← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الاستشهاد فيه: في قوله: "تعلم أن للصيد" وهو أن وقوع تعلم بمعنى اعلم في الأكثر يكون على أن وصلتها، ومنه ما جاء في حديث الدجال: "تَعَلَّمُوا أَن رَبَّكُم لَيسَ بِأَعْوَر" أي: اعلموا، وفي حديث (١): "تَعَلَّمُوا أنه لَيسَ يرى أَحَدٌ منكم ربَّهُ حَتَّى يَمُوتَ" أي: اعلموا (٢). الشاهد التاسع والعشرون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) قدْ كُنْتُ أَحْجُو أَبَا عَمْرو أَخا ثِقَةٍ … حتى أَلمتْ بِنَا يَوْمًا مُلِمَّاتُ أقول: قائله هو تميم بن أبي بن مقبل؛ كذا قاله ابن هشام، ونسبه في المحكم لأبي شنبل الأعرابي، وبعده: ٢ - فقلت والمرءُ قدْ تخطيهِ مُنيتُهُ … أدنى عَطيّتهُ إيّايَ مِيَّآتُ ٣ - فكانَ مَا جَادَ لي لا جَادَ مِنْ سَعَةٍ … دواهمَ زائفاتٍ ضَربَجِيَّاتٍ وهي من البسيط. قوله: "أحجو" أي: أظن، قال الجوهري: إني أحجو به خيرًا أي: أظن (٥) قوله: "حتى ألمت بنا" أي: نزلت؛ من الإلمام وهو النزول، والملمات: جمع ملمة وهي النازلة من نوازل الدنيا، قوله: "فقلت" أي: في نفسي، واعترض بينه وبين المقول بجملة. ٢ - و "المنية" بضم الميم؛ واحدة المني، قوله: "ميآت" بكسر الميم وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة، وهي جمع مائة برد لامها، ولكنه قدمها على العين، والمستعمل في الكلام حذفها كما في المفرد. ٣ - قوله: "فكان ما جاد إلى آخره" فيه الأخبار عن النكرة بالمعرفة، فإن قدرت ما نكرة بمعنى شيء لا موصولة فواضح، واعترض بجملة الدعاء بين الخبر والخبر عنه.

стр. 807

قوله: "ضربجيات" بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وبالجيم؛ وهو جمع ضربجي، قال في المحكم: درهم ضربجي؛ أي: زائف (١)، فيكون قوله: "ضربجيات": صفة مؤكدة، وصفة ما لا يعقل تجمع بالألف والتاء؛ نحو قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. الإعراب: فوله: "كنت أحجو" التاء اسم كان، والجملة؛ أي قوله: "أحجو": خبره، وأحجو يقتضي مفعولين لأنه بمعنى الظن، فقوله: "أبا عمرو": كلام إضافي مفعوله الأول. وقوله: "أخا ثقة": كلام إضافي -أيضًا- مفعوله الثاني، قوله: "حتى" للغاية بمعنى إلى أي: كنت أظن كذا إلى أن ألمت بنا النوازل، قوله. "بنا" في محل النصب على المفعولية، قوله: "يومًا" نصب على الظرفية، قوله: "ملمات" مرفوع بقوله: "ألمت". الاستشهاد فيه: في قوله: "قد كنت أحجو" فإنه جاء بمعنى الظن ونصب المفعولين، ولم يذكر أحد من النحاة أن حجا يحجو يتعدى إلى مفعولين غير ابن مالك -رحمه الله تعالى- (٢). الشاهد الثلاثون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) فلَا تَعدُد الموَلَى شَرِيكَكَ في الغنَى … ولكنَّمَا الموْلَى شَرِيكُكَ في العُدْمِ أقول: قائله هو النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد قبل وفاة رسول الله ﷺ بثماني سنوات (٥) وسبعة أشهر، فحنكه رسول اللَّه ﷺ بتمرة فتلمظ (٦) بها، فقال رسول الله ﷺ (٧):

стр. 808

"انظر إلى الأنصار وحبها التمر" وروى عن رسول اللَّه ﷺ في القول الأصح، وهو أول مولود [للأنصار] (١) بعد الهجرة، في قولٍ له، ولأبويه صحبة، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة -رضي اللَّه تعالى عنهم- استعمله معاوية على حمص فخرج منها فاتبعوه وقتلوه، واحتزوا رأسه بقرية من قرى حمص، وذلك بعد وقعة مرج راهط سنة أربع وستين في ذي الحجة، وكان كريمًا جوادًا شاعرًا، وهو من قصيدة ميمية من الطويل وقبله (٢): ١ - وإني لأُعْطِي المال مَنْ ليسَ سائلًا … وَأَغْفِرُ للمولَى المُجَاهِرِ بالظّلمِ ٢ - وإني متى ما تَلْقَني حازمًا لَهُ … فمَا بَينَنَا عِنْدَ الشَّدَائِدِ مِن صَرم ٣ - فلا تَعْدُد المولى .......... … ...................... إلى آخره ١ - قوله: "وأغفر للمولى" أراد به الحليف أو الصاحب، والمولى يأتي لمعان كثيرة، وقد بيناها فيما مضى غير مرة. ٢ - قوله: "من صرم" أي: من قطع. ٣ - قوله: "فلا تعدد المولى" أي: فلا تعد، وقد جاء بالفك؛ كما يقال: في نحو: لا تمد: لا تمدد، والمراد من المولى هاهنا ما ذكرناه في البيت السابق، قوله: "في العدم" بضم العين؛ من عدمت الشيء بالكسر أعْدَمَه عُدْمًا وعَدَمًا بالتحريك على غير قياس؛ أي: فقدته، والعدم -أيضًا- الفقر، وكذا العدم إذا ضممت أوله خففت الدال بالسكون، وإن فتحت حركت، وأعدم الرجل؛ أي: افتقر فهو معدم وعديم. الإعراب: قوله: "فلا تعدد" الفاء للعطف، و "لا" للنهي، "وتعدد": مجزوم به، ولكنه حرك بالكسر لأجل الوصل، وهو يقتضي مفعولين؛ لأنه بمعنى الظن لا بمعنى الحسبان، فقوله: "المولى": مفعوله الأول، وقوله: "شريكك"؛ مفعوله الثاني، قوله: "في الغنى": يتعلق بقوله: "لا تعدد"، قوله: "ولكنما" دخلت ما الكافة على لكن فكفتها عن العمل، وقوله: "المولى": مبتدأ، وخبره قوله: "شريكك"، وقوله: "في العدم": يتعلق بالخبر.

стр. 809

الاستشهاد فيه: في قوله: "فلا تعدد" حيث جاء بمعنى الظن ونصب مفعولين (١). الشاهد الحادي والثلاثون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) فقُلْتُ أَجِرْنِي أَبَا خَالِدٍ … وإِلَّا فَهَبنِي امْرَأً هَالكا أقول: قائله هو ابن همام السلولي (٤). وهو من المتقارب. المعنى: فقلت يا أبا خالد أجرني وأغثني وإن لم تجرني فظنني من الهالكين. الإعراب: قوله: "فقلت": فعل وفاعل، والجملة -أعني قوله: "أجرني": مقول القول، قوله: "أبا خالد": منادى منصوب حذف منه حرف النداء، والأصل: يا أبا خالد، قوله: "وإلا" أصله: وإن لم تفعل، الشرط محذوف وجزاؤه هو قوله: "فهبني"، أي: وإن لم تجرني فهبني، و "هب" هاهنا بمعنى الظن، فلذلك نصب مفعولين: الأول الضمير المنصوب المتصل، والثاني قوله: "امرأ"، قوله: "هالكا": صفة امرأ. الاستشهاد فيه: في قوله: "هبني" فإنه بمعنى ظنني، ونصب مفعولين كما ذكرناه، وهو من الجوامد لا يتصرف منه الماضي والمستقبل، ولا يجيء منه إلا الأمر، والغالب عليه أن يتعدى إلى مفعولين صريحًا، وقد يدخل على أن وصلتها قليلًا (٥)، وزعم الجرمي أنه لحن وهو فاسد؛ لأنه ورد في

стр. 810

حديث عمر - رضي الله تعالى عنه-: "هب أن أبانا كان حمارًا" (١). الشاهد الثاني والثلاثون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) زَعَمَتني شيخًا وَلَسْتُ بشَيخٍ … إنَّمَا الشيخُ منْ يَدُبُّ دَبِيبَا أقول: قائله هو أمية الحنفي، واسمه أوس، وهو من قصيدة بائية أولها هذا البيت، وبعده (٤): ٢ - إنما الشيخُ منْ يُسَترُهُ الحيـ … ي ويمشي في بيتهِ محجُوبَا ٣ - إن أرادَ الخُروج خُوّفَ بالذئـ … بِ بانْ كَانَ لا يَرَى الحَيُّ ذيبَا ٤ - كَيفَ يدْعَى شيخًا أخُو مُضلعَاتٍ … ليسَ يثني تقلبًا وركُوبَا ٥ - فإذَا ما الجَليلُ عيّ به القو … م وهابَ الحطيبُ كانَ خطيبَا ٦ - كم لأَوْسٍ مَن كَاشحٍ لَوْ تِرَاهُ … قد بَنَت دونَه المساحي قليبَا وهي من الخفيف، وفيه الخبن. ١ - قوله: "من يدب" أراد: من يدرج في المشي رويدًا. ٤ - قوله: "أخو مضلعات": من الإضلاع وهو الإمالة، يقال: رجل (٥) مضلع؛ أي: مثقل. ٥ - قوله: "فإذا ما الجليل" بالجيم أي: العظيم، قوله: "عي به القوم" من عي به الأمر إذا لم يهتد لوجهه. ٦ - و "الكاشح": الذي يضمر لك العداوة، و "المساحي": جمع مسحاة وهي المجرفة من حديد، وهي فاعل بنت، و "القليب": البئر. الإعراب: قوله: "زعمتني" بمعنى: ظننتني؛ فلذلك نصب مفعولين: الأول: الضمير المتصل به،

стр. 811

والثاني: قوله: "شيخًا"، قوله: "ولست بشيخ": جملة وقعت حالًا، والباء في بشيخ زائدة، وهو خبر ليس، واسمه الضمير المتصل به، قوله: "إنما" بطل عمل إن بدخول ما الكافة عليه، وقوله: "الشيخ": مبتدأ، و"من يدب": خبره، و"من": موصولة، و"يدب": صلته، و"دبيبًا": مفعول مطلق. الاستشهاد فيه: في قوله: "زعمتني شيخًا" حيث جاء زعم بمعنى الظن، فلذلك اقتضى مفعولين ونصبهما، والأكثر (١) في هذا وقوعه على أنْ أو أنَّ وصلتهما نحو: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] (٢). الشاهد الثالث والثلاثون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) وَقَدْ زعَمَتْ أني تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا … وَمَنْ ذَا الذِي يَا عَزُّ لَا يَتغَيَّرُ أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن بن أبي جمعة، وهو كثير عزة، وقد ترجمناه فيما مضى، وحدث ابن دريد عن العتبي قال: دخلت عزة على عبد الملك بن مروان فقال لها: أنت عزة كثير، فقالت: أنا أم بكر الضمرية، فقال لها: أتروين قول كثير: وَقَدْ زعَمَتْ أني تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا … وَمَنْ ذَا الذِي يَا عَزُّ لَا يَتغَيَرُ تَغَيّرَ جِسْمي والخلِيقَةُ كالذي … عَهِدْتِ ولَم يُخْبِر بسِرِّكِ مُخْبِرُ فقالت: لا أروي هذا، ولكن أروي قوله (٥): كَآَني أُنَادي صَخْرَةً حِينَ أَعْرَضَتْ … مِنَ الصُّمِّ لوْ تَمْشِي بهَا العُصْمُ زَلَّتِ وهذا من قصيدة من منتخبات كثير، فعن قريب نذكرها -إن شاء الله تعالى-.

стр. 812

والقصيدتان كلتاهما من الطويل (١). الإعراب: قوله: "وقد زعمت" الواو للعطف، وقد للتحقيق، وزعمت بمعنى ظنت، قوله: "أني تغيرت": جملة من اسم أن وخبره سدت مسد مفعولي زعمت، وقوله: "بعدها": نصب على الظرف؛ أي: بعد عزة، وقد سبق ذكرها في الأبيات السابقة. قوله: "ومن": استفهامية مبتدأ و "ذا": خبره، و "الذي": موصول، و "لا يتغير": صلته، وقوله: "يا عز": منادى مرخم، وأصله: يا عزة، اعترض بين الموصول وصلته، ويجوز أن تكون ذا زائدة على رأي الكوفيين ويكون الوصول خبر من (٢). الاستشهاد فيه: في قوله: "وقد زعمت أني" حيث وقع زعم على أن، وذلك لأن وقوعه على أن، وأن وصلتهما كثير؛ كما ذكرناه في البيت السابق (٣). الشاهد الرابع والثلاثون بعد الثلاثمائة (٤)، (٥) ظَنَنْتُكَ إِنْ شَبَّتْ لَظَى الحَرْبِ صاليَا … فَعَرَّدَتْ فِيمَنْ كَانَ عَنْهَا مُعَرِّدَا أقول: هو من الطويل وفيه القبض. قوله: "إن شبت": من شببت النار والحرب أشبهما شبًّا وشبوبًا إذا أوقدتهما، والشبوب بالفتح؛ ما توقد به النار، قوله: "لظى الحرب" أي؛ نار الحرب، قوله: "صاليًا": من صلى يصلى إذا دخل، قوله: "فعردت" بتشديد الراء؛ من عرد الرجل إذا انهزم وترك القصد، و "المعرد": فاعل منه وهو المنهزم. الإعراب: قوله: "ظننتك": جملة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر فيه والمفعول وهو الكاف، وهو يستدعي مفعولين: الأول هو الكاف، والثاني: هو قوله: "صاليًا"، وقوله: "إن شبت لظى الحرب"

стр. 813

معترض بينهما، وإن للشرط، و "شبت لظى الحرب": جملة وقعت فعل الشرط، وجوابه هو قوله: "ظننتك"، "وشبت" على صيغة المجهول (١)، وقوله: "لظى الحرب": كلام إضافي مفعول ناب عن الفاعل، قوله: "فعردت": جملة من الفعل والفاعل، الفاء فيه تصلح للتعليل، وقوله: "فيمن": يتعلق به، و "من": موصولة، والجملة- أعني: "كان عنها معردًا": صلتها، واسم كان مستتر فيه وهو الضمير العائد إلى من، وقوله: "معردًا": خبره، "وعنها" يتعلق به. الاستشهاد فيه: في قوله: "ظننتك" فإن الظن فيه يحتمل أن يكون بمعنى اليقين، ويحتمل أن يكون بمعنى الرجحان، ولكن الغالب فيه معنى الثاني كباب حسب وخال (٢). الشاهد الخامس والثلاثون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) وكنا حَسبنَا كُلَّ بَيضَاءَ شَحْمَةً … عَشِيَّةَ لاقينا جذامَ وَحِمْيَرَا أقول: قائله هو زفر بن الحرث (٥) بن معاوية بن يزيد بن عمرو بن الصعق بن خليد بن نفيل بن عمرو بن كلاب الكلابي. وهو من قصيدة قالها يوم مرج راهط؛ موضع كانت لهم فيه وقعة بالشام، وهو اليوم الذي قتل فيه الضحاك بن قيس الفهري، وبعد البيت المذكور هو قوله: ٢ - فلمَّا لقينَا عصبة تغْلَبِيّةً … يقُودُونَ جُرْدًا في الأعِنَّةِ ضَمَّرَا

стр. 814

٣ - سقيناهُمُ كَأَسًا سقونَا بمثلِها … ولكنَّهُم كانوا على الموتِ أصْبَرَا ٤ - فلمَّا قَرَعْنَا النَّبْعَ بالنبْعِ بعضهُ … ببعضٍ أبتْ عِيدانُهُ أَنْ تُكْسَرَا وهي من الطويل. ١ - قوله: " [كل بيضاء شحمة" أراد: كنا نطمع في أمر فوجدناه على خلاف ما كنا نظن، وهذا هو من قولهم: ما] (١) كل بيضاء شحمة، وما كل سوداء تمرة، وهو من أمثال العرب (٢)، و "جذام" و "حمير": قبيلتان، قال الجوهري: جذام: قبيلة من اليمن تنزل بجبال جسمَى، ويزعم نسّاب مضر أنهم من معدّ (٣). ٢ - قوله: "تغلبية" أراد: تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة؛ لأن الظفر في مرج راهط كان لكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، قوله: "جرذا" بضم الجيم وسكون الراء؛ جمع أجرد، يقال: فرس أجرد إذا رقت شعرته، و "الأعنة": جمع عنان، و "الضمر" بضم الضاد؛ جمع ضامر؛ من ضمر الفرس وغيره ضمورًا إذا خف لحمه. ٣ - قوله: "سقيناهم إلى آخره" أراد: أنه يُشهد لهم بالغلبة. ٤ - قوله: "فلما قرعنا النبع" النبع بفتح النون وسكون الباء الموحدة وفي آخره عين مهملة؛ وهو شجر صلب ينبت في الجبال يعمل منه القسي، ومن أمثالهم (٤): "النبعُ يقرعُ بعضُهُ بعضًا"، فضربه مثلًا لهم ولأعدائهم. الإعراب: قوله: "وكنا" الضمير المتصل به اسم كان، وخبره الجملة - أعني قوله: "حسبنا كل بيضاء شحمة"، وحسب إذا كان بمعنى ظن يقتضي مفعولين، فقوله: "كل بيضاء": كلام إضافي مفعوله الأول. وقوله: "شحمة": مفعوله الثاني، قوله: "عشية": نصب على الظرف مضاف إلى الجملة، قوله: "جذام": مفعول "لا قينا"، وهو لا ينصرف للعلمية والتأنيث، و "حميرَا": عطف عليه وألفه للإطلاق. الاستشهاد فيه: في قوله: "حسبنا" فإن حسب هاهنا بمعنى ظن؛ فلذلك نصب مفعولين.

стр. 815

واعلم أن حسب (١) قد جاء بالضم والفتح والكسر على معانٍ: فحسِب بكسر السين يحسَب ويحسِبُ بفتح السين وكسرها في المضارع حِسبانًا بكسر الحاء ومحسَبة ومحسِبة بفتح السين، وكسرها بمعنى ظن فهو حاسب، والشيء محسوب أي: مظنون، والأمر: احسَب واحسب بفتح السين وكسرها، وحسِب الرجل بكسر السين حسبًا فهو أحسب إذا صار ذا شقرة وبياض كالبرص، وحسَب بفتح السين بمعنى عدّ يحسُب بضم السين [حسبًا وحسابًا وحسبانًا وحسابةً وحسبةً فهو حاسب، والشيء محسوب، والأمر احسُب بضم السين لا غير] (٢). وأما حسُب بضم السين فمعناه: صار حسيبًا يحسُب بضم السين حسابة فهو حسيب، والذي هو من هذا الباب وينصب المفعولين هو الذي يكون بمعنى ظن، وأما الذي بمعنى: عدّ فينصب مفعولًا واحدًا، والآخران لازمان فافهم (٣). الشاهد السادس والثلاثون بعد الثلاثمائة (٤)، (٥) حَسِبْتُ التُّقَي والجُودَ خَيرَ تجارَةٍ … رَبَاحًا إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقلًا أقول: قائله هو لَبيد -بفتح اللام بن ربيعة العامري، وهو من قصيدة طويلة من الطويل وأولها هو قوله: ١ - كُبَيشَةُ حَلَّتْ بَعْدَ عَهْدكَ عَاقِلًا … وكَانَتْ لَهُ شُغلًا عَلَى النَّأْي شاغِلَا ٢ - تَرَبَّعَتِ الأشْرَافَ ثُمَّ تَصَيَّفَت … حِسِيَّ البطاحِ وانْتَجَعْنَ السَّلائلَا ٣ - تَخَيرُ مَا بَينَ الرِّجَامِ وَوَاسِطٍ … إلَى سِدْرَةِ الرسين تَرْعَى السَّوَائِلَا إلى أن قال: ٤ - تلُومُ عَلَى الإهلاكِ في غَيرِ ضَلَّةٍ … وهَلْ لِي مَا أَمْسَكتُ إنْ كُنتُ بَاخِلَا ٥ - حَسِبتُ التُّقَى ................. … ....................... إلى آخره

стр. 816

٦ - وهلْ هُوَ إلا مَا ابتَنَى في حَيَاتِهِ … إذَا قَذَفُوا فَوْقَ الضَّرِيحِ الجَنَادِلَا ١ - قوله: "كبيشة": اسم امرأة، قوله: "عاقلًا" بالعين المهملة والقاف، اسم جبل، قوله: " وكانت له" أراد: كانت لي لأنه خاطب نفسه. ٢ - قوله: "تربعت"؛ من الربيع، و "الأشراف" بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة، اسم موضع، قوله: "تصيفت": من الصيف، قوله: "حسي البطاح" الحسي -بكسر الحاء المهملة وتخفيف السين المهملة يحفر في الرمل قدر شبر فيخرج منه الماء، و "البطاح" بكسر الباء الموحدة، اسم ماء لبني أسد، ويقال: البطاح من الرمال، ويقال للرملة: بطحاء، قوله: "وانتجعن" أي: طلبن أثر المطر فأتبعنه، و "السلائل": منابت الطلح. ٣ - و "الرجام" بكسر الراء وبالجيم؛ اسم موضع، و "واسط": ماء لبني كلاب، قوله: "إلى سدرة الرسين" الرسان: موضع لبني كلاب، و "السوائل": مسيل الماء. ٥ - قوله: "حسبت" بمعنى: تيقنت وعلمت هاهنا، قوله: "رباحًا" بفتح الراء؛ أي: رِبحًا بكسر الراء، قوله: "ثاقلًا" بالثاء المثلثة، أراد ميتًا؛ لأن الأبدان تخف بالأرواح، فإذا مات الإنسان يصير ثاقلًا كالجماد. ٦ - قوله: "وهل هو إلا ما ابتنى" يعني: إلا ما قدم في أيام حياته، قوله: "فوق الضريح" أي: القبر، والجنادل": الحجارة، جمع جندل. الإعراب: قوله: "حسبت": فعل وفاعل، و "التقى": مفعوله الأول، قوله: "والجود": عطف عليه قوله: "خير تجارة": كلام إضافي وقع مفعولًا ثانيًا لحسبت. فإن قلت: المذكور شيئان هما التقى والجود وهما في الحقيقة مبتدآن، وقوله: "خير تجارة" خبر، فكيف لم يطابق الخبر المبتدأ في التثنية؟ قلت: لفظة الخير هاهنا للتفضيل فيستوي فيه المفرد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، ولهذا تقول: فلانة خير الناس، ولا تقل: خيرة الناس؛ لأنه في معنى: أفعل. فإن قلتَ: ما تقول في قول الشاعر (١): ألا بَكَرَ النَّاعِي بِخَيرَيْ بَنِي أَسَد … بِعَمْرِو بنِ مَسعُودٍ وبالسَّيدِ الصَّمدْ

стр. 817

فهذا قد ثناه؟ قلتُ: لأنه أراد: خيريّ بني أسد بالتشديد ولكنه خففه للضرورة، وهو هاهنا صفة وليس للتفضيل فافهم. قوله: "رباحًا": نصب على التمييز؛ أي: من حيث الربح والفائدة؛ كما تقول: فلان خير الناس عبادة، قوله: "إذا" للظرف، وكلمة ما زائدة، و "المرء": مبتدأ، و "أصبح ثاقلًا": خبره، "وثاقلًا" نصب لأنه خبر أصبح؛ لأنه بمعنى صار فيستدعي اسمًّا مرفوعًا وخبرًا منصوبًا، فاسمه هو الضمير المستتر فيه، وثاقلًا: خبره. الاستشهاد فيه: في قوله: "حسبت" حيث جاء بمعنى علمت ونصب مفعولين كما ذكرناه (١). الشاهد السابع والثلاثون بعد الثلاثمائة (٢)، (٣) إِخَالُكَ إِنْ لَمْ تَغْضُضِ الطَّرْفَ ذَا هَوًى … يَسُومُكَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ مِنَ الوُجْدِ أقول: هو من الطويل. قوله: "إخالك" أي: أظنك، وهو بكسر الهمزة في استعمال الأكثرين، وتفتح الهمزة على القياس، وهو لغة بني أسد، وهو من: خال يخال خيلًا وخيلة ومخيلة وخيلولة وخيلانًا فهو خائل، والشيء مخيل كمبيع، والأمر منه: خَلْ -بفتح الخاء وتخفيف اللام؛ كذر ودع وهو بمعنى ظن، فإن رددت الفعل إلى نفسك قلت: خِلْتُ بكسر الخاء. قوله: "إن لم تغضض الطرف": من غض البصر وهو أن لا يفتحه، والطرف -بفتح الطاء وسكون الراء: تحريك الجفون بالنظر، وأراد به هاهنا: إن لم تنم؛ يعني: إخالك (٤) "ذا هوى"، يعني: صاحب (٥) عشق ومحبة إن لم تنم ولم يأخذك النوم؛ لأن صاحب الهوى لا ينام والنوم عليه حرام (٦).

стр. 818

قوله: "يسومك" أي: يكلفك؛ من السوم وهو التكليف، ومنه الحديث: "من ترك الجهاد ألبسه الله الذلة وسيم الحسف" أي: كلف وألزم، وأصله الواو؛ يعني: سُوم فقلبت ضمة السين كسرة ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، قوله: "من الوجد" وهو شدة العشق، يقال: وجدت بفلانة وجدًا إذا أحببتها حبًّا شديدًا، وقال ابن فارس: يقال: وجدت من الحزن وجدًا (١). الإعراب: قوله: "إخالك": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وهو الكاف وهو مفعوله الأول، وقوله: "ذا هوى": كلام إضافي مفعول ثان، قوله: "إن": حرف شرط، و "لم تغضض الطرف": جملة وقعت فعل الشرط، و"الطرف": مفعول لم تغضض، وجواب الشرط هو قوله: "إخالك ذا هوى". قوله: "يسومك" فعل وفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الهوى، ومفعول وهو الكاف، وقوله: "ما لا يستطاع": مفعول ثان؛ أي: يكلفك الهوى ما لا تقدر عليه، و"ما": موصولة، و "لا يستطاع": جملة صلته، قوله: "من الوجد": بيان عن قوله: "ما لا يستطاع" (٢). الاستشهاد فيه: في قوله: "إخالك" حيث استدعى مفعولين، ونصبهما لكونه بمعنى الظن (٣). الشاهد الثامن والثلاثون بعد الثلاثمائة (٤)، (٥) مَا خِلْتُنِي زِلْتُ بَعْدَكُم ضَمِنَا … أَشكُو إِلَيكُم حُمُوَّةَ الأَلَمِ أقول: هذا البيت أنشده الجوهري، وقال: أنشده الأحمر، ولم يعزه إلى قائله، وأحمر هو بن محرز خلف بن حيان الأحمر (٦) مولى أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وكان من أعلم

стр. 819

الناس بالشعر وأقدرهم على القافية، وكان شاعرًا -أيضًا-. وهو من المنسرح (١). قوله: "ضَمِنًا" بفتح الضاد المعجمة وكسر الميم وبالنون، يقال: رجل ضمن وهو الذي به الزمانة في جسده من بلاء أو كسر أو غير ذلك، والاسم: الضمَن بفتح الميم، والضمان والضمانة: الزمانة، وقد ضمِن الرجل بالكسر ضمنًا بفتح الميم فهو ضمِن بكسر الميم؛ أي: زمن مبتلى، قوله: "حموّة الألم" بضم الحاء المهملة وبالميم وتشديد الواو وفي آخره تاء، وحموة الألم: سورته وشدته، ومنه حميا الكأس وهو أول سورتها. الإعراب: قوله: "ما خلتني زلت" أرد: خلتني ما زلت، فقوله: "خلتني": جملة معترضة بين ما وزلت، "وخلت" هاهنا بمعنى: أيقنت؛ كذا قال بعضهم وهو غريب (٢) والتقدير: خلت نفسي، فقوله: "في": المفعول الأول، وقوله: "ضمنًا" هو المفعول الثاني، والتاء في: "زلت": اسم زال، وقوله: "بعدكم": كلام إضافي نصب على الظرف، والعامل فيه زلت. وقوله: "أشكو إليكم حموة الألم": جملة في محل النصب على أنها خبر لقوله: "زلت"، ويقال: "ضمنًا" هو الخبر، "وأشكو إلى آخره" هو المفعول الثاني لخلت، والأول أظهر وأولى على ما لا يخفى. الاستشهاد فيه: في قوله: "ما خلتني" حيث جاء فيه خلت بمعنى ظننت؛ فلذلك نصب مفعولين وهو المعنى الغالب فيه، وإن كان قد يجيء لليقين، وقد قيل: ان خلت فيه بمعنى أيقنت؛ كما ذكرناه.

стр. 820

الشاهد التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة (١)، (٢) قدْ جَرَّبُوهُ فَأَلْفَوْهُ المُغيثَ إِذَا … مَا الرَّوْعُ عَمَّ فَلَا يُلْوَى عَلَى أَحَدٍ أقول: هو من البسيط. قوله: "فألفوه" بالفاء؛ أي: وجدوه، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥] أي: وجداه، قوله: "المغيث": من الإغاثة، و "الروع": الخوف والفزع، قوله: "فلا يلوي" أي: فلا يعطف على أحد بل يعم الجميع. الإعراب: قوله: "قد جربوه" قد للتحقيق، و "جربوه": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، أي: قد جرب الناس ذاك الممدوح، قوله: "فألفوه": عطف عليه، والهاء مفعول أول لألفى، وقوله: "المغيث": مفعول ثان، وقيل: هو حال ولا يصح، لأنه معرفة، وشرط الحال أن تكون نكرة. قوله: "إذا" فيه معنى الشرط وجوابه محذوف مدلول عليه بالمغيث، وكلمة "ما" زائدة، و "الروع": مرفوع بفعل محذوف يفسره الظاهر وتقديره: إذا ما عم الروع، وعند الأخفش هو مبتدأ، وعم خبره (٣)، وقوله: "فلا يُلوى" الفاء للعطف -أيضًا-، ولا يُلْوى على صيغة المجهول، وقوله: "على أحد": [يتعلق به، يقال: لوي عليه، أي: عطف. والمعنى: أن الروع، أي: الخوف إذا عم الناس ولم يلو على أحد وجدوا هذا الممدوح مغيثًا] (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: " [فألفوه" حيث نصب ألفى فيه مفعولين لكونه بمعنى وجد، ومنهم من منع تعدِّي ألفى إلى اثنين، وزعموا في] (٥) قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩]، أن ضالين حال، والبيت حجة عليهم؛ لأنه تعدى فيه إلى اثنين (٦) فافهم.

стр. 821

الشاهد الأربعون بعد الثلاثمائة (١)، (٢) فَإِنْ تَزْعُمِيني كُنْتُ أَجْهَلُ فِيكُم … فَإِني شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بالجهْلِ أقول: قائله هو أبو ذؤيب خويلد بن خالد بن محرث الهذلي، وهو من قصيدة لامية، وأولها هو قوله (٣): ١ - ألَا زَعَمَتْ أَسْمَاءُ أَنْ لَا أُحِبُّهَا … فقلتُ بَلَى لولَا يُنَازِعُنِي شُغْلِي ٢ - جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لمَّا اشْتَكَيتِهِ … وما إِنْ جزَاكَ الضعْفَ مِنْ أَحَدٍ قَبْلِي ٣ - فَإنْ تَكُ أُنْثَى مِنْ معدٍّ كَرِيمَةً … عَلَينَا فقدْ أعطيتُ نافِلَةَ الفَضْلِ ٤ - لعمركَ مَا عَيسَاءُ تَتْبَعُ شادِنًا … تَعِنُّ لهُ بالجزْعِ مِنْ نَخِب نَجْلِ ٥ - إذَا هيَ قامَتْ تَقْشَعِرُّ شِوَاتُهَا … ويشْرقُ بينَ اللِّيتِ مِنْهَا إِلَى الصُّقْلِ ٦ - تَرَى حَمَشًا في صَدْرِهَا ثُمَّ إِنَّهَا … إذَا أَدْبَرَتْ وَلَّتْ بمكْتَنَزِ عَبْلِ ٧ - ومَا أُمُّ خِشْفٍ بالعَلَايَةِ تَرْتَعِي … وترْمُقُ أحيَانًا مُخَاتلَةَ الحبْلِ ٨ - بأحسنَ منهَا يومَ قالتْ كُلَيمَة … أَتَصْرِمُ حَبْلِي أمْ تَدُومُ على الوَصْلِ ٩ - فإن تزعميني .............. … ..................... إلى آخره وهي من الطويل. ٢ - قوله: "ضعف الحب" ويروى: ضعف الود. ٤ - قوله: "عيساء": واحدة العيس، وهي إبل بيضاء في بياضها ظلمة خفيفة، قوله: "تنسأ شادنا " يعني: تسوقه، ويروى: تتبع شادنا، والشادن: الولد، وهو في الأصل ولد الظبية، قوله: "تعن" أي: تعرض، و "الجزع" بكسر الجيم وسكون الزاي؛ وهو منعطف الوادي، قوله: "نخب" بفتح النون وكسر الخاء. المعجمة وفي آخره باء موحدة، قال الباهلي: هو وادي الطائف (٤)، و "النجل" بالنون والجيم هو النز.

стр. 822

٥ - قوله: "شواتها" بكسر (١) الشين المعجمة والواو؛ وهي جلدة الرأس، أراد: يقشعر الشعر الذي في الرأس، قوله: "ويشرق" أي: يضيء، و "الليت" بكسر اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره تاء مثناة من فوق؛ وهي صفحة العنق، و "الصقل": الخاصرة. ٦ - قوله: "حمشًا" أي: دقة، قوله: "عبل" أي: ضخم. ٧ - قوله: "وما أم خشف" أم خشف هي الظبية. و"العلاية" بفتح العين المهملة وبعد اللام ياء آخر الحروف مفتوحة؛ وهو اسم أرض، قوله: "ترمق" أي: تنظر مخاتلة حبل الصائد، يعني: مخادعته. ١٠ - قوله: "شريت الحلم" أي: اشتريته، وتأتي بمعنى: بعت، قال الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، و ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَه﴾ [البقرة: ٢٠٧] قوله: "بعدك" أي: بعد فراقك. الإعراب: قوله: "فإن تزعميني" الفاء للعطف وإن للشرط، "وتزعميني": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت فعل الشرط، قوله: "فإني شريت": "جواب الشرط، وزعم هاهنا بمعنى ظن؛ فلهذا نصب مفعولين؛ فقوله: "ني": مفعوله الأول، وقوله: "كنت أجهل فيكم": جملة من اسم كان، وخبره مفعوله الثاني. قوله: "فإني" الضمير المتصل اسم إن، وخبره الجملة، أعني قوله: "شريت الحلم"، والباء في "بالجهل" باء المقابلة؛ كما في قولك: اشتريته بألف؛ أي: بمقابلة ألف، والمعنى: استبدلت الحلم بالجهل، أراد أنه ترك الجهل ولازم الحلم. الاستشهاد فيه: في قوله: "تزعميني" فإن زعم هاهنا بمعنى ظن، وله مفعولان؛ كما ذكرنا، واعلم أن زعم تأتي لمعانٍ: الأول: بمعنى ظن وهو المقصود هاهنا، تقول: زَعَمَ يَزْعُمُ زَعْمًا وزُعْمًا بفتح الزاي وضمها فهو زاعم، وذاك مزعوم، والأمر: ازعم بضم الهمزة والعين. الثاني: بمعنى الكفالة؛ تقول: (٢) زعم به؛ أي: كفل يزعم زعمًا وزعامة فهو زعيم، أي: كفيل، وفي الحديث (٣): "الزعيم غارم".

стр. 823

الثالث: بمعنى: القول؛ تقول: زعم يعني: قال قولًا لا يدري أحق هو أم باطل، يزعم زَعمًا وزُعمًا وزِعمًا. الرابع: زعم على القوم: صار زعيمًا أي: رئيسًا، وقال الجوهري: الزعامة: السيادة، وزعيم القوم: سيدهم (١). الخامس: بمعنى: رام الزعامة وهي السيادة. السادس: زعم غيرَه: أي: فاقه في الزعامة. السابع: زعِم بكسر العين يزعَم بفتحها زعمًا فهو زعم إذا طمع. الثامن: زعم اللحم كثر دسمه، فافهم (٢). الشاهد الحادي والأربعون بعد الثلاثمائة (٣)، (٤) لَا أَعُدُّ الإِقْتَارَ عُدْمًا ولَكِنْ … فَقْدُ مَنْ قَدْ فَقَدْتُهُ الإعْدَامُ أقول: قائله هو أبو داود، واسمه: جارية بن الحجاج، وكان الحجاج يلقب حمران بن بحر بن عصام بن منبه بن حذافة بن زهير [بن إياد] (٥) بن نزار بن معد، شاعر قديم من شعراء الجاهلية، وكان وصافًا للخيل وأكثر أشعاره في وصفها. وهو من قصيدة ميمية، وهي طويلة من الخفيف وفيه التشعيث وهو إسقاط أحد متحركي الوتد فيصير فاعاتن أو فالاتن فيرد إلى مفعولن، وأولها هو قوله: ١ - منعَ النومَ ماريَ التهمامُ … وجديرٌ بالهمِّ مَنْ لَا يَنَامُ ٢ - منْ ينمْ ليلُهُ فقدْ أعملَ الليـ … لَ وذُو البتِّ ساهرٌ مُسْتَهامُ ٣ - هَلْ يَرَى مِنْ ظَعَائِنَ بَاكِرَاتٍ … كالعَدَوْلِيّ سَيرُهُنَّ انْقِحام

стр. 824

٤ - فاكِنَاتٍ يقضِمْنَ مِنْ قُضُبِ الضِّرْ … وِ ويَشْفِي بدَلهُنّ السِّقَامُ ٥ - وسبَّتْنِي بَنَاتُ نَخْلَةَ لوْ كنـ … ـتُ قريبًا أَلمَّ بِي إِلْمَامُ ٦ - يكتبينَ الينْجُوجَ في كَبَّةِ المشـ … تى وبُلْهٌ أَحْلامُهُنَّ وسَامُ ٧ - ويصنَّ الوجوهَ في الميسْنَانِي … كما صانَ قرنَ شمسِ غمامُ ٨ - وتراهنَّ في الهَوَادِجِ كالغِزْ … لَانِ مَا إِنْ يَنَالهُنَّ السِّهَامُ ٩ - نَخِلَاتٌ من نَخْل بيسانَ أينَعْنَ … جميعًا ونَبْتُهُنّ تُوَامُ ١٠ - وتدلَّتْ علَى منَاهِلِ بُرْد … وفُلَيح مِنْ دُونِهِنَّ سَنَامُ ١١ - وأتانِي تقْحِيمُ كعبِ لي المنـ … ـطقُ إنّ النكيثةَ الإقحامُ ١٢ - في نظامٍ ما كُنْتُ فيهِ فلَا يحـ … ـزنْكَ قولٌ لكلّ حسناءَ ذامُ ١٣ - ولقدْ رَابَني ابنُ عمِّي كعبِ … أنهُ قدْ يَرُومُ مَا لَا يُرَامُ ١٤ - غيرُ ذنب بَنِي كنانةَ متى … إنْ أُفَارِقْ فَإنَّنِي مُجْذَامُ ١٥ - لَا أَعُدُّ الإِقْتَارَ عُدْمًا ....... … ....................... إلى آخره ١٦ - منْ رجالٍ مِنَ الأَقَاربِ بَادُوا … مِنْ حُذَاقٍ هم الرؤوسُ الكرامُ ١٧ - فيهم للمُلايِنِينَ أناةٌ … وعُرَامٌ إذا يُرَادُ الْعُرَامُ (١) ١ - قوله: "ماري": منادى مرخم أصله: يا مارية، و "التهمام" بفتح التاء، بمعنى الهم، وهو مصدر، نحو التسكاب والترداد. ٢ - قوله: "من ينم ليله" برفع الليل، يقال: ليل نائم، أي: ينام فيه، وليل ساهر، أي: يسهر فيه، قوله: "وذو البت" أي: ذو القطع، و "المستهام": ذاهب الفؤاد. ٣ - قوله: "من ظعائن" وهي النساء في الهودج؛ جمع ظعينة، قوله: "كالعدوليّ" أي: كالمركب العدولي، نسبة إلى عدولي قرية بالبحرين، قوله: "انقحام" أي: شديد. ٤ - قوله: "واكنات" أي: جالسات في الهوادج، قوله: "يقضمن" أي: يمضغن، و "القضب" بضم القاف؛ جمع قضيب، و "الضِّرو" بكسر الضاد المعجمة وسكون الراء

стр. 825

وفي آخره واو؛ وهو شجر حبة الخضراء. ٥ - قوله: "بنات نخلة" قال الأصمعي: أراد بها النساء، ولا أدري أراد بذلك طولهن أو نسبهن إلى قبيلة، قوله: "ألم بي إلمام" يعني: أتاني منهن زائر. ٦ - قوله: "يكتبين" أي: يتبخرن، والكباء: العود، يقال: كبى ثيابه إذا بخرها، و "الينجوج" بفتح الياء آخر الحروف وسكون النون وبالجيمين أولهما مضمومة وبينهما واو ساكنة؛ وهو العود، قوله: "في كبة المشتى" أي: في أشد البرد، والكبة بفتح الكاف وتشديد الباء الموحدة، قوله: "بله أحلامهن" يعني: لسن بفطنات إلى الشر، والأحلام جمع حلم وهو العقل، وقوله: "وسام" بكسر الواو وتخفيف السين المهملة؛ أي: حسان، يقال: رجل وسيم؛ أي: جميل الوجه. ٧ - قوله: "ويصن الوجوه " أي: يسترن وجوههن في اليسناني، وهو ضرب من الثياب، وهو بفتح الميم وسكون الياءآخر الحروف وفتح السين المهملة والنون وبعد الألف نون مكسورة، و "قرن الشمس": جانبها. ٨ - قوله: "السهام" بفتح السين المهملة، وهو الريح الحارة تكون في أشد الحر، ويروى: ما إن تنالهن السهام، أي: لا يرمين بالأبصار. ٩ - قوله: "من نخل بيسان" وهي بلدة في الشام معروفة، وأينع التمر يونع إيناعًا وينع يينع ينوعًا، وهو منوع ويانع إذا أدرك، قوله: "توام" يعني: اثنان في أصل واحد. ١٠ - قوله: "برد" بضم الباء الموحدة وسكون الراء؛ وهي قبيلة، و "فُلَيجٍ" بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره جيم؛ وهو مكان، و "سنام" بفتح السين المهملة والنون؛ اسم جبل. ١١ - قوله: "وأتاني تقحيم كعب" وهو كعب بن مارية الإيادي، قوله: "تقحيم كعب" من تقحيم النفس في الشيء، وهو إدخالها فيه من غير روية، قوله: "إن النكيثة الإقحام ": من قولهم: فلان بلغ نكيثة بعيره؛ أي: أقصى مجهوده في السير. ١٢ - قوله: "في نظام ما كنت فيه" يعني: رماني بأمر ما كنت في جنسه، ويقال: فلان في ذلك النظام؛ أي: في تلك الطريقة، ثم رجع إلى نفسه فقال: "لا يحزنك قول: لكل حسناء ذام" أي: عيب، وهو بالذال المعجمة. ١٤ - قوله: "غير ذنب" وروى الأصمعي: غير ريب، أي: غير شك، قوله: "إن أفارق" أي: إن أفارقكم فأنا مجذام، أي: ماض، يقال: قد انجذم في سيره إذا مضى فيه.

стр. 826

١٥ - قوله: "لا أعد الإقتار عدمًا" الإقتار -بكسر الهمزة إما من أقتر في النفقة على عياله إذا ضيق عليهم فيها، أو من أقتر الرجل إذا افتقر، وكذلك القتر والتقتر، والعدم -بضم العين وسكون الدال مثل العدم بفتحتين مثل البخل والبَخل، تقول: عدمت الشيء بالكسر أعدمه عُدمًا بضم العين وعَدمًا بفتحتين إذا فقدته، والإعدام -بكسر الهمزة من قولك: أعدمه الله إذا جعله معدومًا، ويقال: أعدم الرجل إذا افتقر. والمعنى: لا أظن التضييق والفقر عدمًا، ولكن العدم فقدان من فقدته من الأحباب والأصحاب، ويروى: ......................... … ولكن فقد من رزئته الإعدام. أي: أصبته؛ من الرزء، وهو المصيبة، ومادته: راء ثم زاي معجمة ثم همزة. ١٦ - قوله: "بادوا" بالباء أي: ماتوا، وهوى: ماتوا، قوله: "من حذاق" بضم الحاء المهملة وتخفيف الذال المعجمة وفي آخره قاف؛ وهي قبيلة. ١٧ - قوله: "للملاينين": جمع ملاين؛ من اللين وهو المسكنة، قوله: "أناة" بفتح الهمزة والنون؛ أي: تأن، ويقال: رفق ووقار، قوله: "وعرام" بضم العين المهملة وتخفيف الراء؛ أي: شدة وقوة وشراسة، ويقال: أي: جهل لمن أراد ذلك. الإعراب: قوله: "لا أعد" لا للنفي، وأعد بمعنى أظن، وليس هي بمعنى العدد والحساب، ولهذا اقتضى مفعولين، فقوله: "الإقتار": مفعوله الأول، وقوله: "عدمًا": مفعوله الثاني، قوله: "ولكن" مخفف؛ فلذلك بطل عمله، قوله؛ "فقد": مبتدأ ومضاف إلى من الموصولة، وقوله: "قد فقدته": صلته، و "الإعدام": خبر المبتدأ؛ أي: فقد الذي قد فقدته - أي: عدمته أنا هو الإعدام. الاستشهاد فيه: في قوله: "لا أعد" فإنه نصب مفعولين؛ لأنه بمعنى الظن لا بمعنى العد والحساب؛ كما ذكرناه.

стр. 827

الشاهد الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة (١)، (٢) دَعَانِي الغَوَاني عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي … لِيَ اسْمٌ فَلَا أُدْعَى بِهِ وَهُوَ أَوَّلُ أقول: قائله هو النمر بن تولب الصحابي -رضي الله تعالى عنه- وقد ترجمناه فيما مضى، وهو من قصيدة لامية من الطويل، وأولها هو قوله (٣): ١ - تَأَبَّدَ منْ أطْلالِ جَمْرَةَ مَأْسَلُ … فَقَدْ أقْفَرَتْ منهَا سرَاءٌ فَيذْبُلُ ٢ - فَبُرْقَةُ أَرمَامٍ فَجَنْبَا مُتَالِع … فَوَادِي المياه فالنَّديِّ فأنْجَلُ ٣ - ومِنهَا بأعْرَاضِ المحاضِرِ دِمنَةٌ … ومنها بَوادِي المُسْلَهِمَّة منزِلُ ٤ - أنَاةٌ عليها لُؤلُؤ وزَبَزجَدٌ … ونَظْمٌ كأجْوازِ الجَراد مُفَصَّلُ ٥ - تَرَيَّبَهَا التَّرْعِيبُ والمحضُ خِلْفَةً … ومِسكٌ وكَافُورٌ ولُبنَى تَأَكُّلُ ٦ - يَشُن عليها الزعفرانُ كأنَّهُ … دَمٌ فَارِتٌ يُغْلَى بِهِ ثُمَّ يُغسَلُ إلى أن قال: ٧ - كأنَّ مِحَطًّا في يَدَيْ حارِثِيَّةٍ … صَنَاعٍ عَلَت مِنِّي به الجِلْدُ مِنْ عَلُ ٨ - دعاني .................... … ....................... إلى آخره ٩ - وقَولِي إذَا مَا أطْلَقُوا منْ بَعِيرِهِمْ … تُلاقُونَهُ حتَّى يَؤُوبُ المُنَخَّلُ ١ - قوله: "تأبد" أي: توحش، و "الأطلال": جمع طلل، وهو ما شخص من آثار الدار، و: "جمرة" بالجيم اسم امرأة، و "مأسل" بفتح اليم وسكون الهمزة وفتح السين المهملة وفي آخره لام، وهي رملة، و"سراء" بفتح السين والراء المهملتين ممدود، بلد، و "يذبل" بفتح الياء آخر الحروف وسكون الذال المعجمة وضم الباء الموحدة، وهو اسم جبل. ٢ - قوله: "فبرقة أرمام" البرقة بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح القاف، وهي قطعة من الجبل يختلط بها رمل وحصى وطين، و "الأرمام" بفتح الهمزة وسكون الراء، اسم موضع، قاله الجوهري وغيره (٤)، و "المتالع" بضم الميم وبالتاء المثناة من فوق وكسر اللام وفي

стр. 828

آخره عين مهملة؛ وهو اسم جبل، و "الأنجل" بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم؛ وهو الموضع الذي يكثر فيه النجل، وهو الماء يظهر من الأرض. ٣ - قوله: "بأعراض المحاضر" الأعراض: جمع عرض -بضم العين، وعرض كل شيء: جانبه، والمحاضر: مياه قريبة من قرى عطمة، ودا الدمنة " بكسر الدال وسكون الميم وفتح النون؛ وهي آثار الناس وما سوّدوا، و "المسلهمة" بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام وكسر الهاء وتشديد الميم؛ وهي موضع. ٤ - قوله: "أناة" أي: هي أناة وهي الحليمة البطيئة القيام، و "الأجواز": جمع جوز، وجوز كل شيء: وسطه. ٥ - قوله: "تريبها الترعيب" يعني: كان لها غذاء الترعيب، وهو شقق السنام، رعبته: شققته، وقال ابن حبيب: الترعيب: الممتلئ سمنًا، ومنه: رعبت الحوض: ملأته، وامرأة رعبوبة ومادته: راء وعين مهملتان وباء موحدة، و "المحض" بالحاء المهملة: اللبن الحليب الخالص، قوله: "خلفة" بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام وفتح الفاء، والمعنى: هذا بعد هذا، قوله: "ولبنى" بضم اللام وسكون الباء الموحدة وفتح النون، وهي الميعة في الطيب، قوله: "تأكّل" أي: توهج إذا دخن بها، وأصله: تتاكل فحذف إحدى التائين. ٦ - قوله: "يشن" أي: يصب، ويروى بالسين المهملة، قوله: "فارت" بالفاء وبالتاء المثناة من فوق في آخره؛ أي: جامد يابس. ٧ - قوله: "كأن محطًّا" بكسر الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الطاء؛ وهي المصقلة، وهي حديدة يصقل بها الجلد ليلين ويحسن، قوله: "صناع" بفتح الصاد والنون، يقال: امرأة صناع اليدين؛ أي: حاذقة ماهرة بعمل اليدين، قوله: "من عل" أي: من فوق. ٨ - قوله: "دعاني الغواني" وهو جمع غانية بالغين المعجمة، وهي المرأة التي غنيت بحسنها وجمالها، ويروى: العذارى وهو جمع عذراء وهي الجارية التي لم يمسها رجل وهي البكر. ٩ - قوله: "تلاقونه" أي: لا تلاقونه فطرح لا، وهذا في الشعر كثير، و "المنخل" هو اليشكري الذي ضربته العرب مثلًا، وهو بضم الميم وفتح النون وتشديد الخاء المعجمة المفتوحة. الإعراب: قوله: "دعاني": فعل ومفعول، و "الغواني": فاعله. فإن قيل: كيف قال: دعاني ولم يقل: دعتني والفاعل مؤنث حقيقي؟

стр. 829

قلت: قد جاء في كلامهم تذكير الفعل عند إسناده إلى المؤنث الحقيقي فحكى سيبويه عن بعض العرب: قال فلانة (١)، وما قيل: إنه ضرورة لا يصح؛ لأن الشاعر كان يمكنه أن يقول: دعتني فلا ضرورة فيه؛ لأن الوزن لا يتغير، ويروى: دعاء العذارى، وهكذا رواه أبو علي على إضافة المصدر إلى فاعله وحذف المفعول الأول، والتقدير: دعاء العذارى إياي عمهن، والمعنى: وتسميتهن إياي عمهن. وقد قيل: إن الأكثر أن ينشد: دعائي العذارى، فتضيف المصدر إلى المفعول الأول، و"عمهن": هو المفعول الثاني، و"العذارى": فاعل. فإن قيل: على هذا كيف يقرأ دعاء العذارى؟ قلتُ: بالنصب؛ لأن معناه: أنكرت دعاء العذارى إياي عمهن وتركهن اسمي الذي كنت أُدعي به وأنا شاب. فإن قلتَ: ما الدليل على تقدير: أنكرت؟ قلتُ: لأنه قال فيما قبله: لعَمْرِي لَقَدْ أنْكَرْتُ نَفْسِي وَرَابَنِي … مَعَ الشَّيبِ أبْدَا لِيَ التِي تتبَدَّلُ. قوله: "وخلتني" بضم التاء، أي: وخلت نفسي، وفيه اتحاد الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وهو من خصائص أفعال القلوب (٢)، قوله: "لي اسم" أي: غير ذلك، و"اسم": مبتدأ، "ولي": مقدمًا خبره، قوله: "وهو": مبتدأ، و"أول": خبره والجملة حال. الاستشهاد فيه: في قوله: "وخلتني" فإن خال فيه بمعنى اليقين، والمعنى: تيقنت في نفسي أن لي اسمًا وليس هو بمعنى الظن؛ لأنه لا يظن أن له اسمًا بل يتيقن ذلك (٣).

стр. 830

الشاهد الثالث والأربعون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) وَرَبيتُهُ حَتَّى إِذَا مَا تَرَكْتُهُ … أَخَا القَوْم وَاستغْنَى عَنِ المسْحِ شَارِبُه أقول: قائله هو فرعان [بن الأعرف, ويقال: ابن الأصبح بن الأعرف أحد بني مرة، ثم أحد بني نزار بن مرة، وهو من قصيدة قالها فرعان في ابنه منازل، قال ابن الأعرابي: كان لفرعان ابن يقال له: منازل، وكان لمنازل ابن يقال له: خليج، فعق خليج أباه منازلًا فقدمه إلى إبراهيم بن عربي والي اليمامة، فقال (٣): ١ - تَظَلَّمَنِي حقِّي خليجٌ وعقَّنِي … عَلَى حينَ كَانتْ كالحَنِيّ عِظَامِي ٢ - وَجَاءَ بِقَوْلٍ منْ حرامٍ كأنما … يُسَعِّرُ فيِ بَيتِي حريقَ ضرامي ٣ - لعَمري لقدْ ربيتُهُ فرِحًا بهِ … فلَا يفرحن بعدي امرؤٌ بغُلَامِ فأراد إبراهيم بن عربي ضربه، فقال خليج: أصلح الله الأمير لا تعجل علي، أتعرف هذا؟ هذا منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه، وأنشد القصيدة التي قالها فرعان في ابنه منازل على ما نذكرها الآن، فلما أنشدها قال إبراهيم: يا هذا عققتَ فعُقِقْتَ (٤)، وهذا كما قيل: الجزاء من جنس العمل، وأول قصيدة فرعان هو هذا (٥): ١ - جَزَتْ رحمٌ بيني وبَينَ منازلٍ … جزاءً كما يستَنْزِلُ الدينَ طالِبُهْ ٢ - فَربَّيتُهُ حتى إذَا آضَ شَيْظَمًا … يَكَادُ يُسَاوي غَارِبَ الفَحْلِ غاربُة ٣ - تغمَّدَ حقِّي ظالِمًا ولوَى يدِي … لوَى يدَه الله الذي هوَ غَالِبُهْ (٦) ٤ - وكَانَ له عِنْدِي إِذَا جَاعَ أَوْ بَكَى … على الزَّادِ أَحلَى زادِنَا وأطايبُه ٥ - وربيته حتى ............... … ...................... إلى آخره

стр. 831

٦ - أإنْ أُرْعِشَتْ كَفّا أَبِيكَ وأصبحت … يداكَ يدي الليث فإنكَ ضاربُهْ ٧ - وجَمَّعْتَهَا دُهْمًا جِلادًا كأنها … أشَاءُ نخيلٍ لمْ تُقطَّع جوانبُهْ ٨ - فَأَخْرجَنِي منهَا سليبًا كأنني … حُسَامُ يمانٍ فارَقَتهُ مَضَاربُهْ وهي من الطويل والقافية متدارك. وذكر في كتاب العققة أنه كان قد تزوج فرعان على أم منازل امرأة شابة فغضب لأمه فاستاق ما له واعتزل مع أمه، فقال في ذلك فرعان هذه القصيدة وزاد فيها أبياتًا أخرى تركتها. ١ - قوله: "جزت": من الجزاء، ويروى: .............................. … جزاء مسيء لا يقتر طالبه جعل فعل الجزاء للرحم، والجازي هو الله تعالى، لأنه السبب في الجزاء. ٢ - قوله: "شيظمًا" بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الظاء المعجمة؛ وهو الطويل الغليظ، ولا يستعمل إلا مع الزيادة، لا يقال: شظم، ومعنى: "آض": صار، وجواب إذا: قوله: "تغمد حقي" أي: لما بلغ هذا المبلغ ستر حقي وتعدى طوره وهو بالغين المعجمة. ٥ - قوله: "وربيته": من التربية، قوله: "واستغنى عن المسح شاربه": كناية عن كونه كبيرًا غير محتاج إلى خدمة أحد، وذلك؛ لأن الصغير إذا أكل يحتاج إلى من يمسح فمه، فإذا كبر استغنى عن ذلك، وأراد: موضع شواربه، وهي حول الفم من الجانب الأعلى. ٦ - قوله: "أرعشت": من الإرعاش، من الرعش بفتحتين وهو الرعدة. ٧ - و "الدهم" بضم الدال، جمع دهماء، وأراد بها: النوق الدهم التي ساقها منازل معه حين عق على أبيه فرعان واعتزل عنه، و "الجلاد" بكسر الجيم؛ صفة للدهم، قوله: "أشاء نخيل" بفتح الهمزة وبالمد؛ وهي صغار النخل، الواحدة: أشاءة. ٨ - قوله: "سليبًا" أي: مسلوبًا، و"الحسام": السيف، ووصفه بأنه يمان. الإعراب: قوله: "وربيته" الواو للعطف، "وربيته": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى منازل بن فرعان، قوله: "حتى" للابتداء وهي أن [تكون] (١) حرفًا مبتدأ بعدها الجمل تستأنف؛ وحينئذ تدخل على الجمل الاسمية والفعلية -أيضًا- سواء كان فعلها ماضيًا

стр. 832

أو مضارعًا، و"إذا" في موضع نصب والعامل فيه جوابه، والتقدير: إذا ما تركته تركته أخا قوم (١)، ويجوز أن [تكون] (٢) حتى حرفًا جارة وتكون إذا في موضع جر بها، على ما ذهب إلى نحو هذا الأخفش وغيره (٣)، وكلمة "ما" زائدة، و "تركته": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، قوله: "أخا القوم": كلام إضافي مفعول ثانٍ لتركته، وذلك لأن ترك إذا كان فيه معنى التحويل يستدعي مفعولين، قوله: "واستغنى": فعل ماض، و"شاربه": فاعله، و"عن المسح" متعلق (٤) باستغنى، ويجوز أن تكون الواو فيه للحال. فافهم. الاستشهاد فيه: في قوله: "تركته" حيث نصب مفعولين؛ لأن فيه معنى التحويل؛ كما ذكرنا، وذكر الخطب في شرح الحماسة: أنه نصب "أخا القوم" على الحال من الهاء في: تركته، وجاز كونه حالًا وإن كان معرفة في اللفظ؛ لأنه لا يعني قومًا بأعيانهم، وإنما يريد تركته قويًّا لاحقًا بالرجال (٥). قلتُ: فعلى هذا لا استشهاد فيه على ما لا يخفى (٦). الشاهد الرابع والأربعون بعد الثلاثمائة (٧) , (٨) تَخِذْتُ غُرَازَ إِثْرَهُم دَلِيلًا … وَفَرُّوا فِي الحِجَازِ لِيُعْجِزُونِي أقول: قائله هو أبو جندب بن مرة القردي الهذلي، وهو من قصيدة نونية، وأولها هو قوله (٩): ١ - لَقَدْ أَمْسَى بَنُو لحْيَانَ مني … بحمدِ الله في خِزْيٍ مُبِينِ

стр. 833

٢ - جَزَيْتُهُم بِمَا أَخَذُوا تِلَادِي … بَنِي لحيَانَ كُلًّا فَاخَرُونِي (١) ٣ - تخذتُ غُرَازَ ............. … ....................... إلى آخره ٤ - وقدْ عَصَّبتُ أَهْلَ العُرجِ منهُم … بأَهْلِ صوائقٍ إذ عَصَّبُونِي ٥ - تركتُهُمْ علَى الرُّكْبَانِ صُغْرَى … يُشَيِّبُونَ الذَّوَائِبَ بالأنِيِن وهىِ من الوافر وفيه العصب والقطف. ٢ - قوله: "بما أخذوا تلادي" التلاد -بكسر التاء المثناة من فوق: جمع تليد وهو المال القديم الأصلي الذي ولد عندك وهو نقيض الطارف، وأصل التاء فيه واو، وكان بنو لحيان أغاروا على إبل لأبي جندب، فلما جازاهم بما فعلوا قال هذا القول، ثم قال: كلا رغمتم فتعالوا الآن فاخروني كلا لا تفعلون ولا تقدرون عليّ. ٣ - قوله: "تخذت" بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الخاء المعجمة وفتحها لغتان، قال ابن فارس: تخذت الشيء واتخذته (٢)، قوله: "غراز" بضم الغين العجمة وتخفيف الراء وفي آخره زاي معجمة، وهو اسم واد. والمعنى: جعلت ذلك الوادي دليلًا عليهم، وقد فسره بعضهم بأنه اسم رجل وهو خطأ وضبطه بعضهم بالنون في آخره ثم قال: هو موضع بناحية عمان وهو -أيضًا- ليس بصحيح فافهم (٣) قوله: "إثرهم" بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة، بمعنى عقيبهم، يقال: خرجت إثره وأثره، قوله: "ليعجزوني" أي: لأن يعجزوني؛ من أعجزه فلان إذا غلبه. ٤ - قوله: "عصَّبتُ" أي: لفقت هؤلاء بهؤلاء بمعنى: جمعت بينهم، و"العرج": اسم مكان. الإعراب: قوله: "تخذت": فعل وفاعل، قوله: "غراز": مفعوله الأول، وهو لا ينصرف للعلمية والتأنيث، وقوله: "دليلًا": مفعول ثان لتخذت، وقوله: "إثرهم": كلام إضافي نصب على الظرف؛ أي: في إثرهم. قوله: "وفروا": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى بني لحيان

стр. 834

في البيت السابق، وكذلك الضمير في إثرهم، قوله: "في الحجاز" أي: إلى الحجاز؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]؛ أي: إلى أفواههم (١)، قوله: "ليعجزوني" اللام فيه للتعليل، ويعجزوني: منصوب بأن المقدرة. الاستشهاد فيه: في قوله: "تخذت" حيث نصب مفعولين وهو بمعنى اتخذت كما ذكرنا (٢). الشاهد الخامس والأربعون بعد الثلاثمائة (٣) , (٤) ............................... … وصُيِّرُوا مثلَ كَعَصْفٍ مَأكولْ أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وصدره (٥): ولَعبت طَيرٌ بِهم أَبَابيل … ................................ وقبله: ومَسَّهُم مَا مَسَّ أَصحَابَ الفِيل … تَرمِيهِمُ حجَارَةٌ مِنْ سِجيلْ وهي من بحر السريع، وأصله في الدائرة: مستفعلن مستفعلن مفعولات مرتين. قوله: "كعصف" بفتح العين وسكون الصاد المهملة وفي آخره فاء؛ وهو بقل الزرع، قال الفراء: قد أعصف الزرع ومكان معصف؛ أي: كثير الزرع (٦) وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] أي: كزرع قد أكل حبه وبقي تبنه. الإعراب: قوله: "وصيروا" على صيغة المجهول جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل، قوله: "مثل": نصب على أنه مفعول ثانٍ لصيروا، ويجوز أن يكون نصبًا على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: صيروا تصييرًا مثل كعصف مأكول، وقوله: "كعصف": مجرور بالكاف،

стр. 835

"ومأكول" بالجر صفته. الاستشهاد فيه: في قوله: "وصيروا" حيث نصب مفعولين؛ لأنه من أفعال التصيير التي تنصب مفعولين كجعل واتخذ ونحوهما (١)، وفيه استشهاد آخر وهو زيادة الكاف في قوله: "كعصف" على ما يجيء بيانه في بابه -إن شاء الله تعالى-. الشاهد السادس والأربعون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) آتٍ المَوْتُ تعلَمُونَ فلا يُر … هِبكُم مِنْ لَظى الحُروبِ اضطرامُ أقول: هو (٤) من الخفيف. والمعنى: تعلمون أن الموت آتٍ ألبتة، فلا يخوفكم اضطرام نار الحروب، قوله: "فلا يرهبكم": من الإرهاب وهو التخويف، قوله: "من لظى الحروب" أي: من نارها، وهو كناية عن قيام الحرب وهيجانها واشتباك الناس بالقتال فيها. الإعراب: قوله: "آتٍ": اسم فاعل من أتى وهو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ متأخر عنه وهو قوله: "الموت"، والجملة مفعول "تعلمون"، قوله: "فلا يرهبكم": نفي وليس بنهي، والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن كان الأمر كذلك فلا يرهبكم، قوله: "اضطرام": فاعل يرهبكم، و"من لظى الحروب": متعلق به. الاستشهاد فيه: في قوله: "آت الموت تعلمون" حيث ألغي عمل تعلمون لتأخره عن الجملة التي هي مفعوله (٥).

стр. 836

الشاهد السابع والأربعون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) هُمَا سَيِّدَانَا يَزْعُمَانِ وَإنَّمَا … يَسُودَانِنَا إن يَسَّرَتْ غَنَمَاهُمَا أقول: قائله هو أبو سيدة الدبيري، وقبله: وإن لنَا شَيخَيِنْ لَا يَنْفَعَانِنَا … غَنِيَّيِنْ لَا يَجْرِي عَلَينَا غِنَاهُمَا وهما من الطويل. قوله: "يسوداننا": من ساد قومه يسودهم سيادةً وسؤددًا وسيدودةً فهو سيدهم وهم سادة، قوله: "إن يسرت" [بالياء آخر الحروف وتشديد السين المهملة وفتح الراء، يقال: يسرت الغنم إذا كثرت ألبانها ونسلها، وكذلك يقال: يسرت الإبل] (٣). حاصل المعنى: هذان الرجلان يزعمان أنهما سيدانا وإنما يكونان سيدينا إذا كثرت أولاد غنمهما، وكثرت ألبانها، ويجري علينا من ذلك. الإعراب: قوله: "هما": مبتدأ، والضمير يرجع إلى الشيخين المذكورين في البيت الذي قبله، قوله: "سيدانا": خبره، وقوله: "يزعمان" تثنية يزعم، وقد بطل عملها لتأخرها، قوله: "وإنما" كلمة إن بطل عملها بما الكافة، و"يسوداننا": جملة من الفعل وهو يسودان والفاعل وهو ضمير التثنية المستتر فيه الذي يرجع إلى الشيخين والمفعول وهو الضمير المنصوب. قوله: "إن": شرط، و "يسرت": فعل الشرط، و "غنماهما": فاعل ليسرت، وجواب الشرط محذوف يدل عليه قوله: "وإنما يسوداننا" والتقدير: إن يسرت غنماهما يسوداننا. الاستشهاد فيه: في قوله: "هما سيدانا يزعمان" حيث بطل عمل يزعمان لتأخره عن الجملة التي هي مفعوله (٤).

стр. 837

الشاهد الثامن والأربعون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) أبِالأَرَاجِيزِ يَابنَ اللؤْمِ تُوعدُنِي … وَفِي الأَرَاجِيزِ خلتُ اللؤمُ والخورُ أقول: قائله هو اللعين المنقري (٣)، واسمه منازل بن زمعة من بني منقر بن عبيد بن الحرث بن تميم، يهجو به رؤبة بن العجاج؛ كذا قال بعضهم، وقال النحاس: يهجو العجاج، وقال أبو الحجاج: وبيت اللعين من كلمة رويها لام، وقبله: ١ - إِني أَنَا ابنُ جَلَا إِنْ كُنتَ تَعرِفُني … يَا رُؤْبَ والحيَّةُ الصَّمَّاءُ في الجَبَلِ ٢ - مَا في الدواوينِ مَا في رجلِي من عقل … عندَ الرِّهَانِ ولَا أكوى من العَفْلِ ٣ - أبِالْأَرَاجِيزِ يَابنَ اللؤْمِ تُوعدُنِي … وَفيِ الأَرَاجِيزِ خلتُ اللؤمُ والفشلُ هكذا رواه الجاحظ في كتابه الحيوان (٤) على أن الإقواء في البيت الثالث، وثبت الأبيات الثلاثة في كتاب الوحشي وليس فيها إقواء؛ لأنه روي فيها: ................................ … وفي الأرَاجِيزِ رَأْسُ القَولِ والفَشَلِ وهي من البسيط. قوله: "يا رؤب" أصله: يا رؤبة فرخمه، وهذا يدل على أن اللعين يهجو رؤبة [بن العجاج] (٥) لا العجاج والد رؤبة؛ كما قال النحاس، قوله: "لا أكوي من العفل" تعريض برؤبة؛ لأنه من بني مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وهم يُدْعَون بني العفلاء لخبر مشهور. قوله: "أبِالْأَرَاجِيزِ": جمع أرجوزة بمعنى الرجز، وهو اسم بحر من بحور الشعر ولكن أراد بها القصائد المرجزة الجارية على هذا البحر، و"توعدني": من الإيعاد لا من الوعد. و"اللؤم" بضم اللام وسكون الهمزة؛ وهو أن يجتمع في الإنسان الشح ومهانة النفس

стр. 838

ودناءة الآباء، فهو من أذم ما يهجى به، وقد بالغ بجعل المهجو ابنًا له إشارة إلى أن ذلك غريزة فيه، وأما اللوم -بفتح اللام وسكون الواو فقد قال الجوهري: اللوم: العذل، تقول: لامه على كذا لومًا ولومة فهو ملوم (١). قوله: "والخور" بفتح الخاء المعجمة وفتح الواو -أيضًا- وفي آخره راء؛ وهو الضعف، يقال: رجل خوار، ورمح خوار، وأرض خوارة، والفشل: قريب من الخور في المعنى، يقول: إنك راجز لا تحسن القصائد والتصرف في أنواع الشعر؛ فجعل ذلك دلالة على لؤم طبعه وضعفه. الإعراب: قوله: "أبالْأَرَاجيز" الهمزة للتوبيخ والإنكار، والباء تتعلق بقوله "توعدني"، وقوله: "يَابنَ اللؤمِ": منادى [مضاف] (٢) منصوب معترض بينهما، وقوله: "اللؤم": مرفوع بالابتداء، و"الخور": عطف عليه، وخبره قوله: "في الأراجيز" وقوله: "خلت" بينهما: اعتراض، ولو نصبتهما على المفعولية لجاز، وكان الظرف حينئذ في محل النصب مفعولًا ثانيًا، و"خلت" بمعنى علمت. الاستشهاد فيه: في قوله: "خلت" حيث أُلغي عملها لتوسطها بين مفعوليها (٣). الشاهد التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة (٤) , (٥) ولقدْ عَلِمْتُ لَتَأْتين مَنيَّتِي … إِن الْمنَايَا لا تَطيشُ سهَامهَا أقول: قائله هو لبيد بن عامر الجعفري؛ هكذا قالت جماعة [ولكني لم أجد في ديوانه إلا] (٦)

стр. 839

الشطر الثاني، حيث يقول: صادفْنَ منْهَا غرةً فأصَبنَهُ … إن المنَايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا وهذا في وصف بقرة صادفتها الذئاب فأصبن ولدها، وهو من قصيدة طويلة من الكامل وأولها هو قوله (١): ١ - عفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فمُقَامُهَا … بِمِنًى تَأَبَّدَ غَولُهَا فَرِجَامُهَا ٢ - فمُدافِعُ الرَّيَّانِ عَرَّى رسمُها … خَلْقًا كَمَا ضَمِنَ الوحيّ سلامُها ٣ - دِمَنٌ تُجَرِّم بَعدَ عَهدِ أَنِيسهَا … حِجَجٌ خَلَوْنَ حلَالُهَا وَحَرَامُهَا إلى أن قال: ٤ - خَنْسَاءُ ضَيَّعتِ الفَرِيرَ فَلَم يرِمْ … عَرْضَ الشقَائِقِ طَوْفُهَا وبُغَامُهَا ٥ - لِمُعَفرٌ قَهْدٌ تَنَازع شِلْوَهُ … غُبْرٌ كواسبُ ما يمنُّ طَعَامُهَا ٦ - صادفْنَ منْهَا غرةً فأصَبنَهُ … إن المنايَا لا تَطِيشُ سِهَامُهَا ١ - قوله: "عفت" أي: درست وانمحت "ومحلها": حيث حلوا ونزلوا، "ومقامها": حيث أقاموا، وقال الأصمعي: "منى": موضع ببلاد قيس قريب من طخفة في الشق الأيسر وأنت مصعد إلى مكة، وصرفه لأنه مذكر (٢)، وكذا منى الحرم مصروف. قوله: "تأبد" أي: توحش، و"الغول" بفتح الغين المعجمة وسكون الواو؛ اسم موضع، وكذلك الرجام وهو بكسر الراء وبالجيم. ٢ - قوله: "فمدافع الريان" بفتح الراء وتشديد الياء آخر الحروف؛ وهو اسم واد، و "مدافعه": أعاليه التي تدفع الماء إلى أسفله، قوله: "عرى رسمها" أي: لم يبق فيه أحد، قوله: "خلقًا": نصب على القطع من الرسم؛ لأنه مضاف إلى معرفة، و "الرسم": أثر الدار ما لم يكن شاخصًا من رماد أو سرجين، و "الطلل": كل ما شخص من وقد أو مسجد أو آري، قوله: "كما ضمن الوحي" بفتح الواو وكسر الحاء، على وزن فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مكتوب، يقال: وحيت الشيء أحيه وحيًا إذا كتبته، و"السلام": الصخور، والواحدة: سلمة، والهاء في سلامها يرجع إلى المدافع، والمعنى: كما ضمنت الحجارة الكتاب؛ أي: صار فيها. حاصله: أن هذا الرسم قد أخلق فلا يكاد يبين إلا كما يبين الكتاب القديم في الحجارة. ٣ - قوله: "دمن": جمع دمنة وهي آثار الناس وما سودوا من البعر وغير ذلك، قوله: "تجرّم"

стр. 840

أي: تكمل، ويقال: مضى، وقوله: "حجج" أي: سنون، قوله: "حلالها وحرامها" أي: شهور الحل منها والحرم، وارتفاعها يجوز أن يكون بطريق البدل من الحجج، ويجوز أن يكون بفعل محذوف تقديره: خلا حلالها وحرامها. ٤ - قوله: "خنساء" أراد بها البقرة الوحشية، وخنسها تأخر أنفها في الوجه، يقال: كل بقرة وحشية خنساء، وكل ثور أخنس، قوله: "الفرير" بفتح الفاء وكسر الراء؛ وهو ولد البقرة، ويجمع على: فُرار بضم الفاء، قوله: "لم يرم" أي: لم يبرح، قوله: "عرض الشقائق" وهي قطع غلاظ ما بين كل جبلي رمل شقيقة، و"بغامها" بضم الباء الموحدة؛ وهو صوتها. ٥ - قوله: "لمعفر"، المعفر: ولدها الذي كاد أن يعظم فتعفره، وتعفيره أن يترك الرضعة بين الرضعتين حتى يمرن على ترك الرضاع، قوله: "قهد" بفتح القاف وسكون الهاء؛ وهو الذي في لونه بعض الحمرة بصفرة، قوله: "شلوه" أي: عضوه، قوله: "غبر": فاعل تنازع، أراد به ذباب غبر، وهو جمع أغبر؛ من الغبرة في اللون، قوله: "ما يمن طعامها" يعني: أنها تكسب ولا تطعم. ٦ - قوله: "صادفن منها" أي: صادفت الذئاب من البقرة فأصبن ولدها، قوله: "إن المنايا": جمع منية وهو الموت، قوله: "لا تطيش" من طاش السهم عن الهدف أي: عدل، والمعنى: أن الموت لا تعدل سهامه عن أحد. الإعراب: قوله: "ولقد علمت": كلام مؤكد بثلاثة أشياء: الأول: واو القسم؛ ولهذا قال سيبويه: كأنه قال: والله لتأتين (١)، والثاني: لام الابتداء، والثالث: كلمة قد التي للتحقيق، ثم قوله: "علمت" محتمل الوجهين: أحدهما: أن يكون معلقًا كما ذكره الشراح فيكون "لتأتين" جوابًا لقسم محذوف، وجملتا القسم والجواب في موضع نصب بالفعل المعلق (٢). والثاني: أن يكون أجري لإفادته تحقيق الشيء وتوكيده مجرى القسم؛ فيخرج حينئذ عن طلب المفعولين ويتلقى بما يتلقى به القسم، وعلى هذا فلا قسم مقدر، والجملة لا محل لها كسائر الجمل التي يجاب بها القسم، ويخرج البيت عن الدليل. قوله: "لتأتين": فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، وقوله: "منيتي": كلام إضافي فاعله،

стр. 841

قوله: "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "المنايا": اسمه، وخبره الجملة أعني قوله: "لا تطيش سهامها" وسهامها: مرفوع بتطيش. الاستشهاد فيه: على أن لام القسم أو الابتداء في قوله: "لتأتين منيتي" علقت "علمت" عن العمل؛ أي منعته من الاتصال بما بعده والعمل في لفظه؛ لأن ما له صدر الكلام لا يصح أن يعمل ما قبله فيما بعده. فإن قلت: ما الفرق بين الإلغاء والتعليق؟ فإن المفعولين في كل واحد من الموضعين يرجع إلى أصله وهو الرفع؟ قلت: كل واحد منهما متصل معناه بالجملة، لكن الملغيّ لا عمل له فيها لا لفظًا ولا تقديرًا، وهو منزل معها منزلة حرف مهمل، والمعلق عامل فيها معنًى فهو معها بمنزلة المبني، حقه أن يظهر فيه عمله لولا المانع في المعمول (١). الشاهد الخمسون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبلَ عَزَّةَ مَا الهَوَى … وَلَا مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتى تَوَلَّتِ أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن، وقد ترجمناه فيما مضى، وهو من قصيدة تائية من

стр. 842

منتخبات قصائده، وأولها هو قوله (١): ١ - خَليلَي هَذَا رَبْعُ عَزَّةَ فاعْقِلَا … قَلُوصَيكُما ثُمّ ابكيَا حيثُ حلّتِ ٢ - وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبلَ عَزَّةَ مَا الهَوَى … وَلَا مُوجِعَاتِ القَلْبِ حتى تَوَلَّتِ ٣ - وكانتْ لِقَطْعِ الحَبلِ بيني وبينَها … كنَاذرَةٍ نَذْرًا فأوفت وحَلّتِ ٤ - فقلتُ لها يا عزَّ كل مصيبة … إذا وُطنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ ٥ - أباحت حمًى لم يرعهُ الناسُ قبلَهَا … وحلَّتْ تِلَاعًا لم تكُنْ قبلُ حُلَّتِ ٦ - هنيئًا مَرِيئًا غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ … لعزةَ منْ أَعْرَاضِنَا ما استَحلَّتِ ٧ - ووالله ما قاربتُ إلا تباعَدَتْ … بِصَرمٍ ولا أكثرتُ إلا أَقَلَّتِ ٨ - فَإنْ تَكُنِ العُتْبَى فَأَهْلًا ومرحَبًا … وحَقتْ لها العُتْبَى لدينا وقَلّتِ ٩ - وإنْ تَكُنِ الأخْرَى فإن وراءَنَا … مَنَادِحَ لَو كلَّفْتُهَا العيسَ كلَّتِ ١٠ - خليليّ إن الحَاجِبِيّةَ طلَّحَتْ … قلُوصَيكُمَا ونَاقَتِي قدْ أكَلَّتِ ١١ - فلَا يَحسَبُ الواشونَ أن صبابتي … بعزةَ كانت غَمْرَةً وتَجَلَّتِ ١٢ - فو الله ثُم الله لا حَلّ قبلها … ولا بَعْدَهَا مِنْ خُلَّةِ حيثُ حَلَّتِ ١٣ - ومَا مَرَّ مِنْ يَوم عليَّ كَيَوْمِهَا … وإنْ عَظُمَتْ أَيامُ أُخْرَى وجَلَّتِ ١٤ - وإنِّي وتَهْيَامِي بعزَّةَ بعدَمَا … تخليتُ مما بيننا وتَخَلَّتِ ١٥ - لكالمُرتَجِي ظلَّ الغَمَامَةِ كُلَّمَا … تبوّأَ منهَا للمُقِيلِ اضْمَحَلَّتِ ١٦ - كأني وَإيّاهَا سَحَابَةُ مُمْطِرٍ … رَجَاهَا فَلَمَّا جاوَزَتْهُ استهَلَّتِ ١٧ - كَأَني أُنَادِي صَخْرَةً حيَن أعرضَتْ … من الصُّمِّ لوْ تَمْشِي بها العصمِ زلَّتِ ١٨ - صفوحًا فَمَا تَلْقَاكَ إلا تَحِلَّةً … فَمَنْ مَلّ منهَا ذلكَ الوصْلَ ملَّتِ وهي من الطويل.

стр. 843

قوله: "فاعْقِلَا قَلُوصَيكُمَا" أي: شداهما، والقلوص: الشابة من النوق؛ كالفتى من الرجال، قوله: "حتى تولت" أي: أعرضت وأدبرت، قوله: "حمى" الحمى: خلاف المباح، وفي الحديث: "لا حمى إلا لله ورسوله"، قوله: "تلاعًا": جمع تلعة وهي مسيل ماء ارتفع من الأرض إلى بطن الوادي، قوله: "بصرم" أي: بقطع، قوله: "العتبي" بضم العين؛ مصدر بمعنى الإعتاب، قوله: "منادح": جمع مندوحة وهي الأرض الواسعة، وكذلك الأنداح جمع ندح، قوله: "العيس" بكسر العين؛ جمع عيساء وهي إبل [بيض] (١) في بياضها ظلمة خفيفة، قوله: "كلت": من الكلال وهو العجز في المشي، قوله: "الحاجبية طلحت" الحاجبية بالحاء المهملة ثم بعد الألف جيم مكسورة وباء موحدة وياء آخر الحروف مشددة، وهي رمل طويل (٢)، ومعنى طلحت: أهزلت، يقال: ناقة طليح أسفار إذا جهدها السير وقد طَلِحَتْ بكسر اللام، والطليح: المهزول من القردان، قوله: "غمرة" أي: شدة، قوله: "تهيامي" من التهيام -بفتح التاء المثناة من فوق مصدر للمبالغة في الهيام، والهُيام كالجنون من العشق، قوله: "صفوحًا" أي: معرضة؛ كذا قاله ابن دريد (٣). الإعراب: قوله: "وما كنت": عطف على ما قبله، وما نافية، واسم كان الضمير المتصل به، والجملة أعني قوله: "أدري": خبره، وقوله: "قبل عزة": نصب على الظرف، وقوله: "ما الهوى": مفعول أدري، قوله: "ولا موجعات القلب" بالنصب: عطف على قوله: "ما الهوى"، قوله: "حتى" للغاية بمعنى: إلى؛ أي: إلى [أن تولت] (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا موجعات القلب" حيث عطف بنصب التاء على محل مفعول أدري، وأدري بمعنى أعلم يقتضي مفعولين، وما الاستفهامية في قوله: "ما الهوى" علق أدري عن العمل لفظًا لا محلًّا؛ لأن التعليق هو: إبطال العمل لفظًا لا محلًّا لمجيء ما له صدر الكلام بعده، وهو كثير، منه: حرف الاستفهام، والعامل المعلق له عمل في المحل، ويعطف عليه بالنصب عطفًا على المحل؛ كما في قوله: "ولا موجعات القلب" فافهم (٥).

стр. 844

الشاهد الحادي والخمسون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) كَذَاكَ أُدِّبْتُ حتى صَارَ مِنْ خُلُقِي … أَني رَأَيْتُ ملَاكُ الشيمَةِ الأَدَبُ أقول: قائله هو بعض الفزاريين، وقبله: أُكنِيه حينَ أُنَادِيهِ لأُكْرِمَهُ … ولَا أُلقِّبهُ والسوْأَةَ اللقَبُ وقد روي هذا الشعر مرفوع القافية كما أورده الشراح (٣)، ووقع في الحماسة منصوب القافية: ملاك الشيمة الأدبا، والسوأة اللقبا (٤). وهما من البسيط. قوله: "ملاك الشيمة" بكسر الميم وفتحها، قال الجوهري: ملاك الأمر وملاكه: ما يقوم به (٥)، والشيمة -بكسر الشين المعجمة: الخلق. الإعراب: قوله: "كذاك": إشارة إلى ما ذكر من قوله: "أُكْنِيهِ حينَ أُنَادِيهِ" في البيت الذي قبله، والكاف للتشبيه، أي: كمثل الأدب المذكور أدبت، وهو على صيغة المجهول، والضمير فيه مفعول ناب عن الفاعل. قوله: "حتى": للغاية بمعنى إلى، والمعنى: إلى أن صار من خلقي، وكلمة من تتعلق بصار، قوله: "أني" بفتح الهمزة فاعل صار، والضمير المتصل اسم أن، وقوله: "رأيت": خبره، قوله: "ملاك الشيمة": كلام إضافي مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: "الأدب"، والجملة مفعول لقوله "رأيت"، ويروى: "أني وجدت" موضع "رأيت".

стр. 845

الاستشهاد فيه: حيث ألغي عمل رأيت لكون لام الابتداء مقدرة فيه، والتقدير: لملاك الشيمة الأدب؛ هكذا أوله النحاة، واستشهدوا به مع أنه لا ضرورة في ذلك إلى تقدير لام الابتداء؛ لأجل إلغاء عمل رأيت على أن القافية منصوبة في الحماسة؛ كما ذكرناه، وسيجيء تحقيق الكلام فيه في شواهد المفعول معه. ثم إن الأخفش والكوفيين استدلوا بالبيت المذكور أن العامل المقدم يجوز إلغاؤه، وأجيب عن ذلك بأن الإلغاء هاهنا باللام المقدرة؛ كما ذكرنا، فلما حذفت بقي التعليق، وهاهنا جوابان آخران ذكرا في التوضيح (١). الشاهد الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُوَ مَوَدَّتُهَا … وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْويلُ أقول: قائله هو كعب بن زهير بن أبي سلمى الصحابي -رضي الله تعالى عنه-، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها هو قوله (٤): بَانَتْ سُعَادُ فَقُلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَم يُفْدَ مَكْبُولُ وهي من البسيط.
следующие страницы →