← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قوله: "تعز" أي: تسل وتصبر؛ من العزاء وهو الصبر قوله: "إلفين" بكسر الهمزة؛ تثنية إلف وهو الأليف من الألفة، يقال: إلف وأليف؛ كخل وخليل وشبه وشبيه. قوله: "لوراد المنون" أي: الموت، والوُرَّاد: بضم الواو وتشديد الراء؛ جمع وارد؛ كقوام جمع قائم، وصوام جمع صائم. والمعنى: أنه لا يبقى أحد بعد من مضى ولكن يتبَع بعضهم بعضًا. الإعراب: قوله: "تعز": فعل وفاعل وهو أنت المستتر فيه، قوله: "فلا إلفين" الفاء للتعليل وكلمة لا نافية، و"إلفين": اسمه، وخبره قوله: "متعا"، والباء في "بالعيش" يتعلق بقوله: "متعا"، قوله: "ولكن" استدراك، وبطل عملها لأجل سكون نونها، قوله: "تتابع": مبتدأ، وخبره قوله: "لوراد المنون" مقدمًا. الاستشهاد فيه: في قوله: "إلفين" حيث جاء بالياء والنون في حالة النصب؛ كما تقول: لا غلامين قائمان، ولا كاتبين في الدار (١). الشاهد الحادي عشر بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) يُحْشر الناس لا بنين ولا آ … باء إلا وقد عنتهم شئون أقول: هذا من الخفيف. قوله: "ولا آباء": جمع أب، وقد وقع في أمر النسخ: "ولا أبناء" جمع ابن وهو تحريف وتكرار لقوله: "لا بنين"، قوله: "وقد عنتهم" أي: أهمتهم، ومنه الحديث (٤): "من حسن إسلام المرء تركه

стр. 772

ما لا يعنيه"، وقرأ ابن محيصن (١) والزهري (٢): (لكل امرئ منهم يومئذ شأن يُغْنيَه) [عبس: ٣٧] بفتح الياء وبالعين المهملة (٣)، ووقع في بعض النسخ: قد علتهم، من العلو، وهو -أيضًا- تحريف، و" الشئون ": جمع شأن وهو الخطب والأمر والحال، والبيت مأخوذ من معنى القراءة المذكورة، وأما قراءة الجماعة فمعناها: يغنيه عن النظر في شأن غيره. الإعراب: قوله: "يُحْشَرُ" على صيغة المجهول، و"الناس": مفعوله، وقد ناب عن الفاعل. والمعنى: يحشر الله الناس؛ أي: يجمعهم يوم القيامة للعدل والفضل، وحذف الفاعل للضرورة مع شهرته وتعينه لذلك. قوله: "لا بنين": حال ولم يحتج إلى الواو؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١] "ولا": لنفي الجنس، قوله: "بنين": اسمه، وخبره محذوف؛ أي: لا بنين حاصلون [أو موجودون] (٤) قوله: "ولا آباء": عطف عليه؛ أي: ولا آباء حاصلون، قوله: "إلا": استثناء مفرغ، والمستثنى حال، والحالان متداخلان لا مترادفان، ويقال: إلا زائدة، "وقد عنتهم شئون": جملة حالية، ويقال: الواو زائدة لتأكيد الصفة، بالموصوف؛ لأن قوله: "عنتهم شئون": صفة للناس، وقد قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فقال: ولها كتاب: جملة واقعة صفة لقرية، وتوسط الواو لتوكيد الصفة بالموصوف؛ كما في الحال (٥)، وبهذا يُرَدُّ على ابن مالك؛ حيث قال: "إلا" لا تَقَع بين موصوف وصفته، لأنهما كشيء واحد (٦).

стр. 773

الاستشهاد فيه: في قوله: "لا بنين" حيث بني على الياء لكونه مجموعًا على حد مثناه، وذلك كما بينى في جمع التكسير على الفتح (١). الشاهد الثاني عشر بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) وما هَجّرتُكِ حتى قُلتِ مُعْلنَةً … لا ناقةٌ لي منْ هَذَا ولَا جَملُ أقول: قائله هو الراعي عبيد بن حُصَين، وهو من قصيدة لامية، وأولها هو قوله: ١ - قَالتْ سُلَيمَى أتَثْوي أنتَ أَمَّ تَغلُ … وقد ينسِّيك بعضَ الحاجةِ الكسلُ ٢ - فقلتُ ما أَنَا ممن لا يُوافقُني … ولا ثوائيَ إلَّا ريثَ ارتحلُ ٣ - أَمّلْتُ خَيَرك هَلْ تَأْتي مَواعدُهُ … واليومَ قصّرَ عن تلقائك الأملُ ٤ - وما هجرتك حَتّى ........... … ....................... إلى آخره وهي من البسيط. ١ - قوله: "أتثوي" أي: أتقيم؛ من الثواء وهو الإقامة، قوله: "أم تغل": من وغل في السير وأوغل إذا جد فيه، وأصل تغل: توغل؛ كتعد أصله: توعد، فحذفت الواو تبعًا لحذفها في يعد بالياء آخر الحروف لوقوعها بين الياء والكسرة (٤). ٢ - ومعنى البيت الثاني: من لا يوافقني فليس مني ولا أنا منه، وليس ثوائي عنده إلا قدر ما أرتحل عنه. ٣ - قوله: "عن تلقائك" التلقاء -بكسر التاء المثناة من فوق: مصدر بمعنى اللقاء، وكل مصدر هكذا فهو مفتوح التاء؛ كالتحوال والتطواف، إلا التِلقاء والتبيان، وأما التلقاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٧] فظرف لا مصدر. ٤ - قوله: "وما هجرتك": من الهجران، ويروى: وما صرمتك؛ أي: وما قطعت حبل وُدِّكَ

стр. 774

حتى تبرأتِ مني معلنة بذلك، قوله: "لا ناقة لي .... إلى آخره": قول المرأة، ولكنه مثل ضربه لبراءتها منه، وهو مثل مشهور في هذا المعنى (١). الإعراب: قوله: "وما هجرتك" الواو للعطف و"ما" للنفي، و"هجرتك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "حتى قلت معلنة" حتى للغاية، و"قلت" جملة في محل الرفع لأنه مسبب عما قبله (٢)؛ وذلك لأن قولها: "لا ناقة لي في هذا ولا جمل" سبب للهجران، وقوله: "معلنة": نصب على الحال من الضمير الذي في قلت، قوله: "لا ناقة لي إلى آخره": مقول القول، قوله: "ناقة": مرفوع لأنه اسم لا التي بمعنى ليس، وقوله: "في هذا": خبره وقوله: "لي": جار ومجرور في محل الرفع لأنه صفة لناقة. قوله: "ولا جمل" فيه حذف، والتقدير: ولا جمل لي في هذا، وموضع الخبر نصب أو رفع على تقديره لا عاملة عمل ليس أو ملغاة لتكرارها، وكون الرفع في النكرة بالابتداء أقيس من كونه بلا؛ لأن الكلام جواب لمن قال: ألك ناقة فيه أو جمل؟ والرفع في ذلك على الابتداء والخبر واجب، والأصل: تناسب الجواب والمجاب. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا ناقة لي ولا جمل" وذلك أن لا لما كررت أعملت عمل ليس؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] في قراءة غير (٣) ابن كثير (٤)، وأبي عمرو (٥)

стр. 775

الشاهد الثالث عشر بعد الثلاثمائة (١) , (٢) هَذَا وَجدّكم الصَّغَارُ بِعَينهِ … لَا أُمَّ لِي إنْ كَانَ ذَاكَ وَلَا أَبُ أقول: قائله هو رجل من مذحج؛ كذا قاله سيبويه في كتابه (٣)، وذكر أبو رياش أن قائله: هو همام بنُ مرة أخو جساس بن مرة قاتل كليب، وزعم ابن الأعرابي أنه لرجل من بني عبد مناف [مات] (٤) قبل الإِسلام بخمسمائة عام. وقال الحاتمي (٥): هو لابن أحمر (٦)، وقال الأصفهاني: هو لضمرة بن ضمرة (٧)، ويشكل عليه نداؤه ضمرة في أول بيت من القصيدة كما يأتي الآن، وقال بعضهم: إنه من الشعر القديم جدًّا، وكان لقائل هذا الشعر أخ يسمى جُنْدُبا، وكان أبواه وأهله يؤثرونه عليه ويفضلونه فأنف من ذلك، وقال هذا، وهو من قصيدة بائية، وأولها هو قوله (٨): ١ - يا ضَمْرَ أخبرنِي ولسْتَ بكاذِبٍ … وأخُوك نَافِعُك الذي لا يَكْذِبُ ٢ - أمِنَ السوية أَنْ إِذَا استغنيتُمُ … وأمِنْتُمُ فأنا البعيدُ الأخيب ٣ - وإذا الشدائدُ بالشدائِد مَرة … أشْجَتكُمُ فأنا الحبيبُ الأقربُ ٤ - ولجندُبٍ سَهلُ البِلَادِ وعذْبُهَا … وَلِي الملاحُ وحَزْنُهُنّ المجدِبُ ٥ - وإذا تكونُ كريهةٌ أدْعَى لها … وإذَا يُحاسُ الحيسُ يُدْعَى جُنْدُبُ ٦ - هذا وجدكم .............. … ..................... إلى آخره ٧ - عَجَبًا لتلْكَ قضيةٌ وإقَامتِي … فِيكُم عَلى تلك القضيّةِ أَعْجَبُ وهي من الكامل.

стр. 776

١ - قوله: "يا ضمر" أراد: يا ضمرة فرخم، قوله: "ولست بكاذب" ويروى: فلست بصادق، وكلتا الروايتين في الذيل. ٢ - قوله: "أمن السوية أن إذا استغنيتم"، ويروى: أمن السوية أن إذا أخصبتم، وكذا روى الرياشي. ٣ - قوله: "أشجتكم": من أشجاه يشجيه إشجاءً إذا غصه. ٤ - قوله: "ولجندب سهل البلاد وعذبها" وعمروى: ولما لكم أنف البلاد ورعيها، وأراد بالمال ها هنا: الإبل، والأنف: ما لم يرع من النبت، ولا الرعي": المرعى. قوله: "ولي المُلَّاح" بضم الميم وتشديد اللام، وهو نبات الحمض، ولكنه بالتخفيف هاهنا للضرورة، وقيل: لا ضرورة فيه؛ لأن التخفيف أيضًا لغة، "و "الحزن": ما حزن من الأرض وفيها غلاظة، و"المجدب": ما أجدب؛ من الجدب وهو نقيض الخصب، ويروى الشطر الثاني: .......................... … ولنا الثماد ورعيهن المجدب. و"الثماد": جمع ثمد وهو القليل. ٥ - قوله: "وإذا يحاس" الحيس بفتح الحاء المهملة وسكون الياء [آخر] (١) الحروف، وفي آخره سين مهملة، وهو تمر يخلط بسمن وأقط ثم يدلك حتى يختلط. ٦ - قوله: "هذا" إشارة إلى ما ذكر من قوله: "وإذا تكون كريهة إلى آخره" يعني: إذا كانت شدة دعوني لعلمهم أني أغنى عنهم، وإذا كان رخاء دعوا جندبًا فهذا عين الهوان؛ فإن رضيت به فليس لي أم ولا أب معروفان؛ بل أنا حينئذ لقيط. قوله: "وجدّكم" ويروى: لعمركم، وهكذا هو في نسخة ابن الناظم (٢)، وهو بفتح العين، يستعمل في القسم من عمِر الرجل -بكسر الميم يعمر عَمرًا أو عُمرًا -بفتح العين وضمها على غير قياس؛ لأن قياس مصدره التحريك؛ أي: عاش زمانًا طويلًا, ولا يستعمل في القسم إلا مفتوح العين، والسلام فيه للتأكيد، قوله: "وجدكم" الواو للقسم والمعنى: وحق حظكم وبختِكم (٣) وسعدكم، والصغار بفتح الصاد بمعنى الذل والهوان. الإعراب: قوله: "هذا": مبتدأ، وقوله: "الصغار": خبره، قوله: "وجدكم": كلام إضافي معترض بين

стр. 777

المبتدأ والخبر، وكذا قوله: "لعمركم"، وهو مبتدأ، وخبره محذوف وجوبًا؛ أي: لعمركم قسمي أو يميني، واللام فيه لام الابتداء للتأكيد، فهذا إنما يرفع عند وجود اللام، وإذا لم تكن اللام ينصب نصب المصادر، تقول: عَمرَ الله ما فعلت كذا، وعمرَك الله ما فعلت كذا، قوله: "بعينه": تأكيد للصغار، والباء فيه زائدة، ويقال: إن قوله "بعينه": في موضع الحال؛ أي: هذا الصغار حقًّا. قوله: "لا أم لي" كلمة لا نافية، و"أم": اسمها، و"لي": خبرها، و"في الحقيقة الخبر محذوف تقديره: لا أم موجودة لي، قوله: "إن كان ذاك " إن للشرط، وكان تامة فعل الشرط، وذاك: فاعله، وهو إشارة إلى الأمر الذي استجلب له الصغار، وقال ابن يسعون: تقديره: إن كان رضا ذاك أو احتمال ذاك، لا بد من تقدير نحو هذا المضاف ليصح المعنى؛ لأنه إنما اشترط أنه لا يرضى بذلك الخسف الذي يرام منه، واعترض بهذا الشرط بين المعطوف والمعطوف عليه، وهو كثير، وحذف جواب الشرط لدلالة الجمل عليه وإغنائها عنه كثير -أيضًا-. قوله: "ولا أب": عطف على محل اسم لا المتقدمة، وفيه الاستشهاد. [الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا أب"] (١)؛ حيث جاء مرفوعًا على جعل لا بمعنى ليس، ويكون معطوفًا على محل اسم لا في قوله: "لا أم لي" لأن المحل مرفوع، فافهم (٢). الشاهد الرابع عشر بعد الثلاثمائة (٣) , (٤) بِأَيِّ بَلَاء يَا نُمَيْرَ بنَ عَامِرٍ … وَأَنْتُم ذُنَابَى لَا يَدَيْنِ وَلَا صَدْرُ أقول: قائله هو جرير بن عطية الخطفي، وهو من الطويل، من قصيدة يهجو بها جرير نميرَ بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ونمير أبو قبيلة من قيس وهو قيس غيلان،

стр. 778

وهذا يقول الآخر في بني نمير (١): فغُضّ الطرفَ إِنكَ مِنْ نُمَيرٍ … فلَا كَعْبًا بَلَغتَ ولَا كِلَابَا ولو وُزِنَتْ حُلُومُ بني نميرٍ … على المِيزَان مَا وَزنتْ ذُبَابَا قوله: "ذنابى" بضم الذال المعجمة وتخفيف النون وبعد الألف جاء موحدة، وهو ذنب الطائر، وهو أكثر من الذنب، وفي جناح الطائر أربع ذنابى بعد الخوافي، والذنابي الأتباع -أيضًا- وقال الفراء: الذنابى: شبه المخاط يقع من أنوف الإبل (٢). الإعراب: قوله: "بأي بلاء" الباء يتعلق بمحذوف، و"أي" للاستفهام، والتقدير: بأي مصيبة تفخرون على الناس يا نمير بن عامر؟ أو بأي مصيبة تتقدمون على الناس، والحال أنتم كذا وكذا؟ ولفظة البلاء تستعمل في الخير والشر، قال الجوهري: النبلاء: الاختبارُ يكون بالخير والشر، يقال: أبلاهُ الله بلاءً حسنًا وأبلَيتهُ معروفًا (٣)، وقال الأحمر: (٤) يقال: نَزَلَتْ بَلاء عَلَى الكفارِ مثل: قطامِ. يحكيه عن العرب (٥).، أي: نزلت عليهم مصيبة. قوله: "يا": حرف نداء، و"نمير بن عامر": منادى مبني على الفتح، والابن بُني -أيضًا- على الفتح؛ وذلك لأن الابن الموصوف به المنادى المفرد المعرفة إذا وقع بين علمين كان حقه أن يبنى على الفتح؛ لأنهما بمنزلة شيء واحد كحضرموت؛ وذلك لأن الابن لا ينفك عن الأب كما أنه لا ينفك عن الابن فكانت صفة لازمة له، والصفة والموصوف من حيث المعنى بمنزلة شيء واحد، وإذا تنزلا بمنزلة شيء واحد أتبعت حركة المنادى حركة الابن ولم يعكس؛ لأن الحركة التي استحقها الابن حالة الانفراد كانت إعرابية وهي النصب لكونه مضافًا، وحركة المنادى الضم وهي بنائية، واتباع البنائية أولى لكون الإعرابية أقوى، قوله: "وأنتم": مبتدأ، و"ذنابى": خبره، والجملة حالية، قوله: "لا يدين" كلمة لا للنفي، ويدين اسمها مبني، وخبرها محذوف.

стр. 779

الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا صدر" برفع الراء عطفًا على محل لا مع المنفي، وقد علم أن في موضع تكرير لا مع المفرد يجوز خمسة أوجه: الأول: فتحهما وهو الأصل. - والثاني: رفعهما. والثالث: فتح الأول [ورفع الثاني كما في البيت المذكور. والرابع: عكس الثالث. والخامس: فتح الأول] (١)، ونصب الثاني (٢). الشاهد الخامس عشر بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) فلَا لَغْوٌ وَلَا تَأْثِيمٌ فِيهَا … وَمَا فَاهُوا بِه أَبَدًا مُقِيمُ أقول: قائله هو أمية بن أبي الصلت، وهو من قصيدة يذكر فيها أوصاف الجنة وأهلها وأحوال يوم القيامة وأهلها، وأولها هو قوله (٥): ١ - سَلامَكَ رَبنَا في كُل فَجْرٍ … بَرِيئًا ما تَليقُ بكَ الذمُومُ ٢ - عِبَادُكَ يُخطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ … بكفيكَ المنَايَا والحُتُومُ ٣ - غَدَاةَ يقُولُ بعضُهُم لبَعْضٍ … ألا يَا لَيتَ أمَّكُمْ عَقيمُ ٤ - فَلا تَدنُو جَهَنمُ مِنْ بَريءٍ … ولَا عَدَن يَحُل بِهَا الأثِيمُ ٥ - ونَخْلٌ سَاقطِ القنْوانِ فيهِ … خِلال أُصُولهِ رَطْبٌ قَمِيمُ ٦ - وتُفاحٌ ورُمَّان وتِينٌ … ومَاءٌ بَاردٌ عَذبٌ سَلِيمُ

стр. 780

٧ - وحُورٌ لا يَرَيْنَ الشمْسَ فِيهَا … عَلَى صُورِ الدُّمَى فِيهَا سُهُومُ ٨ - نَواعِمُ فيِ الأرَائكِ قاصِرَاتٌ … فَهُنَّ عَقَائِل وهُمُ قُرُومُ ٩ - عَلَى سُرُرٍ تُرَى مُتَقَابِلاتٍ … ألَا ثمّ النَّضَارَةُ والنَّعيمُ ١٠ - عليهم سُنْدُسٌ وحِبَاطُ رَيْطٍ … ودِيبَابجٌ يُرَى فِيهِمْ قُتُومُ ١١ - وتحتهمُ نَمَارِقُ مِنْ دِمَقْدسٍ … ولا أَحَدَ يُرَى فِيهَا سَئِيمُ ١٢ - ولا لَغْو ولا تأثِيم فيها … ولا حِينٌ ولا فيها مُلِيمُ ١٣ - وفيها لحمُ سَاهِرَة وبَحْرٍ … وما فَاهُوا بِهِ لهُمُ مُقيمُ وهي من الوافر وفيه العصب والقطف. ١ - قوله: "سلامك" بالنصب؛ أي: سلمت يا ربنا، قوله: "بريئًا": حال مؤكدة لعاملها، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ [القصص: ٣١]، قوله: "ما تليق بك الذموم" وهو جمع ذم، وأنشده النحويون: "ما تَغَنَّثُكَ [الذموم] " (١) على ما يأتي في الكتاب بفتح التاء المثناة من فوق والغين المعجمة والنون المشددة والثاء المثلثة، أي: ما يلتصق بك، وأصله: ما تتغنثك فحذفت التاء الثانية. ٢ - قوله: "المنايا": جمع منية وهو الموت، و "الحتوم": جمع حتم وهو القضاء. ٤ - قوله: "ولا عدن" أراد به جنة عدن. ٥ - قوله: "القنوان" بكسر القاف؛ جمع قنو وهو العذق، ويجمع على أقناء -أيضًا-، قوله: "قميم" بفتح القاف وكسر اليم، ومعناه المجموع المكبوس. ٧ - قوله: "سهوم" بضم السين المهملة، وهو الضمور وقلة لحم الوجه. ٨ - و "الأرائك" السرر عليها الحجال، و "العقائل": الخيار، جمع عقيلة، و "القروم" بضم القاف؛ جمع قرم وهو الفحل. ١٠ - و "الريط" بفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف؛ جمع ريطة، وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقتين، قوله: "قتوم" بضم القاف والتاء المثناة من فوق؛ من القتمة بالضم، وهو لون فيه غبرة وحمرة. ١١ - و"النمارق": جمع نمرقة -بضم النون وهي الوسادة الصغيرة، وحكى يعقوب كسر

стр. 781

النون، و "الدمقس" بكسر الدال وفتح الميم وسكون القاف وفي آخره سين مهملة، وهو الإبريسم، قوله: "سئيم" بفتح السين المهملة وكسر الهمزة، وهو من السآمة وهي الملالة. ١٢ - قوله: "ولا لغو" وهو القول الباطل، و"التأثيم": من أثمته إذا قلت له: أثمت. [والمعنى: ليس في الجنة قول باطل ولا شيء فيه إثم حتى يقال لفاعله قد أثمت] (١)، وقال ابن سيده: يجوز أن يكون التأثيم مصدر أثم، ولم أسمع به، ويجوز أن يكون اسمًا كما ذهب إليه سيبويه في التثبيت والتتمين، ثم قال: وقال أمية بن أبي الصلت: فلا لغو .............. … ..................... إلى آخره قوله: " ولا فيها مليم "أي آتٍ ما يلام عليه. ١٣ - قوله: "وفيها لحم ساهرة" أي: وفي الجنة لحم ساهرة، و "بحر" أي: لحم بر وبحر، و "الساهرة": أرض يحددها الله تعالى يوم القيامة، وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤]؛ أي: وجه الأرض، ثم أنشدوا هذا البيت، ومن الغريب قول قتادة (٢): الساهرة جهنم؛ لأنها لا نوم فيها (٣)، ويروى: وفيها لحم ساهرة وطير. والبيتان الأخيران كما تراهما مثبتان في ديوان أمية، وهكذا رواهما أهل اللغة والشعراء وأهل التفسير -أيضًا-، وأما النحويون فإنهم حرفوهما وركبوا صدر بيت على عجز آخر (٤). الإعراب: قوله: "فلا لغو" الفاء للعطف، والأصح: ولا لغو بالواو، وكلمة: "لا" لنفي الجنس، ولكنها ألغيت وأعملت عمل ليس، وقوله: "لغو" بالرفع اسمه، وخبره قوله: "فيها"، ومذهب سيبويه أن "فيها" خبر للغو، ولقوله: "ولا تأثيم"؛ لأن العامل عنده في خبر "لا" هو الابتداء (٥)، ومن جعل "لا" عاملة في الخبر أضمر خبر أحدهما لئلا يلزم من جعله خبرًا لهما، أعني: فيها إعمال عاملين أحدهما معنوي، والآخر لفظي في شيء واحد (٦).

стр. 782

وقال الزركشي (١) في شرح مقدمة ابن الحاجب (٢)، وفيها في قوله: "لا لغو ولا تأثيم" خبر لهما عند سيبويه ولأحدهما عند غيره، والآخر محذوف، قوله: "ولا تأثيم" مبني على الفتح، وإنما لم يجز نصبه بعد رفع الأول؛ لأن لا النافية إن أعملتها إعمال إن وجب في الاسم بعدها البناء على الفتح؛ لأنه مفرد، وإن لم تعملها وجب رفعه لعدم نصب المعطوف عليه لفظا ومحلًّا، قوله: "وما": مبتدأ موصول، و "فاهوا به": جملة صلته، وقوله: "أبدًا": نصب على الظرف، وقوله: "مقيم": خبر المبتدأ. الاستشهاد فيه: في قوله: "فلا لغو ولا تأثيم فيها" حيث ألغيت لا الأولى ورفع الاسم بعدها وجاء في الثاني وهو قوله: "ولا تأثيم" الفتح على إعمال لا الثانية؛ كما بيناه. الشاهد السادس عشر بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) لَا نَسَبَ اليَومَ ولَا خُلَّةً … اتّسَعَ الخِرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ أقول: قائله هو أنس بن عباس بن مرداس السلمي، ويقال: قائله أبو عامر جد العباس بن مرداس، وبعده: كالثوْبِ إِذَا أَنْهَجَ فِيهِ البلَى … أَعْيَا عَلَى ذِي الحِيلَةِ الصّانِعِ وروى أبو علي القالي (٥): ........................ … اتسعَ الفَتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ

стр. 783

وقيل: هو الصواب؛ لأن قبله هو قوله (١): لَا صُلْحَ بَيني فَاعْلَمُوهُ ولَا … بَينَكُمُ ما حَمَلَتْ عَاتقِي سَيفي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الوَادِ بالشَّاهقِ قلت: كلتا القافيتين مرويتان، ثم يحتمل أن يكون قائلهما واحدًا أو اثنين، ويكون الشطر الأول وهو قوله: "لا نسب اليوم ولا خلة" صادرًا منهما على توارد الخاطر أو على السرقة الشعرية وهي من السريع (٢)، قوله: "ولا خلة" بضم الخاء، أي: ولا صداقة، قوله؛ "على الراقع" من رقع الثوب إذا أصلح الموضع المتخرق منه، قوله: "أنهج فيه البلى" يقال: أنهج الثوب إذا أخذ في البلى بكسر الباء من بلى الثوب يبلى إذا أخلق، قوله: "أعيا" من أعيا على الرجل أمره إذا صعب واشتد، قوله: "عاتقي" العاتق: موضع الرداء من المنكب، وإنما قال: حملت عاتقي بالتأنيث، لأن العاتق يؤنث ويذكر، وإن كان الأفصح تذكيره، وفيه التضمين وهو من عيوب الشعر (٣)، وذلك لأن قوله: "سيفي" معمول لقوله: "حملت"، قوله: "قرقر" أي: صوت، يقال: قرقرت الحمامة قرقرة وقرقيرًا، قوله: "قمر الوادي" بضم القاف وسكون الميم وفي آخره راء، وهو إما جمع أقمر مثل: أحمر وحمر، وإما أن يكون جمع قُمْيري مثل: رومي وروم، وزنجي وزنج، وهكذا قال الجوهري، ثم أنشد البيتين المذكورين أعني: "لا صلح بيني فاعلموه … إلى آخره" ونسبهما إلى أبي عامر جد العباس بن مرداس كما ذكرنا (٤)، قوله: "بالشاهق" وهو الجبل المرتفع، والباء تصلح أن تكون ظرفًا بمعنى في، وتصلح أن تكون بمعنى على؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي: على قنطار. وأصل هذا الشعر أن النعمان بن المنذر بعث جيشًا إلى بني سليم فهزمته بنو سليم فمر الجيش على غطفان فاستجاشوا؛ أي: طلبوا الجيش علي بني سليم بالرحم التي كانت بينهم، فقال الشاعر وهو من بني سليم الشعر المذكور، يقول: لا نسب ولا قرابة [اليوم] (٥) بيننا، وقد تفاقم الأمر بحيث لا يرجى خلاصه، فهو كالخرق الواسع في الثوب لا يقبل رقع الراقع أو كفتق واسع لا يقدر أحد أن يرتقه.

стр. 784

الإعراب: قوله: "لا نسب اليوم" كلمة لا لنفي الجنس، "ونسب": اسمها مبني على الفتح، و "اليوم": ظرف في محل خبرها أو الخبر محذوف، والتقدير: لا نسب اليوم بيننا، قوله: "اتسع الحرق": جملة من الفعل والفاعل وقوله: "على الرائق" يتعلق به في محل النصب على المفعولية. الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا خلة" حيث نصب على تقدير أن تكون لا زائدة للتأكيد، ويكون خلة عطفًا على محل اسم لا التي قبلها تنزيلًا لحركة البناء العارضة بسبب داخل دخل منزلة حركة الإعراب، ومثله: يا زيد الفاضلُ برفع الصفة (١). وقال ابن مالك: هو عطف على محل اسم لا بعد دخولها؛ فإن له محلين: محلًّا قبل دخولها وهو الرفع بالابتداء، ومحلًّا بعد دخولها وهو النصب بلا؛ فإنها عاملة عمل إن (٢). وقال يونس في خلة: انه مبني، ولكنه نونه للضرورة (٣)، واستشهد به الزمخشري في أن: "لا خلة" منصوب بفعل مقدر لا أنه اسم لا فافهم (٤). الشاهد السابع عشر بعد الثلاثمائة (٥)، (٦) فَلَا أَبَ وَابْنًا مِثْلَ مَرْوَانَ وَابْنِهِ … إِذَا هُوَ بِالمجدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا أقول: قائله هو رجل من بني عبد مناة بن كنانة فيما زعمه أبو عبيد البكري، وأنشده سيبويه في كتابه ولم يعزه إلى أحد (٧).

стр. 785

وهو من الطويل. وأراد بمروان هو ابن الحكم بن العاص بن أمية، وبابنه هو عبد اللك بن مروان لأنه يمدحهما. و"المجد" هو الكرم، يقال: رجل مجيد؛ أي: كريم، و "ارتدى": إذا لبس الرداء، و "تأزر": إذا لبس الإزار، والارتداء والاتزار [بالمجد] (١) كناية عن غاية الكرم ونهاية الجود فكأنهما متلبسان به لا يفارقانه. وقال ابن يسعون: وضرب الشاعر التأزر والارتداء مثلًا لما أحرزاه من كمال علا؛ لأن الارتداء لا يحسن إلا ممن بلغ من شرف الملبس الانتهاء؛ كما أن شد الإزار من الأوصاف المقتضية للحزم أو للعفاف أو لهما معًا أو جامعهما على موضع من الشرف. الإعراب: قوله: "فلا أب" الفاء عاطفة إن كان قبله "أب"، وإلا فزيدت لأجل الضرورة وتحسينًا للكلام، وكلمة: "لا" لنفي الجنس، وقوله؛ "أب": اسمها، وقوله: "مثل مروان": كلام إضافي خبرها. وقال أبو علي (٢): قوله: "مثل مروان" يحتمل أن يكون صفة وأن يكون خبرًا، فإن كان خبرًا فهو مرفوع لا غير ولا حذف، وإن كان صفة يجب تقدير الخبر، ويحتمل: "مثل" النصب على اللفظ والرفع على المحل، ثم قال: هذا قبيح لأنك عطفت بالنصب فلا تحكم برفعه بعدما حكمت بنصبه، فهذا أقبح من أن تحمل الأسماء المبهمة على المعنى ثم ترجع إلى اللفظ لأن الاسم كما يعلم منه الإفراد فقد يعلم منه الجمع، ولا يعلم من الرفع النصب ولا من النصب الرفع؛ فلذلك (٣) استجيز حمل الصفة هنا على اللفظ؛ يعني: مع كون أحد الموصوفين مبنيًّا، وكون الآخر معربًا؛ لأن هذا المبني أصله الإعراب، ولا يكون "مثل" صفة للمعطوف فقط لإضافته إلى مروان وابنه المتعاطفين بالواو التي هي للجمع، وإنما صح أن يكون: "مثل" خبرًا عن الاثنين أو صفة لهما مع إفراد لفظه؛ كما صح مجيئه للجماعة؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١١٤٠] وإذا منتصبة بما في: "مثل" من معنى المماثلة سواء أقدرت مثلًا صفة أو خبرًا، أو منتصبًا بالخبر الذي تضمره إذا قدرت مثلًا صفة، وإفراد الضمير في "ارتدى وتأزرا" بمنزلة الإفراد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] (٤)، وروى ابن الأنباري:

стр. 786

إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزرا (١)، ورواية سيبويه أولى (٢)؛ لأن الاتزار قبل الارتداء، والواو تأتي لغير ترتيب بخلاف ثم (٣)، وقال أبو الحجاج: ولو أمكنه الوزن لقال: إذا هما بالمجد ارتديا وتأزرا؛ لكنه اكتفى بالخبر عن الواحد منهما اختصارًا لفهم المعنى. قوله: "وابنه": عطف على مروان، قوله: "إذا": ظرف لما قبلها، وقوله: "هو": مبتدأ، و "ارتدى": خبره، و"بالمجد" يتعلق به في محل النصب على المفعولية، قوله: "وتأزرا": عطف على قوله: "ارتدي"، والألف فيه للإطلاق لا للتثنية. فافهم. الاستشهاد فيه: في قوله: " [وابنًا] (٤) حيث عطف بالنصب على لفظة اسم لا التي لنفي الجنس، ويجوز فيه الرفع، وذلك أن: "لا" إذا لم تتكرر وعطف على اسمها وجب فتح الأول، وجاز في الثاني النصب والرفع (٥). الشاهد الثامن عشر بعد الثلاثمائة (٦)، (٧) ألَا اصْطِبَارَ لِسَلْمَى أَمْ لَهَا جَلَدٌ … إذا أُلَاقِي الَّذي لَاقَاهُ أَمْثَالِي أقول: قيل: إن قائله هو قيس بن الملوح، وإن موضع سلمى: ليلى. وهو من البسيط. والمعنى: ليت شعري إذا لاقيت ما لاقاه أمثالي من الموت أينتفي الصبر عن هذه المرأة أم يثبت لها جلد؛ وكنى عن الموت بما ذكر تسلية لها. الإعراب: قوله: "ألا" الهمزة للاستفهام، و "لا" لنفي الجنس، وقوله: "اصطبار": اسمه، وخبره

стр. 787

محذوف وهو حاصل أو موجود، ويقال: "ألا" استفهام عن النفي، وفيه رد على الشلوبين (١)؛ حيث أنكر كون "ألا" للاستفهام عن النفي (٢)، قوله: "لسلمى" يتعلق بالخبر المحذوف، قوله: "أم" متصلة معادلة للهمزة عاطفة اسمية مثبتة على مثلها منفية، وإنما سميت أم هذه متصلة لاتصال ما قبلها بما بعدها؛ لأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وعلامة ذلك صلاحية الاستغناء بأي عن الهمزة وأم، ومن لوازمها كون الناطق بها مدعيًا نسبة الحكم إلى أحد المذكورين لا بعينه (٣)، قوله: "جلد" بالرفع مبتدأ، و "لها" مقدمًا خبره، قوله: "إذا" للظرف، و "ألاقي": جملة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر فيه، وقوله: "الذي لاقاه أمثالي": مفعولها، و "لاقاه أمثالي": جملة من الفعل والمفعول والفاعل صلة الموصول. الاستشهاد فيه: في قوله: "ألا اصطبار" حيث أريد مجرد الاستفهام عن النفي، والحرفان باقيان على معنييهما وهو قليل؛ فلذلك توهم الشلوبين أنه غير واقع، ولكن بهذا ورد عليه كما ذكرناه (٤). الشاهد التاسع عشر بعد الثلاثمائة (٥)، (٦) ألَا ارْعِوَاءَ لمن وَلَّتْ شَبيبتُهُ … وآذَنَت بمَشِيب بَعْدَهُ هَرَمُ؟ أقول: لم أقف على من عزاه إلى قائله. وهو من البسيط.

стр. 788

و"الارعواء": الانكفاف عن القبيح، وهو مصدر ارعوى يرعوي، قال الجوهري: رعى يرعو؛ أي: كف عن الأمور، يقال: فلان حسن الرعوة، والرعوة والرعوى والارعواء، وقد ارعوى عن القبيح. والمعنى: ألا انكفاف عن القبيح لمن ولت، أي: أدبرت شبيبته؛ أي: شبابه، وآذنت -بالمد؛ أي: أعلمت بمشيب؛ أي: بشيخوخة بعدها هرم؛ أي: فناء. الإعراب: قوله: "ألا ارعواء" الهمزة للاستفهام، وكلمة: "لا" لنفي الجنس قصد بهما التوبيخ والإنكار، وقوله: "ارعواء" اسم لا، وخبره محذوف؛ أي: ألا ارعواء حاصل، قوله: "لمن ولت" يتعلق بالخبر المحذوف، "من": موصولة، و "ولت شبيبته": صلتها، "ولى" فعل ماض، "وشبيبته": فاعله، و "آذنت": عطف على قوله: "ولت"، والباء في: "بمشيب" يتعلق به، قوله: "هرم" مبتدأ، و "بعده" مقدمًا خبره، والجملة صفة للمشيب. الاستشهاد فيه: في قوله: "ألا ارعواء" حيث قصد بلا التي لنفي الجنس مع الهمزة التوييخ والإنكار مع بقاء عملها (١). الشاهد العشرون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) ألَا عُمْرَ وَلَّى مُسْتَطَاعٌ رُجُوعُهُ … فَيَرْأَبَ مَا أَثْأَتْ يَدُ الغَفَلَاتِ أقول: هذا احتج (٤) به جماعة من النحاة، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله. وهو من الطويل. قوله: "ولى" أي: أدبر، قوله: "فيرأب": من رأبت الإناء إذا أشعبته وأصلحته، ومنه قولهم:

стр. 789

اللهم ارأب بينهم؛ أي: أصلح، قوله: "ما أثأت" أي: ما خرمت، وثلاثيه: ثَئِيَ يثأَى، من باب: علم يعلم علمًا، والثأي: الخرم والفتق، ومادته: ثاء مثلثة وهمزة وياءآخر الحروف، و "الغفلات": جمع غفلة. الإعراب: قوله: "ألا ": كلمة واحدة للتمني، كذا قال بعض المحققين، ويقال؛ الهمزة للاستفهام دخلت على لا التي لنفي الجنس، ولكن أريد بالاستفهام التمني [فيبقى] (١) للا بعده ما كان لها من العمل، ولا يجوز إلغاؤها ولا الإتباع لاسمها على محله من الابتداء، ولكن ليس لها خبر لا لفظًا ولا تقديرًا فقوله: "عمر": اسمها مبني على الفتح، قوله: "ولى": جملة من الفعل والفاعل وقعت صفة للعمر. قوله: "مستطاع رجوعه": جملة اسمية، لأن "رجوعه" مبتدأ، "ومستطاع" مقدمًا خبره، والجملة في محل نصب على أنها صفة [لاسم لا] (٢) لا في محل رفع على أنها خبر لا، لأن ألا التي للتمني لا خبر لها عند سيبويه لا لفظًا ولا تقديرًا. فإذا قيل: ألا ماء، كان ذلك كلاما مؤلفًا من حرف واسم، وإنما تم الكلام بذلك حملًا على معناها وهو أتمنى ماءً، وكذلك يمتنع تقدير "مستطاع رجوعه" خبرًا، ويمتنع -أيضًا- تقدير "مستطاع رجوعه" جملة في موضع رفع على أنها صفة على المحل إجراء للا مجرى ليت في امتناع مراعاة محل اسمها، وهذا -أيضًا قول سيبويه (٣). وخالفه في المسألتين المازني والمبرد لأنهما يجريان: "ألا" هذه مجرى ألا التي للإنكار والتوبيخ سواء (٤) قوله: "فيرأب": منصوب، لأنه جواب تمن مقرون بالفاء؛ كما في قوله تعالى: [يا ليْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ [النساء: ٧٣]. قوله: "ما أثأت" كلمة ما موصولة وصلتها الجملة، يعني: أثأت يد الغفلات، وقوله: "أثأت": فعل ماض، و "يد الغفلات": كلام إضافي فاعله، والعائد محذوف تقديره: ما أثأته

стр. 790

يد الغفلات، والجملة -أعني الموصول مع صلته مفعول لقوله: "فيرأب"، واستعار للغفلات يدًا؛ كما استعارها زهير للشمال في قوله (١): إذَا أَصْبَحَتْ بِيَد الشِّمَالِ زِمَامُهَا الاستشهاد فيه: في قوله: "ألا عمرو" حيث أريد بالاستفهام مع لا مجرد التمني، وهذا كثير (٢) فافهم. الشاهد الحادي والعشرون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) ألَا طِعَانَ ألَا فِرْسَانَ عَادِيَةً … الا تَجَشؤَكُم حَوْلَ التنانِيرِ أقول: قائله هو حسان بن ثابت [الأنصاري] (٥) -رضي الله تعالى عنه- وهو من قصيدة يهجو بها الحارث بن كعب المجاشعي، وأولها هو قوله (٦): ١ - حارِ بنَ كعبِ ألَا أَحلَامُ تَزجرُكُم … عَنا وَأَنْتُمْ من الجوفِ الجماخيرِ ٢ - لَا بأسَ بالقومِ منْ طولٍ ومنْ عِظَمٍ … جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ ٣ - ذرُوا التخاجؤَ وامشوا مِشيةَ سُجُحًا … إن الرجال ذوو عَصْبٍ وتذكيرِ ٤ - ألا طعان .................. … .......................... إلى آخره ٥ - كأنكمْ خُشُبٌ جوفٌ أسافلهُ … مثقّبٌ لفحتْ فيه الأعاصيرُ ٦ - لا ينفعُ الطولُ منْ نُوكِ الرجالِ ولا … يَهدِي الإلهُ سبيلَ العشرِ البُورِ ٧ - إنِّي سَأَقْصُرُ عِرْضِي عنْ شِراركم … إنّ النجاشيَ لشيءٌ غيرُ مذكورِ ٨ - ألفَى أباهُ وألفى جدَّه حسبًا … بمعزلِ عن مساعِي المجدِ والخيرِ وهي من البسيط.

стр. 791

١ - قوله: "حار بن كعب": منادى مرخم؛ يعني: يا حارث بن كعب، قوله: "ألا أحلام": جمع حلم - بالضم وهو العقل، قوله: "تزجركم عنا" أي: عن هجائنا. وذلك أن الشاعر النجاشي هجا بني النجار من الأنصار، فشكوا ذلك لحسان -رضي الله تعالى عنه- فقال هذه الأبيات، ثم قال: ألقوا بها على صبيان المكانب ففعلوا، فبلغ ذلك بني عبد المدان، فأوثقوا النجاشي وأتوا به إلى حسان وحكموه فيه فأمر بالناس فحضروا وجلس على سرير وأحضره موثقًا فنظر إليه مليًّا، ثم قال لابنه عبد الرحمن: هات الدراهم التي تصيب من جهة معاوية وائتني ببغلة، ففك وثاقه وأعطاه الدراهم وأركبه البغلة فشكره الناس، قوله: "الجوف" بضم الجيم؛ جمع أجوف كالسود جمع أسود وهو الواسع الجوف، قوله: "الجماخير": جمع جمخور بضم الجيم وسكون الميم وضم الخاء المعجمة، وهو العظيم الجسم القليل العقل والقوة، وأفرد في البيت الثاني الجسم وجمع الحلم، وكان القياس العكس؛ لأن وضع الجسم للواحد والحلم للجنس، ويجمع كل منهما على أفعال وفعول، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، [وقوله تعالى (١)] ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ [الطور: ٣٢]، وقال الشاعر (٢): هلْ مِنْ حلُومٍ لأَقْوَامٍ فتُنْذِرَهُم … مَا جَرَّبَ الدهرُ مِنْ عَصْبٍ وتَضْرِيسِ وقال الآخر: وَلَكِني بُلِيتُ بِوَصلِ قَوْمٍ … لَهُم لحمٌ وَمَنْكَرَةٌ جُسُومُ وروي أن بني عبد المدان كانوا يفخرون بعظم أجسامهم حتى قال فيهم حسان هذا الشعر فتركوا ذلك، ثم إنهم قالوا له ﵁ أفسدت علينا أجسادنا، فقال (٣): وقدْ كنَّا نَقُولُ إِذَا أَتينَا … لِذِي حسَبٍ يُعَدُّ وذِي بيانِ كأنكَ أيُّهَا المعطى بيانًا … وجِسْمًا مِنْ بَنِي عبدِ المدانِ فعادوا إلى الافتخار بذلك.

стр. 792

٣ - قوله: "ذروا" أي: اتركوا التخاجؤ، وهو مشي فيه تبختر، وهو بالخاء المعجمة ثم الجيم، قوله: "سُجُحًا" بالسين المهملة والجيم والحاء المهملة؛ وهو السهل الحسن، قوله: "ذوو عصب" بالعين والصاد المهملتين؛ وهو شدة الخلق. ٥ - قوله: "لفحت" بالفاء والحاء المهملة؛ أي: أحرقت، يقال: لفحته النار والشمس أحرقته، و"الأعاصير" بالرفع، وفيه الإقواء؛ لأن بقية القافية مجرورة، وهو جمع إعصار، وهو ريح تثير سحابًا ذات رعد وبرق. ٦ - قوله: "نوك الرجال" النوك -بضم النون جمع أنوك وهو الأحمق، و "البور" بضم الباء الموحدة؛ جمع بائر وهو الهالك. ٨ - قوله: "ألفى" أي؛ وجد، قوله: "بمعزل" وهو المكان المنعزل عن الأماكن، و "المساعي": ما يسعى له الإنسان من خير وشر، و "المجد": الكرم والشرف، و "الخير" بالخاء المعجمة المكسورة؛ الكرم. ٤ - قوله: "ألا طعان" من طاعن يطاعن مطاعنة وطعانًا، و "الفرسان": الفوارس، وهو جمع فارس، وهو جمع شاذ لا يقاس عليه؛ لأن فواعل إنما هو جمع فاعلة مثل: ضاربة وضوارب ويجمع فاعل إذا كان صفة للمؤنث مثل: حائض وحوائض، وما كان لغير الآدميين مثل: جمل بازل وجمال بوازل وحائط وحوائط، فأما مذكر ما يعقل فلم يجمع عليه إلا فوارس، وذلك لأنه لا يكون في المؤنث فلا يخاف فيه اللبس (١). قوله: "عادية" بالعين المهملة؛ من العدو، ويقال: بالغين المعجمة من الغدو الذي يقابل الرواح، وقال أبو الحسن: بالمهملة أحب إلي؛ لأن العادية تكون بالغداة وغيرها (٢)، قوله: "ألا تجشؤكم": بالجيم والشين المعجمة؛ من تجشأت تجشؤًا [وهو من الجشاء] (٣)، وهو دليل الامتلاء من الطعام، ويقال: بالحاء والسين المهملتين من الاحتساء، قوله: "التنانير" وهو جمع التنور وهو ما يخبز فيه.

стр. 793

الإعراب: قوله: "ألا طعان" الهمزة للاستفهام دخلت على لا النافية للجنس قصد بها التوبيخ والإنكار، و "طعان": اسم لا، وليس لها خبر عند سيبويه والخليل لأنها بمنزلة ليت (١)، وعند غيرهما الخبر محذوف؛ أي: ألا طعان موجود (٢)، وكذا قوله: "ألا فرسان" [وفي كتاب سيبويه: ولا فرسان بواو العطف (٣)، قوله: "عادية" بالنصب على الحال من فرسان] (٤)، ويروى: عادية بالوفع، فإن صح فوجهه أن يكون خبرًا. قوله: "إلا تجشؤكم": استثناء منقطع، ويقال بالرفع على أن "إلا" صفة بمعنى غير، وقال النحاس في شرح أبيات سيبويه: ورواية أبي الحسن: إلا تجشؤكم بالنصب، وقال: استثناء ليس من الأول وهو عندي الصواب، والأول غلط؛ يعني الوفع (٥). والمعنى: ألا طعان عندكم ولا فرسان منكم يعدون على أعدائهم؛ أي: لستم بأهل حرب وإنما أنتم أهل أكل وشرب، قوله: "حول التنانير": كلام إضافي منصوب على الظرف. الاستشهاد فيه. في قوله: "ألا طعان" حيث جاء فيه: "ألا" للتوبيخ والإنكار مع بقاء عملها (٦). الشاهد الثاني والعشرون بعد الثلاثمائة (٧)، (٨) لَا سَابِغَاتٍ وَلَا جَأْوَاءَ بَاسِلَةً … تَقِي المنُونَ لَدَى اسْتِيفَاءِ آجَالِ أقول: هو من البسيط. قوله: "لا سابغات": جمع سابغة، وهي الدرع الواسعة، قوله: "ولا جأواء" بفتح الجيم وسكون الهمزة وفتح الواو ممدود، ويقال: كتيبة جأواء بينة الجأي؛ وهي التي يعلوها السواد لكثرة

стр. 794

الدروع، والجؤوة مثل الجفوة: لون من ألوان الخيل والإبل؛ وهي حمرة تضرب إلى السواد، يقال: فرس أجأى والأنثى جأواء. قوله: "باسلة": من البسالة وهي الشجاعة، يقال: بسُل -بالضم فهو باسل، أي: بطل، والأنثى باسلة، قوله: "تقي المنون"، أي: ترد الموت، قوله: "لدى استيفاء آجال" أي: عند استكمال الأعمار. الإعراب: قوله: "لا سابغات" كلمة لا لنفي الجنس، "وسابغات": اسمه مبني على الفتح، ويجوز كسرها -أيضًا-، قوله: "ولا جأواء": عطف عليه، وقوله: "باسلة": صفة للجأواء، قوله: "تقي المنون": جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير الذي يرجع إلى السابغات، والمفعول وهو المنون، والجملة خبر لا، قوله: "لدى": بمعنى عند مضاف إلى الاستيفاء، والاستيفاء مضاف إلى الآجال. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا سابغات" حيث يجوز فيه الوجهان: الكسر بلا تنوين، والفتح وهو المختار فافهم (١). الشاهد الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) أَلَا رَجُلًا جَزَاهُ اللهُ خَيرًا … يَدُلُّ عَلَى مُحَصِّلَةٍ تَبِيتُ أقول: هذا أنشده سيبويه في كتابه (٤)، ولم يعزه إلى قائله، وبعده (٥): تُرَجِّلُ لِمَّتِي وَتَقُمُّ بَيتي … وَأُعْطِيهَا الإِتَاوَةَ إنْ رَضِيَتْ وأنشد الأزهري (٦) هذين البيتين، وقال: هما لأعرابي أراد أن يتزوج امرأة بمتعة (٧).

стр. 795

وهما من الوافر فيهما العصب والقطف. ١ - قوله: "محصلة" بكسر الصاد المشددة، قال الجوهري: المحصلة: المرأة التي تحصل بن الذهب تراب المعدن (١)، وقال ابن فارس: وأصل التحصيل: استخراج الذهب من حجر المعدن وفاعله المحصل، ثم أنشد البيت المذكور (٢). قوله: "تبيت" بفتح التاء المثناة من فوق وفي آخره تاء مثناة من فوق، وأصله من تبيت تفعل، كما يقال: بات يفعل كذا إذا فعل بالليل، كما يقال ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار، ويقال: تبيت بضم التاء، من أبات يبيت من باب الإفعال، يقال: غابت فلانة عن منزلها فتبيتنا عندها، ويقال: معناه: تكون لي بيتًا، أي: امرأة بنكاح، والبيت النكاح. وقال ابن هشام اللخمي في كتاب شرح أبيات الجمل: هي تبيث بثاء مثلثة، والعرب تقول بثت الشيء بوثًا وبثته بيثًا إذا استخرجته، فأراد امرأة تعينه على استخراج الذهب وتخليصه من تراب المعدن، وفسره الأعلم على ما وقع في كتاب سيبويه فقال: طلبها للمبيت إما للتحصيل وإما للفاحشة (٣). وكلاهما قد وَهِما لعدم اطلاعهما على ما بعد البيت، فإن الثاني على التاء المثناة من فوق فبالضرورة يكون الأول كذلك، وأيضًا، قوله: "ترجل" إلى آخره: خبر لقوله [تبيت، والبيت الثاني متعلق بالأول، وفيه التضمين وهو من عيوب الشعر (٤). ٢ - قوله:] (٥) "ترجل" بالجيم؛ من رجلت شعره ترجيلًا إذا سرحته وأصلحته، و "اللمة" بكسر اللام وتشديد الميم، الشعر الذي يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة، و "الإتاوة" بكسر الهمزة؛ الخراج. الإعراب: قوله: "ألا" الهمزة للاستفهام دخلت على لا النافية ولكن المراد بها العرض ولا يليها إلا الفعل إما ظاهرًا أو مقدرًا، وهاهنا مقدر، وهو الذي نصب الرجل؛ وذلك لأن تقدير الكلام: ألا ترونني رجلًا جزاه الله خيرًا، فحذف الفعل مدلولًا عليه بالمعنى، ويقال: إنه محذوف على شريطة التفسير، أي: ألا جزى الله رجلًا جزاه الله خيرًا، على هذا الوجه تكون ألا للتنبيه.

стр. 796

وقال يونس: ألا هاهنا للتمني، وإنما نون الشاعر الاسم للضرورة (١)، وفيه نظر؛ لأنه لا ضرورة في إضمار الفعل بخلاف التنوين، ويروى: "ألا رجل" بالجر؛ على تقدير: ألا من رجل، وأنشده ابن فارس في كتابه: "ألا رجلٌ" بالرفع، ثم قال: رواه الأخفش "ألا رجلًا"، وقال هو إما ضرورة وإما على: هات لي رجلًا (٢). فإن صحت رواية الرفع يكون وجهه أن يكون مرفوعًا بالابتداء، وتخصص بتقديم الاستفهام عليه، وخبره قوله: "يدل على محصلة"، وأما في حال انتصابه فيكون "بدل" (٣) صفة للرجل، وجزم الجوهري بوجه الرفع بأن يكون فاعلًا بفعل محذوف يفسره يدل (٤)، ووجه الجر أضعف الوجوه لإعمال الجار محذوفًا ويزيده ضعفًا كونه زائدًا، ونظيره في الضعف قوله (٥): ....................... … وَنَهْنَهْتُ نفسِي بعدَما كدت أَفْعَلَهْ على قول سيبويه: إن التقدير: أن أفعله؛ لأن "أن" وإن كانت غير زائدة لكن دخولها في خبر كاد قليل (٦). قوله: "جزاه الله خيرًا": جملة دعائية ولا محل لها من الإعراب، قوله: "على محصلة" يتعلق بقوله: يدل؛ أي على امرأة محصلة، قوله: "تبيت": جملة من الفعل والفاعل وهو اسمه، وخبره هو قوله: "ترجل" إلى آخره في البيت الثاني كما ذكرناه، وقيل: إن محلها نصب على الحال، فإن صح فوجهه أن يكون حالًا منتظرة. الاستشهاد فيه: في قوله: "ألا رجلًا" حيث وقعت ألا هاهنا للعرض والتحضيض، ومعناهما: طلب الشيء، ولكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث فافهم (٧).

стр. 797

الشاهد الرابع والعشرون بعد الثلاثمائة (١)، (٢) وَرَدَّ جَازِرُهُمْ حرفًا مُصّرّمَةْ … ولَا كَريمَ مِنَ الولْدَانِ مَصْبوحُ أقول: قائله هو حاتم الطائي (٣)؛ كذا قاله الزمخشري في المفصل (٤)، ولكنه ما أنشد إلا عجزه، وهذا البيت مما ركب فيه صدر بيت على عجز آخر، وقد أورده هكذا سيبويه (٥)، والجرمي في كتاب الفرج، وأبو بكر في أصوله (٦)، وأبو علي في إيضاحه (٧)، وتبعهم على ذلك خلق كثير كابن الناظم وغيره (٨). ويقال: إن الزمخشري سلم من ذلك الغلط، ولكنه غلط من وجه آخر وهو أنه نسبه إلى حاتم الطائي؛ كما غلط الجرمي؛ إذ نسب البيت كله لأبي ذؤيب (٩)، والصواب أنه لرجل جاهلي من بني النبيت (١٠)، اجتمع هو وحاتم والنابغة الذبياني عند ماوية بنت غفزر خاطبين لها، فقدمت حاتم عليهم وتزوجته، فقال هذا الرجل شعرًا، وأوله هو قوله (١١): ١ - هلّا سألتِ النبيتيّين مَا حَسَبي … عندَ الشتاء إذا ما هبت الريحُ ٢ - وَرَدَّ جَازِرُهُمْ حرفًا مُصّرّمَة … في الرأس منهَا وفي الأَصْلَاءِ تمليحُ ٣ - وقال رائدُهُم سيَّانَ ما لَهُمُ … مثلان مثل لمنْ يرعى وتسريحُ ٤ - إذا اللقاحُ غدتْ مُلْقًى أصِرَّتُهَا … ولَا كريمَ منَ الولدَانِ مَصْبُوحُ

стр. 798

وهي (١) من البسيط. قوله: "هلا سألت النبيتيين" وهو جمع نبيتي نسبة إلى نبيت، وهو عمرو بن مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، ويروى: هلا سألت هداك الله ما حسبي … ................................ قوله: "جازرهم" الجازر: الذي ينحر الإبل، والجازر هاهنا للجنس؛ إذ لا يكون في العادة للحي جازر واحد، قوله: "حرفًا" بفتح الحاء المهملة وسكون الراء وفي آخره فاء؛ وهي الناقة الضامرة الصلبة شبهت بحرف الجبل، وكان الأصمعي يقول: الحرف: الناقة المهزولة، وقد أحرفت ناقتي إذا أهزلتها (٢) ويقال: الحرف: الناقة المسنة، قوله: "مصرمة" بضم الميم الأولى وفتح الصاد المهملة والراء المشددة والميم المفتوحة، ويقال: ناقة مصرمة إذا قطع طبياها لييبس الإحليل ولا يخرج اللبن ليكون أقوى لها، ويروى: مضمرة بضم الميم الأولى وفتح الضاد المعجمة والميم المشددة وبالراء؛ أي: مهزولة؛ من الضمر بالضم وهو الهزال. قوله: "وفي الأصلاء": جمع صلاء، وهو ما حول الذنب، هكذا رواه أبو حنيفة في الثبات، وأبو الفرج في الأغاني (٣) وروى قاسم بن ثابت (٤) في الدلائل: "وفي الأنقاء"، واحدها: نقي وهو كل عظم فيه مخ أو شيء من سمن (٥) وروى ابن الأعرابي: وفي الرجلين، قال: أراد بالرأس العين وبالرجلين السلامى كما قال: مَا دَامَ مُخٌّ في سُلامَى أو عَيْن. قال: وأول ما يبدو السمن في اللسان والكرش، وآخر ما يبقى في السلامى والعين، والسلامى: عظام صغار، وفي كل رجل أو يد منها أربع سلاميات أو ثلاث، قوله: "تمليح" أي: شيء من ملح؛ أي: شحم، وقال بعضهم: إنما سمي الشحم بالملح تشبيهًا له به، قوله: "إذا اللقاح غدت" وهي جمع لقوح وهي الناقة الحلوب، قوله: "أصرتها": جمع صرار -بكسر الصاد المهملة وهو خيط يشد به رأس ضرع الناقة لئلا يرضعها ولدها، وإنما ألقيت حيث لم يكن ثمت درّ، قوله: "من الولدان": جمع وليد، قال الجوهري: الوليد: الصبي والعبد، والجمع: ولدان وولدة، والوليدة: الصبية والأمة، والجمع: الولائد (٦).

стр. 799

قوله: "مصبوح": مفعول من صبحته بالتخفيف إذا أسقيته الصبوح، وهو الشراب بالغداة، وهو خلاف الغبوق. وقال ابن يسعون: المصبوح الذي يسقى اللبن صباحًا، يصف الشاعر بهذا سنة شديدة الجدب قد ذهبت بالمرتفق؛ فاللبن عندهم متعذر لا يسقاه الولد الكريم فضلًا عن غيره لعدمه، فجازرهم يرد عليهم من المرعى ما ينحرون للضيف؛ إذ لا لبن عندهم. الإعراب: قوله: "ورد": فعل ماض، و "جازرهم": كلام إضافي فاعله، و "حرفًا": مفعوله، و "مصرمة": صفة للحرف، قوله: "ولا كريم": كلمة لا لنفي الجنس، وكريم اسمه و "مصبوح" بالرفع خبره؛ كما قال أهل الحجاز، واختاره الجومي، وبه جزم سيبويه (١)، وأجاز الفارسي أن يكون صفة لكريم على الموضع، والخبر محذوف، وتبعه الزمخشري (٢)، قوله: "من الولدان" يتعلق بقوله: "مصبوح". الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا كريم من الولدان مصبوح" حيث ذكر خبر لا لأنه لم يكن مما يعلم، فإذا لم يعلم يجب ذكره (٣). * * *

стр. 800

شواهد ظن وأخواتها (١) الشاهد الخامس والعشرون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) رَأَيْتُ اللهَ أكبَرَ كُل شَيءٍ … مُحَاوَلَةً وَأكثَرَهُمْ جُنُودًا أقول: قائله هو خداش (٤) بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن، وهو من قصيدة دالية، وأولها هو قوله (٥): ١ - فإن المرْءَ لم يخلقْ سِلامًا … ولَا حجرًا وَلَم يخْلقْ حَدِيدَا ٢ - ولكِن عَائِشًا مَا عَاشَ حَتّى … إذَا مَا كَايَدَ الأيَّام كَيدَا ٣ - رَأَيْتُ اللهَ أكبَرَ كُل شَيءٍ … مُحَاوَلَةً وَأكثَرَهُمْ جُنُودَا ٤ - تَقُوهُ أيُّهَا الفِتْيَانُ إِنِّي … رَأَيْتُ اللهَ قَدْ غَلَبَ الجُدُودَا ٥ - فجاءوا عَارِضًا بَرْدًا وَجِئْنَا … وَقَالُوا لا فِرَارَ وَلَا صُدُودَا ٦ - فَعَانَقْنَا الكُمَاةَ وَعَانَقُونَا … عِنَاقَ النُّمْرِ وَاجَهَتِ الأُسُودَا (٦)

стр. 801

٧ - لقيناهم بكل أفل عضبٍ … ترَى لِطَرِيقٍ وقْعتَهُ خدودَا ٨ - فلم أرَ مثلَهُم هُلِكُوا وذُلُّوا … ولم أَرَ مثلنا عُنُقًا مذودَا وهي من الوافر وفيه العصب والقطف. قوله: "سِلامًا" بكسر السين المهملة؛ وهو الحجر، قوله: "ولم يخلق حديدًا" بالحاء المهملة وهو معروف، قوله: "كايد الأيام" من الكايدة وهي الكيد وهو المكر، ويروى: ...................... حتى … إذا ما كاده الأيام .......... قوله: "رأيت الله" ويروى: وجدت الله، وكلاهما بمعنى علمت، قوله: "محاولة" أي: قوة، ويقال: المحاولة: طلب الشيء بحيلة، وورد في الحديث (١): "بكَ أصاولُ وبك أُحاولُ" وهذا المعنى لا يقال في حق الله تعالى، قوله: "وأكثرهم جنودًا" هكذا هو في رواية أبي حاتم، وفي رواية أبي زيد: "وأكثرهم عديدَا"، وابن الناظم نسب ما رواه أبو حاتم إلى أبي زيد وليس كذلك، قوله: "تقوه" من القاهة بالقاف، وهي الطاعة، قوله: "عارضًا بردًا" أراد بالعارض السحاب، و "البرد" بالباء الموحدة وكسر الراء، وهو صفة للعارض، يقال: سحاب برد وأبرد، أي: ذو برد بفتحتين، و "الفرار": الهروب، و "الصدود": الإعراض، و"الكماة" بضم الكاف، جمع كمي وهو المتغطي [في السلاح] (٢)، قوله: "بكل أفل" بفتح الهمزة والفاء وتشديد اللام، يقال: سيف أفل، أي: بيِّن الفلل، وهو الكسر في حده من كثرة الضرب، و "العضب": بمعنى العاضب أي: القاطع، و "الخدود": جمع خد وهو الشق في الأرض، قوله: "عنقًا مدودًا" العنق بضم العين والنون، يقال: هم عنق إليك؛ أي: ماثلون إليك ومنتظروك، والمدود: فعول من مد الشيء. الإعراب: قوله: "رأيت" من روية القلب بمعنى العلم يقتضي مفعولين، ولفظة: "الله": مفعوله الأول، وقوله: "أكبر": مفعوله الثاني، وهو مضاف إلى كل، "وكل" مضاف إلى "شيء"، وقوله: "محاولة" نصب على التمييز أي: من حيث المحاولة أي: القدرة والطاقة، قوله: "وأكثرهم جنودًا" بالنصب عطف على قوله: "اكبر كل شيء"، و "جنودًا" نصب على التمييز. الاستشهاد فيه: في كون: "رأيت" بمعنى علمت التي تقتضي المفعولين وتضاف الرؤية حينئذ إلى القلب، وأما

стр. 802

إذا كانت رؤية البصر فلا تقتضي حينئذ إلا مفعولًا واحدًا كما قد عرف في موضعه فافهم (١). الشاهد السادس والعشرون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) دُرِيتَ الوَفِيّ العهدَ يا عُرْوَ فاغتَبطْ … فَإنَّ اغْتِبَاطًا بالوَفَاءِ حَمِيدُ أقول: هو من الطويل. قوله: "دريت الوفي" على صيغة المجهول، من درى يدري إذا علم، قوله: "فاغتبط" بالغين المعجمة؛ من الغبطة وهي أن يتمنى مثل حال المغبوط من غير أن يريد زوالها عنه وليس بحسد (٤)، تقول منه: غبطه بما نال أغبطه، من باب: حسب يحسب، غبطًا وغبطةً فاغتبط هو؛ كقولك: منعته فامتنع وحبسته فاحتبس، ويقال: الغبطة: حسن الحال، قوله: "حميد" يعني: محمود. الإعراب: قوله: "دريت": يقتضي مفعولين، الأول: هو التاء التي نابت مناب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: "الوفي". فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون الوفي حالًا؟ قلت: لا يجوز لتعريفه، ويجوز في "العهد" الخفض بالإضافة والنصب على التشبيه بالمفعول به والرفع على الفاعلية، وتقدير الضمير أي: العهد منه أو إنابة اللام عنه أي: عهده، وأرجحها الخفض وأضعفها الرفع، قوله: "يا عرو" منادى مرخم؛ أي؛ عروة، قوله: "فاغتبط": جملة من الفعل والفاعل وهو أنت المستتر فيه، وهو في الحقيقة جواب شرط محذوف؛ أي: إذا أُعلمت وفي العهد فاغتبط. قوله: "فإن اغتباطًا" الفاء للتعليل، و "اغتباطًا" اسم إن، وخبره قوله: "حميد"، وقوله: "بالوفاء" يتعلق به أي: بوفاء العهد، يعني: الوفاء مطلوب محمود؛ لأنه يحث على الازدياد منه،

стр. 803

ولأن رؤية النعمة أدعى إلى الشكر عليها؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، ولا شك أن الوفاء بالعهد من فضل الله -سبحانه- ورحمته بعبده، فالاغتباط به واجب أو مندوب لورود الأمر به. الاستشهاد فيه: على أن: "درى" بمعنى علم يقتضي مفعولين، وله استعمالان في الكلام: أغلبهما: أن يتعدى بالباء؛ نحو: دريت بكذا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، وإنما تعدى إلى الضمير بسبب دخول همزة النقل عليه. وأندرهما: أن يتعدى إلى اثنين بنفسه؛ كما في البيت المذكور (١). الشاهد السابع والعشرون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) تَعَلَّم شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا … فَبَالِغْ بِلُطْفٍ التَّحَيُّل والمَكْرِ أقول: قائله هو زياد بن سيار بن عمرو بن جابر (٤)، وكان زياد هذا قد خرج هو والنابغة يريدان الغزو فرأى زياد جرادة، فقال: حرب ذات ألوان، فرجع ومضى النابغة، ولما رجع غانمًا قال (٥): ١ - يُلاحِظ طَيرَةً أبَدًا زِيَادٌ … لتُخْبِرَهُ ومَا فيهَا خَبيرُ ٢ - أقَامَ كأنَّ لُقْمَانَ بنَ عَادٍ … أشارَ لَهُ بِحِكْمَتِه مُشِيرُ

стр. 804

٣ - تَعَلَّمْ أنه لا طَيرَ إلا … عَلَى مُتَطَيِّرٍ وهو الثُّبُورُ ٤ - بلَى شَيءٌ يُوافِقُ بَعْضَ شَيءٍ … أحَايِينَا وبَاطِلُهُ كَثِيرُ والبيت المذكور من الطويل، وهي من الوافر (١). الإعراب: قوله: "تعلم" بمعنى اعلم، وأكثر استعمال تعلم الذي بمعنى اعلم إعماله في أن؛ كما في قول النابغة المذكور آنفا، وأقله أن يتعدى إلى المفعولين؛ كما في قوله: تعلم شفاء النفس ....... … .......................... فإن: "شفاء النفس": كلام إضافي مفعوله الأول، وقوله؛ "قهر عدوها": كلام إضافي -أيضًا- مفعوله الثاني، قوله: "فبالغ": عطف على قوله: "تعلم"، وأنت مستتر فيه فاعله، وقوله: "بلطف" يتعلق به، وقوله: "في التحيل" يتعلق بقوله "بلطف"، و "المكر": عطف عليه. الاستشهاد فيه: على أن تعلم بمعنى اعلم، وأنه استدعى مفعولين ونصبهما وأن هذا قليل؛ لأن أكثر استعماله إعماله في أن كما ذكرناه (٢). الشاهد الثامن والعشرون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) وقلتُ تَعَلَّم أنَّ للصَّيدِ غرَّةً … وإلَّا تُضَيعُه فَإنكَ قَاتِلُهْ أقول: قائله هو زهير بن أبي سلمى، وهو من قصيدة طويلة من الطويل يمدح بها حصين

стр. 805

ابن بدر، وأولها هو قوله: ١ - صَحَا القلبُ عنْ سلمَى وأقصر باطلُهُ … وعرّى أفراسُ الصبَا ورواحلُهُ ٢ - وأقْصَرْتُ عمَّا تعلمينَ وسُدِّدَتْ … عَلَيَّ سوَى قصدِ السبيلِ معادلُهُ إلى أن قال: ٣ - فقلنَا لهُ سددْ وأبصرْ طريقَهُ … ومَا هوَ فيه عن وصالِي شاغلُهُ ٤ - وقلت تعلم .............. … .................... إلى آخره ٥ - فاتبع آثارَ الشِّيَاهِ وليدُنَا … كَشُؤْبُوبِ غَيثٍ يَحْفِشُ الأكمَ وابلُهُ ٦ - نظرتُ إليهِ نظرةً فرأيتُهُ … على كلّ حالٍ مرةً هو حاملُهُ [قوله: "] (١) وعُرَّى أفراس" مثل أن تقول: ترك الصبا وترك الركوب فيه، قال الأصمعي: عرّى أفراس كنت أركبها في الصبا، قوله: "وأقصرت عما تعلمين" أي: من الباطل، قوله: "معادله": جمع معدل، أراد كل معدل كنت أعدل فيه من الباطل فقد سُدّ سوى قصد السبيل، قوله: "فقلنا له سدد" أي: استقم ولا تَمِل يُمنَةً ولا يُشرَة، قوله: "وقلت تعلم" أي: اعلم إن لم تضيع وصيتي فإنك قاتل هذا الصيد؛ لأنه ربما كان مغترًّا، قوله: "فاتبع آثار الشياه" أي: البقر، قوله: "وليدنا" أي: غلامنا، و "الشؤبوب"؛ الدفعة من المطر، قوله: "يحفش" بالحاء المهملة والفاء؛ أي: يسيل ويخرج، و "الأكم" بفتح الهمزة؛ جمع أكمة، و "الوابل": المطر العظيم الشديد القطر، قوله: "على كل حال مرة هو حامله" أراد الغلام يحمل الفرس من السير على ما أحب وكره على كل حال وهو للفرس أجود. الإعراب: قوله: "وقلت" الواو للعطف عطف به قلت على قوله: "فقلنا" في البيت السابق، و"قلت": فعل وفاعل، وقوله: "تعلم": مقوله، وهو بمعنى اعلم، قوله: "أن للصيد غرة" أن بالفتح مع اسمها وخبرها سد مسد مفعولي تعلم، قوله: "وإلا تضيعه" من الإضاعة بمعنى: إن لم تضيع ما قلت لك -يعني وصيتي فإنك قاتل هذا الصيد؛ لأنه ربما كان مغترًّا، وإلا هنا ليست للاستثناء وإنما هي مركبة من إن ولا، وتضيعه فعل الشرط، وقوله: "فإنك قاتله": جواب الشرط فلذلك دخلت فيه الفاء، والكاف: اسم إن، و "قاتله": كلام إضافي خبره.

стр. 806

الاستشهاد فيه: في قوله: "تعلم أن للصيد" وهو أن وقوع تعلم بمعنى اعلم في الأكثر يكون على أن وصلتها، ومنه ما جاء في حديث الدجال: "تَعَلَّمُوا أَن رَبَّكُم لَيسَ بِأَعْوَر" أي: اعلموا، وفي حديث (١): "تَعَلَّمُوا أنه لَيسَ يرى أَحَدٌ منكم ربَّهُ حَتَّى يَمُوتَ" أي: اعلموا (٢). الشاهد التاسع والعشرون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) قدْ كُنْتُ أَحْجُو أَبَا عَمْرو أَخا ثِقَةٍ … حتى أَلمتْ بِنَا يَوْمًا مُلِمَّاتُ أقول: قائله هو تميم بن أبي بن مقبل؛ كذا قاله ابن هشام، ونسبه في المحكم لأبي شنبل الأعرابي، وبعده: ٢ - فقلت والمرءُ قدْ تخطيهِ مُنيتُهُ … أدنى عَطيّتهُ إيّايَ مِيَّآتُ ٣ - فكانَ مَا جَادَ لي لا جَادَ مِنْ سَعَةٍ … دواهمَ زائفاتٍ ضَربَجِيَّاتٍ وهي من البسيط. قوله: "أحجو" أي: أظن، قال الجوهري: إني أحجو به خيرًا أي: أظن (٥) قوله: "حتى ألمت بنا" أي: نزلت؛ من الإلمام وهو النزول، والملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدنيا، قوله: "فقلت" أي: في نفسي، واعترض بينه وبين المقول بجملة. ٢ - و "المنية" بضم الميم؛ واحدة المني، قوله: "ميآت" بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة، وهي جمع مائة برد لامها، ولكنه قدمها على العين، والمستعمل في الكلام حذفها كما في المفرد. ٣ - قوله: "فكان ما جاد إلى آخره" فيه الأخبار عن النكرة بالمعرفة، فإن قدرت ما نكرة بمعنى شيء لا موصولة فواضح، واعترض بجملة الدعاء بين الخبر والخبر عنه.

стр. 807

قوله: "ضربجيات" بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وبالجيم؛ وهو جمع ضربجي، قال في المحكم: درهم ضربجي؛ أي: زائف (١)، فيكون قوله: "ضربجيات": صفة مؤكدة، وصفة ما لا يعقل تجمع بالألف والتاء؛ نحو قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. الإعراب: فوله: "كنت أحجو" التاء اسم كان، والجملة؛ أي قوله: "أحجو": خبره، وأحجو يقتضي مفعولين لأنه بمعنى الظن، فقوله: "أبا عمرو": كلام إضافي مفعوله الأول. وقوله: "أخا ثقة": كلام إضافي -أيضًا- مفعوله الثاني، قوله: "حتى" للغاية بمعنى إلى أي: كنت أظن كذا إلى أن ألمت بنا النوازل، قوله. "بنا" في محل النصب على المفعولية، قوله: "يومًا" نصب على الظرفية، قوله: "ملمات" مرفوع بقوله: "ألمت". الاستشهاد فيه: في قوله: "قد كنت أحجو" فإنه جاء بمعنى الظن ونصب المفعولين، ولم يذكر أحد من النحاة أن حجا يحجو يتعدى إلى مفعولين غير ابن مالك -رحمه الله تعالى- (٢). الشاهد الثلاثون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) فلَا تَعدُد الموَلَى شَرِيكَكَ في الغنَى … ولكنَّمَا الموْلَى شَرِيكُكَ في العُدْمِ أقول: قائله هو النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بثماني سنوات (٥) وسبعة أشهر، فحنكه رسول اللَّه ﷺ بتمرة فتلمظ (٦) بها، فقال رسول الله ﷺ (٧):

стр. 808

"انظر إلى الأنصار وحبها التمر" وروى عن رسول اللَّه ﷺ في القول الأصح، وهو أول مولود [للأنصار] (١) بعد الهجرة، في قولٍ له، ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة -رضي اللَّه تعالى عنهم- استعمله معاوية على حمص فخرج منها فاتبعوه وقتلوه، واحتزوا رأسه بقرية من قرى حمص، وذلك بعد وقعة مرج راهط سنة أربع وستين في ذي الحجة، وكان كريمًا جوادًا شاعرًا، وهو من قصيدة ميمية من الطويل وقبله (٢): ١ - وإني لأُعْطِي المال مَنْ ليسَ سائلًا … وَأَغْفِرُ للمولَى المُجَاهِرِ بالظّلمِ ٢ - وإني متى ما تَلْقَني حازمًا لَهُ … فمَا بَينَنَا عِنْدَ الشَّدَائِدِ مِن صَرم ٣ - فلا تَعْدُد المولى .......... … ...................... إلى آخره ١ - قوله: "وأغفر للمولى" أراد به الحليف أو الصاحب، والمولى يأتي لمعان كثيرة، وقد بيناها فيما مضى غير مرة. ٢ - قوله: "من صرم" أي: من قطع. ٣ - قوله: "فلا تعدد المولى" أي: فلا تعد، وقد جاء بالفك؛ كما يقال: في نحو: لا تمد: لا تمدد، والمراد من المولى هاهنا ما ذكرناه في البيت السابق، قوله: "في العدم" بضم العين؛ من عدمت الشيء بالكسر أعْدَمَه عُدْمًا وعَدَمًا بالتحريك على غير قياس؛ أي: فقدته، والعدم -أيضًا- الفقر، وكذا العدم إذا ضممت أوله خففت الدال بالسكون، وإن فتحت حركت، وأعدم الرجل؛ أي: افتقر فهو معدم وعديم. الإعراب: قوله: "فلا تعدد" الفاء للعطف، و "لا" للنهي، "وتعدد": مجزوم به، ولكنه حرك بالكسر لأجل الوصل، وهو يقتضي مفعولين؛ لأنه بمعنى الظن لا بمعنى الحسبان، فقوله: "المولى": مفعوله الأول، وقوله: "شريكك"؛ مفعوله الثاني، قوله: "في الغنى": يتعلق بقوله: "لا تعدد"، قوله: "ولكنما" دخلت ما الكافة على لكن فكفتها عن العمل، وقوله: "المولى": مبتدأ، وخبره قوله: "شريكك"، وقوله: "في العدم": يتعلق بالخبر.

стр. 809

الاستشهاد فيه: في قوله: "فلا تعدد" حيث جاء بمعنى الظن ونصب مفعولين (١). الشاهد الحادي والثلاثون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) فقُلْتُ أَجِرْنِي أَبَا خَالِدٍ … وإِلَّا فَهَبنِي امْرَأً هَالكا أقول: قائله هو ابن همام السلولي (٤). وهو من المتقارب. المعنى: فقلت يا أبا خالد أجرني وأغثني وإن لم تجرني فظنني من الهالكين. الإعراب: قوله: "فقلت": فعل وفاعل، والجملة -أعني قوله: "أجرني": مقول القول، قوله: "أبا خالد": منادى منصوب حذف منه حرف النداء، والأصل: يا أبا خالد، قوله: "وإلا" أصله: وإن لم تفعل، الشرط محذوف وجزاؤه هو قوله: "فهبني"، أي: وإن لم تجرني فهبني، و "هب" هاهنا بمعنى الظن، فلذلك نصب مفعولين: الأول الضمير المنصوب المتصل، والثاني قوله: "امرأ"، قوله: "هالكا": صفة امرأ. الاستشهاد فيه: في قوله: "هبني" فإنه بمعنى ظنني، ونصب مفعولين كما ذكرناه، وهو من الجوامد لا يتصرف منه الماضي والمستقبل، ولا يجيء منه إلا الأمر، والغالب عليه أن يتعدى إلى مفعولين صريحًا، وقد يدخل على أن وصلتها قليلًا (٥)، وزعم الجرمي أنه لحن وهو فاسد؛ لأنه ورد في

стр. 810

حديث عمر - رضي الله تعالى عنه-: "هب أن أبانا كان حمارًا" (١). الشاهد الثاني والثلاثون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) زَعَمَتني شيخًا وَلَسْتُ بشَيخٍ … إنَّمَا الشيخُ منْ يَدُبُّ دَبِيبَا أقول: قائله هو أمية الحنفي، واسمه أوس، وهو من قصيدة بائية أولها هذا البيت، وبعده (٤): ٢ - إنما الشيخُ منْ يُسَترُهُ الحيـ … ي ويمشي في بيتهِ محجُوبَا ٣ - إن أرادَ الخُروج خُوّفَ بالذئـ … بِ بانْ كَانَ لا يَرَى الحَيُّ ذيبَا ٤ - كَيفَ يدْعَى شيخًا أخُو مُضلعَاتٍ … ليسَ يثني تقلبًا وركُوبَا ٥ - فإذَا ما الجَليلُ عيّ به القو … م وهابَ الحطيبُ كانَ خطيبَا ٦ - كم لأَوْسٍ مَن كَاشحٍ لَوْ تِرَاهُ … قد بَنَت دونَه المساحي قليبَا وهي من الخفيف، وفيه الخبن. ١ - قوله: "من يدب" أراد: من يدرج في المشي رويدًا. ٤ - قوله: "أخو مضلعات": من الإضلاع وهو الإمالة، يقال: رجل (٥) مضلع؛ أي: مثقل. ٥ - قوله: "فإذا ما الجليل" بالجيم أي: العظيم، قوله: "عي به القوم" من عي به الأمر إذا لم يهتد لوجهه. ٦ - و "الكاشح": الذي يضمر لك العداوة، و "المساحي": جمع مسحاة وهي المجرفة من حديد، وهي فاعل بنت، و "القليب": البئر. الإعراب: قوله: "زعمتني" بمعنى: ظننتني؛ فلذلك نصب مفعولين: الأول: الضمير المتصل به،
следующие страницы →