وبعد: فَهَذا هُوَ (تَفْسِيرُ المُوطَّأ) للإمامِ أَبِي المُطَرِّفِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَرْوانَ القُنَازِعيِّ أُقَدِّمُهُ بينَ يَدَي أَهْلِ العِلْمِ بعدَ أَنْ خَدَمْتُهُ بالضَّبْطِ والتَّحْقِيقِ والتَّعْلِيقِ، هَذا الكِتَابُ الذي طَالَما تَشَوَّفَ كَثيرٌ مِنَ البَاحِثينَ إلى ظُهُورِه.
والحَمْدُ للهِ الذي وَفَّقَنِي إلى ذَلِكَ، وهذا مَبْلَغُ عِلْمِي، وغَايةُ جُهْدِي، فإنْ حَالَفَنِي التَّوْفِيقُ فَذَلِكَ فَضْلُ اللهِ تَعَالى يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ، ولَهُ سُبْحَانهُ الحَمْدُ والشُّكْرُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وإنْ أَخْفَقْتُ فأسْتِغْفِرُ اللهَ تعاَلى وأتوبُ إليه، وعُذْرِي أَنِّي لَمْ أَدَّخِرَ وُسْعَاً في خِدَمةِ الكِتَابِ الذي لَمْ يَصِلْ إلينا مِنْهُ سِوَى مَخْطُوطَةٍ وَحِيدَةٍ لَمْ تَسْلَمْ مِنَ النَّقْصِ والتَّحْرِيفِ والسَّقْطِ.
والحمدُ لله ربِّ العَالَمِينَ، وصلَّى الله وسَلَّمَ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، وعلَى آلهِ وصَحْبهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
وكتب
أبو الحارث عامر حسن صبري التميمي
عفا الله تعالي عنه ووالديه
стр. 109
صور من المخطوطات المعتمدة
في تَحْقِيْقِ الكِتَاب
стр. 110
نموذج من النسخة الأولى
стр. 111
نموذج من النسخة الأولى
стр. 112
نموذج من النسخة الثانية
стр. 113
نموذج من النسخة الثانية
стр. 114
نموذج من آخر النسخة الثانية
стр. 115
تفسير الموطأ
تأليف
أبي المطرف عبد الرحمن بن مروان القنازعي القرطبي الأندلسي
ولد سنة ٣٤١ هـ وتوفي سنة ٤١٣ هـ - رحمه الله تعالى -
حققه وقدم له وخرج نصوصه
الأستاذ الدكتور عامر حسن صبري
[المجلد الأول]
стр. 116
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١)
[الطَّهُور للوَضُوءِ]
* [قولُهُ في الهِرَّة: "إنَّها ليست بنَجَسٍ، إنما هي مِنَ الطَّوَافِينَ عليكم أو الطَّوّفاتِ" + ٦١، يعني]: إنما تَطُوفُ على ثِيَابِكُم، وتأوي إلى فُرُشِكُم فليستْ بِنَجِسٍ.
قالَ مَالِكٌ: (إلا أنْ يُرَى في فَمِها نَجَاسةٌ فلا تَتَوضَّأُ مِمَّا شَرِبتْ منهُ) يُريدُ: إذا كَانَ المَاءُ قَلِيلًا، وحُكْمُ الهِرِّ حُكْمُ السِّبَاعِ التي أباحَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الوُضُوءَ بِفَضْلِ ما شَرِبتْ.
قالَ أبو عُمَرَ (٢): وفي هذا الحَدِيثِ دَلِيل على وُجُوبِ رَفْعِ النَّجَاسةِ مِنَ الثِّيَابِ وغَيْرِها، لِقَوْلهِ ﵇: "إنَّها ليستْ بِنَجَسٍ" فلَو كانتْ نَجِسَةً لأنْجَسَتُه وأفْسَدتهُ، ولم يَجُزْ إسْتعمالُه في وَضوءٍ ولا في غَيْرِه.
стр. 117
* قولُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ لِصَاحبِ الحَوْضِ: (لا تُخْبِرْنا، فإنَّا نَرِدُ على السِّبَاع، وَتَرِدُ السِّبَاعُ عَلينا) [٦٢] يقُولُ: لا تُخْبِرْنَا بِشُرِبِ السِّبَاع مِنْ حَوْضِكَ، فإنَّا نتَوضَّأ ونشرَبُ مِنْ فَضْلَتِها، وهذا يَدُلُّ على الحُكْمِ في المَاءِ لِغَلَبةِ الطَّهَارِة عليهِ.
قالَ أبو المُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ (١): المَاءُ عِنْدَنا على الطَّهَارِةِ، إلا أنْ يَتَغيَّرَ لَوْنُهُ، أو طَعْمُهُ، أو رَاِئِحَتُهُ مِنْ شَيءٍ نَجَسٍ حلَّ فيه إلا قَلِيلَ المَاءِ، فإنَّ النَّجَاسَةَ اليَسِيرَةَ تُفْسِدُه وإنْ لم تغيِّرْهُ.
* قولُ ابنِ عُمَرَ: (إنْ كانَ الرِّجَالُ والنِّسَاءُ لَيَتَوضَّئُونَ جَمِيعَاً في زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) [٦٣]، قالَ عِيسَى (٢): يعني أنَّ الرَّجُلَ وامْرَأتَهُ كانَا يَتَوضَّئانِ مِنْ إنَاءِ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ فيه أَيديهُما.
قال أبو مُحَمَّدٍ (٣): في هذا دَلِيلٌ على إباحَةِ الوُضُوءِ بالمَاءِ المُسْتَعَملِ الذي قد توضَّأ به، وإنما كُرِه الوُضُوءُ بالمَاءِ الذي قد توضَّأ به مِنْ أَجْلِ أنَّةُ قد أُدِّي به فَرْضٌ، كما كُرِه أنْ يُرْمَى مِنَ الجِمَارِ بما قد رُمِيَ به.
وقالَ ابنُ القَاسِم (٤): مَنْ تَوضَّأ بما قد تَوضَّا به وصَلَّى جَازَتْ صَلَاتُه إذا كانَ
المُتَوضِّيءُ به أوَّلًا طَاهِرَ الأعْضَاءِ وإلَّا فلا يتوضَّاُ به.
* قولُ النبيِّ ﷺ -في ثَوْبِ المَرْأةِ: "يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَهُ" [٦٥]، يُرِيدُ: إذا جَرَّتْ ثَوْبَها على نَجَاسةٍ يَابِسَةٍ ثُمَّ جَرَّتهُ بعد ذلك على تُرَابٍ طَاهِبر فقد أَزَالَ عَنْ ثَوْبِها ما كَانَ
стр. 118
قد تعلَّقَ بهِ مِنَ النَّجَاسةِ اليَابِسَةِ، وأما إذا جَرَّتهُ على نَجَاسةٍ رَطْبَةٍ لم يُزِلْهَا إلا الغُسْلُ بالمَاءِ.
قالَ ابنُ القَاسِم: القَلَسُ شَيءٌ يَخْرُجُ مِنَ الحَلْقِ مِثلُ القَيءِ، رُبَّما كانَ مَاءً، ورُبَّما كانَ طَعَامًا، فمنْ أَصَابَهُ ذلكَ في صَلَاتهِ فإنْ كانَ مَاءً تَمَادَى فيها ولا شَيءَ عليهِ، وإنْ كانَ طَعَامًا يَسِيرًا تَمَادَى فيها ولا شَيءَ عليهِ، وإنْ كانَ كَثيرًا قَطَعَ صَلَاتَهُ وتَمَضْمَضَ بالمَاءِ وابتدأَ صَلَاتهِ.
* تَرْكُ ابنِ عُمَرَ حينَ غَسَّلَ ابنَ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ [٦٨]، وتَرْكُه الوُضُوءَ والغُسْلَ دَلِيلٌ على أنْ لَا وُضُوءَ ولا غُسْلٌ على مَنْ غَسَّلَ مَيِّتَاً.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: أجمعَ أهلُ المَدِينةِ على أنَّ لا وُضُوءَ على مَنْ أَكَلَ طَعَامًا قد مسَّتُهُ النَّارُ، فسَأَلتُهُ عَنْ حَديثِ الأَغَرِّ عَنْ أبي هُرَيرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "تَوضَّؤوا مما غَيَّرتُه النَّارُ" (١) فقالَ لي: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، والعَمَلُ في هذا على فِعْلِ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وعلي وغيرِهم مِنَ الصَّحَابةِ الذينَ كَانُوا لا يَتَوضَّئُونَ مما مَسَّتُه النَّارُ.
* قال أبو المُطَرِّف: روَى جَابِرُ بنُ عبدِ الله قالَ: "كانَ آخِرُ الأمْرَينِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْكُ الوُضُوءِ مما مَسَّتُه النَّارُ" (٢).
* وفي حَدِيثِ سُويدِ بنِ النُّعْمَانِ [٧٢]، مِنَ الفِقْه: نَظَرُ إمامِ الجَيْشِ لأهلِ العَسْكَرِ عندَ قِلَّةِ الزَّادِ فتُجْمَعُ أَزْوِدَتُهم لكي يَقُوتَ منها مَنْ لا زَادَ معهُ، كما فعلَ النبيُّ ﵇.
وقالَ بعضُ الفُقَهاءِ: هذا الحديثُ يُوجِبُ إخْرَاجَ الطَّعَامِ مِنْ مَخَازِنِ المُحْتكِرينَ إذا قَلَّ في الأسْوَاقِ فَيَبِيعُونهُ مِنْ أهلِ الحَاجَةِ [لعُسْرِ] (٣) ذلك اليومِ (٤).
стр. 119
* وقوله في السَّوِيقِ: "فأَمَرَ بهِ فَثُرِّيَ" [٧٢]، يعني: بُلَّ بالمَاءِ، لِيَكُونَ أَسْهَلَ لأَكْلِه وشُرْبِه، وفي هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْه: مَضْمَضَةُ الفَمِ عندَ أَكْلِ الطَّعَامِ، وهو مِنْ بابِ النَّظَافةِ، وفيه تَرْكُ الوُضُوءِ مما مَسَّتِ النَّارُ.
* قالَ أبو المُطَرِّف: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ قَوْلَةَ أنسٍ: (لَيْتَنِي لمْ أَفْعَلْ) [٧٩]، رَدٌّ لِقَوْلِ مَنْ قالَ: إنَّ أَنَسَ مَاتَ على الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وقِيلَ: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ هذه القِضَةَ مِنْ أَجْلِ إنْكَارِ أبي طَلْحَةَ وأُبَيٍّ على أَنسً وُضُوءَهُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
وفي هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أَنَّ أَعْمَالَ أَهْلِ المَدِينةِ حُجَّةٌ على مَنْ خَالَفَهُم مِنْ أَهْلِ الآفاقِ، ولِذَلِكَ قالَ أُبَيٌّ وأبو طَلْحَةَ لأنسٍ: (أَعِرَاقيَّةٌ؟) [٧٩]، يعني: جِئْتنا مِنَ العِرَاقِ بِما ليسَ عليه العَمَلُ بالمَدِينَةِ، فقالَ: (لَيْتَنِي لمْ أَفْعَلْ)، فأقرَّ أنَّ عَمَلَ أهلِ المَدِينةِ حُجَّةٌ على مَنْ خَالَفَهُم.
وفي هذه القِصَّةِ مِنَ الفِقْه: زيارةُ مَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، وإكْرَامُ الرَّجُلِ مَنْ زَارَهُ بِطَعَامِه، وإنْكَارُ الفُقَهاءِ ما لا يُعْرَفْ مَعْمُولا به في المَدِينةِ، واعْتِرَافُ الرَّجُلِ بِخَطَئِه.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: وهذا هُو المَعْرُوفُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوةَ عنْ عَائِشَةَ، وليسَ بثابِتٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوةَ عَنْ أَبي هُرَيْرةَ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: معنى الإسْتِطَابةِ يعني: النَّظَافةَ والتَّمَسُّحَ بالأَحْجَارِ عندَ الحَدَثِ، ومنهُ يُقَالُ: رَجُل مُطِيْبٌ إذا اسْتَنْجَى عندَ الحَدَثِ.
* قولُ النبيِّ ﵇ لأهلِ القُبُورِ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ" وذَكَرَ الحَدِيثَ [٨٢]، فيه من الفِقه: إباحةُ زِيَارةِ القُبُورِ، والسَّلامُ على المَوْتى.
وقالَ بَعْضُهم: في هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ أَرْوَاحَ المَوْتَى على أَقْبيَةِ القُبُورِ، وأَنْكَرَ هذا القَوْلَ بعضُ شُيُوخِنا، وقالَ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "إنما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ مِنْ طَيْرٍ يُعْلَقُ في شَجَرةِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إلى جَسَدِه يومَ القِيَامةِ" (١).
وسُئِلَ يحيَي بنُ يحيَى عَنْ مُسْتَقَرِّ الأَرْوَاحِ أينَ هي؟ قالَ للسَّائِل: أينَ كانتْ قبلَ أنْ تَكْمُنَ في الأَجْسَادِ، وقالَ لَهُ: كانتْ في عِلْمِ اللهِ، قالَ له يحيَى: وكَذَلِكَ هي بعدَ خُرُوجِها مِنَ الأَجْسَادِ في عِلْمِ اللهِ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: معنى قولهِ في هذا الحَدِيثِ: "إنا إنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحِقُونَ" [٨٢]، يعني: لا نُبَدِّلُ ما تَرَكْتُمونَا عليهِ، ونَمُوتُ على مَا مِتُّم عليهَ إنْ شاءَ اللهُ، والاسْتثنَاءُ مِنَ الأمرِ الوَاجِب مَعْرُوفٌ عندَ العَرَبِ، قالَ اللهُ : ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، فأَوْجَبَ لَهُم دُخُولَهُ، لقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنَى في ذلكَ، فقال ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
* وقولُه: "وَدِدْتُ أَنِّي قد رأَيْتُ إخْوَانَنا" [٨٢] تَمنَّى أنْ يَرَى أُمَّتَهُ في الجنَّةِ،
стр. 122
فاسْتَفْهَمهُ أصحابَهُ وقَالُوا: "ألسنا بإخْوَانِكَ؟ فقالَ: بلْ أنتُم أَصْحَابِي، وإخْوَانَنا الذين لم يأتُوا بعدُ" فدَلَّ هذا على أنَّ الأُخُوَّةَ اسمٌ عامٌّ يَدْخُلُ فيها مَنْ شَاهَدَهُ وغيرُهم مِنْ أُمَّتهِ، والصُّحبةُ اسمٌ خَاصٌّ، وهو لِمَنْ رأَى النبيَّ ﷺ وصَحْبَهُ.
* وقولُه: "وأنا فَرَطُهُمْ على الحَوْضِ" يعني: أنا مُتَقدِّمُهم يومَ القِيَامَةِ إلى حَوْضِي، والفَارِطُ هو المُتَقدِّمُ إلى المَاءِ، والوَارِدُ هو الذي يَرِدُ المَاءَ بعدَ الفَارِطِ، وثبتَ بهذا الحَدِيثِ أنَّ للنبيِّ ﷺ حَوْضَا يُورِدُه وأمَّتَهُ يومَ القِيَامَةِ ويَشْرَبُونَ منه، وأنَّهُ يَعْرِفُ أُمَّتَهُ يومَ القِيَامَةِ بِعَلَامةِ الوُضُوءِ التي خُصُّوا بها مِنْ بينِ سَائِرِ الأممِ، وهي الغُرَّةُ والتَّحْجِيلُ، يأْتُونَ بِيضَ الوُجُؤ والأيدِي، وذكرَ ابنُ المُبَارَكِ مِنْ طَرِيقِ أبي ذَرٍّ وأبي الدَّرْدَاءِ أنَّ النبيَّ ﷺ قِيلَ له كيفَ تَعْرِفُكَ أُمَّتُكَ يومَ القِيَامةِ منْ بينَ سَائِرِ الأُمَمِ؟ فقالَ: "هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ (١)، ولا يكُونُ كذلك أحدٌ غيرُهم".
قالَ أبو المُطَرِّفِ: سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عن حَدِيثِ المُسَيِّبِ بنِ وَاضِحٍ عَنْ [حَفْصِ بنِ مَيْسَرةَ] (٢)، عَنْ [عبدِ اللهِ] (٣) بنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، فقالَ: هذا وُضُوءُ مَنْ لا يَقْبَلُ اللهُ ﵎ لهُ صَلَاةٌ إلا به، ثُمَّ توضَّأ مَرَّتينِ مَرَّتينِ، ثُمَّ قالَ: هذا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللهُ لهُ الأجرَ مرَّتينِ، ثُمَّ توضَّا ثلاثًا ثلاثًا، فقالَ: هذا وُضُوئي ووُضوءُ الأنبياءِ مِنْ قَبْلِي" (٤). فقالَ لي
стр. 123
أبو مُحَمَّدٍ: ليسَ هذا بِثَابِتٍ، والمُسَيِّبُ بنُ وَاضِحٍ ضَعِيفٌ، ليسَ يَصِحُّ عَنِ ابنِ عُمَرَ حَدِيثٌ في الوُضُوءِ، وهذه الأُمَّةُ مَخْصُوصَةٌ بالوُضُوءِ.
قال أبو عُمَرَ: هذِه الأُمَّةُ مَخْصُوصةٌ بالوُضُوءِ، قالَ: ونزلَ فَرْضُ الوُضُوءِ بالمَدِينةِ، قِيلَ له: فبأيِّ شَيءٍ صَلُّوا بمكَّةَ إذ فُرِضتِ الصَّلاةُ بها؟ فقالَ: لا أدرِي، ليسَ كُلُّ شيءٍ يَبْلُغَنا (١).
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قولهُ "فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي" [٨٢]، على معنى الخَبَرِ، وفيهِ مَعْنَى التَّحْذِيرِ، أي لَيَحْذَرُ العَاصِي أنْ يُذَادَ عَنْ حَوْضِي بالعَمَلِ السَّيءِ، وروَى يحيى بنُ يحيى: "فَلا يُذَادَنَّ" على معنى لا يَفْعَلُ فِعْلا يُطَردُ به عَنْ حَوْضِي.
* وقولُه: "ألَا هَلُمَّ، ألَا هَلُمَّ" يَدْعُو إلى حَوْضِه الذين يأتُونَ بِعَلَاماتِ الوُضُوءِ، فيُقَالُ له فيمنْ يُطْرَدُ منهُم عَنِ الحَوْضِ: "إنَّهُم قد بَدَّلُوا بَعْدَكَ"، أي غَيَّروا سُنَّتَكَ وأَحْدَثُوا، وهَؤُلاءِ أهلُ البدَع والمُحْدِثينَ في دِينِ اللهِ المُخَالِفِينَ لِما أَمَرَ اللهُ به ورَسُولُه.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وقدْ يكُونُ في غيرِ أهلِ البدَع مَنْ هُو شَرٌّ مِنْ أهلِ البِدَع، وذلكَ أنَّ أهلَ البِدَعِ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا بتأويلٍ تَأؤَلُوهَ، وكانُوا بذلكَ أعذرَ مِمَّن تَقَحَّمَ في فِعْلِ الشَّيءِ بعدَ مَعْرِفتهِ بِتَقَحُّمِه (٢).
стр. 124
وقوله: "فَسُحْقًا فَسُحْقَاً" يعني: بُعْدَاً لِهَؤُلاءِ المَطْرُودِينَ عَنِ الحَوْضِ، غيرَ أنَّهُ لا يَخُلَّدُ في النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، لأنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "إن اللهَ يقُولُ يومَ القِيَامَةِ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُم في قَلْبِه مِثْقَالَ حَبَّهٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ فأَخْرِجُوه مِنَ النَّارِ، فَيَخْرُجُونَ منها بإيمَانِهم فَيَدْخُلونَ الجَنَّةَ" (١).
قالَ أبو عُمَرَ: وهذا الحديثُ يَقْضِي على مَا في حَدِيثِ العَلَاءِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (٢).
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: المَقَاعِدُ التي يَجْلِسُ عليها عُثْمانُ بنُ عفَّانَ كَانَتْ حِجَارَةً بِقُربِ دارِ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ، كانَ يَجْلِسُ عليهَا مَعَ أَصْحَابهِ، ومِنْ شَأْنِ الأئمةِ الإشْتِغَالُ بأمورِ المُسْلِمينَ، ولذلكَ رَتَّبُوا مُؤذِّنِينَ يُؤذِّنُونَهُم بأوقاتِ الصَّلَواتِ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُه في آخرِ الحَدِيثِ: "لَوْلَا آيةٌ في كِتَابِ اللهِ ما حدَّثتكم به" (٣) [٨٣]، يعني: لَوْلَا أنَّ تَصْدِيقَهُ في كِتَابِ اللهِ ﵎ ما حَدَّثتُكم به، ثُمَّ حدَّثهُم.
وتأوَّلَ مَالِكٌ في ذلك قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني: ﴿طرفي النهار﴾ صَلَاةً الصُّبْحِ والظُّهرِ والعَصْرِ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المَغْرِبَ والعِشَاءَ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
وروى ابنُ بُكَيْرٍ: (لَوْلَا آيةٌ في كِتَابِ اللهِ ما حدَّثْتكُم به) (٤)، يعني قولَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلي آخرِ الآيةِ [البقرة: ١٥٩]، يُرِيدُ عُثْمَانُ بهذا الوَعْدُ أنَّ اللهَ أخَذَ على العُلَماءِ ألَّا يَكْتُمُونَ العِلْمَ ما حدَّثْتكُم بهَذا، لِئَلَّا يَتكِّلُوا عليهِ، وَيدَعُوا الأعْمَالَ.
стр. 125
أخبرنا أبو بَكْرِ بنُ أحمدَ بنِ خَالِدٍ (١)، عَنْ أبيه (٢)، عَنِ الدَّبَرِيِّ (٣)، عَنْ عبدِ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ حُمْرَانَ، قالَ: (رَأَيْتُ عُثْمَانَ يَتَوضَّأُ، فَأَفْرَغَ على يَدَيْهِ فَغَسَلَها، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ اليُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأ نحوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ قالَ: مَنْ تَوضَّأَ مثلَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتْينِ لا يُحَدِّثُ فيها نَفْسَهُ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه (٤).
قال أبو المُطَرِّفِ: وهذا الحَدِيثُ أَعَمُّ ما جاءَ في الوُضُوءِ، وقد روى ابنُ عبَّاسٍ: (أنَ النبيَّ ﷺ تَوضَّا مرَّة مرَّة) (٥)، وفي حديثِ ابنِ زيدٍ: (أنَّهُ توضَّأ مَرَّتينِ مَرَّتَيْنِ (٦)، وهذا كُلُّه على سَبِيلِ السَّعَةِ.
وقالَ مَالِكٌ: لا أُحِبُّ للمُتوضِّئ أنْ يَقْصُرَ مِنَ اثْنتَيْنِ إذا عَمَّتا.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ مُفَسَّرٌ في المُوطَّأ [٨].
قِيلَ لأَبي عُمَرَ: أيُّ شَيءٍ يذْهِبُ الوُضُوءُ الكَبَائِرَ أَمِ الصَّغَائِرَ؟ قالَ: لا تُذْهَبُ الكِبَائِرُ إلا التَّوْبَةُ، والإعْتِقَادُ ألَّا يَعُودَ.
стр. 126
وقالَ لنا مِثْلُهُ ابنُ أبي زَيْدٍ (١)
وسُئِلَ أبو مُحَمَّدٍ عَنْ هذا، فقالَ: يَفْعَلُ اللهُ ما يَشَاءُ.
* وقولُه في آخِرِ الحَدِيثِ: "ثُمَّ كانَ مَشْيُهُ إلى المَسْجِدِ وصَلَاتهُ نَافِلَةً" [٨٥] يعني: يَتَنَفَّلَ ذَلِكَ إلى أَجْرِ الوُضُوءِ الذي تقدَّمَ له.
* حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا تَوضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ أو المُؤْمنُ" [٨٥] فيه مِنَ الفِقْهِ: تَحَرِّي المُحَدِّثُ لَفْظَ النبيِّ ﷺ ، فَيَنْقُلَهُ كمَا يَسْمَعُه منه، ولا يَنْقُلْهُ على المَعْنَى.
وقالَ بعضُ العُلَماءِ: المُسْلِمُ والمُؤْمِنُ شَيءٌ وَاحِدٌ، قالَ اللهُ : ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وَهُم أَهْلُ بَيْتِ لُوطٍ، فَذَكَرَهُم اللهُ باسمِ الإيمانِ والإسْلَامِ.
ومِنَ العُلَمَاءِ مَنْ قالَ: الإسلامُ هُو التَّوْحِيدُ، والإيمانُ إقَامَةُ الفَرَائِضِ وإصَابةُ السُّنَّةِ.
قالَ أبو المُطَرَّفِ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الإتْيَانِ إلى الصَّلَاةِ جَرْيًا، وذلكَ أنَّ الآتي إليها في صَلَاةٍ كَانَ يَعْمَدُ إليها، لِقَوْلهِ ﷺ : "الأعمالُ بالنِّياتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى" (٢) فَوَاجَبٌ أنْ تُؤْتَى الصَّلَاةُ بالسَّكِينةِ وَالوَقَارِ.
* قَوْلُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ: "فَرَأيتُ المَاءَ يَنْبَعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابعٍ رَسُولِ اللهِ ﷺ [٨٦] قالَ أبو مُحَمَّدٍ: عُرِضَتْ هذِه القِصَّةُ للنبيِّ ﷺ بالمَدِينةِ في نَاحِيةِ الزَّوْرَاءِ (٣)، ولم
стр. 127
يُسْتَبَح التَّيَمُّمُ في ذلك المَكَانِ عندَ عَدَمِهِم المَاءَ لأنَّهُم كَانُوا أهلَ حَضَير، ولم يَتَوضَّاُ مِنْ بِئْرٍ بُضَاعَةَ (١)، وكَانَ لا يَقْرَبُهُ مِنْ أَجْلِ نَجَاسَتِهِ، وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ أَبَاحَ الوُضُوءَ بمَاءِ بِئْرِ بُضَاعَةَ، واحْتَجَّ بأن المَاءَ إذا كَانَ قُلَّتيْنِ لم يُنْجِسْهُ ما طُرِحَ فيه مِنَ النَّجَاسةِ، وكانَت النَجَاسَةُ تُطْرَحُ في بِئْرِ بُضَاعَةِ.
ونَبع المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه مِنْ عَلَامةِ نُبُوَّته، وشَاهَدَ هذِه القِصَّةَ جَمَاعةٌ مِنَ الصحَابةِ، وقالَ غَيْرُه: إنما انْفَرَد أنسٌ بِروَايَتِها لِطُولِ بَقَائِه بعدَ النبيِّ ﷺ ، ولِطَلَبِ العُلوِّ في سَنَدِ الحَدِيثِ.
* قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (إنما ذلكَ وُضُوءُ النِّسَاءَ) [٨٨]، يُرِيدُ أنَّ الرِّجَالِ يَتَمَسَّحُونَ الأَحْجَارَ عندَ الحَدَثِ، وأما المَرْأةُ فَتَغْسِلُ فَرْجَها عندَ البَوْلِ، مِنْ أَجْلِ انْتِشَارِ البَوْلِ عندَ خُرُوجِه مِنْ فَرْجِها، بِخِلَافِ ذَكَرِ الرَّجُلِ.
قولهُ ﵇: "إذا شَربِ الكَلْبُ في إنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبع مَرَّات" [٨٩]، قالَ ابنُ أبي زَيْدٍ: غَسْلُ الإنَاءِ في هذا الحَدِيثِ سَبْعَاً [تَعَبُّدا] (٢)، ولَو كَانَ ذَلِكَ لِنَجَاسَتِه لأُزِيلَتْ بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ.
قالَ مَالِكٌ: وقد أَبَاحَ اللهُ أَكْلَ صَيْدِه، فَكَيْفَ يُكْرَهُ لُعَابُهُ، وإنَّما يُغْسَلُ الإنَاءُ في المَاءِ وَحْدَهُ بعدَ أنْ يُهْرَقَ ذَلِكَ المَاءُ لِخَفَّةِ مَؤُنَتِه، وللحَدِيثِ الذي جاءَ فيهِ، ولا يُغْسَلُ لِطَعَامٍ ولا لِشَرَابٍ وَلَغَ فيهِ، ويُؤكَلُ ذلكَ الطَّعَامُ، وُيشْرَبُ ذَلِكَ الشَرَابُ الذي يَلِغُ فيهِ الكَلْبُ.
وقالَ ابنُ حَبِيبٍ (٣): يُؤْكَلُ ذَلِكَ الطَّعَامُ وُيشْرَبُ ذَلِكَ الشَّرَابُ، ثُمَّ يُغْسَلُ بعدَ ذَلِكَ الإنَاءِ.
стр. 128
وقالَ بعضُ شُيوخِنا: لمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينةَ كانتْ كِلَابُ الأنْصَارِ تُؤْذِيهم، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى النبيِّ ﷺ فَنَهَى عَن اقْتِنَاءِ الكِلَابِ، ثُمَّ شَدَّد في ذَلِكَ، فقالَ: "إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: ورَوَى سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "استَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا"، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ (١)، وهذا الحَدِيثُ في المُوطَّأ بَلَاغٌ [٩٠].
قالَ عِيسَى: يقُولُ اجْتَهِدُوا في العَمَلِ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَسْتَقِيمُوا في كُلِّ مَا أُمِرْتُم أَنْ تَسْتَقِيمُوا فيه، ولنْ يَنْجُو مِنَ الخَطَايَا ولا يَصْبِرَ على الوُضوءِ في شِدَّةِ البَرْدِ وحَالَةِ الشُّغْلِ إلا مُؤْمِنٌ.
* وإنما نَهَى جَابِرٌ عَنِ المَسْحِ على العَمَامَةِ [٩٣]، لأن اللهَ ﵎ أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأسِ في الوُضُوءِ، وما رَوَى في ذَلِكَ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يحيى بنِ أَبي كَثِيرٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ مسَحَ على عِمَامَتِه" فَحَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ (٢)، وتَرْكُ الصَّحَابةِ له يَدُلُّ على ضَعْفِه (٣)، والثَّابِتُ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ مَسَحَ شَعْرَ رَأْسِه كُلِّه في الوُضُوءِ.
قال عِيسى: كانَ ابنُ عُمَرَ يَقْبِضُ أصَاجَ يَدَيْهِ كُلِّها ويَمُدُّ أُصْبُعَيْه اللَّتيْنِ تَلِيَانِ
стр. 129
الإبْهَامِينَ، أُصْبُعا مِنْ كُل يَدٍ، ثُمَّ يَغْمِسَها في المَاءِ ويَمْسَحُ بِهِما أُذُنَيْهِ دَاخِلِهما وخَارِجِهما (١).
قالَ مَالِكٌ: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأسِ، ويُسْتَأنَفُ لَهُما المَاءُ، يعنِي أنَّهُما مَمَسْوُحتَانِ في الوُضُوءِ غيرُ مَغْسُولَتَيْنِ، ولا يُمْسَحَانِ بالمَاءِ الذي مُسِحَ بهِ الرَّأسُ، ومَسْحُهُما سُنَّةٌ، ومَسَحُهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ -في وُضُوئهِ مِنْ غيرِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ عَنْ صَفِيَّةَ: (أنَّها كَانَتْ تَنْزِعُ خِمَارَهَا وتَمْسَحُ رَأْسَها كُلَّهُ) [٩٥]، يَرُدُّ به قَوْلَ مَنْ نَسَبَ إلى ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِهُ في الوُضُوءِ، وكانتْ صَفِيَّةُ أَشَدَّ النَّاسِ اقْتِدَاءً بابنِ عُمَرَ، فلَو رَأَتْهُ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِه في وُضُوئهِ مَا [نَزَعَتْ] (٢) خِمَارَها عندَ مَسْحِ رَأْسِهَا.
* وقَوْلُه في الحَدِيثِ: (ونَافِعٌ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ) [٩٥]، يعنِي: أنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى شَعْرِ صَفِيَّةَ لِصِغَرِ سِنِّه.
وفي هذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْه: إبَاحَةُ أَخْذِ العِلْمِ عَمَّن رآهُ في صِغَرِه إذا حَدَّث به في كِبَرِه.
قالَ ابنُ القَاسم: مَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِه في وُضُوئِه وصَلَّى أَعَادَ وُضُوئَهُ وصَلَاتَهُ، لأنَّهُ نَقَصَ وُضُوئَهُ وصَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ كَامِلٍ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: روَى ابنُ مَسْلَمةَ (٣): (مَنْ مَسَحَ ثُلُثَ رَأْسِه في وُضُوئِه وصَلَّى أنَّ صَلَاتهُ تَامَّةً) (٤)، وأنكرَ هذه الرِّوايةَ شُيُوخُنا.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: ومَن احْتَجَّ في إجَازَةِ هذا بأن البَاءَ قد دَخَلتْ في قولهِ:
стр. 130
﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] للتَبْعِيضِ يَلْزَمُه أنْ يُتَمِّمَ بعضَ وَجْهِه إذا تَيَمَّمَ، لأن اللهَ ﵎ قالَ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وليَجْتَزِئُ بالطَّوَافِ بِبَعْضِ البَيْتِ دُونَ بَعْضٍ، لِقَولهِ : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا لا يَقُولُه أَحَدٌ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: وفي حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ [٩٩]، مِنَ الفِقْهِ: التَّأهُبُ للسَّفَرِ بِلِبْسٍ غيرِ لِبْسَةِ الحَضَرِ، والمَسْحُ على الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ إذا لَبِسَهُما المُتَوضِّئُ على طَهَارَة (١).
......................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
* * *
стр. 131
[بابُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ]
* [مَالِكٌ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فإذا انْصَرفَ قالَ: واللهِ إني لأَشْبَهُكُم] (١) صَلاةً برَسُولِ اللهِ ﷺ [٢٤٨]، قالَ أبو المُطَرِّفِ: أدْخَلَهُ مَالِكٌ على أنَّ اليَدَيْنِ تُرْفَعَانِ [في] (٢) تَكْبيرَةِ الإحْرَامِ، خَاصَّةَ أنَّ المُصَلِّي يُكَبِّرُ كُلَّما خَفَضَ وَرَفَعَ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ قَاَلَ أنَ المُصَلِّي يَتْرُكُ التَّكْبِيرَ عندَ رَفْعِ رَأْسِه مِنْ بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ فَيُكَبِّرُ في صَلَاةٍ ذاتِ أرْبَعٍ ثمَانِ عَشَرةَ تَكْبِيرَةً.
عَنْ عِكْرِمةَ أنَّهُ قالَ لإبنِ عبَّاسٍ: إني صَلَّيتُ خَلْفَ شَيْخٍ بمِكَّةَ فَكَبَّرَ في صَلَاتهِ اثْنَتيْنِ وعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فقالَ لهُ ابنُ عبَّاسٍ: تِلْكَ سُنَّةُ أبي القَاسِمِ ﷺ (٣).
قال أبو المُطَرِّفِ: ولهذا كانَ أبو هُرَيْرةَ يَقُولُ إذا كَبَّر في صَلَاتهِ كُلَّما خَفَضَ ورَفَعَ: (واللهِ إني لأَشْبَهُكُم صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ).
* قولُ مَالِكٍ فِيمَنْ لم يُكَبِّرْ لِلإفْتِتاحِ، ولا للرِّكُوعِ في الرَّكْعةِ الأولَى وكَبَّر في الثَّانِيَةِ أنه يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ.
[٢٥٢] قال أبو مُحَمَّدٍ: روَى عنه عليُّ بنُ زِيَادٍ (٤) أنَّهُ إنْ كبَّرَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ
стр. 132
تَكْبيرَةً يَنْوِي بِها الإفْتِتَاحَ أنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيةٌ عنهُ إذا أعادَ رَكْعَةً بعدَ سَلَامِ الإمامِ، فإن لم يَنْو بِتكْبيرِه تَكْبِيرَةً يَنْوِي بها الإفْتِتَاحَ تَمَادَى معَ الإمامِ وأَعَادَ الصَّلاةَ، وذَلِكَ أنَّ الصَّلاةَ لا تجْزَئُ في قَوْلِ رَبِيعَةَ (١)، مِنْ أَجْلِ تَرْكِه تَكْبِيرَةَ الإفْتِتَاحِ.
وقالَ ابنُ المُسَيِّبِ والزُّهْرِيُّ: تُجْزِئُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ للمَأمُومِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإفْتِتَاحِ إذ أَشْبَهَها (٢).
فلهذَا أَمَر مَالِكٌ مَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الإفْتِتَاحِ وَرَاءَ الإمَامِ وكَبَّرَ للرُّكُوعِ ولم يَنْوِ بِها الإحْرَامَ أنْ يَتَمَادَى مَعَ الإمامِ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، لِكَي يَخْرُجَ مِنَ الاخْتِلَافِ.
قالَ مَالِكٌ: وإذا نَسِي الإمامُ تَكْبيرَةَ الإحْرَامِ أَعَادَ وأَعَادَ مَنْ خَلْفَهُ وإنْ كَانُوا أَحْرَمُوا، لأنَّهم حَطُّوا مُكَبِّرينَ قبلَ إَمَامِهِم، ولَو صَلَّى بِهم غيرَ مُتَوضِّئٍ نَاسِيًا لِذَلِكَ أعادَ هُو ولم يُعِيدُوا هم (٣).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنما افترقَ حُكْمُ هَاتينِ المَسْأَلَتيْنِ مِنْ أَجْلِ أنَّ تَكْلِيفَ عِلْمِ حَالةِ الإمامٍ هَل هُو على طَهَارة أم لا غيرُ مُتَمَكِّنَةٍ للمَأْمُومِينَ، وتَكْبيرةُ الإحْرَامِ ليستْ تَخْفى عليهِم، فإِذا كَبَّرُوا قبلَ أنْ يَسْمَعُوا تَكْبِيرَهُ فقدْ أَفْسَدُوَا صَلَاتَهُم، لأنَّهم ائتمُّوا فيها بمنْ لا صَلَاةَ لَهُ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَرَأ النبيُّ ﷺ بالطُّورِ في المَغْرِب، وقَرَأ فِيها مَرَّة أُخْرَى بالمُرْسَلَاتِ، وقَرَأ فِيها أبو بَكْرٍ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وقَرَأَ في الصُّبْحِ بالبَقَرَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ، وكانَ ابنُ عُمَرَ يَقْرَأُ بالسُّورَتَيْنِ والثَّلَاثِ في الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ [٢٥٧ - ٢٦٠]
стр. 133
وهذا كُلُّه على سَبيلِ السَّعَةِ، والذي مَضَى بهِ العَمَلُ وأَخَذَ به مَالِكٌ ألَّا يَزِيدَ المُصَلِّي على أُمِّ القُرْآنِ وسُورَةٍ في الأُوّليِتينِ، وعلى أُمِّ القُرْآنِ في الأُخْرَتَيْنِ، ومَنْ فَعَلَ كَفِعْلِ أَبي بَكْرٍ وابنِ عُمَرَ لمْ تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنما قَرأَ أَبو بَكْرٍ في الرَّكْعَةِ الثالِثَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ...﴾ [آل عمران: ٨] الآيةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ النبيِّ ﷺ الذي كَانَ يَأْتِيه الوَحِيُّ مِنَ الله ﵎ في كُلِّ ما عُرِضَ لَهُ،
فسألَ أبو بَكْرٍ رَبَّهُ أن لا يُزِغْ قَلْبَهُ عَنِ الإسْلَامِ بعدَ إذ هَدَاهُ إليه اللهُ، وأنْ يُعِينَهُ على ما وَلَّاهُ إيَّاهُ، ولم يَرَهُ مَالِكٌ للنَّاسِ أنْ يَلْتَزِمُوا هذَا في صَلَاةِ المَغْرِبِ فَيَجْعَلُونَهُ مِنْ حُدُودِ الصَّلَاةِ، إذ لم يَفْعَلْهُ النبيُّ (١).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: وروَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ بأن عُمَرَ (٢) صلَّى المَغْرِبَ فلمْ يَقْرأْ فيها، فَذُكِرَ ذَلِكَ له، قالَ: فَكَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ؟ قِيلَ حَسَنٌ، فقالَ: لا بَأْسَ (٣).
قالَ مَالِكٌ: وَليسَ على هذا العَمَلُ، لأن النبيَّ ﷺ قالَ: (كُلُّ صَلَاةٍ لم يُقْرأْ
стр. 134
فيها بأُمِّ القُرْآنِ فَهِي خِدَاجٌ) (١)، وقد رُوِي عَنْ عُمَرَ أنه أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ.
* قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: إنما قَرأَ النبيُّ ﷺ -في العِشَاءِ بالتِّينِ والزَّيْتُونِ [٢٦١]، مِنْ أجْلِ أنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وحَالةُ السَّفَرِ حَالةُ شُغْلٍ، فَلِذَلِكَ خَفَّفَ القِرَاءَةَ، ولِيُوسِّعَ بذلكَ على النَّاسِ.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ في لُبْسِ القَسِيِّ، فقِيلَ فيه: عَن إبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حُنَيْنن، عَنْ علي عَنِ النبيِّ ﷺ .
* وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ ويَحْيىَ بنُ يَحْيىَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أبيه، عَنْ عليٍّ [٢٦٢] (٢).
ورَوَاهُ القَطَّانُ (٣) عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ اللهِ بن حُنَيْنٍ، عَنِ ابنِ عبَّاس، عَنْ عليٍّ: "أنَّ النبيَّ ﷺ نهَى عَنْ لُبْسِ القَسِيِّ، وعَنْ تَخَتَّمِ الذَّهَبِ، وعَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ"، فَزَادَ ابنُ عَجْلَانَ في سَنَدِ هذا الحَدِيثِ ابنَ عبَّاسٍ.
وقالَ أبو مُحَمَّدٍ: هذا حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ السَّنَدِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: القَسِيُّ ثِيَابٌ مِنْ حَرِيرٍ، تُعْمَلُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ يُقَالُ لها قَسِيّ، فَنُسِبتْ تلكَ الثِّيَابُ إليها، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِذُكُورِ أُمَّتِه لِبَاسَها، كَما كَرِه لَهُم التَّخَتُّمَ بالدَّهَبِ، وقد ثبتَ عنه أنه قالَ في الحَرِيرِ والذَّهَبِ: "هُمَا مُحَرَّمانِ على ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لإنَاثِها" (٤)، يعني في اللِّبَاسِ، فَمَنْ صلَّى مِنْهُم بِثَوْبِ حَرِيرٍ، أو خَاتَمِ ذَهَبٍ أعادَ صَلَاتَهُ في الوُقْتِ.
قال أبو المُطَرِّفِ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ، وأَبَاحَ فيهِ التَّسْبِيحَ والتَّعْظِيمَ للهِ ، ولَيْسَ في طُولِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حَدٌّ، وأَقَلُّ ذَلِكَ
стр. 135
أنْ يَسْتَوِي ظَهْرُ الرَّاكِعِ إذا وَضَعَ يَدَيْهِ على رُكْبَتيْه، وأنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ وأَنْفَهُ على الأَرْضِ في سُجُودِه، ويُسَبِّحَ اللهَ ويُعَظِّمَهُ.
* وقولُه ﷺ -في حَدِيثِ البَيَاضِيِّ: "ولا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ بالقُرْآنِ" [٢٦٤] فيه مِنَ الفِقْه: تَرْكُ المُؤْمِنِ لأَخِيه المُؤْمِنِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ في صَلَاتِه، لِئَلَّا يَخْلِطَ عليهِ قِرَاءَتَهُ وصَلَاتَهُ بِرَفْعِ صَوْته، فإذا مُنِعَ مِنْ هذِه الحَالَةِ التي يَتَقرَّبُ بها إلى اللهِ بِقِرَاءةِ القُرْآنِ أليسَ هُو أَشَدُ منها في غير ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِي به أَخَاهُ المُسْلِمَ كأخْذِ عِرْضِه، واقْتِطَاعِ مَالِه,.
ولم يَذْكُرْ مَالِكٌ اسْمَ البَيَاضِيِّ الذي رَوى هذا الحَدِيثَ، وقِيل اسْمُه عبدُ اللهِ بنُ غَنَّامٍ البَيَاضِيُّ، وبَنُو بَيَاضَةَ فَخِذٌ مِنَ الأَنْصَارِ (١).
* قولُ أَنَسٍ: (قُمْتُ ورَاءَ أَبي بكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ فَكُلُّهُم كَانَ لا يَقَرْأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ) [٢٦٥]،، وهَذا مَوْقُوفٌ في المُوطَّأ لَيْسَ فيه ذِكْرُ النبيِّ ﷺ ، ورَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ قَتَادةَ، عن أنسٍ: (أنَّ النبيَّ ﷺ وأَبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَذَكَرهُ ابنُ عُيَيْنَةَ مُسْنَدًا (٢).
وهذا أَصْلٌ في أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليستْ مِنْ أُمِّ القُرْآنِ كَما قالَ بَعْضُهُم، ويَرُدُّ أيضًا هذا الحَدِيثُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَنْ لم يَقْرَأْ في صَلَاتِه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَعَ أُمِّ القُرْآنِ فَقَدْ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ، ويَلْزَمُ مَنْ قالَ بهذَا أَنْ يُبْطِلَ صَلَاةَ هَؤُلاءِ الأَئمةِ الذينَ كَانُوا لا يَقْرَؤُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افْتَتَحُوا الصَّلاةَ، وقدْ روَى أبو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ [ابن] (٣) عبدِ اللهِ بنِ