← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

قوله: "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل، وقوله: "المنايا": اسمه، وخبره الجملة أعني قوله: "لا تطيش سهامها" وسهامها: مرفوع بتطيش. الاستشهاد فيه: على أن لام القسم أو الابتداء في قوله: "لتأتين منيتي" علقت "علمت" عن العمل؛ أي منعته من الاتصال بما بعده والعمل في لفظه؛ لأن ما له صدر الكلام لا يصح أن يعمل ما قبله فيما بعده. فإن قلت: ما الفرق بين الإلغاء والتعليق؟ فإن المفعولين في كل واحد من الموضعين يرجع إلى أصله وهو الرفع؟ قلت: كل واحد منهما متصل معناه بالجملة، لكن الملغيّ لا عمل له فيها لا لفظًا ولا تقديرًا، وهو منزل معها منزلة حرف مهمل، والمعلق عامل فيها معنًى فهو معها بمنزلة المبني، حقه أن يظهر فيه عمله لولا المانع في المعمول (١). الشاهد الخمسون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبلَ عَزَّةَ مَا الهَوَى … وَلَا مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتى تَوَلَّتِ أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن، وقد ترجمناه فيما مضى، وهو من قصيدة تائية من

стр. 842

منتخبات قصائده، وأولها هو قوله (١): ١ - خَليلَي هَذَا رَبْعُ عَزَّةَ فاعْقِلَا … قَلُوصَيكُما ثُمّ ابكيَا حيثُ حلّتِ ٢ - وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبلَ عَزَّةَ مَا الهَوَى … وَلَا مُوجِعَاتِ القَلْبِ حتى تَوَلَّتِ ٣ - وكانتْ لِقَطْعِ الحَبلِ بيني وبينَها … كنَاذرَةٍ نَذْرًا فأوفت وحَلّتِ ٤ - فقلتُ لها يا عزَّ كل مصيبة … إذا وُطنَتْ يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ ٥ - أباحت حمًى لم يرعهُ الناسُ قبلَهَا … وحلَّتْ تِلَاعًا لم تكُنْ قبلُ حُلَّتِ ٦ - هنيئًا مَرِيئًا غيرَ داءٍ مُخَامِرٍ … لعزةَ منْ أَعْرَاضِنَا ما استَحلَّتِ ٧ - ووالله ما قاربتُ إلا تباعَدَتْ … بِصَرمٍ ولا أكثرتُ إلا أَقَلَّتِ ٨ - فَإنْ تَكُنِ العُتْبَى فَأَهْلًا ومرحَبًا … وحَقتْ لها العُتْبَى لدينا وقَلّتِ ٩ - وإنْ تَكُنِ الأخْرَى فإن وراءَنَا … مَنَادِحَ لَو كلَّفْتُهَا العيسَ كلَّتِ ١٠ - خليليّ إن الحَاجِبِيّةَ طلَّحَتْ … قلُوصَيكُمَا ونَاقَتِي قدْ أكَلَّتِ ١١ - فلَا يَحسَبُ الواشونَ أن صبابتي … بعزةَ كانت غَمْرَةً وتَجَلَّتِ ١٢ - فو الله ثُم الله لا حَلّ قبلها … ولا بَعْدَهَا مِنْ خُلَّةِ حيثُ حَلَّتِ ١٣ - ومَا مَرَّ مِنْ يَوم عليَّ كَيَوْمِهَا … وإنْ عَظُمَتْ أَيامُ أُخْرَى وجَلَّتِ ١٤ - وإنِّي وتَهْيَامِي بعزَّةَ بعدَمَا … تخليتُ مما بيننا وتَخَلَّتِ ١٥ - لكالمُرتَجِي ظلَّ الغَمَامَةِ كُلَّمَا … تبوّأَ منهَا للمُقِيلِ اضْمَحَلَّتِ ١٦ - كأني وَإيّاهَا سَحَابَةُ مُمْطِرٍ … رَجَاهَا فَلَمَّا جاوَزَتْهُ استهَلَّتِ ١٧ - كَأَني أُنَادِي صَخْرَةً حيَن أعرضَتْ … من الصُّمِّ لوْ تَمْشِي بها العصمِ زلَّتِ ١٨ - صفوحًا فَمَا تَلْقَاكَ إلا تَحِلَّةً … فَمَنْ مَلّ منهَا ذلكَ الوصْلَ ملَّتِ وهي من الطويل.

стр. 843

قوله: "فاعْقِلَا قَلُوصَيكُمَا" أي: شداهما، والقلوص: الشابة من النوق؛ كالفتى من الرجال، قوله: "حتى تولت" أي: أعرضت وأدبرت، قوله: "حمى" الحمى: خلاف المباح، وفي الحديث: "لا حمى إلا لله ورسوله"، قوله: "تلاعًا": جمع تلعة وهي مسيل ماء ارتفع من الأرض إلى بطن الوادي، قوله: "بصرم" أي: بقطع، قوله: "العتبي" بضم العين؛ مصدر بمعنى الإعتاب، قوله: "منادح": جمع مندوحة وهي الأرض الواسعة، وكذلك الأنداح جمع ندح، قوله: "العيس" بكسر العين؛ جمع عيساء وهي إبل [بيض] (١) في بياضها ظلمة خفيفة، قوله: "كلت": من الكلال وهو العجز في المشي، قوله: "الحاجبية طلحت" الحاجبية بالحاء المهملة ثم بعد الألف جيم مكسورة وباء موحدة وياء آخر الحروف مشددة، وهي رمل طويل (٢)، ومعنى طلحت: أهزلت، يقال: ناقة طليح أسفار إذا جهدها السير وقد طَلِحَتْ بكسر اللام، والطليح: المهزول من القردان، قوله: "غمرة" أي: شدة، قوله: "تهيامي" من التهيام -بفتح التاء المثناة من فوق مصدر للمبالغة في الهيام، والهُيام كالجنون من العشق، قوله: "صفوحًا" أي: معرضة؛ كذا قاله ابن دريد (٣). الإعراب: قوله: "وما كنت": عطف على ما قبله، وما نافية، واسم كان الضمير المتصل به، والجملة أعني قوله: "أدري": خبره، وقوله: "قبل عزة": نصب على الظرف، وقوله: "ما الهوى": مفعول أدري، قوله: "ولا موجعات القلب" بالنصب: عطف على قوله: "ما الهوى"، قوله: "حتى" للغاية بمعنى: إلى؛ أي: إلى [أن تولت] (٤). الاستشهاد فيه: في قوله: "ولا موجعات القلب" حيث عطف بنصب التاء على محل مفعول أدري، وأدري بمعنى أعلم يقتضي مفعولين، وما الاستفهامية في قوله: "ما الهوى" علق أدري عن العمل لفظًا لا محلًّا؛ لأن التعليق هو: إبطال العمل لفظًا لا محلًّا لمجيء ما له صدر الكلام بعده، وهو كثير، منه: حرف الاستفهام، والعامل المعلق له عمل في المحل، ويعطف عليه بالنصب عطفًا على المحل؛ كما في قوله: "ولا موجعات القلب" فافهم (٥).

стр. 844

الشاهد الحادي والخمسون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) كَذَاكَ أُدِّبْتُ حتى صَارَ مِنْ خُلُقِي … أَني رَأَيْتُ ملَاكُ الشيمَةِ الأَدَبُ أقول: قائله هو بعض الفزاريين، وقبله: أُكنِيه حينَ أُنَادِيهِ لأُكْرِمَهُ … ولَا أُلقِّبهُ والسوْأَةَ اللقَبُ وقد روي هذا الشعر مرفوع القافية كما أورده الشراح (٣)، ووقع في الحماسة منصوب القافية: ملاك الشيمة الأدبا، والسوأة اللقبا (٤). وهما من البسيط. قوله: "ملاك الشيمة" بكسر الميم وفتحها، قال الجوهري: ملاك الأمر وملاكه: ما يقوم به (٥)، والشيمة -بكسر الشين المعجمة: الخلق. الإعراب: قوله: "كذاك": إشارة إلى ما ذكر من قوله: "أُكْنِيهِ حينَ أُنَادِيهِ" في البيت الذي قبله، والكاف للتشبيه، أي: كمثل الأدب المذكور أدبت، وهو على صيغة المجهول، والضمير فيه مفعول ناب عن الفاعل. قوله: "حتى": للغاية بمعنى إلى، والمعنى: إلى أن صار من خلقي، وكلمة من تتعلق بصار، قوله: "أني" بفتح الهمزة فاعل صار، والضمير المتصل اسم أن، وقوله: "رأيت": خبره، قوله: "ملاك الشيمة": كلام إضافي مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: "الأدب"، والجملة مفعول لقوله "رأيت"، ويروى: "أني وجدت" موضع "رأيت".

стр. 845

الاستشهاد فيه: حيث ألغي عمل رأيت لكون لام الابتداء مقدرة فيه، والتقدير: لملاك الشيمة الأدب؛ هكذا أوله النحاة، واستشهدوا به مع أنه لا ضرورة في ذلك إلى تقدير لام الابتداء؛ لأجل إلغاء عمل رأيت على أن القافية منصوبة في الحماسة؛ كما ذكرناه، وسيجيء تحقيق الكلام فيه في شواهد المفعول معه. ثم إن الأخفش والكوفيين استدلوا بالبيت المذكور أن العامل المقدم يجوز إلغاؤه، وأجيب عن ذلك بأن الإلغاء هاهنا باللام المقدرة؛ كما ذكرنا، فلما حذفت بقي التعليق، وهاهنا جوابان آخران ذكرا في التوضيح (١). الشاهد الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُوَ مَوَدَّتُهَا … وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْويلُ أقول: قائله هو كعب بن زهير بن أبي سلمى الصحابي -رضي الله تعالى عنه-، وهو من قصيدته المشهورة التي أولها هو قوله (٤): بَانَتْ سُعَادُ فَقُلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ … مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَم يُفْدَ مَكْبُولُ وهي من البسيط.

стр. 846

قوله: "وآمل": مضارع المتكلم وحده؛ من أمل يأمل من باب نصر ينصر، قوله: "أن تدنو": من الدنو وهو القرب، قوله: "إخال" بكسر الهمزة وهو الأصح (١)، ومعناه: أظن، قوله: "تنويل": من قوله: نولته بالتشديد إذا أعطته نوالًا وهو العطية. الإعراب: قوله: "أرجو": جملة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر فيه، قوله: "وآمل": جملة -أيضًا- عطف على الجملة التي قبلها. وقد قيل: إن فيه عطف الشيء على نفسه؛ لأن الرجاء والأمل بمعنى واحد. وأجيب: بأن اختلاف اللفظ قد جوز ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وهذا العطف من خصائص الواو. قوله: "أن تدنو": في محل النصب على المفعولية، وأن مصدرية، والتقدير: أرجو وآمل دنو مودتها، وإنما سكنت الواو لأجل الضرورة، قوله: "وما" للنفي، و"إخال" مضارع للمتكلم بمعنى أظن. قوله: "تنويل": مبتدأ، وخبره قوله: "لدينا" مقدمًا عليه، قوله: "منك": حال من التنويل، والتقدير: ما أظن تنويلًا عندنا حال كونه حاصلًا منك، وذكر في شرح اللمع أن "ما" في قوله: "وما إخال" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، والمفعول الأول العائد على الذي محذوف، وجاز حذفه للعلم به، "ولدينا" المفعول الثاني، "وتنويل": خبر ما الذي هو مبتدأ (٢). الاستشهاد فيه: هو جواز إلغاء الفعل القلبي المقدم على مفعوليه، وبهذا استدل الأخفش والكوفيون على أن العامل المقدم يجوز الغاؤه (٣). ويقال: إنما ألغي عمل إخال هاهنا لتوسطها بين النافي وهو ما وبين المنفي، ويقال: علقها عن العمل لام مقدرة، أي: وما إخال للدنيا. ويقال: ليست هي ملغاة ولا معلقة؛ بل هي معمولة، ولكنه حذف المفعول الأول أي: وما إخاله، أي: وما إخال الأمر والشأن، فضمير الشأن هو المفعول الأول، والجملة - أعني: لدينا منك تنويل في

стр. 847

محل النصب على أنها المفعول الثاني (١). وقال الشيخ أبو الفتح البعلي في شرح الجرجانية: إذا تقدم الفعل على الجزأين ولم يتقدم عليه بعض الكلام ترجح الإعمال؛ كقولك: ظننت زيدًا مقيمًا، وإن تقدم عليه بعض الكلام ترجح الإهمال؛ كقول كعب بن زهير: أرجو وآمل ................... … .............. إلى آخره فألغي إخال لتقدمه على الجزأين وتقدم بعض الكلام عليه (٢)، وفيه شواهد أخرى: الأول: فيه عطف الشيء على نفسه، وقد أجبنا عنه (٣). الثاني: فيه تسكين المنصوب المعتل بالواو للضرورة (٤). الثالث: فيه الالتفات من الغيبة إلى الخطاب (٥). الرابع: فيه أن يقال آمل بالتخفيف يأمل؛ كقتل يقتل، وقد وهم بعض المتأخرين فزعم أنه إنما يقال: أمّل بالتشديد فافهم. الشاهد الثالث والخمسون بعد الثلاثمائة (٦) , (٧) بِأَي كتَاب أم بِأَية سُنَّةٍ … تَرَى حبَّهُم عارًا عليَّ وتحسبُ أقول: قائله هو الكميت بن زيد الأسدي، وقد ترجمناه فيما مضى.

стр. 848

وهو من الطويل، والمعنى ظاهر. الإعراب: قوله: "بأي": متعلق (١) بقوله: "ترى"، وقوله: "أم بأية سنة": عطف على [قوله: "] (٢) بأي كتاب" قوله: "ترى": جملة من الفعل والفاعل، وقوله: "حبهم": كلام إضافي مفعوله الأول، وقوله: "عارًا": مفعوله الثاني، وقوله: "عليَّ": يتعلق به، وقوله: "تحسب": عطف على "ترى"، ومفعولاه محذوفان تقديره: وتحسبه عارًا عليَّ. الاستشهاد فيه: حيث حذف منه المفعولان، وهو جائز بالإجماع وذلك؛ لأجل الاختصار، ولكن عند قيام القرينة، وليس ذلك بمطلق فافهم. الشاهد الرابع والخمسون بعد الثلاثمائة (٣) , (٤) ولقد نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غيرَهُ … مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المحبِّ الأَكْرَمِ أقول: قائله هو عنترة بن شداد العبسي، من قصيدته المشهورة التي أولها هو قوله (٥): ١ - هَلْ غَادَرَ الشعراءُ منْ مُتردِّمٍ … أمْ هَلْ عَرَفْتِ الدارَ بعدَ توهُّمِ ٢ - أعياك رسمُ الدارِ لم يَتَكَلَّمِ … حتى تكلّم كالأَصَمِّ الأَعْجَمِ ٣ - ولقدْ حَبَسْتُ بهَا طويلًا ناقَتِي … أَشْكُو إِلَى سُفْعٍ رواكِدَ جُثَّمِ ٤ - يا دارَ عبلَةَ بالجواءِ تكلَّمي … وعِمِي صباحًا دَارَ عَبلَةَ واسْلَمِي إلى أن قال: ٥ - عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وأقتُلُ قومَها … زعمًا وربُّ البيتِ ليسَ بمزعمِ ٦ - ولقدْ نزلت ............. … ....................... إلى آخره

стр. 849

٧ - كيفَ المَزارُ وقدْ تربَّعَ أَهْلُهَا … بعنيزتَيِن وأهلنَا بالعَيلَمِ ٨ - إن كنتِ أزمعتِ الفراقَ فإنما … زُمَّتْ رِكَابُكم بلَيل مظْلِمِ وهي من الكامل. ١ - قوله: "هل غادر" أي: هل ترك الشعراء؟ وهو جمع شاعر، و"المتردم": من ردمت الشيء إذا أصلحته وقويت ما وهي منه، يقول: ما أبقى الشعراء لأحد معنى إلا وقد سبقوا إليه، قوله: "بعد توهم": من توهمت الشيء إذا أنكرته فتثبت فيه وطلبت حقيقته. ٢ - قوله: "أعياك" أي: أعجزك، يعني: أخفى رسم الدار عليك لدروسه فلم تستبن به الدار إلا بعد إنكار وتثبت؟ وضرب لذلك مثلًا بقوله: لم يتكلم حتى تكلم كالأصم الأعجم، أي: لم يبين لك أولًا أهي الدار التي عهدت أم لا؟ حتى بينها آخرًا بعد جهد ومشقة؟ ٣ - قوله: "سفع" بضم السين المهملة وسكون الفاء وفي آخره عين مهملة؛ وهو السواد يضرب إلى الحمرة، وأراد بها الأثافي السود، و"الرواكد": المقيمة الثابتة، و"الجثم" بضم الجيم وتشديد الثاء المثلثة، ومعناه: اللاصقة بالأرض الثابتة فيها، وأصله من جثم الطائر إذا لصق بالأرض. ٤ - قوله: "بالجواء" بكسر الجيم؛ وهو المطمئن من الأرض المتسع، ويقال: هو موضع بعينه (١)، قوله: "عمي صباحًا" أي: انعمي صباحًا وهي تحية أهل الجاهلية، قوله: "واسلمي": دعاء لها بالسلامة من الدروس والتغير. ٥ - قوله: "علقتها عرضًا" أي: اعترضني حبها من غير أن أرومه وأتعرض له وأنا مع ذلك أقتل قومها، فكيف أحبها وأنا أقتلهم؟ وإنما يريد أن قومها أعداء له فلا سبيل له إليها، فأنكر لذلك حبه لها، فقال مخاطبًا نفسه: هذا فعل ليس يفعل، وضرب الزعم مثلًا، والزعم إنما هو في الكلام دون الفعل، وإنما يريد أن حبه لها ليس له ظاهر يوجبه لقتله قومها، فكأنه ليس بحب. ٦ - قوله: "ولقد نزلت إلى آخره" يعني: أنت عندي بمنزلة المحب المكرم فلا تظني غير ذلك، و"المحب" بفتح الحاء؛ بمعنى المحبوب، والمستعمل في الكلام: المحبوب، ولكنه أجراه على أصله من أحببت، قوله: "الأكرم" (٢) لتفضيل المفعول، والدليل عليه ما جاء في بعض الروايات المكرم على صيغة الفعول من الإكرام. ٧ - قوله: "كيف المزار" يعني: كيف لي أن أزورها وأهلها متربعون بموضع لا مرتبع فيه؟

стр. 850

وتربع: من الربيع بمنزلة تصيف من الصيف، أي: نزلوا عنيزتين في الربيع وهي موضع، و"أهلنا نزلوا بالعيلم"، وهي -أيضًا- موضع، وهو -أيضًا- البئر الغزيرة الماء، و"العنيزتان" بضم العين المهملة وفتح النون وسكون الياء آخر الحروف وفتح الزاي المعجمة، والعيلم بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح اللام. ٨ - قوله: "أزمعت" أي: أجمعت، أراد أنهم فاجأوه بالرحيل ولم يعلم به قبل ذلك، فذلك أشد عليه وأبعث لجزعه. الإعراب: قوله: "ولقد" الواو للقسم واللام للتأكيد وقد للتحقيق، وجواب القسم قوله: "فلا تظني غيره"، و"نزلت": جملة من الفعل والفاعل وهو بكسر التاء خطاب للمؤنث، قوله: "مني" يتعلق به، والباء في: "بمنزلة" بمعنى في؛ أي: نزلت مني في منزلة الشيء المحبوب المكرم (١). قوله: "فلا تظني": نهي معترض بين الجار والمجرور وبين متعلقه، وقوله: "غيره": مفعول أول لتظني، ومفعوله الثاني محذوف تقديره: فلا تظني غيره واقعًا؛ أي: غير ما ذكر من نزولك مني في منزلة المحب المكرم، وفيه الاستشهاد؛ حيث حذف المفعول [الثاني] (٢) لقوله: "فلا تظني"، وهذا الحذف للاختصار دون الاقتصار، وهو جائز عند الجمهور خلافًا (٣) لابن ملكون (٤).

стр. 851

الشاهد الخامس والخمسون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) عَلِمْتُكَ البَاذِلَ المَعْرُوفَ فانْبعَثَتْ … إِلَيكَ بي وَاجفَاتُ الشَّوْق والأَمَل أقول: هو من البسيط. قوله: "الباذل": من البذل -بالذال المعجمة وهو الصرف، و"المعروف": اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه. قوله: "فانبعث": [من انبعث] (٣) فلان لشأنه إذا ثار ومضى ذاهبًا لقضاء حاجته، وهو مطاوع بعث، والبعث في اللغة: الإثارة، يقال: بعثت الناقة؛ أي: أثرتها، قوله: "واجفات الشوق" أراد بها دواعي الشوق والأمل وأسبابها التي شوقته إلى الانبعاث إليه لأجل معروفه، وأصله: من الوجيف، وهو ضرب من سير الإبل والخيل، و"الشوق": نزاع النفس إلى الشيء، و"الأمل": الرجاء. الإعراب: قوله: "علمتك": جملة من الفعل والفاعل وهو التاء والمفعول وهو الكاف وهو المفعول الأول، وقوله: "الباذل المعروف" هو المفعول الثاني، ويجوز في المعروف الجر بالإضافة والنصب على المفعولية [قوله: "فانبعثت" الفاء للتعليل، وقوله: "بي": صلته في محل النصب على المفعولية] (٤)، وقوله: "إليك": معترض بينهما، ومحله النصب على الحال من قوله: "واجفات الشوق" وهو فاعل انبعثت، والتقدير: فانبعثت بي واجفات الشوق قاصدة إليك أو متوجهة إليك، قوله: "والأمل": عطف على الشوق. الاستشهاد فيه: في قوله: "علمتك" حيث نصب فيه علمت مفعولين كما ذكرناه (٥).

стр. 852

الشاهد السادس والخمسون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بيضًا … وردّ وُجُوهَهُنُّ البِيضَ سُودَا أقول: قائله هو عبد الله بن الزَّبير -بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة الأسدي (٣)، وهو من قصيدة دالية أولها قوله (٤): ١ - رَمَى الحَدَثَان نِسْوَةَ آل حَربٍ … بِمِقْدَارٍ سُمِدْنَ لَهُ سُمُودَا ٢ - فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ ............. … ..................... إلى آخره ٣ - وإنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ بُكَاءَ هِنْدٍ … وَرَمْلَةَ إِذْ تَصُكَّانِ الخُدُودَا ٤ - بَكَيتَ بُكَاءَ مُعْوَلَةٍ حزِين … أصَابَ الدهرُ واحدَهَا الفَقِيدَا وهي من الوافر. وأخذها عبد الله بن الزبير من قول أعرابي نالته مصيبة، فقال: إنها والله مصيبة جعلت سوداء الرؤوس بيضاء وبيض الوجوه سوداء، وهونت المصائب وشيبت الذوائب. ١ - قوله: "رمى الحدثان" أي: الليل والنهار (٥)، قوله: "سمدن" على صيغة المجهول؛ أي: أحزن وأسكتن (٦)، والسامد: الساكت، والسامد: الحزين والخاشع، ومنه: التسميد من سمّد رأسه إذا استأصل شعره. ٣ - قوله: "إذ تصكان": من الصك وهو اللطم.

стр. 853

٤ - قوله: "معولة": من أعولت المرأة إعوالًا؛ أي: صاحت، والعويل: الصياح. الإعراب: قوله: "فرد" الفاء للعطف، و"رد": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر الذي يرجع إلى قوله: "بمقدار" وهو يقتضي مفعولين؛ لأنه بمعنى صير؛ فلذلك عدوه من أفعال التحويل فمفعوله الأول هو قوله: "شعورهن"، [ومفعوله] (١) الثاني هو قوله: "بيضًا" وهو جمع أبيض. وقوله: "السود" بالنصب: صفة للشعور، وهو جمع أسود، وكذلك الكلام في الشطر الثاني، وفي هذا البيت من فن البديع العكس والتبديل، وهو أن يقدم في الكلام جزءًا ثم يؤخر، ويقع على وجوه: منها: أن يقع بعد أحد طرفي جملة وما أضيف إليه؛ كقول بعضهم: عادات السادات، سادات العادات. ومنها: أن يقع بين متعلقي فعلين في جملتين؛ كقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، ومنه البيت المذكور، فإنه قدم السود على البيض في الجملة الأولى وأخره عنه في الجملة الثانية (٢). الاستشهاد فيه: في قوله: "رد" في الموضعين فإنه بمعنى صير؛ حيث نصب مفعولين كما ذكرناه (٣). الشاهد السابع والخمسون بعد الثلاثمائة (٤) , (٥) إِنَّ المحبّ عَلِمْتِ مُصْطَبِرٌ … وَلَدَيْهِ ذَنْبُ الحبِّ مُغْتَفَرُ أقول: هو من الكامل.

стр. 854

قوله: "ذنب الحب" بكسر الحاء بمعنى المحبوب؛ كالذبح بمعنى المذبوح، والطحن بمعنى المطحون، وقد يجيء الحب بالكسر بمعنى المحبة -أيضًا- والحب بالضم. الإعراب: قوله: "إن": حرف من الحروف المشبهة بالفعل ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، فقوله: "المحب": اسمه منصوب، وقوله: "مصطبر": خبره، وهما مفعولان لقوله: "علمت"، ولكن ألغي عمله لتوسطه بينهما، قوله: "ولديه" أي: عنده، نصب على الظرف، والعامل فيه قوله: "مغتفر"، وقوله: "ذنب الحب": كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "مغتفر": خبره. الاستشهاد فيه: على إلغاء عمل "علمت" لتوسطه بين مفعوليه؛ إذ أصل الكلام: علمت المحب مصطبرًا، ثم توسط العامل فصار: المحب علمت مصطبرًا، ثم ألغي العامل، وحينئذ اتجه دخول إن على الجملة (١). الشاهد الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) شَجَاكَ -أَظُنُّ- رَبْعُ الظَّاعنينَا … وَلَم تَعْبَأ بعَذْلِ العَادلِينَا أقول: هو من الوافر. قوله: "شجاك": من شجاه يشجوه إذا أحزنه، والشجو: الهم والحزن، قوله: "ربع الظاعنين" بالظاء المعجمة، من ظعن إذا سار ظعنًا، وظعنًا بسكون العين وتحريكها، وقرئ بهما في قوله تعالى (٤): ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠]، و "الربع" بفتح الراء وسكون الباء الموحدة وبالعين المهملة، هو الدار بعينها حيث كانت، وتجمع على: رباع وربوع وأرباع وأربع، والربع: المحلة أيضًا-، قوله: "ولم تعبأ، أي: لم تلتفت؛ من قولهم: ما عبأت بفلان عبأ؛ أي: ما بليت به، وكان يونس لا يهمز (٥)،

стр. 855

و"العذل" بالذال المعجمة؛ اللوم. الإعراب: قوله: "شجاك": جملة من الفعل والمفعول، وقوله: "ربع الظاعنين": كلام إضافي فاعله، وقوله: "أظن": معترض بين الفاعل والمفعول، ألغي عن العمل لتوسطه، ومنهم من نصب الربع فوجهه أن يكون مفعولًا أولًا لقوله "أظن"، وتكون جملة "شجاك" في موضع النصب على أنها مفعول ثان مقدمًا، وفاعله ضمير مستتر راجع إلى الربع؛ لأنه مؤخر لفظًا مقدم تقديرًا؛ إذ أصله التقديم على شجاك، قوله: "ولم تعبأ": جملة حالية، والباء في قوله: "بعذل": يتعلق به، والألف في "الظاعنينا" "والعاذلينا" ألف إشباع. الاستشهاد فيه: في قوله: "أظن" حيث ألغي عمله لتوسطه بين مفعوليه كما ذكرناه (١). الشاهد التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) وَمَنْ أَنْتُمُ إِنَّا نِسِينَا مَنَ أَنْتُمُ … وَريحُكُم منْ أَيِّ رِيح الأَعَاصر أقول: قائله هو زياد الأعجم (٤)، سمي به؛ لأن مولده ومنشأه كان بفارس، وهو من قصيدة

стр. 856

رائية، وأولها هو قوله (١): ١ - قَضَى اللهُ خَلْقَ النَّاسِ ثُم خُلِقْتُم … بَقِيَّةَ خَلْق الله آخِرَ آخِرِ ٢ - فلمْ تَسمَعُوا إلا بِمَنْ كانَ قبلكُم … ولم تُدْرِكُوا إلا مِدَقَّ الحَوَافِرِ ٣ - ومن أنتم ................. … ........................ إلى آخره ٤ - وأنتُمْ أُولَى جِئتُمْ مَعَ البقْلِ والدُّبَى … فَطَارَ وهذَا شَخْصُكُمْ غَيرُ طَائرِ وهي من الطويل. ٢ - قوله: "إلا مدق الحوافر" المدق: موضع وقع الحوافر، يقول: سمعتم بمن كان قبلكم ولم تدركوهم لحداثة ولادتكم؛ أي: ليس لكم قدم ولم تكونوا إلا أذلة يطؤكم كل حافر. ٣ - قوله: "الأعاصر": جمع إعصار، وأصله: الأعاصير ولكنه خفف، والإعصار: ريح تثير الغبار وترفع إلى السماء كأنه عمود، قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] ويقال: هي ريح تثير سحابًا ذات رعد وبرق، وفي المثل (٢): "إن كنت ريحًا فقد لا قيت إعصارًا" وإنما خصها بالذكر؛ لأنها لا تسوق غيثًا ولا تلقح شجرًا، فضرب لهم المثل لقلة الانتفاع بهم، وهم يجعلون الريح كناية عن الدولة فيقال: فلان قد ذهبت له ريح. فإن قلتَ: ما هذه الإضافة في قوله: "ريح الأعاصر" فهل هي إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الإعصار ريح؛ فيكون التقدير: من أي ريح الريح؟ قلتُ: الإعصار ريح مخصوصة وهي الريح التي فسرناها، فتكون الإضافة فيه من قبيل إضافة العام إلى الخاص. ٤ - قوله: "فأنتم أولى جئتم" يعني: أنتم الذين جئتم مع البقل، وأولى: بمعنى الذين، ويروى: "أأنتم أولى جئتم"، و: "الدَبى" بفتح الدال المهملة والباء الموحدة؛ صغار الجراد، يقول: ما عهدناكم قبل الخصب ولا رأينا لكم أثرًا، فلما أخصب الناس نبغتم، فكأنكم إنما جئتم مع البقل والدبى فطار وبقي شخصكم، يرميهم بأنهم لا أصل لهم. الإعراب: قوله: "ومن": استفهامية في محل الرفع بالابتداء، وخبره قوله: "أنتم"، قوله: "إنا نسينا": جملة مؤكدة بإن، قوله: "من أنتم": جملة من المبتدأ والخبر في محل النصب على المفعولية،

стр. 857

قوله: "وريحكم": كلام إضافي مبتدأ، وخبره: "من أي ريح الأعاصر"، وقد قيل: يجوز أن يجعل من بمعنى الذي، وقد حذف بعض صلته؛ كأنه قال: إنا نسينا الذين هم أنتم، والأول أوجه. الاستشهاد فيه: على أنه علق: "نسي" بالاستفهام حملًا على نقيض النسيان وهو العلم؛ كذا قاله ابن الناظم (١)، وليس الأمر كذلك بل النسيان من أفعال القلوب، وأفعال القلوب يجوز تعليقها بالاستفهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل: ٣٣]، و ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤]، و ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]. ثم البيت لا دليل فيه لاحتمال تقدير تمام الكلام عند قوله: "نسينا"، ثم يبتدئ "من أنتم" توكيدًا لمثله في أول البيت (٢)، ولا قاطع فيه -أيضًا- لاحتمال كون "ما" موصولة حذف العائد الذي هو صدر صلتها مع عدم طول الصلة كما ذكرناه فافهم (٣). الشاهد الستون بعد الثلاثمائة (٤) , (٥) أَبُو حَنَشٍ يُؤَرِّقُنِي وطَلْقٌ … وَعَمَّارٌ وآونَةً أُثَالا (٦) أَرَاهُم رِفْقَتِي حتى إِذَا مَا … تَجَافَى الليلُ وانْخَزل انخزالا إذَا أنَا كالذي يَجْرِيَ لِوَرْدٍ … إلى آلٍ فلم يُدْرِكْ بِلَالا أقول: قائله هو عمرو بن أحمر الباهلي (٧)، وهي من قصيدة يذكر جماعة من قومه لحقوا

стр. 858

بالشام فصار يراهم إذا أتى أول الليل. وهي من الوافر وفيه العصب والقطف، وأولها هو قوله (١): ١ - أبَتْ عَينَاكَ إلا أَن تُلِحَّا … وتَحْتَالا بِمَائِهمَا احْتِيَالا ٢ - كَأنهُمَا سُعَيْفَا مُستَغِيث … يرجى طالعًا بهما ثقالًا ٣ - وَهَي خرزَاهُمَا فَالماء يَجْرِي … خِلالهمَا ويَنْسَلُّ انْسِلالا ٤ - عَلَى حَيَّيِن فيِ عَامَيِن شتَّى … فَقَدْ عَنَّى طلابهُمَا وطَالا ٥ - فأية لَيلَةٍ تَأْتِيكَ سهوًا … فتُصْبِحَ لا تَرَى منْهم خَيَالا ٦ - أبو حنش يؤرقني ....... … ................... إلى آخره وأنشد سيبويه في كتابه بيتًا آخر قبل قوله: "أبو حنش" وهو (٢): أرَى ذَا شَيبَةٍ حَمَّال ثِقْلٍ … وأبْيضَ مثلَ صَدْر الرُّمحِ نَالا ١ - قوله: "إلا أن تلحا": من ألح السحاب: دام مطره، وقال الأصمعي: ألح السحاب بالمكان: أقام به مثل: ألث، وهو بالحاء المهملة (٣). ٢ - قوله: "سعيفا مستغيث" بضم السين المهملة وفتح العين؛ تصغير سُعف بضم السين -أيضًا- وهي قربة تقطع من نصفها وينبذ فيها، وربما استقى بها كالدلو، والمستغيث: الذي يطلب الغيث وهو المطر [قوله: "] (٤) يرجى" بتشديد الجيم. ٤ - قوله: "على حيين": يتعلق بقوله: "أن تلحا"، قوله: "سهوًا" أي: سكونًا ولينًا. ٦ - قوله: "أبو حنش" بفتح الحاء المهملة والنون وفي آخره شين معجمة، وهو كنية رجل، و"الحنش" في الأصل: كل ما يصاد من الطير والهوام، ويجمع على أحناش، والحنش -أيضًا- الحية، ويقال: الأفعى، قوله: "يؤرقني" من أرقه تأريقًا إذا أسهره، وثلاثيه: أرق بكسر الراء إذا سهر. قوله: "وطلق" بفتح الطاء المهملة وسكون اللام وفي آخره قاف؛ وهو اسم رجل هاهنا، وفي الأصل: هو ضرب من الأدوية، ويقال: طلق الوجه وطلق اليدين؛ أي: سمح، وطلق اللسان، ويوم طلق، وليلة طلق -أيضًا- إذا لم يكن [فيهما] (٥) برد ولا شيء يؤذي، و"الطلق": وجع

стр. 859

الولادة، وأما الطلق بالتحريك فهو قيد من جلود، ويقال -أيضًا- عدا عداء الفرس طلقًا أو طلقين أي: شوطًا أو شوطين. قوله: "وعمار" بتشديد الميم؛ اسم رجل، وكذلك: "أثال": اسم رجل، وأصله: أثالة، فرخم وهو بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة، قوله: "وآونة": جمع أوان، وهو الزمان، ويجمع الزمان على أزمنة، وأصلها: أأونة بهمزتين ثانيتهما ساكنة فقلبت الثانية ألفًا فصار: آونة. ٧ - قوله: "رِفقتي" بكسر الراء؛ جمع رفيق، قوله: "تجافى الليل" أي: انطوى وارتفع، قوله: "وانخزل" أي: انقطع؛ من الخزل وهو القطع، ومادته: خاء وزاي معجمتان ولام. ٨ - قوله: "لورد" بكسر الواو وهو خلاف الصدر؛ من ورد الماء، قوله: "إلى آل" [أي: إلى سراب] (١)، قال الجوهري: الآل: الذي تراه أول النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص وليس هو السراب (٢)، قوله: "بلالًا" بكسر الباء الموحدة، وهو ما يبل به الحلق من الماء واللبن، وأراد به هاهنا الماء، يقال: ما في سقائك (٣) من بلال؛ أي: ماء. الإعراب: قوله: "أبو حنش": مبتدأ، وقوله: "يؤرقني": جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الرفع على الخبرية، قوله: "وطلق": عطف على أبي حنش، "وعمار": عطف عليه، قوله: "وآونة أثالا" أصل أثالا: أثالة، وفي هذا التركيب محذوران: الأول: هو الفصل بين حرف العطف والمعطوف؛ وذلك لأن تقدير الكلام: وعمار وأثالة آونة؛ ففصل بين واو العطف وبين أثال الذي هو المعطوف على عمار بقوله: "آونة"، و"آونة": نصب على الظرف (٤). المحذور الثاني: الترخيم في: "أثال"؛ لأن أصله أثالة كما ذكرنا فرخمه لأجل الضرورة ولتعتدل القوافي (٥).

стр. 860

وعندي هاهنا وجه آخر: وهو أن تكون الواو في "آونة" بمعنى الباء التي هي حرف الجر التي تأتي بمعنى الظرف، والتقدير: بآونة، أي: في آونة، أي: في أزمان، ويكون أصل: أثالا وأثالا بحرف العطف فحذف حرف العطف لأجل الضرورة، وحَذْفُ حرف العطف في الشعر كثير، وعلى كل تقدير: لا يخلو هذا التركيب من المحذور والتعسف. فإن قلتَّ: هل تأتي الواو بمعنى باء الجر؟ قلتُ: نعم؛ كما يقال أنت أعلم ومالك، أي: بمالك، وبعت الشياه شاة ودرهما، أي: بدرهم (١)، قوله: "أراهم رفقتي" أرى هاهنا بمعنى أعلم؛ لأنه من أرى الرؤيا؛ لأنه إدراك بالحس الباطن كالعلم، فأجري مجراه في اقتضائه المفعولين، فقوله: "هم" مفعوله الأول. وقوله: "رفقتي": كلام إضافي مفعوله الثاني، وقوله: "حتى" هاهنا حرف ابتداء؛ أي: حرف يبتدأ بعده الجملة يعني: تستأنف، وكلمة: "إذا" للظرف، وكلمة: "ما" زائدة، ويجوز أن يكون حتى حرف جر، وإذا في موضع جر بحتى؛ كما ذكر الأخفش نحوَه في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] (٢). قوله: "تجافى": فعل ماض و "الليل": فاعله، قوله: "وانخزل": عطف على تجافى، و"انخزالًا": نصب على المصدرية. قوله: "إذا" للمفاجأة، و"أنا": مبتدأ، وخبره قوله: "كالذي" أي: كالرجل الذي، قوله: "أجري" على صيغة المجهول؛ صلة الذي، ويروى: "كالذي يجري" وهو الأشهر. قوله: "لورد" اللام فيه للتعليل، أي: لأجل الورد إلى الماء، قوله: "إلى آل": يتعلق بقوله: "أجري"، قوله: "فلم يدرك": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "بلالًا": مفعوله. الاستشهاد فيه: في قوله: "أراهم رفقتي" حيث نصب أرى التي من الرؤيا مفعولين، وهما: الضمير، وقوله: "رفقتي" كما ذكرنا (٣).

стр. 861

الشاهد الحادي والستون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) قَالتْ وَكُنْتُ رَجُلًا فَطِينًا … هَذَا لَعَمْرُ الله إِسْرَائينَا أقول: قائله [هو] (٣) أعرابي صاد ضبًّا وأتى به إلى أهله، فرأته امرأته، فقالت: هذا لعمر الله إسرائين [أي]، (٤) ما مسخ من بني إسرائيل، وقال أبو منصور موهوب بن الجواليقي (٥) في معربه: يجوز في إسرائيل: إسرال، وإسرائين بالنون، وقال أعرابي: صاد ضبًّا فجاء به إلى أهله، وأنشد يقول: قال أَهْلُ السُّوقِ لَمَّا جِينَا … هَذَا وَرَبِّ البَيتِ إسْرَائِينَا (٦) وهو من الرجز المسدس. قوله: "فطينًا": من الفطنة وهو الذكاء، وقد فطن بالكسر فطنة وفطانة وفطانية، قال الجوهري: الفطنة كالفهم، تقول: فطنت للشيء بالفتح ورجل فطِن وفطَن (٧)، قوله: "لعمر الله" بفتح اللام وفتح العين، قال سيبويه: العَمر والعُمر -بفتح العين وضمها واحد إلا أنهم لا يستعملون في القسم إلا الفتح لكثرة القسم في كلامهم (٨). قوله: "إسرائينا" بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الراء بعدها همزة مكسورة وبعدها نون، وهو لغة في إسرائيل باللام في آخره، وكذلك: يقال في إسرافيل باللام: إسرافين بالنون، وفي: جبرائيل: جبرائين، وفي ميكائيل: ميكائين، قال الجوهري: إسرائيل: اسم يقال: هو مضاف إلى إيل (٩)؛ قال الأخفش هو يهمز ولا يهمز، قال: ويقال في لغة: إسرائين بالنون؛ كما قالوا: جبرين وإسماعين (١٠)، قلت: ذكره في باب سرى، يقال: سريت سرى ومسرى وأسريت

стр. 862

بمعنى إذا سرت ليلًا، وبالألف لغة أهل الحجاز، وجاء القرآن بهما جميعًا، وعن هذا قالوا: إنما سمي يعقوب ﵇ إسرائيل؛ لأنه كان يسري بالليل ويكمن بالنهار لما هرب من أخيه عيص، وحكايتهما مشهورة، ويقال: إشر بمعنى عبد، وإيل بمعنى الله، ومعناه: عبد الله. الإعراب: قوله: "قالت": جملة من الفعل والفاعل بمعنى ظنت، وقوله: "هذا": مبتدأ، و"إسرائينا": خبره، وكلاهما مفعولان لقالت على لغة سليم؛ لأنهم يُجْرُون القول مجرى الظن، والخبر في الحقيقة محذوف تقديره: هذا لعمر الله ممسوخ إسرائين، أي: بني إسرائيل، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأشبعت حركة النون بالألف. ويقال: أصله: هذا إسرائيننا بالإضافة والرفع، ثم حذفت النون الأولى تخفيفًا لاجتماع النونين وبقيت نون: "نا" وهي مفتوحة (١). قوله: "لعمر الله": مبتدأ محذوف الخبر تقديره: لعمرو الله يميني، أو قسمي، والجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، قوله: "وكنت" التاء اسم كان، و"رجلًا": خبره، و"فطينًا": صفته، والجملة معترضة بين القول ومعموليه. الاستشهاد فيه: في نصب: "قالت هذا إسرائينا" لكونه بمعنى ظن (٢) على لغة سليم؛ كما ذكرنا (٣). قال الشيخ أبو حيان ﵀: وليس المعنى على ظنت؛ لأن هذه المرأة الخبر عنها رأت عند هذا الشاعر ضبًّا، فقالت: هذا إسرائين؛ لأنها تعتقد في الضباب أنها من ممسوخ بني إسرائيل، وقولها ذلك ليس عن ظن منها، وإنما هو عن اعتقاد اعتقدته وقطعت به، وإلى هذا المذهب ذهب أبو الحسن بن خروف والأعلم (٤).

стр. 863

وقال ابن عصفور: ولا حجة في ذلك لاحتمال أن يكون القول في البيت غير مجرى مجرى الظن في العمل؛ بل يكون هذا مبتدأ وإسرائين خبره على تقدير مضاف محذوف، أي: مسخ إسرائين، فحذف المضاف ولم يقم المضاف إليه مقامه في الإعراب على قراءة من قرأ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧] بخفض الآخرة (١). وقال الشيخ: وقد يمكن أن يكون أراد بقالت ظنت، وكأنها لما قالت هذا إسرائين معتقدة أن الضباب من ممسوخ بني إسرائيل ولم يكن اعتقادها ذلك عن دليل قاطع، فجعل ما اعتقدته من ذلك ظنًّا منها (٢). الشاهد الثاني والستون بعد الثلاثمائة (٣) , (٤) مَتَى تُقُولُ القُلُصَ الرَّوَاسِمَا … يَحْمِلْنَ أُمّ قَاسِمٍ وقَاسمَا أقول: قائله هو هدبة بن خشرم -بفتح الخاء المعجمة بعدها شين معجمة وراء مهملة- العذري شاعر متقدم من بادية الحجاز، وكان راوية الحطيئة، وكان جميل راوية هدبة هذا، وكان كثير راوية جميل، ويقال: الصواب: أم حازم وحازمَا، و"أم حازم": هي أخت زياد (٥) بن زيد العذري، وحازم ابنها، وكان هدبة بن خشرم وزياد بن زيد، وهما ابنا عم قد جمعهما سفر مع الحجاج، ومع هدبة أخته فاطمة، فاعتقبوا سوق الإبل، فنزل زياد بن زيد وجعل يحدو الإبل وهو يقول (٦): عُوجِي عَلَينَا وَارْبَعِي يَا فَاطِمَا … أمَّا تَرَينَ الدّمعَ مِنِّي سَاجِمًا نَخبُركِ مَا دَامَ البَعِيرُ قَائِمًا … ............................... وهي من أبيات كثيرة، فلما سمعه هدبة يتغزل في أخته غضب فنزل عن بعيره وجعل يرتجز ويقول (٧):

стр. 864

١ - لقدْ أَرَانِي والغُلامَ الحَازِمَا … نُزْجِي المَطِيّ الضُّمّرَ السَّوَاهِمَا ٢ - مَتَى تُقُولُ القُلُصُ الرَّوَاسِمَا … والجِلَّةَ النَّاحِيَةَ العَيَاهِمَا ٣ - يَبلُغْنَ أُمَّ حَازِمٍ وحَازِمًا … إذَا هَبَطْنَ مُستَخْيرًا قَاتِمًا ٤ - ورَجعَ الحَادي لَهَا الهَمَاهِمَا … أرْجَفْنَ بالسَّوَالِفِ الجَمَاجِمَا ٥ - تَستَمِعُ المروبه القَمَاقِمَا … كمَا يَطِنُّ الصّيرَفُ الدَّرَاهِمَا ٦ - ألا تَرَينَ الدَّمْعَ مِنِّي سَاجِم … خذي حذار منك لي تُلائِمَا ٧ - والله لا يَشْفِي الفُؤَادَ الهَائمَا … مساحنا اللباتِ والمآكمَا ٨ - ولا اللِّمَامُ دونَ أنْ تُلازِمَا … ولا اللزَامُ دونَ أنْ تُفَاقِمَا ٩ - ولا الفقامُ دون أن تفَاغِمَا … وتركَبُ القَوَائمُ القَوائِمَا فغضب زياد ووقع بينهما شر، فكان ذلك سببًا أدى هدبة إلى أن قتل زيادًا، ثم قُتل هدبة. وهي من الرجز المسدس. ١ - قوله: "عوجي علينا": من عجت البعير أعوجه عوجًا ومعاجًا إذا عطفت رأسه بالزمام، قوله: "واربعي": من ربع الرجل يربع إذا وقف وتحبس. ٢ - قوله: "نحبرك": من حبره يحبره بالضم حبرًا وحبرة إذا أسره؛ قال تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]. ١ - قوله: "نزجي المطي" أي: نسوقها، والمطي: الإبل، و"الضمر" بضم الضاد وتشديد الميم؛ جمع ضامر وهو المهزول من كثرة الأسفار، و"السواهم": المتغير من السفر. ٢ - قوله: "القلص" بضم القاف وضم اللام المخففة وفي آخره صاد مهملة، وهو جمع قلوص بفتح القاف، وهي الشابة من النوق، وهي بمنزلة الجارية من النساء، قوله: "الرواسم": جمع راسمة، من الرسم بالسين المهملة، وهو نوع من سير الإبل، قوله: "والجلة" بكسر الجيم؛ الكبار من الإبل، واحدها: جليل، و""الناجية": السريعة، قال الجوهري: الناجية والنجاة: الناقة السريعة تنجو بمن يركبها والبعير ناج (١)، قوله: "العياهما": جمع عيهم وهو الشديد، وقال الجوهري: العيهم من النوق: السريعة (٢)، وقال غيره: العياهم: الحسنة الخلق.

стр. 865

٣ - قوله: "مستحيرًا": هو القفر الذي يحار فيه القوم و"القاتم" بالقاف؛ الكثير القتام وهو الغبار. ٤ - قوله: "الهماهما": جمع همهمة وهي الصوت، قوله: "أرجفن" أي: حركن، قوله: "بالسوالف" وهي صفحات الأعناق، و"الجماجم": الرؤوس. ٥ - قوله: "المرو" أي: الحجارة، و"القماقم": الأصوات، قوله: "كما يطُن الصيرف": من أطننت الطست وطننت إذا صوتت، و"الصيرف": الصيرفي. ٧ - قوله: "مساحنا اللبات": هو جمع لبة بتشديد الباء الموحدة، وهي موضع الحلي من الصدر، و"المآكم": رؤوس الأوراك وهو جمع مأكمة. ٨ - وقوله: "ولا اللمام" أي: الزيارة، و"اللزام": المعانقة، و"الفقام" بالفاء ثم القاف التقبيل، ووضع الفم على الفم. ٩ - و"المفاغمة" بالغين المعجمة بعد الألف؛ شم الرائحة ولا يكون إلا في الرائحة الطيبة. الإعراب: قوله: "متى": للاستفهام، و"تقول": فعل وفاعل بمعنى تظن، هذه رواية النحاة، وفي رواية غيرهم: متى تظن القلص الرواسما … ................................ فعلى هذه الرواية: لا شاهد فيه، وقوله: "القلص" بالنصب مفعوله الأول، وقوله: "الرواسما": صفة للقلم، وقوله: "يحملن": جملة وقعت مفعولًا ثانيًا، قوله: "أم قاسم": كلام إضافي مفعول لقوله: "يحملن"، و "قاسمًا": عطف على المضاف في قوله: "أم قاسم". الاستشهاد فيه: في قوله: "تقول" حيث أجرى مجرى الظن لتضمنه معناه عند كونه بلفظ المضارع المخاطب التالي للاستفهام وهو قوله: "متى" (١).

стр. 866

الشاهد الثالث والستون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) أَجُهَّالًا تَقُولُ بَنِي لُؤَيٍّ … لَعَمْرُ أَبيكَ أَمْ مُتَجَاهِلِينَا أقول: قائله هو كميت بن زيد الأسدي، شاعر مقدم عالم بلغات العرب، خبير بأيامها فصيح من شعراء مضر، أدرك الدولة الأموية دون العباسية، وكنيته: أبو المستهل، وكان أصلخ بالخاء المعجمة أي: أصم، والأصمعي لا يحتج به وقد احتج به الأمة، وهو من قصيدة يمدح فيها مضر ويفضلهم على أهل اليمن. والمعنى: أتظن قريشًا جاهلين أم متجاهلين حين استعملوا أهل اليمن على أعمالهم وآثروهم على المضريين مع فضلهم عليهم، وهي من الوافر وفيه العصب والقطف. قوله: "أجهالًا" بضم الجيم وتشديد الهاء، وهو جمع جاهل، قوله: "تقول": بمعنى تظن، قوله: "بني لؤي" أراد به قريشًا، ولؤي من [أجداد] (٣) النبي ﷺ ، وقد يهمز ولا يهمز، والهمزة قول الأكثرين، وهو تصغير لأي، وهو الثور الوحشي، وقال ابن دريد: من لواء الجيش وهو ممدود، وإن كان من لوى الرمل فهو مقصور (٤). قوله: "لعمر أبيك": قسم ويمين، وقد مر غير مرة، والمعنى: أتظن بني لؤي جهالًا أو متجاهلين، وهو من تجاهل إذا أرى من نفسه الجهل وليس به. الإعراب: قوله: "أجهالًا" الهمزة للاستفهام، و"جهالًا": نصب على أنه مفعول ثان لقوله: "تقول" لأنه بمعنى تظن، وقوله: "بني لؤي": مفعوله الأول، قوله: "لعمر أبيك": مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: لعمر أبين يميني أو قسمي، وهو معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، قوله: "أم متجاهلينا": عطف على قوله: "أجهالًا"، و"أم": معادلة للهمزة، والألف فيه للإشباع.

стр. 867

الاستشهاد فيه: على أن قوله: "تقول" بمعنى تظن، فلذلك نصب المفعولين مع الفصل بين الفعل وبين الاستفهام، وذلك لأن الفصل إذا كان بظرف أو جار ومجرور أو أحد المفعولين لا يضر، وهنا الفصل بأحد المفعولين فافهم (١). الشاهد الرابع والستون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) إذَا مَا جَرَى شَأْوين وَابْتَل عِطْفُهُ … تَقُولُ هَزِيزَ الرِّيحِ مَرَّتْ بأَثْأَبِ أقول: قائله هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وهو من قصيدة بائية وأولها هو قوله: خليلَيّ مُرَّا بِي عَلَى أُمِّ جُنْدُبٍ … ينَقضي حاجات الفُؤَاد المعُذّبِ وقد ذكرنا منها أبياتًا عند قوله: فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها … ................................ في شواهد ما ولا وإن المشبهات بليس (٤)، وبعد البيت المذكور هو قوله: ضليعٌ إذا استدبرتَهُ سدّ فرجهُ … بضافٍ فويقَ الأَرض ليسَ بأصهبِ إذا مَا رَكبنَا قال ولدانُ أهلِنَا … تعالوا إلى أن يأتي الصيدُ نحطبُ وهي من الطويل. يصف فيه فرسًا ويبالغ فيه، وذكر أهل البديع أن هذا [البيت] (٥) فيه الإيغال، ومعنى الإيغال: أن المتكلم أو الشاعر إذا انتهى إلى آخر الفقرة أو البيت استخرج سجعة أو قافية تفيد معنى زائدًا على معنى الكلام، وأصله من أوغل في السير إذا بلغ غاية قصده بسرعة، ويقال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه قبل أن يأتي بقافية، فإذا أراد الإتيان بها ليكون شعرًا أفاد

стр. 868

بها معنى زائدًا على معنى البيت (١). قوله: "شأوين": تثنية شأو بفتح الشين المعجمة وسكون الهمزة وفي آخره واو، ومعناه: السبق، يقال: عدا شأوًا؛ أي: طلقًا، قوله: "وابتل عطفه" أي: جانبه، و"عطفاه": جانباه من لدن رأسه إلى وركيه، وكذلك عطفا كل شيء: جانباه. قوله: "هزيز الريح" بفتح الهاء وكسر الزاي المعجمة بعد ياءآخر الحروف وفي آخره زاي -أيضًا-، وهزيز الريح: دويها عند هزها الشجر، يقال: الريح تهزز الشجر فيتهزز، قوله: "بأثأب" الأثأب بفتح الهمزة وسكون الثاء المثلثة وفتح الهمزة وفي آخره باء موحدة، وهي شجر، الواحدة: أثأبة. الإعراب: قوله: "إذا ما جرى" كلمة ما زائدة، و"جرى": جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الفرس المعهود، قوله: "شأوين": نصب على المصدرية بطريق النيابة، قوله: "وابتل عطفه": جملة من الفعل والفاعل، معطوفة على قوله: "جرى"، قوله: "تقول": جواب إذا وهي جملة من الفعل والفاعل بمعنى تظن؛ فلذلك عملت عملها في نصب الجزأين، قوله: "هزيز الريح": كلام إضافي مفعول أول لتقول، وقوله: "مرت بأثأب" في محل النصب مفعول ثان. الاستشهاد فيه: أن سليمًا يعملون القول عمل الظن، وعلى لغتهم جاء النصب في قوله: "هزيز الريح". فافهم (٢). الشاهد الخامس والستون بعد الثلاثمائة (٣) , (٤) إِذَا قُلْتُ أنِّي آيِبٌ أَهْلَ بَلْدَةٍ … وَضَعْتُ بِهَا عَنْهُ الوَليَّةَ بِالْهَجْر أقول: قائله هو الحطيئة، واسمه جرول بن أوس بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة

стр. 869

ابن عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان، وكان قدم المدينة أول خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وكان ينزل الكوفة، والحطيئة في اللغة: القصير، وعن ثعلب سمي الحطيئة لدمامته، وبعد البيت المذكور (١): ٢ - ترى بين مَجْرَى مِرفَقَيهِ وثيله … هواءً لِفَيفَاةٍ بَدَا أهلُها نفر ٣ - إِذَا صَرَّ يَومًا ماضِغَاهُ بِجِرَّة … نَزَتْ هَامَةٌ فوقَ اللَّهَازِمِ كالقَبرِ ٤ - فإنْ عَبَّ في ماءٍ سَمِعَتْ لِجَرعِهِ … خَوَاةً كتثلِيمِ الجَدَاولِ فيِ الدَّبْرِ ٥ - وَإنْ خَافَ مِنْ وَقْعِ المُحَرّمِ يَنْتَحِي … عَلَى عَضدٍ رَيَّا كسَارِيةِ القَصْرِ ٦ - تَلَتْهُ فَلَمْ تُبطِئْ [بِهِ] من وَرَائِه … مُعَقْرَبَةٌ رَوْحَاءُ رَيِّثَةُ الفَتْرِ (٢) ٧ - على عَجُزِ كالبَابِ شُدّ رِتَاجُهُ … ومُستتلِعٍ بالكُورِ فيِ حُبُكٍ سُمْرِ وهي من الطويل يمدح فيها بعيره، ويذكر أوصافه التي ترغب في الإبل. ١ - قوله: "آيب" أي: راجع، وهو فاعل من آب إذا رجع، قوله: "الولية" بفتح الواو وكسر اللام وتشديد الياء آخر الحروف؛ وهي البرذعة، قال أبو عبيد: ويقال [هي التي] (٣) توضع تحت البرذعة، و"الهجر" بفتح الهاء؛ نصف النهار عند اشتداد الحر، وكذلك الهاجرة، وأصله تحريك الجيم وسكنت للضرورة. ومعنى البيت: إذا قدرت إتيان بلدة عند الليل أتيتها نصف النهار لسرعة بعيري ونجابته. ٢ - قوله: "ترى بين … إلى آخره" يريد أنه مفرج الإبطين ضخم الجنبين لاحق البطن، قوله: "وثيله" بكسر الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف؛ أي: وعاء ذكره، و"الفيفاة": الفلاة. ٣ - قوله: "إذا صر يومًا ماضغاه" من صر الناب صريرًا إذا صوت، و"الماضغان" بالضاد والغين المعجمتين؛ أصول اللحيين عند منبت الأضراس، ويقال: عرقان في اللحيين، قوله: "بجرة" الجرة -بكسر الجيم وتشديد الراء: ما يخرجه البعير للاجترار، قوله: "نزت هامة": من نزا ينزو نزوًا ونزوانًا، و"الهامة": الرأس، وجمعها الهام، و"اللهازم": جمع لهزمة بكسر اللام، واللهزمتان: عظمان ناتئان في اللحيين تحت الأذنين، ويقال: هما مضغتان علييان تحتهما (٤). ٤ - [قوله: "] (٥) فإن عب في ماء" العب: شرب الماء من غير مص، قوله: "لجرعه": من

стр. 870

جرعت الماء أجرعه جرعًا بكسر عين الفعل في الماضي وفتحها في الغابر، و"جرعت" بالفتح لغة أنكرها الأصمعي (١)، قوله: "خواة" بفتح الخاء المعجمة أي: صوتًا، و"الجداول": الأنهار الصغار، واحدها جدول، و"الدبر" بفتح الدال المهملة وسكون الباء الموحدة، وهو جمع دبرة وهي المشارة في المزرعة، وكذلك الدبارة. ٥ - قوله: "من وقع المحرم" أي: من سقوطه، والمحرم بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الراء المفتوحة، وهو السوط الذي لم يلن من طول الضرب، و"انتحاؤه": اعتماده على عضديه في سيره. ٦ - قوله: "تلته" أي: تبعته، أراد رجله، و"المعقربة": الموثقة، و"الروحاء": الواسعة الخطو، و"ريثة الفتر": البطيئة، وهو بفتح الراء وتشديد الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة، قوله: "رتاجه" بكسر الراء وهو الباب الصغير الذي يكون في الباب الكبير. ٧ - قوله: "ومستتلع بالكور" أراد: سنامه مشرق مرتفع، و"الحبك": طرائق فيه من لون وبره. الإعراب: قوله: "إذا" للشرط هاهنا، و "قلت": فعل وفاعل، و"أني آيب": في محل النصب؛ لأن قلت بمعنى: ظننت، والضمير المتصل اسم إن، وآيب خبرها، وقوله: "أهل بلدة": كلام إضافي منصوب بآيب، وأصله: آيب إلى أهل بلدة، يقال: أبت إلى بني ملان إذا أتيتهم ليلًا، قوله: "وضعت": جملة هي جواب إذا، والباء في "بها" للظرف، وكذا في قوله: "بالهجر"، والتقدير: فيها وفي الهجر، وكلاهما يتعلق بوضعت، والضمير في بها يرجع إلى البلدة، وفي قوله: "عنه" يرجع إلى بعيره الذي يمدحه، وليس بإضمار قبل الذكر؛ لأنه معهود وهو -أيضًا- يتعلق بوضعت، وقوله: "الولية" بالنصب مفعول وضعت. الاستشهاد فيه: في قوله: "أني آيب" حيث جاءت أني بالفتح؛ لأن قلت بمعنى ظننت وهو لغة سليم، فإنهم يجرون القول مجرى الظن مطلقًا، وعلى لغتهم تفتح أن بعد قلت، وشبهه كما ذكرنا (٢).

стр. 871

الشاهد السادس والستون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) أما الرَّحِيلُ فَدُونَ بَعْد غَدٍ … فمَتَى كَقُول الدَّارَ تَجْمَعُنَا أقول: قائله هو عمر بن أبي ربيعة، وهو من قصيدة ملتزمًا في رويها العين والنون، وأولها هو قوله (٣): ١ - قَال الخَلِيطُ غدًا يَصَدِّعُنَا … وأشيعه أَفَلَا يُشَيِّعُنَا ٢ - أما الرحيل ........... … .................. إلى آخره ٣ - لتشوقنا يُفِيدُ وَقَد قَتَلَتْ … علمًا بِأَن البَينَ فَاجِعُنَا ٤ - ومَقَالِهَا سِرْ لَيلَةً معَنَا … نَعْهَدْ فَإنَّ البينَ شَابعُنَا ٥ - قلتُ العُيُونُ كثيرةٌ معكم … وأظن أَن السَّيرَ مانِعُنَا ٦ - لا بل نُزُوركُمُ بأَرِضِكُمُ … فَيطَاعُ قائِلُكُم وشَافِعُنَا ٧ - قالتْ أَشيءٌ أنتَ فَاعِلُهُ … هذَا لعمركَ أم أنت خَادِعُنَا ٨ - بالله حدَّثنَا نؤمّلُهُ … وأصدَقْ فإنَّ الصدقَ واسعُنَا ٩ - اضرِبْ لنَا أجلًا نعد له … إِخْلَافَ موعدهُ يُقَاطِعُنَا وهي من الكامل، وفيها الإضمار والحذذ (٤). المعنى: قد كان رحيلنا ومفارقتنا لمن نحب من غد، فمتى تجمعنا الدار بعد ذلك؟ وعبر عن الغد بعبارة بعيدةٍ وهي قوله: "دون بعد غد"، أي: ففي اليوم الذي هو قيل بعد غد، وذلك اليوم هو الغد. الإعراب: قوله: "أما": حرف شرط وتفصيل؛ فلذلك لزم الفاء بعدها، و"دون" هاهنا بمعنى قبل كما يقال: دون النهر أسد، أي: قبل وصولك إليه؛ فالمعنى: أما الرحيل فقبل بعد غد، ويروى:

стр. 872

بعد بالنصب والخفض؛ فالنصب على تقدير: فدون ما بعد غد، فما موصولة، وبعد صلتها، والخفض على إضافة دون إليه، قوله: "فمتى": استفهام، و"تقول": جملة من الفعل والفاعل بمعنى تظن، فلذلك نصب مفعولين وهما قوله: "الدار" وقوله: "تجمعنا"، وقال النحاس في شرح كتاب سيبويه: "تجمعنا" في موضع المفعول الثاني، أي: جامعة لنا (١). الاستشهاد فيه: في قوله: "تقول" فإنه بمعنى تظن؛ لأنه نصب المفعولين، ولكن هذا بشروط خمسة: الأول: أن يكون فعلًا؛ فلا ينصب بالمصدر ولا باسم الفاعل. الثاني: أن يكون مضارعًا؛ فلا ينصب بالماضي ولا بالأمر. الثالث: أن يكون مسندًا إلى ضمير الخاطب؛ فلا ينصب به مع الهمزة والنون والياء وتاء المؤنثة الغائبة. الرابع: أن يكون معتمدًا على استفهام؛ فلا ينصب ما لم يتقدمه استفهام. الخامس: أن يكون غير مفصول بأجنبي غير ظرف أو عديله. فهذه الشروط موجودة في البيت المذكور بخلاف غيره. وأما سليم فإنهم يجرون القول مجرى الظن مطلقًا، فيقولون: قلت زيدًا منطلقًا، وأقول زيدًا منطلقًا، وأنا قائل زيدًا منطلقًا، وأعجبني قولك بشرًا كريمًا، وقل عمرًا متكلمًا، وعلى لغتهم تفتح أن بعد قلت وشبهه والله أعلم. واعلم أن ابن مالك -رحمه الله تعالى- شرط أيضًا كونه حالًا (٢)، والبيت المذكور يرد عليه ذلك؛ لكن يقول هذا إذا كان متى في البيت ظرفًا لتقول، وذلك أن متى ظرف لما يستقبل من الزمان، وتقول: فعل مضارع وقع مظروفًا لمتى، ويلزم من كون متى مستقبلًا أن يكون مظروفها -أيضًا- مستقبلًا، فحينئذ لا يصلح تقول للحال، فعلى هذا الوجه اشتراط الحال ليس بصحيح. وأما إذا قلنا: إن "متى" ظرف لقوله: "تجمعنا" على أن الصواب هذا؛ فحينئذ [يصلح] (٣) أن

стр. 873

تكون "تقول" للحال، وحينئذ يجري اشتراط ابن مالك رحمه الله تعالى (١). الشاهد السابع والستون بعد الثلاثمائة (٢) , (٣) عَلَامَ تَقُولُ الرمْحَ يُثْقِلُ عَاتِقِي … إِذَا أَنَا لَم أطْعنْ إِذَا الخيْلُ كَرَّتِ أقول: قائله هو عمرو بن معد يكرب المذحجي الصحابي -رضي الله تعالى عنه- وقد ترجمناه فيما مضى، والبيت المذكور من قصيدة من الطويل، وأولها هو قوله (٤): ١ - ولما رأيتُ الخيلَ زُورًا كَأَنَّهَا … جداولُ ماءٍ خيلت فاسبطرَّتِ ٢ - وجَاشَتْ إلَيَّ النَّفْسُ أوَّلَ مرةٍ … فَرُدَّتْ علَى مكرُوهِهَا فاستقرُّتِ ٣ - علام ..................... … ......................... إلى آخره ٤ - لحَا اللَّهُ جَرْمًا كلمَا ذرّ شارِقٌ … وجُوهَ كلَابٍ هَارَشَتْ فاربأرَّتِ ٥ - فلم تغنِ جرمٍ نَهْدَهَا إِذْ تلاقَيَا … ولكن جرمًا في اللقاءِ ابذعرَّتِ ٦ - ظللتُ كأني للرماحِ دريئة … أُقاتِلُ عَنْ أَبْنَاءِ جَرْم وفَرَّتِ ٧ - فلوْ أَنَّ قَوْمِي أنطقتني رماحهم … نطقتُ ولكن الرمَاحَ أجرَّتِ ١ - قوله: "زورًا" بضم الزاي؛ جمع أزور وهو المعوج الزور، قوله: "جداول ماء": جمع جدول وهو النهر الصغير، قوله: "فاسبطرت" أي: امتدت، والتشبيه وقع على جري الماء في الأنهار لا على الأنهار. ٢ - قوله: "وجاشت" أي: ارتفعت. ٣ - قوله: "كرت": من الكر وهو الرجوع. ٤ - قوله: "لحا الله" من لحيت العصا إذا قشرت لحاها ولحوتها، و"جرم ونهد": قبيلتان من قضاعة، قوله: "كلما ذر" بالذال المعجمة؛ من الذرور في الشمس، وأصله الانتشار

стр. 874

والتفرق، قوله: "فازبأرت": من ازبأر إذا انتفش حتى ظهر أصول شعره، وأضاف نهدًا إلى ضمير جرم لاعتقادهم الاكتفاء بها. ٥ - قوله: "ابذعرت" أي: تفرقت. ٦ - قوله: "ظللت كأني للرماح دريئة" أي: بقيت في نهاري منتصبًا في وجوه الأعداء والطعن يأتيني من جوانبي أذب عن جرم، ويجوز أن يكون المعنى: كأني للرماح صيد، حكى أبو زيد أنه يقال للصيد خاصة: درية غير مهموز، ودرايا؛ فكأنه من دريت، أي: ختلت (١). ٧ - قوله: "أجرت": من إجرار الفصيل وهو أن يشق لسان الفصيل فيجعل فيه عويد لئلا يرضع أمه. الإعراب: قوله: "علام" أصله: على ما، وكلمة ما للاستفهام، وإذا اتصل به حرف الجر تحذف الألف في آخره نحو: فيم ولم وبم، إلا إذا اتصل ما بذا فإنه حينئذ يترك على تمامه، "وتقول": فعل وفاعل، "والرمح" يجوز فيه الوجهان: النصب إذا كانت تقول بمعنى تظن؛ لوجود الشرائط التي ذكرناها في البيت السابق، والرفع على الابتداء، ويكون "تقول" متروكًا على بابه، والمعنى: بأي حجة أحمل السلاح إذا لم أقابل كر الخيل. قوله: "يثقل": من أثقل إثقالًا، و"عاتقي": كلام إضافي مفعول يثقل، والجملة إما في محل النصب على أنها مفعول ثان "لتقول"، إذا كان بمعنى تظن، وإما في محل الرفع على أنها خبر لقوله "الرمح". قوله: "إذا أنا لم أطعن": ظرف لقوله: "يثقل"، وقوله: "إذا الخيل": ظرف لقوله: "لم أطعن"، والجملتان بعد إذا في الموضعين اسميتان في الصورة، ولكنهما فعليتان في التقدير؛ لأن إذا التي للظرف تختص بالدخول على الجملة الفعلية عكس الفجائية، والتقدير في الجملة الأولى: إذا لم أطعن أنا، وفي الثانية: إذا كرت الخيل؛ فحذف الفعل فيهما لدلالة الفعل المتأخر عليه. الاستشهاد فيه: في قوله: "تقول الرمح" حيث جاء الرمح منصوبًا بكون "تقول" بمعنى تظن؛ كما ذكرناه (٢) فافهم.

стр. 875

الشاهد الثامن والستون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) أَبَعْدَ بُعْدٍ تَقُولُ الدَّارَ جَامِعَةً … شَملِي بِهم أمْ تقولُ البعْدَ مَحْتُومًا أقول: هو من البسيط. قوله: "شملي" الشمل: الاجتماع، وجمع الله شمله إذا دعا لهم بتآلف، قوله: "محتومًا" بالحاء المهملة؛ أي: واجبًا؛ من الحتم وهو الوجوب. الإعراب: قوله: "أبعد بعد" الهمزة فيه للاستفهام، "وبعد": نصب على الظرف، والعامل فيه تقول، "وبعد": مجرور بالإضافة، وهو بضم الباء ضد القرب، وبينهما جناس محرف على ما لا يخفى (٣)، قوله: "تقول": بمعنى تظن فعل وفاعل، وقوله: "الدار جامعة": منصوبتان على أنهما مفعولا تقول، [قوله: "شملي": كلام إضافي معمول "لجامعة"] (٤)، وقوله: "بهم" يتعلق بجامعة، قوله: "أم تقول" أم: متصلة عطف على قوله: "تقول الدار جامعة"، وقوله: "البعد محتومًا" منصوبان؛ لأنهما مفعولان لتقول. الاستشهاد فيه: في قوله: "أبعد بعد تقول الدار جامعة" حيث نصب تقول المفعولين مع أنه فصل معموله بينه وبين الاستفهام فافهم (٥). * * *

стр. 876

شواهد أعلم وأخواتها الشاهد التاسع والستون بعد الثلاثمائة (١) , (٢) نُبِّئْتُ زُرْعَةُ والسَّفَاهَةُ كاسْمِهَا … يُهْدِي إليَّ غَرَائِبَ الأَشْعَارِ أقول: قائله هو النابغة الذبياني، وهو من قصيدة يهجو بها زرعة بن عمرو بن خويلد لقيه بعكاظ، فأشار عليه أن يشير على قومه بقتال بني أسد وترك حلفهم، فأبى النابغة الغدر، وبلغه أن زرعة يتوعده، فقال: نبئت زرعة .............. … .................. إلى آخره وقد ذكرنا بقيته مستوفاة في شواهد العلم (٣). قوله: "نبئت": على صيغة المجهول بمعنى أخبرت، و"زرعة" هو ابن عمرو بن خويلد الذي ذكرناه آنفًا، وقوله: "يهدي" بضم الياء؛ من الإهداء. الإعراب: قوله: "نبئت" يقتضي ثلاثة مفاعيل: الأول: التاء، والثاني: قوله: "زرعة"، والثالث: قوله: "يهدي إليّ" وإنما جاز كونه جملة؛ لأنه خبر مبتدأ في الأصل، قوله: "والسفاهة": مبتدأ، و "كاسمها": خبره، والجملة معترضة بين المفعولين، وأصل السفه الخفة، يقول: السفاهة قبيح كما أن اسمها قبيح.

стр. 877

فإن قلتَ: [ما السفاهة] (١) حتى قال: والسفاهة كاسمها؟ قلتُ: قوله: "والسفاهة" أراد ما سمي سفاهة؛ أي: المسمى بهذا الاسم قبيح؛ كما أن الاسم الذي هو السفه قبيح وإنما قال هذا؛ لأن السفه كما ينكر فعله كذلك يكره اسمه، قوله: "غرائب الأشعار": كلام إضافي مفعول لقوله: "يهدي". الاستشهاد فيه: في قوله: "نبئت" حيث نصب ثلاثة مفاعيل؛ لأنه تضمن معنى: أرى المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل وعمل عمله (٢). الشاهد السبعون بعد الثلاثمائة (٣) , (٤) وَأُنْبِئْتُ قَيسًا ولَم أَبْلُهُ … كَمَا زَعَمُوا خَيرَ أهْلِ اليَمَنِ أقول: قائله هو الأعشى ميمون بن قيس، وهو من قصيدة طويلة يمدح بها قيس بن معد يكرب الكندي، قال أبو عبيدة: وهي أول كلمة مدحه بها، وأولها هو قوله: ١ - لَعَمْرُكَ مَا طُولُ هذَا الزَّمَنْ … علَى المرءِ إلا عَنَاءٌ معَنْ ٢ - يَظَل رَجِيمًا لِرَيبِ المنُونِ … ولِلْهَمِّ فيِ أهْلِهِ وَالحزَنْ ٣ - وهَالكِ أهْلٍ يُجِنونَهُ … كآخَرَ فيِ قَفْرَة لم يُجَنْ ٤ - وما إنْ أرَى الدَّهْرَ فيِ صَرفِهِ … يُغادِرُ مِنْ شارخٍ أو يَفَنْ إلى أن قال: ٥ - فهَذَا الثَّنَاءُ وإني امْرُؤٌ … إِليكَ بِعَمْدٍ قَطَعْتُ القَرَنْ ٦ - وكُنتُ امرأً زَمَنًا بالعِرَاقِ … عفِيفَ المناخِ طَويلَ اليقن

стр. 878

٧ - وحَوليَ بَكْرٌ وأشْيَاعُهَا … فلَسْتَ خَلاةً لمن أوْعَدَنْ ٨ - وأُنْبِئتُ قَيسًا ........ … .................... إلى آخره ٩ - رَفيعَ الوسَادِ طَويلَ النِّجَا … دِ ضَخْمَ الدَّسيعَةِ رَحْبَ العَطَنْ ١٠ - يَشُقُّ الأمُورَ ويَجْتَابُهَا … كشقِّ القَرَاري ثَوْبَ الرَّدَنْ ١١ - فجِئتُكَ مُرتَادَ مَا خَبَّرُوا … ولَوْلَا الذي خَبّرُوا لَمْ تَرَنْ ١٢ - فَلا تَحْرمَنِّي نَدَاكَ الجَزِيلَ … فَإني امْرُؤٌ قَبلَكُم لَمْ أُهَنْ وهي من المتقارب. ١ - قوله: "عناء" أي: تعب قوله: "معن" أي: متعب. ٢ - قوله: "يظل رجيمًا" بالجيم، أراد أن ريب الدهر يرجمه بأحداثه، والرجيم بمعنى (١) المرجوم. ٣ - قوله: "وهالك أهل" أي: الذي يموت عند أهله، "يجنونه" أي: يدفنونه، ومنه سمي القبر: الجنين، و"القفرة": الأرض الخالية من الناس. ٤ - قوله: "يغادر" أي: يترك، و"الشارخ": الصغير، و"اليقن": الكبير، وهو بفتح الياء آخر الحروف والفاء، قال الجوهري: اليقين: الشيخ الكبير ثم أنشد البيت ثم قال: وهو الصغير -أيضًا- من الأضداد (٢). ٥ - قوله: "قطعت القرن" أي: الحبل، أراد: قطعت حبل كل جوار، قوله: "عفيف المناخ" أراد أنه لم يكن يسأل أحدًا، يقال: فلان عفيف المناخ إذا لم يسأل الناس. ٦ - و"اليقن" من اليقين. ٧ - قوله: "خلاة" الخلاة: البقلة يختلى بها، أراد: لست ذليلًا لكل من أوعدني كالبقلة يختليها كل من أرادها. ٨ - قوله: "ونبئت" أي: أخبرت، قوله: "قيسًا" أراد به قيس بن معدي كرب، قوله: "ولم أبله" يعني: لم أختبره؛ من بلوته بلوًا إذا جربته واختبرته، ورأيت في ديوان الأعشى البيت المذكور على هذا الوجه (٣): ونُبِّئْتُ قَيسًا عَلَى نَأْيِهِ … ولَم آتِهِ سَادَ أَهْلَ اليَمَنْ

стр. 879

٩ - قوله: "رفيع الوساد": كناية عن عظمته وجلالة قدره، و"الوساد" بكسر الواو؛ المخدة، قوله: "طويل النجاد": كناية عن شجاعته، والنجاد -بكسر النون: حمائل السيف، قوله: "ضخم الدسيعة": كناية عن جوده، يقال: فلان- ضخم الدسيعة إذا كان عطاؤه جزيلًا، و "الدسيعة": العطية، قوله: "رحب العطن": كناية عن جوده -أيضًا-، أي: واسع العطاء، قال الجوهري: يقال: فلان واسع العطن والبلد إذا كان رحب الذراع (١). ١٠ - قوله: "يشق الأمور" أي: يبرمها إبرامًا ويسددها بالحزم، قوله: "ويجتابها" بالجيم أي: يقطعها على أحسن الوجوه، قوله: "القراريّ": نسبة إلى القرار، وأراد به الخياط، و "الردن" بفتح الراء والدال، هو الخزّ. ١١ - قوله: "مرتاد" أي: طالب ما خيروا. ١٢ - قوله: "فلا تحرمني نداك الجزيل" أي: لا تمنعني من عطائك الواسع. الإعراب: قوله: "وأنبئت": عطف على ما قبله، وهو يقتضي ثلاثة مفاعيل: الأول: التاء، والثاني: "قيسًا"، والثالث: "خير أهل اليمن"، قوله: "ولم أبله": جملة وقعت حالًا، قوله: "كما زعموا": صفة لمصدر محذوف أي: لم أبله بلوًا مثل الذي زعموا فيه، و "ما" موصولة، و"زعموا": صلتها، والعائد محذوف، ويجوز أن تكون ما مصدرية، والمعنى: لم أبله بلوًا مثل زعمهم فيه] (٢) من أنه خير أهل اليمن. الاستشهاد فيه: في قوله: "وأنبئت" فإنه نصب ثلاثة مفاعيل مثل: نبّأ كما ذكرناه (٣). الشاهد الحادي والسبعون بعد الثلاثمائة (٤)، (٥) وَخُبِّرتُ سَوْدَاءَ الغَميم مَرِيضَةً … فَأَقْبَلْتُ مِنْ أَهْلِي بِمصرَ أَعُودُها أقول: قائله هو العوام بن عقبة بن كعب بن زهير (٦)، والقصة في ذلك أن سوداء الغميم

стр. 880

وهي امرأة من بني عبد اللَّه بن غطفان، اسمها ليلى ولقبها سوداء كانت [تنزل] (١) الغميم من بلاد غطفان، وكان عقبة بن [كعب] (٢) ينسب بها ثم علقها بعده ابنه العوام بن عقبة وكلف بها فخرج إلى مصر في ميرة فبلغه أنها مريضة فترك ميرته وكر نحوها وأنشأ يقول (٣): ١ - وَخُبّرتُ سوْدَاءَ الغميم مَرِيضَةً … فَأَقْبَلْتُ مِنْ أَهْلِي بِمِصرَ أَعُودُها ٢ - فيَا لَيتَ شِعرِي هلْ تَغَيَّرَ بَعدَنَا … مَلاحَةُ عَينَي أُمِّ يَحيَى وَجِيدُها ٣ - وهلْ أَخْلَقَتْ أثْوَابُها بَعدَ جِدَّة … ألا حَبَّذَا أخْلاقُها وجَدِيدُها ٤ - ولم يبقَ يا سوداء شَيءٌ أحبّهُ … وإنْ بَقِيَتْ أَغلامُ أرض وبيدُها ٥ - فوَالله مَا أدرِي إذَا أنَا جِئْتها … أَؤُبرئها مِنْ سُقْمها أم أزِيدُها ٦ - مِنَ الخفَرَاتِ البِيضِ وَدَّ جَلِيسُها … إذَا مَا انْقَضتْ أُحْدُوثَةٌ لو تُعِيدُها ٧ - نَظَرتُ إليها نَظرَةً مَا يَسُرُّنِي … بِها حُمرُ أنْعَامِ البِلادِ وسُودها فلم يزل يتلطف حتى رأته ورآها وأومأت إليه أن ما جاء بك؟ فقال: جئت عائدًا حين علمت علتك، فأشارت إليه أن ارجع فإني في عافية فرجع لميرته (٤) واستقربها المرض، فجعلت تتأوه إليه حتى ماتت، فبلغه الخبر، فقال: ٨ - سَقَى جَدَثًا بَينَ الغَمِيمِ وزُلْفَةً … أحمَّ الذُّرَى وَاهِي الغَزَالِي مَطِيرُها ٩ - وإنْ تَكُ سَوْداءُ العَشِيةِ فَارَقَتْ … فَقد مَاتَ مِلْحُ الغَانِيَاتِ ونُورُها وهي أبيات كثيرة مستحسنة [وهي من الطويل] (٥). ١ - قوله: "سوداء الغميم" بفتح الغين المعجمة وكسر الميم، وهو اسم موضع في بلاد الحجاز، وأراد بالسوداء هي ليلى التي كانت بالغميم، إما تسمى سوداء وإما تلقب، وفي رواية الحماسة: سوداء القلوب (٦)، [وقال بعض شراحها: يجوز أن يريد بقوله: سوداء القلوب] (٧) أنها تحل من القلوب محل السويداء منها، وكأن القلوب على اختلافها تميل إليها، ويجوز أن يكون المراد أنها قاسية القلب عليه فلذلك أطلق عليها سوداء القلوب (٨).
следующие страницы →