← Адаб

Адаб · id 16714

المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية

بدر الدين العيني

Полный текст (2 125 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

٢ - هَذَا ابنُ خَيرِ عِبَاد الله كُلِّهُم … هَذَا التَّقيُّ النقي الطاهرُ العَلَمُ ٣ - إِذَا رَأَتْهُ قُرَيشٌ قَال قَائِلُهَا … إلى مَكَارِم هَذَا ينْتهِي الكرَمُ ٤ - يُنْمَى إِلَى ذُرْوَةِ الْعَزِّ التي قَصُرَت … عَنْ نَيلهَا عَرَبُ الإسَّلَامِ والعَجَمُ (١) ٥ - يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحِتهِ … رُكنُ الحَطيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَستَلمُ ٦ - في كَفِّه خَيزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ … مِنْ أَرْوَعَ في عِرنيِنِهِ شَمَمُ ٧ - يغضي حياء .......... … ............ إلى آخره ٨ - يَنْشَقُّ نُورُ الهُدَى عَن نُورِ غُرَّتِهِ … كالشَّمس يَنْجَابُ عَنْ إشْرَاقهَا العَتَمُ (٢) ٩ - مُشْتَقَّة منْ رسول الله نَبعَتُهُ … طابتْ عناصِرُهُ والخيمُ والشِّيَمُ ١٠ - هذا ابن فاطِمَة إنْ كنتَ جَاهلَهُ … بِجَدِّه أَنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتمُوا ١١ - اللهُ شرَّفُهُ قِدْمًا وعظَّمَهُ … جَرَى بذاكَ له في لوْحَة القَلَمُ ١٢ - فَلَيْسَ قَوْلُكَ مَنْ هَذَا بِضائِره … العُرْبُ تَعْرفُ مَن أَنْكَرْتَ والعَجَمُ ١٣ - كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا … يُسْتَوْكِفَانِ ولَا يُعْرُوهُمَا عَدَمُ ١٤ - سهْلُ الخلِيقَةِ لَا تخْشَى بَوَادرُهُ … يَزينُهُ اثنان حُسنُ الخلْقِ والشِّيَمُ ١٥ - حَمَّالُ أثقَالِ أَقْوَامٍ إذَا قَدِحُوا … حُلْوُ الشَّمَائِل يَجْلُو عنْدَهُ نَعَمُ ١٦ - لَا يَخْلُفُ الوَعْدَ مَيمُونُ نَقِيبتهُ … رَحْبُ الفنَاء أَريبٌ حينَ يَعتَزمُ (٣) ١٧ - عَم البَرِيةَ بالإحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ … عَنْهُ الغيَاهِبُ والإمْلَاقُ والعَدَمُ ١٨ - مِن معشَر حبهم دِينٌ وبغضُهُمُ … كُفْرٌ وقُربُهُمُ مَنْجًى ومُعْتَصَمُ ١٩ - إن عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئمتَهُم … أَوْ قَيلَ مَنْ خَيرُ أَهْل الأرض؟ قيلَ: هُمُ ٢٠ - لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايتهم … ولا يُدَانيهمُ قَومٌ وإن كَرُمُوا (٤) ٢١ - هُمُ الغُيُوثُ إذا مَا أَزمَةٌ أَزَمَتْ … والأُسدُ أُسْدُ الشِّرَى والبَأْسُ مُحْتَدِمُ

стр. 947

٢٢ - لا يَنْقَضِي العُشرُ بَسْطًا مِنْ أكُفِّهمُ … سيَّانِ ذلكَ إنْ أَثَرَوْا وإنْ عَدِمُوا ٢٣ - مقَدَّمُ بَعْدَ ذِكرِ الله ذِكرِهُمُ … فيِ كُلِّ بَدْءٍ ومَخْتُومٌ به الكَلمُ ٢٤ - يأبى لَهُمْ أَنْ يَحِلّ الذَّمُّ سَاحتَهُمُ … خَيْمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بالنَّدَى هُضُمُ (١) ٢٥ - أَيُّ الخَلَائِقِ لَيسَت في رِقَابهمُ … لأَوَّليَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نِعَمُ ٢٦ - مَنْ يَعْرِفْ اللهَ يَعْرِف أَوَّليَّةَ ذَا … والدينُ منْ بَيتِ هَذَا نَالهُ الأُمَمُ (٢) ويحكى أن هشام بن عبد الملك لما حج في أيام أبيه فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أعيان الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين -رضي الله تعالى عنه- وقد كان من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرجًا فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضرًا، فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هذا الذي يا أبا فراس؟ فقال: هَذَا الذِي تَعْرِفُ البطْحَاءُ وَطأتَهُ … ................................ إلى آخر القصيدة، فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب على الفرزدق وحبسه وأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردها، وقال مدحته لله تعالى لا للعطاء، فقال: إنا أهل البيت إذا وهبنا شيئًا لا نستعيده فقبلها، هذا الذي ذكره أهل التاريخ، ورأيت في كتاب أولاد السراري تأليف المبرد ونسب بعض هذه الأبيات إلى أبي دهبل (٣) حيث قال: ومما نمي إلينا عنه، أي عن زين العابدين أنه مرَّ بمساكين جلوس في الشمس يأكلون على مسح فسلم عليهم فردوا عليه وقالوا: هلم يا ابن بنت رسول الله [ ﷺ ] (٤)، ونزل وقال: إن الله لا يحب المتكبرين فأصاب معهم ثم قال: قد دعوتم فأجبنا، ونحن ندعوكم فمضوا معه إلى منزله، فأطعمهم طعامه، وقسّم بينهم كل ما كان عنده، وفيه يقول أبو دهبل فيما روي هذه الأبيات:

стр. 948

١ - هَذَا الذِي تَعْرِفُ البطْحَاءُ وَطْأَتَهُ … والبَيتُ يَعْرِفُهُ والحِلُّ وَالحَرَمُ ٢ - هَذَا ابْنُ خَيرِ عِبَادِ الله كُلِّهُمُ … هَذَا التَّقِيُّ النقِيُّ الطَّاهِرُ العَلَمُ ٣ - إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَال قَائِلُهَا … إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الكَرَمُ فأما ما يزاد في هذا الشعر بعد هذه الأبيات فليس منها، إنما هو لداود بن سلم، يقول في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب -رضي اللَّه تعالى عنهم- وهو قوله (١): ١ - يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابتهِ … فَلَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِيَن يَبتَسِمُ ٢ - في كفِّهِ خَيزرانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ … مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ في عِرنِينِهِ شَمَمُ ٣ - كمْ هَاتِفٌ بكَ مِنْ أَوْجٍ ورابيةٍ … يَدْعُوكَ يَا قُثَمُ الخَيرَاتِ يَا قُثَمُ ٤ - قوله: " [إلى] (٢) ذروة العز" ذروة كل شيء أعلاه، ومنه ذروة السنام، قوله: "عبق" بفتح العين وكسر الباء الموحدة وهو صفة مشبهة من العبق بفتحتين مصدر عبق به الطيب بالكسر إذا لزق عبقا وعباقة. ٦ - قوله: "من كف أروع" الأروع من الرجال الذي يعجبك حسنه، و: "العرنين" بكسر العين هو أول الأنف يكون فيه الشمم. ٨ - قوله: "ينجاب" أي: ينكشف، و: "العتم" بفتح العين المهملة والتاء المثناة من فوق وهو الظلام. ٩ - قوله: "والخيم" بكسر الخاء المعجمة السجية والطبع لا واحد له من لفظه، و: "الشيم "بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف جمع شيمة وهي الخلق. ١٥ - قوله: "إذا فدحوا" بالفاء من فدحه الدين أثقله. ١٦ - قوله: "ميمون" أي مبارك، و: "النقيبة" أي النفس، وقال ابن السكيت: فلان ميمون النقيبة إذ كان مبارك المشورة (٣) قوله: "رحب الفناء" بفتح الراء أي واسع الفناء، و "الأريب" البصير بالأشياء والدرب بها. ٢١ - و "الأزمة" الشدة والقحط، و "الشرى" بالشين المعجمة مقصور مأوى الأسد، و "البأس" بالباء الموحدة الشدة في الحرب، و "محتدم" بالحاء المهملة من احتدمت النار التهبت ويوم محتدم: شديد الحر.

стр. 949

قوله: "يغضي حياء" على صيغة المعلوم من أغضى إغضاء وهو إدناء الجفون، قوله: "من مهابته" أي من هيبته، قوله: "فما يكلم" على صيغة المجهول. الإعراب: قوله: "يغضي" جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى زين العابدين -رضي الله تعالى عنه- وهو في محل رفع على أنه خبر عن مبتدأ محذوف تقديره: هو يغضي، و "حياء" نصب على التعليل، أي: لأجل حيائه، قوله: "ويغضى من مهابته" على صيغة المجهول والنائب عن الفاعل فيه ضمير المصدر، أي هو أي الإغضاء، وكلمة: "من" للتعليل، أي لأجل مهابته وهو مفعول له، ولذلك لم ينب عن الفاعل، قوله: "فلا يكلم" الضمير فيه هو النائب عن الفاعل، قوله: "إلا حين يبتسم" استثناء من غير موجب فيجوز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء والرفع على البدلية كما في قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]. الاستشهاد فيه: في قوله: "ويغضى من مهابته" فإن النائب عن الفاعل فيه هو ضمير المصدر كما قررناه (١). الشاهد الثاني عشر بعد الأربعمائة (٢)، (٣) وَإِنَّمَا يُرضِي المنُيبُ رَبَّهُ … مَا دَامَ مَعْنِيًّا بِذِكْرِ قَلْبَهُ أقول: قائله هو راجز لم أقف على اسمه، وأوله: لَيسَ مُنِيبًا امرُؤٌ مُنَبَّهٌ … للصَّالِحَاتِ مُتَنَاسٍ ذَنْبَهُ وهي من الرجز المسدس. ٢ - قوله: "ليس منيبًا" من الإنابة وهي الرجوع إلى الله تعالى بالتقوى وترك الذنوب، قوله:

стр. 950

"متناس ذنبه" أي تارك اياه، وأصل النسيان: الترك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. قوله: "معنيًّا" بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وتشديد الياءآخر الحروف من قولهم: عُنِيتُ بحاجتك أُعْنَي بها فأنا بِها مَغني وعَنِيتُ بها فأنا عان، والأول أكثر، أي اهتممت بها واشتغلت، وأصل معني: معنوي على وزن مفعول اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغمت الياء في الياء، فصار: معنيّ بضم النون، ثم أبدلت الضمة كسرة لأجل الياء فصار معنيّ. الإعراب: قوله: "وإنما يرضي" من الإرضاء، و: "المنيب" فاعله، وقوله: "ربه" كلام إضافي مفعوله، قوله: "ما دام" قد عرف أن دام من الأفعال الناقصة، ومعناه بقي ولا يستعمل إلا مع ما المصدرية التوقيتية. فإذا قلت: أفعل الخير ما دمت، كان التقدير: مدة دوامك حيًّا، والضمير المستتر فيه اسمه، وقوله: "معنيًّا" خبره، ومعنيًّا "اسم مفعول حكمه حكم ما لم يسم فاعله في رفعه نائبًا عن الفاعل ومعناه هاهنا: يُعْنَى بذكر قلبه، وقوله: "بذكر" جار ومجرور ناب عن الفاعل وترك المفعول به وهو قلبه. الاستشهاد فيه: احتج به الأخفش والكوفيون على جواز نيابة غير المفعول به مع وجوده، فإن قوله قلبه مفعول به مع أنه لم ينب عن الفاعل وإنما ناب عنه الجار والمجرور كما ذكرناه (١)، فافهم. الشاهد الثالث عشر بعد الأربعمائة (٢)، (٣) لَم يُعْنَ بِالْعَلْيَاءِ إلا سَيِّدًا … ................................ أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج، وبعده:

стр. 951

................... … وَلَا شَفَى ذَا الغَيِّ إلا ذُو هُدَى وهو من الرجز المسدس. قوله: "لم يعن" على صيغة المجهول من عنيت أعني، وقد ذكرنا تحقيقه في البيت السابق (١)، قوله: "بالعلياء" أي بالمرتبة العلياء أو المنزلة العلياء، وقال ابن فارس: العلياء لكل مكان مشرف (٢)، قوله: "ذا الغي" أي صاحب الضلال. الإعراب: قوله: "لم يعن" مجهول ونائب الفاعل فيه هو حرف الجر في قوله: "بالعلياء" وأصل الكلام: لم يعن الله بالعلياء إلا سيدًا، أي لم يجعل الله أحدًا يعتني بالعلياء إلا من له سيادة فحذف الفاعل وأنيب قوله: "بالعلياء" [عنه] (٣)، واستثنى السيد على جهة التفريع، فترك الاسم العام الذي هو أحد وقدر السيد مفعولًا، وقد كان في الأصل بدلًا من أحد منصوبًا على الاستثناء، قال الشيخ أثير الدين: و "إلا سيدًا" يحتمل أن يكون استثناء منقطعًا، أي لكن السيد عني بالعلياء. الاستشهاد فيه: في نيابة حرف الجر فيه عن الفاعل كما ذكرناه، وهذا لا يجوز عند البصريين، فإن عندهم لا يجوز أن ينوب الظرف ولا المصدر ولا حرف الجر عن الفاعل مع وجود المفعول به، وهذا البيت وأمثاله ضرورة عندهم. وأجازه الأخفش والكوفيون واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] في قراءة يزيد بن القعقاع (٤) على بناء يجزي لما لم يسم فاعله (٥)، ونيابة الجار والمجرور ونصب قومًا.

стр. 952

واحتجوا -أيضًا- بهذا البيت وأمثاله، فإن الشاعر فيه أناب حرف الجر عن الفاعل ونصب سيدًا على ما ذكرناه (١). الشاهد الرابع عشر بعد الأربعمائة (٢)، (٣) وَنُبِّئْتُ عَبدَ الله بِالجَوِّ أَصْبَحَتْ … كِرَامًا مَوَالِيهَا لَئِيمًا صَمِيمُهَا أقول: قائله هو الفرزدق. وهو من الطويل. قوله: "نبئت لا أي أخبرت، وأراد بعبد الله اسم قبيلة لا اسم علم لمفرد، قوله: "بالجو" بفتح الجيم وتشديد الواو وهو اسم لثمان مواضع: الأول: جو اسم لليمامة كانت تسمى جوا ثم سميت باليمامة. الثاني: جو الحضارم من نواحي اليمامة -أيضًا-. الثالث: جو الجوادة في أرض طيء. والرابع: هو سويقة من نواحي المدينة كانت لآل علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-. والخامس: جو [موضع] (٤) بعمان. السادس: جو قرية بأجداء لبني ثعلب بن جدعاء وبني زهير. والسابع: جو أثال على جادة النباح في ديار بني عبس. والثامن: الجو اسم لما اتسع من الأودية، هكذا ذكره في المشترك (٥). قلت: الجو ما بين السماء والأرض -أيضًا- والظاهر أن الفرزدق أراد به جو اليمامة، قوله:

стр. 953

"كرامًا" جمع كريم، [قوله: "لئيمًا"] (١) ويروى: لئامًا صميمها، وصميم الشيء خالصه، وأراد به: رؤوس عبد الله القبيلة وأعيانها. الإعراب: قوله: "ونبئت" على صيغة المجهول، وهو يقتضي ثلاثة مفاعيل، الأول: التاء، والثاني: عبد الله، والثالث: قوله: أصبحت وذكر في شرح كتاب سيبويه أن أصبحت تفسير (٢)، قلت: أراد به أن يفسر أن عبد الله اسم قبيلة وليس باسم علم لمفرد، ولهذا ذكره بالتأنيث ولم يقل: أصبح. قوله: "بالجو" يتعلق بأصبحت، قوله: "كرامًا" نصب على أنه خبر أصبحت، وقوله: "مواليها" على تقدير الرفع باسم الفاعل، قوله: "لئيمًا" خبر بعد خبر، و "صميمها" مرفوع به. الاستشهاد فيه: في قوله: "ونبئت" حيث ناب عن الفاعل فيه المفعول الأول، وفي هذا الفصل بحث كبير يعرف في موضعه (٣) -[إن شاء الله تعالى-] (٤). الشاهد الخامس عشر بعد الأربعمائة (٥)، (٦) لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيئًا لَيْتُ … لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْت أقول: قائله هو رؤبة بن العجاج.

стр. 954

وهو من الرجز المسدس، ويقال هذا أنشده الكسائي ولم يعزه إلى أحد، وأنشد قبله (١): ١ - مَا لي إذَا أَجد بها صَأيْتُ … أكبر قَدْ غَالنِي أَمْ بَيتُ ١ - قوله: "أجذ بها" أي الدلو لأنها في صفة الدلو، ويروى: أنزعها، قوله: "صأيت" بالصاد المهملة والهمزة، أي صحت، يقال: صأى يصأى صئيًا مثل: صفى يصفي صفيًا، قوله: "أكبر قد غالني" وهوى: أكبر غيرني، وهكذا رواه الجوهري (٢)، قوله: "أم بيت" أراد بها المرأة. الإعراب: قوله: "ليت" كلمة للتمني، ولو كان في المستحيل، و"ليت" الثالثة تأكيد له، وقوله: "شبابًا" اسمه، قوله: "بوع" جملة خبره، قوله: "وهل ينفع شيئًا ليت" جملة معترضة بين ليت الأول الذي هو المؤكد بفتح الكاف وبين ليت الثالث الذي هو المؤكد بكسر الكاف، وقوله: "وهل" للنفي كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، والدليل عليه -أيضًا- أن الكسائي أنشده هكذا (٣): ليت وما ينفع شيئًا ليت … ................................ وكلمة: "ما" لنفي، فكذلك هل، وقوله: "ينفع" فعل وفاعله هو ليت الثاني، والمراد اللفظ لا المعنى، و "شيئًا" منصوب على المفعولية، قوله: "فاشتريت" عطف على قوله: "بوع"، ومفعوله محذوف أي اشتريته. الاستشهاد فيه: في قوله: "بوع" فإن القياس فيه بيع؛ لأنه مجهول باع؛ لكن من العرب من يخفف هذا النوع بحذف حركة عينه، فإن كانت واوًا سلمت؛ كما في قوله: "حوكت (٤)، والقياس: حيكت، وإن كانت ياء قلبت واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها؛ كما في قوله: "بوع"، فإن أصله: بُيع" بضم الباء وكسر الياء فحذفت حركة الياء فصار: بُيع بضم الباء وسكون الياء فقلبت الياء واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها (٥).

стр. 955

الشاهد السادس عشر بعد الأربعمائة (١)، (٢) حُوكَت عَلَى نَوْلَيِنْ إذ تُحَاكُ … تَخْتَبِطُ الشَّوْكُ وَلَا تُشَاكُ أقول: قائله هو راجز لم أقف على اسمه. وهو من الرجز المسدس ومنهم من نسبه إلى رؤبة فلم أجده في ديوانه. قوله: "حوكت" بناء مجهول من حاكت، والقياس: حيكت، وذلك لأنه من حاك الثوب يحوكه حوكًا وحياكة نسجه فهو حائك، وهم حاكة وحوكة، وبناء المجهول من حاكت يأتي حِيكَتْ؛ لأنه أصله: حُوكَتْ نقلت حركة الواو إلى ما قبلها بعد سلب حركتها، فصار حوكت بكسر الحاء وسكون الواو، ثم قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها فصار: حيكت كما فعل هكذا في: قيلت مجهول وقالت، ولكن منهم من يحذف حركة الواو للتخفيف ويُبقِي الواو ساكنة، فيقول: حوكت وقولت، وعليه قول الراجز (٣). قوله: "على نولين" تثنية نول بفتح النون وسكون الواو وهو الخشب الذي يلف الحائك عليه الثوب، ويقال: المنوال -أيضًا- ويجمع الأول على أنوال، والثاني على مناويل، ويروى: على نيرين بكسر النون وسكون الياءآخر الحروف وفي آخره راء وهو تثنية نير، والنير علم الثوب ولحمته -أيضًا- فإذا نسج على نيرين كان أصفق وأبقى، تقول: نِرْتُ الثوب أُنِيرُه نيرًا، وكذلك: أنرت الثوب، وهنرته مثل: أرقت وهرقت (٤). قوله: "تحاك" مجهول من المضارع أصله تُحْوَك، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها ثم قلبت ألفًا كما [فعل] (٥) هكذا في يقال ويصان ونحوهما من الأجوف الواوي الذي من باب فعل يفعُل بالفتح في الماضي والضم في الغابر. قوله: "تختبط الشوك" من اختبطت الشجرة إذا ضربتها بالعصا لتأخذ ورقها، قوله:

стр. 956

"ولا تشاك" على صيغة المجهول من شاكتني الشوكة تشوكني إذا دخلت الشوكة في جسده، يصف الشاعر بهذا إزاره ورداءه بغاية الصفاقة حتى إنها تختبط الشوك ولا يؤثر بها. الإعراب: قوله: "حوكت" الضمير فيه مفعول ناب عن الفاعل، وأصله: حاكها الحائك، والضمير يرجع إلى كل واحد من إزاره وردائه، لأنه يصفهما بالصفاقة كما ذكرنا، قوله: "على نولين" في محل النصب على الحال من الضمير الذي في حوكت تقديره: حوكت كائنة على نولين. قوله: "إذ" ظرف بمعنى حين، و "تحاك" بمعنى: حيكت، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، و ﴿إذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ (١) [آل عمران: ١٥٣]، قوله: "تختبط" جملة من الفعل والفاعل [وهو الضمير الذي يرجع إلى كل واحد من الرداء والإزار] (٢)، و "الشوك" مفعوله، قوله: "ولا تشاك" جملة أخرى معطوفة على ما قبلها. الاستشهاد فيه: في قوله: "حوكت" حيث حققت فيه الواو وأبقيت ساكنة ولم تقلب ياء كما قررناه آنفًا (٣). * * *

стр. 957

شواهد اشتغال العامل عن المعمول الشاهد السابع عشر بعد الأربعمائة (١)، (٢) وَقَائِلَةٍ خَوْلَانُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ … ................................ أقول: قائله مجهول لا يعرف، وتمامه: ................................ … وَأُكْرُومَةُ الحَيَّينِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا وهو من الطويل. قوله: "خولان" بفتح الخاء المعجمة اسم قبيلة، وهي خولان بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، وقال ابن دريد: "خولان" فعلان من خال يخول، يقال: منه فلان خائل مالي إذا كان حسن القيام على المال. قوله: "فتاتهم" الفتاة الشابة من النساء كالفتى من الرجال. قوله: "وأكرومة الحيين" الأكرومة بضم الهمزة من الكرم كالأعجوبة من العجب، وأراد بالحين حي أبيها وحي أمها يعني: كريمة الطرفين. قوله: "خلو" بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام بمعنى الخلية عن الأزواج، ويقال: هو كناية عن كونها مطلقة.

стр. 958

الإعراب: قوله: "وقائلة" الواو فيه واو رب، أي رب امرأة قائلة، وقائلة مجرورة بها، قوله: "خولان" بالرفع مبتدأ، وقوله: "فانكح فتاتهم" خبره هكذا يقال ثم يرد عليه أن الفاء لا يصلح دخولها على خبر المبتدأ، ويجاب بأن خولان خبر مبتدأ محذوف تقديره: هؤلاء خولان. وقوله: "فانكح فتاتهم" جواب لشرط محذوف تقديره: إذا كان كذلك فانكح فتاتهم. وقال أبو سعيد: الجمل كلها يجوز أن تكون أجوبتها بالفاء نحو: زيد أبوك فقم إليه، فإن كونه أباه سبب وعلة للقيام إليه، وكذلك الفاء في: فانكح (١) تدل على أن وجود هذه القبيلة علة لأن يتزوج منهم ويتقرب إليهم لحسن نسائها وشرفها، وفيه إشارة التي ترتيب الحكم على الوصف، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ﴾ [مريم: ٦٥] على أحد الوجهين ذكرهما صاحب الكشاف (٢). وقال محمد بن يزيد: هذه خولان، وأجاز النصب على إضمار فعل، قال: ولو قلت: هذا زيد فاضربه جاز بجعل زيد عطف بيان أو بدلًا، ولو رفعت خولان بالابتداء لم يجز من أجل الفاء وإنما جاز مع هذا؛ لأن فيها معنى التنبيه والإشارة، فكأنك قلت: من هذه التنبية والإشارة فافعل كذا (٣)، وكال: جاز النصب على المدح. قوله: "وأكرومة الحيين" كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: "خلو" والجملة في محل النصب على الحال. قوله: "كما هيا" كلمة ما موصولة وهي مبتدأ وخبره محذوف أي كالحال الذي هي عليه، وإما كافة لحرف الجر، والضمير مبتدأ محذوف الخبر -أيضًا-، وإما زائدة، والضمير المرفوع

стр. 959

وقع موقع الضمير المجرور مثل قولهم: ما أنا كأنت، فيكون المعنى تقول: رب قائلة قالت هؤلاء خولان فانكح فتاتهم فأجبتها كيف أتزوج والحال أن أكرومة الحيين خلو لا زوج لها وهي أولى بأن أتزوجها؟ ويقال في هذا البيت أمور: أحدها: حذف رب وإبقاء عملها وذلك بعد الواو في غاية الكثرة (١). الثاني: استعمال مجرور رب غير موصوف وحقه الوصف للإيضاح والتعويض من حذف متعلقها وتمكين التقليل؛ لأن رجلًا من بني تميم أقل من رجل على الإطلاق (٢). وقال علي بن عبد الرحمن الأنصاري (٣) في حاشية إيضاح الفارسي: والذي حسن هنا أن لا يجيء الوصف أن ما بعد قائل وقائلة من صلته؛ فالاختصاص حاصل بتلك الصلة، وأن قائلًا وقائلة في الحقيقة صفتان لمجرور رب المحذوف، فلم يخل مجرورها من وصف. والثالث: حذف المبتدأ؛ لأن التقدير: هذه خولان. والرابع: حذف الفعل وذلك على رواية من روى: خولان بالنصب وقدره علي بن عبد الرحمن المذكور: أقصد خولان أو أعمد خولان (٤). والخامس: زيادة الفاء، وذلك على قول الأخفش بأنه لا يقدر محذوفًا (٥). والسادس: عطف الطلب على الخبر، وذلك على تقدير المبتدأ في حالة الرفع. والسابع: قوله: "كما هيا" وفيه عمل ليس هذا محله. والثامن: إعمال اسم الفاعل المعتمد على موصوف محذوف.

стр. 960

والتاسع: أن رب لا يلزم مضى ما بعدها وإلا لم يجز إعماله. والعاشر: إقامة الظاهر مقام المضمر لكونه أزيد فائدة، فإن أكرومة الحيين هي الفتاة المشار إليها (١). الاستشهاد فيه: في قوله: "فانكح فتاتهم" وذلك أن الفاء لا تدخل في خبر المبتدأ، كما نص عليه سيبويه، فلذلك أول بما ذكرنا من التأويلات فافهم (٢). الشاهد الثامن عشر بعد الأربعمائة (٣)، (٤) أَثَعْلَبَةَ الفَوَارِسَ أَمْ رِيَاحًا … عَدَلَتْ بِهِم طُهَيَّةَ وَالخِشَابَا أقول: قائله هو جرير بن الخطفي. وهو من قصيدة بائية من الوافر وفيه القطف. قوله: "أثعلبة" أراد بها القبيلة وهي ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وفي أسد بن خزيمة ثعلبة -أيضًا- وهي ثعلبة بن دُوْدَان بن أسد بن خزيمة، قوله: "أم رياحًا" بكسر الراء وبالياء آخر الحروف، وهي -أيضًا- قبيلة، وهي رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وفي قضاعة -أيضًا- رياح بطن وهو ابن عوف بن عميرة بن الهون بن أعجب

стр. 961

ابن قدامة بن حَزْم بن أيان بن حُلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وفي سليم -أيضًا- وهي رياح بن يقظة بن عصبة بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. قوله: "طهية" بضم الطاء وفتح الهاء وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخرها هاء، وهي حي من بني تميم يقال لهم: بنو طهية بنت عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم. قوله: "والخشابا" بكسر الخاء المعجمة وبالشين المعجعة وبعد الألف باء موحدة وهي -أيضًا- قبيلة، قال الجوهري: وبنو رزام بن مالك بن حنظلة يقال لهم الخشاب، ثم أنشد البيت المذكور (١). الإعراب: قوله: "أثعلبة" الهمزة للاستفهام، و: "ثعلبة" منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده، وتقديره: أساويت ثعلبة بطهية، ويختار هاهنا إضمار الفعل، لأن الاستفهام عنه. فإن قلتَ: لم قدرت ساويت ولم تقدر من لفظ الفعل المفسر؟ قلتُ: لأن لفظة عدلت لا يتعدى إلا بحرف الجر فلا وجه إلا أن يضمر فعل من معنى عدلت. قوله: "الفوارس" بالنصب [صفة] (٢) ثعلبة، وهو جمع فارس على غير قياس؛ لأن القياس أن يكون فواعل جمع فاعلة، وقد مر تحقيق الكلام فيه فيما مضى، قوله: "أم رياحًا" أم متصلة لأنه تقدم عليها همزة يطلب بها وبأم التعيين وهو عطف على قوله: "أثعلبة" ويروى: "أو رياحًا". قوله: "عدلت بهم" أي بثعلبة، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول، وطهية بالنصب مفعول -أيضًا-، و: "الخشابا" عطف عليه والألف فيه للإشباع. الاستشهاد فيه: في قوله: "أثعلبة الفوارس" حيث نصب ثعلبة بعد همزة الاستفهام، وحكم ابن الطراوة (٣) بشذوذ هذا، وذلك لأن الاستفهام إذا كان عن اسم فالرفع واجب نحو: أزيد ضربته أم عمرو؟ (٤).

стр. 962

الشاهد التاسع عشر بعد الأربعمائة (١)، (٢) لا تَجْزَعِي إن مُنْفِسًا أَهْلَكْتُهُ … فَإذَا هَلَكتُ فَعِنْدَ ذَلكَ فَاجْزَعِي أقول: قائله هو النمر بن تولب العكلي (٣). وهو من قصيدة من الكامل وأولها هو قوله: ١ - قَالتْ لِتعذِلني منَ الليلِ اسمَعِ … سفها تَبَيتُك المَلامَةُ فاهْجعي ٢ - لَا تعجَلِي لِغَدٍ فَأَمْرُ غَدٍ لَهُ … أتَعْجَلِينَ الشَّرَّ مَا لَم تُمْنَعِي ٣ - قَامَتْ تُبْكي أَنْ سَبَأت لفتْيَةٍ … زِقًّا وَخَابيَةً بعَوْدٍ مُقْطّعِ ٤ - لا تجزعي ................. … .................... إلى آخره ٥ - وإذا أتاني إخْوَتِي فَذَريهمُ … يَتعلَّلُوا في العَيشِ أَوْ يَلْهُوا مَعِي ٦ - لَا تَطْرُديهِم عَنْ فِرَاشِي إنَّهُم … لَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ سَيخْلُو مَضْجَعِي قوله: "أن سبأت" بفتح السين المهملة والباء الموحدة وسكون الهمزة، يقال: سبأت الخمر سبأ إذا اشتريتها لتشربها، واستبأتها مثله، ولا يقال ذلك إلا في الخمر خاصة، و: "الفتية" بكسر الفاء جمع فتى، و"فذريهم" أي اتركيهم ولا تتعرضي لهم. قوله: "يتعلَّلوا" أي يتهلَّلوا يقال فلان يعلل نفسه بفعله، وتعلل به أي تلهى، قوله "منفسًا" بضم الميم وسكون النون وكسر الفاء وهو المال النفيس، قال ابن فارس: يقال مال منفس ونفيس

стр. 963

كثير (١) كأنه يصف نفسه بالكرم، وأنه لا يصغى إلى من يلوم في ذلك، ويقال: إن امرأته لامته على إتلاف ماله جزعا من الفقر، وذلك أنه نزل به ضيف وهو في الجاهلية فعقر لهم أربع قلائص وسبأ لهم خمرًا كثيرًا، فلامته [امرأته] (٢) على ذلك فقال لها: لا تجزعي لإتلافي منفس المال فإني قادر على إخلافه وإنما إذا هلكت فاجزعي في ذلك الوقت فإنه لا خلف لك عني. الإعراب: قوله: "لا تجزعي" نهي وفاعله الياء، و "إن" حرف شرط، وقوله: "منفس" بالرفع والنصب؛ فالنصب بفعل مقدر تقديره: أهلكت منفسًا أهلكته، وهي جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت فعل الشرط، وجوابه مقدم وهو قوله: "لا تجزعي" والرفع على تقدير: إن هلك منفس لجاز؛ لأنه إذا أهلكه فقد هلك. قوله: "فإذا هلكت" الفاء للعطف وإذا للشرط، و: "هلكت" جملة من الفعل والفاعل فعل الشرط، وجوابه قوله: "فعند ذلك فاجزعي" أي فاجزعي عند ذلك. فإن قلتَ: ما هاتان الفاءان؟ قلتُ: الفاء الداخلة على عند زائدة، والفاء الداخلة على فاجزعي جواب الشرط، أما سيبويه فيتأول ذلك، ويجعل الفاء الداخلة على "عند" جواب إذا، والفاء الداخلة على: "فاجزعي" عاطفة جملة أمرية على جملة خبرية، أي: فأنت عند ذلك فاجزعي، وذلك جائز لاشتراكهما في مسمى الجملة، وكذلك يتأول: زيد فوجد على تقدير: هذا زيد، فهو وجد فحذف المبتدآن (٣)، وحكى الأخفش هذا زيد فمنطلق (٤)، قالوا ويجوز أن تكون الفاء جوابًا في هذا المقدر من التنبيه؛ لأنك لا قلت: هذا زيد كأنك قلت: تنبه فهو منطلق. الاستشهاد فيه: في قوله: "إن منفسًا" [حيث جاء منصوبًا على شريطة التفسير؛ لأن تقديره: أهلكت منفسًا أهلكته كما ذكرنا] (٥)، واستشهد به ابن الناظم في رفعه بفعل مضمر مطاوع للظاهر تقديره: إن هلك منفس أهلكته، وأنشده في كتابه بالرفع، ثم قال: ويروى بالنصب، ورواية

стр. 964

[الأكثرين] (١) بالنصب والرفع رواية الأخفش (٢). الشاهد العشرون بعد الأربعمائة (٣)، (٤) فَارِسًا مَا غَادَرُوهُ مُلْحَمًا … غيرَ زُمَّيْل ولَا نِكْسٍ وَكَلْ أقول: قائله هو علقمة، وذكر في الحماسة البصرية أن قائله امرأة من بلحارث بن كعب، وبعده (٥): ٢ - لَوْ يَشَأْ طَارَ بِهَا ذُو مَيْعَةٍ … لاحِقُ الآَطَالِ نهدٌ ذُو خُصَلْ ٣ - غيرَ أَن البأْسَ مِنْهُ شِيمَةٌ … وصُرُوفُ الدَّهْرِ تَجْري بالأجَلْ وهي من الرمل وأصله في الدائرة: فاعلاتن ست مرات وفيه الحذف. ١ - قوله: "ما غادروه" أي ما تركوه من الغدر وهو الترك، ومنه الغدير؛ لأنه يترك فيه الماء بعد ذهاب السيل، والغدر: هو نقض العهد لأن فيه ترك العهد، قوله: "ملحمًا" بضم الميم وسكون اللام وفتح الحاء المهملة من ألحم الرجل (٦)، واستلحم إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا، وألحمه غيره فيها، ولحُم إذا قتل فهو ملحوم ولحيم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم فما أظنه صحيحًا، قوله: "زميل" بضم الزاي المعجمة وتشديد الميم المفتوحة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام وهو الرجل الجبا الضعيف. [قوله: "ولا نكس" بكسر النون وسكون الكاف وفي آخره سين مهملة وهو الرجل الضعيف] (٧)، ويجمع على أنكاس، قوله: "وكل" بفتح الواو والكاف وهو الذي يكل أمره

стр. 965

إلى غيره لعجزه وضعف رأيه وقلة معرفته بالأمور. ٢ - قوله: "ذو ميعة" قال الجوهري: الميعة النشاط وأول جري الفرس وأول الشباب وأول النهار (١)، قوله: "الآطال" بفتح الهمزة جمع إطل بكسر [الهمزة] (٢)، والطاء على وزن إبل وهي الخاصرة، قوله: "نهد" بفتح النون وسكون الهاء أي جسيم مشرف تقول منه نهد الفرس بالضم نهودًا، قوله: "ذو خصل" بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة جمع خصلة وهي لفيفة من شعر. الإعراب: قوله: "فارسًا" نصب بفعل يفسره الظاهر، أي: غادروا فارسًا، وكلمة: "ما" زائدة (٣)؛ لأنها لو كانت نافية امتنع الاشتغال؛ لأن ما النافية لها صدر الكلام فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها وما لا يعمل لا يفسر عاملًا. قوله: "غادروه" جملة من الفعل والفاعل والمفعول وهو الضمير المنصوب الذي يرجع إلى فارسًا، [قوله: "] (٤) ملحمًا" مفعول ثان لغادروه، قوله: "غير زميل" كلام إضافي نصب على الحال، قوله: "ولا نكس" بالجر عطف على المضاف إليه أي ولا غير نكس، قوله: "وكل" صفة النكس وهو مجرور اللام في الأصل ولكنها سكنت لأجل الضرورة. الاستشهاد فيه: في قوله: "فارسًا" حيث اختير فيه النصب على الرفع؛ وذلك لأن كل اسم لم يوجد معه ما يوجب نصبه ولا ما يوجب رفعه ولا ما يرجح واحدًا منها يستوي فيه الرفع والنصب؛ كما في قولك: زيد ضربته، فيجوز رفع زيد ونصبه، والأرجح رفعه؛ لأن عدم الإضمار أرجح من الإضمار، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يجوز النصب، والبيت المذكور حجة عليه؛ حيث جاء منصوبًا، وان كان الأرجح الرفع في مثل هذا (٥). * * *

стр. 966

شواهد تعدي الفعل ولزومه الشاهد الحادي والعشرون بعد الأربعمائة (١)، (٢) إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ … أَشارَتْ كُلَيبٍ بالأكُفِّ الأَصابعُ أقول: قائله هو الفرزدق. وهو من قصيدة من الطويل يخاطب بها الفرزدق جرير، وأولها هو قوله (٣): ١ - وَمِنَّا الذِي اختِيرَ الرِّجَال سَمَاحَةً … وَجُودًا إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ ٢ - وَمِنَّا الذِي قَادَ الجِيَادَ عَلَى الوَجَى … لَنَجرَانَ حَتَّى صَبَّحَتْهَا النَّزَائِعُ ٣ - فَوَا عَجَبًا حَتَّى كُلَيبٌ تَسُبُّني … كَأَن أَبَاهَا نَهْشَلٌ أَوْ مُجَاشِعَ ٤ - أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ السَّمَاءِ عَلَيكُم … لَنَا قَمَرَاهَا والنُّجُومُ الطَّوَالِعُ ٥ - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ ...... … ..................... إلى آخره ١ - قوله: "ومنا الذي اختير … " فيه إسقاط الخافض -أيضًا- ولكن نصب الاسم بعد ذلك؛ إذ الأصل: اختير من الرجال، يصف قومه بالجود والكرم عند اشتداد الزمان، وذلك في الشتاء وهبوب الرياح الشديدة، و: "الزعازع" [جمع زعزع] (٤)، وهي الرياح الشديدة، ويقال -أيضًا- زعزاع وزعزوع والجمع زعازيع.

стр. 967

٢ - قوله: "على الوجى" بالجيم المهملة أي الخفاء، و "النزائع" الخيل الكرام فقيل هي التي تنزع إلى وطنها. ٥ - وقوله: "أشارت" ويروى أشرت، يريد أشارت إليها بأنها شر الناس، يقال: لا تشر فلانًا ولا تشنعه يعني لا تشر إليه بشر ولا تذكره بأمر قبيح، قوله: "كليب" بضم الكاف وفتح اللام وأراد به: رهط جرير، وهو كليب بن يربوع بن حنظلة. الإعراب: قوله: "إذا" للظرف فيه معنى الشرط، وقوله: "أشارت" جوابه، قوله: "أي الناس" كلام إضافي مبتدأ وخبره قوله: "شر قبيلة"، وأي للاستفهام، والجملة مقول القول، وقوله: "أشارت" فعله (١)، وفاعله قوله: "الأصابع"، قوله: "بالأكف" جمع كف يتعلق بأشارت. الاستشهاد فيه: في قوله: "كليب" حيث جاء بالجر وأصله إلى كليب فأسقط الجار وأبقى عمله والأصل نصب المجرور بعد حذف الجار توسعًا؛ كقولك في: شكرت لزيد ونصحت لعمرو: شكرت زيدًا ونصحت عمرًا، ولكن الشاعر هاهنا أسقط الجار وأبقى عمله (٢). الشاهد الثاني والعشرون بعد الأربعمائة (٣)، (٤) لَدُنْ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ … فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثعْلَبُ أقول: قائله هو ساعدة بن جؤية الهذلي أخو بني كعب. وهو من قصيدة طويلة من الكامل، وأولها هو قوله (٥): ١ - هَجَرَتْ غَضُوبُ وحُبّ مَنْ يَتَخَبَّبُ … وَعَدَتْ عَوَادٍ دُونَ وَليك تَشْعبُ

стр. 968

٢ - وَمِنَ العَوَادِي أَنْ تَقَتْكَ ببغْضَةٍ … وَتَقَاذَفُ منهَا وَإنَّكَ تَرْقُبُ ٣ - شَابَ القَذَالُ ولَا فؤَادكَ تَارِكٌ … ذِكرَ الغَضُوبِ ولَا عِتَابُكَ يُعْتَبُ ٤ - لَدْنُ بِهَزِّ الكَفِّ .............. … ................... إلى آخره ٥ - خِرْقٍ مِنَ الخطيِّ أُغْمِضَ حَدُّهُ … مِثلِ الشِّهَابِ رَفَعْتَهُ يَتَلَهَّبُ ٦ - مَّما يُتَرَّصُ في الثِّقَافِ يَزِينُهُ … أَخْذَى كخَافِيَةِ العُقَابُ مُحَرَّبِ ١ - قوله: "غضوب" اسم امرأة، قوله: "وعدت عوادي" أي صرفت صوارف، و "الولي" بفتح الواو وسكون اللام القرب، قوله: "تشغب" بالشين والغين المعجمتين، يقال: فلان يشغب أي يأتي في غير وجه مستقيم. ٢ - قوله: "ومن العوادي" أي الصوارف، قوله: "تقتك" يقال: [تقاه] (١)، وأتقاه بحقه إذا استقبله به، وقوله: "وتقاذف" أي تباعد، قوله: "ترقب" أي ترصد. ٣ - قوله: "القذال" بالقاف وهو آخر ما يشيب (٢) في الرأس. ٥ - قوله: "خرق" بكسر الخاء وسكون الراء وفي آخره قاف يصف به الرمح يريد هو في الرماح مثل الخرق في الفتيان، والخرق هو الذي يتصرف في الأمور وينخرق فيها، قوله: "أغمض حده" أراد السنان، أي ألطف سنانه، و "الشهاب": السراج. ٦ - قوله: "مما يترص" يعني: يحكم، و "الثقاف" بكسر الثاء المثلثة وبالقاف وفي آخره فاء وهي الخشبة التي يقوم بها الرمح، قوله: "أخذي" أراد أن السنان ليس بمنتشر. ٤ - قوله: "كخافية العقاب" وهي ريشة بيضاء في جناحه شبه الرمح بها، قوله: "محرب" بالحاء المهملة أي مجدد. وقوله: "لدن" [بفتح اللام وسكون الدال وفي آخره نون، أي ناعم لين فكل لين من القضبان يسمى لدنا] (٣)، ويروى: لذ بمعنى لذيذ من اللذة يعني: لذيذ عند هزه من لينه ونعومته وقوامه. قوله: "يعسل" بالعين والسين المهملتين من العسلان وهو اهتزاز الرمح، ويقال لمشي الذئب ولكل عاد عسلان -أيضًا- من عسل يعسل كضرب يضرب عسلًا وعسلانًا. والمعنى: يضطرب في اندماج وسرعة كما يعسل الذئب إذا مضى مسرعًا وهز رأسه، وقال

стр. 969

أبو عبيدة: الذئب عاسل والرمح عسّال (١). الإعراب: قوله: "لدن" مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو لدن، قوله: "بهز الكف" مصدر مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف تقديره: هز الكف إياه، يعني الرمح، والباء تتعلق بقوله يعسل، وأراد بالمتن جمهور الرمح، ويقال: التقدير في قوله: "بهز الكف" عند هز الكف". وقال ابن يسعون: الأحسن عندي أن يكون ظرفًا ليعسل متنه فيه، أي يعسل متنه فيه عند هزه. فإن قيل: إن فيه ظرف قد عمل فيه يعسل فكيف يعمل في ظرف آخر؟ فالجواب: أنهما ظرفان مختلفان؛ لأن فيه في تقدير ظرف مكان، وبهز في تقدير ظرف زمان؛ ألا ترى أن المعنى وقت هزه، قوله: "فيه" أي في هزه، قوله: "كما عسل" الكاف للتشبيه، و "ما" مصدرية أي كعسلان الثعلب في الطريق، والثعلب فاعل عسل، والطريق منصوب بتقدير في؛ أي: في الطريق. والاستشهاد فيه: حيث حذف حرف الجر منه ونصب مجروره توسعًا في الفعل وإجراؤه مجرى المتعدي، ولكن هذا نوعان مقصور على السماع ومطرد في القياس؛ والأول أيضًا نوعان: نوع وارد في السعة نحو: شكرت له وشكرته، ونوع مخصوص بالضرورة؛ كما في البيت المذكور؛ لأنه لما لم يستقم الوزن بحرف الجر حذف ونصب ما بعده بالفعل، ولا يقال: الطريق ظرف مكان لا منصوب على التوسع؛ لأنه اسم خاص للموضع المستطرق، وإنما ينتصب على ظرفية المكان ما كان مبهمًا ونحوه في التوسع، قولهم: ذهبت الشام؛ إلا أن الطريق أقرب إلى الإبهام من الشام؛ لأن الطريق تكون في كل موضع يسار فيه، وليس الشام كذلك (٢).

стр. 970

الشاهد الثالث والعشرون بعد الأربعمائة (١)، (٢) آليتَ حَبَّ العراقِ الدَّهرَ أَطعمُهُ … والحبُّ يَأكُلُهُ في القَريَةِ السُّوسُ أقول: قائله هو المتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح الضُّبَعِي بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة، وقبله (٣): ١ - أُمِّي شَامِيَّة إذ لَا عِرَاقَ لَنَا … قَوْمًا نودّهم إذ قَوْمُنَا شُوسُ وبعده: ٣ - لَم تَدْرِ بُصْرَى بِمَا آليتُ من قَسمٍ … ولَا دمَشْقُ إذا دِيسَ الكَدَادِيسُ وهي من البسيط. ٢ - قوله: "آليت" أي حلفت على حب العراق أني لا أطعمه الدهر مع أن الحب متيسر يأكله السوس وهو قمل القمح ونحوه، قال الكسائي: ساس الطعام يساس وأساس يُسيس وساست الشاة تَساس إذا كثر قملها سَوْسًا بالفتح وبالضم [هو] (٤) اسم. واعلم أنه اختلف في قوله: "آليت" فكلام العسكري (٥) في جمهرة الأمثال يقتضي أنه بضم التاء؛ لأن المتلمس لما ألقى الصحيفة مضى إلى الشام، وقال يخاطب ناقته:

стр. 971

أمي شآمية .............. … ............ إلى آخره (١) أي اقصدي ناحية شآمية. وقوله: "أمي" أمر من أمّ يؤمّ إذا قصد والخطاب لناقته، وصرح غيره من العلماء بالشعر واللغة أنه بالفتح، وهكذا ضبطوه في كتاب سيبويه (٢)، وقالوا: إنه يخاطب بذلك عمرو بن هند ملك الحيرة، وكان المتلمس قد هجاه وبلغه ذلك فخاف على نفسه ففر إلى الشام ومدح ملوكها، فحلف عمرو أنه لا يطعم المتلمس بعدها حب العراق، أي أنه لا يقدر بعدها على المقام بالعراق فلا سبيل له إلى أكل حبها، فقال المتلمس ذلك، أي حلفت يا عمرو لا تتركني أقيم بالعراق والطعام لا يبقى وإن استبقيته بل يسرع إليه الفساد جمله السوس فالبخل به قبيح (٣). ١ - قوله: "شوس" بضم الشين المعجمة وسكون الواو وفي آخره سين مهملة وهو جمع أشوس يقال: رجل أشوس، وقوم شوس من الشوس بالتحريك، وهو النظر بمؤخر العين تكبرًا أو تغيظًا. ٣ - قوله: "بصرى" بضم الباء الموحدة وآخرها ألف: مدينة بالشام، أضاءت لأهل مكة قصورها ليلة مولد رسول الله ﷺ . والمعنى: لم تعلم بصرى أنك حلفت فأنا آكل من طعامها، وكذلك دمشق فأنا أكون في موضع لا أمر لك فيه، فلا أخافك على نفسي وأنا في خصب وخير، قوله: "الكداديس" [جمع] (٤) أكداس الطعام ولا واحد لها من لفظها قاله النحاس، وقال الجوهري: الكدس بالضم واحد أكداس الطعام (٥). الإعراب: قوله: "آليت" جملة من الفعل والفاعل، قوله: "حب العراق" كلام إضافي منصوب بنزع الخافض، وأصله عل حب العراق. فإن قلتَ: لم لا يجوز أن ينصب حب العراق بقوله أطعمه كما في قولك: زيدًا ضربته؟ قلتُ: هذا لا يتمشى هاهنا؛ لأن التقدير لا أطعمه ولا هذه لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وما لا يعمل لا يفسر في هذا الباب عاملًا، قوله "الدهر" نصب على الظرف، قوله: "أطعمه" أي لا أطعمه فحذف منه حرف لا النافية وهو من طعمت الشيء طعمًا من باب علم يعلم أي: أكلته والطعام هو المأكول، والإطعام يقع في كل ما يطعم حتى الماء، قال

стр. 972

الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي من لم يشربه، وقال ﵊ في زمزم (١): "إنها طعامُ طُعم وشفاء سقم"، و "الحب": مبتدأ وخبره الجملة أعني قوله: "يأكله في القرية السوس"، والسوس فاعل جمله، والجملة في محل النصب على الحال. الاستشهاد فيه: في قوله: "حب العراق" [حيث حذف منه حرف الجر أعني: "على" إذ أصله على حب العراق] (٢)؛ كما قلنا ولما حذفها للضرورة نصب ما بعدها بالفعل فافهم (٣). الشاهد الرابع والعشرون بعد الأربعمائة (٤)، (٥) تَحِنُّ فتُبدِي مَا بها منْ صَبَابَةٍ … وأخْفِي الَّذِي لَوْلَا الأسَى لَقَضانِي أقول: قائله هو عروة بن حزام (٦)، وهو من قصيدة أولها هو قوله (٧):

стр. 973

١ - يقُولُ لِيَ الأَصْحَابُ إِذْ يَعْذِلُونَني … أَشَوْقٌ عراقيٌّ وأَنْتَ يَمَانِيُّ ٢ - أَمَامِي هَوًى لَا نَوْمَ دُونَ لِقَائِهِ … وَخَلفِي هَوًى قَدْ شَفَنِي وبَرَانِي ٣ - فَمَنْ يَكُ لَمْ يَغْرِض فإنِّي وَنَاقَتِي … بِحِجْرٍ إِلَى أَهْلِ الحِمَى غَرِضَانِ ٤ - تحن .................... … .................... إلى آخره ٥ - هَوَى نَاقتيِ خَلْفِي وقُدَّامِي الهَوَى … وإنِّي وإيَّاهَا لمُخْتَلِفَانِ ٦ - وقَدْ تَرَكَتْ عَفْرَاءُ قَلْبِي كَأَنَّهُ … جَنَاحُ غُرَابٍ دَائِمُ الخَفَقَانِ ٧ - ألَا لَعَنَ اللهُ الوُشَاةَ وقوْلَهُمُ … فلانةُ أَضْحَتْ خُلَّةً لِفُلَانِ ٨ - فيَا لَيتَ كُلَّ اثْنَيِنْ بَينَهُمَا هَوًى … مِنَ النَّاسِ بَعْدَ اليَأْسِ مُجْتَمِعَانِ ٩ - جعلتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ حُكْمَهُ … وعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي ١٠ - فَمَا تَرَكَا مِنْ رُقْيَةٍ يَعْرِفُونَهَا … ولا شَكْوَةٍ إلا وَقَدْ سَقَيَانِي (١) ١١ - فقالا شَفَاكَ اللهُ والله مَا لَنَا … بِمَا ضَمِنَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يدَانِ ١٢ - وَإني لأَهْوَى الحَشْرَ إِذْ قِيلَ إِنَّنِي … وَعَفْرَاءَ يَوْمِ الحَشْرِ يَلْتَقِيَانِ وهي من الطويل. ٤ - قوله: "تحن" من الحنان وهو الرحمة والحنو، قوله: "من صبابة" أي من شوق، قوله: "لولا الأسى" بضم الهمزة جمع أسوة فعلة من التأسي وهو الاقتداء، وقال ابن هشام: الأسى يظنون أنه بفتح الهمزة، وعندي أنه خطأ وصوابه بضم الهمزة؛ لأن الأسى بفتح الهمزة الحزن، ولا مدخل له هاهنا من حيث المعنى بل هو مفسد (٢). ٣ - قوله: "لم يغرض" بغين وضاد معجمتين بينهما راء مهملة يقال: غرض إلى كذا إذا اشتاق وهو من باب علم يعلم، وقوله: "غرضان" بفتح العين وكسر الراء تثنية غرض صفة مشبهة من الفعل المذكور، و: "الحجر" بفتح الحاء اسم موضع. ٦ - و: "عفراء" بفتح العين المهملة وسكون الفاء اسم محبوبته. الإعراب: قوله: "تحن": جملة من الفعل والفاعل، وهو هي المستترة فيه يرجع إلى الناقة المذكورة في

стр. 974

البيت الذي قبله، قوله: "فتبدي" جملة أخرى مثلها عطف عليها، ورواه أبو علي في العسكريات بالواو. قوله: "مما بها" في محل النصب على أنه مفعول فتبدي، و "ما" موصولة، وصدر صلتها محذوف تقديره: الذي هو بها، وكلمة من في صبابة للبيان، قوله: "وأخفي "جملة من الفعل والفاعل وهو أنا المستتر فيه عطف على ما قبله. قوله: "الذي" مع صلته في محل النصب على أنه مفعول أخفي، قوله: "لولا" لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، وقوله: "لقضاني" جواب لولا أي لولا الأسى موجودة لقضى عليّ الموت، وفاعل قضى محذوف. الاستشهاد فيه: حيث حذف منه حرف الجر وجعل مجروره مفعولًا، وقد حمل الأخفش على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي على سر أي نكاح، وكذلك: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] (١)، وبهذا استدل الجمهور على أن على تكون حرفًا خلافًا لقوم ذهبوا إلى أنها لا تكون إلا اسمًا (٢). وقد يقال: إن قوله: "لقضاني" قد يكون مضمنًا معنى قتل أو أهلك فيتعدى حينئذ بنفسه، ولا يكون على إسقاط على فلا يكون فيه استشهاد. فافهم. الشاهد الخامس والعشرون بعد الأربعمائة (٣)، (٤) وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً … إلَيَّ وَلَا دَيْنٍ بِهَا أَنا طَالِبُهْ أقول: قائله هو الفرزدق، وهو من قصيدة من الطويل يمدح بها المطلب بن عبد الله المخزومي،

стр. 975

وأولها هو قوله (١): ١ - تَقُولُ ابْنَةُ الغَوْثيِّ مَالكَ هَاهُنَا … وَأَنْتَ تَمِيمِيٌّ مَعَ الشَّرْقِ جَانِبُهْ ٢ - فقلتُ لهَا الحاجاتُ يَطْرَحْنَ بالفَتَى … وَهَمٌّ تَعَنَّانِي مُعَنًّى رَكَائِبُهْ ٣ - وما زرت ليلى ............ … ................. إلى آخره ٤ - ولكنْ أتينَا خنْدَفِيًّا كَأَنَّهُ … هِلَالُ غُيُومٍ زَال عَنْهُ سحَائبُهْ (٢) وقال ابن بري فسر بيت الفرزدق، وهو قوله: وما زرت ليلى ......... … ......... إلى آخره أن الفرزدق نزل بامرأة من العرب من طيء فقالت: ألا أدلك على رجل يعطي؟ فقال: بلى، فدلته على المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، وكان مروان بن الحكم خاله فبعث به مروان إلى (٣) صدقات طيء، ومروان عامل معاوية -رضي الله تعالى عنه- يومئذ على المدينة، فلما أتى الفرزدق المطلب وانتسب له رحب به وأكرمه وأعطاه عشرين أو ثلاثين بكرة، قلت: فحاصل المعنى: أنه يقول أنا ما زرت ليلى لتكون لي حبيبة ولا لأجل طلب دين لي عليها ولكن لأجل ضرورة تنزل بالشخص. الإعراب: قوله: "وما زرت" جملة منفية، و "ليلى" مفعول زرت، ويروى: سلمى موضع ليلى، قوله: "أن تكون" أي لأن تكون، فحذف حرف الجر منها وإنما حذف لطول أن بصلتها، وما حذف للطول فهو مراد، فإذا كانت اللام هاهنا مقدرة كانت أن مع صلتها في موضع الجر، وقوله: "تكون" بمعنى كانت، قوله: "حبيبة" نصب على أنها خبر تكون، و: "إلي" تتعلق بها. قوله: "ولا دين" بالجر عطف على قوله: "أن تكون حبيبة إلي"؛ لأنها مخفوضة باللام المقدرة كما ذكرنا أي ولا لأجل دين بها أي بليلى، والجار والمجرور يتعلق بقوله طالبه، والباء بمعنى من؛ أي: ولا دين أنا طالبه منها، ويقال بها بمعنى عليها والباء بمعنى على كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أي على قنطار، قوله: "أنا" مبتدأ، و: "طالبه"

стр. 976

كلام إضافي خبره، والجملة صفة لدين. [الاستشهاد فيه: في قوله: "أن تكون حبيبة" حيث حذف منه حرف الجر؛ إذ أصله لأن تكون وفيه خلاف، فادعى الخليل أن محله الجر بدليل عطف] (١)، ولا دين بالجر عليه، وهو مذهب الكسائي -أيضًا- ومذهب سيبويه والفراء أنه النصب. ويقال: مذهب سيبويه هاهنا احتمال الأمرين (٢)، ويقال: لا دليل في ذلك لجواز أن يكون عطفًا على توهم دخول اللام كما قال زهير بن أبي سلمى (٣): بَدَا لي أَنّي لَسْتُ مُدركَ مَا مَضَى … ولَا سَابِقٍ شيئًا إِذَا كَانَ جَائِيَا بجر سابق عطفا على مدرك على توهم دخول الباء عليه فافهم (٤). الشاهد السادس والعشرون بعد الأربعمائة (٥)، (٦) تَمُرُّونَ الدِّيَارَ ولم تَعُوجُوا … كلامُكُمُ علي إذًا حَرَامُ أقول: قائله هو جرير بن الخطفي. وهو من قصيدة طويلة من الوافر، وأولها هو قوله (٧): ١ - مَتَى كَانَ الخِيامُ بذي طُلُوحٍ … سُقيتِ الغَيثَ أَيَّتُهَا الخيامُ ٢ - تَنَكَّرَ مِنْ مَعَارِفهَا وَمَالتْ … دَعَائمُهَا وَقَدْ بلَى الثُّمَامُ

стр. 977

٣ - تَعَالى فَوْقَ أَجْرَعِكِ الخُزَامَى … بِنَوْرٍ واسْتَهَلَّ بِكِ الغَمَامُ ٤ - مَقَامُ الحَيِّ مَرَّ لَهُ ثمَانٍ … إِلَى عِشْرِينَ قَدْ بَلِي المقُامُ ٥ - أَقُولُ لِصُحْبَتِي لَمَّا ارتَحَلْنَا … وَدَمْعُ العَيِنْ مُنْهَمِرٌ سِجَامُ ٦ - تَمُرُّونَ ............. … ............ إلى آخره ١ - قوله: "بذي طلوح" بضم الطاء اسم موضع. ٢ - و: "الثمام" بضم الثاء المثلثة جمع ثمامة، وهو نبت ضعيف له خوص وربما حشى به وسد به خصاص البيوت. ٣ - و: "الأجرع" رملة مستوية لا تنبت شيئًا وكذلك الجرعاء. ٥ - قوله: "منهمر" أي مسكوب، قوله: "سجام" بكسر السين المهملة من سجم الدمع سجاما إذا سال. ٦ - قوله: "ولم تعوجوا" من العوج، وهو عطفك رأس البعير بالزمام تقول: عجته أعوجه، والمعنى: لم تميلوا علينا. الإعراب: قوله: "تمرون" جملة من الفعل والفاعل، و: "الديار" أصله بالديار لأن المرور لا يستعمل إلا بالباء فلما حذفها الشاعر للضرورة نصب ما بعدها بالفعل، قوله: "ولم تعوجوا" جملة حالية، قوله: "كلامكم" مبتدأ وخبره: "حرام"، و: "علي" يتعلق به، قوله: "إذا" بطل عملها لوقوعها حشوًا وهو جواب لإن مقدرة؛ لأنه يكون جوابًا لإن أو لو ظاهرتين أو مقدرتين، والتقدير هاهنا: إن لم تعوجوا إذن كلامكم علي حرام. الاستشهاد فيه: في قوله: "تمرون الديار" حيث حذف الشاعر حرف الصلة أعني الباء من الديار؛ إذ أصلها بالديار، ومذهب الجمهور أن حذف حرف الجر لا ينقاس مع غير: "أنْ وأنَّ بل يقتصر فيه على السماع (١)، وذهب الأخفش الصغير (٢) إلى أنه يجوز الحذف مع غيرهما قياسًا بشرط تعيين

стр. 978

الحرف ومكان الحذف نحو: بريت القلم بالسِّكين، فيجوز عنده حذف الباء، فيقول: بريت القلم السكين (١). وقال النحاس: سمعت علي بن سليمان يعني الأخفش الأصغر يقول: حدثني محمد بن يزيد يعني المبرد قال: حدثني عمارة بن بلال بن جرير (٢)، قال: إنما قال جدي: "مررتم بالديار" فعلى هذا فلا شاهد فافهم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى- ما نصه: "فرغت يمين مؤلفه ومسطره من وعي هذا الجزء عودًا على بدء العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني أبو محمد محمود بن أحمد العيني عامله ربه ووالديه بلطفه الخفي والجلي ضحوة نهار الخميس السادس والعشرين من ذي القعدة الحرام عام سبعة عشر وثمانمائة من الهجرة الأحمدية بحارة كتامة بالقاهرة المحروسة بمدرسة البدرنية المستجدة بالقرب من الجامع الأزهر عمرها الله تعالى بذكره الجزيل وأفاض على بانيها من بره الفياض الجميل. والحمد لله أولًا وآخرًا، والصلاة والسلام على نبيه البعوث مبشرًا وناذرًا وعلى آله وصحبه الكرام وعلى علماء الأمة مؤيدي الإسلام ما دام أهل الإسلام بالسلام. قال: ويتلوه في الجزء الثاني -إن شاء الله تعالى- ذكر شواهد التنازع في العمل قال وعدد شواهد هذا المجلد أربعمائة بيت وستة وعشرون بيتًا. والحمد لله وحده. * * * إلى هنا انتهى المجلد الثاني ويليه المجلد الثالث مبتدءًا بـ: "شواهد التنازع في العمل"

стр. 979

شواهد التنازع في العمل الشاهد السابع والعشرون بعد الأربعمائة (١)، (٢) عُهِدْتَ مُغِيثًا مُغْنِيًا مَنْ أَجَرْتَهُ … فَلَمْ أَتَّخِذْ إلَّا فِنَاءَكَ مَوْئلًا أقول: لم أقف على اسم قائله، وهو من الطويل. قوله: "عُهِدْت": من العهد، وهو يجيء لمعان كثيرة نحو: اليمين والأمان والذمة والحفظ ورعاية الحرمة والوصية ومعرفة الشيء على ما كان عليه، وعهدت هاهنا من هذا القبيل، قوله: "مُغِيثًا": اسم فاعل من الإغاثة، و "مُغْنِيًا": من أغناه عن الشيء إذا كفاه همه عنه. قوله: "مَنْ أجَرْتَهُ" من أجاره يجيره من فلان إذا استجاره وأنقذه منه، ومنه: أجاره الله من العذاب، قوله: "إِلّا فِنَاءَك" بكسر الفاء، أي: إلا كنفك وجوارك والقرب منك، وأصل الفناء: ما امتد من الدار من جوانبها، قوله: "موئلًا" بفتح الميم وكسر الهمزة، أي: ملجأ، من: وأل إليه إذا لجأ إليه. الإعراب: قوله: "عُهِدْتَ" على صيغة المجهول، جملة من الفعل والمفعول النائب عن الفاعل وهو التاء، وأصله: عهدك العاهد، فلما حذف الفاعل أسند الفعل إلى المفعول وناب عن الفاعل. قوله: "مُغِيثًا مُغْنِيًا": حالان مترادفان أو متداخلان من الضمير المستكن في عهدت، وكلاهما تنازعا في قوله: "مَنْ أَجَرْتَهُ" و "من" موصولة، و "أَجَرْتَهُ": جملة من الفعل والفاعل والمفعول وقعت صلة، والموصول مع صلته في محل النصب على المفعولية، قوله: "فَلَمْ أَتَّخِذْ" الفاء

стр. 980

للتعليل؛ أي: فلأجل ذلك لم أتخذ، قوله: "مَؤئِلَا": مفعول لم أتخذ، وقوله: "إلا فِنَاءَكَ": استثناء مقدم منصوب لأنه عن غير موجب. الاستشهاد فيه: في قوله: "مُغِيْثًا مُغْنِيًا مَنْ أَجَرْتَهُ" فإن قوله: "مُغِيثًا مُغْنيًا": اسمان وقد تنازعا في قوله: "مَنْ أَجَرْتَهُ" لأن كلًّا منهما يستدعي أن يعمل فيه (١). الشاهد الثامن والعشرون بعد الأربعمائة (٢)، (٣) قضَى كُلُّ ذِي دَينٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ … وَعَزَّةُ مَمْطُول مُعَنًّى غَرِيمُهَا أقول: قائله هو كثير بن عبد الرحمن، وهو من قصيدة من الطويل، وبعد البيت المذكور (٤): ٢ - إذا سُمْتُ نَفْسِي هَجْرَهَا واجْتِنَابَهَا … رَأَتْ غَمَرَاتِ المَوْتِ فِيمَا أَسُومُهَا ٣ - فَهَلْ تَجْزِيَنِّي عَزَّةُ القَرْضَ بِالهَوَى … ثَوَابًا لِنَفْسٍ قدْ أُصِيبَ صَمِيمُهَا ٤ - وَقدْ عَلِمَتْ بِالغَيْبِ أَنْ لَنْ أَوَدَّهَا … إذَا هيَ لَمْ يَكْرُمْ عَلَيَّ كَرِيمُهَا وكان السبب في هذا أن كثيرًا كان له غلام عطَّار بالمدينة، وربما باع نساء العرب بالنسيئة فأعْطَى عزةَ -وهو لا يعرفها- شيئًا من العطر فمَطَلتْه أيامًا، وحضرت إلى حانوته في نسوة وطالبها، فقالت له حبًّا وكرامة: ما أقرب الوفاء وأسرعه، فأنشد متمثلًا: قضَى كُلُّ ذِي دَينٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ … ..................... إلخ فقالت النسوة: أتدري من غريمتك؟، فقال: لا والله، فقلن: هي واللَّه عزة، فقال: أشهدكن الله أنها في حِلٍّ مما لي في قِبَلَها، ثم مضى إلى سيده فأخبره بذلك، فقال كُثَيّرُ: وأنا أُشهد اللَّه

стр. 981

أنك حُرٌّ لوجه الله، ووهب له جميع ما في حانوت العطر، وكان ذلك من عجائب الاتفاق. ويقال: إن عزة دخلت على أم البنين ابنة عبد العزيز، وهي أخت عمر بن عبد العزيز ﵁، زوجة الوليد بن عبد الملك الأموي، فقالت لها: أرأيت قول كُثَيّرٍ: قضَى كُلُّ ذِي دَينٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ … ...................... إلخ ما كان ذلك الدَّين؟، قالت: وعدته قبلة فخرجت منها، فقالت أم البنين: أنجزيها وعليَّ إثمها. قوله: "غِريمهُ" الغريم: من عليه الدين؛ من غَرِمَ بكسر الراء يغرَم بفتحها إذا لزمه دين، والغريم: مستحق الدين -أيضًا-، قوله: "مَمْطولٌ": من المطل وهو التسويف، قوله: "مُعَنًّى" بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد النون المفتوحة؛ من التعنية [وهو] (١) الأسر. الإعراب: قوله: "قَضَى": فعل ماض، و "كُلُّ ذَي دَينٍ": كلام إضافي فاعله، قوله: "فَوَفَّى": عطف على قوله: "قَضَى"، والضمير يرجع إلى: "كل ذي دين"، وقوله: "غريمه": مفعول وَفَّى. واستدل به البصريون على أولوية إعمال الثاني في باب التنازع، بيانه أن: "قضى ووفَّى" متوجهان إلى الغريم، وأعمل الثاني؛ إذ لو أعمل [الأول] (٢) لقال: وفَّاه، وكذا في المصراع الثاني، أعني: الغريم فيه للعامل الثاني وهو مُعَنًّى؛ إذ لو كان للأول لقال: مُعَنًّى هو؛ لأنه حينئذ صفة جارية على غير من هي له، وهو الغريم. وأجيب عن هذا بأن ممطول ومُعَنًّى موجهان إلى غريمها، فلو أعمل الثاني وهو مُعَنًّى؛ كما قلتم؛ لكان ممطول جاريًا على عزة لفظًا وهو للغريم؛ إذ الممطول هو الغريم، وكان حقه أن يبرز الضمير، فيقول: ممطول هو، وإنما لم يبرز لأنه إضمار على شريط التفسير؛ إذ كان الأصل: ممطول غريمها فحذف اعتمادًا على التفسير بعده، والتقدير: وعزة ممطول غريمها، مثل: هند ضارب غلامها، وليس مما جرى على غير من هو له لذكر الفاعل بعده؛ فالغريم المحذوف كأنه مذكور بشهادة التفسير، وكأنه لم يجر على غير من هو له؛ فلذلك لم يبرز الضمير. قوله: "وَعَزَّةُ": مبتدأ، و "غَرِيمُهَا": مبتدأ ثان، و "مَمْطُولٌ مُعَنًّى": خبره، والمبتدأ الثاني مع خبره خبر المبتدأ الأول، ويقال: "ممطول" خبره، و "مُعَنَّى" حال من الضمير في: ممطول؛ فالصفتان جاريتان على الغريم لا على عزة، والتقدير: وعزة غريمها ممطول حال كونه مُعَنًّى؛ فعلى هذا الإعراب لا تنازع فيه؛ فهذا هو الاستشهاد: أنه ليس فيه تنازع لما ذكر من التوجيه

стр. 982

الآن، فتأمل فإنه موضع الدقة، واللَّه أعلم (١). الشاهد التاسع والعشرون بعد الأربعمائة (٢)، (٣) فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العقِيقُ وأَهْلُهُ … وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعَقِيقِ تُحَاولُهْ أقول: قائله هو جرير بن الخطفي، وذكر ابن التياني في الموعب أنه لقيس مجنون بني عامر والأول هو الصحيح، وهو من قصيدة من الطويل، وقبله (٤): ١ - ولَمْ أَنْسَ يَوْمًا بالعقيقِ تَخَايَلَتْ … ضُحَاهُ وَطَابَتْ بالعَشِيِّ أَصَائِلُهْ ٢ - رُزِقْنَا بِهِ الصَّيْدَ العَزِيزَ ولَمْ نَكُنْ … كَمَنْ نَبْلُهُ مَحْرُومَةٌ وَحبَائِلُهْ ٣ - ثَوَانِي أَجْيَاد يُوَدِّعْنَ مَنْ صَحَى … وَمَنْ بَثُّهُ عَنْ حَاجَةِ اللَّهْو شَاغِلُهْ قوله: "فهيهات" قال أبو علي: هيهات اسم للبعد (٥) معرفة؛ فلذلك لم تتصرف، ومن نوَّنها نكرها كما تنكر الأعلام الواقعة على الأشخاص، وفيه عشر لغات: بتثليث التاء، والثلاثة الأخرى: إيهات بالتثليث -أيضًا- والسابعة: إيها، والثامنة: إيهان، والتاسعة: إيهاةٍ، والعاشرة: إيهاة، ومن أبدل الهاء من الهمزة في الأربع الأخر فهي على أربع عشرة (٦). و"العَقيقُ": موضع معروف بالحجاز، وإن كان البيت لقيس فهو العقيق الذي في المدينة وإليه متنزه أهل المدينة إذا سال بالماء، قوله: "خِلٌّ" بكسر الخاء المعجمة؛ أي: ودود صديق،

стр. 983

قوله: "تُحَاولُه": من حاولت الشيء إذا أردته، ويروى (١): فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وَمَنْ بِهِ … وَهَيْهَاتَ وَصْلٌ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ وهكذا ثبت بخط الآمدي -رحمه الله تعالى- في كتابه جعل الخل وصلًا، أو يكون على حذف المضاف؛ كأنه قال: وبعد ذي وصل؛ كما أن المعنى في رواية خل: بعد ذي خل، أو عهد ذي خل، ونحو هذا من التقدير، ولو روي: تواصله على المصدر لم يبعد، وهو بدل اشتمال، والتقدير فيه: وهيهات تواصل خل بالعقيق. الإعراب: قوله: "فهيهات" الفاء للعطف، وهيهات بمعنى بعد وقد تنازع هو وهيهات الثاني في قوله: "العقيق". قال ابن يسعون: "العقيق" مرفوع بهيهات الثانية على إعمال الثاني، وفي الأول ضمير مرفوع بما أضمر قبل الذكر، ومن أعمل الأول فالعقيق مرفوع [بهيهات الأولى، والثاني مضمر فيه فاعله، وكان جعلهما معًا كالمركب فالعقيق مرفوع] (٢) بما يفيد مجموعهما. قوله: "وأهله": كلام إضافي عطف على العقيق، قوله: "وهيهات خِلٌّ": جملة من الفعل والفاعل، قوله: "بالعقيق" في موضع رفع على النعت لقوله: "خِلٌّ" أي: خل كائن بالعقيق، والباء بمعنى في، ويجوز أن يكون موضعها نصبًا على الحال من الهاء في تحاوله؛ لأن تحاوله في موضع رفع على أنها صفة لخل، ويجوز أن يكون موضعها نصبًا على الظرف، والعامل فيه ما في: "هيهات" من معنى الفعل أو تحاوله. الاستشهاد فيه: أن قوله: "فهيهات هيهات العقيق" ليس من باب التنازع خلافًا لأبي علي الفارسي-[﵀] (٣)، وعبد القاهر الجرجاني-[رحمه اللَّه تعالى] (٤)، فإنهما أثبتا فيه التنازع بالوجه الذي ذكرناه (٥)، ووجه المانعين عن ذلك أن الطالب للمعمول هو الأول، والثاني يكون تأكيدًا للأول.

стр. 984

الشاهد الثلاثون بعد الأربعمائة (١)، (٢) فَأَيْنَ إِلَى أَيْنَ النَّجَاءُ ببغلَتِي؟ … أَتَاكِ أَتَاكِ اللاحقوك احبسِ احبسِ أقول: هذا من الطويل. قوله: "النَّجَاء" بفتح النون وتخفيف الجيم وبالمد، معناه: الإسراع، يقال: نجوت نجاء، أي: أسرعت وسبقت. الإعراب: قوله: "فأين" الفاء للعطف وأين للاستفهام عن المكان، إذا قلت: أين زيد؟، فإنما تستفهم عن مكان وهو متعلق بمحذوف تقديره: فأين تذهب؟ معناه: لا مذهب لك، ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦]، قوله: "إلى أين؟ ": في محل الرفع على أنه خبر مقدم على المبتدأ المؤخر وهو قوله: "النجاء" فإنه مرفوع بالابتداء، وقوله: "ببغلتي": كلام إضافي يتعلق به. قوله: "أتاك أتاك": جملتان من الفعل والمفعول تنازعتا في قوله: "اللاحقوك" على ما نقرره الآن، ولما أضيف اللاحقون الذي هو جمع اسم فاعل إلى كاف الخطاب، سقطت نونه على ما هو الأصل، قوله: "احبس احبس": جملة من الفعل والفاعل والمفعول تقديره: احبس نفسك ونحوه، واحبس الثاني تأكيد للأول (٣). الاستشهاد فيه: في قوله: "أتاك أتاك اللاحقوك" فإنهما عاملان في اللفظ ولكن الثاني منهما لا يقتضي إلا التأكيد؛ إذ لو كان عاملًا لقيل: أتوك أتاك، أو: أتاك أتوك (٤).

стр. 985

واعلم أنهم اختلفوا في نحو: قام قام زيد، فقال بعضهم: زيد فاعل بهما؛ لأنهما بلفظ واحد ومعنى واحد فكأنهما عامل واحد، وقال بعضهم: بالأول فقط، وأما الثاني فإنه لا يحتاج (١) إلى فاعل؛ لأنه لم يؤت به للإسناد وإنما أتي به لمجرد التأكيد. وقال بعضهم: فاعل بأحدهما، وفاعل الآخر ضمير على أنهما تنازعاه فأعمل أحدهما وأضمر الآخر (٢)، والأصح القول الثاني، ودعوى التنازع بالبيت المذكور باطلة لما قلنا. فإن قلت: إذا كان الثاني تأكيدًا كما ذكرت فما العامل في اللاحقوك؟ هل الأول المؤكَّد أم الثاني المؤكِّد؟ قلت: جوز بعضهم أن يكون العاملان معًا عملًا فيه عملًا واحدًا، ولا يلزم فيه اجتماع عاملين على معمول واحد، من حيث أن الثاني لما كان تأكيدًا للأول جريا مجرى الشيء الواحد فكان الثاني هو الأول وليس غيره. وقال بعضهم: إن العامل هو الأول، والثاني ينزل منزلة حرف التأكيد؛ كاللام في قولنا: لزيد منطلق وغيره. فافهم والله تعالى أعلم. الشاهد الحادي والثلاثون بعد الأربعمائة (٣)، (٤) بِعُكَاظَ يُعْشِي النَّاظِرِيـ … ـنَ إذَا هُمُ لَمَحُوا شُعَاعُهْ أقول: قائلته هي عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ ، اختلف في إسلامها؛ فقال ابن إسحاق وجماعة من العلماء -رحمهم الله تعالى: لم يُسْلِمْ من عمات النبي ﷺ غير صفية، وقيل: إنها أسلمت وكانت تحت أبي أمية بن المغيرة المخزومي أبي أم سلمة، فولدت عبد الله، أسلم وله صحبة، وزهيرًا، وقرينة الكبرى.
следующие страницы →