← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 16738

الهداية في تخريج أحاديث البداية

أحمد بن الصديق الغماري

Полный текст (3 466 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ربا إلَّا في ذهب أو فضة، أو ما يكال أو يوزن مما يؤكل ويشرب" قال الدارقطني: (هذا مرسل، ووهم المبارك على مالك في رفعه إلى النبيّ ﷺ ، وإنما هو من قول سعيد بن المسيب) وقال ابن القطان: (المبارك بن مجاهد ضعيف ومع ضعفه فقد انفرد عن مالك برفعه والناس رووه عنه موقوفًا). قلت: وكذلك هو في الموطأ عن سعيد بن المسيب من قوله، فرفعه باطل جزمًا، ولهذا قال ابن حبان: (لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد)، وضعّفه قتيبة جدًا، وذكره ابن الجارود والدولابي، والعقيلي وابن عدي في الضعفاء.

стр. 2627

وأما اللفظ الثاني وهو: "وكذلك المكيال والميزان" فلم أره يذكر المكيال، وقد سبق عزوه إلى الصحيح بزيادة: "وكذلك الميزان" في حديث أبي سعيد وأبي هريرة دون ذكر المكيال، وقد بين الحفاظ أن هذه الكلمة ليست مرفوعة من كلام النبي ﷺ فقال البيهقي: (ويقال إن هذا اللفظ من جهة أبي سعيد الخدري قال: ويستدل على ذلك برواية داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري في احتجاجه على

стр. 2628

ابن عباس بقصة التمر قال: فقال رسول الله ﷺ : "أربيت إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعةٍ ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت" قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة فكان هذا قياسًا من أبي سعيد للفضة على التمر الذي روى فيه قصته، إلَّا أن بعض الرواة رواه مفسرًا مفصولًا، وبعضهم رواه مجملًا موصولًا). أما ابن حزم فأثبتها مرفوعة، ولكن بيَّن معناها بما يبطل التعلق بها. ١٣٥٦ - حديث عمرو بن العاص: "أنَّ رسولَ الله ﷺ أمَرُه أن يأخُذَ في قَلائصِ

стр. 2629

الصَّدَقةِ، البَعِيرَ بالبَعِيرَيْنِ إلى الصَّدَقَة". قلت: كذا وقع في الأصل عمرو بن العاص، وهو وهم من المصنف، والصواب عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه أحمد وأبو داود، والدارقطني، والحاكم؛ والبيهقي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "أنَّ رسول الله ﷺ أمره أن يجهّز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قِلاص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين الى إبل الصدقة". وفي لفظ للدارقطني: فقال رسول الله ﷺ : "اشتر لي إبلًا بقلائص غن الصدقة إذا جاءت حتى تؤدّي إليهم، فاشتريت البعير بالاثنين والثلاث قلائص، حتى فرغت، فأدّى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة". وفي لفظ له: "أنَّ النبي ﷺ أمره أن يُجهِّز جيشًا فنفدت الإبل، فأمرنا أن نأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة". وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) وأمَره الذهبي. وصحّحه غيرهما أيضًا وهو الحق. وطعن فيه ابن القطان للاضطراب الواقع فيه من ابن إسحاق وبجهالة بعض رواته. وليس الأمر كما قال، ثم إنه لم يقع له إلَّا من طريق ابن إسحاق وقد أخرجه الدارقطني والبيهقي من وجه آخر من رواية عمرو

стр. 2630

ابن شعيب عن أبيه عن جده، وصححه من هذا الوجه البيهقي، وهو كذلك لأن رجاله ثقات رجال الصحيح، فزال ما يخشى من اضطراب ابن إسحاق، وبانضمام روايته إلى هذا الطريق يزداد الحديث قوة ومتانة وصحة وله مع ذلك شواهد يطول ذكرها. فائدة: روى الطحاوي هذا الحديث وزاد في آخره: ثم نسخ ذلك. فروى من طريق أبي عمر الحرضي، ومن طريق الخصيب قالا حدثنا حماد بن سلمة عن محمد ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريث عن عبد الله بن عمرو به بالزيادة المذكورة وهي زيادة غريبة يجب النظر فيها من أين دخلت في الحديث وممن زادها فيه. ١٣٥٧ - حديث الحسن عن سَمُرَة: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الحَيَوَانِ بالحَيَوانِ نَسِيئَة". كذا هو لفظ الحديث وإن سقط من الأصل لفظ "نسيئة". أخرجه أحمد

стр. 2631

والدارمي وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وابن الجارود والطحاوي، والبيهقي وغيرهم، وقال الترمذي: (حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره). وقال البيهقي: (أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة) والسند عن الإمام الشافعي أنه قال: هذا الحديث غير ثابت عن رسول الله ﷺ . ١٩٥٨ - حديث جابر: "الحَيَوانُ اثْنان بِوَاحِدٍ، لا يَصْلُحُ النَّساءُ ولا بأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ".

стр. 2632

قال المصنف: رواه الترمذي. قلت هو كذلك رواه من طريق حجّاج بن أرطاة عن أبي الزبير عن جابر، وقال: (حديث حسن). ومن طريق حجّاج أيضًا أخرجه أحمد في المسند، وابن ماجه في السنن. ورواه الطحاوي في معاني الآثار من وجه آخر من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن أبي الزبير، ولفظه عن جابر: "أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى بأسًا ببيع الحيوان بالحيوان، اثنين بواحد، ويكرهه نسيئة". وفي الباب عن جابر بن سمرة وابن عمر وابن عباس. فحديث جابر بن سمرة رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، قال حدثني أبو إبراهيم الترجماني هو إسماعيل بن إبراهيم ثنا أبو عمر المقري عن سماك عن جابر بن سمرة: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". ورواه الطبراني في الكبير من وجه آخر من رواية داود بن مهران عن محمد بن الفضل بن عطية عن سماك به. وحديث ابن عمر رواه الطبراني في الكبير من طريق محمد بن دينار الطَّاحي عن يونس بن عبيد عن زياد بن جبير عن ابن عمر به مثل الذي قبله. ومحمد بن دينار

стр. 2633

مختلف فيه. وقد نقل الترمذي عن البخاري أنه قال: (إنما يروى هذا عن زياد بن جبير عن النبي ﷺ مرسلًا). وله طريق آخر رواه أحمد، والطبراني في الكبير، كلاهما من رواية أبي جناب الكلبي عن أبيه عن ابن عمر بمعناه في حديث مطول. وأبو جناب الكلبي ضعيف، ومع ضعفه فهو مدلس. وحديث ابن عباس رواه ابن حبان وابن الجارود في صحيحيهما، والطحاوي في معاني الآثار، والطبراني في الكبير والأوسط، والدارقطني، والبيهقي، وجماعة، كلهم من حديث معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". قال البيهقي: (هكذا رواه جماعة عن معمر موصولًا، وذلك وهم، والصحيح عن معمر عن يحيى عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا). ثم أخرجه من طريق الفريابي عن الثوري عن معمر به مرسلًا، ثم قال: (وكذلك رواه عبد الرزاق وعبد الأعلى عن معمر، وكذلك رواه علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا. قال: وروينا عن البخاري أنه وهن رواية من وصله). ثم أسند عن ابن خزيمة أنه قال: (الصحيح عند أهل المعرفة بالحديث أن هذا الخبر مرسل ليس بمتصل). وتعقّبه ابن

стр. 2634

التركماني فقال: (حاصله أنه اختلف على الثوري فيه فرواه عنه الفريابي مرسلًا، ورواه عنه الزبيري والذماري متصلًا، واثنان أولى من واحد، كيف وقد تابعهما أبو داود الحفري فرواه عن سفيان موصولًا، كذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه، فظهر بهذا أن رواية من رواه عن الثوري موصولًا أولى من رواية من رواه عنه مرسلًا، واختلف أيضًا على معمر فيه، فرواه عنه عبد الرزاق وعبد الأعلى مرسلًا على أن عبد الرزاق رواه أيضًا عنه موصولًا كما رأيت في نسخة جيدة من نسخ المصنف له، ورواه عن معمر ابنُ طهمان والعطار موصولًا، وتأيدت روايتهما بالرواية المذكورة عن عبد الرزاق وبما رجح من رواية الثوري، فظهر أن رواية من رواه عن معمر موصولًا أولى، ومعمر أحفظ من علي بن المبارك فروايته عن يحيى موصولًا أولى من رواية ابن المبارك عنه مرسلًا، وبالجملة فمن وصل حفظ وزاد فلا يكون من قصر حجة عليه، وقد أخرج البزار هذا الحديث وقال: ليس في هذا الباب حديث أجل إسنادًا منه) الخ. ما قال ابن التركماني وهو الحق الذي لا يشك فيه منصف، إلَّا أنهم إذا رأوا حديثًا معارضًا لما هو أرجح منه في نظرهم حاولوا تضعيف المرجوح بما لا يكاد يوافق أصلًا من الأصول، بل ولا قولًا من الأقوال، واعتمدوا في طعنهم على مجرد الرأي والاستحسان، وأشد الناس في ذلك المقلدة عند نصرة مذهبهم، وفي مقدمتهم ابن التركماني نفسه فهو إنما صرح بالحق وتمشى مع الأصول والقواعد لكون الحديث موافقًا لمذهبه وإلا لرأيت منه العجب العجاب من التحريف والروغان واللف والدوران، وأيا ما كان فالحق في هذا الحديث أنه صحيح، وخلاف هذا لا يسمع من المتفوه به كائنًا من كان، وبعد هذا فليفزع إلى الجمع والترجيح بينه وبين النص المبيح السابق.

стр. 2635

١٣٥٩ - قوله: قال ابن المنذر: ثبت "أنَّ رسُولَ الله ﷺ اشْتَرى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ أسْوَدَيْن". و"اشْتَرى جارِيةً بِسَبْعَةِ أرْؤسٍ". أما شراء العبد بالعبدين فرواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن الجارود، والبيهقي من حديث جابر بن عبد الله قال: "جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة ولم يشعُرْ أنه عبد، فجاء سيِّدُه يريده، فقال له النبيُّ ﷺ بعْنِيه، فاشتراه بعبدَيْن أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله أعبد هو" ولفظ ابن الجارود عن جابر: "أن النبي ﷺ اشترى عبدًا بعبدين أسودين".

стр. 2636

وأما حديث الجارية فرواه الطيالسي، وأحمد، ومسلم، وابن ماجه وابن الجارود والبيهقي من حديث أنس: "أن رسول الله ﷺ اشترى صبية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي". ١٣٦٠ - حديث: "لا تَبِيعُوا مِنْها غائبًا بِناجِزٍ". متفق عليه من حديث أبي سعيد قال، قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلَّا مِثْلًا بِمِثْل، ولا تُشِفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِق بالوَرِق إلَّا مِثْلًا بمِثْل ولا تُشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبًا بناجِز".

стр. 2637

١٣٦١ - حديث: "لا تَبِيعُوا البُرَّ بالبُرِّ والشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ". تقدم معناه في حديث عبادة بن الصامت وغيره. ١٣٦٢ - قوله: وأيضًا فإن في بعض طرق حديث عبادة بن الصامت: "وَبِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ، والمَلْحَ بالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" قال المصنف: ذكره عبد الرزاق ووكيع عن الثوري، وصحح هذه الزيادة الترمذي.

стр. 2638

قلت: تقدم عزو هذه الزيادة عقب حديث عبادة. ١٣٦٣ - حديث: "الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ".

стр. 2639

تقدم من حديث معمر بن عبد الله عند أحمد، ومسلم وغيرهما.

стр. 2640

١٣٦٤ - حديث مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المُسَيِّب: "أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بيْعِ الحَيَوانِ باللَّحْمِ". هو كذلك في الموطأ، وأخرجه أيضًا الشافعي، وأبو داود في المراسيل، والدارقطني والحاكم، والبيهقي، وغيرهم، من طريق مالك، ومن طريق غيره أيضًا. قال ابن عبد البر: (لا أعلمه يتصل من وجه ثابت، وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا، إلَّا ما حدثنا خلف بن القاسم ثنا محمد بن عبد الله بن أحمد حدثنا أبي ثنا أحمد بن حماد بن سفيان الكوفي ثنا يزيد بن عمرو الغنوي ثنا يزيد بن مروان ثنا مالك

стр. 2641

عن ابن شهاب عن سهل بن سعد قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع اللحم بالحيوان" قال: وهذا حديث إسناده موضوع لا يصح عن مالك ولا أصل له في حديثه). قلت: ويزيد بن مروان كذاب وضاع، وقد أخرجه الدارقطني في السنن من طريقه أيضًا وقال: (تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإِسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلًا). وأخرجه من طريقه أيضًا أبو نعيم في الحلية وقال: (تفرد به يزيد بن عمرو عن يزيد بن مروان). وقال البيهقي في السنن عقب مرسل ابن المسيب: (هذا هو الصحيح، ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد مرفوعًا وغلط فيه). قلت: يلام البيهقي على هذه العبارة ولابد فإنه لا معنى للحكم بالغلط على رجل كذبوه واتهموه بالوضع. ثم إن قول ابن عبد البر: (لا أعلمه يتصل من وجه ثابت) متعقب بوروده متصلًا من حديث سمرة وابن عمر. فحديث سمرة أخرجه الحاكم في المستدرك من رواية الحسن عنه: "أن

стр. 2642

النبي ﷺ نهى عن بيع الشاة باللحم" ثم قال: (صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة). وأخرجه البيهقي من طريق ابن خزيمة أنه سئل عن بيع مسلوخ بشاة فقال: ثنا أحمد بن حفص السلمي حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن الحسن عن سمرة: "أن النبي ﷺ نهى أن تباع الشاة باللحم" قال البيهقي: (هذا إسناد صحيح ومن أثبت سماع الحسن من سمرة عده موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يضم إلى مرسل سعيد بن المسيب والقاسم بن أبي بزة). وحديث ابن عمر رواه البزار من حديث ثابت بن زهير عن نافع عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان". وثابت بن زهير منكر الحديث. وفي الباب مرسلان آخران: أحدهما رواه الطبراني في الكبير برجال الصحيح عن عبيد بن نضلة الخزاعي: "أن رجلًا نحر جزورًا فاشترى منه رجل عشيرًا بحقة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فرده" قال أبو نعيم: (قال فيه بعض أصحابنا عن سفيان قال فيه إلى أجل). لكن رواه أيضًا بلفظ آخر عنه قال: "أصاب الناس جهد شديد

стр. 2643

على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فعشر رجل بعيرًا له عشرًا ثم قال: من أحب أن يأخذ عشيرًا من هذا اللحم بقلوص إلى حبل الحبلة، فأخذ الناس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر أن يرد، فرد البيع" ورجاله رجال الصحيح أيضًا. وبينت هذه الرواية أن الأولى وقع فيها اختصار.

стр. 2644

ثانيهما رواه البيهقي من طريق الشافعي أنا مسلم عن ابن جريج عن القاسم ابن أبي بزة قال: قدمت المدينة فوجدت جزورًا قد جزرت فجزئت أربعة أجزاء، كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال لي رجل من أهل المدينة: "إن رسول الله ﷺ نهى أن يباع حي بميت" سألت عن ذلك الرجل فأخبرت عنه خيرًا.

стр. 2645

١٣٦٥ - حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: "سمعت رسول الله ﷺ يسأل عن شراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ : أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك". عزاه في الأصل لمالك، وهو كذلك رواه مالك عن عبد الله بن يزيد أن زيدًا أبا عيّاش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسُّلْت؟ فقال سعد: أيتهما أفضل؟ قال البيضاء. فنهاه عن ذلك. وقال سعد: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل، وذكره. ومن طريق مالك رواه الشافعي والطيالسي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطحاوي والدارقطني والحاكم

стр. 2646

والبيهقي، وقال الترمذي: (حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح لإجماع أئمة النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه من الحديث، إذ لم يوجد في رواياته إلَّا الصحيح خصوصًا في حديث أهل المدينة، ثم لمتابعة هؤلاء الأئمة إياه في روايته عن عبد الله بن يزيد، والشيخان لم يخرجاه لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش). قلت: سيأتي تمام الكلام على هذا الحديث في الذي بعده. ١٣٦٦ - قوله: والحديث أيضًا اختلف الناس في تصحيحه ولم يخرجه الشيخان. قال الطحاوي: خولف فيه عبد الله، فرواه يحيى بن أبي كثير عنه: "أنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بيْعِ الرُّطَبِ بالتَمْرِ نَسِيئَةً". وقال: إن الذي يروى عنه هذا الحديث عن سعد بن أبي وقاص هو مجهول.

стр. 2647

قلت رواية يحيى بن أبي كثير رواها أبو داود والطحاوي في معاني الآثار والدارقطني والحاكم والبيهقي، كلهم من رواية معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن يزيد به، أما الحاكم فرواه من جهة حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير به. وقال الطحاوي: هذا أصل الحديث فيه ذكر النسيئة، زاده يحيى بن أبي كثير على مالك بن أنس فهو أولى، وقد روى هذا الحديث أيضًا غير عبد الله بن يزيد على مثل ما رواه يحيى بن أبي كثير أيضًا، حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله حدثه عن عمران بن أبي أنس أن مولى لبني مخزوم حدثه: "أنه سئل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: نهانا رسول الله ﷺ عن هذا". قال: فهذا عمران بن أبي أنس، وهو رجل متقدم معروف، قد روى هذا الحديث كما رواه يحيى بن أبي كثير، فكان ينبغي أن يكون حديث عبد الله بن يزيد، لما اختلف عنه فيه، أن يرتفع ويثبت حديث عمران هذا، فيكون النهي الذي جاء في حديث سعد إنما هو لعلة النسيئة لا لغير ذلك، هـ.

стр. 2648

وخالفه الدارقطني والبيهقي، فقال الدارقطني عقب رواية يحيى بن أبي كثير: (خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد، رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا فيه نسيئة، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس). زاد البيهقي بعد إسناده هذا الكلام عن الدارقطني: (والعلة المنقولة في هذا الخبر تدل على خطأ هذه اللفظة، وقد رواه عمران بن أبي أنس عن أبي عياش نحو رواية الجماعة) ثم أسند من طريق الربيع بن سليمان ثنا عبد الله بن وهب أخبرني مخرمة بن بكير عن أبيه عن عمران بن أبي أنس قال: سمعت أبا عياش يقول: "سألت سعد بن أبي وقاص ﵁ عن اشتراء السلت بالتمر؟ فقال سعد: أبينهما فضل؟ قالوا: نعم. قال: لا يصلح. وقال سعد: سئل رسول الله ﷺ عن اشتراء الرطب بالتمر؟ فقال رسول الله ﷺ : أبينهما فضل؟ قالوا: نعم الرطب ينقص، فقال رسول الله ﷺ : فلا يصلح". وتعقبه ابن التركماني فقال: (أخرج أبو داود رواية يحيى ثم قال عقبها: رواه عمران

стр. 2649

ابن أبي أنس عن مولى بني مخزوم عن سعد نحوه. وظاهر هذا أن عمران رواه كرواية يحيى وعلى خلاف رواية الجماعة، ويوضح ذلك ما ذكره الطحاوي في مشكل الحديث فقال: حدثنا يونس ثنا ابن وهب الحديث السابق. ثم قال: فظهر بهذا أن عمران رواه على موافقة رواية يحيى ومخالفة رواية الجماعة، وهذا السند أجل من السند الذي ذكره البيهقي، يونس هو ابن عبد الأعلى حافظ احتج به مسلم وهو أجل من الربيع، وهو المرادي، لأنه كان في عقله شيء حكاه ابن أبي حاتم عن النسائي ولم يخرج له صاحبا الصحيح، وعمرو بن الحارث المصري الراوي عن بكير حافظ جليل وهو أجل من مخرمة بن بكير بلا شك لأن مخرمة ضعفه ابن معين وغيره، وقال ابن حنبل وابن معين: لم يسمع من أبيه إنما وقع له كتابه، ومالك قد اختلف عليه في سند الحديث كما ذكره البيهقي، واختلف أيضًا على إسماعيل فروى عنه نحو رواية مالك، ذكره البيهقي وغيره، وروى الطحاوي عن المزني عن الشافعي عن ابن عيينة عن إسماعيل عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش الزرقي عن سعد الحديث، قال الطحاوي: وهذا محال، أبو عياش الزرقي صحابي جليل وليس في سنن عبد الله بن يزيد لقاء مثله، واختلف أيضًا على أسامة فرواه عنه ابن وهب نحو رواية مالك، ورواه الليث عن أسامة وغيره عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة، وفي أطراف المزي رواه زياد بن أيوب عن علي بن غراب عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد عن أبي عياش عن سعد موقوفًا، ولم يذكر

стр. 2650

الدارقطني ولا غيره فيما علمنا سند رواية الضحاك لينظر فيه، ولو سلم حديث هؤلاء من الاختلاف كان حديث يحيى بن أبي كثير أولى بالقبول من حديثهم لأنه زاد عليهم وهو إمام جليل، وزيادة الثقة مقبولة، كيف وفي رواية عمران بن أبي أنس التي ذكرناها ما يقوي حديثه وتبين أنه لم ينفرد به، ويظهر من هذا كله أن الحديث قد اضطرب اضطرابًا شديدًا في سنده ومتنه، وزيد مع الاختلاف فيه هو مجهول لا يعرف، كذا قال ابن حزم وغيره، وأخرج صاحب المستدرك هذا الحديث من طرق منها رواية يحيى ثم صحّحه ثم قال: لم يخرجه الشيخان لما خشيا من جهالة زيد، وفي تهذيب الآثار للطبري علل الخبر بأن زيدًا انفرد به وهو غير معروف في نقلة العلم) انتهى كلام ابن التركماني. وهو تطويل بتهويل وتمويه بتحويل، فإن أحدًا من العقلاء فضلًا عن أهل الحديث لا يقول بتقديم رواية الواحد على الجماعة خصوصًا وفي الجماعة مالك، وهو عكس القضية، وجعل رواية الواحد في مقابلة الجماعة التي فيها مالك مقدمة. وبطلان هذا لا يشك فيه ابن التركماني فضلًا عن أن يخفى عليه. أضف إلى هذا أن ما تضمنته رواية الجماعة قد صح متواترًا عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة خرجت أحاديثهم في الصحيح معرفة "بأنه ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر" الأول بمثلثة والثاني بمثناة، وهو معنى "نهيه ﷺ عن بيع الرطب بالتمر" الذي رواه مالك وموافقوه، فالثمر بمثلثة شامل للرطب وغيره من الفواكه الرطبة، ولهذا احتج بها ابن حزم على هذه الصورة المذكورة في حديث مالك مع إعراضه عن هذا الحديث لعدم

стр. 2651

صلاحيته للاحتجاج في نظره لكونه لم يعرف زيدًا أبا عياش، فرد حديثه لجهالته عنده مع أنه ليس كذلك، فالأحاديث المذكورة شاهدة لحديث الباب ومقوية له ومرجحة لقول مالك وموافقيه على قول يحيى بن أبي كثير وزيادته. وأيضًا فقد صرح الطحاوي وابن حزم وغيرهما بتواتر أحاديث النهي عن المزابنة. والمزابنة هي بيع الثمر بالتمر كيلًا وحتى لو قلنا بقول أبي حنيفة في تفسيرها وأنها بيع التمر في رؤوس النخل، فالأحاديث الأخرى المفسرة لها بما قلنا فيها زيادة، والزيادة يجب قبولها من الثقة فضلًا عن جماعة الصحابة الذين فسروها لمجرد بيع الثمر بالتمر بدون قيد كونه في رؤوس النخل لأن تلك إنما هي صورة من صوره التي كانت تقع غالبًا أيام وجود الرطب. وأيضًا فإن العلة التي ذكرها البيهقي قاطعة في بطلان رواية يحيى بن أبي كثير وتحقيق دخول الوهم فيها وبتصحيح رواية مالك والجماعة لأن النبي ﷺ سأل عن الرطب أينقص إذا جف؟ فلما أجيب بذلك قال: فلا إذًا، فنصّ على أن النقص الموجب للتفاضل هو العلة. ولو كانت العلة هي التأخير والنسيئة لما سأل عن ذلك ولذكر النهي عن النسيئة من أول مرة، وهذا قاطع واضح. ولذلك أضرب عنه ابن التركماني لعدم إمكان الجواب عنه. ثم نعود إلى باقي تمويهاته فنقول: أما تقديمه رواية يونس بن عبد الأعلى على الربيع

стр. 2652

ابن سليمان المرادي، لأن يونس أحفظ وأجل من الربيع المرادي، فمردود لأن كلًا من الربيع ويونس حافظ ثقة في درجة واحدة إن لم يكن الربيع أجل من يونس لأن الربيع هو رواية كُتب الإمام الشافعي، والمزني مع جلالته أخذ ما فاته سماعه من الشافعي من كتاب الربيع ولم يأخذ عن يونس بن عبد الأعلى، وأيضًا فيونس بن عبد الأعلى قد عدوا من منكراته حديث: "لا مهدي إلا عيسى" واتهمه الذهبي بالتدليس ولم يقع مثل ذلك في حق الربيع. وأما قوله: (في عقله شيء) فهي عبارة فاسدة موهمة أن في عقله خللًا، وليس كذلك، إنما قالوا: كانت فيه غفلة يعني في أمور الدنيا، لا في العلم والحفظ، فإنهم اتفقوا على وصفه بالثقة والثبت والإتقان، والغفلة في أمور الدنيا غير ضائرة، لأن ذلك كان وصف كثير من العلماء، ولاسيما الصالحين والأتقياء، وقد قال النبي ﷺ : "إن أكثر أهل الجنة البله" كما قال الطحاوي في مشكل الآثار: حدثني محمد بن عزيز الأيلي ثنا سلامة بن روح عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن أنس عن النبي ﷺ . وأما قوله: (إن الربيع لم يخرج له صاحبا الصحيح) فتمويه ليس وراءه متنفس، فإنه ليس كل الثقات روى لهم صاحبا الصحيح، ولا كل من أعرضا عنه ليس بثقة، بل فيمن لم يرويا عنه وتركاه من هو أجل بكثير ممن رويا عنه كأئمة أهل البيت ﵃ وأمثالهم. وهذا إمامه أبو حنيفة لم يرويا عنه، وزادا هم وغيرهم التصريح بضعفه مع عدم الرواية عنه، فهل يرى أنه ضعيف من أجل ذلك، أو أن رواية غيره ممن خرجا له مقدمة على روايته. وهذا يونس بن عبد الأعلى نفسه قد روى له مسلم، وأعرض

стр. 2653

عنه البخاري الذي هو أعلى وأجل من مسلم بالاتفاق، فهل ذلك يكون دليلًا على سقوط روايته عند التعارض، إذا كان كذلك فرواية مالك وموافقيه الذين اتفقا على الرواية عنهم مقدمة على رواية يونس لهذا الحديث. وأما قوله في عمرو بن الحارث: (أنه أجل من مخرمة بن بكير، وأن مخرمة ضعفه ابن معين) فليس كذلك، بل عمرو بن الحارث ومخرمة في درجة واحدة أيضًا وإن كان ابن معين ضعف مخرمة، فإن أحمد بن حنبل ضعف عمرو بن الحارث وقال: (قد كان عمرو عندي ثقة ثم رأيت له مناكير)، وقال في موضع آخر: (يروي عن قتادة أشياء يضطرب فيها ويخطئ)، فإن كان كلام ابن معين ضائرًا لمخرمة بن بكير، فكلام أحمد ضائرًا لعمرو بن الحارث، فهما سواء. وقوله: إن ابن حنبل وابن معين قالا: لم يسمع من أبيه إنما وقع له كتابه، فهذا من أغث ما وقع لأهل الحديث من الكلام وأسقط ما صدر عنهم من الرأي في التجريح، بل هو كلام يجب أن لا ينظر فيه

стр. 2654

العاقل ويعده من هفوات أهل الحديث ولغوهم الباطل الذي يمر به كريمًا ولا يلتفت إليه، فإن رواية الرجل من كتاب أبيه الموثوق به أنه كتابه وخطه أعلى وأجل من الرواية عنه بالسماع، لأن الحفظ قد يخون، بل هو الواقع، وما حصل هذا الخلاف الكثير والاضطراب الشديد في متون الأحاديث من الأقدميين إلَّا من خيانة حفظهم لهم لكونهم كانوا لا يكتبون غالبًا اعتمادًا على حفظهم، ولذلك لا يوجد مثل ذلك في المتأخرين أصلًا، بل والسماع نفسه يحصل فيه ما يحصل من الوهم، لاسيما في مجلس الإملاء، مع كثرة الرواة وبعد السامع من الحافظ المملي بخلاف كتابة الذي بخطه، فالتعليق بهذا في رد الأحاديث ضرب من الجنون والنطق بالمحال الباطل، فإنه لو كان ذلك دليل الضعف لما صحّ لنا ولا لمن قبلنا بأزيد من ألف سنة حرف واحد من العلم ولا من الحديث ولا من الفقه ولا من التفسير ولا من اللغة ولا من الجرح والتعديل ولا من غير ذلك، لأن كل ما عندنا من ذلك نقل من الكتب لا سماع، ثم ليس هو نقلًا من خطوط أصحاب الكتب كرواية مخرمة من خط أبيه بل من خطوط الغير المتكررة البعيدة عن تاريخ المصنفين.

стр. 2655

وأما قوله: (ومالك قد اختلف عليه في سند الحديث كما ذكره البيهقي) فأعجب من كل هذا، إذ يدل على وقاحة فاضحة، فإن البيهقي أسند عن علي بن المديني أنه قال: حدثناه أبي عن مالك أنه حدثه عن داود بن الحصين عن عبد الله بن يزيد فذكره، قال علي: (وسماع أبي من مالك قديم قبل أن يسمعه هؤلاء، فأظن أن مالكًا كان علقه قديمًا عن داود بن الحصين عن عبد الله بن يزيد ثم سمعه من عبد الله فحدث به قديمًا عن داود ثم نظر فيه فصححه عن عبد الله بن يزيد وترك داود بن الحصين). فقد بين علي بن المديني، إمام أهل الحديث في معرفة علل الحديث، وجه هذه الرواية التي حدثه بها أبوه عن مالك، فأعرض ابن التركماني عن ذلك وجعلها اضطرابًا في حديث مالك. ولو كان الأمر منحصرًا في هذا لكان هينًا، ولكن عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني الذي انفرد بهذه الرواية كذاب وضاع متفق على ضعفه وترك حديثه، فكيف يعتبر ما انفرد به في مخالفة جمهور ثقات الرواة عن مالك، ولو أن

стр. 2656

البيهقي اعتمده في حكاية مثل هده لأجلب ابن التركماني عليه بخيله ورجله ولملأ الدنيا صياحًا عليه، ولكان الحق بيده لو فعل ذلك البيهقي، ولكن الفاعل لذلك الآن هو ابن التركماني. وأما ذكره الاختلاف على إسماعيل بن أمية في الحديث أيضًا بما نقله عن الطحاوي في أبي عياش الزرقي، فذلك خطأ من الطحاوي، إذ لم يعرف أن أبا عياش الزرقي رجلان: أحدهما صحابي قديم مختلف في اسمه، قيل زيد بن الصامت وقيل ابن النعمان وقيل اسمه عبيد، وقيل عبد الرحمن بن معاوية. والثاني تابعي اسمه زيد بن عياش، لم يختلف في اسمه، وكنيته أبو عياش الزرقي، ويقال المخزومي، وقد فرق بينهما أبو أحمد الحاكم ونبّه الحافظ في التهذيب على كلام الطحاوي. وأما ذكره الاختلاف على أسامة بن زيد أيضًا بأن الليث رواه عنه وعن غيره عن عبد الله بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، موجود الغير معه صارف لوجود الاختلاف منه إلى ذلك الغير فلعل الليث أحال روايته على رواية ذلك الغير فلا يتحقق نسبة الاختلاف إليه سلمنا فلا مانع إذًا أن يكون لعبد الله بن يزيد فيه طريقان. فإن هذا المعنى مشهور متواتر عن رسول الله ﷺ رواه عنه الجمع الغفير من أصحابه كابن عمر وأبي هريرة وسهل بن حثمة ورافع بن خديج إلى أزيد من عشرة من الصحابة. فأي مانع أن يسمعه عبد الله بن يزيد من الطريقين، ولو شئنا لقلنا

стр. 2657

كما قال هو في رواية الضحاك بن عثمان وطالبناه بعزو رواية الليث وذكر السند إليه حتى ننظر فيه، بل مطالبته هو بذلك أولى من مطالبة الدارقطني كما فعل هو معه. وأما كون زياد بن أيوب رواه عن علي بن غراب عن أسامة به موقوفًا على سعد، فعلي بن غراب فيه ضعف واختلاف، وعلى فرض الاتفاق على ثقته فأكثر أحاديث الصحيحين رواها الأقدمون: مالك وشعبة وعبد الرزاق وابن أبي شيبة ووكيع وحماد بن سلمة وأمثالهم موقوفة، بل كان الأقدمون ينصرون وقف الأحاديث احتياطًا فلم يعلل أحد أحاديث الصحيحين برواية أولئك الأئمة لها موقوفة. ولئن كان علي بن غراب أوقف الحديث فقد رفعه الثقات والقول قول الرافع لأن معه زيادة. وأما زعمه أن زيدًا مجهول، تقليدًا لمن سبقه إلى ذلك، فقد سبق الحفاظ إلى الرد على من وصفه بذلك فقال الخطابي في معالم السنن: (قد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص، وقال زيد أبو عياش ضعيف -يعني مجهولًا- وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش هذا مولى بني زهرة معروف، وقد ذكره مالك في الموطأ، وهو لا يروي عن رجل متروك الحديث بوجه، وهذا من شأن مالك وعادته معلوم، وقد روى أبو داود مثل حديث سعد من طريق ابن عمر). وقال ابن الجوزي في التحقيق: (قال أبو حنيفة: زيد أبو عياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه فقد

стр. 2658

عرفه أئمة النقل). وقال الحافظ زكي الدين المنذري: (حكي عن بعضهم أنه قال: زيد أبو عياش مجهول، وكيف يكون مجهولًا وقد روى عنه اثنان ثقتان: عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان وعمران بن أبي أنس، وهما ممن احتج لهم في صحيحه، وقد عرفه أئمة هذا الشأن، فالإمام مالك قد أخرج حديثه في الموطأ مع شدة تحريه في الرجال ونقده وتتبعه لأحوالهم. والترمذي قد صحّح حديثه، وكذلك الحاكم في المستدرك، وقد ذكره مسلم في كتاب الكُنى، وكذلك ذكره النسائي في كتاب الكُنى، وكذلك ذكره الحافظ أبو أحمد الكرابيسي في الكنى، وذكروا أنه سمع من سعد بن أبي وقاص وما علمت أحدًا ضعفه) هـ. وقال الحافظ: ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديثه المذكور، وقال فيه الدارقطني: ثقة. ثم ذكر كلام الحاكم السابق في تصحيح هذا الحديث عقب عزوه. قلت: وسيأتي في الذي بعده توثيق ابن التركماني للعالية امرأة أبي إسحاق،

стр. 2659

وهي مثل أبي عياش ما قيل فيها يقال فيه ولا فارق، وكم لها من نظير في كلامه. ١٣٦٧ - حديث العالية عن عائشة أنّها سمعتها وقد قالت لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم: "يا أمَّ المؤمنين إِنَي بِعْتُ من زيد عبدًا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاجَ إلى ثمنِهِ فاشتريتُهُ منهُ قبل مَحلِّ الأجَلِ بستمائة، فقالت عائشة: بِئْسَما شَرَيْتِ وبِئْسَما اشتَرَيْتِ، أبلِغي زَيْدًا أئه قَدْ أبطل جِهَادَهُ مَعَ رسولِ الله ﷺ إنْ لمْ يتُبْ، قالت: أرأيت إنْ تركت وأخذتُ الستمائة دينار؟ قالت: نعمْ، فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَى فَلَهُ ما سَلَفَ. عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد والدارقطني والبيهقي من رواية أبي إسحاق عن امرأته العالية به، ورواة طلحة بن محمد والحسين بن خسرو في

стр. 2660

مسنديهما لأبي حنيفة من رواية أبي حنيفة عن أبي إسحاق فقال عن امرأة أبي السفر أن امرأة قالت لعائشة بالحديث. وقال الدارقطني: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما. قلت: وهذا عجيب من الدارقطني جدًا، فإِن أم محبة لا دخل لها في الحديث من جهة الرواية، وإنما وقع ذكرها في الحديث على أنها صاحبة القصة مع زيد بن أرقم، فوقع عند الدارقطني من رواية يونس بن أبي إسحاق، عن أُمه، العالية بنت أيفع قالت: "خرجت أنا وأم محبة إلى مكة، فدخلنا على عائشة فقالت لنا: من أنتن؟ قلنا: من أهل الكوفة، قالت فكأنها أعرضت عنا، فقالت لها أم محبة: يا أم المؤمنين، كانت لي جارية وأني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه" الحديث. ولهذا أحجم البيهقي عن نقل كلام الدارقطني مع أنه ينقل كل ما أعلّ به الأحاديث في سننه، وقد قال ابن الجوزي في "التحقيق": (قالوا: العالية مجهولة لا يقبل خبرها، قلنا: بل هي امرأة معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في "الطبقات" فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي

стр. 2661

سمعت عائشة). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: العالية معروفة روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في الثقات من التابعين، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وابن حنبل والحسن بن صالح الخ.

стр. 2662

قلت: وقد قال الذهبي: (ما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها). ذكر ذلك في الميزان، وهو من أهل الاستقراء التام في الرواة، وقد سكت على هذا الحديث في تهذيب سنن البيهقي ولم يعله بالعالية المذكورة. تنبيه: سبق أن أبا حنيفة قال في هذا الحديث عن أبي إسحاق عن امرأة أبي السفر: أن امرأة قالت لعائشة، وذلك وهم منه في الحديث. والصواب ما قاله سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن امرأته العالية: أن امرأة أبي السفر باعت جارية من زيد بن

стр. 2663

أرقم، الحديث، ذكره البيهقي، فامرأة أبي السفر هي أم محبة المذكورة. ١٣٦٨ - حديث ابن عباس: "أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا أمرَ بإخراجِ بَني النَّضِيرِ جاءَهُ ناسٌ مِنْهُم فقالُوا: يا نَبيَّ الله إنَّكَ أمَرْتَ بإخْراجِنا ولنا على الناسِ ديون لمْ تحل، فقالَ رسولُ الله ﷺ : ضَعُو وَتَعَجَّلُوا". الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن من حديث مسلم بن خالد الزنجي عن محمد بن علي بن يزيد بن ركانة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس به مثله، وقال البيهقي: (إنه ضعيف) أي لضعف مسلم بن خالد الزنجي وقال سعيد بن منصور ثنا سفيان عن عمرو بن دينار: "أن ابن عباس كان لا يرى بأسًا أن يقول اعجل لك وتضع عني".

стр. 2664

١٣٦٩ - حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "مَنْ ابْتاعَ طَعامًا فَلا يَبِعْهُ حتَّى يَقْبَضَهُ". هو عند مالك في الموطأ ولكن بلفظ: "حتى يستوفيه". ورواه أيضًا أحمد والدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وآخرون من طريق مالك عن نافع، ومن طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ولفظ عبد الله بن

стр. 2665

دينار: "حتى يقبضه" إلَّا أن البخاري قال في رواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك: "حتى يقبضه" وكذلك قال الدارمي عن خالد بن مخلد عن مالك.
следующие страницы →