ما ذكرناه يصف الشَّاعر افتراقهم عند انقضاء المرتبع ورجوعهم إلى محاضرهم (٢).
٢ - قوله: "عراه" أي: خروقه، قوله: "يخر" أي: يسقط، و"المهاوي": ما بين العين إلى الصدر، مفرده مهواة، قوله: [ما يليق] (٣) أي: ما يَثْبُتُ ولا يستمسك.
٣ - و"الأنَاة" بفتح الهمزة والنون؛ وهي من النساء التي فيها فتور عند القيام وتأن، قوله: "مُبتَّلة" بضم الميم وفتح الباء الموحدة وتشديد التاء المثناة من فوق وفتح اللام، يقال: امرأة مبتَّلة
стр. 705
أي: تامة الخلق لم يركب لحمها بعضه بعضًا ولا يوصف به الرَّجل، قوله: "أنيق" أي: حسن معجب.
٢ - قوله: "بسبسب" أي: مفازة (١)، و"الطريف" بالفاء؛ النصي إذا ابيض، و"النَّصيّ" بفتح النُّون وكسر الصاد المهملة؛ نوع من النبت، قوله: "حَنِيقَ" فعيل من الحنق وهو الغيظ.
٣ - و"العارض": الجبل، قال أبو عبيدة: وبه سمي عارض اليمامة، والعارض: السحاب المعترض في الأفق، قوله: "أن به الطريق" من الأنين، فكأنه أنَّ من كثرة السيل كأنين المريض من كثرة الوجع.
٤ - [قوله] (٢) "كأنَّ النَّبلَ بَينَهُمْ جَرَادٌ" شبه السهام بالجراد في كثرتها وغَشيَانها الهواء، قوله: "تصفِّقُه" بتشديد الفاء؛ أي: تحوله، وأصله من تصفيق الشراب وهو تحويله من إناء إلى إناء، قوله: "شآمية" أراد بها الريح التيِ تأتي من ناحية الشَّام، و"الخريق" بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء؛ وهي الريح الباردة الشديدة الكثيرة الهبوب.
٥ - قوله: "كَأَنَّ هَزِيزَنَا" أي: تحركنا، من هز الحادي الإبلِ (٣) هزيزًا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه، و"الأباءة" بفتح الهمزة والباء الموَحدة؛ القصب.
٦ - قوله: "بكل قرارة" أي: في كل قرارة، وهي القاع المستدير، وهي بفتح القاف والراء المخففة وبعد الألف راء أخرى، و"الجُمْجُمَةُ" بالضم؛ عظم الرأس المشتمل على الدماغ، و"الفليق" فعيل؛ من الفلق وهو الشق، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.
٧ - و"ذو الطرفاء" موضع.
٨ - قوله: "تِيق" بكسر التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف، قال الأُموي (٤): التيق: السريع إلى الشر، وقال الأصمعيّ: هو الحديد (٥).
٩ - و"الموق" بضم الميم وسكون الهمزة في الأصل وها هنا أبدلت واوًا، وموق العين: طرفها مما يلي الأنف، و"اللحاظ": طرفها مما يلي الأذن، والجمع آماق.
١٠ - قوله: "بُحَّت": من البُحَّة، يقال: في صوته بُحّة إذا انقطع من كثرة العياط والبكاء.