٦ - باب
القرض: دفع مال إرفاقًا لمن ينتفع به، ويردُّ بدله. . . . . .
ــ
باب القرض
قال في المطلع (١): "القرض: مصدر قرض الشيء يقرِضه بكسر الراء: إذا قطعه، والقرض أيضًا اسم مصدر بمعنى الإقراض.
وقال الجوهري (٢): القرض: ما يقطعه (٣) من المال ليقضاه.
والقرض بالكسر: لغة هذيل، حكاه الكسائي (٤)، وقال الواقدي (٥): القرض
стр. 1367
من (١) المرافق المندوب إليها، ونوع من اليسلف، فإن قال مُعطٍ: "ملَّكتُك"، ولا قرينة على ردِّ بدل، فقول آخذ بيمينه: "إنه هبة".
وشُرط علم قدره، ووصفه، وكون مُقْرِضٍ يصح تبرعه، ومن شأنه أن يصادف ذمة. . . . . .
ــ
اسم لكل ما يلتمس منه الجزاء، يقال: أقرض فلان فلانًا إذا أعطاه ما يتجازاه منه، والاسم منه القرض، وهو ما أعطيته لتكافئ عليه، هذا إجماع أهل اللغة".
* قوله: (من المرافق) جمع مَرْفِق بفتح الميم مع كسر الفاء وفتحها ما ارتفقت (٢) به وانتفعت، مطلع (٣).
* قوله: (وشرط علم قَدْره)؛ أيْ: القرض بمعنى المال المدفوع، فيحتمل الاستخدام.
* قوله: (ومن شأنه) قال بعض الأصحاب (٤): "أيْ: من شرطه". واعتُرِضَ هذا بالاقتراض على مثل جهة الوقف (٥).
стр. 1368
ويصح في كل عين يصح بيعها إلا بني آدم.
ويتم بقبول، ويُملك ويلزم بقبض، فلا يملك مقرض استرجاعه إلا إن حُجر على مقترض لفلس، وله طلب بدله.
ــ
وانظر لم ارتكبوا هذا مع تفسير أهل اللغة لما من شأنه كذا: بما العادة (١) فيه، أو: ما يمكن ذلك فيه.
* قوله: (في كل عين)؛ أيْ: لا منفعة، خلافًا للشيخ تقي الدين (٢)، وبالأول صرح صاحب الانتصار (٣)، وعليه أكثر الأصحاب (٤).
* قوله: (إلا بني آدم) قالوا: لما فيه من البذلة، والامتهان (٥)، قال شيخنا: "المصحف على هذا أولى في ذلك".
* قوله: (ويتم بقبول) فلو قال له: أقرضتك هذه المئة دينار، فقال: قبلت، تم العقد ولم يلزم، فلو تلفت فهي من ضمان المقرض؛ لأنها أمانة بيده.
* قوله: (ويملك ويلزم بقبض) قال في شرحه (٦): "كهبة".
قال شيخنا (٧): "هذا لا يظهر إلا على قول ضعيف في الهبة، من أنها تملك
стр. 1369
وإن شَرَطَ ردَّه بعينه لم يصح، ويجب قبول مِثْليٍّ رُدَّ، ما لم يتعيَّب، أو يكن فلوسًا، أو مكسرة، فيحرِّمها السلطان، فله قيمته وقت قرض من غير جنسه، إن جرى فيه ربا فضل، وكذا ثمن لم يُقبض، أو طلب ثمن بردِّ مبيع.
ويجب ردُّ مثل فلوس غلَت أو رخصت أو كسدت، ومثل مكيل أو موزون، فإن أعوَز (١) فقيمته يوم إعوازه. . . . . .
ــ
بالقبض (٢)، [والصحيح الذي مشى عليه في بابها أنها تملك بالعقد وتلزم بالقبض] (٣) "، أقول: يمكن حمل كلامه على ما هو الصحيح بجعل التشبيه في جانب اللزوم فقط، فتدبر!.
* قوله: (أو مُكَسَّرَة)؛ أيْ: مثلًا، فيشمل الدراهم المقصوصة وغيرها.
* قوله: (من غير جنسه. . . إلخ)؛ أيْ: وتكون القيمة من غير جنسه إن جرى في أخذها من جنسه ربا فضل، كما لو اقترض حلي فضة قيمته أكثر من وزنه، فيعطى قيمته من الذهب.
* قوله: (وكذا ثمن لم يقبض) أعم من أن يكون معينًا أو في الذمة، فهو أولى من تقييد بعض الأصحاب (٤) الثمن بما إذا كان معينًا.
* قوله: (بردِّ مبيع) لفسخ، أو تقايُل.
* قوله: (أو كسدت) لا إن حرمت -كما سبق-.
стр. 1370
وقيمة غيرهما، فجوهر ونحوه يوم قبض، وغيره يوم قرض، ويُردُّ مثل كيل مكيل دُفع وزنًا.
ويجوز قرض ماء كيلًا، ولسقي مقدرًا بأنبوبة أو نحوها، وزمن من نَوْبَة غيره ليردَّ عليه مثله من نوبته، وخبز وحمير عددًا، وردُّه عددًا بلا قصد زيادة.
ويثبت البدل حالًّا ولو مع تأجيله، وكذا كل حالٍّ أو حَلَّ.
ويجوز شرط رهن فيه وضمين، لا تأجيل، أو نقص في وفاء أو جرِّ نفع، كأن يُسكنه داره، أو يقضيه خيرًا منه أو ببلد آخر. . . . . .
ــ
* قوله: (غيرهما)، أيْ: غير المكيل والموزون.
* قوله: (ونحوه) ككتب العلم مما تختلف قيمته في الزمن اليسير من شرحه (١).
وقال ابن نصر اللَّه (٢): "وككتب العلم ونحوه مما لا يصح السلم فيه"، م ص.
* قوله: (ويجوز شرط رهن فيه وضمين) قال شيخنا: "ينبغي أن يقيد الرهن بما إذا كان معينًا -كما تقدم في باب الشروط في البيع-" (٣).
* قوله: (لا تأجيل)؛ أيْ: لا يلزم الشرط، وليس المراد لا يجوز، صرح به المجد في شرح الهداية (٤).
стр. 1371
وإن فعله بلا شرط، أو أهدى له بعد الوفاء، أو قضى خيرًا منه بلا مواطأة، أو عُلمت زيادته لِشُهْرَةِ سخائه: جاز؛ لأن النبي ﷺ استسلف بكرًا، فردَّ خيرًا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاءً".
وإن فعل قبل الوفاء، ولم ينوِ احتسابه من دينه أو مكأفاته لم يَجُز إلا إن جرت عادة بينهما به قبل قرض، وكذا كل غريم. . . . . .
ــ
* قوله: (وإن فعله)؛ أيْ: فعل ما يحرم اشتراطه، بأن أسكنه داره، أو قضاه ببلد آخر.
* قوله: (استسلف بكرًا) البكر: الفتى من الإبل، مختار (١).
* قوله: (فردَّ خيرًا منه)؛ أيْ: رباعية، الرباعية كثمانية: السن التي بين الثنية والناب (٢).
* قوله: (أحسنكم قضاء) وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي رافع (٣).
* قوله: (وأن فعل) مقترض ذلك.
стр. 1372
فإن استضافه حسب له ما أكل.
ومن طولب ببدل قرض أو كصب ببلد آخر لزمه، إلا ما لحمله مؤنة، وقيمته ببلد القرض أنقص، فلا يلزمه إلا قيمته بها، ولو بذله المقترض أو الغاصب -ولا مؤنة لحمله- لزم قبوله مع أمن البلد والطريق.
ــ
* قوله: (فإن استضافه) لو قدم هذه المسألة على قوله: "وكذا كل غريم"، لكان أولى؛ لأن الحال فيها كذلك.
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: قال في الفروع (١): "وظاهر كلامه أن المقرض في الدعوات كغيره"، انتهى.
قال شيخنا: "وظاهره أيضًا ما لم تكن الضيافة واجبة" (٢).
* قوله: (أو غصب) أو ثمن في ذمة.
* قوله: (ببلد القرض)؛ أيْ: أو الغصب.
* قوله: (قيمته بها)؛ أيْ: بلد القرض بمعنى البقعة.
* قوله: (لزم قبوله مع أمن البلد) هذا معنى قوله في السلم (٣): "ولا ضرر في قبضه".
* * *
стр. 1373
٧ - باب
الرَّهْن: توثقة دين بعين يمكن أخذه أو بعضِه منها أو ثمنها، والمرهون: عين معلومة جُعلت وثيقة بحق. . . . . .
ــ
باب الرهن
* قوله: (توثقة دين) يؤخذ من شرح شيخنا (١) أن (٢) المراد بالدين ما يشمل العين المضمونة، كالعواري، والمقبوض على وجه السوم، وهذا أخذه من قول المص الآتي (٣) في الشرط السادس: "وكونه بدين واجبة، أو مآله إليه، فيصح بعين مضمونة. . . إلخ".
* قوله: (أو بعضه منها) إن كانت من جنس الدين.
* [قوله: (أو ثمنها) إن كانت من غير جنس الدين] (٤).
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: "أو" هنا للتنويع، لا للشك والترديد.
* قوله: (والمرهون) مقتضى كلامه تبعًا للتنقيح (٥)، أن المرهون لا يطلق
стр. 1374
يمكن استيفاؤه أو بعضِه منها أو ثمنها.
وتصح زيادة رهن -لا دينه- ورهن ما يصح بيعه، لو نقدًا، أو مؤجرًا، أو معارًا. . . . . .
ــ
عليه اسم الرهن، وهو مخالف لما في المقنع (١)، وأقره عليه في المطلع (٢)، وهو الموافق لآية ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] (٣)، إذ الرُّهُن جمع رَهن بمعنى مرهون، بدليل قوله: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ فليحرر (٤)!.
* قوله: (ويصح زيادة رهن)؛ لأنه توثقة.
* قوله: (لا دينه) فلو رهن شيئًا على مئة، ثم اقترض منه مئة أخرى، وجعل ذلك الشيء رهنًا عليها أيضًا لم يصح؛ لأنه رهن للمرهون، والمشغول لا يشغل.
* قوله: (ما يصح بيعه) فيه أن المنافع يصح بيعها مع أنه لا يصح رهنها، لما تقدم (٥) من اشتراط كونه عينًا، وأشار شيخنا إلى [أن "ما" عام] (٦) أريد به خاص، والمراد الأعيان خاصة، فراجع الشرح (٧)!.
* قوله: (أو معارًا) عند رب الدين أو غيره.
стр. 1375
ويسقط ضمان العارية، أو مبيعًا غير مكيل وموزون ومعدود ومذروع قبل قبضه، ولو على ثمنه، أو مشاعًا، وإن لم يرض شريك ومُرتهن بكونه بيد أحدهما أو غيرهما، جعله ححم بيد أمين أمانة أو بأجرة، أو آجره، أو مكاتبًا، ويمكَّن من كسب، فإن عجز فهو وكسبه رهن، وإن عتق فما أدى بعد عقد الرهن رهن. أو يُسرع فساده بمؤجل، ويباع، ويُجعل ثمنه رهنًا، أو قنًّا مسلما لكافر إذا شُرط كونه بيد مسلم عدل، وكُتب حديث. . . . . .
ــ
* قوله: (ويسقط ضمان العارية) لانتقالها للأمانة، ما لم يستعملها، فإن استعملها بعد الارتهان [بإذن أو] (١) بغير إذن صارت مضمونة عليه، أشار إليه شيخنا في شرحه (٢).
* قوله: (قبل قبضه) ومثله ما بيع بصفة، أو رؤية متقدمة.
* قوله: (وإن. . . إلخ) شرط جوابه "جعله. . . إلخ".
* قوله: (فهو وكسبه رهن)؛ أيْ: مجموعهما رهن.
* قوله: (ويباع)؛ أيْ: يبيعه المرتهن بإذن الراهن، أو الحاكم إن لم يأذن لحفظه بالبيع.
* قوله: (لكافر) بأن ثبت لكافر على مسلم دين، وأراد المسلم المدين أن يرهن ذلك القنَّ المسلم المملوك له على دين ذلك الكافر، فإنه يصح إذا شرط أن يكون القنُّ تحت يد مسلم عدل.
стр. 1376
وتفسير، لا مصحفًا.
وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، سوى ثمرة قبل بدوِّ صلاحها، وزرع أخضر بلا شرط قطع، وقنٍّ دون ولده ونحوه، ويباعان، ويختص المرتهن بما يخص المرهون من ثمنها، ولا يصح دون إيجاب وقبول أو ما يدل عليهما.
* * *
ــ
* قوله: (وتفسير)؛ أيْ: كما يصح رهن كتب الحديث والتفسير على دين الكافر، إذا شرط كونها تحت يد مسلم عدل، قال شيخنا في الشرح (١): "لأمن المفسدة".
* قوله: (لا مصحفًا) ولو قلنا يصح بيعه؛ لأنه وسيلة إلى بيعه المحرم.
* قوله: (بلا شرط) قيد بذلك؛ لأن هذه من الحالة التي لا يصح بيعه فيها، مع صحة الرهن؛ أيْ: أو ملكه للانتفاع به بإعارة.
* قوله: (ويباعان)؛ أيْ: القنُّ وولده.
* قوله: (ولا يصح) قال المص في شرحه (٢): "ولا يصح (٣) عقد الرهن"، انتهى.
وكلامه محتمل لأمرَين، الأول: أن يكون إشارة لتقدير مضاف مع بقاء الرهن على حقيقته، فيكون من مجاز الحذف.
стр. 1377
١ - فصلٌ
وشُرط: تنجيزه، وكونه مع حق أو بعده، وممن يصح بيعه.
وملكه ولو لمنافعه بإجارة أو إعارة لإذن مؤجِّر ومعير، ويملكان الرجوع قبل إقباضه، لا في إجارة لرهن قبل مدتها. . . . . .
ــ
الثاني: أن يكون إشارة إلى كون الضمير في "يصح" الراجع للرهن مستعملًا في معنى العقد مجازًا، فيكون من التجوز في المفرد، ويكون من قبيل الاستخدام.
فصل
* قوله: (وممن يصح بيعه)؛ أيْ: وتبرعه حتى يخرج المكاتب، فإنه وإن صحَّ بيعه لا يصح تبرعه، لكن ينبغي أن يدخل ولي اليتيم، فإنه لا يصح تبرعه مع أنه يصح رهنه للمصلحة، وهو بهذه الزيادة خارج.
فانظر عبارة [تكون مخرجة للمكاتب، ومدخلة لولي اليتيم، فإن عبارة المص غير مانعة، وعبارة] (١) الإقناع (٢) المزيد فيها: "وتبرعه" غير جامعة.
* قوله: (ولو لمنافعه) جمع منفعة، والمراد بها هنا: ما يعم الانتفاع.
* قوله: (ويملكان)؛ أيْ: المؤجر، والمعير.
* قوله: (قبل إقباضه)؛ أيْ: الرهن؛ لأنه لا يلزم إلا بالقبض.
* قوله: (لا في إجارة)؛ أيْ: لا يملك مؤجر الرجوع في إجارة عين، بأن كان المستأجر استأجرها لأجل أن يرهنها؛ لأن الإجارة عقد لازم.
* قوله: (لرهن) اللام في الرهن للتعليل، لا للتقوية.
стр. 1378
ولمعير طلب راهن بفكه مطلقًا.
وإن بيع رجع بمثل مثلي، وبالأكثر من قيمة متقوم أو ما بِيع به، والمنصوص: ". . . بقيمته"، وإن تلف. . . . . .
ــ
* قوله: (ولمعير. . . إلخ)؛ يعني: إذا استعار عينًا ورهنها، فللمعير وهو مالك العين مطالبة المستعير الراهن بفك الرهن مطلقًا؛ لأن العارية لا تلزم.
* [قوله: (مطلقًا) سواء كان الدين حالًّا أو مؤجلًا، في محل الحق أو قبل محله؛ لأن العارية لا تلزم] (١).
* قوله: (وإن بيع)؛ أيْ: رهن مؤجر أو معار في وفاء دين.
* قوله: (رجع)؛ أيْ: رجع مؤجر أو معير على راهن.
* قوله: (مثلي)؛ لأنه فوته على ربه، أشبه ما لو أتلفه.
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: لعله يوم بيعه.
* قوله: (والمنصوص. . . إلخ) يقتضي أن الأول ليس بمنصوص، وليس كذلك غايته أن هذا هو الصحيح (٢).
* قوله: (وإن تلف) عطف على قوله: "وإن بيع"؛ أيْ: إن تلف الرهن المعار أو المؤجر ضمن المعار.
قال شيخنا في شرحه (٣): "أيْ: ضمن الراهن الرهن المعار"؛ لأن العواري مضمونة وإن لم يتعد أو يفرط، وهو مساوٍ لقول الإقناع (٤): "ضمن المستعير"؛
стр. 1379
ضمن المعار لا المؤجَّر.
وكونه معلومًا جنسه وقدره، وصفته، وبدين واجب أو مآله إليه، فيصح بعين مضمونة، ومقبوض بعقد فاسد، ونفع إجارة في ذمة، لا بدية على عاقلة، وجُعْلٍ قبل حول وعمل، ويصح بعدهما. . . . . .
ــ
لأنه هو الراهن.
وقد عدَّ الشيخ مرعي (١) هذه المسألة من المسائل التي لا تضمن العارية فيها، وهو مخالف لظاهر الكتابَين إلا أن يحمل كلامه على سقوط العارية بالنسبة للمرتهن، لا للراهن، فليحرر (٢)!.
* قوله: (ضمن)؛ أيْ: ضمن الراهن الرهن المعار.
* قوله: (أو مآله إليه) أعم من أن يكون في الأول دينًا غير واجب، كالثمن زمن الخيارَين إذا كان في الذمة، أو ليس بدين كالعواري.
* قوله: (فيصح بعين. . . إلخ) الباء سببية، والمراد عليها.
* قوله: (مضمونة ومقبوضة) كان الأولى إبدال الواو بالكاف، إلا أن يقال إنه من عطف الخاص على العام.
* قوله: (بعقد فاسد) العقد الفاسد هو الذي اختل فيه شرط من شروط البيع.
стр. 1380
ولا بدين كتابة، وعُهدة مبيع، وعوض غير ثابت في ذمة، كثمن وأجرة معيَّنَين، وإجارة منافع معينة، كدار ونحوها، أو دابة لحمل معيَّن إلى مكان معلوم.
ويحرم -ولا يصح- رهن مال يتيم لفاسق، ومثله مكاتب ومأذون له، وإن رهن ذمي عند مسلم خمرًا بيد ذمي لم يصح، فإن باعها الوكيل حلَّ، فيقبضه أو يُبرئ.
* * *
٢ - فصل
ولا يلزم -إلا في حق راهن- بقبض، كقبض مبيع. . . . . .
ــ
* قوله: (وإجارة منافع) مضاف لمعينة؛ أيْ: منافع عين معينة.
* قوله: (مال ليتيم)؛ أيْ: مثل اليتيم.
* قوله: (باعها الوكيل) المراد بالوكيل هنا: الذي الخمر تحت يده، فهو وكيل صورة كما أشار إليه شيخنا في شرحه (١).
* وقوله: (حلَّ)؛ أيْ: حلَّ لرب الدين أخذ دينه من ثمنها؛ لأنه يقرُّ عليه لو أسلم.
فصل
* قوله: (بقبض) المعنى: ولا يكون لزومه في حقه إلا بقبض.
* قوله: (كقبض مبيع) فإن كان مكيلًا ونحوه اعتبر قبضه بمعياره الشرعي،
стр. 1381
ولو ممن اتففا عليه، ويُعتبر فيه إذن وليِّ أمر لمن جُنَّ ونحوه، وليس لورثة إقباضه وثَمَّ غريم لم يأذن، ولراهن الرجوع قبله، ولو أذن فيه، ويبطل إذنه بنحو إغماء وخرس، وإن رهنه ما بيده. . . . . .
ــ
وإن كان غير ذلك اعتبر فيه التخلية على ما سبق (١) في قوله: "فصل: ويحصل قبض ما بيع بكيل. . . إلخ".
* قوله: (ولو ممن اتفقا عليه)؛ أيْ: ولو ممن اتفقا على أن يكون الرهن تحت يده، ما لم يكن عبد الراهن أو أم ولده، فإنه كهو؛ لأنه في نفس الأمر لم يخرج عن يد الراهن إذ قبض هؤلاء كلا قبض، فتدبر!.
وفي الإقناع (٢): "لكن تصح استنابة مكاتبه وعبده المأذون له في التجارة"، انتهى، وتوقف شيخنا في الثاني.
* قوله: (ولي أمر) لعل المراد به الحاكم؛ لأن من جُنَّ بعد البلوغ لا ينظر في ماله إلا الحاكم، حاشية (٣).
* قوله: (ونحوه) كمن حصل له برسام.
* قوله: (وخرس) لعل المراد خرس ليس معه إشارة مفهومة، ولا كتابة معلومة، وهو مقتضى قول الشارح (٤)(٥): "وإن خرس وكانت له كتابة معلومة أو إشارة مفهومة فكمتكلم، وإلا لم يجُز القبض"، انتهى،. . . . . .
стр. 1382
-ولو غصبًا- لزم، وصار أمانة.
واستدامة قبض شرط للزوم، فيُزيله أخذ راهن لإذن مرتهن -ولو نيابة له- وتخمُّر عصير، ويعود بردِّه وتخلُّل بحكم العقد السابق.
وإن آجره أو أعاره لمرتهن. . . . . .
ــ
ومثله في الإقناع (١).
* قوله: (ولو غصبًا) المراد: رهنه ما بيده ملكًا للراهن، سواء كان غصبًا أو أمانة، كما يدل عليه جعله "غصبًا" غاية، وإنما نص على الغصب؛ لأجل قوله: "أمانة"؛ أيْ: صار الغصب، [وصار؛ أيْ:] (٢) بسبب الرهن أمانة، وأما الوديعة ونحوها فهي أمانة من الأصل، لا أنها كانت غير أمانة، ثم صارت أمانة بسبب الرهن، فتدبر!.
* قوله: (ولو نيابة) وله طلب الاستيثاق بغير تلك العين إن كانا شرطا الرهن في صلب البيع.
وبخطه (٣) على قوله: (ولو نيابة له)؛ أيْ: ولو كان أخذ الراهن بطريق النيابة عن المرتهن، كأخذه على جهة الإيداع.
* قوله: (وتخلل)؛ أيْ: مع بقائه تحت يده.
* قوله: (وإن آجره)؛ أيْ: الراهن الرهن.
* قوله: (أو أعاره) أو زوَّجَه راهن.
стр. 1383
أو غيره بإذنه، فلزومه باقٍ، وإن وهبه ونحوه بإذنه صحَّ، وبطل الرهن، وإن باعه بإذنه -والدين حالٌ- أخذ من ثمنه.
وإن شُرط في مؤجَّل رهن ثمنه مكانة فُعل، وإلا بطل. . . . . .
ــ
* [قوله: (أو غيره)؛ أيْ: المرتهن] (١).
* قوله: (بإذنه)؛ أيْ: المرتهن.
* قوله: (ونحوه) بان وقفه ونحوه مما ينقل الملك، ما عدا البيع.
* قوله: (من ثمنه) الاقتصار على ذلك لا لنكتة، بل يؤخذ كله أيضًا إن كان لا يزيد على الدين بأن ساواه أو نقص.
أقول: انظر هل يجوز أن تكون "من" هنا ابتدائية لا تبعيضية؛ أيْ: أخذ أخْذًا (٢) مبتدأ من ثمنه، فيصدق بالمسائل الثلاث (٣)، وهي (٤) ما إذا كان الثمن أكثر، أو أقل، أو مساويًا؛ لأنه يصدق على الأخذ فيها أنه أخذ مبتدأ من الثمن؛ أيْ: متعلق به ويرجع كل لما يليق به.
* قوله: (رهن ثمنه)؛ أيْ: الرهن المأذون في بيعه.
* قوله: (وإلا بطل)؛ أيْ: الرهن، خلافًا لقول الإقناع (٥): "بطُل البيع". وكأنه سبق قلم.
стр. 1384
وشرط تعجيله لاغٍ، وله الرجوع فيما أذن فيه قبل وقوعه.
وينفذ عتقه بلا إذن، ويحرم، فإن نجَّزه أو أقرَّ به فكذَّبه، أو أحبل الأمة بلا إذن مرتهن في وطء، أو ضربه بلا إذنه فتلف -ويصدق بيمينه، ووارثه في عدمه- فعلى موسر ومعسر أيسر قيمته رهنًا.
وإن ادَّعى راهن أن الولد منه. . . . . .
ــ
* قوله: (وشرط تعجيله)؛ أيْ: الدين المؤجل.
* قوله: (وله الرجوع فيما أذن) المراد: أن له الرجوع في الإذن فيما أذن فيه.
* قوله: (ويحرم) ويعايا بها فيقال: مالك رقبة كلها، ويحرم عليه عتقها.
* قوله: (فإن نجَّزه) مثله ما إذا علقه على صفة فوجدت، أما إذا لم توجد فلا؛ لأنه لا يترتب الحكم الآتي على مجرد التعليق (١).
* قوله: (أو أحبل) هو أولى من قول الإقناع (٢): "أولد"؛ لأن الحكم منوط بالإحبال، لا بالإيلاد.
* قوله: (ويصدق. . . إلخ) جملة معترضة بين الشرط وجوابه.
* قوله: (فعلى موسر) جواب الشرط.
* قوله: (قيمته رهنًا) ومن هنا يؤخذ أن الورثة لو أعتقوا رقبة من التركة قبل وفاء دين الميت، أنه يلزمهم قيمتها تكون تركة مقامها، بل مسألة الدين أولى بالحكم من مسألة الرهن؛ لأن التعلق فيها أقوى.
* قوله: (أن الولد منه)؛ أيْ: الراهن، بأن كان ابن عشر فأكثر.
стр. 1385
وأمكن، وأقرَّ مرتهن لإذنه، وبوطئه وأنها ولدته قُبِل، وإلا فلا، وإن لم تحْبَل فأرش بكر فقط.
ولراهن غرس ما على مؤجَّل، وانتفاع بإذن مرتهن. . . . . .
ــ
* قوله: (وأمكن) بأن أتت به لستة أشهر فأكثر من حين ملكه لها، ووطئه إياها.
* قوله: (بإذنه)؛ أيْ: لإذنه في الوطء.
* قوله: (وبوطئه)؛ أيْ: وبأنه وطئها؛ لأنه لا يلزم من الإذن في الشيء وقوعه، ولا الاعتراف بوقوعه.
* قوله: (وإلا فلا)؛ أيْ: وإن لم يكن كون الولده من راهن، بأن ولدته لدون ستة أشهر من وطئه وعاش، أو أنكر مرتهن الإذن، أو قال: أذنت ولم يطأ، أو أذنت ووطئ, لكنه ليس ولدها، بل استعارته.
* قوله: (ولراهن غرس ما على مؤجَّل)؛ أيْ: غرس أرض مرهونة على مؤجَّل، وعلى قياسه أيضًا البناء، وأولى منهما الزرع إن كان يحصد قبل الآخر.
* فائدة: قال في الكافي (١): "ولو ارتهن أرضًا، فنبت فيها شيء دخل في الرهن، لأنه من نمائها، سواء نبت بنفسه أو بفعل الراهن" شرح الإقناع (٢).
وأقول: هذه داخلة في قول المتن: "ونماؤه رهن"؛ لأن ما نبت فيها من جملة النماء.
* قوله: (بإذن مرتهن) ظاهره رجوعه للمؤجل أيضًا،. . . . . .
стр. 1386
ووطء بشرط أو إذن، وسقي شجر، وتلقيح، وإنزاء فحل مرهونة، ومداواة، وفصد ونحوه، والرهن بحاله.
لا ختان غير ما على مؤجَّل يبرأ قبل أجله، وقطع سِلعة (١) خطرة، ونماؤه ولو صوفًا ولبنًا، وكسبه، ومهره، وأرش جناية عليه رهن، وإن أسقط مرتهن أرشًا، أو أبرأ منه سقط حقه منه دون حق راهن، ومؤنته وأجرة مخزنه وردُّه من إباقه على مالكه، ككفنه. . . . . .
ــ
وظاهر تعليل الشارح (٢)(٣) أنه بلا إذن.
* قوله: (وسقي شجر) ولو بلا إذن.
* قوله: (وقطع سلعة)؛ أيْ: ليس له ذلك.
* قوله: (ونماؤه) مبتدأ.
* قوله: (وأرش جناية) وكذا أرش بكارة، وكذا ما نبت فيها من غرس بإذن.
* قوله: (رهن) خبر.
* قوله: (ومؤنته) مبتدأ.
* قوله: (على مالكه) خبر.
* قوله: (ككفنه)؛ أيْ: إن مات.
стр. 1387
فإن تعذر بِيع بقدر حاجة، أو كله إن خيف استغراقه.
* * *
٣ - فصلٌ
والرهن أمانة ولو قبل عقد، كبعد وفاء، ويدخل في ضمانه بتعدٍّ أو تفريط، ولا يبطل.
ولا يسقط بتلفه شيء من حقه، كلدفع عين ليبيعها ويستوفى حقه من ثمنها. . . . . .
ــ
* قوله: (فإن تعذر)؛ أيْ: مؤنته وما عطف عليها.
* قوله: (أو كله) بالرفع عطف على محل (١) الجار والمجرور؛ لأنه في محل رفع للنيابة عن الفاعل، والمعنى بيع منه مقدار الحاجة، أو بيع كله إن خيف استغراقه.
فصل
* قوله: (كبَعْدَ. . . إلخ) فيه أن "بعد" (٢) من الظروف الغير المتصرفة [التي لا تخرج عن النصب على الظرفية إلا إلى الجر بـ "مِنْ" خاصة، فلعله استعملها استعمال الأسماء المتصرفة] (٣) على ضرب من التجوُّز.
* قوله: (ولا يبطل. . . إلخ)؛ أيْ: لا يبطل الرهن بدخوله في ضمانه؛ لأن العقد جمع أمانة واستيثاقًا، فإذا بطُل أحدهما بقي الآخر.
* وأما قوله: (ولا يسقط) مرتبط بما بعده، فهو استئناف كلام.
стр. 1388
وكحبس عين مؤجرة بعد فسخ، على الأجرة فيتلفان، وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الحق، وإن ادعى تلفه بحادث. . . . . .
ــ
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى- على قوله: (ولا يبطل) راجع لما قبله, وقوله: "ولا يسقط" لما بعده.
* قوله: (على الأجرة)؛ أيْ: المعجلة.
* قوله: (فيتلفان)؛ أيْ: العينان، كان الظاهر حذف النون من "يتلفان"؛ لأنه عطف على المصدر، فـ "أن" مقدرة معه على حدِّ:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْني (١)
إلا أن يدعي أنه على (٢) لغة إلغاء الناصب (٣)؛ لأن المذكور قد يُلْغَى كقوله:
أنْ تَقْرَأان عَلَى أسْمَاءَ وَيْحَكُما ... مِنِّي السَّلَامَ وَأنْ لا تُشْعِرَا أحَدَا (٤)
فالمقدر كما هنا من باب أولى، لكن يبقى الكلام في هذا هل هو قياسي أو سماعي (٥).
стр. 1389
وقامت بيِّنة بظاهر، أو لم يعين سببًا حُلِّف.
وإن ادّعى راهن تلفه بعد قبض في بيع شُرط فيه، قُبِل قول مرتهن: "إنه قبله"، ولا ينفك بعضه حتى يُقضى الدين كله.
ومن قضى أو أسقط بعض دين -وببعضه رهن أو كفيل- وقع عما نواه، فإن أطلق صرفه إلى أيهما شاء، وإن رهنه عند اثنين فوفّى أحدهما، أو رهناه شيئًا فوفَّاه أحدهما انفك في نصيبه. . . . . .
ــ
* قوله: (بظاهر) وأما الخفي فيقبل قوله فيه بيمينه.
* قوله: (راهن) وهو المشتري.
* [قوله: (في بيع شرط) صفة "بيع".
* قوله: (فيه)؛ أيْ: الرهن] (١).
* قوله: (قبل قول مرتهن) وهو البائع.
* قوله: (إنه)؛ أيْ: التلف.
* قوله: (قبله)؛ أيْ: القبض.
* قوله: (عند اثنين)؛ أيْ: على دينيَن لهما، كما يؤخذ من تصوير المحشِّي (٢)، فراجعه!.
* قوله: (انفك في نصيبه) هذا لا يعارض قوله السابق "ولا ينفك بعضه
стр. 1390
ومن أبى وفاء حالٍّ -وقد أذن في بيع رهن، ولم يرجع- بيع، ووُفِّي، وإلا أُجبر على بيع أو وفاء، فإن أبى حُبس أو عُزِّر، فإن أصرَّ باعه الحاكم ووفَّى.
* * *
٤ - فصلٌ
ويصح جعل رهن بيد عدل، وإن شُرِط بيد أكثر لم ينفرد واحد. . . . . .
ــ
حتى يقضي الدين كله"؛ لأن ذاك (١) في عقد واحد، وهذا في أكثر من عقد، بدليل قول المحشِّي (٢) في تعليله: "لأن عقد الواحد مع اثنين بمنزلة عقدين كعكسه"، انتهى.
* قوله: (وإلا أجبر. . . إلخ)؛ أيْ: لم يأذن، أو أذن ثم رجع.
فصل
* قوله: (بيد عدل) قال شيخنا (٣): "ظاهر كلامهم أن العدالة ولو ظاهرة ليست شرطًا، فالأولى (٤) بيد من اتفقا عليه، كما عبر به الإقناع" (٥).
ويمكن أن يحمل العدل على معنى من اعتدلت فيه إرادتهما؛ أيْ: اتفقت عليه، فيرجع إليه، لكنه خلاف المتعارف من مثل هذه العبارة.
стр. 1391
بحفظه، ولا يُنقل عن يد من شُرِط -مع بقاء حاله- إلا باتفاق راهن ومرتهن، ولا يملك ردَّه إلى أحدهما، فإن فعل وفات، ضمن حق الآخر، ويضمنه مرتهن بغصبه. . . . . .
ــ
فإن قلت: إنه ينافي حمل كلام المص على هذا قوله فيما بعد: "وإن حدث له فسق. . . إلخ"، فإنه ربما اقتضى اعتبار العدالة؟.
قلت: ليس الأمر كذلك، بل المراد أنهما لو اتفقا على أن يكون الرهن تحت يد زيد، وكان زيد في الواقع عدلًا، فطرأ عليه ما ينافي حالته التي كان عليها حين اتفاقهما على كونه تحت يده، كفسقه بعد عدالته أنه يجعله الحاكم تحت يد أمين غيره، وهذا لا إشعار له باشتراط العدالة في كل فرد ممن يريدان جعله تحت يده.
* قوله: (بحفظه) فلو كانا اثنين وأسقط أحدهما حقه من الحفظ للآخر، ثم تلف لم يضمن من هو تحت يده سوى نصفه؛ لأن التلف ترتب على أمر مأذون فيه، وأمر غير مأذون فيه، فتنصَّف الحال، كما قالوه فيما يأتي في الجنايات (١)، من أنه لو جرحه مرتدًّا ثم مسلمًا، وسرى الجرحان لم يضمن إلا نصف الدية، أو جرحه قودًا ثم تعديا وسرى الجرحان لم يضمن أيضًا إلا النصف.
* قوله: (ولا يملك)؛ أيْ: العدل.
* قوله: (ردَّه)؛ أيْ: الرهن.
* [قوله: (إلى أحدهما)؛ أيْ: الراهن والمرتهن.
* قوله: (بغصبه)؛ أيْ: بغصب المرتهن الرهن من العدل.
стр. 1392
ويزول بردِّه، لا من سفر ممن بيده، ولا بزوال تعدِّيه.
وإن حدث له فسق أو نحوه، أو تعادى مع أحدهما، أو مات أو مرتهن -ولم يرض راهن بكونه بيد ورثة أو وصِيٍّ- جعله حاكم بيد أمين، وإن أذنا له أو راهن لمرتهن في بيع -وعُين نقد- تعيَّن، وإلا بيع بنقد البلد، فإن تعدد فبأغلب. . . . . .
ــ
* قوله: (بردِّه)؛ أيْ: الرهن] (١).
* قوله: (لا من سفر)؛ أيْ: لا يزول الضمان بردِّه من سفر غير مأذون فيه، فلو تلف بعد رجوعه من السفر المتعدي به كان ضمانه باقيًا ويطلب الفرق؟.
وفرق شيخنا في شرح الإقناع (٢): "بأن ائتمانه زال بالسفر، فلا يعود بالعود من السفر مع بقائه بيده، بخلاف الغصب فإن غصبه قد زال بردِّه إلى العدل".
* قوله: (بزوال تعدِّيه) لزوال الائتمان بأصل التعدي.
* قوله: (ولم يرض راهن)؛ أيْ: للمذكورَين من العدل، والمرتهن، ويقال مثله في وصي، فلو أخره عنه لكان أولى.
* قوله: (أو راهن) عمومه يشمل من كان مستعيرًا أو مستأجرًا للعين المرهونة، مع أن الظاهر أنه لا يصح الإذن منه في هذه الحالة؛ لأنه لا يصح البيع منه، فلا يصح الإذن فيه.
стр. 1393
فإن لم يكن فبجنس الدين، فإن لم يكن فبما يراه أصلح، فإن تردد عيَّنه ححم، وتلفُه بيد عدل من ضمان راهن.
وإن استُحق رهن بيع رجع مشترٍ أُعلِم على راهن، وإلا فعلى بائع، وإن قضى مرتهنًا في غيبة راهن فأنكر -ولا بيِّنة- ضمن، ولا يُصدَّق عليهما، فيحلف مرتهن وبرجع، فإن رجع على العدل، لم يرجع على أحد، وإن رجع على راهن رجع على العدل. . . . . .
ــ
ولا يقال: إن إذن مالك العين في رهنها إذن في باقي التصرفات كالبيع ونحوه؛ لأنه بعيد جدًّا، ولا دليل عليه، فكان الأولى للمص أن يقول: أو مالك بدل قوله: "أو راهن. . . إلخ".
* قوله: (فبجنس الدين)؛ أيْ: بمثله وصفته.
* قوله: (وتلفه)؛ أيْ: ثمن الرهن.
* قوله: (وإن استحق)؛ أيْ: تبين استحقاقه لغير (١) راهن بعد بيعه.
* قوله: (مشترٍ أعلم)؛ أيْ: أعلمه العدل أنه وكيل في البيع.
* قوله: (وإلا)؛ أيْ: وإلا يعلم المشتري.
* قوله: (ويرجع)؛ أيْ: مرتهن (٢) إن شاء على العدل، وإن شاء على الراهن.
* [قوله: (رجع)؛. . . . . .
стр. 1394
وكذا وكيل.
ويصح شرط كل ما يقتضيه العقد، كبيع مرتهن وعدل لرهن ونحو ذلك، وينعزلان. . . . . .
ــ
أيْ: الراهن (١)] (٢).
* قوله: (وكذا وكيل) في قضاء دين عن موكله إذا قضاه مع غيبة المدين ولم يشهد، فإنه يضمن، ولرب الدين الرجوع على أيهما شاء، فتدبر!.
فإن رجع على الوكيل لم يرجع على أحد، وإن رجع على الموكل رجع على الوكيل.
* قوله: (وينعزلان) أثبت النون مع أنه معطوف على اسم خالص، وهو يقتضي النصب بـ "أن" مضمرة؛ لأن ذلك جائز لا واجب (٣)، فقد قرأ نافع (٤): ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] برفع "يرسل". والباقون بالنصب (٥)، ويجوز أن تكون الواو استئنافية لا عاطفة، وهو أظهر.
стр. 1395
بعزله، لا ما لا يقتضيه، أو ينافيه، ككون منافعه له، أو أن لا يقبضه، أو لا يبيعه عند حُلول، أو من ضمان مرتهن، ولا يفسد العقد.
* * *
٥ - فصل
وإن اختلفا في أنه عصير أو خمر في عقد شُرط فيه. . . . . .
ــ
* [قوله: (بعزله)؛ أيْ: الراهن] (١).
* قوله: (لا ما لا يقتضيه العقد أو ينافيه) قال في شرحه (٢): "فالأول: ككون منافعه له؛ لأن الرهن ملك للراهن، فلا تكون منافعه لغيره" إلى أن قال: "والثاني: كشرط توفيته، أو كونه يومًا لازمًا ويومًا جائزًا، أو لا يباع إلا بثمن يرضاه الراهن"، انتهى ملخصًا.
ومنه تعلم أن المراد بما يقتضيه العقد ما يقابل هذين، وليس المراد منه المعنى السابق (٣) في الشروط في البيع (٤)، مما كان مؤكدًا للعقد، بحيث لو سكت عن اشتراطه كان ذلك له.
* [قوله: (أو ينافيه) ككون منافعه تكون تحت يد العدل أو المرتهن] (٥).
فصل
стр. 1396
أو ردِّ رهن أو في عينه أو قدره، أو دين به أو قبضه -وليس بيد مرتهن- فقول راهن.
و"أرسلتُ زيدًا ليرهنه بعشرين، وقبضها" وصدَّقه، قُبل قول الراهن ". . . بعشرة".
وإن أقرَّ -بعد لزومه- بوطء. . . . . .
ــ
* قوله: (أو ردِّ رهن) جملة حالية مقيدة لما قبلها فقط.
* قوله: (أو قبضه)؛ أيْ: قبض الرهن وليس الرهن بيد مرتهن، هكذا رجَّع الضمائر في الشرح (١).
* قوله: (وصدقه)؛ أيْ: صدق زيد المرتهن.
* قوله: (قبل قول الراهن)؛ أيْ: بيمينه.
* قوله: (بعشرة)؛ أيْ: قبل قوله أنه ما أرسله ليرهنه إلا على عشرة، وأنه ما قبض من زيد إلا العشرة، ويرجع المرتهن على زيد بالعشرة الأخرى؛ لأنه معترف بقبضها، إلا أن يقيم بينة على أخذ الراهن لها.
* [قوله: (وإن أقرَّ)؛ أيْ: راهن] (٢).
* قوله: (لزومه بوطء)؛ أيْ: بأنه كان قد وطئها؛ يعني: وأن الأمة قد (٣) حملت حتى إذا ولدت تكون أم ولد له، فيبطل رهنها.
стр. 1397
أو أن الرهن جنى أو باعه أو كصبه، قُبل على نفسه، لا على مرتهن أنكره.
ولمرتهن ركوب مرهون وحلبه واسترضاع أمه بقدر نفقته، متحرِّيًا للعدل، ولا يُنهكه بلا إذن راهن، ولو حاضرًا ولم يمتنع، ويبيع فضل لبن بإذن، وإلا فحاكم، ويرجع بفضل نفقة على راهن.
ــ
* قوله: (جنى)؛ أيْ: كان قد جنى.
* قوله: (أو غصبه)؛ أيْ: كان قد غصبه قبل رهنه.
* قوله: (ركوب)؛ أيْ: بلا إذن راهن.
* قوله: (وحلبه)؛ أيْ: بلا إذن راهن.
* قوله: (استرضاع)؛ أيْ: بلا إذن راهن، وهو مقيس على الحلب.
* قوله: (بلا إذن راهن) متعلق بـ "ركوب" وما بعده فقط؛ أيْ: لا بـ "ينهكه".
* قوله: (ويبيع) الباء الأولى للبدلية، والثانية للملابسة، فلا يلزم عليه تعلق حرفَين بمعنى واحد، بعامل واحد المحوج إلى تكلف الزمخشري (١) في قوله -تعالى-: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ [البقرة: ٢٥]، وأنه من تقييد المقيد على حدِّ: أكلت من بستانك من ثمرة، فاحفظه!.
* [قوله: (فضل لبن بإذن)؛ أيْ: بإذن راهن] (٢).
стр. 1398
وأن ينتفع به بإذن راهن مجانًا -ولو بمحاباة- ما لم يكن الدين قرضًا. . . . . .
ــ
* قوله: (مجانًا)؛ أيْ: أو (١) من غير عوض.
* وقوله: (ولو بمحاباة)؛ أيْ: بعوض ولو بمحاباة، وكأن العبارة مقلوبة والأصل: ولو بمحاباة أو مجانًا، ولو عبر كذلك لكان أظهر في المراد، إذ لا فائدة لقوله: "ولو بمحاباة" بعد "مجانًا"، بل لا يصح؛ لأنه يوهم أنه غاية له، مع أنه يُبَاينُه -كما علمت-.
* قوله: (ما لم يكن الدين قرضًا) فإن كان الدين قرضًا حرم؛ لأنه صدق عليه أنه قرض جرَّ نفعًا. ومقتضى هذا (٢) التفرقة (٣) بين القرض وباقي الديون في حرمة جرِّ النفع، وهو مخالف لما أسلفه (٤) في باب القرض من التعميم. لكن في المستوعب (٥) أن في المسألة روايتَين (٦)، فيكون المص ماشيًا في كلٍّ على رواية.
وبخطه أيضًا -رحمه اللَّه تعالى-: يؤخذ مما في المبدع (٧)، وما هنا أن قوله: "ما لم يكن الدين قرضًا" شرط في المسألتَين؛ أعني: هذه المسألة،. . . . . .
стр. 1399
ويصير مضمونًا بالانتفاع.
وإن أنفق عليه -ليرجع- بلا إذن راهن، وأمكن فمتبرع، وإن تعذر رجع بالأقل مما أنفق أو نفقة مثله، ولو لم يستأذن حكمًا أو يُشهد، ومعارٌ، ومؤجَّر، ومودَع كرهن، وإن عمَّر الرهن رجع بآلته، لا بما يحفظ به مالية الدار، إلا بإذن.
* * *
٦ - فصل
وإن جنى رهن تعلق الأرش برقبته. . . . . .
ــ
ومسألة (١) الركوب، والحلب، والاسترضاع.
* قوله: (ويصير مضمونًا)؛ أيْ: الرهن، ووجه ضمانه أنه غير مأذون في ذلك الانتفاع لتحريمه شرعًا، ومقتضى كلامه أن الحكم ليس خاصًّا بالأخيرة، وهي ما إذا كان الدين (٢) قرضًا، بل بكل محلٍّ (٣) وجد فيه الانتفاع المأذون فيه؛ لأنه صار بالانتفاع عارية، وهي مضمونة.
* [قوله: (وأمكن) إذن راهن] (٤).
* قوله: (مالية الدار) كثمن ماء، ورماد، وطين، وجص، وأجرة مُعَمِّرِينَ.
فصل
стр. 1400
فإن استغرقه خُيِّر سيده بين فدائه بالأقل منه ومن قيمته -والرهن بحاله- أو بيعه في الجناية، أو تسليمه لوليِّها، فيملكه، ويبطُل فيهما، وإلا بِيع منه بقدره، وباقيه رهن، فإن تعذر فكله.
وإن فداه مرتهن لم يرجع. . . . . .
ــ
* قوله: (والرهن بحاله)؛ أيْ: في البيع، والتسليم.
* قوله: (أو تسليمه) لولي الجناية.
* قوله: (ويبطل)؛ أيْ: الرهن.
* قوله: (وإلا)؛ أيْ: وإن لم تستغرقه الجناية.
* قوله: (وإن فداه مرتهن لم يرجع)؛ لأن الفداء ليس واجبًا عينًا (١) عليه، بل هو مخير بينه وبين بيعه، فلم يقم عن غيره بواجب عينًا، كذا قرره شيخنا وفيه أنه يقتضي أن الفداء لو كان واجبًا عينًا، وفداه المرتهن أنه يرجع، سواء كان بنية الرجوع أم لا، مع أن من أدى عن غيره دينًا واجبًا لا يرجع إلا بشرط نية الرجوع، وهو مقتضى قوله قبل الفصل (٢): "وإن أنفق عليه ليرجع بلا إذن راهن. . . إلخ", وقوله هنا: "لم يرجع إلا إن نوى وأذن راهن. . . إلخ"، ثم رجع عن ذلك التقدير إلى ما أثبته في الشرح (٣) حيث قال: "وإن فداه؛ أيْ: الرهن، مرتهن لم يرجع على راهن إلا إن نوى المرتهن الرجوع، وأذن له راهن في فدائه؛ لأنه إن (٤) لم ينو رجوعًا فمتبرع،
стр. 1401
إلا إن نوى وأذن راهن، ولم يجُز شرط كونه رهنًا بفدائه مع دينه الأول، وإن جُني عليه فالخصم سيدُه، فإن أخَّر الطلب لغيبة أو غيرها فالمرتهن.
ولسيد أن يقتص إن أذن مرتهن أو أعطاه ما يكون رهنًا، فإن اقتَصَّ بدونهما. . . . . .
ــ
وإن نواه ولم يأذن راهن فمتآمر (١) عليه؛ لأنه لا يتعين عليه فداؤه"، لكن ما قرره شيخنا هو الموافق لما في الإقناع (٢) وشرحه (٣)، وعبارته: (وإن فداه)؛ أيْ: الجاني (مرتهن بإذن راهن غير متبرع) بفدائه (رجع به)؛ أيْ: بفدائه لأدائه بإذن مالكه، كما لو قضى عنه دينه بإذنه، (وإلا) بأن لم يكن بإذن مالك (لم يرجع ولو نوى الرجوع، حتى ولو تعذر استئذانه؛ لأن مالكه (٤) لم يجب عليه الافتداء هنا) بخلاف النفقة عليه، وكذا لا يرجع إذا كان بإذن المالك ونوى التبرع"، انتهى المقصود.
* قوله: (وأذن راهن)؛ أيْ: مع إمكان استئذانه على قياس ما سبق، لكن في الإقناع (٥) ما يخالفه فإنه قال: "وإلا لم يرجع حتى ولو تعذر استئذانه" (٦)، فتدبر!.
* قوله: (مع دينه الأول) لما تقدم (٧) من أنه لا تجوز زيادة دينه.
* قوله: (بدونهما)؛ أيْ: الإذن والإعطاء.
стр. 1402
في نفس أو دونها، أو عفا على مال، فعليه قيمة أقلهما، تُجعل مكانه، والمنصوص (١): "أن عليه قيمة الرهن أو أرشه"، وكذا لو جنى على سيده فاقتصَّ هو أو وارثه.
وإن عفا عن المال صحَّ، لا في حق مرتهن، فإذا انفكَّ بأداء أو إبراء ردَّ ما أخذ من جانٍ، وإن استوفى من الأرش رجع جانٍ على راهن.
وإن وطئ مرتهن مرهونة -ولا شبهة- حُدَّ، ورُقَّ ولدُه. . . . . .
ــ
* قوله: (أقلهما)؛ أيْ: الجاني والمجني عليه (٢).
* قوله: (فاقتص هو)؛ أيْ: إن كانت الجناية على الطرف.
* وقوله: (أو وارثه) إن: كانت الجناية على النفس ومات.
* [قوله: (عن المال) الواجب بسبب الجناية] (٣).
* قوله: (لا في حق مرتهن) فللمرتهن أخذ الأرش من الجاني، ويستمر تحت يده إلى أن ينفك الرهن.
* [قوله: (أو إبراءٍ ردَّ)؛ أيْ: المرتهن (٤).
* قوله: (من جانٍ) بتلفه لسقوط التعلق به] (٥).
* قوله: (ولا بشبهة ملك)؛ أيْ: ولا زوجية.
стр. 1403
ولزمه المهر، وإن أذن راهن فلا مهر، وكذا لا حدَّ إن ادَّعى جهل تحريمه ومثله يجهله، وولده حرٌّ، ولا فداء.
ــ
* قوله: (ولزمه المهر) ويندرج فيه أرش البكارة إن كانت بكرًا ولو طاوعته؛ لأن مطاوعتها لا تسقط حق السيد.
* * *
стр. 1404
٨ - باب
الضمان: التزام من يصح تبرعه، أو مفلس، أو قنٌّ، أو مكاتب -بإذن سيدهما-، ويؤخذ مما بيد مكاتب، وما ضمنه قنٌّ من سيده ما وجب على آخر مع بقائه، أو يجب غير جزية فيهما بلفظ: ". . . ضمين. . . . . .
ــ
باب الضمان
* قوله: (من) فاعل بقوله: "التزام".
* قوله: (أو مفلس) يجوز فيه الجر والرفع باعتبار مراعاة لفظ "من" ومحلها، وكذا قوله: "أو قنٍّ أو مكاتب".
* قوله: (بإذن سيدهما) يشمل الواحد والمتعدد؛ لأنه مفرد مضاف لمعرفة، [فيشمل العبارة المشترك] (١).
* قوله: (ما وجب) مفعول لقوله: "التزام".
* قوله: (مع بقائه) ليس غرضه من ذلك إخراج ما وجب، ثم سقط بابراء أو غيره قبل الضمان؛ لأن وجوبه في الماضي صادق ببقائه إلى الآن، وعدم بقائه، بل غرضه من ذلك بيان أن الضمان لا يسقط الحق عمن هو عليه.
* قوله: (بلفظ ضمين)؛ أيْ: أنا ضمين، وكذا الباقي.
стр. 1405
وكفيل، وقبيل، وحميل، وصبير، وزعيم"، و"ضمنتُ دينك أو تحمَّلته" ونحوه، وبإشارة مفهومة من أخرس.
ولربِّ الحق مطالبة أيهما شاء، ومعًا في الحياة والموت، فإن أحال أو أحيل، أو زال عقد برئ ضامن وكفيل، وبطل رهن لا إن وُرِّث، لكن لو أحال رب دين على اثنين. . . . . .
ــ
* قوله: (وبإشارة) عطف علي "بلفظ ضمين".
* قوله: (ولرب الحق) تصريح بما علم من قوله: "مع بقائه".
* قوله: (ومعًا) انظر المعطوف عليه؟ وأشار شيخنا في شرحه (١) إلى أن المعطوف محذوف، وأن "معًا" حال منه، والمعطوف عليه "مطالبة أيهما" والتقدير: ومطالبتهما معًا.
* قوله: (فإن) الفاء إما للتفريع على مقدر متعلق بما سبق؛ أيْ: له مطالبة أيهما شاء، ما دام الحق ثابتًا فإن أحال. . . إلخ، أو للاستئناف على ضعف كما صرح به ابن قاسم العبادي الشافعي في حواشي مختصر المعاني (٢)، فراجعه إن شئت.
* قوله: (أحال)؛ أيْ: رب الحق.
* [قوله: (أو أحيل) الحوالة في الأولى واقعة ممن له الدين، وفى الثانية ممن عليه الدين] (٣).
* قوله: (لكن) استدرك من مسألة الحوالة (٤).