Полный текст (779 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
لا صَلاَةَ إلا بها" (١)، قِيلَ لِمَن احْتَجَّ بهذا الحَدِيثِ: مَكْحُولٌ الذي رَوَاهُ اضْطَربَ فيهِ، فَمَرَّةً قالَ: (العِشَاءَ)، ومَرَّةً قَالَ: (الصُّبْحَ)، ومَرَّةً أَرْسَلَهُ ولمْ يُسْنِدْهُ.
وفي الحَدِيثِ الثَّابِتِ: (أنَّ النَّاسَ انْتَهُوا عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا جَهَر فيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالقِرَاءَةِ) (٢)، وقدْ كَانَ عليٌّ، وابنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وابنُ عُمَرَ لا يَقْرَؤُنَ خَلْفَ الإمَامِ (٣)، يُجْتَزُؤونَ بِقَرَاءَةِ الإمَامِ، [وأنَّهُ] (٤) كَفَي بها.
ولا حُجَّةَ على مَنْ زَعَمَ أنَّهُ مَنْ لم يَقْرأْ مَعَ إمَامٍ بأُمِّ القُرْآنِ فَصَلاَتُهُ [بَاطِلةٌ] (٥)، ويَلْزَمُ مَنْ قَالَ بهذا أَنْ يُبْطِلَ صَلاَةَ هَؤُلاءِ الأئمةَ.
* قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهي الآيةُ الرَّابِعَةُ مِنْ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ التي قَسَمَها اللهُ بَيْنَهُ وبينَ قَارئِها, لِقَوْلهِ في الحَدِيثِ: "فهذِه بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي مَا سأَلَ" وهَكَذا تَكُونُ القِسْمَةُ صَحِيحَةً في أُمِّ القُرْآنِ بينَ اللهِ وبينَ عَبْدِه، ثلاثُ آياتٍ قَبْلَ هذِه الآيةِ وهذِه الرَّابِعَةُ، وثَلاَثُ آياتٍ بَعْدَها, لِقَوْلهِ في الحَدِيثِ: "فَهُؤلاءِ لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ"، ولَو كَانَ على عَددِ مَنْ يَجْعَلُ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةً مِنَ القُرْآنِ لَقَالَ فَهَاتَانِ لِعَبْدِي، ولا خِلاَفَ في أَنَّ أُمَّ القُرْآنِ سَبْعَ آيَاتٍ، فَهَذا الحَدِيثُ، وحَدِيثُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ، وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ تَشْهَدُ كُلُّها على أنَّ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليسَ مِنْ أُمِّ القُرْآنِ. стр. 142
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: اخْتُلِفَ في اسْمِ ابنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، فَقِيلَ: اسْمُه عَامِرٌ، وقِيلَ: اسْمُهُ عُمَارَةُ بنُ أُكَيْمَةَ (١)، وحَدِيثُهُ صَحِيحٌ، وبهِ قالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ في تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ فِيمَا جَهَرَ فيهِ الإمَامُ بالقِرَاءَةِ.
قالَ عِيسى: ومَعْنَى قَوْل رَسُولِ اللهِ ﷺ : "مَالِي أُنَازَعُ القُرْآنَ" يُرِيدُ: إنَّكم إذا جَهَرْتُم بالقِرَاءَةِ فَقَرأْتُم مَعِي في الصَّلاَةِ نَازَعْتُمُونِي قِرَاءَتِي، إذ لا تُنْصِتُونَ لِي، قالَ: "فَانْتَهى النَّاسُ عَنِ القِرَاءةِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فيمَا جَهَرَ فيهِ بالقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلاَةِ"، وقَرأُوا مَعَهُ فِيما أَسَرَّ فيهِ مِنَ الصَّلَواتِ.
* * * стр. 143
باب التَّأمِينِ، والجُلُوسِ في الصَّلاةِ، والتَّشَهُّدِ فيها
قولُ النبيِّ ﷺ : "إذا أَمَّنَ الإمامُ فَأَمِّنُوا" يعني: إذا بَلَغَ مَوْضِعَ التَّأمِينِ بِقَرَاءَةِ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمينَ، ويُسَمَّى الإمامُ مُؤَمِّنًا لِسَببِ تَأْمِينِ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ المُصَلِّينَ لاشْتِرَاكِهِم في الدُّعَاءِ والتَّأمِينِ، كَمَا يُسَمَّى المُؤَمِّنُ دَاعِيًا مِنْ جِهَةِ تَأْمِينُه على دُعَاءِ الدَّاعِي، قالَ اللهُ : ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] فَسَمَّى مُوسَى وهَارُونَ دَاعِيَيْنِ، فإنَّمَا كَانَ مُوسَى يَدْعُو وهَارُونُ يُؤَمِّنُ.
سَألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِ الزّهْرِيِّ في المُوطَّأ: "كَانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: آمينَ" [٢٨٩] , فقالَ لِي: هَذا لَفْظٌ مُخْتَلَفٌ فيهِ، والعَمَلُ في هذا على حَدِيثِ سُمَيِّ، عَنْ أبي صالح، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ وقالَ: "إذا قالَ الإمامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا آمينَ، فإنَهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه" [٢٩٠].
قالَ أبو جَعْفَرِ بنُ عَوْنِ اللهِ (١): معنى المَوَافَقةِ هَهُنا الإجَابةُ، إذا اسْتُجِيبَ للمُؤْمِنِ عندَ قَوْله (آمينَ) كَمَا يُسْتَجَابُ للمَلاَئِكَةِ غُفِرَ للمُؤِمِنِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه.
قالَ مَالِكٌ: إذا سَمِعَ المَأمُومُ قَوْلَ الإمَامِ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قالَ هُو آمينَ، وإذا لم يَسْمَعْهُ فَلْيَدَع ذَلِكَ، ولا يَتَحَرَّى قَدْرَ فَرَاغِه مِنْ قِرَاءَةِ أُمِّ القُرْآنِ لِكَي يَقُولَ آمينَ، وإنَّما يُؤَمِّنُ إذا سَمِعَ قِرَاءَةَ الإمَامِ. стр. 144
إنما نَهَى ابنُ عُمَرَ عليَّ بنَ عبدِ الرَّحمنِ المُعَاوِيَّ عَنِ العَبَثِ بالحَصْبَاءِ في الصَّلاَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لم يَكُنْ خَاشِعًا في صَلَاتهِ، وقدْ اثْنَى اللهُ ﵎ على الخَاشِعِينَ في صَلاَتِهِم المُقْبِلِينَ عَلَيْها بِقُلُوبِهِم وجَوَارِحِهم، فقالَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١] , ثُمَ عَلَّمَ ابن عُمَرَ عَلِيَّ بنَ عبدِ الرَّحمنِ كَيْفَ كَانَ النبيُّ ﷺ يَفْعَلُ في صَلَاتهِ، فقالَ لَه: "افْعَلْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَل في صَلَاتهِ، كان [إذا جَلَسَ في الصَّلاَةِ وَضَعَ كَفهُ اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، قَبَضَ أَصَابعَهُ كُلَّها، وأَشارَ بإصْبَعُه التي تَلِي الإبْهَامَ، ووَضَعَ كَفهُ اليُسْرَى على فَخَذِه اليُسْرَى، وقالَ: هَكَذا كَان يَفْعَلُ " [٢٩٤] (١) ........
* * * стр. 145
[باب ما يفعل مَنْ سلّمَ مِنْ رَكْعَتين سَاهِيا]
* " حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ انْصَرفَ مِن اثْنَتَيْنِ، فقالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ " (١) [قالَ عيسى: قالَ ابنُ كِنَانَةَ (٢): لا يَجُوزُ لأَحَدٍ اليَوْمَ مَا جَازَ لِمَنْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَعَ النبيِّ ﷺ , لأن ذا اليَدَيْنِ] (٣) ظَنَّ أنْ تَقْصِيرَهَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فاسْتَفْهَم النبيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فقالَ: "أَقَصُرتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ يا رَسُولَ اللهِ؟ " وقد عَلِمَ النَّاسُ أن تَقْصِيرَها اليومَ لا يَنْزِلُ، وعلى مَنْ تَكَلَّم الإعَادةَ.
قالَ عِيسى: فَقَرأْتُ على ابنِ القَاسِم قَوْلَ ابنِ كِنَانَةَ، فقالَ: ما أَدري ما هذه الحُجَّةُ، قدْ قالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ كُلُّ ذَلِكَ لم يكنْ، فَقَالُوا له قد كَانَ بعضَ ذَلِكَ يا رَسُولَ الله، فقدْ كَلَّمُوهُ بعدَ عِلْمِهم أنَّ الصَّلاَةَ لم تُقْصَرْ، ثُمَّ أتَمَّ بِهم الصَّلاَةَ وسَجَد بعدَ السَّلامِ، فهذه سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ مَعْمُولٌ بِها عندَ أَهْلِ المَدِينَةِ.
سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ مَنْ سَلَّمَ مِن اثْنَتَيْنِ سَاهِيًا ثُمَّ لم يَرْجِعْ إلى تَمَامِ صَلَاتهِ بابْتِدَاءِ إحْرَامٍ يُحْدِثُه فقدْ بَطُلَتْ صَلاَتهُ، فقالَ في: رُجُوعَهُ إلى تَمَامِ صَلَاتهِ بِنَيَّةٍ تُجْزِئُه عَنِ ابْتِدَاءِ إحْرَامٍ كَمَا فَعَلَ النبيُّ ﷺ ، ولَيْسَ سَلاَمهُ مِنَ الصَّلاَةِ على وجهِ السَّهْوِ مِمَّا يُخْرِجُه منها. стр. 146
وقالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: يَرْجِعُ إلى الجُلُوسِ، ثُمَّ يَقُومُ إلى تَمَامِ صَلَاتهِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: لَيْسَ في حَدِيثِ مَالِكٍ أنَّ النبيَّ ﷺ سَلَّمَ مِنْ سَجْدَتِي السَّهْوِ اللَّتيْنِ سَجَدَ فيها بعدَ سَلَامهِ يومَ ذِي اليَدَيْنِ، وقد سُئِلَ ابنُ سِيرِينَ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ سَلَّمَ النبيُّ ﷺ بعدَ السَّجْدَتَيْنِ؟ فقالَ: لم أحْفَظْهُ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، ولكنْ نُبِّئْتُ أنَّ عِمْرَانَ بنَ الحُصَيْنِ أنَّهُ قالَ: (سَجَدَ النبيُّ ﷺ يومَ ذِي اليَدَيْنِ سَجْدَتِي السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ بعدَ ذَلِكَ) (١).
وأخذَ مَالِكٌ بِحَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ في سُجُودِ السَّهْوِ بعد السَّلامِ في الزِّيَادةِ، وبِحَدِيثِ ابنِ بُحَيْنَةَ (٢) في سَجْدَتِي السَّهْوِ قبلَ السَّلَامِ في النُقْصَانِ، وهُما حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مَعْمُولٌ بها عند أَهْلِ المَدِينةِ.
وقالَ الشَّافِعِيُّ: السُّجُودُ في ذَلِكَ كُلِّه قبلَ السَّلامِ.
وقالَ أبو حَنِيفَةَ: يَسْجُدُ في ذَلِكَ كُلِّه بعدَ السَّلَامِ.
قالَ الأَبْهَرِيُّ (٣): سَجْدَتِي السَّهْو قبلَ السَّلَامِ في النُّقْصَانِ يُجْبَرُ بِهِما مَا نُقِصَ مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ، وهُما في الزِّيادَةِ بعدَ السَّلامِ تَرْغِيمٌ للشَّيْطَانِ، يعنِي يُغِيظَهُ؛ لأنَّهُ أُمِرَ بالسُّجُودِ فَعَصَى فَلَهُ النَّارُ، وسَجَد ابنُ آدمَ للهِ فَلَهُ الجَنَّةَ.
* مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا شَكِّ أَحَدُكُم في صَلاَتِه فلمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَم أَرْبَعًا فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً، ولِيَسْجُد سَجْدَتيْنِ وَهُو جَالِسٌ قَبْلَ السَّلَامِ".
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: انْتَهَى لَفْظُ النبيِّ ﷺ في هذا الحَدِيثِ إلى قَوْلهِ: "وَهُو جَالِسٌ"، ومَا زَادَ مِنْ قَوْلهِ: "قبلَ السَّلَامِ" إلى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ عَطَاءٌ في الحَدِيثِ стр. 147
زِيَادَةٌ مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ، ولم يأخُذْ بهِ مَالِكٌ في سَجْدَتي السَّهُوِ, لأنَّهُ خِلاَفُ مَا في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ، وذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ السُّجُودَ في الزِّيَادَةِ قبلَ السَّلَامِ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ عَطَاءٍ هذا في بَابِ مَن شَكَّ في صَلَاتهِ فلم يَعْرِفْ الزِّيَادةِ مِنَ النُقْصَانِ أنَّهُ يَبْنِي على مَا يَسْتَيْقِنَ مِنْ ذَلِكَ وُيلْغِي الشَّكَّ ولا يَتَمَادَى عليه، ولا يَقْطَعُ صَلاَتَهُ، بِخِلاَفِ ما رُوِي عَنْ عَطَاءٍ أنَّهُ قالَ: مَنْ أَصَابَهُ مِثْلُ ذَلِكَ في صَلَاتهِ أنَّهُ يَقْطَعُهَا ويَبْتَدِأُ الصَّلاَةَ.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: وهذا هُو وَجْهُ الحَرَج؛ لأنَّهُ هَكَذا يَعْرِضُ له في الصَّلاَةِ الثَّانِيةِ والثَّالِثَةِ، ويَتَمَكَّنُ الشَّيْطَانُ بهِ، ويَخْلِطُ عليه صَلَواتِه أَبدا, ولهذا المَعْنَى أيضًا أَدْخَلَ مَالِكٌ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ: "إذا شَكَّ أَحَدُكُم في صَلَاتهِ فَلْيَتَوخَّ (١) الذي يَظُنُّ أنَّهُ نَسِيهُ مِنْ صَلَاتهِ فَلْيُصَلِّه، ويَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ وَهُو جَالِسٌ", قالَ مِثْلُه عبدُ اللهِ بنُ عَمْرو بنِ العَاصِي، وكَعْبُ الأَحْبَارِ, وبهذا أَخذَ مَالِكٌ.
* أَسْنَدَ القَعْنَبِيٌّ وابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، عَن عَلْقَمَةَ بنِ أَبي عَلْقَمَةَ، عنْ أُمِّه، عَنْ عَائِشَةَ أنَّها قالتْ: "أَهْدَى أبو جَهْمِ بنُ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ الله- ﷺ خَمِيصَةً شَامِيَّةً"، وذَكَر الحَدِيثَ (٢)، وأَرْسَلَهُ يحيى بنُ يَحْيىَ عَنْ مَالِكٍ، ولمْ يَذْكُرْ فيه أُمَّهُ (٣) , وكَذَلِكَ أَرْسَلَ أَيْضَا يحيى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ لَبِسَ خَمِيصَةً لهَا عَلَمٌ" وذَكَرَ الحَدِيثَ، وأَسْنَدَهُ مَعْنُ بنُ عِيسَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النبيّ ﷺ (٤).
قالَ عِيسى: الخَمِيصُةُ كِسَاءٌ مِن صُوفٍ فيهِ عَلَمٌ مِنْ حَرِيرٍ، فَكَرِهَهُ стр. 148
رَسُولُ الله ﷺ لِمَوْضِعِ الحَرِيرِ، فَرَدَّ تِلْكَ الخَمِيصَةَ إلى مُهْدِيها، وأَخَذَ مِنْهُ عِوَضُها أنْبِجَانِيَّهً، والأنْبِجَانِيَّةُ كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ ولا عَلَمَ فيهِ مِنْ حَرِيرٍ.
وفي هذا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ إبَاحَةُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ إذا كَانَتْ مِنْ مَكْسَب طَيِّبٍ، وفيه رَدُّ الهَدِيَّةِ للعُذْرِ، وذَلِكَ أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا نَظَرَ إلى عَلَمِها في صَلَاتهِ شَغَلَتْهُ فَرَدَّها إلى مُهْدِيها إليه، وفي رَدِّه إيَّاها إليه تَعْلِيمٌ منهُ وتَنْبيهٌ ألاَّ يُصَلِّي الرَّجُلُ بِمِثْلِها مِنْ أَجْلِ الحَرِيرِ الذي كَانَ فِيها، وخَفَّفَ الفُقَهَاءُ العَلَمَ الرَّقِيقَ يَكُون في الثَّوْبِ يُصَلِّي به الرَّجُلُ، فإذا كانَ مِثْلَ الخَمِيصَةِ فلَا يَفْعَلَ.
* قَوْلُه في حَدِيثِ أبي طَلْحَةَ: "وكَانَتِ النَّخْلُ مُطَوَّقَةً بثَمَرِهَاهـ, يعني كَانَتْ ثَمَرةَ النَّخْلِ قد أَطَافَتْ بِعَرَاجِينِها، فَصَارَتْ [لَيِّنَةً] (١) كالأَطْواقِ في الأَعْنَاقِ.
وقولُه: "قدْ ذُلِّلَتْ" يعنِي: فَذُلِّلتْ ثَمَرَةُ تِلْكَ النَّخْلِ العَرَاجِينَ إلى الأَرْضِ وتَدَلّتْ، وحَسُنَ مَنْظَرُهَا فَشَغَلَهُ نَظَرَهُ إليهَا عَنْ صَلَاتهِ، حتَّى أنَّهُ لم يَدْرِ كَمْ صَلَّى، فصَارَ ذَلِكَ فِتْنَةً افْتُتِنَ بِها فَتَصَدَّقَ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: أَدْخَلَ مَالِكٌ هذا البَابَ في المُوطَّأ لِكَرَاهِيةِ الشُّغْلِ في الصَّلاَةِ خَاصَّةً، وللمُؤلِّفِ أنْ يَخُصَّ مِنْ جُمْلَةِ الحَدِيثِ إلى شَيءٍ وَاحِدٍ، يُتَرْجِمُ بهِ مَا قَصَدَ إليه مِنْ مَعْنَى الحَدِيثِ، وقد تقدَّمَ لِمَالِكٍ قبلَ هذا البَابِ البُنْيَانَ في الصَّلاَةِ على اليَقِينِ، وبِسُجُودِ السُّهْو في الزِّيَادةِ بعدَ السَّلَامِ، وفي النُّقْصَانِ قبلَ السَّلَامِ.
* وقولُه ﷺ : "إنِّي لأَنْسَى أو أُنَسَّى لأَسُنَّ" قالَ عِيسى: يَقُولُ إني لأَنْسَى أَنا أو يُنْسِينِي رَبّي، لكَنِّي أَعْمَلُ مِنْ أَجْلِ مَا نَسِيتُ عَمَلًا يَكُونُ سُنَّة لِمَنْ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي، يَعْمَلُونَ بِها في صَلاَتِهِم.
* قَوْلُ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ للرَّجُلِ الذي سَأَلهُ أنَّهُ يَهِمُ في الصَّلاَةِ، يَعْنِي قدْ غَلَبَ عليهِ الوَهْمُ فِيها، فقالَ لَهُ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: "امْضِ في صَلاَتِكَ، فإنَّهُ لنْ يَذْهَبَ стр. 149
عنْكَ حتَّى تَنْصَرِفَ وأنتَ تَقُولُ: ما أتْمَمَتُ صَلاَتِي" يَقُولُ: إنَّكَ إذا لمْ تَلْتَفِتْ إلى مَا يُوهِمُكَ بهِ الشَّيْطَانُ في صَلاَتِكَ، وأَكْثَرْتَ مُخَالَفتَكَ للشَّيْطَانِ بِتَرْكِكَ لمَّا يُوهِمُكَ بهِ مِنْ ذَلِكَ تَرَكَكَ، وذَهَبتْ عنكَ وَسْوَسَتُهُ، ولهذَا قالَ مَالِكٌ فِيمن اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوِ في صَلَاتهِ (١): أنَّهُ لا سُجُودِ عليهِ، وإذا عُرِضَ لَهُ مِثْلُ هذه الوَسْوَسَةِ في اليَسِيرِ مِنْ صَلَاتهِ، وفِي وَقْتِ دُونَ أَوْقَاتٍ فإنَّهُ يُسَلِّمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ بَعْدَهُمَالأولمْ يَكُنْ عليهِ غيرُ ذَلِكَ، نَحْو حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا قامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَيْطَانُ فَلَبَّسَ عليهِ"، إلى قَوْلِه "فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُو جَالِسٌ" فإنَّما هذا [فِيمَنْ خَافَ] (٢) مِنَ السَّهْوِ، وإنَّما يَبْنِي على يَقِينهِ ثُمَّ يَسْجُدُ منْ [قبلَ سلاَمهِ] (٣) في الصَّلاةِ فيأْتِي بمَا شَكَّ فيه أنَّهُ تَرَكَهُ، ويَسْجُدُ بعدَ السَّلَامِ، وأما مَنِ اسْتَنْكَحَهُ السَّهْوُ وغَلَبَ عليهِ فلَا سُجُودَ عليهِ.
* * * стр. 150
بابُ مَسَائِلِ الجُمُعَةِ إلى آخِرِها
حدَّثنا [ابن] (١) عُثْمَانَ، قالَ: حدَّثنا ابنُ [خُمَير] (٢)، قالَ: حدَّثنا ابنُ مُزَيْنٍ (٣)، عَنْ عِيسى بنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ القَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قالَ في حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجُمُعَةِ، ثُمَ رَاحَ في السَّاعَةِ الأولَى فكَانَّما قَرَّبَ بَدَنَةً" إلى آخرِ الحَدِيثِ.
قالَ مَالِكٌ: الذي يَقَعُ في نَفْسِي إنَّهُ إنما أُرِيدَ بهَذا الحَدِيثِ سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ، يَكُونُ في هذِه السَّاعَةُ مَنْ رَاحَ أَوَّلَ تِلْكَ السَّاعَةِ إلى الجُمُعَةِ، كَانَ [كالمُهْدِي] (٤) بَدَنَةً، ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ والثَّالِثَةَ والرَّابِعَةَ والخَامِسَةَ.
قالَ مَالِكٌ: ولَو لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا صُلِّيتِ الجُمُعَةُ حينَ يَكُونُ النَّهَارُ مِنْ تِسْعِ سَاعَاتٍ [إلا] (٥) وَقْتِ العَصْرِ، أَو قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. стр. 151
قال أبو المُطَرِّفِ: وَمِثْلُ مَالِكٍ يُوَجَّهُ بِحَدِيثِ النبيِّ ﷺ أَحْسَنُ الوُجُوهِ، وَيُتَأوَّلُ لَهُ التَّأويُلُ الحَسَنِ، وقد قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ: (الحَدِيثُ مَضِلَّةُ اللهِ للفُقَهَاءِ) (١) يُريدُ: أنَّ غَيْرَهُم قد عَمِلَ شَيْئَاً على ظَاهِرِ حَدِيثٍ، وله تَأْوِيلٌ مِنْ حَدِيثِ غَيرِه، أو دَلِيلٍ يَخْفَى، أو مَترُوكٍ أَوْجَبَ تَرْكَهُ، [أو] (٢) غيرِ شَيءٍ، وهذا كُلُّه لا يَقُومُ بهِ إلَّا مَنِ اسْتَبْحَرَ في العِلْمِ، ووَقَفَ على مَعَانِيه.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: روَى الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ كَانَ على كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ مَلاَئِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ على مَنَازِلِهم، فالمُهَجِّرُ إلى الصَّلَاةِ كالمُهْدِي بَدَنةً، ثُمَّ الذي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَقَرَةً" (٣) وذَكَرَ بَاقِي الحَدِيثَ، قالَ أحمدُ: وهذا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ سُمَيٍّ عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَيدُلُّ هذا على أنَّ هَذِه السَّاعَةَ قُرْبَ الزَّوَالِ، لِقَوْلِه: "فَالمُهَجِّرِ إلى الصَّلَاةِ"، والتَّهْجِيرُ هُوَ قُرْبُ الزَّوَالِ، لا في أَوَّلِ النَّهَارِ، كَمَا تَأوَّلَ غيرُ مَالِكٍ.
وقَؤلُه في الحَدِيثِ: "فإذا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" والإمَامُ إنما يَخْرُجُ عندَ زَوَالِ الشَّمْسِ.
* وقَوْلُهُ ﵎: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الجمعة: ٩] إنما هذا على قَدْرِ قُرْبِ المَنَازِلِ مِنَ الجَامِعِ، ومَنْ بَعُدَ مَنْزِلُه فإنَّما هُوَ يَسْعَى إليها قبلَ ذَلِكَ الوَقْتِ.
* قَوْلُ أَبي سَعِيدٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "غُسْلُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ على كُلِّ стр. 152
مُحْتَلِمٍ" يعنِي: وُجُوبَ سُنَّةٍ، والدَّلِيلُ على أنَّهُ سنُةٌ تَرْكُ عُثمَانَ بنِ عفَّانَ لَهُ وإتْيَانُه إلى الجُمُعَةِ بغَيْرِ غُسْلٍ، ولو كَانَ كَغُسْلِ الجَنَابَةِ في الوُجُوبِ ما تَرَكَهُ عُثْمَانُ، ولا سَمَحَ لَهُ عُمَرُ في تَرْكِه إيَّاهُ، غيرَ أنَّهُ في العُمُومِ كَعُمُومِ غُسْلِ الجَنَابَةِ.
قالَ مَالِكٌ: لا بَأْسَ بِكَلاَمِ الإمَامِ في الخُطْبَةِ بأمْرٍ يَأْمُرُ به أو يَنْهَى عنهُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: مَن اغْتَسَلَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وَهُو نَاسٍ لِجَنَابةٍ لم يُجْزِ غُسْلُ الجُمُعَةِ عَنْ غُسْلِ الجَنَابَه؛ لأنَّ غُسْلَ الجُمُعَةِ ليسَ هو لِرَفْعِ حَدَثٍ، وإنَّما هُو للنَّظَافَةِ، وغُسْلُ الجَنَابَةِ هُو لِرَفْعِ حَدَثٍ، وليسَ حُكْمُ الغُسْلِ هَهُنا كَحُكْمِ الوُضُوءِ الذي مَنْ تَوضَّأ لِنَافِلَةٍ فإنَّهُ يُصَلِّي به مَكْتُوبةً، وذَلِكَ أنَّ الغُسْلَ يَتَنَّوعُ، فَيَكُونُ للجَنابةِ وللجُمُعَةِ، وإحَرْامٍ، ولِدُخُولِ مَكَّةَ، والوُضُوءِ لا يَتَنوُّعُ، إنَّما هو لِدَفْعِ حَدَثٍ كَانَ لِنَافِلَةٍ أو فَرِيضَةٍ.
وقالَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ: إنَّ غُسْلَ الجُمُعَةِ يُجْزِي عَنْ غُسْلِ الجَنَابَةِ إذا لم يَذْكُر الجُنُبُ جَنَابَتَهُ حينَ اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ، وقدْ تَنُوبُ السُّنَّةُ عَنِ الفَرِيضَةِ، كَرَجُلٍ غَسَلَ بَعْضَ وَجْهِه، أو بَعْضَ ذِرَاعَيْهِ في الغُسْلَةِ الأُولَى مِنْ وُضُوئهِ، ثُمَّ أَعَمَّ ذَلِكَ بالمَاءِ في المَرَّةِ الثَّانِيةِ التي هي سُنَّةٌ في الوُضُوءِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: وليسَ هُو كَما قالَ؛ لأنَّ الوُضُوءَ فَرْضٌ مِنْ جِهَةِ العُمُومِ لا مِنْ جِهَةِ العَدَدِ، وقد أَجْمَعَ مَالِكٌ وأَصْحَابُه على أنَّ مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجُمُعَةِ للجَنَابَةِ ولمْ يَنْوِ به غُسْلَ الجُمُعَةِ أنَّ غُسْلَ الجَنَابَةٍ لا يَنُوبُ عَنْ غُسْلِ الجُمُعَةِ، فإذا لم [يُنِبْ] (١) الفَرْضُ عَنِ السُّنَّةِ، فالسُّنَّةُ أَحْرَى أنْ لا تَنُوبُ عَنِ الفَرْضِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ أَتَى الجُمُعَةَ ولمْ يَغْتَسِلْ فإنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِد إذا كَانَ الوَقْتُ وَاسِعًا ثُمَّ يَغْتَسِلُ للجُمُعَةِ.
* قالَ ابنُ كِنَانَةَ: إنَّما تَرَكَ عُمَرُ عُثْمَانَ ولمْ يَأْمُرْهُ بالغُسْلِ مِنْ أَجْلِ ضِيقِ الوَقْتِ، ولَو كَانَ فيه سَعَةً لَرَدَّهُ يَغْتَسِلُ. стр. 153
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: روَى يحيَى عَنْ مَالِكٍ أنه [قال] (١): "مَنِ اغْتَسَلَ يومَ الجُمُعَةِ أَوَّلَ نَهَارِه -وَهُو يُرِيدُ بذَلِكَ غُسْلَ الجُمُعَةِ- فإن ذَلِكَ الغُسْلَ لا يَجْزِي عنهُ"
ورَوى غيرُ يحيى عَنْ مَالِكٍ وَهُو لا يُرِيدُ بذلِكَ غُسْلَ الجُمُعَةِ.
قالَ أبو عُمَرَ: مَعْنَى رِوَايةُ يحيى: أنَّهُ اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ ثُمَّ تَرَكَ الرَّوَاحِ واشْتَغَلَ، ثُمَّ رَاحَ إلى الجُمُعَةِ فَلذَلِكَ لم يُجْزِه غُسْلُه إذا لم يَتَّصِلْ غُسْلُه بِرَوَاحِه، ومَعَنى رِوَايةُ غيرِ يَحْيىَ أنَّهُ اغْتَسَلَ بِغَيْرِ نِيَّهِ، فَلِذَلِكَ لم يُجْزِه.
روَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنَادٍ، عَن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ, أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا قُلْتَ لِصَاحِبكَ: أَنْصِتْ فقدْ لَغَوْتَ" (٢)، يُرِيدُ بِذَلِكَ: والإمامُ يَخْطُبُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: خَلَطَ يحيى بنُ يَحْيىَ هَذا الحَدِيثَ في رِوَايَتِه عَنْ مَالِكٍ، وجَعَلَ قَوْلَهُ: (يُرِيدُ بذَلِكَ والإمامُ يَخْطُبُ) مِنْ نَفْسِ الحَدِيثِ، وإنَّما هُو تَفْسِيرٌ في الحَدِيثِ، كَمَا رَوَاهُ اَبنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ (٣).
ورَوى الأَعْمَشُ عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ تَوضَّأ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ فاسْتَمَعَ وأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وبينَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى، ومَنْ مَسَّ الحَصَا فقدْ لَغَى" (٤) يعني بذَلِك: أنَّهُ مَنِ اشْتَغَلَ بالعَبَثِ بِحَصَى المَسْجِدِ عَنِ الاسْتِمَاعِ إلى الخُطْبَةِ فقدْ لَغَى، وإن كَانَ بَعِيدًا مِنَ الإمَامِ، وذَلِكَ أنَّ للمُنْصِتِ الذي لا يَسْمَعُ مِنَ الأَجْرِ مثلَ ما لِلْمُنْصِتِ السَّامِعِ، فمنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ عَنِ الإسْتِمَاعِ فقدْ لَغَا. стр. 154
قالَ ابنُ وَهْبٍ: وَمَنْ لَغَا كَانَتْ صَلاَتُهُ ظُهْرًا, ولَمْ تَكُنْ له جُمُعَةً، وحُرِمَ فَضْلُهَا.
وقالَ بعضُ الفُقَهاءِ: خُطْبَةُ الجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ، واستُدِلَّ على ذَلِكَ بِقَوْلِ الله ﵎: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْ وَا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١] يعني: قَائِمًا تَخْطُبُ.
* قالَ النبيُّ ﷺ : "فإذا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ" يعنِي: الخُطْبَةَ.
* قولُ الزُّهْرِيِّ: (خُرُوجُ الإمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ، وكَلاَمهُ يَقْطَعُ الكَلاَمَ) يَعْنِي: جُلُوسَ الإمَامِ على المِنْبَرِ، وأَخْذُ المُؤَذِّنِينَ في الأَذَانِ يَقْطَعُ صَلاَةَ النَّافِلَةَ، وكَلاَمُهُ بالخُطْبَةِ يَقْطَعُ الكَلاَمَ، ويُوجِبُ الإسْتِمَاعَ، وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ يُجِيزُ صَلاَةَ النَّافِلَةِ والإمَامُ يَخْطُبُ، واحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سُلَيْكٍ الغَطَفَانِيِّ، رَوَاهُ الأعْمَشُ عَنْ أَبي صالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، قالَ: "جَاءَ سُلَيْكٌ الغَطَفَانِيُّ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ، فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : أَصَلَّيْتَ شَيْئًا؟ فقالَ: لا، قالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِما" (١) وهذَا حَدِيثٌ فَسَّرَهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ، قَالُوا: إنَّما أمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالصَّلَاةِ لِيَنْظُرَ النَّاسُ إليه وإلى حَاجَتِه فَيَتَصَدَّقُونَ عليه، ثُمَّ حَضَّهُم ﷺ -على الصَّدَقَةِ، فَتَصدَّقُوا عليه.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: قُلْتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: قدْ رُوي مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "إذا جَاءَ أَحَدُكُمْ والإمامُ يَخْطُبُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِما" والزِّيَادةُ في الحَدِيثِ مَقْبُولةٌ إذا رَوَاها الثِّقَةُ، فقالَ لي: لَيْسَتْ مَقْبُولَةً إلَّا فيما اجْتُمِعَ عليهِ، وقدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَلُّونَ النَّافِلَةَ في المَسْجِدِ يومَ الجُمُعَةِ حتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ للخُطْبَةِ، فإذا جَلَسَ عندَ المِنْبَرِ تَرَكَ النَّاسُ стр. 155
الصَّلاَةَ ولم يَتَنَفَّلُوا واسْتَمَعُوا الخُطْبَةَ إذا خَطَبَ، فكَذَلِكَ يَلْزَمُ كُلُّ مَنْ جَاءَ والإمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يَجْلِسَ يَسْتَمِعُ.
قالَ عِيسى: ليسَ العَمَلُ على تَحْصِيبِ مَنْ تَكَلَّمَ والإمَامُ يَخْطُبُ، مِنْ أَجْلِ أنَّهُ
قدْ نُهِيَ عَنِ التَّحْصِيبِ، ولا بأسَ بالإشَارَةِ إلى المُتَكلّمِ بالسُّكُوتِ.
* قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الجُمُعَةِ أَضَافَ إليها أخْرَى" وهذا قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، بِخِلاَفِ مَا يُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ أنَّهُ قَالَ: (مَنْ فَاتَتْهُ الخُطْبَةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنَّهُ لا جُمُعَةَ لَهُ، وأنَّهُ يُصَلِّيها أَرْبَعْ رَكَعَاتٍ) (١)، وبِخِلاَفِ مَنْ يَقُولُ: (إنَّهُ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ يومَ الجُمُعَةِ مَعَ الإمَامِ أنَّهُ يأتِي بِرَكْعَتَيْنِ)، وتَأوَّلَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: "مَا أَدْرَكْتُم فَصُلُّوا، ومَا فَاتَكُم فَأتِمُّوا" فيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ كمَا فَاتَتا، والثَّابِتُ عندَ أَهْلِ المَدِينةِ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فقدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ".
قالَ مَالِكٌ: مَنْ أَصَابَهُ حَدَثٌ يومَ الجُمُعَةِ فَلْيَخْرُجْ ولَيَتَوضَّأْ، وليسَ عليه اسْتِئْذَانُ الإمَامِ، وتَأوَّلَ قَوْلَ اللهِ ﵎: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] إنَّما كَانَ هذا في حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لا في الجُمُعَةِ، وذَلِكَ أنَّ في ذَهَابِهم عنهُ في الحُرُوبِ تَوْهِينٌ للمُسْلِمينَ، فإذا أَذِنَ لَهُم في الذِّهَابِ لم يَكُنْ عليهِم في ذَلِكَ حَرَجٌ.
وتَأوَّلَ غيرُ مَالِكٍ الآيةَ على الجُمْلَةِ، فقالَ: مَنْ أَصَابَهُ حَدَثٌ يومَ الجُمُعَةِ والإمَامُ يَخْطُبُ لم يَخْرُجْ حتَّى يَسْتَأذِنَ الإمامَ، وفي هذا حَرَجٌ عَظِيمٌ, لأنَّهُ رُبَّما أَحْدَثَ الدَّاخِلُ قبلَ أنْ يَصِلَ إلى الإمَامِ.
قالَ عِيسى عَنِ ابنِ القَاسِمِ، أنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى الجُمُعَةَ في دَارٍ مَحْجُوزَةً عَلَيْها
فَلْيُعِدْ ظُهْرَاً أَرْبَعًا (٢). стр. 156
وقال ابنُ نَافِعٍ (١): مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فقدْ أَخْطَأَ ولا إعَادَةَ عليهِ.
قالَ ابنُ نَافِعٍ: في الإمَامِ المُسَافِرِ يَجْمَعَ الجُمُعَةَ بأهلِ قَرْيَة مِنْ عَمَلِه لا تَجِبُ عَلَيْهِم أنَّ صَلاَتَهُ مَجْزِيَةٌ عنهُ وعَنْ مَنْ كَانَ مُسَافِرًا مِثْلَهُ، كأنَّهُم يَقْصِرُونَ الصَّلاَةَ، وأما أَهْلُ تِلْكَ القَرْيَةِ فإنَّهُم يُتِمُّونَ صَلاَتَهُم، ويَبْنُونَ على تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ.
وقالَ ابنُ القَاسِم: يُعِيدُ الإمَامُ ويُعِيدُونَ، وذَلِكَ أنَّ الإمَامَ جَهَرَ في صَلَاتهِ عَامِدًا.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: مَنْ جَهَرَ في صَلَاتهِ مُتَأوِّلًا لم تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلاَتُهُ إذا أَصْلَحَها بالسُّجُودِ.
قالَ ابنُ القَاسِم: إذا كَانَت القَرْيَةُ مُتَّصِلَةَ البُيُوتِ كالرَّوْحَاءِ وشَبَهِها لَزِمَتْهُم الجُمُعَةِ.
وقالَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ: يُجَمِّعُ الجُمُعَةَ خَمْسُونَ رَجُلًا.
وقالَ مُطَرِّفٌ وابنُ المَاجِشُونَ (٢): يُجَمِّعُ الجُمُعَةَ أهلُ ثَلاَثِينَ بَيْتَاً فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ بِوَالٍ وبِغَيْرِ وَالٍ.
قالَ أبو المُطَرّفِ: وفَضْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ ثَابِتٌ عَنِ النبي ﷺ ، ومَوْجُودٌ في التَّورَاةِ كَمَا قالَ كَعْبٌ لأَبي هُرَيْرَةَ.
وقولُهُ في الحَدِيثِ: "مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا وَهِي مُصِيخَةٌ يومَ الجُمُعَةِ" يُريدُ: هي مُسْتَمِعَةٌ مُشْفِقَةٌ مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ غَيْرِ الجَنِّ والإنْسِ، فإنَّهُم يَغْفُلُونَ مِنْ شَأْنِ يومَ الجُمُعَةِ الذي فيه تَقُومُ السَّاعَةِ، وفي هذا دَلِيلٌ على قُرْبِ مَجِيءِ السَّاعَةِ. стр. 157
* قال أبو المُطَرِّفِ: إنَّما كَرِهَ بُصْرَةُ بنُ أَبي بُصْرَةَ لأَبي هُرَيْرَةَ خُرُوجَهُ إلى الطُّورِ مِنْ أَجْلِ أنَّها لا تُشْخَصُ المَطَايا وتُرْكَبُ الإبلُ إلَّا إلى ثَلاَثةِ مَسَاجِدَ: مَكَّةَ، والمَدِينَةِ، وبَيْتِ المَقْدِسِ، لِفَضْلِ هذِه المَسَاجِدِ على سَائِرِ بُقَعِ الأرضِ، إلَّا مَنْ نَذَرَ رِبَاطَاً في ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ المُسْلِمينَ، فَيَلْزَمُه إتْيَانُ ذَلِكَ الثَّغْرَ، مِنْ أَجْلِ الرِّبَاطِ الذي أَمَرَ اللهُ بهِ وحَضَّ عليهِ، وإنْ كَانَ الذي نَذَرَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، أو المَدِينةِ، أو بَيْتِ المَقْدِسِ.
قالَ أبو عُمَرَ: رُوي في سَاعَةِ إجَابَةِ الدُّعَاءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثَلاَثُ أَقْوَالٍ، قِيلَ: إنَّها في أوَّلِ النَّهَارِ، وقِيلَ: أنَّها عندَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: هِي آخِرِ سَاعَةٍ في يَوْمِ الجُمُعَةِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: في مُذَاكَرَةِ أَبي هُرَيْرَةَ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَضْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ الفِقْهِ: الإسْتِمَاعُ إلى مَا في التَّوْرَاةِ إذا حَدَّثَ بذَلِكَ مُسْلِمٌ قد قَرأَ التَّوْرَاةَ، فإذا حَكَى يَهُودِيٌّ عَنِ التَّوْرَاةِ شَيْئًا لم نُصَدِّقْهُ ولمْ نُكَذِّبْهُ، وكَذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ إذا حَكَى عَنِ الإنْجِيلُ شَيْئًا لم نُصَدِّقْهُ ولمْ نُكَذِّبْهُ، وقُلْنَا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وفي مُذَاكَرَةِ أبي هُرَيْرَةَ لإبنِ سَلاَمٍ مِنَ الفِقْهِ: عَرْضُ الرَّجُلِ مَا رَوَاهُ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ على كُلِّ مُسْلِمٍ قدْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ والإنْجِيلَ، لِيَعْلَمَ هَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ أو غَيْرُ صَحِيحٍ، والاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ على صِحَّةِ الفُتْيَا، كمَا احْتَجَ ابنُ سَلاَمِ على سَاعَةِ الإجَابَةِ للدُّعَاءِ في آخِرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ بِحَدِيثِ النبيِّ ﷺ .
قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَمَرَ النبيُّ ﷺ فيها بالغُسْلِ، والتَّجَمُّلِ للجُمُعَةِ بالثِّيَابِ الحِسَانِ، والطِّيبِ.
وقَرَأَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الجُمُعَةِ مَعَ أُمِّ القُرْآنِ سُورَةَ الجُمُعَةِ، وفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ باُمِّ القُرْآنِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١].
ومِنْ رِوَايةِ غَيْرِ مَالِكٍ أنَّهُ قَرَأَ في الرَّكْعَةِ الأُولَى مَعَ أُمِّ القُرآنِ سُورَةِ الجُمُعَةِ، وفي الثَّانِيةِ سُورَةِ المُنَافِقِينَ، يُرِيدُ بذَلِكَ تَوْبِيخُ المُنَافِقِينَ المُتَخَلِّفِينَ عَنْهَا.
стр. 158
رَوَى غَيْرُ مَالِكٍ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللهُ على قَلْبِه بِطَابِعِ النِّفَاقِ"، ومِنْ رِوَايةِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ تَرَكَ الجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ".
ورَوى ابنُ عبدِ الحَكَمِ (١) عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قَالَ: لا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ يَتْرُكُ الجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لأنَّها فَرِيضَةٌ.
* * *
تَمَّ كِتَابُ الصَّلاَةِ
بِحَمْدِ اللهِ وعَوْنهِ، وصلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا
* * * стр. 159
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلَّى اللهُ على سيِّدنا مُحمَّدٍ وعلى آلهِ وصَحْبه وسلِّم تَسْلِيما
تَفْسِيرُ أبْوَابِ الصَّلَاةِ في رَمَضَان
* قالَ ابنُ القَاسِمِ: في حَدِيثِ عَائِشَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في المَسْجِد ذَاتَ لَيْلَةٍ، إلى آخِرِ الحَدِيثِ, قالَ: جَاءَ النَاسُ فَصَفُّوا وَرَاءَ رَسُولِ الله- ﷺ ، فَصَلُّوا بِصَلاَتِه، ثُمَّ صَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ في اللَّيْلَةِ المُقْبلَةِ فلمْ [يَنْهَهُم] (١) ولم يكنْ أَوَّلًا أَمَرَهُم أنْ يُصَلُّوا معهُ، فلمَّا خَشِيَ أنْ يَعُودَ عَليهِم فَرْضُ قِيَامُ اللَّيْلِ تَرَكَ الخُرُوجَ إليهِم، ثُمَّ رَغَّبَهُم في قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَيْهِم في ذَلِكَ فَيُوجِبُه عليهِم، فقالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه" يَعْنِي: صَامَهُ مُصَدِّقًا بِفرْضِ صِيَامِه، واحْتَسَبَ أَجْرَ قِيَامِهِ باللَّيْلِ علىَ اللهِ ، غُفِرَ لَهُ ذُنُوبُهُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: وفي جَمْعِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ النَّاسَ في قِيَامِ رَمَضَانَ على إمَامٍ وَاحِدٍ مِنَ الفِقْه: نَظَرُ الإمَامِ لِرَعِيَّتِه في [جَمْعِ] (٢) كَلِمَتِهم، ومَا يَصْلَحُ في مَعَادِهِم.
* وقَوْلُهُ في ذَلِكَ: (نِعْمَتِ البدْعَةُ) فالبَدْعَةُ بِدْعَتَانِ: بِدْعَةُ هُدَى، وبِدْعَةُ ضَلاَلَةٍ، وبِدْعَةُ الضَّلاَلةِ كُلُّ مَا ابْتُدَعَ على غَيْرِ سُنَّةٍ.
وإنّما لم يُصَلّ عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ النَاسِ لأن النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّهَا بالنَّاسِ في المَسْجِدِ. стр. 160
قالَ مَالِكٌ: ولَو صَلَّاها الإمَامُ مَعَ النَّاسِ في المَسْجِدِ لم يَكُنْ بذَلِكَ بَأسٌ.
وقَوْلُ عُمَرَ: "والتي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ" يُرِيدُ: أن التَّنَفُّلَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، مِن أَجْلِ حَدِيثِ النُّزُولِ، واسْتِجَابةِ الرَّبَّ للعِبَادِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقالَ أبو المُطَرِّفِ: قَامَ النَّاسُ في رَمَضَانَ في خِلاَفةِ عُمَرَ بِثَلاَثٍ وعِشْرِينَ رَكْعَةً، يُطَوِّلُونَ القِرَاءَةَ في كُلِّ رَكْعَةٍ، ثُمَّ صَلُّوا بعدَ ذَلِكَ سِتَّةً وثَلاَثينَ رَكعَةً سِوَى الوُترِ، نَقَصُوا مِنْ طُولِ القِيَامِ، وزَادُوا في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ.
وقالَ نَافِعٌ القَارئُ: أَدْرَكْتُ النَّاسُ وَهُم يُصَلُّونَ في رَمَضَانَ سِتَّةً وثَلاَثِينَ رَكْعَةً سِوَى الوُتْرِ (١)، واسْتَحْسَنَهُ مَالِكٌ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ الأَعْرَجِ: (مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إلَّا وَهُم يَلْعَنُونَ الكَفَرةَ في رَمَضَانَ). قالَ عِيسى: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مِنْ نِصْفِ رَمَضَانَ إلى آخِرِه، يَدْعُو إمَامُهُم على الكَفَرَةِ، ويَدْعُو للمُسْلِمينَ، رَافِعَاً صَوْتَهُ، ويُؤَمِّنونَ على دُعَائِه، وكَانَ مَالِكٌ لا يَأْخُذُ بهِ, لأنَّهُ لم يكُنْ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلاَمِ بالمَدِينةِ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ المَدِينَةِ حِينَ قَاتَلَهُم الخَوَارِجُ، فَقَتَلُوا فُقَهَائَهُم وصَالِحِيهِم، فَكَانُوا يَلْعَنُونَهُم ويَدْعُونَ عَلَيْهِم في صَلاَةِ رَمَضَان باللَّيْلِ، فَفِي هذا رُخْصَةٌ في الدُّعَاءِ على مَنْ ظَلَمَ المُسْلِمينَ، ولمْ يَتَّقِ اللهَ فِيهم.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: صَلاَةُ عَائِشَةَ خَلْفَ ذَكْوَانَ مُدَبَّرَهَا في رَمَضَانَ دَلِيلٌ على أنَّ الإمَامَةَ لَيْسَتْ إلى النِّسَاءِ لا في فَرِيضَةٍ ولا في نَافِلَةٍ، وأنَّهُ لا بَأْسَ، بإمَامَةِ العَبْدِ في النَّافِلَةِ، وتَجُوزُ إمَامَتُهُ في الفَرِيضَةِ إذا لم يَكُنْ إمَامَاً رَاتِبًا, لأن على العَبْدِ أنْ يُطِيعَ سَيِّدَهُ فِيمَا يَأمُرُه به، بمَا أَمَرَهُ بسَفَرٍ أو خِدْمَةٍ، وشغلُهُ عَنِ الإمَامَةِ [لِلَزمِه] (٢) طَاعَةَ سيِّدِه.
* * * стр. 161
بابُ صَلاَةِ اللَّيْلِ، وصَلاَةِ الوِتْرِ، ورَكْعَتِي الفَجْرِ
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: الرَّجُلُ الذي حَدَّثَ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ هُو الأَسْوَدُ بنُ [يَزِيدَ] (١)، وكانتْ عَائِشَةُ تُحِبُّه لِفَضْلِه.
* وقَوْلُه ﵇: "مَا مِن امْرِئً تكون لَهُ صَلاَةٌ بلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عليهَا نَوْمٌ إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ صَلاَتِهِ" قالَ أبو المُطَرِّفِ: نَحْو قَوْلهِ ﵇: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَ لَهُ حَسَنَةُ" (٢)، وكَقَوْلهِ: "الأعْمَالُ بالنِّيَاتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (٣).
وأَمَرَ النبيُّ ﵇ مَنْ غَلَبَهُ النُّومُ في صَلَاتهِ بالرُّقَادِ وألَّا يُغَالِبَ النَّوْمَ فَيُعَذِّبَ نَفْسَهُ، ورُبَّما أَرَادَ أَنْ يَدْعُو الله فَيَدْعُو عَلَيْها فَيَسُبُّ [نَفْسَهُ، قَالَ عبدُ اللهِ بنُ] (٤) مَسْعُودٍ: إنَّ لِهَذِه القُلُوبَ [شَهْوَةً وإقْبَالاً، وإنَّ لهَا فَتْرَةً وإدْبَارَاً، فَخُذُوهَا عندَ شَهْوَتِها وإقْبَالِها] (٥)، ودَعُوهَا عندَ فَتْرَتِهَا وإدْبَارِهَا (٦).
* قالَ أبوالمُطَرِّفِ: قَوْلُ عَائِشَةَ: (كُنْتُ أَنَامُ بينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ ﷺ وَرِجْلاَي стр. 162
في قِبْلَتِه) , وذَكَرتِ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، فيهِ مِنَ الفِقْه: أنَّ المُلاَمَسَةَ إذا لم يُقْصَدْ بِها اللَّذَّةَ لمْ تَنْقُضِ الوُضُوءَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَمَسَّ عَائِشَةَ بِيَدِه عندَ سُجُودِه لِكَي يَسْجُدَ على الأَرْضِ، فَكَانَتْ تَقْبضُ رِجْلَيْهَا ثُمَّ يَسْجُدُ ويَتَمَادَى في صَلَاتهِ، وفيهِ الزُّهْدُ في الدُّنيا، وأَخْذُ البُلْغَةِ مِنْهَا، وتَرْكُ الإتِّسَاعِ في البُنْيَانِ.
قال ابنُ القَاسِمِ: لا يُصَلِّي أَحَدٌ نَافِلَةً أو فَرِيضَةً وَرَاءَ نَائِمٍ إلَّا مِنْ ضِيقِ بَيْتٍ أو سَفِينَةٍ، بِسَببِ مَا يَحْدُثُ مِنَ النَّائِمِ.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: كَانَتِ الحَوْلاَءُ قَرِيبَةً لِخَدِيجَةَ، وكَانَتْ تَبِيتُ في المَسْجِدِ، وتُكْثِرُ الصَّلَاةَ فيهِ باللَّيْلِ، فَخَشِي عَلَيْهَا رَسُولُ الله- ﷺ الفَتْرَةَ، فقالَ: "إنَّ اللهَ لا يَمَلُّ" أي لَيْسَ مِنْ صِفَتِه المَلَلُ وأَنْتُم تَمَلُّونَ.
وقالَ فيهِ ابنُ مُزَيْنٍ: مَعْنَاهُ أنَّ الله ﵎ لا يَمَلُّ مِنْ كِتَابِ الحَسَنَاتِ للعَبْدِ مَا دَامَ العَبْدُ يَعْمَلهَا، فإذا تَرَكَ العَمَلَ لمْ يُكْتَبْ لَه شَيْئَاً، وخَيْرُ العَمَلِ مَادَامَ عليهِ صَاحِبُه وإنْ قَلَّ، يُرِيدُ مِنَ النَّوَافِلِ.
* قَوْلُ عُمَرَ لأَهْلِه باللَّيْلِ (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ) فِيه مِنَ الفِقْهِ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ على صَلاَةِ النَّافِلَةِ باللَّيْلِ، ولمْ يُكَلِّفْ عُمَرُ لأَهْلِهِ مِنْ طُولِ القِيَامِ مِثْلَ مَا تَكَلَّفَهُ هُو، وكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُه بأَهْلِه.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ مَالِكٍ عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ في عَدَدِ رَكَعَاتِ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أَبي سَعِيدٍ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وخَالَفَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فقالَتْ فيهِ: "أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بثَلاَثَ عَشَرةَ رَكْعَة, والصَّحْيحُ في هَذا عَنْ عَائِشَةَ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ وسَعِيدُ بنُ أَبي سَعِيدٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بإحْدَى عَشَرةَ رَكْعَةً" والغَلَطُ فيهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ (١). стр. 163
قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ النبيِّ ﷺ : "إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولا يَنَامُ قَلْبِي" كَانَ لا يَنَامُ ﷺ ، مِنْ جِهَةِ ضَبْطِه للوَحْي, لأنَّهُ كَانَ يُوحَى إليه في النَّوْمِ كَمَا كَانَ يُوحَى إليه في اليَقَظَةِ، وكَذَلِكَ سَائِرُ الأنْبِيَاءِ، قالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ لابنهِ: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] يَعْنِي: أنَّهُ أُوحِيَ إليَّ في مَنَامِي بِذَلِكَ، وقدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَتَوضَّأُ، فَالحُكْمُ في النَّوْمِ للغَلَبَةِ، فإذا غَلَبَ النَّوْمُ وَجَبَ الوُضُوءُ على النَّائِمِ.
* في حَدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ حِينَ بَاتَ عندَ مَيْمُونَةَ خَالَتِه زَوْجِ النبيِّ ﷺ حينَ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يقَرَأُ آخِرَ اَلِ عِمْرَانَ فيهِ مِنَ الفِقْهِ: الرُّخْصَةُ في قِرَاءَةِ القُرْآنِ على غَيْرِ وُضُوءٍ؛ لأن رَسُولَ اللهِ ﷺ [قَرأَ هَذِه الآياتِ بعدَ قِيَامَهِ] (١) مِنْ نَوْمهِ، وقِيَامُ الرَّجُلِ للآخِرِ وَضُوَئهُ وإنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِه أو مِنْ وَلَدِه أو [غَيْرِهِم إنْ كَانُوا] (٢) صَالِحِينَ، وفيهِ الإمَامَةُ في النَّافِلَةِ، وقِيَامُ المَأْمُومِ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ إذا كَانَا اثْنَيْنِ، وكَذَلِكَ [روَى سَعِيدُ] (٣) بنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِ النبيِّ ﷺ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه [وأَقَامَ المَرْأةَ مِنْ] (٤) خَلْفِهِ، وقَالَ كُرَيْبٌ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ: وفَتَلَ النبيُّ ﷺ أُذُنَ ابنِ عبَّاسٍ، لِكَي يُذْهِبَ عنهُ النَّوْمَ، وفيهِ: أنَّ النَّافِلَةَ رَكْعَتَانِ، وأنَّ الوُتْرَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وأنَّ الوُتِرَ رَكْعَةً وَاحِدَةً يُفْصَلُ بَيْنَهُما وبَيْنَ стр. 164
الشَّفْعِ بِسَلاَمٍ، وفيهِ الرُّكُوعُ للفَجْرِ بعدَ اطِّلاَع الفَجْرِ، وفيهِ إعْلاَمُ المُؤَذّنِ الإمَامَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ.
قالَ عِيسى: واضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيَيئذٍ اضْطِجَاعَاً لمْ [يَنمْ] (١) فيهِ، لِكَي يَسْتَرِيحَ مِنْ طُولِ قِيَامِه في الصَّلَاةِ.
* قَوْلُ النبيِّ ﷺ "صَلاَةُ اللَّيْلِ مِثْنَى مَثْنَى" يُرِيدُ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في النَّافِلَةِ.
ورَوَى هذا الحَدِيثَ شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ البَارِقيِّ، عَن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "صَلاَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (٢)، وهَذِه الرِّوَايةُ تُبَيِّنُ أَنَّ النَّافِلَةَ بالنَّهَارِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، بِخِلاَفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ النَّافِلَةَ بالنَّهَارِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ في اَخِرِهِنَّ.
* قالَ: وقَوْلُهُ في حَدِيثِ المُوَطَّأ: "فَإذا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى", يَعْنِي: تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى مِنَ الفَرِيضَةِ والنَّافِلَةِ.
وقالَ مَالِكٌ في هَذا الحَدِيثِ: (مَا مِنْ شَيءٍ أَبْيَنَ مِنْ هَذا)، يُرِيدُ: أنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلاَفِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الوِتْرَ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ في آخِرِهنَّ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَنْكَرَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ قَوْلَ أَبي مُحَمَّدٍ - واسْمُهُ: مَسْعُودُ بنُ أَوْس أنَّ الوِتْرَ وَاجِبٌ، يُرِيدُ: وُجُوبَ الفَرَائِضِ، فأَنْكَرَ عُبَادَةُ هذَا القَوْلَ، وقالَ: هُو سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ النبيِّ ﷺ : "خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ" إلى آخِرِ الحَدِيثِ. стр. 165
وقالَ أَهْلُ الكُوفَةِ: الوِتْرُ فَرِيضَةٌ (١)، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رَوَوْهُ عَنِ النبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إنَّ الله ﵎ زَادَكُمْ صَلاَةً إلى صَلاَتِكُم، ألَا وَهِيَ الوِتْرُ" (٢).
ومَعْنَى هذا الحَدِيثِ عندَ أَهْلِ المَدِينَةِ: أنَّ الله زَادَنَا ثَوَابَ صَلاَةَ الوِتْرِ إلى ثَوَابِ صَلاَةِ الفَرْضِ، ولَو كَانَ الوِتْرُ فَرْضَاً لَقَالَ: إنَّ اللهَ ﵎ زَادَكُم فَرْضَاً إلى فَرْضِكُم، وقدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على رَاحِلَتِه، ولمْ يُصَلِّ قَطُّ فَرِيضَةً على رَاحِلَتِه.
وقَدْ سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عَنِ الوِتْرِ: (أَوَاجِبٌ هُو وُجُوبَ الفَرَائِضِ؟ فقالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَوْتَرَ المُسْلِمُونَ, وَلَوكانَ الوِتْرُ فَرْضَاً لَبَيَّنَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ للذي سأَلهُ عنهُ، فَالوِتْرُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
قالَ أبوالمُطَرِّفِ: أَنْكَرَ مَنْ يَقُولُ بإنَفَاذِ الوَعِيدِ -مِنْ أَهْلِ البدَعِ (٣) - حَدِيثَ عُبَادَةَ هَذا، لِقَوْلِه في آخِرِه: "ومَنْ لمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ عندَ اللهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإن شَاءَ غَفَرَ لَهُ" وقَالُوا: سَنَدُ هذَا الحَدِيثِ في المُوطَّأ مَجْهُولٌ، وهذا حَدِيثٌ رَوَاهُ يَحْيىَ بنُ سَلاَمٍ عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّانَ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عَنِ النبيِّ ﷺ ، وذَكَرَ الحَدِيثِ على نَحْوِ ما ذَكَرَ مَالِكٌ في المُوطَّأ (٤). стр. 166
وأَهْلُ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ اللهَ ﵎ في وَعْدِه للطَّائِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يُخْلِفُهُ، وأنَّهُ في وَعِيدِه لأَهْلِ التَّوْحِيدِ [المُعَانِدينَ] (١) الذينَ يَسْتِحلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ بالخِيَارِ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُم، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦].
وقوْلُهُ في الصَّلَواتِ: "وَمَنْ لمْ يَأْتِ بهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عندَ اللهِ عَهْدٌ" يعنِي: إنَّ لم يأْتِ بِهِنَّ على سَبِيلِ التَّضْيِيعِ لَهُنَّ والغَفْلةِ فاللهُ فيهِ بالخَيَارِ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ جَحَدهَا اسْتُتِيبَ، فإنْ تَابَ وإلَّا قُتِلَ، وإنْ أَقَرَّ بِها وقالَ: لا أُصَلِّي، أُخِرَّ حتَّى يَمْضِي وَقْتُ صَلاَةٍ، فإنْ صَلَّاهَا وإلَّا قُتِلَ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عَنْ تَشْفِيعِه للوِتْرِ، فَقِيلَ لَهُ: (هَلْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أو فَعَلَهُ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ؟ فقالَ: لا, ولَكِنَّهُ شَيءٌ اسْتَحْسَنْتُهُ) (٢)، قالَ أبو مُحَمَّدٍ: ولِهَذا قالَ مَالِكٌ: إنَّهُ مَن افْتَتَحَ وِتْرَاً فلَا يَجْعَلْهَا شَفْعَاً إذ لم يَفْعَلْهُ النبيُّ ﷺ .
* قالَ مَالِكٌ: وليسَ العَمَلُ على فِعْلِ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ إذْ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لا شَفْعَ قَبْلَهَا، وأَقَلُّ الوِتْرِ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ، اثْنَتَانِ شَفْعٌ وَوَاحِدَةٌ وِتْرٌ.
قالَ أبو عُمَرَ: أَدْخَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ حَدِيثَ ابنِ عبَّاس في وِتْرِه بعدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ يَرُدُّ بِهِما قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لا يُوتِرُ بعدَ الفَجْرِ، وإنَّما يَكُونُ الوِتْرُ باللَّيْلِ، والمُسْتَحْسَنُ عندَ مَالِكٍ أنْ يَكُونَ الوِتْرُ باللَّيْلِ، فإذا وَقَعَ стр. 167
بعدَ الفَجْرِ أَجْزَأ على حَسْبِ مَا فَعَلَ ابنُ عبَّاسٍ وعُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ.
ولا يَقْضِي بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، مِنْ أَجْلِ أنَّ السُّنَنِ إذا ذَهَبتْ أَوْقَاتُها لم تَكُنْ فِيها إعَادَةٌ، وليْسَتْ كالفَرَائِضِ التي أَوْقَاتُها أَبَدًا مُدْرَكَةً.
قالَ عِيسى: إذا خَرَجَ الإمَامُ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ قبلَ أَنْ يُوتِرَ فَأَقَامَ المُؤذِّن الصَّلَاةَ، فإنَّهُ يُسَكِّتُه الإمَامُ، كَمَا فَعَلَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، ولا يُسَكِّتْهُ لِرَكْعَتِي الفَجْرِ، ولَكِنُّهُ يُصَلي الصُّبْحَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتِي الفَجْرِ إذا طَلَعَت الشَّمْسُ إنْ أَحَبَّ، وهُمَا مِنَ الرَّغَائِبِ.
وقالَ أَشْهَبً (١): هُمَا سُنَّةٌ
قالَ أبوالمُطَرِّفِ: إنَّما أُمِرَ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الفَجْرِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ أنْ يُصَلِّيهَا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ لأن الرَّغَائِبَ إذا تُرِكَتْ فَلَمْ تُصَلَّى في أَوْقَاتِها المَعْرُوفَةِ لهَا قُضِيتْ بعدَ ذَلِكَ.
كمَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: (مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ عندَ زَوَالِ الشَّمْسِ فكأَنَّهُ لم يُفِتْهُ) فأَبَاحَ لَهُ قَضَائَهُ في غَيْرِ وَقْتِهِ.
ورَوى القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ : "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذا سَكَتَ المُؤَذَنُ عندَ الأَذانِ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ وبَدأَ الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ" (٢)، وهَذه الرِّوَايةُ تُبَيِّنُ أنَّ رَكْعَتِي الفَجْرِ لا تُصَلَّى قَبْلَ الفَجْرِ، ولمْ يَذْكُرْ يحيى ولا ابنُ بُكَيْرٍ في هذا الحَدِيثِ (وبَدأَ الصُّبْحُ)، كمَا رَوَاهُ القَعْنَبِيُّ.
* قَوْلُهُ ﵇: "أَصَلاَتَانِ مَعَاً؟ " يُرِيدُ بذَلِكَ: النَّهْيَ عَنْ صَلاَةِ النَّافِلَةِ والإمَامُ يُصَلِّي فَرِيضَةً. стр. 168
قالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ دَخَلَ في فَرِيضةٍ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ فإنْ طَمَعَ في تَمَامِ صَلاَتِهِ ويُدْرِكَ الإمَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الرَّكْعَةَ الإولَى فَعَلَ ذَلِكَ، وإن لم يَطْمَعْ بِذَلِكَ قَطَعَ مَا هُوَ فيهِ ودَخَلَ مَعَ الإمَامِ، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَاةَ التِّي فَاتَتْهُ، وأَعَادَ التي صَلَّاهَا مَعَ الإمَامِ لِئَلَّا تَكُونَ صَلاَتَانِ. مَعَاً، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ، فَيُصَلِّي مَعَ الإمَامِ لِيُدْرِكَ فَضْلَ الجَمَاعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ الأولَى التِّي كَانَتْ عَلَيْهِ، ويُعِيدُ بَعْدَهَا التِّي صَلَّاهَا مَعَ الإمَامِ لِكَي يُقِدِّمَ التَّرْتِيبَ المَأْمُورَ بهِ في صَلاَةِ الفَرْضِ،
стр. 169
بابُ فَضْلِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ، وإعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الإمَامِ، وصَلاَةِ الرَّجُلِ جَالِسَاً
* في حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ, وفِي حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ التَّرْغِيبُ في مُشَاهَدَةِ الجَمَاعَةِ, لِفَضْلِهَا على صَلاَةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، وإقَامَةُ الجَمَاعَاتِ فَرْضٌ على الكَافَّةِ.
* وقَوْلُهُ ﷺ : "لقدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ" وذَكَرَ الحَدِيثِ إلى آخِرِه، إنَّما قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في مُنَافِقِينَ كَانُوا لا يَشْهَدُونَ الصَّلَواتِ مَعَهُ، فَهَمَّ بِتَحْرِيقِ بِيُوتَهُم عُقُوبَةً لَهُم.
وقَوْلُهُ: "لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُم أنَّهُ يَجِدُ عَظْمَاً سَمِينَأ" يعنِي: لَحْمَاً سَمِينَاً يَأْكُلُه في المَسْجِدِ، أَو يَجِدُ فيهِ (مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ) لَجَاءَ إلى المَسْجِدِ.
قالَ الأَخْفَشُ (١): المَرَامِي وَاحِدُها مِرْمَاةٌ، وَهِي حَدِيدَةٌ لَها طَرَفٌ كَطَرفِ السِّنَانِ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِها في الجَاهِليَّةِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: مَعْنَى هذَا الحَدِيثِ أنَّ أُولَئِكَ المُتَخَلِّفينَ عَنِ الصَّلَاةِ مَعَ النبيِّ ﷺ لَو دُعِيَ أَحَدُهُم إلى طَعَامٍ يَأكُلُه في المَسْجِدِ، أو إلى اللَّعِبِ بالمَرَامِي لأَتَى المَسْجِدَ رَغْبَةً في ذَلِكَ، لا رَغْبَةً مِنْهُ في مُشَاهَدَةِ صَلاَةِ العِشَاءِ، التَّي مَنْ стр. 170
صَلَّاهَا في جَمَاعَةٍ فكَأَنَّما قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ، فَحُرِمَ [المُنَافِقُونَ] (١) هذا الفَضْلَ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَوْقَفَ مَالِكٌ في المُوطَّأ قَوْلَ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلاَتُكُم في بيُوتِكُم إلَّا المَكْتُوبَةَ" وأَسْنَدَهُ غَيْرُ مَالِكٍ عَنْ، زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، عَنِ النبيِّ ﷺ ، فالنَّوَافِلُ في البيُوتِ أَفْضَلُ مِنْها في المَسَاجِدِ؛ لأنَّهُ يُرْفعُ في ذَلِكَ المَكَانِ الرِّيَاءُ عَنِ المُتَنفِّلِ، والفَرَائِضُ في المَسَاجِدِ والجَمَاعَاتِ أَفْضَلُ مِنْهَا في البِيُوتِ؛ لأنَّهُ لا يَدْخُلُ الفَرَائِضَ رِيَاءٌ، لاشْتِرَاكِ الجَمِيعِ في ذَلِكَ المَكَانِ.
قولُ النبيِّ ﷺ : "بَيْنَنَا وبَيْنَ المُنَافِقِينَ شُهُودُ العِشَاءِ والصُّبْحِ", قالَ أَبو المُطَرِّفِ: حَرَّمَ [اللهُ ﵎ علَى] (٢) المُنَافِقِينَ مُشَاهَدَةَ هَاتَيْنِ الصَّلاَتَيْنِ في الجَمَاعَةِ عُقُوبَةً لِتَثَاقُلِهِم [في أَدَاءِهَا] (٣) على مَنْ صَلَّاهَا في جَمَاعَةٍ بِثَوَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّه، وكَمَا تَفَضَّلَ على الذي أَمَاطَ غُصْنَ الشَّوْكِ عَن الطَّرِيقِ خِيفَةَ أنْ يَتَأذَّى به مُسْلِمٌ، [وأَنَّها تُوجِبُ] (٤) الغُفْرَانَ إذا أرَادَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ ، واللهُ لا يُضِيعُ أجرَ العَامِلِينَ.
* وذَكَرَ مَالِكٌ في هذا الحَدِيثِ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ"، وذَكَرَ في كِتَابِ الجَنَائِزِ: "الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ".
وزَادَ ابنُ بُكَيْرٍ في آخِرِ حَدِيثِ سُمَيٍّ هذَا "وَلْو يَعْلَمُونَ مَا في العَتَمَةِ والصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا ولَو حَبْوَاً" (٥)، وذَكَرَ يحيى هذِه الزِّيَادَةَ في بابِ الأَذَانِ.
* حَدِيثُ بُسْرِ بنِ مِحْجَنٍ عَنْ أَبيهِ [حَدِيثٌ] يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ، وفيه أنَّ النبيَّ ﷺ لم يُلْزِمْ مَنْ صَلَّى في بَيْتِهِ [مُنْفَرِدًا] أنْ [يُصَلِّي في] (٦) المَسْجِدِ، فَيُعِيدُ стр. 171
تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ الإمَامِ، ولكِنَّهُ أَمَرَ مَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ تِلْكَ الصَّلَاةَ التي صَلَّاهَا هُوفي بَيْتِه أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُم في صَلاَتِهِم هَذِه، ولا يَجْلِسُ في المَسْجِدِ، لِئَلَّا يُوقِعَ على نَفْسِه بِجُلُوسِه والنَّاسُ يُصَلُّونَ ظَنَّ سُوءٍ، وأَمَرَهُ النبيُّ ﷺ بالصَّلاةِ لِكَي يُدْرِكَ فَضْلَ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ، ثُمَّ قالَ: "مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ كَانَ لَهُ سَهْمَانِ مِنَ الأَجْرِ" (١).
* قالَ مَالِكٌ: (وتُعَادَ الصَّلَواتِ كُلُّهَا مَعَ الإمَامِ إلَّا صَلاَةَ المَغْرِبِ وَحْدَهَا) , إنَّما قالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أنَّهُ إذا أَعَادَ المَغْرِبَ مَعَ الإمَامِ بعدَ أنْ كَانَ قد صَلَّاهَا في بَيْتِه صَارَتْ شَفْعَاً، وَهِي وِتْرُ صَلاَةِ النَّهَارِ.
قالَ أبو عُمَرَ: إنَّما صَارَتْ شَفْعَاً لأنَّهُ صَلَّاهَا ثَانِيَةً بِنِيَّهِ المَغْرِبِ، ولَو صَلاَّها ثَانِيةً على أنَّها نَافِلَةً خَالَفْ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ النَّافِلَةَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ وأنَّها رَكْعَتَانِ، وقَوْلَ مَنْ يَقُولُ: إنَّها أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ.
* قالَ ابنُ عُمَرَ وابنُ المُسَيَّبِ للذِي سأَلَهُمَا عَنْ صَلَاتهِ في بَيْتِه وَحْدَهُ ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ الإمَامِ، وقالَ: (أَيَّتُهُمَا أَجْعَلُ صَلاَتِي؟ فقالاَ لَهُ: أَوَ أَنْتَ تَجْعَلُهُمَا؟ إنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ يَجْعَلُ أَيَّتُهُمَا شَاءَ) إنَّما يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ القَبُولَ، أَيْ أنَّ الله يَتَقبَّلُ مِنْكَ أَيَّ صَلاَةٍ شَاءَ، إنْ شَاءَ التي صَلَّيْتَها وَحْدَكَ أو التي صَلَّيْتَها مَعَ الإمَامِ.
وقالَ غَيْرُهُمَا: إنَّ الأُولَى هي صَلاَتُهُ، ولذَلِكَ قالَ مَالِكٌ: مَنْ صلَّى صَلَاتَهُ فَلاَ [يَتَقدَّمُهُم؛ لأنَّهُ قد صلَّاها في بَيْتِهِ] (٢) فَرُبَّما كَانَت الثَّانِيَةُ نَافِلَةً، فَتَخْتَلِفُ стр. 172
صَلاَةُ الإمَامِ والمَأْمُومِ، يأتَمُّ المَأمُومُ في صَلَاتهِ التي هِي عليه فَرِيضَةٌ بإمَامٍ هي لَهُ رُبَّمَا [نَافِلَةٌ] (١)، فلهَذا كَرِهَهُ مَالِكٌ.
* قالَ أبو المُطَرّفِ: إنَّما كَرِهَ مَالِكٌ إمَامَةَ مَنْ لا يُعْرَفُ أَبُوهُ مِنْ أَجْلِ مَا يَلْحَقُ
مَنْ يُصَلِّي ورَاءَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ ذلكَ، فَيَتأذَّوا بِذَلِكَ.
قالَ عِيسى: وَلَسْتُ آخُذُ في هذا بِقَوْلِ مَالِكٍ إذا كَانَ مَرْضِيَّ الحَالِ، فإمَامَتُهُ جَائِزَةٌ في الجُمُعَةِ وغَيْرِها وإنَّما عُيُوبُ النَّاسِ في دِينِهم (٢).
وكذلكَ إمَامَةُ الأقْطَعِ والأعمَى [فَصَلاَةُ هَؤُلاَءِ] (٣) جَائِزَةٌ إذا كَانُوا صَالِحِينَ.
* قولُ أَنَسٍ: "أنَّ النبيَّ ﷺ رَكِبَ فَرَسَاً فَجُحِشَ شِقُّهُ", يعني أَصَابَ النبيُّ ﷺ مِنْ سَقْطَتِه التي سَقَطَها مِنَ الفَرَسِ الذي [رَكِبَهُ فَأَصَابَ] (٤) جَنْبَهُ، فَسُلِخَ جَنْبُهُ وآذَتْهُ السَّقْطَةُ، فَصَلَّى بالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ أَجْلِ الألَمِ الذي كانَ على [لَحِقَهُ مِنَ] السَّقْطَةِ، وصَلَّى وَرَاءَهُ القَوْمُ قِيَامًا، فأَمَرَهُم بالجُلُوسِ، ثُمَّ قالَ: "إذا صلَّى الإمَامُ جَالِسَاً فَصَلُّوا جُلُوسَاً أَجْمَعُونَ".
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: قَوْلُهُ (فَصَلُّوا جُلُوسَاً أَجْمَعُونَ) مَنْسُوخٌ، نَسَخَهُ فِعْلُهُ ﷺ أنَّهُ صَلَّى آخِرَ صَلاَةٍ صَلَّاهَا في جَمَاعَةٍ وَهُو جَالِسٌ، وصَلَّى النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُم قِيَامٌ، ولمْ يَأمُرْهُم بالجُلُوسِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: في غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا يُؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي قَاعِدًا" (٥). стр. 173
* وَقَعَ في رِوَايةِ يَحْيىَ عَنْ مَالِكٍ: (وإذا قَالَ سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمَدَهُ، فقُولُوا: رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ) ووَقَعَ في رِوَايةِ ابنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ: (فَقُولُوا رَبَّنا ولَكَ الحَمْدُ) (١) بِزَيَادَةِ وَاوٍ، ومَعْنَاهُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا وَلَكَ الحَمْدُ، فَعَطَفَ بالوَاوِ، على كَلاَمٍ مُضْمِرٍ في الحَدِيثِ.
وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ: والعَمَلُ عِنْدَنا على حَدِيثِ رَبِيعَةَ أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بِصَلاَةِ أَبي بَكْرٍ (٢).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: وحدَّثنا أبو مُحَمَّدٍ الحُسَيْنُ بنُ حَامِدِ بنِ نَصْرٍ بِمِصْرَ (٣)، قالَ: حدَّثنا عليُّ بنُ الحُسَيْنِ القَاضِي، قالَ: حدَّثنا عليُّ بنُ سَعِيدٍ، قالَ: حدَّثنا شَبَابَةُ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، قالَ: حدَّثنا نُعَيْمٌ (٤)، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قالتْ: "صلَّى النبيُّ ﷺ خَلْفَ أَبي بَكْرٍ في مَرَضِه الذي ماتَ منهُ وَهُو قَاعِدٌ" (٥).
* قولُ النبيِّ ﷺ : "صَلاَةُ القَاعِدِ مِثْلُ نِصْفِ صَلاَةِ القَائِمِ" قالَ أبو عُمَرَ: يُرِيدُ في النَّافِلَةِ مَعَ القُدْرَةِ على القِيَامِ، ولِذَلِكَ أَدْخَلَ مَالِكٌ في المُوَطَّأ عَقِيبَ هذا البَابِ حَدِيثَ عَائِشَةَ وحَدِيثِ حَفْصَةَ: "أنَّ النبيَّ ﷺ لمْ يُصَلِّ صَلاَةَ اللَّيْلِ جَالِسًا إلَّا بعدَ أنْ دَخَلَ في السِّنِّ". стр. 174
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَوْلَى لِعَمْرو بنِ العَاصِ مَجْهُولُ السَّنَدِ؛ لأن مَوْلَى عَمْروِ بنِ العَاصِ لا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ.
* وقالَ: وكَذَلِكَ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْروِ بنِ العَاصِ غيرُ مُتَّصِلٍ، لَمْ يُدْرِك الزُّهْرِيُّ عَمْروَ بنَ العَاصِ.
قالَ ابنُ نَافِع: كُلُّ مَنْ ضَعُفَ حتَّى صَارَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يُصَلِّي مَكْتُوبَةً قَاعِدَاً فلَا بأسَ أنْ يُصَلَي النَّافِلَةَ جَالِسَاً أَو مُحْتَبِيَاً.
وقالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ صَلَّى فَرِيضَةً جَالِسَاً وَهُو قَادِرٌ على القِيَامِ أَعَادَ صَلَاتَهُ، ولْيُصَلِّ النَّافِلَةَ جَالِسَاً أنْ شَاءَ وإنْ كَانَ قَادِرَاً على القِيَامِ.
قالَ ابنُ حَبِيبٍ: مَنْ شَاءَ صَلَّى النَّافِلَةَ جَالِسَاً أَو مُتَربِّعَاً أو مُحْتَبِيًا، يَتَدَاولُ ذَلِكَ كَيْفَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ يَكُونُ بهِ.
стр. 175
بابُ الصَّلاةِ الوُسْطَى، إلى آخرِ الجَمْعِ بينَ الصَّلَاتَيْنِ في السَّفَرِ
* [المَوْضِعُ] (١) الذي أَمَرَتْ بهِ عَائِشَةُ أنْ يُكْتَبَ في مُصْحَفِها مِن قَوْلهِ : ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (وصَلاَةُ العَصْرِ, يَحْتَمِلُ هذا أنْ يَكُونَ قَبْلَ كِتَابَةِ أَصْحَابُ النبيِّ ﷺ المَصَاحِفَ [التي أَمَرَ بِكتَابَتِها عُثْمَانُ، و] (٢) لمْ يَقْرأْ بهذِه القِرَاءَةِ أَحَدٌ، وتَابَعَتْهَا على ذَلِكَ حَفصَةُ، وكانتْ كَثِيرَةَ المُتَابَعَةِ لِعَائِشَةَ، إلَّا أنَّ حَفْصَةَ لمْ تَقُلْ أنها سَمِعتْ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللُّهِ ﷺ كَما قالتْ عَائِشَةُ أنَّها سَمِعتْ ذَلِكَ من رَسُولِ اللهِ ﷺ , ولَيْسَ في هَاتينِ القِرَاءَتْينِ بَيَانِ أَنَّ الصَّلَاةَ الوُسْطَى هِي العَصْرُ، ولو كَانَت الوُسْطَى، لِكَانَتْ في التِّلاَوةِ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ صَلاَةُ العَصْرِ) بِغِيرِ وَاوٍ.
* وقد قالَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ وعبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ إنَّ الصَّلَاةَ الوُسْطَى هِي الصُّبْحُ. واخْتَارَ ذَلِكَ مَالِكٌ، لأنَّها بَيْنَ صَلاَتَيْنِ ليْلٍ وصَلاَتَيْنِ نَهَارٍ، وفَيها الجَهْرُ كَما يُجْهَرُ في صَلاَةِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ الأَكْلُ في وَقْتِها في رَمَضَانَ؛ لأنَّهُ نَهَارٌ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَدْخَلَ البُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ (٣)، عَن ابنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلمَانِيِّ، عَن عليِّ بنِ أَبي طَالِبٍ أنَّ النبيِّ ﷺ قالَ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ стр. 176
الوُسْطَى صَلاَةِ العَصْرِ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهُم وبُيُوتَهُم نَارًا" (١) سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ هذا الحَدِيثِ، فقالَ لي: هذا الحَدِيثُ لم يُدْخِلْهُ البُخَارِيُّ في كِتَابِ الصَّلَاةِ، والصَّحِيحُ عَنْ عليِّ بنِ أبي طَالِبٍ مَا في المُوطَّأ: (أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطَى صَلاَةُ الصُّبْحِ).
صِفَةُ الاشْتِمَالُ المَذْكُورِ في حَدِيثِ النبىِّ ﷺ أَنَّهُ صلَّى مُشتَمِلًا، وَهُو أنْ يَلِفَّ الرَّجُلُ بِرِدَائِه مِنْ رَأْسِهِ إلى قَدَمَيْهِ ثُمَّ يُخَالِفُ بطَرَفِي الرِّدَاءِ على مَنْكِبَيْهِ يَسْتُرُ جَمِيعَ جَسَدِه، واشْتِمَالُ الصَّمَاءِ الذي نُهِيَ عنهُ هو أَنْ يَلْتَحِفَ بِرِدَائِهِ ثُمَّ يَرُدُ طَرَفَ الثَّوْبِ الأَيْمَنِ على مَنْكبهِ الأَيْسَرِ، فَرُبَّما أنْ كُشِفَتْ عَوْرَةُ مَنِ اشْتَمَلَ هَكَذا على غَيْرِ ثَوْبٍ، وسَتْرُ العَوْرَةِ فَرْضٌ في الصَّلَاةِ وغَيْرِهَا، قالَ اللهُ : ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقالَ ﵎: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فالزِّينةُ: الأَرْدِيةُ والثِّيَابُ، والمَسَاجِدُ: الصَّلَواتُ، وقد رأَى ابنُ عُمَرَ نَافِعَاً يُصَلِّي في مِئْزَرٍ، فقالَ لَهُ: (خُذْ عَلَيْكَ ردَائَكَ، فإنَّ اللهَ حَقٌّ تُجَمَّلَ لَهُ) (٢).
* قالَ أبو عُمَرَ: صَلاَةُ الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ رُخْصَةً، وذَلِكَ جَائِزٌ لِقَوْلِ النبيِّ ﷺ حينَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ, فقالَ: "أَوَلِكُلِّكُم ثَوْبَانِ؟ ", وكَذَلِكَ صَلاَةُ المَرْأةِ في ثَوْبَيْنِ رُخْصَةٌ، ثَوْبٌ يَسْتُرُ جَسَدَها وُيغَطِّي قَدَمَيْهَا، وخِمَارٌ تَسْتُرُ به شَعْرُهَا وصَدْرُهَا.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ المَرْأةِ لِعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ: (إنَّ المِنْطَقَ يَشُقُّ عَلَيَّ) تعني: أنَّ المِئْزَرَ يَشُقُّ عليَّ وُجُودُه (أَفَأُصَلِّي في دِرْعٍ وخِمَارٍ؟)، فَرَخصَ لهَا في ذَلِكَ. стр. 177
قالَ أبو عُمَرَ: غَيْرُ عُرْوَةَ يَقُولُ: (تُصَلِّي في أَرْبَعِ أَثْوَاب: خِمَارٍ، وقَمِيصٍ، ومِئْزَرٍ وإزَارٍ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ في ثَوْبَيْنِ لا بُدَّ لَهُما مِنْ ذَلِكَ) (١).
وقالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: يُصَلّي الرَّجُلُ في ثَوْبٍ، والمَرْأةُ في ثَوْبَيْنِ.
قالَ أبو مُحَمَّد: قَوْلُ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ في حَدِيثِ: "أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعَاً، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى المَغْرِبَ والعِشَاءَ جَمِيعَاً، قال كان رسول الله ﷺ [................................] (٢) وأصحابه، فلمَّا [نَزَلَ] (٣) صَلَّى الظُّهْرَ، آخَّرَهَا إلى آخِرِ وَقْتِهِا، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ العَصْرِ [....]، (٤) إلى مَنْزِلهِ الذي كَانَ [....] (٥) ثُمَّ خَرَجَ بعدَ المَغْرِبِ فَجَمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِكَي يُرِي النَّاسَ اشْتِرَاكَ الأوقَاتِ، أَوْقَاتِ الصَّلَواتِ، كمَا فَعَلَ بالمَدِينَةِ حينَ جَمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ لِكي يُرِي النَّاسَ اشْتَرِاكِ الأوْقَاتِ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُهُ في هذا الحَدِيثِ: "إنَكم سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ عَيْنَ تَبُوكٍ" أَمَرَهُ اللهُ أنْ لا يَقُولَ لِشَيءٍ أنَّهُ يَفْعَلُهُ غَدَاً إلَّا أنْ يَقُولَ إنْ شَاءَ اللهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٢ - ٢٣]
قالَ الأَخْفَشُ: قَوْلُ مُعَاذٍ: "والعَيْنُ تَبِضُّ بشَيءٍ مِنْ مَاءً" يُرِيدُ: يَسِيلُ مَاؤُهَا سَيْلًا خَفِيفَاً. стр. 178
وَسَبَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَبَقَا إلى العَيْنِ لأَخْذِهِما المَاءَ الذي قدْ كَانَ نَهَى أنْ يَمَسَّ أَحَدٌ منهُ شَيْئًا حتَّى يَأْتِيه رَسُولُ اللهِ ﷺ لِكي يُبَارَكَ فيهِ فَيَكْثُرُ، حتَّى يَشْرَبَ منهُ جَمِيعُ الجَيْشِ، فَلَمَّا فَعَلَ الرَّجُلاَنِ خِلاَفَ مَا قدْ كَانَ أَمَرَ به رَسُولُ اللهِ ﷺ غَضِبَ وسَبَّهُمَا، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْضَبُ كمَا يَغْضَبُ البَشَرُ، غيرَ أنَّ سَبَّهُ كانَ بَرَكَةً ورَحْمَةً للمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ ما حدَّثنا به أبو محمد البَاجِي (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خَالِدٍ، عَنْ جَمَاعةٍ مِنْ شُيُوخِه، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إسْحَاقَ الفَرْويِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَن الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "اللَّهُمَّ إني أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدَاً لنْ تُخْلِفَهُ، فإنَّما أَنا بَشَرٌ، فأيُّ المُؤْمِنِينَ سَبَبْتُهُ أو لَعَنْتُهُ فاجْعَلْهُ لَهُ صَدَقَةً وقُرْبَةً تُقَرِّبُه بها يومَ القِيَامَةِ" (٢).
وهذا بِخِلاَفِ سَبِّه ولَعْنَتِه لِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ، وسَبُّه لأُولَئِكَ ولَعْنَتْه إيَّاهُم مُسْتَجَابٌ منهُ فِيهم ولا [حُكْمٌ] (٣) لَهُم في الآخِرَةِ.
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِجَمْعِ مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ لِيُبَارِكَ فيهِ، فَفَعلَ وصَبَّ فِيها مَاءَ وُضُوئِه فَجَرتْ تِلْكَ العَيْنُ في وَقْتِها بمَاءٍ كَثيرٍ، فَحِينَئِذٍ قالَ النبيُّ ﷺ لِمُعَاذٍ: "يُوشِكُ يا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بكَ حَيَاةٌ أنْ تَرَى مَاءً هَاهُنا قد مُلِئَ جِنَانَاً" يعني: إنْ عِشْتَ فَسَتَرَى هذا المَكَانَ الَخَالِي قدْ عُمِرَ وكَثُرتْ فيه الأَجِنَّةُ، بِسَببِ غَزَرُ مَاءُ هذه العَيْنِ، فَغَزُرَ مَاءُهَا مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، وعَمُرَ المَكَانُ حتَّى صَارَت الأَرْحَاءُ (٤) стр. 179
تُطْحَنُ مِنْ مَاءِ تِلْكَ العَيْنِ وكَثُرتْ فيهِ الأَجنَّةُ المُسْقِيةُ مِنْ تِلْكَ العَيْنِ، وهذِه مِنْ عَلاَماتِ نُبُوَّتِه ﷺ .
قالَ مَالِكٌ: لا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ المُسَافِرُ إذا جَدَّ بهِ السِّيرُ المَغْرِبَ إلى قُرْبِ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، فَيَجْمَعُ حِينَئِذٍ بينَ الصَّلَاتَيْنِ، ولا يُقَدِّمُ صَلاَةَ العِشَاءِ إلى المَغْرِبِ، ولا بَأسَ أنْ يُقَدِّمِ العَصْرِ إلى الظُّهْرِ فَيَجْمَعُهُمَا, ولا بَأْسَ أنْ يُؤخِّرَ الظُّهْرَ إلى أوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ.
وقالَ غَيْرُه: لا بَأْسَ أنْ يَجْمَعَ المُسَافِرَ بينَ الصَّلَواتِ وإنْ لم يَجِدَّ بهِ السَّفَرُ.
قالَ أبو المُطَرَّفِ: الجَمْعُ بينَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ لَيْلَةَ المَطَرِ سُنَّةٌ، فَعَلَ ذَلِكَ الخُلَفَاءُ بالمَدِينَةِ بعدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يُؤَذَّنُ المَغْرِبُ في أَوَّلِ وَقْتِهَا، ثُمَّ تُؤَخَّرُ قَلِيلًا، ثُمَّ يُؤَذِّنُ للعَشَاءِ في دَاخِلِ المَسْجِدِ، ثُمَّ يُصَلَّى العِشَاءُ، ولا يُتَنَفَّلُ بينَ الصَّلَاتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وعَلَيْهِم أَسْفَارٌ (١)، ولا يَكُونُ الوِتْرُ حتَّى يَغِيبُ الشَّفَقُ، وبهذا قالَ مَالِكٌ واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ.
سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَن الرِّسَالةِ التي نَسَبَها أبو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ إلى اللَّيْثِ أنَّهُ كَتَبَ بِها إلى مَالِكِ بنِ أَنَسٍ (٢)، وأنكرَ عليهِ فِيها قَوْلَهُ بإبَاحَةِ الجَمْعِ بينَ المَغْرِبِ والعَشَاءِ لَيْلَةَ المَطَرِ، فقالَ لي أَبو مُحمدٍ: لَيْسَتْ تَصِحُّ تلكَ الرِّسَالةَ عَنِ اللَّيْثِ، والمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ اللَّيْثِ أنَّهُ أَبَاحَ الجَمْعِ بَيْنَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ لَيْلَةَ المَطَرِ، وعندَ الطَّينِ، والظُّلْمْةِ كمَا قالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ.
* * * стр. 180
بابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ في السَّفَرِ
[إلى آخِر بَاب الصَّلَاةِ على الدَّابّةِ] (١)
* قَوْلُ الرَّجُل لإبنِ عُمَرَ: (إنا نَجِدُ صَلاَةَ الخَوْفِ وصَلاَةَ الحَضَرِ في القُرْآنِ، ولا نَجِدُ صَلاَةَ السَّفَرِ) , يعنِي: لا نَجدُ قَصْرَ الصَّلَاةِ في القُرْآنِ في غَيْرِ حَالةِ الخَوْفِ، فقالَ ابنُ عُمَرَ: (إنَّ الله بَعَثَ إلينَا مُحَمَّدًا ولا نَعْلَمُ شَيْئًا، فإنَّما نَفْعَلُ كمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ) يعنِي: تُقْصَرَ الصَّلاةُ في أَسْفَارِنَا فَنُصَلِّيها رَكْعَتَيْنِ [كمَا] (٢) كَانَ رَسُولُ الله ﷺ في أَسْفَارِه، إذ هُو المُبَيِّنُ عَنِ اللهِ ما أَمَرَهُ به.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: صَلاَةُ الخَوْفِ هي صَلاَةُ السَّفَرِ، ولكنْ مِنْ أَجْلِ الخَوْفِ قُسِمَتْ بينَ طَائِفتيْنِ بإمَامٍ وَاحِدٍ، فَصَلاةُ السَّفَرِ مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ كمَا أنَّ صَلاَةَ الحَضَرِ مَذكُورَةٌ فيه، وذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] يعنِي: إذا اسْتَقرَرَتُم في أَمْصَارِكُم ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) يعنِي: صَلُّوهَا أَرْبعَاً.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: اسْمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الذي سَأَلَ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ عَنْ هَذِه المَسْأَلةِ أُمَيَّةُ بنُ خَالِدِ بنِ أَسِيدٍ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: في جَوَابِ ابنِ عُمَرَ لِهَذا الرَّجُلِ مِنَ الفِقْهِ: الوُقُوفُ عندَ السُّنَنِ، وتَرْكُ الإعْتِرَاضِ على مَا ثَبَتَ مِنْهَا واسْتَفَاضَ بهِ العَمَلُ، وهذَا سَبيلُ أَهْلِ السَّلاَمَةِ، وأما مَنْ نَصَبَ دِينَهُ للجَدَلِ فإنَّهُ يُكْثِرُ التَّنَقُّلَ، ويُعْمِي قَلْبَهُ عَنِ الصَّوَابِ. следующие страницы →