وإن دَلَّ لصًّا ضمنا، وعلى اللص القرار.
ومن أراد سفرًا، أو خاف عليها عنده -ردَّها إلى مالكها، أو من يحفظ ماله عادة، أو وكيله في قبضها إن كان، ولا يسافر بها.
وإن لم يخفْ عليها، أو كان أحفظ لها، المنقِّح (١): "والمذهب: بلى والحالة هذه، ونصَّ عليه (٢) مع حضوره"، انتهى.
فإن لم يجده ولا وكيله حملها معه إن كان أحفظ، ولم ينهه، وإلا دفعها لحاكم. . . . . .
ــ
* قوله: (ضمنا)؛ أيْ: اللص والوديع من حيث كونه وديعًا مفرطًا، لا من حيث كونه دالًّا، فلا ينافي ما أسلفناه في مسألة دفع المفتاح إلى اللص من الجمع بينهما وبين مسألة الدلالة والإغراء بما يؤخذ من كلام ابن حمدان في مسألة إرسال الصغير، فراجعه! (٣).
وبخطه: وعبارة الإقناع (٤): (ضمنها) وهي مشكلة، إلا أن يراد كل منهما.
* قوله: (وإن لم) وَصْلِيَّة.
* قوله: (ونص)؛ أيْ: الإمام.
* قوله: (عليه)؛ أيْ: على أن له السفر بها مع حضور ربها.
* قوله: (وإلا دفعها لحاكم) لعله ما لم يكن جائرًا.
стр. 1717
فإن تعذر فَلِثِقَة كمن حضره الموت، أو دفعها وأعلم ساكنًا ثقة، فإن لم يُعلمه ضمنها.
ولا يضمن مسافر أُودعَ فسافر بها، فتلفت بالسفر وإن تعدى فركبها لا لسقيها، أو لبسها لا لخوف من عُثٍّ ونحوه.
ويضمن إن لم ينشُرها، أو أخرج الدراهم ليُنْفِقَها. . . . . .
ــ
* قوله: (كمن حضره الموت) وتقدمت الإشارة إليه (١) في قوله: (أو لعذر) حيث فسره الشارح (٢) بذلك، فغرضه القياس عليه، لا الإخبار بحكمه لئلا يتكرر.
* قوله: (وأعلم ساكنًا. . . إلخ)؛ أيْ: بالمكان المدفونة فيه.
* قوله: (ضمنها)؛ لأنه قد يموت ولا يعلم صاحبها مكانها فتضيع عليه.
* قوله: (فسافر)؛ أيْ: أتم سفره.
* قوله: (فتلفت بالسفر)؛ لأن إيداعه في هذه الحالة يقتضي الإذن بالسفر بها.
وبخطه -رحمه اللَّه تعالى-: لعل الباء مستعملة في الأعم، السببية والظرفية ليشمل إذا تلفت فيه، أو بسببه فيما إذا طالت مدته، وكانت الوديعة مما يسرع فساده.
* قوله: (لا لسقيها. . . إلخ) المراد: لمصلحتها.
* قوله: (لا لخوف من عُث) جمع عُثة بضم العين دويبة تلحس الصوف (٣).
* قوله: (ويضمن. . . إلخ) اعتراض بين الشرط وهو (إن تعدى) وجوابه
стр. 1718
أو ينظر إليها- ثم ردَّها، أو كسر ختمها، أو حلَّ كيسها، أو جحدها ثم أقرَّ بها، أو خَلَطها لا بمتميز.
ولو في أخذ عينيَن بطلت فيه، ووجب ردُّها فورًا، ولا تعود وديعة بغير عقد متجدد، وصَحَّ: "كلَّما خُنتَ ثم عدتَ إلى الأمانة فأنت أمين".
وإن أخذ درهمًا ثُمَّ ردَّه أو بدَله متميزًا، أو أذن في أخذه فردَّ بدَله بلا إذنه، فضاع الكلُّ ضمنه وحده، ما لم تكن مختومة أو مشدودة، أو البدل غيرَ متميز، فيضمن الجميع. . . . . .
ــ
وهو قوله: (بطُلت).
* قوله: (بطُلت)؛ أيْ: فيما تعدى فيه، كأحد كيسَين؛ أيْ: دون ما لم يتعد فيه.
* قوله: (ضمنه)؛ أيْ: الدرهم المأخوذ.
* قوله: (وحده) لتعلق الضمان بالأخذ، فلا يضمن غير ما أخذه، كما لو تلف المأخوذ في يده قبل رده، شرح (١)(٢).
* قوله: (فيضمن الجميع) لهتكه الحرز في الأوليَين، ولخلطه الوديعة (٣) بما لا تتميز منه في الثالثة، شرح (٤)(٥).
стр. 1719
ويضمن بخرق كيس من فوق شَدٍّ أرشه فقط، ومن تحته أرشه وما فيه.
ومن أَودعه صغيرٌ وديعة لم يبرأ إلا بردِّها لوليِّه، ويضمنها إن تلفت، ما لم يكن مأذونًا له، أو يخَفْ هلاكها معه كضائع وموجود في مَهْلَكة فلا، وما أُودِع أو أُعير لصغير أو مجنون أو سفيه أو قنٍّ، لم يُضمن بتلف ولو بتفريط، ويُضمَن ما أتلف مكلف غير حرٍّ في رقبته.
* * *
١ - فصل
والمودَع أمين، يُصدق بيمينه في ردٍّ -ولو على يد قنِّه أو زوجته أو خازنه. . . . . .
ــ
* قوله: (فقط)؛ أيْ: دون ما فيه؛ لأنه لم يهتك حرزه.
* قوله: (ما لم يكن)؛ أيْ: الصغير.
* قوله: (أو يخف)؛ أيْ: قابضها من الصغير، ففيه تشتيت الضمير.
* قوله: (فلا)؛ أيْ: فلا ضمان؛ لأن أخذ الضائع وإحرازه، وتخليص المال مما يخاف عليه الهلاك منه أحظ لمالكه.
* قوله: (أو قنٍّ)؛ أيْ: غير مكلف بدليل ما بعده.
* قوله: (ولو بتفريط)، لأن المالك هو المسلط لهؤلاء على ماله؛ لأنهم ليسوا أهلًا للضمان.
* قوله: (في رقبته)؛ لأن إتلافه من جنايته.
فصل
* قوله: (ولو على يد قنِّه)؛ أيْ: قنِّ مدعي الردِّ.
стр. 1720
أو بعد موت ربها- إليه، وفي قوله: "أذنتَ لي في دفعها إلى فلان وفعلتُ"، وتَلَفٍ لا بسبب ظاهر -كحريق ونحوه- إلا مع بيِّنة تشهد بوجوده، وعدمِ خيانة وتفريط.
وإن ادَّعى ردَّها إلى حكم أو ورثة مالك، أو ردًّا بعد مُطله بلا عذر، أو منعه، أو ورثة رَدًّا -ولو لمالك- لم يُقبل إلا ببيِّنة.
وإن قال: "لم يُودِعني"، ثم أقرَّ أو ثبت ببيِّنة، فادَّعى ردًّا أو تلفًا سابقَين لجحوده -لم يُقبل ولو ببيِّنة، ويُقبلان بها بعده، وإن قال: "مالك عندي شيء" قُبِلَا، لا وقوعهما بعد إنكاره.
وإن تلفت عند وارث قبل إمكان ردٍّ لم يضمنها، وإلا ضَمِنَ.
ــ
* قوله: (إلا مع بينة تشهد بوجوده) ويحلف معها أنها ضاعت به.
* قوله: (لم يقبل ولو ببينة) فلا تسمع لتكذيبه لها بجحوده.
* قوله: (ويقبلان)؛ أيْ: دعوى الردِّ ودعوى التلف.
* قوله: (بها)؛ أيْ: بالبينة.
* قوله: (بعده)؛ أيْ: بعد الجحود إن كان قد جدَّد العقد؛ لأنه قد تقدم (١) أنها لا تعود وديعة بعد ما ينافي الأمانة إلا بعقد متجدد، فتنبه له (٢)!.
* قوله: (لا وقوعهما)؛ أيْ: الردِّ والتلف.
* قوله: (بعد إنكاره) لاستقرار الضمان بالجحود فيشبه الغاصب.
стр. 1721
ومن أخَّر ردَّها أو مالًا أُمر بدفعه بعد طلب -بلا عذر- ضَمِن، ويُمهل -لأكل ونوم وهضم طعام، ونحوه- بَقَدْرِه.
ويعمل بخط مورِّثه -على كيس ونحوه-: "هذا وديعة أو لفلان"، وبدين عليه أو له على فلان، ويَحْلِفُ.
ــ
* قوله: (أو مالًا) عطف على "ردَّ" أو على محل الهاء من (ردَّها)؛ لأن لها محلَّين: الجر بالإضافة، والنصب على المفعولية بالمصدر، لكن الأول أقرب من حيث المعنى.
* قوله: (ونحوه) كصلاة، وطهارة.
* قوله: (على كيس ونحوه) قال شيخنا: من نحو ذلك إذا وجد خطه على كتاب، هذا وقف ونحوه، ويفرق بينه وبين ما ذكروه في غير هذا الموضع من أنه لابد مع الخط من قرينة كوضعه بخزانة الوقف (١)، بأن ذلك فيما إذا كان الخط غير خط مورثه، ولم يكن تحقق جريان ملك مورثه عليه، وما هنا فيما اجتمع فيه الأمران، فتدبر!.
* قوله: (أو له على فلان)؛ أيْ: يعمل بخط مورثه بدين له على فلان.
* وقوله: (ويحلف)؛ يعني: إذا أقام شاهدًا، أو ردَّ عليه اليمين من المدعى عليه، أو أقرَّ المدعى عليه بمجهول والمكتوب معلوم على قول في الأخيرتَين (٢)، وأصل المسألة مشروط بأن يعلم من مورثه الصدق والأمانة، وأنه لا يكتب إلا حقًّا، حاشية (٣).
стр. 1722
وإن ادعاها اثنان، فأُقرَّ لأحدهما فله بيمينه، ويحلف للآخر، ولهما: فلهما ويحلف لكل منهما، وإن قال: "لا أعرف صاحبها"، وصدَّقاه أو سكتا، فلا يمين، وإن كذَّباه حلف يمينًا واحدة أنه لا يعلمه، ويُقرَع بينهما في الحالتَين فمن قَرَع حَلف وأخذها.
وإن أوْدَعاه مَكيلًا أو موزونًا ينقسم، فطلب أحدهما نصيبه لغيبة شريكه، أو امتناعه سُلِّم إليه، ولمودِع ومضَارِب ومرتَهِنٍ ومستأجِرٍ -إن غصبت العين- المطالبةُ بها. ولا يضمن مودع كرِهَ على دفعها لغير ربها.
وإن طلب يمينه -ولم يجد بُدًّا- حَلَفَ متأوِّلًا، فإن لم يحلف حتى أخذت ضمنها، ويأثم إن لم يَتَأوَّل -وهو دونَ إثم إقراره بها- ويُكَفِّر.
ــ
* قوله: (ويحلف للآخر)؛ أيْ: على نفي العلم، مبدع (١).
* قوله: (ويحلف لكل منهما)؛ أيْ: على النصف، فإن نكل أخذ منه البدل واقتسماه، حاشية (٢).
* قوله: (ينقسم) بأن لا يكون المكيل من جنسَين مختلفَين واختلطا (٣) على وجه لا يمكن فيه التمييز، ولم يكن الموزون قد دخلته صناعة مباحة.
* قوله: (ولمودع ومضارب. . . إلخ) قال شيخنا (٤): "ومستعير بالطريق الأولى، حرر! ".
стр. 1723
٣ - باب إحياء الموات
وهي: الأرض المنفكَّة عن الاختصاصات ومُلْكِ معصوم، فيُملك بإحياء كل ما لم يجرِ عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عِمَارة.
وإن ملكه من له حرمة أو شُكَّ فيه، فإن وُجد أو أحدٌ من ورثته لم يُملك بإحياء. . . . . .
ــ
باب إحياء الموات
* قوله: (ما لم يجر عليه ملك)؛ أيْ: حقيقي أو اختصاص ليطابق الأول، فتأمل!.
* قوله: (لأحد) المناسب للأول إبدال (أحد) بمعصوم.
* قوله: (ولم يوجد فيه أثر عمارة) هذا ليس بقيد بناءً على القول الذي تبع فيه التنقيح (١)، وسينبه عليه المحشي (٢).
* قوله: (من له حرمة)؛ أيْ: معصوم بدليل مقابلته بالحربي.
* قوله: (فإن وجد)؛ أيْ: المالك.
стр. 1724
وكذا إن جُهل، وإن عُلم ولم يُعْقِب أقطعه الإمام.
وإن مُلِكَ بإحياء، ثم تُرك حتى دَثَر وعَادَ مواتًا، لم يُملك بإحياء إن كان لمعصوم، وإن عُلم ملكه لمعين غير معصوم، فإن أحياه بدار حرب وانْدَرَسَ كان كموات أصلي.
وإن تُرُدِّد في جريان الملك عليه، أو كان به أثر ملك غيرِ جاهلي كالخِرَب التي ذهبت أنهارها، واندرست آثارها، ولم يُعلم لها مالك، أو جاهلي قديم أو قريب، مُلك بإحياء.
ومن أحيا -ولو بلا إذن الإمام، أو ذميًّا- مواتًا سوى موات الحرم وعرفات، وما أحياه مسلم من أرض كفار صُولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها -وما قَرُب من العامر، وتعلَّق بمصالحه- كُطُرقِه وفنائه ومسيل مائه، ومرعاه ومحتطبه، وحريمه. . . . . .
ــ
* قوله: (كالخرب) بكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة بفتح وكسر (١).
* قوله: (أو جاهلي قديم) كديار عاد وثمود، كذا في الإنصاف (٢)، وأما كلام الإقناع (٣) هنا ففيه ما فيه، فإنه فرق بين ديار عاد وثمود نقلًا عن الحارثي (٤) بما هو ليس بلازم، تدبر!.
стр. 1725
ونحو ذلك- مَلَكَه بما فيه من معدن جامد باطن (١)، كذهب وفضة وحديد، وظاهر: كجصٍّ وكُحْل، وعلى ذمي خراج ما أحيا من مَوات عنوة.
ويُملك بإحياء وبُقطع ما قرُب من الساحل -مما إذا حَصَل فيه الماء صار ملحًا- أو من العامر ولم يتعلق بمصالحه، لا معادنُ منفردة، ولا يُملك ما نضب ماؤه، وإن ظهر فيما أحيا عينُ ماء، أو معدن جارٍ كنِفْطٍ وقَارٍ، أو كلأ أو شجر -فهو أحق به، ولا يملكه.
وما فَضَل -من مائه- عن حاجته وحاجة عياله وماشيته. . . . . .
ــ
* قوله: (ملكه بما فيه)؛ أيْ: وعليه الخراج إذا كان ذميًّا، وكان من موات عنوة كما يعلم من قوله الآتي (وعلى ذمي. . . إلخ).
* قوله: (وظاهر. . . إلخ) هو ما يتوصل إلى ما فيه بغير مؤنة.
* قوله: (وعلى ذمي خراج ما أحيا) وهل للذمي بيعها حينئذٍ؟ وإذا قلنا بصحة البيع وباعها لمسلم فهل يستمر الخراج عليها (٢)؟.
* قوله: (ولا يملك ما نضب ماؤه) خلافًا للإقناع (٣).
* قوله: (كنفط) بفتح النون وكسرها (٤).
* قوله: (فهو أحق به) لسبقه إليه.
стр. 1726
وزرعه يجب بذله لبهائم غيره وزرعه، ما لم يجده مباحًا، أو يتضرر به، أو يؤذه بدخوله، أو له فيه ماء السماء وبخاف عطشًا -فلا بأس أن يمنعه.
ومن حفر بئرًا بموات للسَابِلَة فحافر كغيره في سقي زرع وشُرب، ومع ضيق يُسقى آدمي فحيوان فزَرْع، وارتفاقًا كالسفارة -لشربهم ودوابهم، فهم أحق بمائها ما أقاموا، وعليهم بذل فاضل لشارب فقط، وبعد رحيلهم تكون سابلة للمسلمين، فإن عادوا كانوا أحق بها، وتملُّكًا: فملكٌ لحافر.
* * *
١ - فصل
وإحياء أرض بحَوْز: بحائط منيع، أو أجراء ماء لا تُزرع إلا به، أو منع ماء لا تُزرع معه، أو حفر بئر، أو غرس شجر فيها.
ــ
* قوله: (يجب بذله لبهائم غيره وزرعه) ولا يلزمه حبل ولا دلو؛ لأنهما يتلفان بالاستعمال.
* قوله: (ومع ضيق)؛ أيْ: تزاحم وعدم كفاية الماء (١) للكل.
فصل
* قوله: (بحائط منيع) سواء أرادها للبناء أو للزرع، أو حظيرة للغنم أو الخشب أو غير ذلك.
* قوله: (أو حَفْر بئر)؛ أيْ: ووصل إلى مائها بدليل ما يأتي في محترزه
стр. 1727
وبحفر بئر، يملك حريمها، وهو من كل جانب -في قَدِيْمَة- خمسون ذراعًا، وفي غيرها: خمسة وعشرون.
وحريم عين وقناة: خمسمئة ذراع، ونهر من جانبَيه: ما يُحتاج إليه لطرح كِرَايَته، وطريق شَاوِيَّة ونحوهما، وشجر: قدر مدِّ أغصانها، وأرض تُزرع: ما يُحتاج لسقيها، وربط دوابها، وطَرْحِ سَبَخها ونحوه، ودار من موات حولها: مطرحُ تراب وكُناسة وثلج وماء ميزاب، وممر لباب، ولا حريم لدار محفوفة بملك، ويتصرف كل منهم بحسب (١) عادة، وإن وقع في الطريق نزاع وقت الإحياء فلها سبعة أذرع، ولا تُغيَّر بعد وضعها.
ومن تحجَّر مواتًا -بأن أدار حوله أحجارًا-. . . . . .
ــ
من قول المص: (أو حفر بئرًا لم يصل ماءها. . . إلخ).
* قوله: (في قديمة) وهي التي يسمونها عاديَّة بتشديد الياء نسبة إلى عاد ولم يُرد عادًا بعينها، لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكان لها آثار في الأرض نسب إليها كل قديم (٢).
* قوله: (لطرح كرايته)؛ أيْ: ما ينزح منه.
* قوله: (وطريق شاوية)؛ أيْ: قيمة.
* قوله: (ونحوهما) كمطرح ترابه.
* قوله: (ونحوه) من مرافق زراعها (٣) ومصرف مائها عند الاستغناء عنه.
стр. 1728
أو حفر بئرًا لم يصل ماءها، أو سقى شجرًا مباحًا وأصلحه ولم يُركِّبه ونحوه، أو أقطعه -لم يملكه، وهو أحق به و (١) وارثه ومن ينقُله إليه، وكذا من نزل عن أرض خراجيَّة بيده لغيره، أو عن وظيفة لأهل، أو آثر شخصًا بمكانه في الجمعة وليس له بيعه.
ــ
* قوله: (أو سَقى شجرًا) بالسين المهملة والقاف، ووهي عبارة التنقيح (٢) وتبعه عليها المص بدليل غالب النسخ والأولى "شفي" بالشين المعجمة والفاء، وهو قطع الأغصان الكبيرة لتخلفها الأغصان الصغيرة ليسهل تركيبها (٣).
* قوله: (ولم يُركِّبه)؛ أيْ: يطعمه.
* قوله: (ونحوه) بأن حرث الأرض أو خندق حولها.
* قوله: (أو أقطعه)؛ أيْ: أعطاه له الإمام.
* قوله: (وليس له بيعه)؛ أيْ: ليس لمن قلنا إنه أحق بشيء من ذلك السابق بيعه؛ لأنه لا يملكه كحق الشفعة قبل الأخذ، وكمن سبق إلى مباح، لكن النزول عنه بعوض (٤) لا على وجه البيع جائز -كما ذكره ابن نصر اللَّه (٥) - قياسًا على الخلع.
стр. 1729
فإن طالت المدة عرفًا، ولم يتم إحياؤه، وحصل متشوِّفٌ لإحيائه قيل له: إما أن تُحْييه أو تتركه، فإن طلب المهلة لعذر أُمهل ما يراه حاكم من نحو شهر أو ثلاثة، ولا يُملك بإحياءِ غيرِه فيها، وكذا لا يُقرَّر غير منزول له، ولا لغير المؤْثِرِ أن يسبق.
وللإمام إقطاع جلوس بطريق واسعة، ورَحَبة مسجد غير مَحوْطَة ما لم يُضيِّق على الناس، ولا يملكه مُقطع بل يكون أحق به، ما لم يَعُدِ الإمام في إقطاعه.
وإن لم يُقْطع فالسابق أحق ما لم ينقل قُمَاشَه عنها، فإن أطاله أزبل، وله أن يستظل بما لا يضرُّ ككساء، وإن سبق اثنان فأكثر إليه، أو إلى خَانٍ مسبل، أو رباط أو مدرسة أو خَانِكَاه (١) -ولم يتوقف فيها- إلى تنزيل ناظر أُقرِع، والسابق إلى معدن أحق بما يناله. . . . . .
ــ
* قوله: (عرفًا) كنحو ثلاث سنين، إقناع (٢).
* قوله: (ولا يملك)؛ أيْ: ذلك المتحجر الذي أمهل بتحجره لإتمام إحيائه المدة المذكورة.
* قوله: (فيها)؛ أيْ: في هذه المدة.
* قوله: (فإن أطاله)؛ أيْ: الجلوس بلا إقطاع.
стр. 1730
ولا يُمنع إذا طال مُقَامه، وإن سبق عدد، وضاق المحل عن الأخذ جملة أُقرع، والسابق إلى مباح كصيد وعنبر وحطب وثمر ومَنْبُوْذٍ رغبة عنه أحق به، ويُقسم بين عدد بالسوية.
وللإمام -لا غيره- إقطاع غير موات، تمليكًا وانتفاعًا للمصلحة، وحِمَى موات لرعي دواب المسلمين -التي يقوم بجمعها- ما لم يُضيِّق، وله نقض ما حماه أو غيره من الأئمة، لا ما حماه رسول اللَّه ﷺ ، ولا يملك بإحياء ولو لم يُحتج إليه.
* * *
٢ - فصل
ولمن في أعلى ماء غير مملوك كالأمطار، والأنهُر الصغار، أن يسقي ويحبسه حتى يصل إلى كَعْبِه، ثم يُرسله إلى من يليه، ثم هو كذلك مرتبًا إن فضل شيء، وإلا فلا شيء للباقي.
ــ
* قوله: (لا ما حماه رسول اللَّه ﷺ ) كالمشار إليه في باب صيد الحرمَين ونباتهما (١) من قوله: "وجعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلًا حمى".
فصل
* قوله: (وإلا فلا شيء للباقي) لقصة عبد اللَّه بن الزبير مع الأعرابي (٢).
стр. 1731
فإن كان لأرض أحدهم أعلى وأسفل سَقَى كلًّا على حِدَتِه، ولو استوى اثنان فأكثر في قرب قُسم على قدر الأرض إن أمكن، وإلا أُقرِع، فإن لم يفضل عن واحد سقىَ القارع بقدر حقه.
وإن أراد إنسان إحياء أرض بسقيها منه، لم يُمنع ما لم يُضِرَّ بأهل الأرض الشاربة منه، ولا يسقي قبلهم. ولو أحيا سابق في أسفله، ثم آخَرُ فوقه، ثم ثالث فوق ثانٍ، سقى المُحْيي أولًا، ثم ثانٍ، ثم ثالث.
وإن حُفِرَ نهر صغير، وسيق ماؤه من نهر كبير، مُلِكَ وهو بين جماعة على حسب عمل ونفقة، فإن لم يكفهم، وتراضَوا على قسمته: جاز، وإلا قَسَّمَهُ حاكم على قدر ملكهم، فما حصل لأحدهم في ساقيته تصرف فيه بما أحبَّ، والمشترك ليس لأحدهم أن يتصرف فيه بذلك.
ومن سَبَق إلى قناة لا مالك لها فسَبَق آخر إلى بعض أفواهها من فوق أو أسفل، فلكل ما سبق إليه. . . . . .
ــ
* قوله: (ملك)؛ أيْ: ماؤه.
* قوله: (بذلك)؛ أيْ: بما أحب.
стр. 1732
ولمالك أرض مَنْعُه من الدخول بها، ولو كانت رسومها في أرضه، ولا يملك تضييق مجرى قناة في أرضه خوف لص.
ومن سُدَّ له ماءٌ لجَاهِهِ فلغيره السقي منه لحاجة، ما لم يكن تركه. . . . . .
ــ
* قوله: (منعه)؛ أيْ: صاحب القناة.
* قوله: (ولو كانت رسومها في أرضه)؛ أيْ القناة.
* قوله: (ومن سُدَّ له ماءٌ لجاهه)؛ أيْ: حجره ومنعه عن غيره لأجل أن يسقى به أرضه.
* قوله: (فلغيره السقي منه لحاجة)؛ أيْ: لحاجة السقي لمساواته له في الاستحقاق إذا سده بطريق التعدي والتجوه فقط.
* وقوله: (ما لم يكن تركه. . . إلخ) قيد فيما قبله من أنه يجوز للمحتاج السقي منه، وحاصله أنه متى علم أن ترك السقي يؤدي إلى ردِّ (١) الحابس الماء إلى من كان قد حبسه عنه، وأن سقي هذا المحتاج يؤدي إلى استدامته (٢) الحبس للماء وعدم ردِّه لم يجُز لذلك المحتاج الإسراع بالسقي منه؛ لأن سقيه يصير سببًا في ظلم غيره، وهو من سُدَّ عنه الماء، هذا حاصل ما في الشرح (٣) وإن كانت العبارة لا تخلو عن غموض، وهذا معنى ما نقل عن الإمام (٤) حيث سأله إنسان بلفظ: من سُدَّ له الماء لجاهه أفأسقي منه إذا لم يكن تَرْكِي له يردُّه على من سُدَّ عنه؟ فأجازه
стр. 1733
يَرُدُّه على من سُدَّ عنه.
ــ
بقدر حاجتي، انتهى.
ومفهومه أنه إذا كان السقي منه يؤدي إلى عناد ذلك المتجوه وعدم ردِّه للماء أنه لا يجوز لذلك الشريك أن يسقي منه؛ لأن نفعه يؤدي إلى ضرر غيره، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
* * *
стр. 1734
٤ - باب
الجعالة: جَعْل معلوم -لا من مال مُحَارِب، فيصح مجهولًا- لمن يعمل له عملًا ولو مجهولًا. . . . . .
ــ
باب الجعالة
* قوله: (فيصح مجهولًا)؛ أيْ: من مال محارب؛ أيْ: حربي، وليس المراد به قاطع الطريق كما هو المتعارف، غير أن المصنف تبع التنقيح (١) في التعبير به، حاشية (٢).
* قوله: (لمن يعمل له عملًا) انظر هذا القيد مع جعلهم من جملة صور الجعالة الصحيحة على ما في الإقناع (٣) مَن ردَّ لقطة فلان فله كذا، وقد يقال إنه لا يلزم من ضمان العوض تسميتها جعالة، والإقناع ليس فيه إلا التصريح بالضمان.
وفي الحاشية (٤) ما يقتضي أن قوله: (له) قيد على الصحيح من المذهب (٥) ومحترزه شيئان؛ أحدهما: متفق على عدم صحته وهو ما إذا كان العمل للفاعل نفسه، كمن ردَّ لقطة نفسه أو خاط قميص نفسه أو ركب دابة نفسه فله كذا، والثاني:
стр. 1735
أو مدةً ولو مجهولة، كـ: "من ردَّ لُقطتي"، أو: "بنى لي هذا الحائط"، أو: "أقرضني زَيدٌ (١) بجاهه ألفًا"، أو: "أذَّن بهذا المسجد شهرًا فله كذا"، أو: "من فعله من مديني، فهو برئ من كذا".
فمن بلغه قبل فعلِه استحقه به، وفي أثنائه فحصة تمامه إن أتمَّه. . . . . .
ــ
ما إذا كان العمل (٢) لأجنبي منها كمن ردَّ لقطة فلان، فهذا قيل بأنه ينعقد جعالة ومقتضاه أنه لا يكون جعالة على التصحيح من المذهب وإن قلنا بأنه يضمن ما التزمه من الجعل (٣).
* قوله: (بجاهه ألفًا) الضمير عائد على (من) والمعنى: من كان جاهه سببًا في إقراض زيد لي ألفًا فله كذا.
* قوله: (أو أذن بهذا المسجد شهرًا) يؤخذ منه أن الجعالة تكون على (٤) عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فيضم ذلك إلى ما ذكروه مما تفارق فيه الإجارة الجعالة (٥).
стр. 1736
بنية الجُعل، وبعده لم يستحقه وحَرُم أخذه. و: "من ردَّ عبدي فله كذا" -وهو أقلُّ من دينار أو اثني عشر درهمًا، اللذين قدَّرهما الشارع (١) - فقيل: يصح، وله بردِّه الجُعل فقط، وقيل: ". . . ما قدَّر الشارع".
ــ
* قوله: (وهو أقل من دينار. . . إلخ) فإن كان الجعل هو الأكثر استحقه قولًا واحدًا (٢) وصرح به في الإقناع (٣).
* قوله: (فقيل تصح)؛ أيْ: التسمية.
* قوله: (وقيل. . . إلخ) معناه: وقيل: لا تصح التسمية ويرجع إلى ما قدره الشارع وقطع به في الإقناع (٤)، والعقد على القولَين، صحيح (٥).
стр. 1737
ويستحق من ردَّ من دون معينة القسط، ومن أبعد المسمى فقط، ومن ردَّ أحد آبقَين نصفه.
وبعد شروع (١) عامل إن فسخ جاعل فعليه أجرة عمله، وإن فسخ عامل فلا شيء له، ويصح الجمع بين تقدير مدة وعمل.
وإن اختلفا في أصل جُعْل، فقول من ينفيه. . . . . .
ــ
* قوله: (فعليه أجرة عمله) هل المراد سواء علم العامل بالفسخ أم لا؛ لأن الجاعل غرَّه؟ أو يقال: ما لم يعلم، قياسًا على ما قالوه من بطلان تصرفات الوكيل الواقعة بين الفسخ والعلم به (٢)؟.
والظاهر أنه: إن علم بالفسخ في أثناء العمل أنه ليس له من الجعل إلا بقسطه، وإن لم يعلم إلا بعد تمام العمل استحقه كاملًا، فليحرر! (٣).
* قوله: (فلا شيء له)؛ أيْ: في غير مسألة ردِّ العبد، وإلا ففيها ما قدره الشارع.
* قوله: (فقول من ينفيه)؛ أيْ: سواء كان هو الجاعل أو العامل، أما الجاعل فظاهر، وأما العامل فيظهر تصويره على القول الثاني من استحقاق ما قدره الشارع (٤)، فإذا قال الجاعل: جعلت لك درهمَين في ردِّ عبدي، فقال: لم تجعل لي شيئًا،
стр. 1738
وفي قدره أو مسافة فقول جاعِل.
وإن عمل ولو المعَدَّ لأخذ أجرة لغيره عملًا بلا إذن أو جُعل، فلا شيء له، إلا في تخليص متاع غيره، ولو قنًّا من بحر أو فَلَاة فأجر مثله، وردُّ آبقٍ من قنٍّ ومدبَّر وأم ولد -إن لم يكن الإمام- فما قدَّر الشارع، ما لم يمت سيد مُدَبَّر أو أم ولد قبل وصول فيعتقا، ولا شيء له، أو يهرب، ويأخذ ما أنفق عليه. . . . . .
ــ
فأسْتَحِق ما قدره الشارع، القول قول العامل، ويستحق ما قدره الشارع، وهو الدينار أو الاثنا عشر درهمًا، فتدبر!.
* قوله: (فقول جاعل)؛ لأنه غارم، والقول قوله بيمينه.
* قوله: (بلا إذن) متعلق بمدخول (لو) وهو (المُعَدَّ) لا بـ (عمل) -كما يدل له ما في الإقناع (١) -.
* قوله: (ما لم يمت سيد مدبَّر. . . إلخ)؛ أيْ: وخرج من الثلث.
والمعلق عتقه بصفة إذا وجدت كالمدبَّر فيما يظهر، والمكاتب إذا أدى أولى بالحكم من أم الولد، فليراجع!.
* قوله: (فيعتقا) منصوب بـ "أن" مضمرة بعد فاء السببية في سياق النفي على حد قوله -تعالى-: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] ولذا أسقط النون.
* قوله: (ويأخذ ما أنفق عليه)؛ أيْ: في كل من (٢) المسائل الذي يستحق فيها
стр. 1739
أو على دابة في قَوت، ولو هرب أو لم يستأذن مالكًا مع قدرة، ويؤخذان من تركة ميت، ما لم ينوِ التبرع.
وله ذبحُ مأكول خيف موته، ولا يضمن ما نقصه، ومن وجد آبقًا أخذه. . . . . .
ــ
الجعل والتي لا يستحقه فيها، ففي مسألة ردِّه إلى سيده يستحق النفقة عليه مع ما قدره الشارع، وفي مسألة ما إذا مات السيد أو القنُّ، أو هرب قبل التسليم يستحق الرجوع بما أنفقه عليه دون جعل.
* قوله: (في قوت)؛ أيْ: لا في قصٍّ أو دهن مثلًا.
* قوله: (أو لم يستأذن مالكًا)؛ أيْ: في الإنفاق عليه.
* قوله: (من تركة ميت) ظاهره سواء نوى الرجوع أو أطلق، وفي مسألة الإطلاق مخالفة للقواعد، ولعل وجهه أنه لما كان في هذا العمل إنقاذ من هلكة رغب الفاعل بالجعل بخلاف غيره -كذا قال شيخنا (١) - لكن هذا غير ظاهر بما سلف في الوديعة (٢) من أنه إذا ترك علف دابة حتى ماتت ضمنها، وذكر هناك في شرحه (٣) أنه مع لزوم ذلك عليه شرعًا لا يرجع بما أنفقه على علفها إلا (٤) بنية الرجوع، مع أن فيه أيضًا إنقاذًا (٥) من هلكة، فالحق تقييد المتن هناك بما إذا كان قد نوى الرجوع وجَعْل المسألة جارية على القواعد.
* قوله: (ومن وجد آبقًا أخذه) المراد لا يحرم عليه ذلك، لا أنه يجب بدليل
стр. 1740
وهو أمانة، ومن ادَّعاه فصدَّقه الآبق أخذه، ولنائب إمام بيعه لمصلحة، فلو قال: "كنتُ أعتقته" عُمل به.
ــ
ما يأتي في الباب بعده (١).
* قوله: (فصدقه الآبق)؛ أيْ: الكبير.
* * *
стр. 1741
٥ - باب
" اللُّقَطة ": مال أو مختص ضائع -أو في معناه- لغير حربي، ومن أُخِذ متاعه، وتُرك بدله فكلُقطة، ويأخذ حقه منه بعد تعريفه، وهي ثلاثة أقسام:
ما لا تتبعه همة أوساط الناس، كسوط وشِسْع. . . . . .
ــ
باب اللقطة
* قوله: (أو مختص) قال شيخنا في شرحه (١): "كخمر خلال" ولم يفسره بكلب الصيد أو الحراسة؛ لأن المص على ما يأتي (٢) ماشٍ على تحريم التقاطه وعدم ضمانه إن تلف بيد آخذه.
* قوله: (فكلقطة)؛ يعني: وليس لقطة حقيقية، وإلا كان يملك بالتعريف، ولا يصح حمل قولهم: ويأخذ قدر حقه منه بعد تعريفه (٣)، على ما إذا عرف ربه؛ لأنه كان يلزمه دفعه حينئذٍ بتمامه ويطالب بمتاعه أو بدله.
* قوله: (وشِسع) بتقديم المعجمة أحد سيرَي النعل الذي يجعل بين الأصابع (٤).
стр. 1742
ورغيف، فيُملك بأخذ، ولا يلزمه تعريفه، ولا بدله إن وَجَد رَبَّه، وكذا لو لقي كَنَّاس ومن في معناه قطعًا صغارًا متفرقة، ولو كثُرت، ومن ترك دابة بمهلكة أو فلاة. . . . . .
ــ
* قوله: (وكذا لو لقي كناس ومن في معناه قطعًا صفارًا متفرقة ولو كثرت) هذا كلام ابن عقيل، وعبارة التذكرة له (١): "ما يحصل للكناس والنخال والمقشع من القطع الصغار التي لا يجب تعريف آحادها (٢) إذا اجتمع منها ما يصير مجموعه مالًا لم يجب تعريفه وأبيح له، كما نقول فيمن لقط النوى، وقشور الرمان، ومكسور الزجاج والسرجين، فاجتمع منه ما تتوق النفس إليه لم يجب تعريفه؛ لأن آحاده لا تتوق النفس إليها كذلك هؤلاء يلتقطون ما لا تتوق النفس إليه، والظاهر أنه ليس بمال لواحد، وإنما هو مال جماعة كل واحد منهم لا تتوق نفسه إلى قطعته".
[انظر لو دلَّت قرينة على أن الكل لواحد، بأن كانت حبات مسبحة ليس لآحاد قيمة، والمجموع تتوق نفسه إليه، فهل يجب التعريف؟ الظاهر نعم] (٣).
قال: "وذاكرت بهذا شيخنا أبا محمد التميمي (٤) فوافقني فيه، وذكر أنه قياس المذهب"، انتهى، وذكر قبل ذلك في التذكرة ما نصه: "والدانق ونحوه لا يجب
стр. 1743
لانقطاعها، أو عجزِه عن علفها، ملكها آخذها، وكذا ما يُلقى خوف غرق.
الثاني: الضَّوال التي تمتنع من صغار السباع: كإبل وبقر وخيل وبغال وحُمُر، وظباء، وطير، وفهد ونحوها.
فغير الآبق يحرم التقاطه، ولا يُملك بتعريف، ولإمام ونائبه أخذه ليحفظه لربه، ولا يلزمه تعريفه، ولا يؤخذ منه بوصف.
ويجوز التقاط صُيود متوحشة لو تُركت رجعت إلى الصحراء، بشرط عجز ربها، ولا يملكها بالتعريف، لا أحجار طواحين. . . . . .
ــ
تعريفه أيضًا"، انتهى، قال في المستوعب (١) بعد نقله: "وظاهر كلامه أنه عنى به دانقًا من ذهب"، انتهى.
أقول: كلام صاحب المستوعب يوهم أن هذا الحمل له، وفي المبدع (٢) ما نصه: "وحمله في التلخيص؛ أيْ: لابن عقيل، على دانق الذهب نظرًا لعرف العراق" (٣).
* قوله: (لانقطاعها)؛ أيْ: لا إن تركها ليرجع إليها.
* قوله: (وحُمُر) خلافًا للموفق في الحمر، فإنه ألحقها بالشياه في عدم قوة الامتناع (٤).
* قوله: (ولإمام ونائبه أخذه)؛ أيْ: لا على أنه لقطة بدليل ما بعده، فتدبر!.
стр. 1744
وقُدور ضخمة، وأخشاب كبيرة، وما حرُم التقاطه ضمنه آخذه، إن تلف أو نقص، كغاصب، لا كلبًا، ومن كتمه فتلفه فقيمتة مرتَين، ويزول ضمانه بدفعه إلى الإمام أو نائبه أو ردِّه إلى مكانه بأمره.
الثالث: ما عداهما من ثمن ومتاع، وغنم وفُصْلَان، وعَجَاجيلَ وأفلاء (١)، وقنٍّ صغير. . . . . .
ــ
* قوله: (لا كلبًا)؛ أيْ: لا يضمن كلبًا، فالكلب يحرم التقاطه، وصرح به في شرحه (٢) تبعًا للتنقيح (٣).
* قوله: (ومن كتمه. . . إلخ)؛ أيْ: ما يحرم التقاطه، وإنما تكررت القيمة لتكرر التعدي؛ لأنه تعدى أولًا بالتقاط ما لا يجوز التقاطه (٤)، وثانيًا بكتمه وهي من المفردات (٥).
* قوله: (من ثمن)؛ أيْ: نقد.
* قوله: (ومتاع) كفرش، وثياب.
* قوله: (وفصلان) بضم الفاء وكسرها ولد الناقة إذا فصل عنها (٦).
* قوله: (وعجاجيل) جمع عجل ولد البقرة.
* قوله: (وأفلاء) جمع فلو، وهو الجحش والمهر إذا فطما أو بلغا سنة.
стр. 1745
ونحو ذلك، فيحرم على من لا يأمن نفسه عليها أخذها، ويضمنها به، ولم يملكها ولو عرَّفها.
وإن أمن نفسه، وقوي على تعريفها فله أخذها، والأفضل تركها ولو بمَضْيعة، ومن أخذها ثم ردَّها إلى موضعها، أو فرَّط ضمنها إلا أن يأمره إمام أو نائبه بردِّها.
* * *
ــ
* قوله: (ونحو ذلك) كخشبة صغيرة.
* قوله: (ويضمنها به)؛ أيْ: بأخذها سواء تلفت بتفريطه أو لا.
* قوله: (ولم يملكها) ولو عرفها لتحريم السبب.
* قوله: (فله أخذها) ولو أخذها بنية الأمانة ثم طرأ قصد الخيانة ففي التلخيص يحتمل وجهَين (١)؛ أحدهما: لا يضمن كما لا يضمن لو كان أودعه.
قال الحارثي (٢): "وهذا اختيار المص؛ أيْ: الموفق (٣)، وهو الصحيح"، انتهى.
* قوله: (ولو بمَضِيْعَة) بكسر الضاد المعجمة على ما في المطلع (٤) وأصلها مَضْيعة على وزن مَفْعِلة من الضياع.
стр. 1746
١ - فصل
وما أُبيح التقاطه، ولم يُملك به ثلاث أضرب:
حيوان: فيلزمُه فعل الأصلح من أكله بقيمته، أو بيعه وحفظ ثمنه، أو حفظه وينفق عليه من ماله، وله الرجوع بنيَّته، فإن استوت الثلاثة خُيِّر.
الثاني: ما يُخشى فساده، فيلزمه فعل الأحظ من بيعه، أو أكله بقيمته، أو تجفيف ما يُجفَّف، فإن استوت خُيِّر.
الثالث: باقي المال، ويلزمه حفظ الجميع، وتعريفه فورًا نهارًا أول كل يومٍ أسبوعًا، ثم عادة حولًا من التقاط بأن يُنَادِي: "من ضاع منه شيء أو نفقة؟ " في الأسواق. . . . . .
ــ
فصل
* قوله: (ولم يملك به)؛ أيْ: بالالتقاط وهو القسم الثاني.
* قوله: (حيوان) كالفصيل والشاة والدجاجة.
* قوله: (أو بيعه وحفظ ثمنه) ولو لم يلزمه الإمام بذلك.
* قوله: (الثالث باقي المال)؛ أيْ: فيلزمه إبقاؤه بحاله.
* قوله: (ويلزمه حفظ الجميع)؛ أيْ: جميع الأقسام الثلاثة التي أبيح التقاطها من حيوان وغيره، والمراد بحفظ الجميع حينئذٍ الأعم من حفظ عينها أو قيمتها (١) أو ثمنها.
стр. 1747
وأبواب المساجد أوقات الصلاة، وكُره داخلها، وأجرة منادٍ على ملتقط، ويُنتفع بمباح من كلاب، ولا يُعرَّف.
وإن أخَّره الحول أو بعضه لغير عذر أثم، ولم يملكها به بعدُ، كالتقاط بنيَّة تملُّك، أو لم يُرِد تعريفًا، وليس خوفه أن يأخذها سلطان جائر، أو يطالبه بأكثر عذرًا في ترك تعريفها حتى يملكها دونه.
ومن عرَّفها حولًا فلم تُعْرَف دخلت في ملكه حكمًا. . . . . .
ــ
* قوله: (أوقات الصلوات) إن قلت: هذا يعارض قوله أولًا: "أو لكل يوم"؟ قلت: لا معارضة، فإن ذاك بالنسبة للأسبوع الأول، وهذا بالنسبة لما بعده.
* قوله: (وينتفع بمباح)؛ أيْ: بمباح نفعه، وإن كان محرم الالتقاط وهذا هو الموافق لقول المص فيما سبق (١): (وما حرم التقاطه ضمنه آخذه إن تلف) إلى أن قال (لا كلبًا)، وبهذا التأويل يكون المص ماشيًا في المحلَّين على قول واحد، وهو أولى من حمل كلامه هنا على معنى وينتفع بمباح الالتقاط، وجعله ماشيًا هنا على كلام القاضي القائل بأن الكلب مباح الالتقاط (٢)، فتدبر!.
* قوله: (كالتقاط بنية تملك)؛ أيْ: من غير تعريف أو بعده، لكن على نية أنه إن جاء ربها لا يدفعها إليه.
* قوله: (أو لم يرد تعريفًا) في هذا العطف من الحزازة ما لا يخفى، ويمكن أن يتكلف له بأن فاعل المصدر الذي كان مضافًا إليه محذوف. وقوله: (بنية تملك) متعلق به، وقوله: (أو لم يرد) عطف عليه، والتقدير: كالتقاط ملتقط بنية تملك، أو ملتقط لم يرد تعريفًا، فتدبر تجد!.
стр. 1748
ولو عرضًا، أو لُقَطة الحرم، أو لم يختر، أو أخَّره لعذر، أو ضاعت فعرَّفها الثاني، مع علمه بالأول، ولم يُعْلِمْه، أو أعلمه وقصد بتعريفها لنفسه.
* * *
ــ
* قوله: (أو لقطة الحرم)؛ أيْ: حرم مكة، وأشار إلى خلاف الشافعية (١).
* قوله: (وقصد بتعريفها لنفسه)؛ أيْ: فإن الثاني يملكها -كما هو سياق المتن- وقيل: لا يملكها هكذا في تصحيح الفروع (٢)، وعلى هذا الثاني فيكون الأول أحق بها فترجع له، وهل تدخل في ملكه أو لا؟ على القولَين فيما إذا أخر التعريف لعذر (٣)، والذي مشى عليه المص أنها تدخل في ملكه، ومنه تعلم قول الشارح (٤) هنا: "فإنها تدخل في ملك الأول" وما في هذا الخلاف الذي حكاه، حرره! (٥).
стр. 1749
٢ - فصل
ويحرم تصرفه فيها حتى يعرف وعاءها وهو كيسها ونحوه، ووِكَاءها وهو ما شُدَّ به، وعِفاصَها، وهو صفة الشدِّ، وقدرها، وجنسها، وصفتها، وسُن ذلك عند وِجْدانها، وإشهاد عدلَين عليها لا على صفتها، وكذا لقيط.
ومتى وصفها طالبها لزم دفعها بنمائها، ومع رِقٍّ ملتقِط، وإنكار سيده، فلابد من بيِّنة، والمنفصل بعد حول تعريفها لواجدها، وإن تلفت أو نقصت قبله، ولم يفرط لم يضمنها، وبعده يضمنها مطلقًا، وتُعتبر القيمة يوم عُرف ربها.
وإن وصفها ثانٍ قبل دفعها للأول أُقرع، ودُفعت إلى قارع بيمينه، وبعده لا شيء للثاني.
ــ
فصل
* قوله: (فلابد من بينة)؛ أيْ: تشهد بأنه التقطها ونحوه؛ لأن إقرار القنِّ بالمال لا يصح، شرح (١).
* قوله: (قبله)؛ أيْ: قبل حول التعريف، والمراد قبل تمامه.
* قوله: (مطلقًا)؛ أيْ: فرط أو لم يفرط، تعدى أو لم يتعدَّ.
* قوله: (أقرع)؛ أيْ: حيث لا بينة لأحدهما، أو كان لكل منهما بينة وتساقطا كما يعلم مما بعده.
стр. 1750
وإن أقام آخر بيِّنة أنها له أخذها مِن واصف، فإن تلفت لم يضمن ملتقِط.
ولو أدركها ربُّها بعد الحول مبيعة أو موهوبة فليس له إلا البدل، ويُفسخ زمان خيار، وتُرد كبَعْدَ عودها بفسخ أو غيره، أو رهنها، ومئونة الردِّ على ربها.
ولو قال مالكها بعد تلفها: "أخذتَها لتذهب بها"، وقال الملتقط: ". . . لأعرِّفها"، فقوله بيمينه. ووارث -فيما تقدم- كمورِّثه.
ومن استيقظ فوجد في ثوبه مالًا -لا يدري من صَرَّه- فهو له. . . . . .
ــ
* قوله: (وإن أقام بينة. . . إلخ)؛ أيْ: ولو (١) لم يصفها؛ لأن البينة أقوى من الوصف كما يعلم من كلامه في شرحه (٢).
* قوله: (فليس له إلا البدل)؛ أيْ: المثل أو القيمة.
* قوله: (ويفسخ زمان خيار)؛ أيْ: لبائع أو لهما على ما في الإقناع (٣)، وتبعه عليه شيخنا في شرحه (٤)؛ يعني: لا إن كان الخيار للمشتري وحده.
* قوله: (فقوله بيمينه)؛ أيْ: الملتقط.
* قوله: (ووارث. . . إلخ)؛ أيْ: وارث ملتقط أو ربها.
* قوله: (ومن استيقظ) قالوا: من نوم أو إغماء (٥)، وانظر هل مثله
стр. 1751
ولا يبرأ من أخذ من نائم شيئًا إلا بتسليمه له، ومن وجد في حيوان نقدًا أو دُرَّة (١) فلُقطة لواجده، وإن وجد دُرَّة غير مثقوبة في سمكة فلصيَّاد، ومن ادَّعى ما بيد لصٍّ أو ناهب أو قاطع طريق، ووصفه فهو له.
* * *
ــ
الجنون أو يفرِّق؟.
ثم قال شيخنا بعد برهة قلت: ومثله جنون (٢).
* قوله: (إلا بتسليمه له)؛ أيْ: أو للحاكم على ما الإقناع (٣)، وفيه شيء؛ لأن الحاكم لا تصرف له في مال النائم، فليحرر! (٤).
* قوله: (وإن وجد درة غير مثقوبة) وعلم منه أنه لو وجدها مثقوبة، أو وجد بها نقدًا فإنه لقطة لواجده، وهو مما شمله عموم الأول.
* قوله: (فهو له) وعلى قياس ما سبق (٥) أنه لو وصفها ثانٍ (٦) اقترعا فمن قرع أخذه، وإن أقام آخر بينة أخذها (٧)؛ لأنها أقوى من الوصف.
стр. 1752
٣ - فصل
ولا فرق بين ملتقِط غني وفقير، ومسلم وكافر، وعدل وفاسق يأمن نفسه عليها، وإن وجدها صغير أو سفيه أو مجنون قام وليُّه بتعريفها، فإن تلفت بيد أحدهم، وفرِّط ضمن، كإتلافه، وإن كان بتفريط الولي فعليه فإن لم تُعْرف فلواجدها.
والرقيق لسيده أخذها، وتركها معه إن كان عدلًا يتولى تعريفها، وإن لم يأمن سيده لزمه سترها عنه، ومتى تلفت بإتلافه أو تفريطه ففي رقبته.
ــ
فصل
* قوله: (ضمن)؛ أيْ: ملتقط فتكون في ماله.
* قوله: (فعليه)؛ أيْ: الولي، ومن جملة تفريطه ما إذا أبقاها بأيديهم ولم ينتزعها (١) منهم على ما في الإقناع (٢).
* قوله: (والرقيق لسيده) يؤخذ من حل الشارح (٣) أن (الرقيق) مبتدأ خبره محذوف؛ أيْ: يصح التقاطه.
* وقوله: (لسيده. . . إلخ) بتقدير العاطف؛ أيْ: ولسيده أخذها، والضمير عائد على معلوم من المقام؛ أيْ: اللقطة، وعلم أنه يصح منه الالتقاط.
стр. 1753
ومكاتب كحُر ومبعَّض فبينه وبين سيده، وكذا كلُّ نادر من كسب كهبة وهدية ووصية ونحوها ولو أن بينهما مُهايأة.
ــ
* قوله: (ومبعَّض) لعل التقدير: وما التقطه مبعَّض فبَيْنَه. . . إلخ، ليكون للفاء هنا محل، وقدره كذلك شيخنا في شرحه (١).
* * *
стр. 1754
٦ - باب
اللَّقِيْط: طفل لا يُعرف نسبه ولا رِقُّه، نبُذَ أو ضل، إلى سنِّ التمييز، وعند الأكثر: إلى البلوغ.
والتقاطه فرض كفاية، ويُنفق عليه مما معه، وإلا فمن بيت المال، فإن تعذر اقترض عليه حاكم. . . . . .
ــ
باب اللقيط
* قوله: (طفل. . . إلخ) لم يزد في التعريف التقط مثلًا لتكون التسمية ظاهرة، فلعله حينئذٍ من مجاز الأول، وعلى هذا فإرجاع الضمير إليه في قوله: (والتقاطه. . . إلخ) ظاهر، ولو زاد ما ذكر، ثم أرجع الضمير فيما ذكر إليه لاحتيج إلى ارتكاب الاستخدام.
* قوله: (إلى سن التمييز)؛ أيْ: فقط على الصحيح من المذهب، قاله في الإنصاف (١) وقدمه التنقيح (٢).
* قوله: (وينفق عليه مما معه) ولو بلا إذن حاكم.
* قوله: (اقترض عليه حاكم)؛ أيْ: على بيت المال، وظاهره ولو مع وجود متبرع؛ لأنه أمكن الإنفاق عليه دون مِنَّة تلحقه في المستقبل.
стр. 1755
فإن تعذر فعلى من علم حاله، ولا يرجع فهي فرض كفاية.
ويُحكم لإسلامه وحرِّيته إلا أن يوجد في بلد أهل حرب، ولا مسلم فيه، أو فيه مسلم كتاجر وأسير فكافر رقيق. . . . . .
ــ
* قوله: (فهي)؛ أيْ: النفقة على من علم به، شرح (١).
وبخطه: التفريع على ما قبله يحتاج إلى معونة، بأن يجعل من قبيل عطف العلة على معلولها، والمعنى: ولا يرجع المنفق العالم به؛ لأنها واجبة عليه على الكفاية.
* قوله: (كتاجر وأسير)؛ أيْ: لم يبلغا حد الكثرة كما يعلم من المقابلة وليس المراد الوحدة.
* قوله: (فكافر رقيق) وإنما لم (٢) يحكم بإسلامه؛ لأن الظاهر كفره تبعًا لأبويه.
وعمومه يتناول ما إذا كان الملتقط له مسلمًا (٣)، وفيه نظر؛ لأن تبعية أبويه انقطعت كما تنقطع بالسبي، وكلامه في المغني (٤) يدل عليه، وكلام ابن نصر اللَّه (٥) المذكور في الحاشية (٦) صريح في الموافقة على احتمال كونه كافرًا، والمناقشة في